النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١ ==
٧٣- (بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٦٣٤
وقال بعض أصحابنا أي الحنبليّة -: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية، إذا لم يكن ذلك
حيلة، ولا مواطأةً، بل وقع اتّفاقًا. وفرق بينها وبين الصورة الأولى بفرقين:
[أحدهما]: أن النصّ ورد فيها، فيبقى ما عداها على أصل الجواز. [والثاني] : أن
التوسّل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسّل بهذه. والفرقان ضعيفان، أما الأول،
فليس في النصّ ما يدلّ على اختصاص العينة بالصورة الأولى، حتى تتقيّد به نصوص
مطلقة على تحريم العينة، والعِينة فِعْلة من العين: النقد، قال الشاعر [من الطويل]:
أَنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أَمْ يَنْبَرِي لَنَا فَتَّى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُه
قال الجوزجانيّ: أنا أظنّ أن العينة إنما اشتقّت من حاجة الرجل إلى العين من
الذهب والورق، فيشتري السلعة، ويبيعها بالعين الذي احتاج إليها، وليست به إلى
السلعة حاجة .
وأما الفرق الثاني، فكذلك؛ لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه
الفرق من الاتّفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى، وأنتم لا تعتبرونه.
[فإن قيل]: فما تقولون: إذا لم تعد السلعة إليه، بل رجعت إلى ثالث، هل تسمّون
ذلك عينة؟ .
[قيل] : هذه مسألة التورّق؛ لأن المقصود منها الورق، وقد نصّ أحمد في رواية أبي
داود على أنها من العينة، وأطلق عليها اسمها. وقد اختلف السلف في كراهتها، فكان
عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: ((التورّق آخية الربا))(١). ورخّص فيها إياس بن
معاوية. وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلّل الكراهة في إحداهما بأنه بيع
مضطرّ، وقد روى أبو داود عن عليّ رَّه: أن النبيّ وَّل نهى عن بيع المضطرّ، وفي
(المسند)) عن عليّ رَاتَّه قال: ((سيأتي على الناس زمان يعض المؤمن على ما في يده،
ولم يؤمر بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُاْ اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، ويباع
المضطرّون، وقد نهى رسول اللَّه ◌َل عن بيع المضطرّ))، وذكر الحديث. فأحمد رحمه
الله تعالى أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطرّ إلى نقد؛ لأن الموسر يضنّ عليه
بالقرض، فيضطرّ إلى أن يشتري منه سلعة، ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعها كانت
عينة، وإن باعها من غيره فهي التورّق، ومقصوده في الموضعين الثمن، فقد حصل في
ذمته ثمن مؤجّل مقابل لثمن حالّ، أنقص منه، ولا معنى للربا إلا هذا، لكنه ربا بسلّم،
لم يحصل له مقصوده إلا بمشقّة، ولو لم يقصده كان ربا بسهولة.
(١) الآخية بالمدّ: العروة في طرف الحبل تربط به الدابة، يعني أن التورق يجر إلى الربا.

١٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
وللعينة صورة رابعة، وهي أخت صورها، وهي أن يكون عند الرجل المتاع، فلا
يبيعه إلا نسيئة، ونصّ أحمد على كراهة ذلك، فقال: العينة أن يكون عنده المتاع، فلا
يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس. وقال أيضًا: أكره للرجل أن لا يكون له
تجارة غير العينة، فلا يبيع بنقد. قال ابن عقيل: إنما كره ذلك لمضارعته الربا، فإن
البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا. وعللَّه شيخنا ابن تيمية رحمه اللّه بأنه يدخل في بيع
المضطرّ، فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذّر النقد عليه، فإذا كان الرجل لا
يبيع إلا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة، كان تاجرًا
من التجّار.
وللعينة صورة خامسة، وهي أقبح صورها، وأشدّها تحريمًا، وهي أن المترابيين
يتواطآن على الربا، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع، فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه
للمرابي بثمن حالٌ، ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه للمرابي بثمن مؤجّل، وهو ما اتّفقا عليه،
ثم يُعيد المتاع إلى ربّه، ويعطيه شيئًا، وهذه تسمّى الثلاثيّة؛ لأنها بين ثلاثة، وإذا كانت
السلعة بيهما خاصّة فهي الثنائيّة، وفي الثلاثيّة قد أدخلا بينهما محلّلًا يزعمان أنه يحلّل
لهما ما حرّم الله من الربا، وهو كمحلّل النكاح، فهذا محلّل الربا، وذلك محلّل
الفروج، واللّه تعالى لا تخفى عليه خافية، بل يعلم خائنة الأعين، وما تُخْفي الصدور.
انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى بطوله من ((تهذيب السنن)) ٩٩/٥-١٠٩. وهو
بحث نفيسٌ مفيد جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)) .
٧٤- (النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا حَتَّى
تُعْلَمَ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الثّنيا)) بالضمّ، والقصر، قال الفيّوميّ: ((والثُّنْيَا))
بضم الثاء، مع الياء، و((الثَّنْوَى)) بالفتح، مع الواو: اسم من الاستثناء، وفي الحديث:
((من استثنى فله ثُنْياه)): أي ما استثناه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٣٥- (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّدُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ

٧٤- (النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الثَّنْيَا حَتَّى تُعْلَمَ) - حديث رقم ٤٦٣٥
١٤٣
حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ: ((أَنَّ النَّبِيَّ بِّهِ، نَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ،
وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنِ النُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و(عبّاد بن العوّام)): هو أبو سهل الواسطيّ الثقة [٨]. و(سفيان بن حسين))
الواسطيّ، ثقة في غير الزهريّ باتفاقهم [٧]. و(يونس)): هو ابن عُبيد الثقة الثبت العابد
الفاضل البصريّ [٥]. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح.
وقوله: ((عن المحاقلة)): هو بيع الطعام في سنبله بالبرّ، مأخوذ من الحقل، وهو
الزرع، إذا تشعّب من قبل أن يغلّظ سوقه، وقيل: المحاقلة كراء الأرض ببعض ما
يخرج منها، وقيل: غير ذلك.
وقوله: ((والمزابنة)): هو أن يبيع ثمر حائطه، إن كان نخلاً بتمر كيلًا، وإن كرمًا أن
يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام. مشتق من الزبن، وهو الدفع.
وقوله: ((والمخابرة)): هي والمزارعة متقاربتان، وهما المعاملة على الأرض ببعض
ما يخرج منها من الزرع، وقيل: غير ذلك.
وقوله: ((وعن الثّنيا إلا أن تُعلم)): الثنيا - بضم المثلثة، وسكون النون -: المراد بها
الاستثناء في البيع، نحو أن يبيع الرجل شيئا، ويستثني بعضه، فإن كان الذي استثناه
معلوما، نحو أن يستثني واحدة من الأشجار، أو منزلا من المنازل، أو موضعا معلوما
من الأرض، صح بالاتفاق، وإن كان مجهولا، نحو أن يستثني شيئا غير معلوم، لم
يصح البيع، وقد قيل: إنه يجوز أن يستثني مجهول العين، إذا ضرب لاختياره مدة
معلومة؛ لأنه بذلك صار كالمعلوم، قال الشوكانيّ: وبه قالت الهادوية، وقال الشافعي:
لا يصح؛ لما في الجهالة حال البيع من الغرر، وهو الظاهر؛ لدخول هذه الصورة تحت
عموم الحديث، وإخراجها يحتاج إلى دليل، ومجرد كون مدة الاختيار معلومة، وإن
صار به على بصيرة في التعيين بعد ذلك، لكنه لم يصر به على بصيرة حال العقد، وهو
المعتبر .
والحكمة في النهي عن استثناء المجهول، ما يتضمنه من الغرر، مع الجهالة. انتهى
((نيل الأوطار)) ١٦١/٥.
وقال النووي في ((شرح مسلم)): الثنيا المبطلة للبيع قوله: بعتك هذه الصبرة، إلا
بعضها، وهذه الأشجار، أو الأغنام، أو الثياب، ونحوها إلا بعضها، فلا يصح البيع؛
لأن المستثنى مجهول، فلو قال: بعتك هذه الأشجار، إلا هذه الشجرة، أو هذه الشجرة
إلا ربعها، أو الصبرة إلا ثلثها، أو بعتك بألف إلا درهما، وما أشبه ذلك من الثنيا

١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
المعلومة، صح البيع بإتفاق العلماء، ولو باع الصبرة إلا صاعا منها، فالبيع باطل، عند
الشافعى، وأبى حنيفة، وصحح مالك أن يستثنى منها ما لا يزيد على ثلثها، أما إذا باع
ثمرة نخلات، فاستثنى من ثمر عشرة آصع مثلا للبائع، فمذهب الشافعى، وأبي حنيفة،
والعلماء كافة بطلان البيع، وقال مالك، وجماعة من علماء المدينة: يجوز ذلك ما لم يزد
على قدر ثلث الثمرة. انتهى (شرح مسلم)) ١٠/ ٤٣٧.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما ذهب إليه كافّة العلماء من عدم صحّة الاستثناء
المجهول، ولو كان أقلّ من الثلث، هو الأرجح؛ لإطلاق الحديث، فتبصّر.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم سندًا، ومتنا في ((كتاب المزارعة)) ٤٥ /٣٩٠٦
و٣٩٠٧- وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٣٦- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ،
وَأَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ
جَابِرٍ، قَالَ: (نَى رَسُولُ اللَّهِ نَّهَ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ،
وَالثُّنْيَا، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا))).
قا لالجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
و((إسماعيل بن إبراهيم)): هو ابن عليّة المذكور في السند الثاني. و((زياد بن أيوب)):
هو المعروف بدلّويه. و((أيوب)): هو السختيانيّ.
وقوله: ((والمعاومة)) وهو بيع السنين، ومعناه: أن يبيع ثمر الشجرة عامين، أو
ثلاثةً، أو أكثر، فيُسمّى بيع المعاومة، وبيع السنين، وهو باطلٌ بالإجماع، نقل الإجماع
فيه ابن المنذر، وغيره؛ لهذا الحديث؛ ولأنه بيع غرر؛ لأنه بيع معدوم، ومجهول، غير
مقدور على تسليمه، وغير مملوك للعاقد. قاله النوويّ في ((شرح مسلم)) ٤٣٤/١٠.
وقوله: ((إلا العرايا)): تقدم أنها فُسّرت بتفاسير، منها: أنها نخل كانت توهب
للمساكين، فلا يستطيعون أن ينتظروا بها، فرُخّص لهم أن يبيعوها بخرصها من التمر.
والحديث أخرجه مسلم، كما تقدّم بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

=
١٤٥ =
٧٥- (النَّخْلُ يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَيَسْتَئِنِي ... - حديث رقم ٤٦٣٧
٧٥- (النَّخْلُ يُبَاعُ أَضْلُهَا، وَيَسْتَثْنِي
الْمُشْتَرِي ثَمَرَهَا)
٤٦٣٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَه
قَالَ: ((أَيُّمَا امْرِئٍ أَبَرَ نَخْلًا، ثُمَّ بَاعَ أَضْلَهَا، فَلِلَّذِي أَبَرَ ثَمَّرُ النَّخْلِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ
الْمُنْتَاعُ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت الفقيه المصريّ [٧] ٣٥/٣١.
٣- (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [١٢/ ١٢.
٤- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي الله تعالى عنهما ١٢/١٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢٢٦) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه فيه مصريين،
ومدنيين. (ومنها): أن فيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى
(٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللّه تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ وََّ، قَالَ: ((أَيُّمَا امْرِئٍ أَبَرَ نَخْلًا) اسم
جنس، يُذكَّر، ويؤنث، والجمع نخيل. والتأبير: هو التلقيح، يقال: أَبَرْتُ النخل آبْرُه
أَبْرًا، بوزن أكلت الشيء آكله أكلاً، ويقال: أَبَرْتُهُ بالتشديد أُؤَبِّرت تأبيرا، بوزن عَلَّمتُهُ
أُعَلِّمه تعليما، والتأبير: التشقيق، والتلقيح، ومعناه: شَقُّ طلع النخلة الأنثى، ليُذَرّ فيه
شيء من طلع النخلة الذكر، والحكم مستمر بمجرد التشقيق، ولو لم يَضَغْ فيه شيئا.
قاله في ((الفتح)) .
وقال الموفّق: أصل الإِبَار عند أهل العلم: التلقيح، قال ابن عبد البر: إلا أنه لا
يكون حتى يتشقق الطلع، وتظهر الثمرة، فعبر به عن ظهور الثمرة؛ للزومه منه،
والحكم متعلق بالظهور، دون نفس التلقيح، بغير اختلاف بين العلماء، يقال: أَبَرْتُ
النخلة بالتخفيف، والتشديد، فهي مُؤَبَّرة، ومأبورة، ومنه قول النبي ◌َّ: ((خير المال

١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
سِكَّة مأبورة))(١)، والسكة النخل المصفوف، وأَبَرت النخلة آبرها أَبْرًا، وإِبارًا، وأَبَرتها
تأبيرًا، وتأبرت النخلة، وانتبرت، ومنه قول الشاعر [من الرجز]:
تَأْبَرِي يَا خَيْرَةَ الْفَسِيلِ إِذْ ضَنَّ أَهْلُ النَّخْلِ بِالْفُحُولِ
يقول: تلقّحي من غير تأبير.
وفسر الخرقي المؤبر بما قد تشقق طلعه؛ لتعلق الحكم بذلك، دون نفس التأبير،
قال القاضي: وقد يشقه الصَّعَّاد، فيظهر، وأيهما كان، فهو التأبير المراد هاهنا. انتهى
((المغني)) ١٣٠/٦ بزيادة من ((اللسان)).
(ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا) أي النخل، دون ذكر الثمر (فَلَّذِي أَبَّرَ) وهو البائع (ثَمَرُ النَّخْلِ) قد
استدل بمنطوقه، على أن من باع نخلا، وعليها ثمرة مؤبرة، لم تدخل الثمرة في البيع،
بل تستمر على ملك البائع، وبمفهومه على أنها، إذا كانت غير مؤبرة، تدخل في البيع،
وتكون للمشتري، وبذلك قال جمهور العلماء، وخالفهم الأوزاعي، وأبو حنيفة، فقالا:
تكون للبائع قبل التأبير وبعده، وعكس ابن أبي ليلى، فقال: تكون للمشتري مطلقا،
وهذا كله عند إطلاق بيع النخل، من غير تعرض للثمرة، فإن شرطها المشتري، بأن
قال: اشتريت النخل بثمرتها، كانت للمشتري، وإن شرطها البائع لنفسه قبل التأبير،
كانت له، وخالف مالك، فقال: لا يجوز شرطها للبائع.
فالحاصل أنه يستفاد من منطوقه حكمان، ومن مفهومه حكمان: أحدهما: بمفهوم
الشرط، والآخر بمفهوم الاستثناء.
قال القرطبي: القول بدليل الخطاب، يعني بالمفهوم في هذا ظاهر؛ لأنه لو كان
حكم غير المؤبرة حكم المؤبرة، لكان تقييده بالشرط لغوا، لا فائدة فيه.
[تنبيه] : لا يشترط في التأبير أن يؤبره أحد، بل لو تأبر بنفسه لم يختلف الحكم،
عند جميع القائلين به. قاله في ((الفتح)) ١٥٠/٥.
(إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ) المراد بالمبتاع المشتري، بقرينه الإشارة إلى البائع، بقوله:
(من باع))، وقد استُدِلّ بهذا الإطلاق، على أنه يصح اشتراط بعض الثمرة، كما يصح
اشتراط جميعها، وكأنه قال: إلا أن يشترط المبتاع شيئا من ذلك، وهذه هي النكتة في
حذف المفعول، وانفرد ابن القاسم، فقال: لا يجوز له شرط بعضها. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) ٤٦٨/٣ والطبرانيّ في ((المعجم الكبير)" ١٠٧/٧. وهو حديث
ضعيف، انظر ((ضعيف الجامع الصغير)) للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى ص٤٢٩ رقم ٢٩٢٦.

١٤٧
٧٥- (النَّخْلُ يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَيَسْتَنِي ... - حديث رقم ٤٦٣٧
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه.
[تنبيه] : اختلف في إسناد هذا الحديث على نافع، وسالم، قال الحافظ العراقيّ
رحمه الله تعالى في ((التقريب)): عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول اللّه ◌َّر قال: ((من
باع نخلًا، قد أَبْرت، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع)).
وعن سالم، عن أبيه، عن النبيّ وَّ: ((من باع عبدًا، وله مالٌ، فماله للبائع، إلا أن
يشترط المبتاع، ومن باع نخلاً مؤبّرًا، فالثمرة للبائع، إلا أن يشترط المبتاع)).
قال البيهقيّ هكذا رواه سالم، وخالفه نافع، فروى قصّة النخل عن ابن عمر، عن
النبيّ ◌َّه، وقصّة العبد عن ابن عمر، عن عمر، قال مسلم، والنسائيّ، والدار قطنيّ:
القول ما قال نافعٌ، وإن كان سالِمٌ أحفظ منه. وذكر الترمذيّ عن البخاريّ أن حديث
سالم أصحّ، وذكر في ((العلل)) أنه سأل البخاريّ عنه؟ فكأنه رأى الحديثين صحيحين،
وأنه يُحتَمل عنهما جميعًا. ورواه النسائيّ من رواية نافع، ورفع القصّتين، ورواه أيضًا من
رواية نافع، وسالم، عن ابن عمر، عن عمر، مرفوعًا بالقصّتين)). انتهى.
قال وليّ الدين رحمه الله تعالى في ((شرحه)): أخرجه من الطريق الأولى الأئمّة
الستّة، خلا الترمذيّ من هذا الوجه من طريق مالك، وأخرجه من الطريق الثانية الأئمة
الستة، فرواه من هذا الوجه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من طريق سفيان
بن عيينة، وأخرجه الشيخان، والترمذيّ، وابن ماجه من حديث الليث بن سعد،
وأخرجه مسلم فقط من رواية يونس بن يزيد، والنسائيّ، من رواية معمر، أربعتهم عن
الزهريّ، عن سالم، عن أبيه.
(واعلم): أن قصّة العبد رواها نافع، عن ابن عمر، عن عمر من قوله، كذا روى عنه
مالك في ((الموطا))، ومن طريقه أبو داود في ((سننه)). قال ابن عبد البرّ: وهذا أحد
الأربعة التي اختلف فيها سالمٌ ونافع عن ابن عمر. وقال البيهقيّ: هكذا رواه سالم،
وخالفه نافع، فروى قصّة النخل، عن ابن عمر، عن النبيّ ◌َّ، وقصّة العبد عن ابن
عمر، عن عمر، ثم رواه من طريق مالك كذلك، قال: وكذلك رواه أيوب السختيانيّ
وغيره عن نافع. انتهى.
واختلف الأئمة في الأرجح من روايتي نافع وسالم على أقوال:
[أحدها]: ترجيح رواية نافع، روى البيهقيّ في ((سننه)) عن مسلم، والنسائيّ أنهما
سُئلا عن اختلاف سالم ونافع في قصّة العبد؟ فقالا: القول ما قال نافع، وإن كان سالم

=
١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
أحفظ منه. وقال النووي في ((شرح مسلم)): أشار النسائيّ، والدارقطنيّ إلى ترجيح
رواية نافع، وهذه إشارة مردودة.
[القول الثاني]: ترجيح رواية سالم، قال الترمذيّ في ((جامعه)): قال محمد بن
إسماعيل: وحديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ وَلّر أصحّ. قال الحافظ
العراقيّ رحمه الله في ((شرح الترمذيّ)): وسبقه إليه شيخه عليّ بن المدينيّ. وقال ابن
عبد البرّ في ((التمهيد)): إنه الصواب، فإنه كذلك رواه عبد الله بن دينار، عن ابن عمر
برفع القصّتين معًا، وهذا مرجّح لرواية سالم.
[القول الثالث]: تصحيحهما معًا، قال الترمذيّ في ((العلل)): سألت محمدًا عن هذا
الحديث، وقلت له: حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ وَله: (من باع
عبدًا))، وقال نافع، عن ابن عمر، عن عمر، أيّهما أصحّ؟ قال: إن نافعًا خالف سالمًا
في أحاديث، وهذا من تلك الأحاديث، روى سالم، عن أبيه، عن النبيّ وَّ، وقال
نافع، عن ابن عمر، عن عمر، كأنه رأى الحديثين صحيحين، وأنه يحتمل عنهما
جميعًا .
قال العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): وليس بين ما نقله عنه في ((الجامع))، وما نقله عنه
في ((العلل)) اختلافٌ، فحكمه على الحديثين بالصحّة، لا ينافي حكمه في ((الجامع)) بأن
حديث سالم أصحّ، بل صيغة ((أفعل)) تقتضي اشتراكهما في الصحة.
قال وليّ الدين: المفهوم من كلام المحدّثين في مثل هذا، والمعروف من
اصطلاحهم فيه أن المراد ترجيح الرواية التي قالوا: إنها أصحّ، والحكم للراجح،
فتكون تلك الرواية شاذّة ضعيفة، والمرجّحة هي الصحيحة، وحينئذ فبين النقلين تناف،
لكن المعتمد ما في ((الجامع))؛ لأنه مقول بالجزم واليقين، بخلاف ما في ((العلل))، فإنه
على سبيل الظنّ والاحتمال، والله أعلم، على أن ما في ((العلل)) هو الذي يمشي على
طريقة الفقهاء؛ لعدم المنافاة، بأن يكون ابن عمر سمعه من النبيّ وَّر، ومن أبيه، فرفعه
تارةً، وسمعه كذلك سالمٌ، ووقفه تارة، وسمعه كذلك نافع.
وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): لم تقع هذه الزيادة، يعني قصّة العبد- في حديث
نافع، عن ابن عمر، ولا يضرّ ذلك، فسالم ثقة، بل هو أجلّ من نافع، فزيادته مقبولة.
انتھی .
قال وليّ الدين: وما ذكرته عن سالم، ونافع هو المشهور عنهما، ورُوي عن نافع
رفع القصّتين، رواه النسائيّ -أي في ((العتق، والشروط من الكبرى))- من رواية شعبة،
عن عبد ربّه بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر القصّتين، مرفوعتين، قال شعبة:

١٤٩ =
٧٥- (النَّخْلُ يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَيَسْتَئِنِي ... - حديث رقم ٤٦٣٧
فحدّثه بحديث أيوب، عن نافع، أنه حدّثني بالنخل، عن النبيّ وَّ، والمملوك عن
عمر، فقال عبد ربّه: لا أعلمهما جميعًا، إلا عن النبيّ وََّ، ثم قال مرّةً أخرى: فحدّث
عن النبيّ وَّرَ، ولم يشكّ. ورواه ابن ماجه من رواية شعبة أيضًا مختصرًا: ((من باع
نخلاً، ومن باع عبدًا))، جميعًا، ولم يذكر قصّة أيوب. ورواه النسائيّ أيضًا -أي في
((العتق، والشروط من الكبرى))- من رواية محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر،
عن عمر، مرفوعًا بالقصّتين، وقال: هذا خطأ، والصواب حديث ليث بن سعد، وعبيد
اللَّه، وأيوب: أي عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بقصّة العبد خاصّة موقوفةً. ورواه
النسائيّ أيضًا من رواية سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن عمر
بالقصّتين، مرفوعًا. قال أبو الحجاج المزيّ: المحفوظ أنه من حديث ابن عمر. انتهى
((طرح التثريب)) ١١٦/٦-١١٩.
وقال في ((الفتح)): واختلف على نافع وسالم، في رفع ما عدا النخل، فرواه
الزهري، عن سالم، عن أبيه، مرفوعا في قصة النخل والعبد معا، هكذا أخرجه الحفاظ
عن الزهري، وخالفهم سفيان بن حسين، فزاد فيه ابن عمر، عن عمر، مرفوعا لجميع
الأحاديث، أخرجه النسائي - أي في ((العتق من الكبرى))، وروى مالك، والليث،
وأيوب، وعبيد الله بن عمر، وغيرهم، عن نافع، عن ابن عمر قصة النخل، وعن ابن
عمر، عن عمر قصة العبد موقوفة، كذلك أخرجه أبو داود، من طريق مالك بالإسنادين
معا .
وجزم مسلم، والنسائي، والدارقطنيّ، بترجيح رواية نافع المفصلة، على رواية
سالم، ومال علي بن المديني، والبخاري، وابن عبد البر، إلى ترجيح رواية سالم.
ورُوي عن نافع رفع القصتين، أخرجه النسائي -أي في ((العتق من الكبرى)) -من طريق
عبد ربه بن سعيد، عنه، وهو وَهَم، وقد رَوَى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن
نافع، قال: ما هو إلا عن عمر شأن العبد، وهذا لا يدفع قول من صحح الطريقين،
وجوز أن يكون الحديث عند نافع، عن ابن عمر على الوجهين. انتهى المقصود من
(الفتح)) ١٤٩/٥. ت والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٦٣٧/٧٥ و٤٦٣٨/٧٦ - وفي ((الكبرى)) ٦٢٣١/٧٦ و٦٢٣٢/٧٧ .
وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢٢٠٤ و((المساقاة)) ٢٣٧٩ (م) في ((البيوع)) ١٥٤٣ (د) في
((البيوع)) ٣٤٣٣ (ت) في ((البيوع)) ١٢٤٤ (ق) في ((التجارات)) ٢٢١٠ و٢٢١٢ (أحمد)
في ((مسند المكثرين)) ٤٤٨٨ و٤٥٣٨ و٥١٤٠ و٥٢٨٤ و٥٤٦٣ و٥٥١٥ (الموطأ) في

١٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
(البيوع)) ١٣٠٢ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٤٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أنه إذا بيعت النخل، وعليها
ثمر، فاشترط المشتري ثمرها، فهي له. (ومنها): أنه إذا لم يشترط فإنه تكون للبائع.
(ومنها): أنه استُدِلّ به على أن المؤبر، يخالف في الحكم غير المؤبر، وقال الشافعية:
لو باع نخلة، بعضها مؤبر، وبعضها غير مؤبر، فالجميع للبائع، وإن باع نخلتين فكذلك
يشترط اتحاد الصفقة، فإن أفرد فلكل حكمه، ويشترط كونهما في بستان واحد، فإن
تعدد فلكل حكمه، ونص أحمد على أن الذي يؤبَّر للبائع، والذي لا يؤبر للمشتري،
وجعل المالكية الحكم للأغلب.
(ومنها): جواز التأبير، وقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) من طريق موسى بن طلحة،
عن أبيه، قال: مررت مع رسول اللّه وَله بقوم، على رءوس النخل، فقال: ((ما يصنع
هؤلاء؟))، فقالوا: يُلَفِّحُونه، يجعلون الذكر في الأنثى، فيلقح، فقال رسول اللَّه وَل:
(«ما أظن يغني ذلك شيئا))، قال: فأُخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول اللَّه وَ ل بذلك،
فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن،
ولكن إذا حدثتكم عن اللّه شيئا، فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل)).
وأخرج من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن
ثابت، عن أنس: أن النبي وَِّ، مَرَّ بقوم، يُلَفِّحُون، فقال: ((لو لم تفعلوا لصلح))، قال:
فخرج شِيصًا، فمر بهم، فقال: ((ما لنخلكم؟))، قالوا: قلت: كذا وكذا، قال: ((أنتم
أعلم بأمر دنياكم».
(ومنها): أن الحكم المذكور مختص بإناث النخل، دون ذكوره، وأما ذكوره فللبائع
نظرا إلى المعنى، ومن الشافعية من أخذ بظاهر التأبير، فلم يفرق بين أنثى وذكر.
واختلفوا فيما لو باع نخلة، وبقيت ثمرتها له، ثم خرج طلع آخر من تلك النخلة،
فقال ابن أبي هريرة: هو للمشتري؛ لأنه ليس للبائع، إلا ما وُجد دون ما لم يوجد،
وقال الجمهور: هو للبائع؛ لكونه من ثمره المؤبرة دون غيرها.
(ومنها): أنه يستفاد منه أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد، لا يفسد البيع، فلا
يدخل في النهي عن بيع وشرط.
(ومنها): أن الطحاوي استَدَلَّ بهذا الحديث على جواز بيع الثمرة قبل بُدُوّ صلاحها،
واحتج به لمذهبه الذي حكيناه في ذلك، وقد تعقبه البيهقي وغيره، بأنه يَستَدِلُّ بالشيء
في غير ما ورد فيه، حتى إذا جاء ما ورد فيه، استَدَلّ بغيره عليه كذلك، فيُستدل لجواز

١٥١ =
٧٥- (النَّخْلُ يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَيَسْتَثْنِي ... - حديث رقم ٤٦٣٧
بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بحديث التأبير، ولا يَعمَل بحديث التأبير، بل لا فرق عنده
كما تقدم في البيع قبل التأبير وبعده، فإن الثمرة في ذلك للمشتري، سواء شَرَطها البائع
لنفسه، أو لم يشترطها، والجمع بين حديث التأبير، وحديث النهي عن بيع الثمرة قبل
بُدُوّ الصلاح سهل، بأن الثمرة في بيع النخل تابعة للنخل، وفي حديث النهي مستقلة،
وهذا واضح جدّا، والله أعلم بالصواب. ذكره في ((الفتح)) ٥/ ١٥٠ . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن باع نخلاً عليها ثمر:
قال الموفّق رحمه الله تعالى: في هذه المسألة فصول ثلاثة: [الأول] : أن البيع متى
وقع على نخل مثمر، ولم يشترط الثمرة، وكانت الثمرة مؤبرة، فهي للبائع، وإن كانت
غير مؤبرة، فهي للمشتري، وبهذا قال مالك، والليث، والشافعي. وقال ابن أبي ليلى:
هي للمشتري في الحالين؛ لأنها متصلة بالأصل اتصال خلقة، فكانت تابعة له،
كالأغصان. وقال أبو حنيفة، والأوزاعي: هي للبائع في الحالين؛ لأن هذا نماء له حَدٍّ ،
فلم يتبع أصله في البيع، كالزرع في الأرض.
واحتجّ الأولون بقول النبي وَّر: ((من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر، فثمرتها للذي باعها،
إلا أن يشترط المبتاع))، متفق عليه، وهذا صريح في رَدّ قول ابن أبي ليلى، وحجة على
أبي حنيفة، والأوزاعي، بمفهومه؛ لأنه جعل التأبير حدّا لملك البائع للثمرة، فيكون ما
قبله للمشتري، وإلا لم يكن حدا، ولا كان ذكر التأبير مفيدا، ولأنه نماء كامن لظهوره
غاية، فكان تابعا لأصله قبل ظهوره، وغير تابع له بعد ظهوره، كالحمل في الحيوان،
فأما الأغصان، فإنها تدخل في اسم النخل، وليس لانفصالها غاية، والزرع ليس من نماء
الأرض، وإنما هو مودع فيها.
[الثاني] : أنه متى اشترطها أحد المتبايعين، فهي له مُؤَبَّرة كانت، أو غير مؤبرة،
البائع فيه والمشتري سواء. وقال مالك: إن اشترطها المشتري بعد التأبير جاز؛ لأنه
بمنزلة شرائها مع أصلها، وإن اشترطها البائع قبل التأبير لم يجز؛ لأن اشتراطه لها بمنزلة
شرائه لها قبل بُدُوّ صلاحها بشرط تركها .
قال: ولنا أنه استثنى بعض ما وقع عليه العقد، وهو معلوم، فصح كما لو باع
حائطا، واستثنى نخلة بعينها، ولأن النبي وَّ: (نَّى عن الثنيا، إلا أن تُعلَم))، ولأنه
أحد المتبايعين، فصحّ اشتراطه للثمرة كالمشتري، وقد ثبت الأصل بالإتفاق عليه،
وبقوله عليه السلام: ((إلا أن يشترطها المبتاع))، ولو اشترط أحدهما جزءا من الثمرة
معلوما، كان ذلك كاشتراط جميعها في الجواز، في قول جمهور الفقهاء، وقول أشهب

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
من أصحاب مالك. وقال ابن القاسم: لا يجوز اشتراط بعضها؛ لأن الخبر إنما ورد
باشتراط جميعها .
قال: ولنا أن ما جاز اشتراط جميعه، جاز اشتراط بعضه، كمدة الخيار، وكذلك
القول في ما إذا اشترط بعضه.
[الثالث] : أن الثمرة إذا بقيت للبائع، فله تركها في الشجر، إلى أوان الجذاذ، سواء
استحقها بشرطه، أو بظهورها، وبه قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يلزمه
قطعها، وتفريغ النخل منها؛ لأنه مبيع مشغول بملك البائع، فلزم نقله، وتفريغه، كما
لو باع دارا فيها طعام، أو قُماش له.
قال: ولنا أن النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة، كما لو باع دارا، فيها
طعام، لم يجب نقله إلا على حسب العادة في ذلك، وهو أن ينقله نهارا، شيئا بعد
شيء، ولا يلزمه النقل ليلا، ولا تجمع دواب البلد لنقله، كذلك ههنا يُفَرّغ النخل من
الثمرة في أوان تفريغها، وهو أوان جذاذها، وقياسه حجة لنا؛ لما بيناه.
إذا تقرر هذا، فالمرجع في جذّه إلى ما جرت به العادة، فإذا كان المبيع نخلا، فحين
تتناهى حلاوة ثمره، إلا أن يكون مما بُسره خير من رُطَبه، أو ما جرت العادة بأخذه
بسرا، فإنه يجذّه حين تَستحكم حلاوة بسره؛ لأن هذا هو العادة، فإذا استحكمت
حلاوته، فعليه نقله، وإن قيل بقاؤه في شجره خير له، وأَبقَى فعليه النقل؛ لأن العادة
في النقل، قد حصلت، وليس له إبقاؤه بعد ذلك، وإن كان المبيع عنبا، أو فاكهة
سواه، فأخذه حين يتناهى إدراكه، وتستحكم حلاوته، ويُجذّ مثله، وهذا قول مالك،
والشافعي. انتهى («المغني)) ١٣٠/٦-١٣٣. وهو بحث نفيسٌ جدًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٧٦- (الْعَبْدُ يُبَاعُ، وَيَسْتَثْنِي
الْمُشْتَرِي مَالَهُ)
٤٦٣٨- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ،

٧٦- (الْعَبْدُ يُباعُ، وَيَسْتَئِنِي الْمُشْتَرِي مَالَهً) - حديث رقم ٤٦٣٨
١٥٣
عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ((مَنِ ابْتَاعَ نَخْلَا بَعْدَ أَنْ تُؤَيَّرَ، فَمَرَتَهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ
يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ، وَمَّنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُنْتَاعُ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠ ي٢/٢.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام المكيّ، ثقة ثبت [٨] ١/١.
٣- (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ، ثقة ثبت حجة [٤] ١/١ .
٤- (سالم) بن عبد الله بن عمر العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٣ /٤٩٠.
٥- (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما١٢/١٢. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وسفيان،
فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة
المعروفين بالمدينة، وهو سالم، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أنه من أصحّ أسانيد ابن
عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، وفيه ابن عمر أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة
الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِم) بن عبد الله بن عمر رحمه اللَّه تعالى (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن
الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ وَِّّ، قَالَ: ((مَنِ ابْتَاعَ) أي اشترى (نَخْلًا بَعْدَ
أَنْ تُؤَبَّرَ) تقدم ضبطها، ومعناها في الباب الماضي (فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ
الْمُنْتَاعُ) أي المشتري (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ) جملة في محلّ نصب صَفة ((عبدًا))، قال
السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: ((وله مال)): هي إضافة مجازيّةٌ، عند غالب العلماء،
كإضافة الجلّ إلى الفرس؛ لأن العبد لا يملك، ولذلك أُضيف المال إلى البائع في
قوله: ((فماله للبائع))، ولا يمكن مثله مع كون الإضافة حقيقيّة في المحلّين. وقيل:
المال للعبد، لكن للسيّد حقّ النزع منه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول الثاني هو الحقّ عندي؛ كما سيأتي تمام البحث
فيه في المسالة الثانية، إن شاء الله تعالى.
(فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ) أي المشتري، وهذا هو معنى قول المصنّف:

١٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
((ويستثني المشتري ماله)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
وقوله: ((ومن باع عبدًا)) الجارية في ذلك كالعبد، وهذا متّفقٌ عليه، حتى من أهل
الظاهر، وقال ابن حزم: لفظ العبد يقع في اللغة العربيّة على جنس العبد والإماء؛ لأن
العرب تقول: عبد، وعبدة، والعبد اسم للجنس، كما تقول: الإنسان، والفرس،
والحمار. قاله في ((طرح التثريب)) ٦/ ١٢٤.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في الباب الماضي، وإنما نبحث هنا عما
ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأقول فيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم فيمن باع عبدًا، وله مالٌ:
قال الموفّق رحمه الله تعالى: إذا باع السيّد عبده، أو جاريته، وله مال، ملكه إياه
مولاه، أو خصه به، فهو للبائع؛ لما رَوَى ابنُ عمر: أن رسول اللّه وَّرَ، قال: ((من باع
عبدا، وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع))، متفقٌ عليه، ولأن العبد، وماله
للبائع، فإذا باع العبد، اختَصّ البيع به دون غيره، كما لو كان له عبدان، فباع أحدهما،
وإن اشترطه المبتاع، كان له للخبر، وروى ذلك نافع عن ابن عمر، عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنهما، وقضى به شريح، وبه قال عطاء، وطاوس، ومالك،
والشافعي، وإسحاق، وقال الْخِرَقيّ: إذا كان قصده للعبد لا للمال، هذا منصوص
أحمد، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وعثمان الْبَتّيّ، ومعناه أنه لا يقصد بالبيع شراء
مال العبد، إنما يقصد بقاء المال لعبده، وإقراره في يده، فمتى كان كذلك صح
اشتراطه، ودخل في البيع به، سواء كان المال معلوما، أو مجهولا، من جنس الثمن،
أو من غيره، عينا كان أو دينا، وسواء كان مثل الثمن، أو أقل، أو أكثر، قال البتى: إذا
باع عبدا بألف درهم، ومعه ألف درهم، فالبيع جائز، إذا كانت رغبة المبتاع في العبد،
لا في الدراهم، وذلك لأنه دخل في البيع تبعا غير مقصود، فأشبه أساسات الحيطان،
والتمويه بالذهب في السقوف، فأما إن كان المال مقصودا بالشراء، جاز اشتراطه، إذا
وجدت فيه شرائط البيع من العلم به، وأن لا يكون بينه وبين الثمن ربا، كما يعتبر ذلك
في العينين المبيعتين، لأنه مبيع مقصود، فأشبه ما لو ضَمّ إلى العبد عينا أخرى
وباعهما، وقال القاضي: هذا ينبني على كون العبد يملك، أو لا يملك، فإن قلنا: لا
يملك فاشترط المشتري ما له صار مبيعا معه، فاشتُرِط فيه ما يشترط في سائر المبيعات،
وهذا مذهب أبي حنيفة، وإن قلنا: يملك احتُمِلتَ فيه الجهالةُ وغيرها، مما ذكرنا من
قبل، لأنه تبع في البيع، لا أصل، فأشبه طيّ الآبار، وهذا خلاف نص أحمد، وقولٍ
الخرقي؛ لأنهما جعلا الشرط الذي يختلف الحكم به، قصد المشتري دون غيره، وهو
أصح إن شاء الله تعالى، واحتمال الجهالة فيه؛ لكونه غير مقصود كما ذكرنا، كاللبن

١٥٥ ==
٧٦- (الْعَبْدُ يُبَاعُ، وَيَسْتَئِنِي الْمُشْتَرِي مَالَهَ) - حديث رقم ٤٦٣٨
في ضرع الشاة المبيعة، والحمل في بطنها، والصوف على ظهرها، وأشباه ذلك، فإنه
مبيع، ويُحتَمَل فيه الجهالة وغيرها؛ لما ذكرنا، وقد قيل: إن المال ليس بمبيع
ههنا، وإنما استبقاء المشتري على ملك العبد، لا يزول عنه إلى البائع، وهو قريب من
الأول. انتهى ((المغني)) ٢٥٧/٦-٢٥٨. وهو بحث نفيسٌ. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم، هل يملك العبد المال، أم لا؟:
ذهب عامّة أهل العلم، إلى أنه لا يملك شيئا، إذا لم يُمَلِّكه سيده، وقال أهل
الظاهر: يملك؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيو
[البقرة: ٢٩]، وقول النبي وَلير: ((من باع عبدا، وله مال))، فأضاف المال إليه بلام
التمليك .
واحتجّ الأولون بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ الآية
[النحل: ٧٥]، ولأن سيده يَملِك عينه ومنافعه، فما حصل بذلك يجب أن يكون لسيده
كبهيمته، قال الموفق: فأما إن ملكه سيده شيئا، ففيه روايتان:
[إحداهما]: لا يملكه، وهو ظاهر قول الخرقي، فإنه قال: والسيد يُزَكّي عما في يد
عبده؛ لأنه ملكه، وقال: والعبد لا يرث، ولا مال له، فيورث عنه، وهو اختيار أبي
بكر، وقولُ أبي حنيفة، والثوري، وإسحاق، والشافعي في الجديد؛ لأنه مملوك، فلم
يملك كالبهيمة. [والثانية] : يملك، قال الموفّق: وهي أصح عندي، وهو قول مالك،
والشافعي في القديم؛ للآية، والخبر ، ولأنه آدمي حيّ، فملك كالحر، ولأنه يملك في
النكاح، فملك في المال كالحر، ولأنه يصح الإقرار له، فأشبه الحر، وما ذكروه تعليل
بالمانع، ولا يثبت اعتباره، إلا أن يوجد المقتضي في الأصل، ولم يوجد في البهيمة ما
يقتضي ثبوت الملك لها، وإنما انتفى ملكها لعدم المقتضي له، لا لكونها مملوكة،
وكونها مملوكة عديم الأثر، فإن سائر البهائم التي ليست مملوكة، من الصيود
والوحوش، لا تملك، وكذلك الجمادات، وإذا بطل كون ما ذكروه مانعا، وقد تحقق
المقتضي، لزم ثبوت حكمه. والله أعلم. انتهى كلام الموفّق رحمه الله تعالى،
(«المغني)) ٢٥٩/٦- ٢٦٠. وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .

١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
٧٧- (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ،
فَيَصِحُ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المراد بالشرط هنا الشرط الصحيح، بدليل قوله في
الترجمة التالية: ((البيع يكون فيه الشرط الفاسد، فيصحّ البيع، ويبطل الشرط، فمعنى
كلامه هنا: أن البيع إذا شُرط فيه شرط صحيح، مثل اشتراط الرهن، أو الضمين، أو
مثل ركوب الدابة إلى مسافة معلومة، كما وقع لجابر نظمّيه، صحّ البيع، ولزم الشرط
معًا، وهكذا جزم رحمه اللّه تعالى بصحة البيع والشرط معًا، مع أن المسألة فيها
خلاف؛ لرجحان دليله عنده، ونحوه صنيع الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في
((صحيحه))، حيث قال: ((بابٌ إذا اشترط البائع ظهر الدابة، إلى مكان مسمى جاز)): قال
في ((الفتح)): هكذا جزم بهذا الحكم لصحة دليله عنده، وهو مما اختُلِف فيه، وفيما
يشبهه، كاشتراط سكنى الدار، وخدمة العبد، فذهب الجمهور إلى بطلان البيع؛ لأن
الشرط المذكور ينافي مقتضى العقد، وقال الأوزاعي، وابن شبرمة، وأحمد،
وإسحاق، وأبو ثور، وطائفة، يصح البيع، ويتنزل فيه الشرط منزلة الاستثناء؛ لأن
المشروط إذا كان قدره معلوما، صار كما لو باعه بألف إلا خمسين درهما مثلا،
ووافقهم مالك في الزمن اليسير، دون الكثير، وقيل: حده عنده ثلاثة أيام، وحجتهم
حديث الباب، وقد رجح البخاري فيه الاشتراط، كما سيأتي آخر كلامه.
وأجاب عنه الجمهور، بأن ألفاظه اختلفت، فمنهم: من ذكر فيه الشرط، ومنهم من ذكر
فيه ما يدل عليه، ومنهم من ذكر ما يدل على أنه كان بطريق الهبة، وهي واقعة عين، يطرُقها
الاحتمال، وقد عارضه حديث عائشة، في قصة بريرة، ففيه بطلان الشرط المخالف
لمقتضى العقد، كما تقدم بسطه في آخر العتق، وصح من حديث جابر أيضا: النهي عن بيع
الثنيا، أخرجه أصحاب ((السنن))، وإسناده صحيح، وورد النهي عن بيع وشرط. وأجيب
بأن الذي ينافي مقصود البيع، ما إذا اشترط مثلا في بيع الجارية أن لا يطأها، وفي الدار أن لا
يسكنها، وفي العبد أن لا يستخدمه، وفي الدابة أن لا يركبها، أما إذا اشترط شيئا معلوما
لوقت معلوم، فلا بأس به. وأما حديث النهي عن الثنيا، ففي نفس الحديث ((إلا أن تعلم))،
فعُلم أن المراد أن النهي إنما وقع عما كان مجهولا. وأما حديث النهي عن بيع وشرط، ففي
إسناده مقال، وهو قابل للتأويل، وسيأتي مزيد بسط لذلك في آخر الكلام على هذا الحديث
إن شاء الله تعالى. انتهى ما في ((الفتح)) ٦٥٧/٥.

٧٧- (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ، ... - حديث رقم ٤٦٣٩
١٥٧ =
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحاصل أن ما ذهب إليه المصنّف، والبخاريّ، وهو
مذهب الأوزاعيّ، وابن شبرمة، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وطائفة من أن الشرط
الصحيح في البيع يصحّ البيع معه هو الحقّ؛ لقوّة دليله، فتأمل. والله تعالى أعلم
بالصواب .
٤٦٣٩- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَخْتِى، عَنْ زَكَرِيًّا، عَنْ
عَامِرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَّ فِي سَفَرٍ، فَأَعْيَا جَمَلِي، فَأَرَدْتُ أَنْ
أُسَيْبَّهُ، فَلَحِقَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ، وَدَعَا لَهُ، فَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَالَ:
(بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ))، قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((بِعْنِيهِ))، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ،
فَلَّمَّا بَلَغْنَا الْمَدِينَةَ، أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، وَابْتَغَيْتُ ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ:
(أَتْرَانِي إِنَّمَا مَاكَسْتُكَ لِآَخُذَّ جَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ، وَدَرَاهِمَكَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عليّ بن حجر) السعديّ المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣.
٢- (سعدان بن يحيى) هو سعيدبن يحيى بن صالح اللَّخْميّ، أبو يحيى الكوفيّ،
نزيل دمشق، و((سعدان)) لقبه، صدوقٌ وسطٌ [٩].
رَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش، وموسى بن
عُبيدة الرَّبَذِيّ، وإسرائيل، وزكرياء بن أبي زائدة، وجعفر بن بُزْقان، وصدقة بن أبي
عمران، وعبد الحميد بن جعفر، وابن إسحاق، ومحمد بن أبي حفصة، ومحمد بن
عمرو بن علقمة، ويونس بن يزيد الأيلي، وشعبة، وحماد بن سلمة، وابن جريج،
وأبي هلال الراسبي، وورقاء، وهمام، وغيرهم. وعنه أبو النضر الْفَرَادِيسِيّ، وسليمان
ابن عبد الرحمن، وعلي بن حجر، وهشام بن عمار، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي، عن دُخَيم: ما هو عندي ممن يُتَّهم بالكذب. وقال أبو حاتم:
محله الصدق. وقال ابن حبان: ثقة، مأمون، مستقيم الأمر في الحديث. وقال
الدار قطني: ليس بذاك. روى له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، قال الحافظ: وله في ((صحيح البخاري)) حديث
واحد، في غزوة الفتح، رواه عن سليمان بن عبد الرحمن، عنه، عن محمد بن أبي
حفصة، عن الزهري، وأصل الحديث عنده، من طريق أخرى عن الزهري.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى))، و((الكبرى)) في هذا الاسم
تصحيف، ونصّه: ((قال: أنبأنا سعدٌ أنّ ابن يحيى الخ))، وهو غلط فاحش، والصواب
ما هنا: ((سعدان بن يحيى))، كما هو في النسخة (الهنديّة))، فتنبّه. والله تعالى أعلم.

١٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
٣- (زكريّا) بن أبي زائدة خالد، ويقال: هبيرة بن ميمون بن فيروز الهمدانيّ
الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة، يدلس [٦] ١١٥/٩٣.
٤ - (عامر) بن شراحيل الشعبيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٨٢/٦٦.
٥- (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السلميّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ٣٥/٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وجابر تَطَّه ،
فمدنيّ. (ومنها): أن فيه جابرًا رَّه أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) من
الحديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيّ ◌َّهِ فِي
سَفَرٍ) كذا أبهم السفر، ولم يعيّنه، وكذا وقع في رواية للبخاريّ من طريق أبي المتوكل،
عن جابر ◌َّه، بلفظ: ((في بعض أسفاره))، قال في ((الفتح)): وكذا أبهمه أكثر الرواة
عن جابر، ومنهم من قال: ((كنت في سفر))، ومنهم من قال: ((كنت في غزوة تبوك))،
ولا منافاة بينهما، وفي رواية أبي المتوكل في ((الجهاد)): ((لا أدري غزوة، أو عمرة))،
ويؤيد كونه كان في غزوة، قوله في آخر رواية أبي عوانة، عن مغيرة: ((فأعطاني الجمل
وثمنه، وسهمي مع القوم))، لكن جزم ابن إسحاق، عن وهب بن كيسان، بأن ذلك كان
في غزوة ذات الرقاع، من نخل، وكذا أخرجه الواقدي، من طريق عطية بن عبد الله بن
أنيس، عن جابر، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهي الراجحة في نظري؛ لأن أهل
المغازي أضبط لذلك، من غيرهم، وأيضا فقد وقع في رواية الطحاوي: أن ذلك وقع
في رجوعهم من طريق مكة إلى المدينة، وليست طريقُ تبوك ملاقية لطريق مكة،
بخلاف طريق غزوة ذات الرقاع، وأيضا فإن في كثير من طرقه: أنه وَلّ سأله في تلك
القصة: ((هل تزوجت؟))، قال: نعم، قال: ((أتزوجت بكرا، أم ثيبا؟))، الحديث، وفيه
اعتذاره بتزوجه الثيب، بأن أباه استُشهِد بأحد، وترك أخواته، فتزوج ثيبا لتمشطهن،
وتقوم عليهن، فأشعر بأن ذلك كان بالقرب من وفاة أبيه، فيكون وقوع القصة في ذات
الرقاع أظهر، من وقوعها في تبوك؛ لأن ذات الرقاع كانت بعد أحد بسنة واحدة، على
الصحيح، وتبوك كانت بعدها بسبع سنين، والله أعلم، لا جرم جزم البيهقي في

٧٧- (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ، ... - حديث رقم ٤٦٣٩
١٥٩ ==
((الدلائل)) بما قال ابن إسحاق. انتهى ((فتح)) ٦٦٤/٥-٦٦٥.
(فَأَعْيَا جَّلِي) أي تعب، وعجز عن السير، قال الفيّوميّ: عَيِيَ بالأمر، وعن حُجْته
يَعْيَا، من باب تَعِب عِيّا: عجز عنه، وقد يُدغم الماضي، فيقال: عَيَّ، فالرجل عَيٍّ،
وعَبِيٍّ، على فَعْلٍ، وفَعِيلٍ، وعَيِيَ لم يَهَتد لوجهه، وأعياني كذا بالألف: أتعبني،
فأعييت، يُستعملُ لازمًا، ومتعدّيًا، وأعيا في مشيه، فهو مُغْي، منقوص. انتهى.
(فَأَرَدْتُ أَنْ أُسَيِّبَهُ) بضم الهمزة، وتشديد الياء، من التسييبّ: أي أطلقه، وأتركه في
مكان، وليس المراد أن يجعله سائبة، لا يركبه أحد، كما كانوا يفعلون في الجاهلية؛
لأنه لا يجوز في الإسلام، ففي أول رواية مغيرة، عن الشعبي عند البخاريّ في
((الجهاد)): ((غزوت مع رسول اللّه وَّل، فتلاحق بي، وتحتي ناضح لي، قد أعيا، فلا
يكاد يسير)): والناضح - بنون، ومعجمة، ثم مهملة -: هو الجمل الذي يُستقي عليه
سُمّي بذلك لنضحه بالماء، حال سقيه. ووقع عند البزار، من طريق أبي المتوكل، عن
جابر رَمّ: أن الجمل كان أحمر. قاله في ((الفتح)) ٦٥٨/٥.
(فَلَحِقَنِي رَسُولُ اللَّهِ بََّ، وَدَعَا لَهُ، فَضَرَبَهُ) وفي رواية مغيرة، عن الشعبيّ التالية
لهذه الرواية: ((فأَزْحِف الجملُ، فزجره النبي ◌َّر، فانتشط، حتى كان أمام الجيش))،
فقال النبيّ وَّر: يا جابر، ما أرى جملك إلا قد انتشط، قلت: ببركتك يا رسول الله))،
وفي رواية البخاريّ: ((فمر النبي ◌َّر، فضربه، فدعا له ((، قال في ((الفتح)): كذا فيه
بالفاء فيهما، كأنه عقب الدعاء له بضربه، ولمسلم، وأحمد من هذا الوجه: ((فضربه
برجله، ودعا له))، وفي رواية يونس بن بكير، عن زكريا عند الإسماعيلي: ((فضربه
رسول اللَّه وَلَه، ودعا له، فمشا مِشْيَةً، ما مشى قبل ذلك مثلها))، وفي رواية مغيرة:
((فزجره، ودعا له))، وفي رواية عطاء وغيره، عن جابر، عند البخاريّ في ((الوكالة)):
((فمرّ بي النبي ◌ُّ، فقال: من هذا؟ قلت: جابر بن عبد الله، قال: مالك؟ قلت: إني
على جمل ثِفَال، قال: أمعك قضيب؟ قلت: نعم، قال: ((أعطنيه، فأعطيته، فضربه،
فزجره، فكان من ذلك المكان من أول القوم))، وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر،
عند البخاري في ((البيوع)): ((فتخلف، فنزل، فحجنه بِمِحْجَنِهِ، ثم قال: اركب،
فركبت، فقد رأيته أكفه عن رسول اللَّه ◌َ له)). وعند أحمد من هذا الوجه: ((فقلت: يا
رسول اللَّه، أبطأ بي جملي هذا، قال: أَنِخْهُ، وأناخ رسول اللّه وَ ◌ّر، ثم قال: أعطني
هذه العصا، أو اقطع لي عصا من شجرة، ففعلت، فأخذها، فنخسه بها نخسات،
فقال: اركب، فركبت))، وللطبراني من رواية زيد بن أسلم، عن جابر، فأبطأ عليّ،
حتى ذهب الناس، فجعلت أرقبه، ويهمني شأنه، فإذا النبي وَلَّ، فقال: أجابر، قلت:

-
١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
نعم، قال: ما شأنك؟ قلت: أبطأ علي جملي، فَتَفَث فيها، أي العصا، ثم مَجَّ من الماء
في نحره، ثم ضربه بالعصا، فوثب))، ولابن سعد من هذا الوجه: ((ونضح ماء في
وجهه، ودبره، وضربه بعُصية، فانبعث، فما كدت أمسكه))، وفي رواية أبي الزبير، عن
جابر، عند مسلم: ((فكنت بعد ذلك أحبس خطامه؛ لأسمع حديثه))، وله من طريق أبي
نضرة، عن جابر: ((فنخسه، ثم قال: اركب بسم الله))، زاد في رواية مغيرة المذكورة:
(فقال: كيف ترى بعيرك؟ قلت: بخير، قد أصابته بركتك)). أفاده في ((الفتح)) ٥٪
٦٥٨ .
(فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ) أي في الإسراعِ (فَقَالَ) بَِّ (بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ، قُلْتُ: لَا) وفي
رواية مغيرة التالية: ((وكانت لي إليه حاجة شديدة))، وفي رواية أحمد: ((فكرهت أن
أبيعه))، وفي رواية للبخاريّ: ((قال: أتبيعنيه؟، فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره،
فقلت: نعم))، ولأحمد من رواية نُبيح وهو بالنون والموحدة والمهملة، مصغرًا- وفي
رواية أبي الزبير الآتية: ((قال: ما فَعَل جملك؟ بعنيه، قلت: لا، بل هو لك يا رسول
الله، قال: لا، بل بعنيه، قلت: لا، بل هو لك يا رسول الله، قال: لا، بل بعنيه، قد
أخذته بوقيّة))، وفي رواية أبي الزبير أيضًا التي بعدها: ((تبيعنيه يا جابر؟ قلت: لا، بل
هو لك يا رسول الله، قال: اللَّهم اغفر له، اللَّهم ارحمه، قد أخذته بكذا وكذا))، وفي
رواية أبي نضرة، عن جابر الأخيرة: ((أتبيعنيه بكذا وكذا، والله يغفر لك، قلت: نعم،
هو لك يا نبيّ اللَّه، قال: أتبيعنيه بكذا وكذا، والله يغفر لك، قلت: نعم، هو لك يا
نبيّ الله، قال: أتبيعنيه بكذا وكذا؟ والله يغفر لك، قلت: نعم، قال أبو نضرة: وكانت
كلمة يقولها المسلمون افعل كذا وكذا، والله يغفر لك))، ولأحمد: قال سليمان - يعني
بعض رواته- فلا أدري كم من مرة - يعني قال له: والله يغفر لك، وللمصنّف في
((المناقب)) رقم ٨٢٤٨ - من طريق أبي الزبير، عن جابر: (استغفر لي رسول اللّه وَ لّ ليلة
البعير، خمسا وعشرين مرة))، وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر، عند أحمد:
((أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قلت: بل أهبه لك، قال: لا، ولكن بعنيه)). قال الحافظ :
وفي كل ذلك رَدّ لقول ابن التين: إن قوله: ((لا))، ليس بمحفوظ في هذه القصة انتهى.
(قَالَ: ((بِعْنِيهِ))، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ) وفي رواية سالم بن أبي الجعد، عن جابر الآتية في هذا
الباب: ((قد أخذته بوقية))، ولابن سعد، وأبي عوانة، من هذا الوجه: ((فلما أكثر علي
قلت: إن لرجل عليّ أوقية من ذهب، هو لك بها، قال: نعم)).
و(الوقيّة )) بضم الواو، لغة في ((الأوقيّة)) بضم الهمزة، قال الفيّومي: ((الأُوقيّة)) بضمّ
الهمزة، وبالتشديد، وهي عند العرب: أربعون درهمًا، وهي في تقدير أُفْعُولةٍ،