النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١=
٨٠- (بَيْعُ الْمُشَاع) - حديث رقم ٤٦٤٨
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ) رَّهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكِ) جملة من مبتدٍ
وخبر، و(الشفعة)): بضم الشين المعجمة، وسكون الفاء، وغلط من حرّكها: لغةً
مأخوذة من الشَّفْع، وهو الزوج، وقيل: من الزيادة، وقيل: من الإعانة، وشرعًا: انتقال
حصّة شريك إلى شريك، كانت انتقلت إلى أجنبيّ بمثل العوض المسمّى، ولم يختلف
العلماء في مشروعيّتها، إلا ما نقل عن أبي بكر الأصمّ من إنكارها. قاله في ((الفتح)) ٥٪
١٩٢. وقوله: ((في كلّ شرك)) بكسر أوله، وسكون الراء: أي مشترَك. وقوله (رَبْعَةٍ)
بالجرّ بدلٌ من ((شرك))، و((الربعة)): بفتح، فسكون: المسكن، والدار. وقال القرطبيّ:
الربعة تأنيث الرَّبْع، وهو المنزل، وإنما قيل للمنزل: رَبْعٌ؛ لأن الإنسان يربع فيه: أي
يقيم، يقال: هذه ربع، وهذه ربعة، كما يقال: دارٌ، ودارةٌ. انتهى ((المفهم)) ٤/ ٥٢٤.
(أَوْ حَائِطِ) أي بستان النخل (لَا يَضْلُحُ) بضم اللام، وفتحها، من باب كرُم، ونفع،
وفي الرواية الآتية في ٤٧٠٣/١٠٨ -: ((لا يحلّ له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه، فإن شاء
أخذ، وإن شاء ترك)» (لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ) بضم حرف المضارعة، من الإيذان، وهو
الإعلام: أي حتى يُعلمه، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هو محمول على الإرشاد إلى
الأولى، بدليل قوله: (فإن باع، ولم يؤذنه الخ))، ولو كان ذلك على التحريم لذم
البائع، ولفسخ البيع، لكنه أجازه، وصححه، ولم يذمّ الفاعل، فدلّ على ما قلناه، وقد
قال بعض شيوخنا: إن ذلك يجب عليه. انتهى ((المفهم)) ٤/ ٥٢٧ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله بعض المشايخ هو الحقّ، فيجب
عليه أن يعلمه، ولا يستلزم ترك الواجب على بطلان البيع، كما مرّ تقريره في بيع
المصرَّاة، وتلقّي الجلب، فلا تغفل. والله تعالى أعلم.
(شَرِيكَهُ) قال القرطبيّ: هو عموم في المسلم، والذميّ، وهو قول مالك،
والشافعيّ، وأبي حنيفة، وحكي عن الشعبيّ، والثوريّ: أنه لا شفعة للذميّ؛ لأنه
صاغرٌ، وهو قول أحمد، والصواب الأول؛ للعموم، ولأنه حقّ جرى بسببه، فيترتّب
عليه حكمه من استحقاق طلبه، وأخذه، كالدين، وأرش الجناية. انتهى.
(فَإِنْ بَاعَ) أي من غير أن يُعلمه (فَهُوَ) أي الشريك (أَحَقُّ بِهِ) يعني أن الشريك أحقّ
بأخذ المبيع بالثمن الذي اشتراه به المشتري، من عين، أو عَرض، نقدًا، أو إلى أجل،
وهو قول مالك، وأصحابه. وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ: إلى أنه لا يشفع إلى الأجل،
وأنه إن شاء شفع بالنقد، وإن شاء صبر إلى الأجل، فيشفع عنده. قاله في ((المفهم)) ٤/
٥٢٨ .

١٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
(حَتَّى يُؤْذِنَهُ) الظاهر أن الضمير المرفوع للشريك، والمنصوب للبائع، أي حتى يُعلم
الشريك البائع بتركه، يعني أنه أحق بالشفعة، إلى أن يعلن بالترك، فإذا ترك، فالبيع
ثابت للمشتري. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رَّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٤٦٤٨/٨٠ و٤٧٠٢/١٠٧ ٤٧٠٣/١٠٨ ١٠٩/ ٤٧٠٧- وفي
(الكبرى)) ٦٢٤٢/٨١ و٦٢٩٩/١٠٩ و٦٣٠٠/١١٠ و٦٣٠٤/١١١ . وأخرجه (خ)
في ((البيوع)) ٢٢١٤ و(الشفعة)) ٢٢٥٧ و((الشركة)) ٢٤٩٥ و٢٤٩٦ و((الحيل)) ٦٩٧٦ (م)
في ((البيوع)) ١٦٠٨ (د) في ((البيوع)) ٣٥١٢ و٣٥١٤ (ت) في ((الأحكام)) ١٣٧٠ (ق) في
((الأحكام)) ٢٤٩٩ (أحمد) في باقي مسند المكثرين)) ١٣٧٤٢ و١٣٨٤١ و١٣٩١٥
و١٣٩٢٩ و١٣٩٩٤ و١٤٤٤٠ و١٤٥٨١ و١٤٦٧٥ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٥١٤.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع المشاع، وهو أنه
يجب على الشريك إذا أراد أن يبيع نصيبه استئذان شريكه، فإن باع بدون استئذان،
فلشريكه أن يأخذه بالعوض المسمّى. (ومنها): ثبوت الشفعة للشريك، وهذا مما لا
خلاف فيه، إلا قولًا شاذًا، كما تقدّم. (ومنها): مراعاة الشرع حقوق المسلمين،
وحرمتهم، فجعل للشريك على شريكه حقًا في ملكه، بحيث لا يحلّ له بيعه إلا بإذنه؛
لأن فيه إدخال ضرر عليه إذا باعه ممن لا يراعي حقوق الجوار. وسيأتي البحث عن
أحكام الشفعة في بابها مستوفّى، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .

١٨٣
٨١- (التَّسْهِيلُ فِي تَرْكِ الإِشْهَادِ عَلَى الْبَيْع) - حديث رقم ٤٦٤٩
٨١- (التَّسْهِيلُ فِي تَرْكِ الإِشْهَادِ
عَلَى الْبَيْعِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه استدلال المصنف رحمه الله تعالی بحديث الباب
على الترجمة، من حيث أنه ◌َّل﴿ اشترى من ذلك الأعرابيّ فرسه، ولم يُشهد على ذلك، ولذا
لما جحده البيع، طالبه بالإشهاد، لظنه أنه لا يجد من يشهد له على ذلك؛ لعدم إشهاده حال
البيع، وسيأتي تحقيق الخلاف في وجوب الإشهاد في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
٤٦٤٩- (أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ مَزْوَانَ بْنِ الْهَيْثَم بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ،
قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ حَمْزَةَ- عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، أَنَّ الِزُّهْرِيَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ
خُزَيْمَةَ، أَنَّ عَمَّهُ حَدَّثَهُ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَِّيِّ بَِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ، ابْتَاعَ فَرَسَا مِنْ
أَعْرَابِيٌّ، وَاسْتَتْبَعَهُ لِيَقْبِضَ ثَمَنَ فَرَسِهِ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ وَّهِ، وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ، وَطَفِقَ الرِّجَالُ
يَتَعَرَّضُونَ لِلْأَغْرَابِيْ، فَيَسُومُونَهُ بِالْفَرَسِ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ ابْتَاعَهُ، حَتَّى زَادَ
بَعْضُهُمْ فِي السَّوْمِ عَلَى مَا ابْتَاعَهُ بِهِ مِنْهُ، فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ نَّهِ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا
هَذَا الْفَرَسَ، وَإِلََّ بِعْتُهُ، فَقَامَ النَّبِيُّ وَِّ، حِينَ سَمِعَ نِدَاءَهُ، فَقَالَ: ((أَلَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟))
قَالَ: لَا، وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ، فَقَالَ النَّبِيِّ نَّهِ: ((قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ))، فَطَفِقَ النَّاسُ يَلُوذُونَ بِالنَِّيُّ
وَهُ، وَبِالْأَغْرَابِيْ، وَهُمَا يَتَرَاجْعَانِ، وَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَاهِدًا يَشْهَدُ أَنّي قَّدْ
بِعْتُكَهُ، قَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بِعْتَهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ◌َّهُ عَلَى خُزَيْمَةَ،
فَقَالَ: ((لِمَ تَشْهَدُ؟)) قَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ شَهَادَةَ
خُزَيْمَةَ، شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (الهيثم بن مروان بن الهيثم) العنسيّ، أبو الحكم الدمشقيّ، مقبول [١١] ٣/
٣٧٢٢ من أفراد المصنّف.
٢- (محمد بن بكّار) أبو عبد الله الدمشقيّ القاضي، صدوقٌ [٩] ٣٧٢٢/٣.
٣- (يحيى بن حمزة) أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضي، ثقة رمي بالقدر [٨] ٦٠/
١٧٦٨ .
٤- (الزُبيديّ) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت حافظ، من
أثبت أصحاب الزهريّ [٧] ٥٦/٤٥ .
٥- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/١ .

.١٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
٦- (عمارة بن خزيمة) بن ثابت الأنصاريّ الأوسيّ، أبو عبد الله، أو أبو محمد
المدنيّ، ثقة [٣]، مات سنة (١٠٥) وهو ابن (٧٥) سنة، تقدّم في ١٦/١٦ .
٧- (عمه) رضي اللّه تعالى عنه، سيأتي الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين إلى الزبيديّ، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن
فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ) الأنصاريّ رحمه اللَّه تعالى (أَنَّ عَمَّهُ حَدَّثَهُ) قال ابن سعد
رحمه الله تعالى في ((الطبقات)): لم يسم لنا أخو خزيمة بن ثابت، الذي رَوَى هذا
الحديث، وكان له أخوان، يقال لأحدهما: وَخْوَح، وللآخر عبد اللّه انتهى (وَهُوَ) أي
عمه الذي حدّثه (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ ابتاع) أي اشترى (فرسا من
أعرابي) اسمه سواء بن قيس المحاربي، واسم الفرس الْمُرْتَجِز، قال ابن سعد: أخبرنا
محمد بن عمر، سألت محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عن المرتجز؟ فقال: هو
الفرس الذي اشتراه رسول الله وسل ◌ّ من الأعرابي، الذي شهد فيه خزيمة بن ثابت، وكان
الأعرابي من بني مرة. انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: محمد بن عمر هو الواقديّ، وهو ضعيف.
وقال الحافظ المنذري رحمه اللّه تعالى: وهذا الأعرابي: هو سواء بن الحارث،
وقيل: سواء بن قيس المحاربي، ذكره غير واحد في الصحابة. وقيل: إنه جحد البيع
بأمر بعض المنافقين. وقيل: إن هذا الفرس هو المرتجز المذكور، في أفراس رسول الله
وَلخير انتهى كلام المنذري.
قال في ((القاموس)): في باب الزاي، وفصل الراء: الْمُرْتَجِز بن الْمُلاءَة: فرس للنبي
وَّر، سُمي به لحسن صَهِيله، اشتراه من سَوَاء بن الحارث بن ظالم. انتهى.
(وَاسْتَتْبَعَهُ) ولأبي داود: ((فاستتبعه)) بالفاء: أي طلب النبيّ وَّر من ذلك الأعرابيّ أن
يتبعه إلى بيته (لِيَقْبِضَ ثَمَنَ فَرَسِهِ) ويحتمل أن يكون الفاعل ضمير الأعربيّ، والمفعول
ضمير النبيّ وَّه: يعني أن ذلك الأعرابيّ طلب منه وَل أن يتبعه إلى بيته حتى يقبض منه
ثمن ذلك الفرس، والأول أقرب (فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ ◌َ) أي في المشي (وَأَبْطَأْ الْأَغْرَابِيُّ) أي
تأخّر عنه، وهذا هو السبب في مساومة الرجال فرسه، حيث لم يروا النبي ◌َّ معه، ولم

٨١- (التَّسْهِيلُ فِي تَرْكِ الإِشْهَادِ عَلَى الْبَيْع) - حديث رقم ٤٦٤٩
=
١٨٥ ==
يعلموا بشرائه منه (وَطَفِقَ) بكسر الفاء، وفتحها، من بابي فرِحَ، وضرب، يقال: طفق
يفعل كذا طَفْقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعل، خاصّ بالإثبات، فلا يقال: ما طفق،
وطفق بمراده: ظفر به، وأطفقه اللَّه به، وطفق الموضعَ، كفرح: لزمه. قاله في
(القاموس))، والمعنى هنا: أخذ، وشرع (الرِّجَالُ) ولأبي داود: ((رجال)) بالتنكير
(يَتَعَرَّضُونَ لِلْأَغْرَابِيْ) أي يتصدّون له، يقال: تعرّض للمعروف، وتعرّضه، يتعدّى
بنفسه، وبالحرف: إذا تصدّى له، وطلبه. قاله في ((المصباح)) (فَيَسُومُونَهُ بِالْفَرَسِ) أي
يطلبون أن يبيعه لهم، قال الفيّوميّ: وسام البائع السلعةَ سَوْمًا، من باب قال: عرَضَها
للبيع، وسامها المشتري، واستامها: طلب بيعها، قال: وقد تزاد الباء في المفعول،
فيقال: سُمْتُ به. انتهى. ولفظ أبي داود: ((فيساومونه بالفرس)) (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أي
لا يعلمون (أَنَّ النَّبِيِّ نَِّ ابْتَاعَهُ) أي اشترى ذلك الفرس، من الأعرابيّ، ولذا ساوموه
(حَتَّى زَادَ بَعْضُهُمْ فِي السَّوْمِ عَلَى مَا ابْتَاعَهُ بِهِ مِنْهُ) أي على الثمن الذي اشترى به رسول
اللَّهِ وَّرَ الفرس من الأعرابيّ (فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ نَّهِ﴾ يعني أنه لما وجد من زاده في
الثمن ناداه وَلّ، كأنه سامه قبل هذا، ولم يشتره منه (فَقَالَ) الأعرابي (إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا)
أي مريدًا أن تشتري (هَذَا الْفَرَسَ) وجواب ((إن)) محذوف، دلّ عليه السياق: أي فعجّل
بالشراء (وَإِلَّا بِعْتُهُ) أي من غيرك (فَقَامَ النَّبِيُّ وَّةِ، حِينَ سَمِعَ نِدَاءَهُ، فَقَالَ: ((أَلَيْسَ قَدِ
ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟))) ولفظ أبي داود: ((أو ليس قد ابتعته منك)) (قَالَ) الأعرابيّ (لَا، وَاللَّهِ مَا
بِعْتُكَهُ) أي لم أبعه منك قبل هذا (فَقَالَ النَِّيُّ وَّهِ: (قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ))) ولأبي داود: ((بلى
قد ابتعته منك)) (فَطَفِقَ النَّاسُ يَلُوذُونَ) أي يتعلّقون (بِالنَّبِيِّ وَّةَ، وَبِالْأَعْرَابِيّ) ليسمعوا
مكالمتهما (وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ، وَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ) أي هات، وأحضر (شَاهِدًا،
يَشْهَدُ أَنِّي قَدْ بِعْتُكَهُ) وزاد ابن سعد: ((فمن جاء من المسلمين قال للأعرابيّ: ويلك إن
رسول اللّه وَّه لم يكن ليقول إلا حقًّا)) (قَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِت) بن الفاكه بن ثعلبة بن
ساعدة الأنصاريّ الْخَطْميّ، أبو عمارة المذنيّ، ذو الشهادتين، قال ابن سعد: كان هو
وعُمير بن عديّ بن خَرَشَة يكسران أصنام بني خَطْمة. وقال أبو معشر المدنيّ، عن
محمد بن عُمارة بن خُزيمة بن ثابت: ما زال جدّي كافّا سلاحه يوم صِفّين حتى قُتل
عمّار ◌َّهِ، فسلّ سيفه، وقاتل حتى قُتل، وذلك سنة (٣٧). وذكر ابن عبد البرّ،
والترمذيّ قبله، واللالكائيّ أنه شهد بدرًا، وأما أصحاب المغازي، فلم يذكروه في
البدريين، وقال العسكريّ: وأهل المغازي لا يُثبتون أنه شهد أحدًا، وشهد المشاهد
بعدها (أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بِعْتَهُ) أي بعت الفرس للنبيّ وََّ (قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ وَّرْ عَلَى
خُزَيْمَةَ، فَقَالَ: ((لِمَ تَشْهَدُ؟) ولأبي داود: ((بم تشهد؟))، وزاد ابن سعد: ((ولم تكن معنا))

١٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
(قَالَ) خزيمة رَبِّهِ (بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي بمعرفتي أنك صادق في كلّ ما تقول،
أو بسبب أني صدّقتك في أنك رسول، ومعلومٌ من حال الرسول عدم الكذب فيما
يُخبر، ولا سيّما في أمر الدنيا الحقيرة. وزاد ابن سعد: ((أنا أصدّقك بخبر السماء، ولا
أصدّقك بما تقول؟))، وفي لفظ: ((أعلم أنك لا تقول إلا حقًّا، قد آمناك على أفضل من
ذلك علی دیننا)) .
(قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ، شَهَادَةَ رَجُلَيْنٍ) قال السنديّ: أي فحكم
بذلك، وشرع في حقّه، إما بوحي جديد، أو بتفويض مثل هذه الأمور إليه منه تعالى،
والمشهور أنه ردّ الفرس بعد ذلك على الأعرابيّ، فمات من ليلته عنده. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: مات من ليلته، هذا يخالف ما تقدّم في كلام
المنذريّ، وغيره من أنه قيل: إنه هو المرتجز الفرس المعروف في أفراس رسول الله
مَاليه. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: قد حصل لذلك تأثير في مُهِمّ ديني، وقع
بعد وفاته وَّ ر، وذلك فيما رَوَى ابن أبي شيبة في ((المصاحف)) عن الليث بن سعد،
قال: أول من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد بن ثابت، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت،
فكان لا يكتب آية، إلا بشاهدي عدل، وإن آخر سورة براءة، لم توجد إلا مع خزيمة بن
ثابت، فقال: اكتبوها، فإن رسول اللَّه ◌َ لهل جعل شهادته بشهادة رجلين، فَكَتَبَ، وإن
عمر أَتَّى بآية الرجم، فلم يكتبها؛ لأنه كان وحده. انتهى.
وقال الخطابي رحمه الله تعالى: هذا حديث يضعفه كثير من الناس غيرَ موضعه،
وقد تَذَرَعَ به قوم من أهل البدع، إلى استحلال الشهادة، لمن عرف عنده بالصدق، على
كل شيء ادعاه، وإنما وجه الحديث، ومعناه أن النبي وَلّر، إنما حكم على الأعرابي
بعلمه، إذا كان النبي ◌ّ صادقًا بارا في قوله، وجرت شهادة خزيمة في ذلك، مجرى
التوكيد لقوله، والاستظهار بها على خصمه، فصارت في التقدير شهادته له، وتصديقه
إياه على قوله، كشهادة رجلين في سائر القضايا. انتهى.
قال صاحب ((العون)): شهادة خزيمة، قد جعلها رسول اللّه ◌َل بشهادتين، دون غيره
ممن هو أفضل منه، وهذا لِمُخَصِّص اقتضاه، وهو مبادرته، دون من حضره من
الصحابة، إلى الشهادة لرسول اللّه وَله، وقد قَبِل الخلفاء الراشدون شهادته وحده،
وهي خاصة له. انتهى.
وقال العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى: وقد احتجّ بحديث خزيمة من يرى أن
للحاكم أن يحكم بعلمه، قال: وجرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد،

٨١- (التَّسْهِيلُ فِي تَرْكِ الإِشْهَادِ عَلَى الْبَيْع) - حديث رقم ٤٦٤٩
١٨٧=
والاستظهار، ولهذا لم يكن معها يمين. وهذا القول باطلٌ، والنبيّ وَّ إنما أمضى البيع
بشهادة خزيمة، وجعلها بمنزلة شاهدين؛ لأن شهادة خزيمة على البيع، ولم يره،
استندت إلى أمر هو أقوى من الرؤية، وهو تصديق رسول اللّه وَ له بالبراهين الدّالّة على
صدقه، وأن كلّ ما يُخبر به حقّ ، وصدقٌ قطعًا، فلما كان من المستقرّ عنده أنه الصادق
في خبره، البارّ في كلامه، وأنه يستحيل عليه غير ذلك البتّة، كان هذا من أقوى
التحمّلات، فجزم بأنه بايعه، كما يجزم لو رآه، وسمعه، بل هذه الشهادة مستندة إلى
محض الإيمان، وهي من لوازمه، ومقتضاه، ويجب على كلّ مسلم أن يشهد بما شهد
به خزيمة، فلما تميّزت عن شهادة الرؤية والحسّ التي يشترك فيها العدول وغيره، أقامها
النبيّ وَ﴾ مقام شهادة رجلين. انتهى ((تهذيب السنن)) ٢٢٣/٥-٢٢٤.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن القيّم رحمه الله تعالى هو عين
التحقيق، وحاصله أن شهادة خزيمة رَّه شهادة حقيقيّة، أقامها الشارع مقام شهادة
رجلين، لتوفّر شروطها على الوجه الأكمل، فليس حكمه وَّلر بثبوت هذا البيع لمجرّد
علمه، بل لوجود الشهادة المعتبرة التي طلبها منه خصمه اللدود. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عم عمارة بن خزيمة رَّ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٦٤٩/٨١- وفي ((الكبرى)) ٦٢٤٣/٨٢. وأخرجه (د) في ((الأقضية))
٢٦٠٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان التسهيل في ترك الشهادة
على البيع التي أمر اللَّه تعالى بها في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوّأْ إِذَا تَّبَايَعْتُنّ﴾
الآية، [البقرة: ٢٨٢] فإنه أمر بالإشهاد، والأمر يقتضي الوجوب، فأراد المصنّف
رحمه الله تعالى أن هذا الحديث يصرفه عن الوجوب إلى الاستحباب، حيث إن
النبيّ ◌َّر اشترى من هذا الأعرابي الفرس بغير إشهاد، ولذلك طالبه أن يُشهد على
البيع، حيث تأكّد أنه لم يُشهد عليه، إلا أن خزيمة رَّه بادر بنصره، وتعزيره؛ أداءا
لما أوجب الله تعالى عليه، بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُواْ بِاَللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِرُهُ وَتُوَفِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩] ، وقال سبحانه

١٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
وتعالى: ﴿فَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ: أُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
(ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لخزيمة بن ثابت رَظنّه ، حيث عدلت شهاته وحده
بشهادة رجلين من المسلمين، وليس ذلك لأحد غيره من الصحابة الكرام ، فضلًا
عن غيرهم من الأنام، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ .
(ومنها): ما كان عليه النبيّ وَلّ من مزاولة أمور الدنيا بنفسه الشريفة، مع أن أصحابه
يتسابقون في قضائها، ولكنه لا يريد ذلك، بل يتولاها بنفسه، تواضعًا، وتشريعًا لأمته
.灣
(ومنها): تأذّب الصحابة ، مع علمهم بأنه وَلّ قد اشتراه حقًّا، إلا أنهم ما أقدموا
على الشهادة له؛ لما يعلمون من أن الشهادة يشترط فيها حضور الشاهد القضيّة التي
يشهد بها، معاينة، لا علمًا، وهذا هو الأصل، إلا أن خزيمة رَّ أَلهم ما هو أفضل
من ذلك، وهو أن تصديقه بما قال و الر، أشدّ ثبوتًا، وتحقّقًا مما يشاهده هو بنفسه، فكان
الحقّ معه ه جميعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الإشهاد على البيع:
قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه اللّه تعالى في ((تفسيره)): ما حاصله: اختلف الناس
هل الإشهاد على البيع على الوجوب، أو الندب، فقال أبو موسى الأشعري، وابن
عمر، والضحاك، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، ومجاهد، وداود بن علي، وابنه
أبو بكر: هو على الوجوب، ومن أشدهم في ذلك عطاء، قال: أَشْهِد إذا بعت، وإذا
اشتريت بدرهم، أو نصف درهم، أو ثلث درهم، أو أقل من ذلك، فإن اللَّه عز وجل،
يقول: ﴿وَأَشْهِدُوّأْ إِذَا تَبَايَعْتُمَّ﴾، وعن إبراهيم قال: أَشهِد إذا بعت، واشتريت، ولو
دَسْتَجَة(١) بَقْل، وممن كان يذهب إلى هذا، ويرجحه الطبري، وقال: لا يحل لمسلم إذا
باع، وإذا اشترى، إلا أن يُشهد، وإلا كان مخالفا كتاب اللَّه عز وجل، وكذا إن كان إلى
أجل، فعليه أن يكتب، ويشهد إن وجد كاتبا. وذهب الشعبي، والحسن، إلى أن ذلك
على الندب والإرشاد، لاعلى الحتم، ويحكى أن هذا قول مالك، والشافعي،
وأصحاب الرأي، وزعم ابن العربي: أن هذا قول الكافة، قال: وهو الصحيح، ولم
يُحكَ عن أحد، ممن قال بالوجوب، إلا الضحاك، قال: وقد باع النبي ◌َّر، وكتب،
قال: ونسخةُ كتابه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى العَدّاء بن خالد بن هَوْذَة
(١) ((الدستجة بفتح، فسكون، ففتح: الْحُزْمة معرّب جمعه الدَّسَاتيج. اهـ((القاموس)).

١٨٩
٨١- (التَّسْهِيلُ فِي تَرْكِ الإِشْهَادِ عَلَى الْبَتْع) - حديث رقم ٤٦٤٩
من محمد رسول اللَّه وَجّل، اشترى منه عبدا، أو أمة، لاداء، ولا غائلة، ولا خِبْثة، بيع
المسلم المسلم». وقد باع، ولم يُشهد، واشترى، ورَهَن درعه عند يهودي، ولم
يُشهِد، ولو كان الإشهاد أمرا واجبا، لوجب مع الرهن؛ لخوف المنازعة.
قال القرطبيّ: قد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك، وحديثُ العَدّاء هذا، أخرجه
الدار قطني، وأبو داود، وكان إسلامه بعد الفتح وحنين، وهو القائل: قاتلنا رسول الله
وَيُّ يوم حنين، فلم يظهرنا اللَّه، ولم ينصرنا، ثم أسلم، فحسن إسلامه، ذكره أبو
عمر، وذكر حديثه هذا، وقال في آخره: قال الأصمعي: سألت سعيد بن أبي عروبة،
عن الغائلة؟ فقال: الإباق، والسرقة، والزنا، وسألته عن الخبثة؟ فقال: بيع أهل عهد
المسلمين. وقال الإمام أبو محمد بن عطية: والوجوب في ذلك قَلِقٌ، أما في الدقائق،
فصعب شاقّ، وأما ما كثر، فربما يقصد التاجر الاستئلاف بترك الإشهاد، وقد يكون
عادة في بعض البلاد، وقد يستحيي من العالم، والرجل الكبير الموقر، فلا يُشهد عليه،
فيدخل ذلك كله في الائتمان، ويبقي الأمر بالإشهاد ندبا؛ لما فيه من المصلحة في
الأغلب، مالم يقع عذر، يمنع منه كما ذكرنا. وحكى المهدوي، والنحاس، ومكي،
عن قوم: أنهم قالوا: ﴿وَأَشْهِدُوّأْ إِذَا تَبَايَعْتُمَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢] منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ
أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣]، وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدري، وأنه
تلا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَأَكْتُبُوهُ﴾، إلى قوله: ﴿فَإِنْ
أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَقْتُمِنَ أَمَتَهُ﴾، قال: نسخت هذه الآية ما قبلها، قال
النحاس: وهذا قول الحسن، والحكم، وعبد الرحمن بن زيد، قال الطبري: وهذا
لامعنى له؛ لأن هذا حكم غيرالأول، وإنما هذا حكم من لم يجد كاتبا، قال الله عز
وجل: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَلِبًا فَهَذْنُ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًَا﴾: أي
فلم يطالبه برهن، فليؤد الذي ائتمن أمانته، قال: ولو جاز أن يكون هذا ناسخا للأول،
الجاز أن يكون قوله عز وجل: ﴿وَإِن كُنتُمْ فَرْضَىّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ اُلْغَابِطِ﴾
الآية ناسخا لقوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ الآية، ولجاز
أن يكون قوله عز وجل: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ناسخا لقوله عز وجل:
﴿فَنَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. وقال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا﴾ لم يتبين تأخر نزوله عن صدر الآية، المشتملة على الأمر بالإشهاد، بل وردا
معا، ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معا جميعا في حالة واحدة، قال: وقد روي عن
ابن عباس، أنه قال، لما قيل له: إن آية الدين منسوخة قال: لا والله، إن آية الدين
محكمة، ليس فيها نسخ، قال: والإشهاد إنما جعل للطمأنينة، وذلك أن الله تعالى

١٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
جعل لتوثيق الدين طرقا: منها الكتاب، ومنها الرهن، ومنها الإشهاد، ولا خلاف بين
علماء الأمصار، أن الرهن مشروع، بطريق الندب، لابطريق الوجوب، فيُعلم من ذلك
مثله في الإشهاد، وما زال الناس يتبايعون حضرا وسفرا، وبرا وبحرا، وسهلا وجبلا،
من غير إشهاد، مع علم الناس بذلك، من غير نكير، ولو وجب الإشهاد، ما تركوا
النكير على تاركه.
قال القرطبيّ: هذا كله استدلال حسن، وأحسن منه ما جاء من صريح السنة، في
ترك الإستشهاد، وهو ما خرّجه الدار قطني(١)، عن طارق بن عبد الله المحاربي، قال:
أقبلنا في ركب من الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، حتى نزلنا قريبا من المدينة، ومعنا ظعينة
لنا، فبينا نحن قعود، إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان، فسلم، فرددنا عليه، فقال من
أين أقبل القوم؟ فقلنا: من الربذة، وجنوب الربذة، قال: ومعنا جمل أحمر، فقال
تبيعوني جملكم هذا؟ فقلنا: نعم، قال بكم؟ قلنا بكذا وكذا صاعا من تمر، قال: فما
(١) ونصّ الدارقطنيّ رحمه الله تعالى في ((كتاب البيوع)) من ((سننه)) ٤٤/٣-٤٥: ١٨٦ - حدثنا أبو
عبيد القاسم بن إسماعيل، نا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، نا ابن نمير، عن يزيد
ابن زياد بن أبي الجعد، نا أبو صخرة، جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي، قال:
رأيت رسول اللّه وَ ل و مرتين: مرة بسوق ذي المجاز، وأنا في تباعة لي -هكذا قال- أبيعها، فمر
وعليه حلة حمراء، وهو ينادي بأعلى صوته: ((يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا اللّه، تفلحوا))،
ورجل يتبعه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه، وعرقوبيه، وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه، فإنه
كذاب، قلت: من هذا؟ فقالوا: هذا غلام بني عبد المطلب، قلت: من هذا الذي يتبعه يرميه؟
قالوا: هذا عمه عبد العزى، وهو أبو لهب، فلما ظهر الإسلام، وقدم المدينة، أقبلنا في ركب
من الربذة، وجنوب الربذة، حتى نزلنا قريبا من المدينة، ومعنا ظعينة لنا، قال فبينا نحن قعود،
إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان، فسلم، فرددنا عليه، فقال: ((من أين أقبل القوم؟)) قلنا: من
الربذة، وجنوب الربذة، قال: ومعنا جمل أحمر، قال: تبيعوني جملكم، قلنا: نعم، قال:
((بكم؟)) قلنا: بكذا وكذا صاعا من تمر، قال: فما استوضعنا شيئا، وقال: ((قد أخذته))، ثم أخذ
برأس الجمل، حتى دخل المدينة، فتوارى عنا، فتلاومنا بيننا، وقلنا: أعطيتم جملكم من لا
تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تلاوموا، فقد رأيت وجه رجل، ما كان ليحقركم، ما رأيت وجه
رجل، أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشاء، أتانا رجل، فقال: السلام عليكم، أنا
رسول رسول اللّه وَ له إليكم، وأنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى تستوفوا،
قال: فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا، فلما كان من الغد، دخلنا المدينة، فإذا رسول
اللّه وَّل، قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: ((يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول،
أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، وأدناك أدناك))، فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله،
هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع، الذين قتلوا فلانا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه حتى رأينا
بياض إبطيه، فقال: ((ألا لا يجني والد على ولده)). انتهى. ورجال هذا الإسناد كلهم ثقات،
كما قال صاحب (التعليق المغني على الدارقطني)) ٤٤/٣.

١٩١
٨٢- (اخْتِلَافِ الْمُتْبَايِعَيْنِ فِي الثَّمَن) - حديث رقم ٤٦٥٠
استوضعنا شيئا، وقال قد أخذته، ثم أخذ برأس الجمل، حتى دخل المدينة، فتوارى
عنا، فتلاومنا بيننا، وقلنا أعطيتم جملكم من لاتعرفونه، فقالت الظعينة: لاتَّلاوموا، فقد
رأيت وجه رجل، ما كان ليُخفِركم(١) مارأيت، وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر، من
وجهه، فلما كان العشاء أتانا رجل، فقال: السلام عليكم أنا رسول رسول اللّه وَلتر
إليكم، وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا، حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى تستوفوا، قال:
فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا. وذكر الحديث الزهري عن عمارة بن خزيمة،
أن عمه حدثه، وهو من أصحاب النبي وَّر، أن النبي ◌َّ ابتاع فرسا من أعرابي،
الحديث، وفيه: فطفق الأعرابي يقول: هلم شاهدا يشهد أني بعتك، قال خزيمة بن
ثابت: أنا أشهد أنك قد بعته، فأقبل النبي ◌َّلّر على خزيمة، فقال بم تشهد؟ فقال:
بتصديقك يا رسول الله، قال: فجعل رسول اللّه المهله شهادة خزيمة بشهادة رجلين)).
أخرجه النسائي وغيره. انتهى ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣/ ٤٠٢-٤٠٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح قول من حمل الأمر في
الآية على الاستحباب؛ للأدلة المذكورة في استدلال القر طبيّ رحمه اللّه تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٢- (اخْتِلَافِ الْمُتَبَابِعَيْنِ فِي الثَّمَنِ)
٤٦٥٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِذْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاتٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ جَدِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وََّ، يَقُولُ: ((إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيْعَانِ،
وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيْنَةٌ، فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتْرُكَا))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (محمد بن إدريس) أبو حاتم الرازيّ الإمام الحافظ الحجة الكبير الناقد البصير،
إمام الجرح والتعديل [١١] ٢٨٧٩/١١٢ .
٢- (عمر بن حفص بن غياث) أبو حفص الكوفيّ، ثقة، ربما وهم [١٠] ٥٠١/٥ .
(١) ولفظ ((سنن الدارقطني)) ٤٥/٣: ((ليحقركم)).

١٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
٣- (أبوه) حفص بن غياث، أبو عمر النخعيّ الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه، تغيّر حفظه
قليلًا في الآخر [٨] ١٠٥/٨٦ .
٤- (أبو عميس) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذليّ المسعوديّ
الكوفيّ، ثقة [٧] ٤٠ / ٦٨٤.
٥- (عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث) كذا وقع نسبه عند المصنّف، ووقع عند
يعقوب بن سفيان: ((عبد الرحمن بن محمد بن قيس بن محمد بن الأشعث))، ووقع في
((سنن أبي داود)): ((عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس))، وكذا ذكره
ابن أبي حاتم، قال في (تهذيب التهذيب)): وهو الصواب. قيل: إن الحجاج قتله بعد
سنة (٩٠).
وقال في ((التقريب)): عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس، الكنديّ
الكوفيّ، مجهول الحال [٦]. روى له المصنّف، وأبو داود هذا الحديث فقط.
٦- (أبوه) قيس بن محمد بن الأشعث الكنديّ الكوفيّ، مقبول [٦].
رَوى عن جدّه الأشعث، وأبيه محمد، وعديّ بن حاتم، وكثير بن شهاب. وعنه
ابناه: عبد الرحمن، وعثمان، وأبو إسحاق الشيباني. ذكره ابن حبّان في ((الثقات))،
وقال الهيثم بن عَديّ: كان ضرير البصر، وكان يتنسّك. روى له المصنّف، وأبو داود
هذا الحديث فقط .
٧- (جدّه) محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ، أبو القاسم الكوفيّ، مقبول [٢] ،
ووهم من ذكره في الصحابة.
وفي (تهذيب التهذيب)): أمه أخت أبي بكر الصديق، روى عن أبيه، وعمر،
وعثمان، وابن مسعود، وعائشة، روى عنه ابنه قيس، والشعبي، ومجاهد، والزهري،
وغيرهم، قال ابن سعد: أمه فَرْوة بنت أبي قُحافة، أخت أبي بكر، وأما ابن منده، فذكر
أنه وُلد على عهد رسول اللَّه وَله، وهذا لا يصح؛ لأن الأشعث، إنما تزوج أم فروة في
خلافة أبي بكر، وذكره ابن حبّان في (الثقات))، وقال: قتله المختار سنة (٦٦)، وقال
خليفة: قُتل سنة (٧) مع مصعب بن الزبير أيام المختار، وله عند أبي داود حديث في
عبد الرحمن بن قيس، وعند النسائي(١) آخر، يتعلق بالصائم. قال الحافظ: وفي سنة
سبع أرخه عامة أهل التاريخ، وكذا هو في النسخة التي وقفت عليها من ((ثقات ابن
حبان)). انتهى. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
(١) أي في (الكبرى)).

٨٢- (اخْتِلَفِ الْمُتْبَاعَيْنِ فِي الثَّمَن) - حديث رقم ٤٦٥٠
١٩٣ ==
٨- (عبد الله) بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى وهو سند نازل. (ومنها): أنه
مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد اللَّه، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن قيس (بْنُ مُحَمَّدٍ
ابْنِ الْأَشْعَثِ، عَنْ أَبِيهِ) قيس بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) محمد الأشعث بن قيس، أنه قال (قَالَ
عَبَدُ اللَّهِ) بن مسعود ◌َّهِ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ، يَقُولُ: ((إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيْعَانِ) بتشديد
الياء: أي البائع والمشتري، ولم يذكر الأمر الذي فيه الاختلاف، وحذف المتعلّق مشعر
بالتعميم في مثل هذا المقام، على ما تقرّر في علم المعاني، فيعمّ الاختلاف في المبيع،
والثمن، وفي كلّ أمر يرجع إليهما، وفي سائر الشروط المعتبرة، والتصريح بالاختلاف في
الثمن في بعض الروايات، لا ينافي هذا العموم المستفاد من الحذف. قاله في ((نيل الأوطار))
٥/ ٢٣٨ (وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيْنَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ) أي
صاحب السلعة، وهو البائع (أَوْ يَثْرُكًا) أي يتفاسخان العقد. قاله الخطابيّ.
وفي الحديث قصّة، ساقها أبو داود في ((سننه)) :
٣٥١١ - حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا
أبي، عن أبي عميس، أخبرني عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه،
عن جده، قال: اشترى الأشعث رقيقا من رقيق الخمس، من عبد الله، بعشرين ألفا،
فأرسل عبد اللَّه إليه في ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: فاختر
رجلا يكون بيني وبينك، قال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني
سمعت رسول اللَّه وَ له يقول: ((إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب
السلعة، أو يتتاركان)). و((عبد الله)): هو ابن مسعود ◌َيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عبد الله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيحٌ بمجموع طرقه.
[تنبيه] : هذا الحديث روي عن عبد الله بن مسعود رَظنّه من طرق بألفاظ، فقد
أخرجه أيضا الشافعي، من طريق سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن
١

١٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
أمية، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي عبيدة، عن أبيه، عبد الله بن مسعود، وقد
اختلف فيه على إسماعيل بن أمية، ثم على ابن جريج، وقد اختلف في صحة سماع أبي
عبيدة، من أبيه، ورواه من طريق أبي عبيدة أحمد، والنسائي، والدارقطني، وقد
صححه الحاكم، وابن السكن.
ورواه أيضا الشافعي من طريق سفيان عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله بن عتبة
ابن مسعود، عن ابن مسعود، وفيه أيضا انقطاع لأن عونا لم يدرك ابن مسعود. ورواه
الدارقطني، من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن
جده، وفيه إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة.
ورواه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس، عن
أبيه، عن جده، عن ابن مسعود. وأخرجه أبو داود أيضا من طريق محمد بن أبي ليلى،
عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن ابن مسعود، ومحمد
ابن أبي ليلى لا يحتج به، وعبد الرحمن لم يسمع من أبيه، ورواه ابن ماجه، والترمذي
من طريق عون بن عبد اللَّه أيضا، عن ابن مسعود، وقد سبق أنه منقطع، قال البيهقي :
وأصح إسناد رُوي في هذا الباب، رواية أبي العميس، عن عبد الرحمن بن قيس بن
محمد بن الأشعث بن قيس، عن أبيه، عن جده -يعني التي أخرجها النسائي هنا -.
ورواه أيضا الدار قطني، من طريق القاسم بن عبد الرحمن، قال الحافظ: ورجاله ثقات،
إلا أن عبد الرحمن اختلف في سماعه من أبيه.
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: قد أثبت سماعه منه إمام الأئمة البخاريّ،
والمثبت مقدّم على النافي، ومن علم حجة على من لم يعلم، لا سيما إذا كان مثل
البخاريّ. انتهى. ((إرواء الغليل)) ١٦٧/٥.
ورواية التراد -يعني قول: ((أو يترادان البيع)»-رواها أيضا مالك بلاغا، والترمذي،
وابن ماجه بإسناد منقطع .
وقال الطبراني في ((الكبير)): نا محمد بن هشام المستملي، نا عبد الرحمن بن
صالح، نا فضيل ابن عياض، نا منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود،
مرفوعًا: ((البيعان إذا اختلفا في البيع ترادا))، قال قال الحافظ: رواته ثقات، لكن اختلف
في عبد الرحمن بن صالح، وما أظنه حفظه، فقد جزم الشافعي: أن طرق هذا
الحديث، عن ابن مسعود، ليس فيها شيء موصول، وذكره الدارقطنيّ في ((عللَّه))، فلم
يُعرّج على هذه الطريق.
ورواه أيضا النسائي، والحاكم، والبيهقي، من طريق عبد الرحمن بن قيس بالإسناد

٨٢- (اخْتِلاَفِ الْمُتْبَايِعَيْنِ فِي الثَّمَن) - حديث رقم ٤٦٥٠
١٩٥
الذي رواه عنه أبو داود كما سلف وصححه من هذا الوجه الحاكم، وحسنه البيهقي.
ورواه عبد الله بن أحمد، في ((زيادات المسند)) من طريق القاسم بن عبد الرحمن،
عن جده بلفظ: ((إذا اختلف المتبايعان، والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما تحالفا))،
ورواه من هذا الوجه الطبراني، والدارمي، وقد انفرد بقوله: ((والسلعة قائمة)) محمد بن
أبي ليلى، وهو ضعيفٌ سيّء الحفظ.
قال الخطابي: إن هذه اللفظة -يعني والسلعة قائمة- لا تصح من طريق النقل، مع
احتمال أن يكون ذكرها من التغليب؛ لأن أكثر ما يَعرِض النزاع حال قيام السلعة، كقوله
تعالى: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ الآية [سورة النساء: ٢٣]، ولم يفرق أكثر الفقهاء في البيوع
الفاسدة بين القائم والتالف انتهى.
وأما قوله فيه: ((تحالفا))، فقال الحافظ: لم يقع عند أحد منهم، وإنما عندهم:
((والقول قول البائع، أو يترادان البيع)). انتهى.
قال ابن عبد البر: إن هذا الحديث منقطع، إلا أنه مشهور الأصل عند جماعة، تلقوه
بالقبول، وبنوا عليه كثيرا من فروعه، وأعله ابن حزم بالانقطاع، وتابعه عبد الحق،
وأعله هو وابن القطان بالجهالة، في عبد الرحمن، وأبيه، وجده.
وقال الخطابي: هذا حديث قد اصطلح الفقهاء على قبوله، وذلك يدل على أن له
أصلا، وإن كان في إسناده مقال، كما اصطلحوا على قبول: ((لا وصية لوارث))،
وإسناده فيه ما فيه. انتهى.
- قال الشوكانيّ رحمه الله تعالى: وقد استدل بالحديث من قال: إن القول قول
البائع، إذا وقع الاختلاف بينه وبين المشتري، في أمر من الأمور المتعلقة بالعقد، ولكن
مع يمينه، كما وقع في الرواية الآخرة، وهذا إذا لم يقع التراضي بينهما على التراد، فإن
تراضيا على ذلك جاز بلا خلاف، فلا يكون لهما خلاص عن النزاع، إلا التفاسخ، أو
حلف البائع، والظاهر عدم الفرق بين بقاء المبيع وتلفه؛ لما عرفت من عدم انتهاض
الرواية المصرح فيها باشتراط بقاء المبيع للاحتجاج، والترادُ مع التلف ممكن، بأن
يرجع كل واحد منهما بمثل المثليّ، وقيمة القيميّ.
إذا تقرر لك ما يدل عليه هذا الحديث، من كون القول قول البائع من غير فرق،
فاعلم أنه لم يذهب إلى العمل به، في جميع صور الاختلاف أحد، فيما أعلم، بل
اختلفوا في ذلك اختلافا طويلا، على حسب ما هو مبسوط في الفروع، ووقع الاتفاق
في بعض الصور، والاختلاف في بعض، وسبب الاختلاف في ذلك، ما سيأتي من قوله
صلى الله عليه وآله وسلم: ((البينة على المدعِي، واليمين على المدعَى عليه))؛ لأنه يدل

١٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
بعمومه على أن اليمين على المدعَى عليه، والبينة على المدعِي، من غير فرق بين أن
يكون أحدهما بائعا، والآخر مشتريا، أو لا، وحديث الباب يدل على أن القول قول
البائع مع يمينه، والبينة على المشتري، من غير فرق بين أن يكون البائع مدعيا، أو
مُدّعَى عليه، فبين الحديثين عموم وخصوص من وجه، فيتعارضان باعتبار مادة
الاتفاق، وهي حيث يكون البائع مدعيا، فينبغي أن يرجع في الترجيح إلى الأمور
الخارجية، وحديث: ((اليمين على المدعى عليه))، متفقٌ عليه.
وأخرجه الطبراني بلفظ: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه))، وأخرجه
الإسماعيلي بلفظ: ((ولكن البينة على الطالب، واليمين على المطلوب))، وأخرجه
البيهقي بلفظ: ((لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن
البينة على المدعي، واليمين على من أنكر))، وهذه الألفاظ كلها في حديث ابن عباس،
فمن رام الترجيح بين الحديثين، لم يصعب عليه ذلك، بعد هذا البيان، ومن أمكنه
الجمع بوجه مقبول فهو المتعين. انتهى كلام الشوكاني ((نيل الأوطار)) ٢٣٧/٥-٢٣٩.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث: ((اليمين على المدّعى عليه)) سيأتي للمصنّف
رحمه الله تعالى في ((كتاب آداب القضاء)) ٥٤٢٧/٣٦- وسأستوفي البحث عنه هناك،
إن شاء الله تعالى.
وخلاصة حديث الباب أنه حديث صحيح بمجموع طرقه، كما تبيّن من التفصيل
المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٦٥٠/٨٢ و٤٦٥١- وفي ((الكبرى)) ٦٢٤٤/٨٣ و٦٢٤٥. وأخرجه
(د) في ((البيوع)) ٢٥١١ (ت) في ((البيوع)) ١٢٧٠ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٣٦. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم اختلاف المتبايعين
في الثمن، وهو أنه إذا لم يكن لهم بينة فالقول قول البائع، إن رضي المشتري، أو
يفسخان العقد، وسيأتي في المسألة التالية اختلاف العلماء فيه، إن شاء اللّه تعالى.
(ومنها): أن ظاهر الحديث تعميم الاختلاف في كلّ شيء، ليس الثمن فقط؛ لأن
المتعلّق محذوف. (ومنها): أن الرواية التالية تدلّ على أن اختيار المشتري بين الأخذ
والترك بعد أن يحلف البائع، لا قبله، وقد سبق أن لفظة ((تحالفا)) لا تثبت رواية. والله

١٩٧
٨٢- (اخْتِلاَفِ الْمُتْبَايِعَيْنِ فِي الثَّمَن) - حديث رقم ٤٦٥٠
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اختلاف المتبايعين:
قال الإمام الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى: اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فقال
مالك، والشافعيّ: يقال للبائع: احلف بالله ما بعتَ سلعتك إلا بما قلت، فإن حلف
البائع قيل: إما أن تأخذ السلعة بما قال البائع، وإما أن تحلف ما اشتريتها إلا بما قلت،
فإن حلف برىء، ورُدّت السلعة على البائع، وسواء عند الشافعيّ كانت السلعة قائمة،
أو تالفة، فإنهما يتحالفان، ويتردّان، وكذلك قال محمد بن الحسن. ومعنى ((يترادان)):
أي قيمة السلعة عن الاستهلاك.
وقال النخعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف: القول قول المشتري مع يمينه
بعد الاستهلاك، وقول مالك قريب من قولهم بعد الاستهلاك في أشهر الروايتين عنه.
واحتُجّ لهم بأنه قد روي في بعض الأخبار: ((إذا اختلف المتبايعان، والسلعة قائمة،
فالقول ما يقول البائع، أويترادان))، قالوا: فدلّ اشتراطه قيام السلعة على أن الحكم عند
استهلاكها بخلاف ذلك. قال الخطّابيّ: وهذه اللفظة لا تصحّ من طريق النقل، إنما جاء
بها ابن أبي ليلى، وقيل: إنها من قول بعض الرواة. وقد يحتمل أن يكون إنما ذكر قيام
السلعة بمعنى التغليب، لا من أجل التفريق؛ لأن أكثر ما يَعرِض فيه النزاع، ويجب معه
التحالف، هو حال قيام السلعة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَرَبِِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُم مِّن
تِسَائِكُمُ الَّتِىِ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ الآية [النساء: ٢٣] ، فذكره الحجور ليس بشرط يتغيّر به
الحكم، ولكنه غالب الحال، وكقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ الآية
[البقرة: ٢٢٩]، ولم يجر ذكر الخوف من مذهب أكثر الفقهاء للفرق، ولكن لأنه
الغالب، ولم يفرّقوا في البيوع الفاسدة بين القائم والتالف منها فيما يجب من ردّ
السلعة، إن كانت قائمةً، والقيمة إن كانت تالفة، وهذا البيع مصيره إلى الفساد؛ لأنا
نرفعه من أصله إذا تحالفا، ونجعله كأنه لم يقع، ولسنا نُثبته، ثم نفسخه، ولو كنا فعلنا
ذلك لكان في ذلك تكذيب أحد الحالفين، ولا معنى لتكذيبه مع إمكان تصديقه،
ويخرّج ذلك على وجه يُعذر فيه، مثل أن يُحمل أمره على الوهم، وغلبة الظنّ، ونحو
ذلك.
واحتجّوا فيه أيضًا بقوله وَّالرَ: ((اليمين على المدّعَى عليه))، وهذا لا يخالف حديث
التحالف؛ لأن كلّ واحد منهما مُدّع من وجه، ومدّعَى عليه من وجه آخر، وليس
اقتضاء أحد الحكمين منه بأولى من الآخر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في دعواه مخالفته للحديث المذكور نظرٌ لا يخفى.

١٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
والله تعالى أعلم.
قال: وقد يُجمع بين الخبرين أيضًا بأن يُجعل اليمين على المدّعى عليه، إذا كانت
يمين نفي، وهذه يمين فيها إثبات. قال: وأبو حنيفة لا يرى اليمين في الإثبات، وقد قال
به هنا مع قيام السلعة .
وقد خالف أبو ثور جماعة الفقهاء في هذه المسألة، فقال: القول قول المشتري مع
قيام السلعة. ويقال: إن هذا خلاف الإجماع، مع مخالفته الحديث. والله أعلم. وقد
اعتذر له بعضهم بأن في إسناد الحديث مقالًا، فمن أجل ذلك عدل عنه. قال الخطابيّ :
هذا حديث قد اصطلح الفقهاء على قبوله، وذلك يدلّ على أن له أصلًا، كما اصطلحوا
على قبول قوله وَلّر: ((لا وصية لوارث))، وفي إسناده مقال.
قال: وسواء عند الشافعيّ كان اختلافهما في الثمن، أو في الأجل، أو في خيار
الشرط، أو في الرهن، أو في الضمين، فإنهما يتحالفان، قولًا بعموم الخبر، وظاهره،
إذ ليس فيه ذكر حال من الاختلاف، دون حال.
وعند أصحاب الرأي لا يتحالفان إلا عند الاختلاف في الثمن. انتهى كلام الخطابيّ
((معالم السنن)) ١٦٢/٥-١٦٥.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم أن زيادة التحالف في الحديث لا تثبت، وإنما
الثابت أن القول قول البائع، أو يترادان البيع، كما أن زيادة ((والسلعة قائمة)) غير ثابتة،
فالحقّ أن القول قول البائع، إن رضي المشتري، وإلا يفسخ العقد؛ وأيضًا أن العمل
بالتحالف معارض للحديث المتّفق عليه أن اليمين على المدعى عليه، لا على المدّعي،
فتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٥١- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، وَيُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ،
وَاللَّفْظُ لِإِبْرَاهِيمَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ
أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَضَزْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عُّبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَتَاهُ
رَجُلَانِ تَبَايَعَا سِلْعَةً، فَقَالَّ أَحَدُهُمَا: أَخَذْتَا بِكَذَا وَبِكَذَا، وَقَالَ هَذَا: بِعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا،
فَقَالَ أَبُوِ عُبَيْدَةَ: أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي مِثْلِ هَذَا، فَقَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهَِ، أَتِيَ بِمِثْلِ
هَذَا، فَأَمَرَ الْبَائِعَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، ثُمَّ يَخْتَارَ الْمُبْتَاعُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ))).
رجال هذا الإسناد : تسعة :
١- (إبراهيم بن الحسن) أبو إسحاق المصّيصيّ الثقة [١١] ٦٤/٥١.
٢- (يوسف بن سعيد) المصّيصيّ الثقة الحافظ [١١] ١٩٨/١٣١ من أفراد
المصنّف .

١٩٩=
٨٢- (اخْتِلاَفِ الْمُتْبَايِعَيْنِ فِي الثَّمَن) - حديث رقم ٤٦٥١
٣- (عبد الرحمن بن خالد) الواسطيّ، ثم الرَّقّيّ، صدوق [١١] ٧٥٣/٧.
٤ - (حجّاج) بن محمد الأعور المصيصيّ، ثقة ثبت، اختلط في آخره [٩] ٢٨/ ٣٢.
٥- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل، یدلس
[٦] ٢٨ /٣٢ .
٦ - (إسماعيل بن أُميّة) الأمويّ الثقة الثبت [٦] ١٦/ ٢٤٦٨.
٧- (عبد الملك بن عُبيد) أو ابن عبيدة، روى عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود،
وخُرَينق بنت حُصين أخت عمران. وعنه إسماعيل بن أميّة، ويزيد بن عياض بن
جُعْدُبة، وفي ((التقريب)): مجهول الحال [٥]. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٨- (أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود) مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها،
ويقال: اسمه عامر، كوفيّ ثقة، من كبار [٣]، والراجح أنه لا يصحّ سماعه من أبيه،
مات سنة (٨٠)٥٥/ ٦٢٢.
٩- (ابن مسعود) عبد الله رضي الله تعالى عنه ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ) أنه (قَالَ: حَضَرْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَتَاهُ
رَجُلَانِ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه قد أتاه رجلان (تَبَايَعَا سِلْعَةً)
بكسر، فسكون: أي متاعًا، والجملة في محل رفع صفة لـ(رجلان)) (فَقَالَ أَحَدُهُمَا:
أَخَذْتَها بِكَذَا وَبِكَذَا، وَقَالَ هَذَا) الآخر (بِعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أُتِيَ ابْنُ
مَسْعُودٍ) رَّهُ ببناء الفعل للمفعول (فِي مِثْلِ هَذَا) الأمر من الاختلاف في الثمن (فَقَالَ)
ابن مسعود ◌َّ (حضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهَ أَتِيَ) بالبناء للمفعول أيضًا (بِمِثْلِ هَذَا، فَأَمَرَ
الْبَائِعَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ) بالبناء للفاعل، والسين والتاء زائدتان: أي أمره أن يحلف على أنه ما
باع هذا الشيء إلا بالثمن الذي ادّعاه (ثُمَّ يَخْتَارَ الْمُبْتَاعُ) أي المشتري (فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ) أي
بما حلف عليه البائع من الثمن (وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) أي فسخ العقد. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح بمجموع طرقه، كما سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)) .

٢٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
٨٣- (مُبَايَعَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ)
٤٦٥٢- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: ((اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، مِنْ يُهُودِيَّ طَعَامًا
بِنَسِيئَةٍ، وَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن حرب)): هو الطائيّ الموصليّ، صدوقٌ
[١٠] من أفراد المصنّف، والباقون كلهم من رجال الصحيح، و((أبو معاوية)): هو
محمد بن خازم الضرير. والسند مسلسل بثقات الكوفيين، سوى شيخه، وفيه ثلاثة من
التابعين يروي بعضهم عن بعض.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق في ٤٦١١/٥٨- وسبق شرحه، وبيان مسائله،
واستدلال المصنّف رحمه الله تعالى به على الترجمة واضح، حيث إن النبيّ وَالر بايع
رجلًا يهوديّا، فدلّ على جواز التعامل مع اليهود والنصارى، وإن كانت أموالهم يكثر
فيها الحرام، حيث إنهم يأكلون الربا، ويتعاملون بالباطل، إلا أن الشرع جوز التعامل
معهم تيسيرًا على المسلمين، وتسهيلًا لهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٥٣- (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللّهِ وََّ، وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يُودِيٍّ، بِثَلَاثِينَ
صَاعًا مِنْ شَّعِيرٍ لِأَهْلِهِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (يوسف بن حمّاد) الْمَعْنيّ، أبو يعقوب البصريّ ثقة [١٠] ١٧٨٣/٢٥.
٢- (سفيان بن حبيب) البزاز، أبو محمد البصريّ، ثقة [٩] ٦٧ / ٨٢.
٣- (هشام) بن حسَان القردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [٦] ٣٠٠/١٨٨.
٤ - (عكرمة) مولى ابن عباس المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٣٢٥/٢ .
٥- (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٣١/٢٧.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، سوى سفيان بن حبيب، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل
بالبصريين. والله تعالى أعلم.