النص المفهرس

صفحات 81-100

٦٣ - (السَّلَمُ فِي الثَّمَارِ) - حديث رقم ٤٦١٨
٨١
يكون بضم النون، بصيغة المبنيّ للمفعول، ومعناه معلوم: أي ما نظنّ ذلك.
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنيب)).
٦٣ - (السَّلَمُ فِي الثَّمَارِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الثِّمَارُ)) بالكسر جمع ثَمَر بالثاء المثلثة، هكذا ترجم
باللفظ العام، مع أن لفظ الحديث عنده بلفظ التمر، إشارة إلى أنه لا فرق بين التمر
وسائر الثمار في جواز السلم فيه، لكن لفظ الحديث في ((الصحيحين)) بلفظ ((الثمار))،
وعلى هذا فلا يحتاج إلى القياس، بل هو نصّ، ولعله أشار بالترجمة إلى اختلاف الرواة
في الحديث، وأن الاختلاف في ذلك لا يضرّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦١٨- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَه
الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ، السَّنَتَيْنِ، وَالثَّلَاثَ، فَنَهَاهُمْ، وَقَالَ: ((مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا،
فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزَّنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (سفيان) بن عيينة الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٨] ١/١.
٣- (ابن أبي نَجِيح) عبد الله بن يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة، رُمي
بالقدر، وربّما دلّس [٦] ١٥٥/١١٢.
٤- (عبد الله بن كثير) الداريّ المكيّ، أبو معبد القارىء، أحد الأئمة، مولى عمرو
ابن علقمة الكناني، وكان عطارا بمكة، وأهل مكة يقولون للعطار: داريّ، ويقال: بل
هو من ولد الدار بن هانئ، رهط تميم الداري. وقال أبو نعيم الأصبهاني: هو مولى بني
عبد الدار، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن أبي الزبير، ومجاهد، وقرأ عليه القرآن، وأبي المنهال: عبد الرحمن بن

٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
مطعم، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وعنه أيوب، وجرير بن حازم، وابن أبي
نجيح، وابن جريج، وحماد بن سلمة، وشِبل بن عباد، وابن خثيم، وابن عيينة،
وجماعة .
قال علي بن المديني: كان ثقة. وقال ابن سعد: ثقة، وله أحاديث صالحة. وقال
حماد بن سلمة: رأيت أبا عمرو بن العلاء، يقرأ على عبد الله بن كثير. وقال ابن عيينة:
لم يكن بمكة أقرأ منه، ومن حميد بن قيس. وقال جرير بن حازم: كان فصيحا بالقرآن.
وذكر أبو عمرو الداني: أنه أخذ القراءة عن عبد الله بن السائب المخزومي، والمعروف
أنه إنما أخذها عن مجاهد. وقال ابن المجاهد، عن بشر بن موسى، عن الحميدي،
عن سفيان: رأيت قاسم الرحال في جنازة عبد الله بن كثير، سنة عشرين ومائة.
وقال البخاري: عبد الله بن كثير المكي القرشي، سمع مجاهدا، سمع منه ابن
جريج. قال الجياني: وقول البخاري: إنه من بني الدار وَهَمْ، وإنما هو سهمي، كذا
يقوله النسابون، والمحدثون، وقال: والذي ذكر ابن عيينة: أنه رأى قاسم الرحال في
جنازته، هو السهميّ، لا القاريء. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: عبد الله بن كثير
الرازي القارئ ثقة. وقال أبو عبيد: إليه صارت قراءة أهل مكة، وبه اقتدى أكثرهم،
وصحح ابن البادي أن نسبته إلى دارين، قال: لأنه كان عطارًا. روى له الجماعة، وله
عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
[تنبيه]: مدار هذا الحديث -كما قال في ((الفتح)) ١٨٢/٥ - على ((عبد الله بن
كثير)): وقد اختلف فيه، فقيل: هو عبد الله بن كثير بن المطّلب بن أبي وداعة السهميّ،
مقبول [٦] ٣٩٦٣/٤. وبهذا جزم الكلاباذيّ، وابن طاهر، والدمياطيّ.
وقيل: هو عبد الله بن كثير القاريء المشهور، وبهذا جزم القابسيّ، وعبد الغنيّ،
والمزّيّ، قال الحافظ: وهو أرجح، فإنه مقتضى صنيع البخاريّ في ((تاريخه))، وكلاهما
ثقتان(١).
٥- (أبو المنهال) عبد الرحمن بن مُطعم البُنَانيّ البصريّ، نزيل مكة، ثقة [٣]٤٩/
٤٥٧٥ .
٦- (ابن عباس) رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
(١) لكن الأول لم يوثقه إلا ابن حبّان،

٨۴
٦٣ - (السَّلَمُ فِي الثَّمَارِ) - حديث رقم ٤٦١٨
=
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المكيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه عبد
الله بن كثير أحد القرّاء السبعة، الذي قال عنه الشاطبيّ في ((حرز الأماني)):
وَمَكَّةُ عَبْدُ اللَّهِ فِيهَا مُقَامُهُ هُوَ ابْنُ كَثِيرٍ كَاثِرُ الْقَوْمِ مُعْتَلَى
وفيه ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، حبر الأمة، وبحرها، وأحد المكثرين
السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ) عبد الرحمن بن مطعم، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ) رضي اللَّه
تعالى عنهما (قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال المهملة، من باب تعب (رَسُولُ اللّهِّ ◌َِّ الْمَدِينَةَ،
وَهُمْ يُسْلِفُونَ) بضم أوله، من الإسلاف، أو التسليف، يقال: أسلف إسلافًا، وسلّف
تسليفًا، والاسم السّلَف، وهو على وجهين: [أحدهما] : قرض، لا منفعة للمقرض
غير الأجر، والشكر. [والثاني] : أن يُعطي مالًا في سلعة إلى أجل معلوم. قاله
السنديّ. والمراد هنا الثاني.
(فِي التَّمْرِ) بفتح المثنّاة الفوقيّة، وفي رواية للشيخين: ((في الثمار))، بالثاء المثلّثة،
وفي رواية للبخاريّ ((في الثمر)) بالثاء المثلّثة أيضًا.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: إنما جرى ذكر التمر في هذه الرواية؛ لأنه غالب ما
يُسلم فیه عندهم. انتھی.
(السَّنَتَيْنِ، وَالثَّلَاثَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ((يُسلفون))، وقال السنديّ:
منصوب إما على نزع الخافض، أي إلى السنتين، أو على المصدر: أي إسلاف
السنتين. انتهى.
(فَتَهَاهُمْ) أي منعهم من الإسلاف إلى أجل مجهول، لا أنه منعهم من أصل السلف؛
لقوله (وَقَالَ) وَهِ (مَنْ أَسْلَفَ) بالهمز، وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن عُليّة، عن ابن
أبي نجيح: ((من سلّف)) بتشديد اللام، وهو بمعناه، كما سبق بيانه (سَلَفًا) اسم مصدر
ل((أسلف))، وفي رواية البخاريّ: ((من أسلف في شيئ)) (فَلْيُسْلِفْ) بضم حرف
المضارعة، من الإسلاف، أو التسليف (فِي كَيْلِ مَعْلُوم، وَوَزْنِ مَعْلُوم) هكذا الرواية
بالواو، وهي هنا بمعنى ((أو))؛ لأن المراد اعتبار الكيل فَيَما يُكال، والوزن فيما يوزن.
وقال السنديّ: قوله: ((ووزن معلوم)) بالواو في الأصول، فقيل: الواو للتقسيم: أي
بمعنى ((أو)): أي كيل فيما يكال، ووزن فيما يوزن. وقيل: بتقدير شرط: أي في كيل
معلوم، إن كان كيليّا، ووزن معلوم، إن كان وزنيًا، أو من أسلف في مكيل، فليُسلف
في كيل معلوم، ومن أسلف في موزون، فليُسلف في وزن معلوم. انتهى.

٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
(إِلَى أَجَلِ مَغْلُوم) أي وقت محدّد، احترز به عن الأجل المجهول الذي كانوا في
الجاهليّة يسلّفون إليه. قيل: ظاهره اشتراط الأجل في السلم، وبه يقول الجمهور،
وسيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٦١٨/٦٣- وفي ((الكبرى)) ٦٢٠٩/٦٤. وأخرجه (خ) في ((السلم))
٢٢٣٩ و٢٢٤١ و٢٢٥٣ (م) في ((البيوع)) ١٦٠٤ (د) في ((البيوع)) ٣٤٦٣ (ت) في
(البيوع)) ١٣١١ (ق) في ((التجارات)) ٢٢٨٠ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ١٨٧١
و٢٥٤٤ و٢٣٦٠ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٧٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز السلم في الثمار.
(ومنها): اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل، من أجل اختلاف المكاييل،
إلا أن لا يكون في البلد سوى كيل واحد، فإنه ينصرف إليه عند الإطلاق. قال في
((الفتح)): واتّفقوا على اشتراط الكيل فيما يُسلم فيه من المكيل، كصاع الحجاز، وقفيز
العراق، وإردبّ مصر، بل مكاييل هذه البلاد في نفسها مختلفة، فإذا أطلق صُرف إلى
الأغلب. انتهى(١). (ومنها): أن ما يوزن لا يُسلم فيه مكيلًا، وبالعكس، قال في
((الفتح)): وهو أحد الوجهين، والأصحّ عند الشافعيّة الجواز، وحمله إمام الحرمين على
ما يُعدّ الكيل في مثله ضابطًا. انتهى(٢).
(ومنها): أنه يؤخذ من رواية ((من أسلف في شيءٍ)) جواز السلم في كلّ شيءٍ، من
الحيوان، وغيره من العروض، مما تجتمع شروط السلم فيه، وهو مذهب الجمهور، من
الصحابة، والتابعين، وأئمة الفتيا، وقد منع السلم، والقرض في الحيوان الأوزاعيّ،
والثوريّ، والحنفيّة، وروي عن ابن عمر، وابن مسعود ﴿، قال القرطبيّ:
والكتاب، والسنّة حجة عليهم، فمن الكتاب عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾،
(١) (فتح)) جـ ٥ ص ١٨٣.
(٢) ((فتح)) جـ ٥ ص ١٨٣ .

٨٥
٦٣- (السَّلَمُ فِي الثَّمَارِ) - حديث رقم ٤٦١٨
وقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ﴾ الآية، ومن السنّة أنه رَّ استسلف من رجل
بكرًا)) الحديث رواه مسلم، وسيأتي في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: ذكر العلماء لصحة السلم ستة شروط؛ استنباطًا من حديث الباب، وغيره، فمنها
ما هو مجمع عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، وسأورد هذه الشروط مع بيان بعض ما يتفرّع منها
من المسائل، ملخّصًا من كلام الإمام العلامة موفّق الدين أبي محمد ابن قدامة رحمه الله
تعالى، في كتابه المفيد ((المغني))، وأرتّبها في مسائل متممة للمسائل الماضية فأقول:
(المسألة الرابعة): في الكلام على الشرط الأول:
قال الموفّق رحمه اللّه تعالى: ما حاصله: الشرط الأول أن يكون المسلم فيه، مما
ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرا، فيصح في الحبوب، والثمار،
والدقيق، والثياب، والإبريسم، والقطن، والكتان، والصوف، والشعر، والكاغد،
والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، والأدوية، والطيب، والخلول،
والأدهان، والشحوم، والألبان، والزئبق، والشَّبّ، والكبريت، والكحل، وكل
مكيل، أو موزون، أو مزروع، وقد جاء الحديث في الثمار، وحديث بن أبي أوفى
رَّه في الحنطة، والشعير، والزبيب، والزيت، وأجمع أهل العلم على أن السلم في
الطعام جائز، قاله ابن المنذر، وأجمعوا على جواز السلم في الثياب.
ولا يصح السلم فيما لا ينضبط بالصفة، كالجوهر، من اللؤلؤ، والياقوت،
والفيروزج، والزبرجد، والعقيق، والبِلَّوْر؛ لأن أثمانها تختلف اختلافا متباينا بالصغر،
والكبر، وحسن التدوير، وزيادة ضوئها، وصفائها، ولا يمكن تقديرها ببيض العصفور
ونحوه؛ لأن ذلك يختلف، ولا بشيء معين؛ لأن ذلك يَتْلَف، وهذا قول الشافعي،
وأصحاب الرأي، وحكي عن مالك صحة السلم فيها، إذا اشترط منها شيئا معلوما، وإن
كان وزنا فبوزن معروف، والذي قلناه أولى لما ذكرنا.
ولا يصح فيما يَجمع أخلاطا مقصودة، غير متميزة، كالغالية، والنَّدّ، والمعاجين،
التي يتداوى بها؛ للجهل بها، ولا في الحوامل من الحيوان؛ لأن الولد مجهول، غير
متحقق، ولا في الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط؛ لأن الصفة لا تأتي عليه.
وفيه وجه آخر أنه يصح السلم فيه، إذا ضُبط بارتفاع حائطه، ودور أعلاه وأسفله؛ لأن
التفاوت في ذلك يسير، ولا يصح في القَسِيّ المشتملة على الخشب، والقرن، والعصب،
والتُّوز(١)؛ إذ لا يمكن ضبط مقادير ذلك، وتمييز ما فيه منها. وقيل: يجوز السلم فيها،
(١) (التُّوز)) عدّ في: ((القاموس)) من معانيها: أنه شجر، وخشبة يُلعب بها بالكجة. والله أعلم.

= ٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
والأولى ما ذكرنا. قال القاضي والذي يجمع أخلاطا على أربعة أضرب: [أحدها]:
مختلط مقصود متميز، كالثياب المنسوجة من قطن وكتان، أو قطن وإبريسم، فيصح السلم
فيها؛ لأن ضبطها ممكن. [الثاني] : ما خلطه لمصلحته، وليس بمقصود في نفسه،
كالإنفحة في الجبن، والملح في العجين والخبز، والماء في خل التمر والزبيب، فيصح
السلم فيه؛ لأنه يسير لمصلحته. [الثالث] : أخلاط مقصودة غير متميزة، كالغالية والند
والمعاجين، فلا يصح السلم فيها؛ لأن الصفة لا تأتي عليها. [الرابع] : ما خلطه غير
مقصود، ولا مصلحة فيه، كاللبن المشوب بالماء، فلا يصح السلم فيه. انتهى ((المغني))
٣٨٥/٦-٣٨٦. وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): مما يتفرّع على الشرط المذكور مما اختلف فيه أهل العلم السلم
في الحيوان :
قال الموفّق رحمه الله تعالى: واختلفت الرواية -أي عن أحمد- في السلم في
الحيوان، فرُوي لا يصح السلم فيه، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي، وروي ذلك
عن عمر، وابن مسعود، وحذيفة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والجوزجاني؛ لما روي
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: إن من الربا أبوابا، لا تخفى وإن منها
السلمَ في السنّ، ولأن الحيوان يختلف اختلافا متباينا، فلا يمكن ضبطه، وإن استقصى
صفاته التي يختلف بها الثمن مثل أزج الحاجبين، أكحل العينين، أقنى الأنف، أشم
العرنين، أهدب الأشفار، أَلْمَى الشفة(١) بديع الصفة، تعذر تسليمه؛ لندرة وجوده على
تلك الصفة. وظاهر المذهب صحة السلم فيه، نص عليه في رواية الأثرم. قال ابن
المنذر: وممن روينا عنه أنه لا بأس بالسلم في الحيوان: ابنُ مسعود، وابن عباس،
وابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، ومجاهد، والزهري،
والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وحكاه الجوزجاني عن عطاء،
والحكم؛ لأن أبا رافع رَ انيه، قال: ((استسلف النبي ◌َّ من رجل بكرا))، رواه مسلم،
ورَوَى عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ((أمرني رسول اللَّه وَ ◌ّر، أن أبتاع البعير
بالبعيرين وبالأبعرة، إلى مجيء الصدقة))، ولأنه ثبت في الذمة صداقا، فثبت في
السلم، كالثياب، فأما حديث عمر فلم يذكره أصحاب الاختلاف(٢)، ثم هو محمول
(١) زَجّ الحاجبُ: دقّ في طول، وتقوّس. وقَنَى الأنف: ارتفاع وسط قصبته. وشمُّ الأنف: ارتفاع
قصبته قليلاً في استواء. أهدب الأشفار: طويلها. ألمى الشفة أسمر الشفة، وهي تستحسن.
(٢) هكذا قال، ولعله يريد أصحاب اختلاف الحديث، وحاصله أنه يحتاج إلى ثبوته أولا، ثم يطلب
الجمع بين الاختلافات .

٦٣ - (السَّلَمُ فِي الثُمَارِ) - حديث رقم ٤٦١٨
٨٧ =
على أنهم يشترطون من ضراب فحل بني فلان، قال الشعبي: إنما كره ابن مسعود
السلف في الحيوان؛ لأنهم اشترطوا نتاج فحل معلوم رواه سعيد. وقد رُوي عن علي
رَّه أنه باع جملا له يُدعى عُصيفيرا بعشرين بعيرًا إلى أجل، ولو ثبت قول عمر، في
تحريم السلم في الحيوان، فقد عارضه قول من سمينا ممن وافقنا. انتهى ((المغني)) ٦/
٣٨٨-٣٨٩. وهو بحث مفيد جدًّا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): مما اختلفوا فيه أيضًا السلم في غير الحيوان مما لا يكال، ولا
یوزن :
قال الموفّق رحمه الله تعالى: واختلفت الرواية - أي عن أحمد- في غير الحيوان،
مما لا يكال، ولا يوزن، ولا يذرع، فنقل إسحاق بن إبراهيم، عن أحمد: أنه قال: لا
أرى السلم إلا فيما يكال، أو يوزن، أو يوقف عليه، قال أبو الخطاب: معناه: يوقف
عليه بحد معلوم، لا يختلف كالذرع، فأما الرمان، والبيض، فلا أرى السلم فيه،
وحكى ابن المنذر عنه، وعن إسحاق: أنه لا خير في السلم في الرمان، والسفرجل،
والبطيخ، والقثاء، والخيار؛ لأنه لا يكال، ولا يوزن، ومنه الصغير والكبير، فعلى هذه
الرواية لا يصح السلم في كل معدود مختلف، كالذي سميناه، وكالبقول؛ لأنه يختلف،
ولا يمكن تقدير البقل بالحزم؛ لأن الحزم يمكن في الصغير والكبير، فلم يصح السلم
فيه كالجواهر، ونقل إسماعيل بن سعيد، وابن منصور: جواز السلم في الفواكه،
والسفرجل، والرمان، والموز، والخضروات ونحوها؛ لأن كثيرا من ذلك، مما
يتقارب، وينضبط بالصغر والكبر، وما لا يتقارب ينضبط بالوزن، كالبقول ونحوها،
فصح السلم فيه، كالمذروع، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، والأوزاعي، وحكى ابن
المنذر عن الشافعي المنع من السلم في البيض، والجوز، ولعل هذا قول آخر، فيكون
له في ذلك قولان. انتهى («المغني)) ٣٨٨/٦-٣٨٩.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الثاني عندي أرجح؛ لإمكان ضبطها بما ذُكر،
ضبطًا تقريبيًّا، وهو كاف في مثل هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة السابعة): في الكلام على الشرط الثاني: وهو أن يضبطه بصفاته التي
يختلف الثمن بها ظاهرا، فإن السلم فيه عوض في الذمة، فلا بد من كونه معلوما
بالوصف، كالثمن، ولأن العلم شرط في المبيع، وطريقه إما الرؤية، وإما الوصف،
والرؤية ممتنعة ههنا، فتعين الوصف، والأوصاف على ضربين: متفق على اشتراطها،
ومختلف فيها، فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف: الجنس، والنوع، والجودة والرداءة، فهذه

٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
لا بد منها في كل مسلم فيه، ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في اشتراطها، وبه يقول أبو
حنيفة، ومالك، والشافعي.
الضرب الثاني: ما يختلف الثمن باختلافه، مما عدا هذه الثلاثة الأوصاف، وهذه
تختلف باختلاف المسلم فيه، وذكرها شرط في السلم عند إمامنا، والشافعي، وقال أبو
حنيفة: يكفي ذكر الأوصاف الثلاثة؛ لأنها تشتمل على ما وراءها من الصفات.
ولنا إنه يبقى من الأوصاف من اللون، والبلد، ونحوهما ما يختلف الثمن، والغرض
لأجله، فوجب ذكره كالنوع، ولا يجب استقصاء كل الصفات؛ لأن ذلك يتعذر، وقد
ينتهي الحال فيها إلى أمر يتعذر تسليم المسلم فيه، إذ يبعد وجود المسلم فيه عند المحل
بتلك الصفات كلها، فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة، التي يختلف الثمن بها ظاهرا،
ولو استقصى الصفات حتى انتهى إلى حال يندر وجود المسلم فيه بتلك الأوصاف،
بطل السلم؛ لأن من شرط السلم أن يكون المسلم فيه عامَّ الوجود عند المحل،
واستقصاء الصفات يمنع منه. انتهى ((المغني)) ٣٩١/٦-٣٩٢. وهو بحث نفيس. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في الكلام على الشرط الثالث: وهو معرفة مقدار المسلم فيه بالكيل،
إن كان مكيلا، وبالوزن إن كان موزونا، وبالعدد إن كان معدودا؛ لقول النبي وَ الر: ((من
أسلم في شيء، فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم))، متّفقٌ عليه،
ولأنه عوض غير مشاهَد يثبت في الذمة، فاشترط معرفة قدره، كالثمن، قال الموفّق: ولا
نعلم في اعتبار معرفة المقدار خلافا، ويجب أن يقدره بمكيال، أو أرطال معلومة عند
العامة، فإن قدره بإناء معيّن، أو صنجة معينة، غير معلومة لم يصح؛ لأنه يهلك، فيتعذر
معرفة قدر المسلم فيه، وهذا غرر، لا يحتاج إليه العقد، قال ابن المنذر: أجمع كل من
نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المسلم في الطعام، لا يجوز بقفيز لا يعلم عياره، ولا في
ثوب بذرع فلان؛ لأن المعيار لو تَلِف، أو مات فلان بطل السلم، منهم: الثوري،
والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور. وإن عين مكيال رجل، أو ميزانه، وكانا
معروفين عند العامة جاز، ولم يختص بهما، وإن لم يعرفا لم يجز. انتهى («المغني)) ٦/
٣٩٩ -٤٠٠ . وهو بحث نفيس أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): مما يتفرّع على الشرط الثالث المذكور اختلافهم، فيما إذا أسلم
فيما يكال وزنا، أو فيما يوزن كيلا، قال الموفّق: نقل الأثرم أنه سأل أحمد، عن السلم
في التمر وزنا؟، فقال: لا إلا كيلا، قلت: إن الناس ههنا لا يعرفون الكيل، قال: وإن
كانوا لا يعرفون الكيل، فيحتمل هذا أنه لا يجوز في المكيل إلا كيلا، ولا في الموزون

٨٩
٦٣ - (السَّلَمُ فِي الثِّمَارِ) - حديث رقم ٤٦١٨
إلا وزنا، وهكذا ذكره القاضي، وابن أبي موسى؛ لأنه مبيع يشترط معرفة قدره، فلم
يجز بغير ما هو مقدر به في الأصل، كبيع الرطوبات بعضها ببعض، ولأنه قدر المسلم
بغير ما هو مقدر به في الأصل، فلم يجز، كما لو أسلم في المزروع وزنا، ونقل
المروذي عن أحمد: أنه يجوز السلم في اللبن إذا كان كيلا أو وزنا، وهذا يدل على
إباحة السلم في المكيل وزنا، وفي الموزون كيلا؛ لأن اللبن لا يخلو من كونه مكيلا،
أو موزونا، وقد أجاز السلم فيه بكل واحد منهما، وهذا قول الشافعي، وابن المنذر،
وقال مالك: ذلك جائز، إذا كان الناس يتبايعون التمر وزنا، قال الموفّق: وهذا أصح
إن شاء اللَّه تعالى؛ لأن الغرض معرفة قدره، وخروجه من الجهالة، وإمكان تسليمه من
غير تنازع، فبأي قدر قدره جاز، ويفارق بيع الربويات، فإن التماثل فيها في المكيل
كيلا، وفي الموزون وزنا شرط ، ولا نعلم هذا الشرط إذا قدرها بغير مقدارها الأصلي.
انتھی .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي صححه الموفّق رحمه اللَّه تعالى هو
الصواب عندي؛ لوضوح حجته، كما بينه في كلامه المذكور آنفًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): في الكلام على الشرط الرابع: وهو أن يكون مؤجلا أجلا
معلومًا، وقد اختلف أهل العلم في ثلاثة مواضع من هذا الشرط:
[أحدها]: أنه يشترط لصحة السلم كونه مؤجلا، ولا يصح السلم الحالّ، قال أحمد
في رواية المروذي: لا يصح حتى يشترط الأجل، وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك،
والأوزاعي، وقال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: يجوز السلم حالًا؛ لأنه عقد يصح
مؤجلا، فصح حالًا، كبيوع الأعيان، ولأنه إذا جاز مؤجلا، فحالا أجوز، ومن الغرر
أبعد .
واحتجّ الأولون بقول النبي ◌َّ: ((من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، أو
وزن معلوم، إلى أجل معلوم))، فأمر بالأجل، وأمره يقتضي الوجوب، ولأنه أمر بهذه
الأمور؛ تبيينا لشروط السلم، ومنعا منه بدونها، وكذلك لا يصح إذا انتفى الكيل
والوزن، فكذلك الأجل، ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق، ولا يحصل الرفق إلا
بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق، فلا يصح كالكتابة، ولأن الحلول يخرجه عن
اسمه ومعناه: أما الاسم فلأنه يسمى سَلَمًا وسَلَفًا؛ لتعجل أحد العوضين، وتأخر
الآخر، ومعناه ما ذكرناه في أول الباب، من أن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه،
ومع حضور ما يبيعه حالًا لا حاجة إلى السلم، فلا يثبت، ويفارق بيوع الأعيان، فإنها

٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
لم تثبت على خلاف الأصل، لمعنى يختص بالتأجيل، وما ذكروه من التنبيه غير
صحيح؛ لأن ذلك إنما يجزىء فيما إذا كان المعنى المقتضي موجودا في الفرع بصفة
التأكيد، وليس كذلك ههنا، فإن البعد من الضرر، ليس هو المقتضي لصحة السلم
المؤجل، وإنما المصحح له شيء آخر، لم نذكر اجتماعهما فيه، وقد بينا افتراقهما.
إذا ثبت هذا، فإنه إن باعه ما يصح السلم فيه حالا في الذمة صح، ومعناه معنى
السلم، وإنما افترقا في اللفظ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال ما ذهب إليه
الجمهور من اشتراط كونه مؤجّلًا؛ لظاهر قوله وَله: ((إلى أجل معلوم)). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب ..
[الموضع الثاني] : مما اختلفوا فيه أيضًا: أنه لا بد من كون الأجل معلوما؛ لقوله
تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقول النبي ◌َّ: ((إلى
أجل معلوم))، قال الموفّق: ولا نعلم في اشتراط العلم في الجملة اختلافا، فأما كيفيته،
فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه لا يختلف، ولا يصح أن يؤجله بالحصاد، والجذاذ،
وما أشبهه، وكذلك قال ابن عباس، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن المنذر، وعن أحمد
رواية أخرى: أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس، وبه قال مالك، وأبو ثور، وعن ابن
عمر: أنه كان يبتاع إلى العطاء، وبه قال ابن أبي ليلى، وقال أحمد: إن كان شيء
يُعرف، فأرجو، وكذلك إن قال: إلى قُدُوم الغزاة، وهذا محمول على أنه أراد وقت
العطاء، لأن ذلك معلوم، فأما نفس العطاء، فهو في نفسه مجهول، يختلف، ويتقدم،
ويتأخر، ويحتمل أنه أراد نفس العطاء؛ لكونه يتفاوت أيضا، فأشبه الحصاد، واحتج من
أجاز ذلك، بأنه أجل يتعلق بوقت من الزمن، يعرف في العادة، لا يتفاوت فيه تفاوتا
كثيرا، فأشبه إذا قال: إلى رأس السنة .
واحتجّ الأولون بما رُوي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: أنه قال: لا تتبايعوا
إلى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم، ولأن ذلك يختلف، ويقرب
ویبعد، فلا يجوز أن یکون أجلًا، کقدوم زید.
١
[فإن قيل] : فقد رُوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: ((إن رسول الله
وَله، بَعَث إلى يهودي: أن ابعث إلي بثوبين إلى الميسرة)).
[قلنا] : قال ابن المنذر: رواه حَرَمِيّ بن عُمارة، قال أحمد: فيه غفلة، وهو
صدوق، قال ابن المنذر: فأخاف أن يكون من غفلاته، إذ لم يتابع عليه، ثم لا خلاف
في أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة لم يصح. انتهى.

٩١
=
٦٣ - (السَّلَمُ فِي الثَّمَارِ) - حديث رقم ٤٦١٨
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث المذكور سيأتي للمصنف رحمه الله تعالى
بعد ستّة أبواب، في ٧٠/ ٤٦٣٠- ((البيع إلى الأجل المعلوم))، وهو حديث صحيح،
كما سيأتي بيانه هناك، فالظاهر أن الحديث يدلّ لمن قال بجواز السلم إلى العطاء،
ونحوه، مما يعلم عادة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه] : إذا جعل الأجل إلى شهر، تعلق بأوله، وإن جعل الأجل اسما يتناول
شيئين: كجمادى، وربيع، ويوم النفر، تعلق بأولهما، وإن قال إلى ثلاثة أشهر: إلى
انقضائها؛ لأنه إذا ذكر ثلاثة أشهر مبهمة، وجب أن يكون ابتداؤها من حين لفظه بها،
وكذلك لو قال: إلى شهر كان آخره، وينصرف ذلك إلى الأشهر الهلالية، بدليل قوله
تعالى: ﴿إِنَّ عِدَةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاَلْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ الآية [التوبة: ٣٦]، وأراد الهلالية، وإن كان في أثناء
شهر، كملنا شهرين بالهلال، وشهرا بالعدد ثلاثين يوما، وقيل: تكون الثلاثة كلها
عددية. انتهى ((المغني)) ٦/ ٤٠٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[الأمر الثالث] : في كون الأجل معلوما بالأهلة، وهو أن يُسلم إلى وقت يُعلم
بالهلال، نحو أول الشهر، أو أوسطه، أو آخره، أو يوم معلوم منه؛ لقول الله تعالى:
﴿يَسْثَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ وَاَلْحَجُّ﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]، ولا خلاف في
صحة التأجيل بذلك، ولو أسلم إلى عيد الفطر، أو النحر، أو يوم عرفة، أو عاشوراء،
أو نحوها جاز؛ لأنه معلوم بالأهلة، وإن جعل الأجل مقدرا بغير الشهور الهلالية،
فذلك قسمان: [أحدهما]: ما يعرفه المسلمون، وهو بينهم مشهور، ككانون،
وشباط، أو عيد لا يختلف، كالنيروز، والمهرجان عند من يعرفهما، فظاهر كلام
الخرقي، وابن أبي موسى، أنه لا يصح؛ لأنه أسلم إلى غير الشهور الهلالية، أشبه إذا
أسلم إلى الشعانين، وعيد الفطير ؛ لأن هذه لا يعرفها كثير من المسلمين، أشبه ما
ذكرنا. وقال القاضي: يصح، وهو قول الأوزاعي، والشافعي، قال الأوزاعي: إذا
أسلم إلى فصح النصارى، وصومهم جاز؛ لأنه معلوم لا يختلف، أشبه أعياد
المسلمين، وفارق ما يختلف، فإنه لا يعلمه المسلمون
[القسم الثاني] : ما لا يعرفه المسلمون، كعيد الشعانين، وعيد الفطير، ونحوهما،
فهذا لا يجوز السلم إليه؛ لأن المسلمين لا يعرفونه، ولا يجوز تقليد أهل الذمة فيه؛
لأن قولهم غير مقبول، ولأنهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم، لا يعرفه
المسلمون، وإن أسلم إلى ما لا يختلف، مثل كانون الأول، ولا يعرفه المتعاقدان، أو
أحدهما لم يصح؛ لأنه مجهول عنده. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه

٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
المرجع والمآب . .
(المسألة الثانية عشرة): في الكلام على الشرط الخامس: وهو كون المسلم فيه عام
الوجود في محله، قال الموفّق رحمه الله تعالى: ولا نعلم فيه خلافا، وذلك لأنه إذا
كان كذلك، أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه، وإذا لم يكن عام الوجود، لم يكن
موجودا عند المحل بحكم الظاهر، فلم يمكن تسليمه، فلم يصح بيعه، كبيع الآبق، بل
أولى، فإن السلم احتُمِل فيه أنواعٌ من الغرر للحاجة، فلا يُحتَمل فيه غرر آخر؛ لئلا
يكثر الغرر فيه، فلا يجوز أن يسلم في العنب، والرطب، إلى شباط أو آذار، ولا إلى
محل لا يعلم وجوده فيه، كزمان أول العنب، أو آخره، الذي لا يوجد فيه إلا نادرا، فلا
يؤمن انقطاعه .
ولا يجوز أن يُسلم في ثمرة بستان بعينه، ولا قرية صغيرة؛ لكونه لا يؤمن تلفه
وانقطاعه. قال ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، كالإجماع من
أهل العلم، وممن حفظنا عنه ذلك الثوري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي،
وأصحاب الرأي، وإسحاق، قال: ورَوينا عن النبي ◌ُّر: أنه أسلف إليه رجل من اليهود
دنانير، في تمر مسمى، فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان، فقال النبي وَلِّر: ((أما
من حائط بني فلان فلا، ولكن كيلٌ مسمى، إلى أجل مسمى))، رواه ابن ماجه(١) وغيره،
ورواه أبو إسحاق الجوزجاني في ((المترجم))، وقال: أجمع الناس على الكراهة لهذا
البيع، ولأنه إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، لم يؤمن انقطاعه وتلفه، فلم يصح كما لو
أسلم في شيء، قدّره بمكيال معين، أو صنجة معينة، أو أحضر خرقة، وقال أسلمت
إليك في مثل هذه.
[تنبيه]: لا يشترط كون المسلم فيه موجودا، حال السلم، بل يجوز أن يسلم في
الرُّطَب في أوان الشتاء، وفي كل يوم معدوم، إذا كان موجودا في المحل، وهذا قول
مالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وقال الثوري، والأوزاعي، وأصحاب
الرأي: لا يجوز حتى يكون جنسه موجودا حال العقد إلى حين المحل؛ لأن كل زمن
يجوز أن يكون محلا للمسلم فيه؛ لموت المسلم إليه، فاعتبر وجوده فيه كالمحل.
واحتجّ الأولون بأن النبي ◌َّ، قدم المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين،
فقال: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم))، ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطا لذكره،
ولنهاهم عن السلف سنتين؛ لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة، ولأنه يثبت
(١) رواه ابن ماجه في: ((سننه)) ٧٦٦/٢ وهو ضعيف؛ لأن في إسناده الوليد بن مسلم، وهو معروف
بالتدلیس، وقد عنعنه.

٩٣
٦٣ - (السَّلَمُ فِي الثَّمَارِ) - حديث رقم ٤٦١٨
في الذمة، ويوجد في محله غالبا، فجاز السلم فيه كالموجود، ولا نسلم أن الدين يحل
بالموت، وإن سلمنا فلا يلزم أن يشترط ذلك الوجود، إذ لو لزم أفضى إلى أن تكون
آجال السلم مجهولة، والمحل ما جعله المتعاقدان محلا، وههنا لم يجعلاه.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ماقاله الأولون هو الحقّ؛ لأن النبيّ وَّ حينما بيّن
لهم التعامل الصحيح في السلم لم يستفصلهم ذلك، فدلّ على أنه يجوز، ولو كان
ينقطع في بعض الأحيان، فإن الشرط وجوده وقت حلول الأجل. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه آخر] : إذا تعذر تسليم المسلم فيه عند المحل، إما لغيبة المسلم إليه، أو
عجزه عن التسليم، حتى عُدم المسلم فيه، أو لم تحمل الثمار تلك السنة، فالْمُسْلِم
بالخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد، فيطالب به، وبين أن يَفسخ العقد، ويرجع بالثمن،
إن كان موجودا، أو بمثله إن كان مثليا، وإلا بقيمته، وبه قال الشافعي، وإسحاق، وابن
المنذر. وقيل: إنه ينفسخ العقد بنفس التعذر؛ لكون المسلم فيه من ثمرة العام، بدليل
وجوب التسليم منها، فإذا هلكت انفسخ العقد، كما لو باعه قفيزا من صبرة، فهلكت،
والأول هو الصحيح، فإن العقد قد صح، وإنما تعذر التسليم، فهو كما لو اشترى
عبدا، فأبق قبل القبض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): في الكلام على الشرط السادس: وهو أن يقبض رأس مال
السلم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل ذلك بطل العقد، وبهذا قال أبو حنيفة،
والشافعي، وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين وثلاثة، وأكثر ما لم يكن ذلك
شرطا؛ لأنه معاوضة لا يخرج بتأخير قبضه من أن يكون سلما، فأشبه ما لو تأخر إلى
آخر المجلس .
وحجة الأولين: أنه عقد معاوضة لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق، فلا
يجوز التفرق فيه قبل القبض كالصرف، ويفارق المجلس ما بعده بدليل الصرف.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي ما قاله مالك رحمه اللّه تعالى هو الظاهر؛ لأنه
لم يرد نصّ باشتراط القبض، وما ذكروه من الاستدلال ليس بواضح. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة عشرة): في اختلافهم في اشتراط معرفة صفة الثمن المعيّن:
قال الموفّق رحمه الله تعالى: لا خلاف في اشتراط معرفة صفته، إذا كان في الذمة؛
لأنه أحد عوضي السلم، فإذا لم يكن معينا اشترط معرفة صفته كالمسلم فيه، إلا أنه إذا
أطلق، وفي البلد نقد معين، انصرف الإطلاق إليه، وقام مقام وصفه، فأما إن كان الثمن

٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
معينا، فقال القاضي وأبو الخطاب: لا بد من معرفة وصفه، واحتجا بقول أحمد:
يقول: أسلمت إليك كذا وكذا درهما، ويصف الثمن، فاعتبر ضبط صفته، وهذا قول
مالك، وأبي حنيفة؛ لأنه عقد لا يملك إتمامه في الحال، ولا تسليم المعقود عليه، ولا
يؤمن انفساخه، فوجب معرفة رأس المسلم فيه ليرد بدله كالقرض والشركة، ولأنه لا
يؤمن أن يظهر بعض الثمن مستحقا، فينفسخ العقد في قدره، فلا يدري في كم بقي،
وكم انفسخ.
وقيل: لا يشترط؛ لأنه لم يُذكر في شرائط السلم، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأنه
عوض مشاهد، فلم يحتج إلى معرفة قدره، كبيوع الأعيان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الثاني أرجح؛ لقول النبي ◌َّ: ((من
أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم))، ولم يذكر معرفة ذلك،
فلو كان لازمًا لما تركه ◌َّله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة عشرة): في اختلافهم في اشتراط تعيين مكان الإيفاء:
ذهب بعضهم إلى أنه ليس بشرط، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق، وطائفة
من أهل الحديث، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وهو أحد قولي الشافعي؛ لقول النبي
وَالقر: ((من أسلم فليسلم في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم))، ولم يذكر
مكان الإيفاء، فدل على أنه لا يشترط، وفي الحديث الذي فيه: أن اليهودي أسلم إلى
النبي ◌ََّ، فقال النبي ◌َّر: ((أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل
مسمى))، ولم يذكر مكان الإيفاء، ولأنه عقد معاوضة، فلا يشترط فيه ذكر مكان
الإيفاء، كبيوع الأعيان. وقال الثوري: يشترط ذكر مكان الإيفاء، وهو القول الثاني
للشافعي، وقال الأوزاعي: هو مكروه؛ لأن القبض يجب بحلوله، ولا يعلم موضعه
حينئذ، فيجب شرطه؛ لئلا يكون مجهولا. وقال أبو حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي :
إن كان لحمله مؤنة وجب شرطه، وإلا فلا يجب؛ لأنه إذا كان لحمه مؤنة، اختلف فيه
الغرض، بخلاف ما لا مؤنة فيه. وقال ابن أبي موسى: إن كانا في برية لزم ذكر مكان
الإيفاء، وإن لم يكونا في برية، فذِكْرُ مكان الإيفاء حسن، وإن لم يذكراه كان الإيفاء
مكان العقد؛ لأنه متى كانا في برية، لم يمكن التسليم في مكان العقد، فإذا ترك ذكره
كان مجهولا، وإن لم يكونا في برية اقتضى العقد التسليم في مكانه، فاكتفى بذلك عن
ذكره، فإن ذكره كان تأكيدا فكان حسنا، فإن شرط الإيفاء في مكان سواه صح؛ لأنه
عقد بيع، فصح شرط ذكر الإيفاء في غير مكانه، كبيوع الأعيان.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي القول الأول وهو عدم اشتراط مكان الإيفاء

٩٥
٦٤ - (اسْتِسْلاَفِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِقْرَاضِهِ) - حديث رقم ٤٦١٩
أرجح؛ لقوّة أدلته، كما سبق آنفًا .
هذه خلاصة ما يتعلّق بحديث: ((من أسلف سلفًا، فليُسلف في كيل معلوم، ووزن
معلوم، إلى أجل معلوم))، فهي تفريعٌ، وتفصيل لهذه الشروط المذكورة فيه، فالكلام، وإن
طال إلا أن المقام اقتضى ذلك؛ لأن المقصود من الشرح إيضاح معاني الأحاديث المذكورة
في الكتاب، على وجه مفيد، وهذا يكون على حسب مفاهيم الأحاديث، فبهذا أعتذر إلى
من يقول لي طوّلت، وأسأمت، اللَّهم انفعنا بما علّمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علمًا، إنك
جواد كريم، رؤوف رحيم. وصلّى اللَّه، وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله
وصحابته أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٦٤ - (اسْتِسْلَافِ الْحَيَوَانِ،
وَاسْتِقْرَاضِهِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الاستسلاف)): طلب السلف، والمراد به هنا
القرض، فيكون عطف قوله: ((واستقراضه)) عطف تفسير.
قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: القرض: ما تُعطيه غيرك من المال؛ لتُقضاه، والجمع
قُرُوض، مثلُ فلس وفُلُوس، وهو اسم من أقرضته المال إقراضًا، واستقرض: طلب
القرض، واقترض: أخذه، وتقارضا الثناء: أثنى كلّ واحد على صاحبه، وقارضه من
المال قِراضًا، من باب قاتل، وهو المضاربة. انتهى.
قال الموفّق رحمه الله تعالى: القرض نوع من السلف، وهو جائز بالسنة، والإجماع،
أما السنة: فحديث أبي رافع تَّه: ((أن النبي ◌َّل، استسلف من رجل بكرا، فقدمت
على النبي ◌َّ إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَه، فرجع إليه أبو رافع،
فقال: يا رسول اللَّه، لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا، فقال: أعطه، فإن خير الناس
أحسنهم قضاء))، رواه مسلم. وعن ابن مسعود رَّ أن النبي ◌َّ قال: ((ما من مسلم
يُقرض مسلما قرضا مرتين، إلا كان كصدقة مرة))(١)، وعن أنس ◌َّه قال: قال
(١) حديث صحيح، رواه ماجه في ((سننه)) ٨١٢/٢. راجع ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ
رحمه الله تعالى رقم ١٥٥٣ .

٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
رسول اللّه وَله: ((رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا: الصدقةُ بعشر أمثالها،
والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن
السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة»(١)، رواهما ابن ماجه،
وأجمع المسلمون على جواز القرض. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦١٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ
زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُل
بَكْرًا، فَأَتَاهُ يَتَقَاضَاهُ بَكْرَهُ، فَقَالَ لِرَجُلِ : ((انْطَلِقْ، فَابْتَعْ لَهُ بَكْرًا))، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: (مَّا
أَصَبْتُ إِلَّا بَكْرًا، رَبَاعِيَا، خِيَارًا، فَقَالَ: ((أَعْطِهِ، فَإِنَّ خَيْرَ الْمُسْلِمِينَ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءٌ)»).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلاس الصير في، أبو حفص البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤.
٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة
ثبت [٩] ٤٩/٤٢ .
٣- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] ٧/ ٧.
٤- (زيد بن أسلم) العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ٦٤ /٨٠.
٥- (عطاء بن يسار) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقة عابد فاضل [٣] ٦٤/
٨٠ .
٦- (أبو رافع) القبطيّ، مولى رسول اللَّه وَ ل، قيل: اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم،
وقيل: ثابت، وقيل: هُزْمُز، صحابيّ مشهور، مات رَّه في أول خلافة علي ◌َّه
على الصحيح، وتقدّم في ٨٦٢/٥٨ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير عمرو بن عليّ الفلّاس،
وعبد الرحمن، فإنهما بصريّان، وفيه أن شيخه هو أحد مشايخ الستة بلا واسطة، كما
تقدم غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: زيد عن عطاء، وهو من رواية
الأقران. والله تعالى أعلم.
(١) حديث ضعيف رواه ابن ماجه في ((سننه)) ٢/ ٨١٢ لأن في إسناده خالد بن يزيد أبو هاشم الدمشقي
ضعيف مع كونه فقيها: وقد اتهمه ابن معين.

٩٧
٦٤ - (اسْتِسْلَافِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِقْرَاضِهِ) - حديث رقم ٤٦١٩
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي رَافِع) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، اسْتَسْلَفَ) أي طلب
السَّلَف، وهو القَرْض (مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا) بفتح الباء الموحّدة: الفتِيّ من الإبل، وهو فيها
كالغلام في الرجال، والْقَلُوصَ فيها كالجارية في النساء، قاله في ((المفهم)) ٤/ ٥٠٦
وقال الفيّوميّ: البَكْرُ بالفتح: الْفَتِيّ من الإبل، وبه كُني، ومنه أبو بكر الصدّيق ◌َّهِ،
والجمع أبكار، والبكرة: الأنثى، والجمع بِكار، مثل كلبة وكِلاب، وقد يقال: بِكارةٌ
مثل حجارة. انتهى.
(فَأَتَاهُ يَتَقَاضَاهُ) أي يستوفي منه (بَكْرَهُ، فَقَالَ لِرَجُلٍ) هو أبو رافع نفسه، ففي رواية
مسلم: ((فقدمت عليه إبلٌ من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره))، وفي
رواية لابن خُزيمة: ((استسلف من رجل بكرًا، فقال: إذا جاءت إبل الصدقة قضيناك،
فلما جاءت إبل الصدقة، أمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع،
فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رَباعيًا، فقال: أعطه إياه)) (انْطَلِقْ، فَابْتَغْ) أي اشتر (له بَكْرًا)
هذا يخالف الرواية المذكورة عند مسلم، وابن خزيمة، ويُجمع بينهما بأنه وَّلّ أمره أوّلًا
أن يشتري له بكره، ثم أتاه إبل الصدقة قبل أن يُشتري له، فأعطاه منها، أو أنه أمر
بالشراء من إبل الصدقة ممن استحقّ منها شيئًا، ويؤيّده رواية ابن خزيمة المذكورة: ((إذا
جاءت الصدقة قضيناك)). قاله في ((الفتح)) ٣٣٦/٥ (فَأَتَاهُ) أي أتى الرجل المأمور النبيّ
وَِّ (فَقَالَ: «مَا أَصَبْتُ إِلَّا بَكْرًا، رَبَاعِيًّا) بفتح الراء: هو الذي دخل في السنة السابعة؛
لأنه يُلقي فيها رَباعيته، وهي التي تلي الثنايا، وهي أربع رباعيات -مخفّف الياء- والذكر
رَبَاعٌ، والأنثى رباعية (خِيَارًا) خيار الشيء: أحسنه، وأفضله، قاله في ((المفهم))، وقال
في ((الفتح)): والخيار الجيّد، يُطلق على الواحد والجمع. انتهى (فَقَالَ) ◌ِِّ (أَعْطِهِ) أي
أعط الرجل الرباعي، فالهاء عائد على الرجل، وهو المفعول الأول، والثاني محذوف؛
اختصارًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ الآية [الضحى: ٥]، ويحتمل
أن يكون الهاء للرباعي، والمحذوف هو المفعول الأول، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى
يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ الآية [التوبة: ٢٩].
(فَإِنَّ خَيْرَ الْمُسْلِمِينَ) أي في المعاملة، أو ((من)) مقدّرة، كما تدلّ عليه الرواية، فقد
ثبت في حديث أبي هريرة ◌َّه في رواية عند البخاريّ، بلفظ: ((فإن من خيركم))،
وفي رواية له: ((فإن من خيار الناس أحسنهم قضاء)). وقال العينيّ: قوله: ((فإن
خيركم)): أي أخيركم، فالخير والشرّ يُستعملان للتفضيل على لفظهما، بمعنى الأخير
والأشرّ. انتهى ((عمدة القاري)) ١٠/ ٢٤٠ (أَخْسَتُهُمْ قَضَاءً) أي أداءً لما عليه من الدين.

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث أبي رافع ظمفي هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٦١٩/٦٤- وفي ((الكبرى)) ٦٢١٠/٦٥. وأخرجه (م) في ((البيوع))
١٦٠٠ (د) في ((البيوع)) ٢٣٤٦ (ت) في (البيوع)) ١٣١٨ (ق) في ((التجارات)) ٢٢٨٥
(أحمد) في ((مسند القبائل)) ٢٦٦٤٠ (موطأ) في ((البيوع)) ١٣٨٤ (الدارمي) في ((البيوع))
٢٤٥٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز استسلاف الحيوان،
واستقراضه، وهو قول أكثر أهل العلم، ومنع من ذلك الثوري، والحنفية، وسيأتي
البحث في ذلك في المسألة الخامسة، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن فيه جوازَ وفاء ما
هو أفضل من المثل المقترض، إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد، فيحرم حينئذ اتفاقا،
وبه قال الجمهور، وعن المالكية تفصيل في الزيادة، إن كانت بالعدد مُنعت، وإن كانت
بالوصف جازت. (ومنها): جواز المطالبة بالدين، إذا حَلّ أجله. (ومنها): أن فيه جوازّ
الاقتراض في البر، والطاعة، وكذا في الأمور المباحة، وأنه لا يعاب ذلك. (ومنها):
أن للأمام أن يقترض على بيت المال؛ لحاجة بعض المحتاجين؛ ليوفي ذلك من مال
الصدقات. (ومنها): أنه استدل به الشافعي رحمه الله تعالى على جواز تعجيل الزكاة،
هكذا حكاه ابن عبد البر. قال الحافظ: ولم يظهر لي توجهه، إلا أن يكون المراد ما قيل
في سبب اقتراضه وَالر، وأنه كان اقترضه لبعض المحتاجين من أهل الصدقة، فلما
جاءت الصدقة، أوفى صاحبه منها، ولا يعكر عليه، أنه أوفاه أزيد من حقه من مال
الصدقة؛ لاحتمال أن يكون المقترض منه ، كان أيضا من أهل الصدقة، إما من جهة
الفقر، أو التألّف، أو غير ذلك، بجهتين: جهة الوفاء في الأصل، وجهة الاستحقاق في
الزائد .
وقيل: كان اقتراضه في ذمته، فلما حل الأجل، ولم يجد الوفاء صار غارما، فجاز
له الوفاء من الصدقة. وقيل: كان اقتراضه لنفسه، فلما حل الأجل، اشترى من إبل
الصدقة بعيرا، ممن استحقه، أو اقترضه من آخر، أو من مال الصدقة؛ ليوفيه بعد ذلك،
قال الحافظ: والاحتمال الأول أقوى، ويؤيده سياق حديث أبي رافع. ذكره في ((الفتح))

٦٤ - (اسْتِسْلاَفِ الْحَيَوَانِ، وَأَسْتِقْرَاضِهِ) - حديث رقم ٤٦١٩
٩٩
٣٣٦/٥-٣٣٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في حكم القرض:
قال في ((المغني)) ٤٢٩/٦-٣٠ -: والقرض مندوب إليه في حق المقرض، مباح
للمقترض؛ لما روينا من الأحاديث، ولما رَوَى أبو هريرة ◌َّه: أن النبيِ وَّ، قال:
((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس اللّه عنه كربة من كرب يوم القيامة،
ومن يسّر على معسر، يسّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً، ستره الله في
الدنيا والآخرة، والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه)) الحديث، أخرجه
مسلم، وعن أبي الدرداء رَظنّه أنه قال: لأن أقرض دينارين، ثم يردان، ثم أقرضهما
أحب إلي من أن أتصدق بهما، ولأن فيه تفريجا عن أخيه المسلم، وقضاء لحاجته،
وعونا له، فكان مندوبا إليه، كالصدقة عليه، وليس بواجب. قال أحمد: لا إثم على
من سئل القرض، فلم يقرض، وذلك لأنه من المعروف، فأشبه صدقة التطوع، وليس
بمكروه في حق المقرض، قال أحمد: ليس القرض من المسألة - يعني ليس بمكروه-
وذلك لأن النبي وَلّر، كان يستقرض بدليل حديث أبي رافع تَظّه، ولو كان مكروها
كان أبعد الناس منه، ولأنه يأخذه بعوضه، فأشبه الشراء بدين في ذمته. قال ابن أبي
موسى: لا أحب أن يتحمل بأمانته، ما ليس عنده -يعني ما لا يقدر على وفائه- ومن
أراد أن يستقرض، فليعلم من يسأله القرض بحاله، ولا يَغُرّه من نفسه، إلا أن يكون
الشيء اليسير الذي لا يتعذر رد مثله. قال أحمد: إذا اقترض لغيره، ولم يُعلمه بحاله لم
يعجبني، وقال: ما أحب أن يقترض بجاهه لإخوانه، قال القاضي: يعني إن كان من
يقترض له غير معروف بالوفاء؛ لكونه تغريرا بمال المقرض، وإضرارا به، أما إذا كان
معروفا بالوفاء لم يكره؛ لكونه إعانة له، وتفريجالكربته. انتهى. وهو بحث مفيد جدًّا.
[تنبيه]: لا يصح القرض إلا من جائز التصرف؛ لأنه عقد على المال، فلم يصلح إلا من
جائز التصرف كالبيع، وحكمه في الإيجاب والقبول حكم البيع على ما مضى، ويصح بلفظ
السلف والقرض؛ لورود الشرع بهما، وبكل لفظ يؤدي معناهما، مثل أن يقول: ملكتك
هذا على أن تَرُدّ عليّ بدله، أو توجد قرينة دالة على إرادة القرض. فإن قال: ملكتك، ولم
يذكر البدل، ولا وُجد ما يدل عليه، فهو هبة، فإن اختلفا فالقول قول الموهوب له؛ لأن
الظاهر معه؛ لأن التمليك من غير عوض هبة. قاله في ((المغني)) ٤٣٠/٦-٤٣١. وهو
تحقيق نفيس أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في جواز اقتراض الحيوان:
قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: فيه ثلاثة مذاهب: [الأول] : مذهب الشافعيّ،
-

١٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
ومالك، وجماهير العلماء، من السلف والخلف أنه يجوز قرض جميع الحيوانات، إلا
الجارية لمن يملك وطأها، فإنه لا يجوز، ويجوز إقراضها لمن لا يملك وطأها،
كمحارمها، والمرأة، والخنثى.
[والمذهب الثاني] : مذهب المزنيّ، وابن جرير، وداود: أنه يجوز قرض الجارية،
وسائر الحيوانات لكلّ واحد.
[والمذهب الثالث] : مذهب أبي حنيفة، والكوفيين أنه لا يجوز قرض شيء من
الحيوانات، وهذه الأحاديث تردّ عليهم، ولا تُقبل دعواهم النسخ بغير دليل. انتهى
(شرح مسلم)) ٣٨/١١.
وقال في ((الفتح)): ما حاصله: ذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه، وذهب الثوري،
والحنفية إلى منعه، واحتجوا بحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو
حديث، قد رُوي عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، مرفوعا، أخرجه ابن حبان،
والدارقطني، وغيرهما، ورجال إسناده ثقات، إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله، وأخرجه
المصنّف في الباب التالي، والترمذي، من حديث الحسن، عن سمرة تَّه ، وفي
سماع الحسن من سمرة اختلاف، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي الجملة هو حديث
صالح للحجيّة .
وادعى الطحاوي أنه ناسخ لحديث الباب. وتُعُقّب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال،
والجمع بين الحديثين ممكن، فقد جمع بينهما الشافعي، وجماعة، بحمل النهي على ما
إذا كان نسيئة من الجانبين، ويتعين المصير إلى ذلك؛ لأن الجمع بين الحديثين أولى من
إلغاء أحدهما باتفاق، وإذا كان ذلك المراد من الحديث بقيت الدلالة على جواز
استقراض الحيوان، والسلم فيه.
واعتل من منع أيضًا بأن الحيوان يختلف اختلافا متباينا، حتى لا يوقف على حقيقة
المثلية فيه .
وأجيب بأنه لا مانع من الإحاطة به بالوصف، بما يدفع التغاير، وقد جوّز الحنفية
التزويج، والكتابة على الرقيق الموصوف في الذمة. قاله في ((الفتح)) ٣٣٦/٥-٣٣٧.
وقال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن
استقراض ماله مثل من المكيل والموزون، والأطعمة جائز، ويجوز قرض كل ما يثبت
في الذمة سَلَمًا، سوى بني آدم، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز قرض
غير المكيل والموزون؛ لأنه لا مثل له، أشبه الجواهر.
واحتجّ الأولون بأن النبي ◌َّة، استسلف بكرا، وليس بمكيل ولا موزون؛ ولأن ما