النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ ٦٨ - (تَفْسِيرُ ذَلَكَ) - حديث رقم ٤٦٢٧ أخرجه هنا- ٦٨/ ٤٦٢٧ وفي الباب الماضي ٤٦٢٥/٦٧ و٤٦٢٦ - وفي ((الكبرى)) ٦٢١٧/٦٨ و٦٢١٨ و٦٢١٩ و٦٢٢٠ و٦٢٢١/٦٩. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢١٤٣ (م) في ((البيوع)) ١٥١٤ (د) في ((البيوع)) ٣٣٨٠ (ت) في ((البيوع)) ١٢٢٩ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٣٩٦ و((مسند المكثرين)) ٤٤٧٧ و٥٢٨٢ و٥٤٤٣ و ٥٨٢٨ و٦٢٧١ و٦٤٠١ (الموطأ) في ((البيوع)) ١٣٥٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في تفسير «حَبَلِ الْحَبَلَة)): قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)): واختلف العلماء، في المراد بالنهى عن بيع حبل الحبلة، فقال جماعة: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة، ويلد ولدها، وقد ذكر مسلم في هذا الحديث هذا التفسير، عن ابن عمر، وبه قال مالك، والشافعي، ومن تابعهم. وقال آخرون: هو بيع ولد الناقة الحامل في الحال، وهذا تفسير أبي عبيدة، معمر بن المثنى، وصاحبه: أبي عبيد، القاسم بن سَلّام، وآخرين، من أهل اللغة، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهذا أقرب إلى اللغة، لكن الراوى هو ابن عمر، وقد فسره بالتفسير الأول، وهو أعرف، ومذهب الشافعي، ومحققي الأصوليين، أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر. وهذا البيع باطل على التفسيرين: أما الأول، فلأنه بيع بثمن إلى أجل مجهول، والأجل يأخذ قسطا من الثمن. وأما الثاني فلأنه بيع معدوم، ومجهول، وغير مملوك للبائع، وغير مقدور على تسليمه. والله أعلم. انتهى ((شرح مسلم)) ٣٩٧/١٠. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما فسّر به الأولون للنهي عن بيع حَبّل الْحَبَل بأنه بيع الشيء بثمن مؤجّل إلى هذا الأجل، هو الأرجح؛ لموافقته تفسير الراوي؛ لأنه أعلم بتفسير ما روى، فتنبّه. والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح)): ما حاصله قال بظاهر هذه الرواية سعيد بن المسيب، فيما رواه عنه مالك، وقال به مالك، والشافعي، وجماعة، وهو أن يبيع بثمن إلى أن يلد ولد الناقة، وقال بعضهم: أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابة، وتلد ويحمل ولدها، وبه جزم أبو إسحاق في ((التنبيه))، فلم يشترط وضع حمل الولد، كرواية مالك. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولم أر من صرّح بما اقتضته رواية جويرية المتقدّمة، وهو الوضع فقط، وهو في الحكم مثل الذي قبله. والمنع في الصور الثلاث للجهالة في الأجل، ومن حقه على هذا التفسير، أن يُذْكَر في ((السلم)). وقال أبو عبيدة، وأبو عبيد، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب، المالكي، وأكثر أهل = ١٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع اللغة، وبه جزم الترمذي: هو بيع ولد نتاج الدابة، والمنع في هذا من جهة أنه بيع معدوم، ومجهول، وغير مقدور على تسليمه، فيدخل في بيوع الغرر، ولذلك صَدَّر البخاري بذكر الغرر، في الترجمة، حيث قال: ((باب بيع الغرر، وحَبَل الْحَبَلَة))، لكنه أشار إلى التفسير الأول، بإيراد الحديث في كتاب ((السلم)) أيضا، ورجح الأول؛ لكونه موافقا للحديث، وإن كان كلام أهل اللغة، موافقا للثانى، لكن قد رَوَى الإمام أحمد، من طريق ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ما يوافق الثاني، ولفظه: ((نهى رسول اللّه وَ له، عن بيع الغرر، قال: إن أهل الجاهلية، كانوا يتبايعون ذلك البيع، يبتاع الرجل بالشارف، حبل الحبلة، فنهوا عن ذلك)). وقال ابن التين: مُحَصَّل الخلاف، هل المراد البيع إلى أجل، أو بيع الجنين، وعلى الأول، هل المراد بالأجل ولادة الأم، أو ولادة ولدها، وعلى الثاني، هل المراد ببيع الجنين الأول، أو بيع جنين الجنين، فصارت أربعة أقوال. انتهى. وحَكَى صاحب ((المحكم)) قولا آخر: إنه بيع ما في بطون الأنعام، وهو أيضا من بيوع الغرر، لكن هذا إنما فَسَّر به سعيدُ بنُ المسيب، كما رواه مالك في ((الموطٍ)) بيعَ المضامين، وفسر به غيره بيعَ الملاقيح، واتفقت هذه الأقوال على اختلافها، على أن المراد بالحبلة جمع حابل، أو حابلة، من الحيوان، إلا ما حكاه صاحب ((المحكم)) وغيره عن ابن كيسان أن المراد بالْحَبلة: الكَزْمَة، وأن النهي عن بيع حَبلها: أي حملها قبل أن تبلغ، كما نُهِيَ عن بيع ثمر النخلة، قبل أن تُزْهِي، وعلى هذا، فالْحَبْلَة بإسكان الموحدة، وهو خلاف ما ثبتت به الروايات، لكن حُكِي في الْكَرْمَة فتح الباء . وادّعَى السهيلي تفرد ابن كيسان به، وليس كذلك، فقد حكاه ابن السَّكيت في ((كتاب الألفاظ))، ونقله القرطبي في ((المفهم)) عن أبي العباس المبرد، والهاء على هذا للمبالغة، وجها واحدًا. قاله في ((الفتح)) ٩٣/٥-٩٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٦٩- (بَيْعُ السِّنِينَ) ٤٦٢٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، ١٢٣ = ٧٠- (الْبَيْعُ إِلَى الأَجَلِ الْمَعْلُوم) - حديث رقم ٤٦٣٠ قَالَ: ((نَّى رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: (محمد بن منصور)): هو الجوّاز. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((أبو الزبير)): هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس. والسند من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٢٢٥) من رباعيات الكتاب. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم في ٤٥٣٣/٣١ - ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فليُراجع. ومعنى قوله: ((بيع السنين)): هو أن يبيع ثمرة حائطه مدّةً سنتين، أو أكثر، وإنما نهى عنه؛ لتضمّنه الغرر، حيث إنه باع شيئًا لا وجود له حال العقد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٢٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدِ الْأَعْرَجِ، عَنْ سُلَيْمَانَ -وَهُوَ ابْنُ عَتِيقٍ - عَنْ جَابِرِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَِّه ◌َى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إسحاق بن منصور)): هو الْكَوْسج. و((سفيان)): هو ابن عُيينة. و((حميد الأعرج)): هو ابن قيس، أبو صفوان المكيّ القارىء، ليس به بأس [٦] ٢٩٩٥/١٨٩ . و((سليمان بن عتيق)): هو المدنيّ، صدوقٌ [٤] ٤٥٣١/٣٠. وتقدّم أنه يقال فيه: عتيك بالكاف، والصواب بالقاف، كما هنا، والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم القول فيه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٧٠ - (الْبَيْعُ إِلَى الأَجْلِ الْمَعْلُوم) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرد به بيانَ جواز البيع إلى الأجل المعلوم، وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في (صحيحه)) بقوله: ((باب شراء النبيّ وَّر بالنسيئة))، قال في ((الفتح)): بكسر السين المهملة، والمدّ: أي بالأجل. قال ابن بطال: الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع. قال الحافظ: لعل البخاريّ تخيّل أن أحدًا يتخيّل أنه وَلّ لا يشتري بالنسيئة؛ لأنها دينّ، فأراد أن يدفع ذلك التخيّل. انتهى (فتح)) ٢٢/٥ . والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٦٣٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِكْرِمَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَثَ: كَانَ عَلَّى رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ بُرْدَيْنِ قِطْرِئَّيْنِ، وَكَانَ إِذَا جَلَسَ، فَعَرِقَ فِيهِمَا، ثَقُلَا عَلَيْهِ، وَقَدِمَ لِفُلَانِ الْيَهُودِيِّ بَزْ مِنَ الشَّأْمِ، فَقُلْتُ: لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ، فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنٍ إِلَى الْمَيْسَرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ == ١٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ، إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِمَالِي، أَوْ يَذْهَبَ بِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: («كَذَبَ، قَدْ عَلِمَ أَنِّي مِنْ أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآدَاهُمْ لِلْأَمَانَةِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عُمارة بن أبي حفصة) الأزديّ العتكيّ مولاهم، أبو روح البصريّ، واسم أبيه نابت بالنون، ثقة [٦] ٣٤٩١/٣٤. ٢- (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد الله البربري، ثقة ثبت فقيه [٣] ٣٢٥/٢. ٣- (عائشة) رضي الله تعالى عنها٥/٥، وعمرو بن علي الفلاس، ويزيد بن زريع تقدما قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح وأن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. [فائدة] : قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في ((جامعه)) بعد أن روى الحديث عن عمرو بن عليّ، شيخ المصنّف: ما نصّه: وقد رواه شعبة أيضًا عن عُمارة بن أبي حفصة، سمعت محمد بن فِرَاس البصريّ، يقول: سمعت أبا داود الطيالسيّ يقول: سُئل شعبة يومًا عن هذا الحديث؟ فقال: لستُ أُحدّثكم حتّى تقوموا إلى حَرَميّ بن عُمارة، فتُقبّلوا رأسه، قال: وحرميّ في القوم. انتهى. وإنما قال شعبة هذا إعزازًا وإكرامًا لحرميّ؛ لأنه ابن شيخه عمارة بن أبي حفصة في هذا الحديث. أفاده في ((تحفة الأحوذيّ)) ٤٠٥/٤. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿﴿ بُزْدَيْنِ قِطْرِيَّيْنِ) هكذا النسخ كلّها بالياء، وكذا وقع عند الترمذيّ، ولفظه: ((كان على رسول اللّه ◌ِّ ثوبين قِطْريين))، قال المباركفوريّ رحمه الله تعالى: كذا في بعض النسخ، وفي بعضها: ((ثوبان قِطريّان))، وهو القياس. انتهى. ووجه الأول أن يكون من باب حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مقامه، وأصله ثوبا بردين، ويكون من إضافة العامّ إلى الخاصّ، كشجر أراك، لكن شرط حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه على حاله لم يوجد هنا؛ لأن شرطه أن يُعطف على مماثل له، ١٢٥ == ٧٠- (الْبَيْعُ إِلَى الأَجَلِ الْمَعْلُوم) - حديث رقم ٤٦٣٠ كما في قول الشاعرٍ [من المتقارب]: أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحسَبِينَ امْرَأَ وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا حيث عطف ((ونار)) بالجرّ على ((امرىء))، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في ((خلاصته))، حيث قال: وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا عَنْهُ فِي الاعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوَا كَمَا قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ مَمَائِلًا لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ لكن ذكر الأشمونيّ في ((شرح الخلاصة)) ٢٧٣/٢ -: ما يُفيد أن الجر بدون عطف جائز، وإن لم يكن قياسًا، وذكر الصبّان في ((حاشيته)) عليه أن الكوفيين قاسوه، وعلى هذا فلما وقع في هذه الرواية وجه صحيح -والحمد لله على ذلك -. وقوله: (بردين)): تثنية بُرد بضم، فسكون، قال في ((القاموس)): البُرد بالضمّ: ثوبٌ مُخطّطْ، جمعه أَبْرادٌ، وأَبْرُدٌ، وبُرُودٌ، وأكسية يُلْتَحف بها. انتهى. وقوله: ((قِطْرِيين)) تثنية ((قِطريّ)) بكسر، القاف، وسكون الطاء، قال في ((القاموس)): القطر بالكسر: ضرب من البرود، كالقِطْريّة. انتهى باختصار. وقال الفيّوميّ: القطر وزان حِمْل: نوع من البرود، والقطريّة مثله، نسبة إليه. انتهى. وقال في ((النهاية)) ٤/ ٨٠ -: ((ثوب قِطريّ)): هو ضربٌ من البرود، فيه حُمرةٌ، ولها أعلامٌ، فيها بعض الْخُشُونة. وقيل: هي حُلَلٌ جياد، نُحمل من قِبل البحرين. وقال الأزهريّ: في أَغْرَاض البحرين قريةٌ، يقال لها: قَطَر، وأحسب الثياب القِطْريّة نُسبت إليها، فكسروا القاف للنسبة، وخفّفوا. انتهى. (وَكَانَ) بَّرَ (إِذَا جَلَسَ، فَعَرِقَ فِيهِمَا) بفتح، فكسر، يقال: عَرِق عَرَقًا، من باب تَعِب، فهو عَزْقان. قاله الفيّوميّ (ثَقُلَا عَلَيْهِ) بضم القاف (وَقَدِمَ لِفُلَانِ الْيَهُودِيِّ) لم يُذكر اسمه (بَزّ) بفتح الموحّدة، وتشديد الزاي: نوع من الثياب، وقيل: الثياب خاصّة من أمتعة البيت، وقيل: أمتعة التاجر من الثياب. قاله الفيّوميّ (مِنَ الشَّأم) بهمزة ساكنة، ويجوز تركها تخفيفًا: البلد المعروف (فَقُلْتُ: لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ) (لو)) شَرطيّة، وجوابها محذوفٌ: أي لكان خيرًا لك، أو هي هنا للتمنّ، فلا تحتاج إلى تقدير (فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ) بضم السين المهملة، وفتحها: بمعنى اليُسر، أي مؤجّلًا إلى وقت اليُسْر. وقال السنديّ رحمه اللّه تعالى: أي إلى وقت معلوم، يُتوقّع فيه انتقال الحال من العسر إلى اليسر، وكأنه كان وقتًا معيّنًا، يُتوقّع فيه ذلك، فلا يرد الإشكال بجهالة ١٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع الأجل. انتهى (فَأَرْسَلَ) بَّهِ (إِلَيْهِ) أي إلى ذلك اليهوديّ (فَقَالَ) اليهوديّ (قَدْ عَلِمْتُ مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ) وَِّ، و((ما)) استفهاميّة، عُلّق بها ((علمت))، أو هي موصولة، مفعول ((علمت)) بمعنى عرفت، ولذا تعدّت إلى مفعول واحد، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالی: لِعِلْمِ عِزْفَانِ وَظَنُّ ◌َّمَهْ تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَةْ (إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِمَالِي، أَوْ) للشكّ من الراوي: أي أو قال: أن (يَذْهَبَ بِهِمَا) أي بالبردين (فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ لَ: (كَذَبَ) في دعواه هذا الباطلِ (قَدْ عَلِمَ أَنّي مِنَ أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ) أي أشدّ الناس في تقوى اللَّه سبحانه وتعالى (وَآدَاهُمْ لِلْأَمَانَةِ) بمدّ الألف: أي أحسنهم أداءً للأمانة، ووفاء بالعهد. يقال: هو آدى للأمانة من غيره بمدّ الألف، وقال ابن سِيدَه: وقد لَهِجَ العامّة بالخطإ، فقالوا: فلان أَدّى للأمانة بتشديد الدال، وهو لحن، غير جائز. وقال الأزهريّ: ما علمت أحدًا من النحويين أجاز ((آدى)) ؛ لأن أفعل في باب التعجّب لا يكون إلا في الثلاثيّ، ولا يقال: أَدَى بالتخفيف، بمعنى أَدّى بالتشديد. أفاده المرتضى. (تاج العروس)) ١٠/ ١٢. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فيما قاله الأزهريّ نظر؛ لأنه يلزم منه تلحين هذا الحديث، في قوله: ((وآداهم للأمانة))، فالحقّ جواز استعمال ((هو آدى للأمانة)»، كما أثبته في ((الصحاح)) و((القاموس)) فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٧٠/ ٤٦٣٠- وفي ((الكبرى)) ٦٢٢٤/٧١. وأخرجه (ت) في ((البيوع)) ١٢١٣ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز البيع إلى الأجل المعلوم. (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَلّر من الصبر على قلّة العيش، مع أن اللّه تعالى خيّره أن يكون نبيًا ملكًا، أو نبيًا عبدًا، فاختار أن يكون نبيّا عبدًا؛ لأن ما له عند الله تعالى خيرٌ، وأبقى، فلم يلتفت إلى ملك الدنيا، قال الله عز وجل: ﴿وَلَلَّخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٤-٥]، وقال سبحانه وتعالى: اُلْأُولَی ( ٧١- (سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ ... - حديث رقم ٤٦٣١ ١٢٧ ﴿عَسَىَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. (ومنها): بيان سعة أخلاقه الَّل، وحسن معاشرته لأزواجه، حيث يشرن عليه ببعض المصالح، فيعمل بإشارتهنّ، ولا يخالفهنّ. (ومنها): بيان كونه وَله أتقى الخلق جميعًا، وأكثرهم وفاء بالعهود، وأداء للأمانات. (ومنها): جواز التعامل مع اليهود، مع أنهم أكالون للسحت. (ومنها): أن فيه دلالة على جواز تعامل من كان ماله حرامًا، إذا لم يُعلم كونه عين الحرام. واللّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ٧١- (سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ السُّلْعَةَ عَلَى أَنْ يُسْلِفَهُ سَلَفًا) أي يقرضه قرضًا، وقد تقدّم تمام البحث في هذا قريبًا ٤٦١٣/٦٠. ولله الحمد، والمنّة . ٤٦٣١ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ حُسَيْنِ الْمُعَلِّم، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ، فَهَى عَنْ سَلَّفٍ وَبَيْعَ، وَشَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، وَرِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ))). "قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من أفراده، وهو ثقة. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجيميّ. و((حسين المعلّم)): هو ابن ذكوان. والسند مسلسل بالبصريين إلى عمرو. وقوله: ((وربح ما لم يُضمن)) ببناء الفعل للمفعول: هو أن يبيع ما اشتراه قبل أن ينتقل إلى ضمانه بالقبض، فما ربح من ذلك البيع، فهو حرام؛ لأنه ربح مبيع لم يقبضه، بل بقي في ضمان البائع؛ لأنه لو هلك في تلك الحال، فإنه يكون على ضمانه، لا على ضمان المشتري . والحديث صحيح، وقد تقدّم في ٤٦١٣/٦٠، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ٧٢- (شَرْطَانِ فِي بَيْعِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلَّعَةَ إِلَى شَهْرٍ بِكَذَا، وَإِلَى شَهْرَيْنِ بِكَذَا) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تفسير قوله وَله: ((وشرطان في بيع))، بتفاسير، ومنها هذا الذي قاله المصنّف رحمه الله تعالى، لكن الأقرب إلى معنى الحديث ما تقدّم ترجيح ابن القيم رحمه اللّه تعالى له، وهو أن يقول له: بعتك هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئةً، وهذه هي صورة بيع العينة، وأما الصورة التي فسر بها المصنّف وغيره، فإنها جائزة؛ لأنها من ترديد الأثمان، كما تقدّم تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة من مسائل الحديث ٤٦١٣، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤٦٣٢ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثْنَا أَيُّوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، حَتَّى ذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: (لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانٍ فِي بَيْعِ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((زياد بن أيوب)): هو المعروف بدلّويه. و((أيوب)): هو السختيانيّ. وقوله: ((حدّثني أبي)): هو شعيب بن محمد. وقوله: ((عن أبيه)): هو محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقوله: ((حتى ذكر عبد الله بن عمرو ( يعني أن عمرًا ذكر جدّه الأدنى، وهو محمد، وجدّه الأعلى، وهو عبد الله بن عمرو، فيكون الحديث مما رواه شعيب، عن أبيه، محمد، عن جدّه عبد الله بن عمرو، وهو قليل، فأكثر روايات شعيب عن جده عبد الله بن عمرو، وقد تقدّم أن الصحيح أنه سمع منه. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، وقد تقدّم الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٣٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَثَّ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ، عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَاحِدٍ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الإسناد مخالف لما مضى؛ لأنه من رواية شعيب عن جدّه عبد الله بن عمرو، والظاهر أن شعيبًا رواه عن أبيه، عن جدّه، ثم سمعه من ٧٣- (بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٦٣٤ = ١٢٩ = جدّه، فرواه بالوجهين. والحديث صحيح، وقد سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ٧٣- (بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِمِائَةٍ دِرْهَم نَقْدًا، وَبِمِائَتَيْ دِرْهَم نَسِيئَةَ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا التفسير قريب من التفسير الذي ذكره في الباب الماضي، وقد تقدّم تحقيقه هناك، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٦٣٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (فَى رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ، عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ))). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (عمرو بن عليّ) الفلاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤. ٢- (يعقوب بن إبراهيم) الدورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠]٢٢/٢١ . ٣- (محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٨٠/٦٤. ٤- (يحيى بن سعيد) القطان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/٤. ٥- (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦] ١٦ / ١٧ . ٦- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه الثبت [٣] ١/١. ٧- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من محمد بن عمرو، ويعقوب بغداديّ، والباقون بصريون. (ومنها): أن مشايخ المصنّف الثلاثة قد اتفق الأئمة الستّة ١٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدم ذلك غير مرّة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّهِ، أنه (قَالَ: ((نَّى رَسُولُ اللّهِ ◌َِّ، عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ) تقدّم في الترجمة تفسير المصنّف له، ونحوه ما ذكره ابن الأثير رحمه الله تعالى في ((النهاية))- ١٧٣/١ -: هو أن يقول: بعتك هذا الثوب نقدا بعشرة، ونسيئة بخمسة عشر، فلا يجوز؛ لأنه لا يُدرى أيهما الثمن الذي يختاره؛ ليقع عليه العقد، ومن صوره أن يقول: بعتك هذا بعشرين، على أن تبيعني ثوبك بعشرة، فلا يصح للشرط الذي فيه، ولأنه يسقط بسقوطه بعض الثمن، فيصير الباقي مجهولا، وقد نهيَ عن بيع وشرط، وعن بيع وسلف، وهما هذان الوجهان. انتهى. وفي رواية أبي داود، من طريق يحيى بن زكريّا، عن محمد بن عمرو بلفظ: ((من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما، أو الربا)). قال الخطابي رحمه الله تعالى: لا أعلم أحدا من الفقهاء، قال بظاهر هذا الحديث، أو صحح البيع بأوكس الثمنين، إلا شيء يُحكى عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد، وذلك لما يتضمنه هذا العقد من الغرر والجهل. وتعقّبه الشوكانيّ في ((نيل الأوطار)) ١٦٢/٥ - فقال: ولا يخفى أن ما قاله، هو ظاهر الحديث؛ لأن الحكم له بالأوكس، يستلزم صحة البيع به. قال الخطابي: وإنما المشهور، من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبى هريرة رَّه، عن النبي ◌َّ: ((أنه نهى عن بيعتين في بيعة))، قال: حدّثنا الأصمّ، قال: حدّثنا الربيع، قال: حدّثنا الشافعيّ، قال: حدّثنا الدراوردي، عن محمد بن عمرو. وحدّثونا عن محمد بن إدريس الحنظليّ، حدّثنا الأنصاريّ، عن محمد بن عمرو. فأما رواية يحيى بن زكريا، عن محمد بن عمرو، على الوجه الذي ذكره أبو داود، فيشبه أن يكون ذلك في حكومة في شيء بعينه، كأنه أسلفه دينارا، في قفيز بر إلى شهر، فلما حل الأجل، وطالبه بالبر، قال له: بعني القفيز الذي لك علي بقفيزين إلى شهرين، فهذا بيع ثان، وقد دخل على البيع الأول، فصار بيعتين في بيعة، فيردان إلى أوكسهما: أي أنقصهما، وهو الأصل، فإن تبايعا البيع الثاني، قبل أن يتقابضا الأول كانا مُزبيين. قال صاحب ((العون)): وقد نقل هذا التفسير الإمام ابن الأثير في ((النهاية))، وابن رسلان في ((شرح السنن)). ثم قال الخطابي: وتفسير ما نَّى عنه من بيعتين في بيعة على وجهين: [أحدهما] : أن يقول: بعتك هذا الثوب نقدا بعشرة، ونسيئة بخمسة عشر، فهذا لا يجوز؛ لأنه لا ٧٣- (بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٦٣٤ ١٣١= يُدري أيهما الثمن الذي يختاره منهما، فيقعَ به العقد، وإذا جهل الثمن بطل البيع. قال صاحب ((العون)): وبمثل هذا فسر سماك، رواه أحمد، ولفظه: قال سماك: هو الرجل يبيع البيع، فيقول: هو بنساء بكذا، وهو بنقد بكذا وكذا، وكذلك فسره الشافعي رحمه الله، فقال: بأن يقول بعتك بألف نقدا، وبألفين إلى سنة، فخذ أيهما شئت أنت، وشئت أنا. ونقل ابن الرفعة عن القاضي: أن المسألة مفروضة على أنه قَبِل على الإبهام، أما لو قال قبلت بألف نقدا، أو بألفين بالنسيئة، صح ذلك، كذا في النيل. ثم قال الخطابي: والوجه الآخر: أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرين دينارا، على أن تبيعني جاريتك بعشرة دنانير، فهذا أيضا فاسد؛ لأنه جعل ثمن العبد عشرين دينارا، وشرط عليه أن يبيعه جاريته بعشرة دنانير، وذلك لا يلزمه، وإذا لم يلزمه ذلك سقط بعض الثمن، فإذا سقط بعضه، صار الباقي مجهولا . ومن هذا الباب أن يقول: بعتك هذا الثوب بدينارين، على أن تعطيني بهما دراهم صرف عشرين، أو ثلاثين بدينار. فأما إذا باعه شيئين بثمن واحد، كدار وثوب، أو عبد وثوب، فهذا جائز، وليس من باب البيعتين في البيعة الواحدة، وإنما هي صفقة واحدة، جمعت شيئين بثمن معلوم. وعقد البيعتين في بيعة واحدة، على الوجهين الذين ذكرناهما، عند أكثر الفقهاء فاسد، وحُكي عن طاووس: أنه قال: لا بأس أن يقول له: بعتك هذا الثوب نقدا بعشرة، وإلى شهرين بخمسة عشر، فيذهب به إلى أحدهما. وقال الحكم، وحمّاد: لا بأس به ما لم يفترقا. وقال الأوزاعيّ: لا بأس بذلك، ولكن لا يفارقه حتى يُباتّه لأحد المعنيين، فقيل له: فإنه ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين؟ فقال: هي بأقلّ الثمنين إلى أبعد الأجلين. قال الخطّابيّ: هذا ما لا يُشكّ في فساده، فأما إذا باتّه على أحد الأمرين في مجلس العقد، فهو صحيح، لا خلف فيه، وذِكرُ ما سواه لغوٌ، لا اعتبار به. انتهى كلام الخطابيّ ((معالم السنن)) ٩٧/٥ - ٩٩ . وقوله: ((فله أوكسهما)): أي أنقصهما، ((أو الربا)): قال في ((النيل)): يعني أو يكون قد دخل هو وصاحبه في الربا المحرم، إذا لم يأخذ الأوكس، بل أخذ الأكثر، وذلك ظاهر في التفسير الذي ذكره ابن رسلان وغيره، وأما في التفسير الذي ذكره أحمد، عن سماك، وذكره الشافعي، ففيه مُتَمَسَّكٌ لمن قال: يحرم بيع الشيء بأكثر من سعر يومه؛ لأجل النساء، وقالت الشافعية، والحنفية، والجمهور: إنه يجوز؛ لعموم الأدلة القاضية بجوازه، وهو الظاهر؛ لأن ذلك المتمسك، هو الرواية الأولى -يعني رواية: ((من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما، أو الربا))- من حديث أبي هريرة، وقد عرفت ما في شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ ١٣٢ راويها من المقال، ومع ذلك، فالمشهور عنه اللفظ الذي، رواه غيره، وهو النهي عن بيعتين في بيعة، ولا حجة فيه على المطلوب، ولو سلمنا أن تلك الرواية التي تفرد بها ذلك الراوي، صالحة للاحتجاج، لكان احتمالها لتفسير خارج عن محل النزاع، كما سلف عن ابن رسلان قادحا في الاستدلال بها على المتنازع فيه، على أن غاية ما فيها الدلالة على المنع من البيع، إذا وقع على هذه الصورة، وهي أن يقول: نقدا بكذا، ونسيئة بكذا، إلا إذا قال من أول الأمر نسيئة بكذا فقط، وكان أكثر من سعر يومه، مع أن المتمسكين بهذه الرواية، يمنعون من هذه الصورة، ولا يدل الحديث على ذلك، فالدليل أخص من الدعوى، وقد جمعنا رسالة في هذه المسألة، وسميناها ((شِفاء الغُلَل، في حكم زيادة الثمن لمجرد الأجل))، وحققناها تحقيقا، لم نُسبق إليه. والعلة في تحريم بيعتين في بيعة، عدم استقرار الثمن، في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين، والتعليق بالشرط المستقبل، في صورة بيع هذا على أن يبيع منه ذاك، ولزوم الربا في صورة قفيز الحنطة. انتهى كلام الشوكانيّ رحمه الله تعالى. ((نيل الأوطار)) ١٦١/٥ -١٦٣. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم أن الأشبه في معنى النهي عن بيعتين في بيعة أن يقول: بعتك هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي المسألة المشهورة ببيع العينة والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أبي هريرة ◌َّه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٦٣٣/٧٣ - وفي ((الكبرى)) ٦٢٢٨/٧٤. وأخرجه (د) في ((البيوع)) ٣٤٦١ (ت) في ((البيوع)) ١٣٣١ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٩٣٠١ و٢٧٢٤٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في البحث عن بيع العينة : أخرج الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في ((سننه)) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: سمعت رسول اللَّه ◌َله يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط اللَّه عليكم ذُلًا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)). والحديث صحيح بمجموع طرقه، كما بينه الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى في ((السلسلة الصحيحة)) ١٥/١-١٧ رقم ١١ . ١٣٣ ٧٣- (بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٦٣٤ قال الرافعيّ: بيع العينة: هو أن يبيع شيئًا من غيره بثمن مؤجّل، ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقلّ من ذلك القدر. انتهى. وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وجوّز ذلك الشافعيّ، وأصحابه. كذا في ((النيل)) . وقد كتب الإمام ابن قيّم الجوزيّة رحمه اللّه تعالى بحثًا نفيسًا في هذا الحديث، في كتابه (تهذيب السنن))، ولنفاسته أحببت إيراده بطوله؛ تتميمًا للفائدة، وتكثيرًا للعائدة: قال رحمه الله تعالى: وفي الباب حديث أبي إسحاق السبيعيّ، عن امرأته، أنها دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها، فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، قالت: يا أم المؤمنين، إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته منه بستمائة نقدًا، فقالت لها عائشة: بئسما اشتريتٍ، أخبري زيدًا أن جهاده مع رسول اللَّه (وَ لجر قد بطل إلى أن يتوب)). هذا الحديث رواه البيهقيّ، والدار قطنيّ، وذكره الشافعيّ، وأعلّه بالجهالة بحال امرأة أبي إسحاق، وقال: لو ثبت، فإنما عابت عليها بيعًا إلى العطاء؛ لأنه أجلٌ غير معلوم، ثم قال: ولا يثبت مثل هذا عن عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالاً. قال البيهقيّ: ورواه يونس بن أبي إسحاق، عن أمه العالية بنت أنفع: أنها دخلت على عائشة مع أم محمد(١). وقال غيره: هذا الحديث حسنٌ، ويُحتجّ بمثله؛ لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان: أبو إسحاق زوجها، ويونس ابنها، ولم يُعلم فيها جرحٌ، والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك، ثم إن هذا مما ضُبطت فيه القصّة، ومن دخل معها على عائشة، وقد صدّقها زوجها، وابنها، وهما من هما؟ فالحديث محفوظ . وقوله في الحديث المتقدّم: ((من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما، أو الربا)) هو منزل على العينة بعينها، قاله شيخنا يعني ابن تيميّة- لأنه بيعان في بيع واحد، فأوكسهما الثمن الحالّ، وإن أخذ بالأكثر، وهو المؤجّل أخذ بالربا، فالمعنيان لا ينفكّان من أحد الأمرين: إما الأخذ بأوكس الثمنين، أو الربا، وهذا لا يتنزّل إلا على العينة. [فصل]: قال المحرّمون للعينة: الدليل على تحريمها من وجوه: [أحدها]: أن الله تعالى حرّم الربا، والعينة وسيلة إلى الربا، بل هي من أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام، فهنا مقامان: أحدهما: بيان كونها وسيلة، والثاني: بيان أن الوسيلة إلى الحرام حرام. (١) هكذا النسخة، والصواب أم محبّة، كما سيأتي قريبًا، فتنبّه. ١٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع فأما الأول: فيشهد له به النقل، والعرف، والنيّة والقصد، وحال المتعاقدين، فأما النقل، فبما ثبت عن ابن عبّاس: ((أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة، ثم اشتراها بخمسين؟ فقال: دراهم بدارهم متفاضلة، دخلت بينهما حريرة)). وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطيّن، عن ابن عبّاس أنه قال: ((اتّقوا هذه العينة، لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة». وفي كتاب أبي محمد النجشيّ الحافظ، عن ابن عباس أنه سئل عن العينة، يعني بيع الحريرة فقال: ((إن الله لا يُخدع، هذا مما حرّم الله ورسوله))، وقول الصحابيّ: حرّم رسول الله كذا، أو أمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا في حكم المرفوع اتفاقًا عند أهل العلم، إلا خلافًا شاذًا لا يُعتدّ به، ولا يؤبه له . وشُبهة المخالف أنه لعله رواه بالمعنى، فظنّ ما ليس بأمر، ولا تحريم كذلك، وهذا فاسدٌ جدًا، فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تلقّوها من في رسول اللّه وَالت، فلا يظنّ بأحد منهم أن يقدم على قول: أمر رسول اللَّه وَلقره، أو حرّم، أو فرض إلا بعد سماع ذلك، ودلالة اللفظ عليه، واحتمال خلاف هذا كاحتمال الغلط، والسهو في الرواية، بل دونه، فإن رُدّ قوله: ((أمر)) ونحوه بهذا الاحتمال، وجب ردّ روايته؛ لاحتمال السهو والغلط، وإن قُبلت روايته، وجب قبول الآخر. وأما شهادة العرف بذلك، فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير، بل قد علم الله، وعباده من المتبايعين ذلك قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدًا يقصدان به تملكها، ولا غرض لهما فيها بحال، وإنما الغرض، والمقصود بالقصد الأول مائة بمائة وعشرين، وإدخال السلعة في الوسط تلبيس وعبث، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه، بل جيء به لمعنى في غيره، حتى لو كانت تلك السلعة تُساوي أضعاف ذلك الثمن، أو تساوي أقلّ جزء من أجزائه، لم يبالوا بجعلها موردًا للعقد؛ لأنهم لا غرض لهم فيها، وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا. وأما النيّة والقصد، فالأجنبيّ المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة، وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين، فضلًا عن علم المتعاقدين، ونيتهما، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد، ثم يُحضران تلك السلعة، محللًا لما حرّم الله ورسوله. وأما المقام الثاني، وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام، فبانت بالكتاب والسنّة، والفطرة، والمعقول، فإن الله سبحانه وتعالى مسخ اليهود قردةً وخنازير لَمّا توسّلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنّوها مباحةً، وسمَّى أصحاب رسول اللَّه وَلّ، والتابعون ٧٣- (بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٦٣٤ ١٣٥ مثل ذلك مخادعةً، كما تقدّم، وقال أيوب السختيانيّ: يخادعون اللَّه كما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل. والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعيّنٌ، سواء كانت لغويّة، أو شرعيّة، والخداع حرام. وأيضًا، فإن هذا العقد يتضمّن إظهار صورة مباحة، وإضمار ما هو من أكبر الكبائر، فلا تنقلب الكبيرة مباحةً بإخراجها في صورة البيع الذي لم يُقصد نقل الملك فيه أصلًا، وإنما قصده حقيقة الربا. وأيضًا فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام، فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلًا؛ لأن إباحتها، وتحريم الغاية جمع بين النقيضين، فلا يُتصوّر أن يُباح شيء، ويحرم ما يُفضي إليه، بل لا بدّ من تحريمهما، أو إباحتهما، والثاني باطلٌ قطعًا، فيتعيّن الأول. وأيضًا، فإن الشارع إنما حرّم الربا، وجعله من الكبائر، وتوعّد آكله بمحاربة الله ورسوله؛ لما فيه من أعظم الفساد والضرر، فكيف يُتصوّر مع هذا أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيء يكون من الحيل؟، فيا لله العجب، أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة، وقلبتها مصلحة، بعد أن كانت مفسدة؟. وأيضًا فإن الله سبحانه وتعالى عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصرمنّها مصبحين، وكان مقصودهم منع حقّ الفقراء، من الثمر المتساقط وقت الحصاد، فلما قصدوا منع حقّهم منعهم اللَّه الثمرة جملة . ولا يقال: فالعقوبة إنما كانت على ردّ الاستثناء وحده؛ لوجهين: أحدهما: أن العقوبة من جنس العمل، وترك الاستثناء عقوبته أن يعوق وينسى، لا إهلاك ماله، بخلاف عقوبة ذنب الحرمان، فإنها حرمان كالذنب. الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَّهَا أَلْوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤]، وذنب العقوبة على ذلك، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة، فإن لم يكن هو العلّة التامة كان جزءًا من العلّة، وعلى التقديرين يحصل المقصود. وأيضًا فإن النبيّ وَلّ قال: ((الأعمال بالنيات))، والمتوسّل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرّم إنما نيّته المحرم، ونيته أولى به من ظاهر عمله. وأيضًا فقد روى ابن بطّة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة ◌َّيه أن النبيّ بَّ قال: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلّوا محارم الله بأدنى الحيل))، وإسناده مما یصححه الترمذيّ. وأيضًا فإن النبيّ بَّر قال: ((لعن الله اليهود حُرّمت عليهم الشحوم، فجملوها، ١٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع وباعوها، وأكلوا أثمانها))، و((جملوها)): يعني أذابوها، وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويحدُث لها اسم آخر، وهو الودَكُ، وذلك لا يفيد الحلّ، فإن التحريم تابع للحقيقة، وهي لا تتبدّل بتبدّل الاسم، وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته، فلا يزول بتبدّل الاسم بصورة البيع، كما لم يزل تحريم الشحم بتبديل الاسم بصورة الجمل والإذابة، وهذا واضحٌ بحمد اللَّه. وأيضًا، فإن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه، فيلزم من وقف مع صورة العقود والألفاظ، دون مقاصدها، وحقائقها أن لا يحرّم ذلك؛ لأن الله تعالى لم ينصّ على تحريم الثمن، وإنما حرّم عليهم نفس الشحم، ولَمّا لعنهم على استحلالهم الثمن، وإن لم ينصّ على تحريمه، دلّ على أن الواجب النظر إلى المقصود، وإن اختلفت الوسائل إليه، وأن ذلك يوجب أن لا يقصد الانتفاع بالعين، ولا ببدلها . ونظير هذا أن يقال: لا تقرب مال اليتيم، فتبيعه، وتأكل عوضه، وأن يقال: لا تشرب الخمر، فتغيّر اسمه، وتشربه، وأن يقال: لا تزن بهذه المرأة، فتعقد عليها عقد إجارة، وتقول: إنما أستوفي منافعها، وأمثال ذلك. قالوا: ولهذا الأصل، وهو تحريم الحيل المتضمّنة إباحة ما حرّم اللّه، أو إسقاط ما أوجبه اللّه عليه أكثر من مائة دليل، وقد ثبت أن النبيّ وَ لّ: ((لعن المحلّل، والمحلّل له))، مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح؛ لما كان مقصوده التحليل، لا حقيقة النكاح، وقد ثبت عن الصحابة أنهم سمّوه زانيًا، ولم ينظروا إلى صورة العقد. [الدليل الثاني] : على تحريم العينة: ما رواه أحمد في ((مسنده)): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر هو ابن عياش، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول اللّه وَ له يقول: ((إذا ضَنّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتّبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل اللّه، أنزل اللَّه بهم بلاءً، فلا يرفعه عنهم حتى يُراجعوا دينهم))(١)، ورواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شُريح المصريّ، عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراسانيّ، أنّ عطاء الخراسانيّ حدّثه، أن نافعا حدّثه، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول اللَّه ◌َله يقول- فذكره، وهذان إسنادان حسنان، يشدّ أحدهما الآخر، فأما رجال الأول، فأئمة مشاهير، وإنما يُخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر. والإسناد الثاني (١) قال في ((الجوهر النقيّ ٣١٦/٥-٣١٧ -: صححه ابن القطّان، وقال: هذا الإسناد كل رجاله ثقات. كذا قال في النسخة ((بلاء»، وأُراه مصحّفًا من ((ذُلًا)). اهـ ١٣٧ ٧٣- (بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٦٣٤ يبيّن أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراسانيّ ثقة مشهور، وحيوة كذلك، وأما إسحاق أبو عبد الرحمن، فشيخ روى عنه أئمة المصريين، مثل حيوة، والليث، ويحيى بن أيوب، وغيرهم. وله طريق ثالث، رواه السريّ بن سهل، حدّثنا عبد الله بن رشيد، حدثنا عبد الرحمن بن محمد، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: لقد أتى علينا زمان، وما منّا رجلٌ يرى أنه أحقّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول اللَّه وَّله يقول: ((إذا ضنّ الناس بالدينار، والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، واتّبعوا أذناب البقر، أدخل اللَّه عليهم ذُلًا لا ينزعه حتى يتوبوا، ويرجعوا إلى دينهم»، وهذا يبيّن أن للحديث أصلًا، وأنه محفوظ. [الدليل الثالث]: ما تقدّم من حديث أنس رَزّه، أنه سئل عن العينة؟ فقال: ((إن الله لا يُخدع، هذا مما حرّم الله ورسوله))، وتقدّم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع. [الدليل الرابع] : ما تقدّم من حديث ابن عباس، وقوله: ((هذا مما حرّم الله ورسوله)». [الدليل الخامس] : ما رواه الإمام أحمد، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن العالية، ورواه حرب من حديث إسرائيل، حدّثني أبو إسحاق، عن جدّته العالية يعني جدّة إسرائيل- فإنها امرأة أبي إسحاق، قالت: دخلت على عائشة في نسوة، فقالت: ما حاجتكنّ؟ فكان أول من سألها أم محبة (١)، فقالت: يا أم المؤمنين، هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد أن يبيعها، فابتعتها بستمائة درهم نقدًا، فأقبلت عليها، وهي غضبى، فقالت: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله (١) بضم الميم، وكسر الحاء المهملة، هكذا ضبطه الدار قطنيّ في ((كتاب المؤتلف والمختلف))، وقال: إنها امرأة تروي عن عائشة، روى حديثها أبو إسحاق السبيعي، عن امرأته العالية، ورواه أيضا يونس بن أبي إسحاق، عن أمه العالية بنت أنفع، عن أم محبة، عن عائشة، وقال: أم محبة، والعالية مجهولتان، لا يُحتجّ بهما. وأخرجه أحمد في ((مسنده)) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن امرأته: أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم، فقالت أم ولد زيد الحديث، قال في ((التنقيح)): إسناده جيّد، وإن كان الشافعيّ لا يثبت مثله عن عائشة، وكذلك الدار قطنيّ، قال في العالية: هي مجهولة، لا يحتجّ بها، وفيه نظر، فقد خالفه غيره، وقال ابن الجوزي: قالوا: العالية مجهولة، لا يحتجّ بها، ولا يقبل خبرها، قلنا: بل هي امرأة معروفة، جليلة القدر، ذكرها ابن سعد في ((الطبقات))، فقال: العالية بنت أنفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق السبيعيّ، سمعت من عائشة. انتهى. ١٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع وَّخيلة، إلا أن يتوب، وأفحمت صاحبتنا، فلم تتكلّم طويلًا، ثم إنه سهل عنها، فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلت عليها: ﴿فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّيِّهِ، فَأَنَْهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]. فلولا أن عند أم المؤمنين علمًا لا تستريب فيه أن هذا محرّم، لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد، ولا سيّما إن كانت قد قصدت أن العمل يُحبط بالردّة، وأن استحلال الربا كفرٌ، وهذا منه، ولكن زيدًا معذورٌ؛ لأنه لم يعلم أن هذا محرم، ولهذا قالت: ((أبلغيه)). ويحتمل أن تكون قد قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد، فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيّئةً بقدرها، فكأنه لم يعمل شيئًا. وعلى التقديرين لجزم أم المؤمنين بهذا دليلٌ على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد، والنزاع بين الصحابة لم تُطلق عائشة ذلك على زيد، فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد. ولا يقال: فزيد من الصحابة، وقد خالفها؛ لأن زيدًا لم يقل: هذا حلالٌ، بل فعله، وفعل المجتهد لا يدلّ على قوله، على الصحيح؛ لاحتمال سهو، أو غفلة، أو تأويل، أو رجوع، ونحوه، وكثيرًا ما يفعل الرجل الشيء، ولا يعلم مفسدته، فإذا نُبّه له انتبه، ولا سيّما أم ولده، فإنها دخلت على عائشة تستفتيها، وطلبت الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدلّ على الرجوع عن ذلك العقد، ولم يُنقل عن زيد أنه أصرّ على ذلك. [فإن قيل] : لا نسلّم ثبوت الحديث، فإن أم ولد زيد مجهولة؟. [قلنا] : أم ولده لم ترو الحديث، وإنما كانت هي صاحبة القصّة، وأما العالية، فهي امرأة أبي إسحاق السبيعيّ، وهي من التابعيّات، وقد دخلت على عائشة، وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلم بها، وفي الحديث قصّة، وسياق يدلّ على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصّة، ولم تضعها، بل يغلب على الظنّ غلبةً قويّة صدقها فيها، وحفظها لها، ولهذا رواها عنها زوجها ميمون(١) ولم ينهها، ولا سيّما عند من يقول: رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيًا في التابعين فشوّه فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروي عن أمه، وامرأته ما يُخبرن به أزواج رسول اللَّه وَّه ويحتجّ به. فهذه أربعة أحاديث تبيّن أن رسول اللَّه وَّله حرّم العينة: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما الذي فيه تغليظ العينة. وحديث أنس، وابن عباس **** أنها مما حرّم الله (١) يحتاج إلى تحرير؟؟؟ ٧٣- (بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٦٣٤ ١٣٩ ورسوله. وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا المرسل، والمرسل منها له ما يوافقه، وقد عمل به بعض الصحابة من السلف، وهذا حجة باتفاق الفقهاء. [الدليل السادس]: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة رَّه، عن النبيّ وَّره قال: ((من باع بيعتين، فله أوكسهما، أو الربا))، وللعلماء في تفسيره قولان: [أحدهما]: أن يقول: بعتك بعشرة نقدًا، وعشرين نسيئة، وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك، ففسّره في حديث ابن مسعود رَّيه، قال: ((نهى رسول اللّه ◌َل عن صفقتين في صفقة))، قال سماك: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو على نساء بكذا، وبنقد بكذا. وهذا التفسير ضعيف؛ فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين. [والتفسير الثاني] : أن يقول: أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة، وهذا معنى الحديث، الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله: ((فله أوكسهما، أو الربا))، فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد، فيُربي، أو الثمن الأول، فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين في صفقة، فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة، ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجّلة، أكثر منها، ولا يستحقّ إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر، كان قد أخذ الربا، فتدبّر مطابقة هذا التفسير لألفاظه وَله، وانطباقه عليها. ومما يشهد لهذا التفسير: ما رواه الإمام أحمد، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّر: ((أنه نهى عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع))، فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلا منهما يؤول إلى الربا؛ لأنهما في الظاهر بيع، وفي الحقيقة ربا. ومما يدلّ على تحريم العينة: حديث ابن مسعود رَّه يرفعه: «لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، والمحلّل، والمحلّل له)). ومعلوم أن الشاهدين، والكاتب إنما يكتب، ويشهد على عقد صورته جائزة الكتابة، والشهادة، لا يشهد بمجرّد الربا، ولا يكتبه، ولهذا قرنه بالمحلّل والمحلّل له، حيث أظهرا صورة النكاح، ولا نكاح، كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع، ولا بيع. وتأمّل كيف لعن في الحديث الشاهدين، والكاتب، والآكل، والموكل، فلعن المعقود له، والمعين له على ذلك العقد، ولعن المحلّل، والمحلّل له، فالمحلل له هو الذي يُعقد التحليل لأجله، والمحلّل هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به، فصلوات اللَّه على من أوتي جوامع الكلم. ==== ١٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع [الدليل السابع]: ما صحّ عن ابن عبّاس أنه قال: ((إذا استقمت(١) بنقد، فبعت بنقد، فلا بأس، وإذا استقمت بنقد، فبعت بنسيئة، فلا خير فيه، تلك ورق بورق)). رواه سعيد وغيره. ومعنى كلامه: أنك إذا قوّمت السلعة بنقد، ثم بعتها بنسيئة كان مقصود المشتري شراء دراهم معجّلة بدراهم مؤجّلة، وإذا قوّمتها بنقد، ثم بعتها به فلا بأس، فإن ذلك بيع المقصود منه السلعة، لا الربا. [الدليل الثامن]: ما رواه ابن بطّة، عن الأوزاعيّ، قال: قال رسول اللَّه وَّ: ((يأتي على الناس زمان، يستحلّون الربا بالبيع)). يعني العينة. وهذا، وإن كان مرسلًا، فهو صالحٌ للاعتضاد به، ولا سيّما وقد تقدّم من المرفوع ما يؤكّده، ويشهد له أيضًا، قوله وَلّى : ((ليشربنّ ناسٌ من أمتي الخمر، يسمّونها بغير اسمها))، وقوله أيضًا، فيما رواه إبراهيم الحربيّ من حديث أبي ثعلبة رَّه، عن النبيّ وَّر، قال: ((أول دينكم نبوّة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عَضُوض (٢)، يُستحلّ فيه الحِرُ والحرير))، و((الحِر)) بكسر الحاء ، وتخفيف الراء -: هو الفرج، فهذا إخبار عن استحلال المحارم، ولكنه بتغيير أسمائها، وإظهارها في صورة تجعل وسيلة إلى استباحتها، وهي الربا، والخمر، والزنا، فيُسمّى كلّ منها بغير اسمها، ويستباح الاسم الذي سمي به، وقد وقعت الثلاثة. وفي قول عائشة: ((بئسما شريت، وبئسما اشتريت)) دليلٌ على بطلان العقدين معًا، وهذا هو الصحيح من المذهب -يعني الحنبلية-؛ لأن الثاني عقد ربا، والأول وسيلة إليه. وفيه قول آخر في المذهب أن العقد الأول صحيح؛ لأنه تمّ بأركانه وشروطه، فطريان الثاني عليه لا يبطله، وهذا ضعيف؛ فإنه لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما جعله وسيلة إلى الربا، فهو طريق إلى المحرّم، فكيف يحكم بصحّته؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب. [فإن قيل] : فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟. [قلنا] : قد نصّ أحمد في رواية حرب على أنه لا يجوز إلا إن تغيّرت السلعة؛ لأن هذا يتخذ وسيلة إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواءً، وهي عكسها صورة، وفي الصورتين قد ترتّب في ذمّته دراهم مؤجّلة بأقلّ منها نقدًا، لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى المشتري هو الذي اشتغلت ذمته، فلا فرق بينهما. (١) ((استقمت في لغة أهل مكة: بمعنى قوّمت، يقولون: استقمت المتاع: إذا قوّمته. اهـ (نهاية)). (٢) أي يصيب الرعية فيه عسفٌ، وظلم، كأنهم يعَضّون فيهى عضًا، والعضوض من صيغ المبالغة.