النص المفهرس
صفحات 321-340
٤١- (بَتْعُ التَّمْر بالتَّمْرِ، مُتقاضِلا) - حديث رقم ٤٥٥٥ ٣٢١ وأما سكوت من سكت من الرواة، عن فسخ البيع المذكور، فلا يدل على عدم الوقوع، إما ذُهولا، وإما اكتفاء، بأن ذلك معلوم. وقد ورد الفسخ من طريق أخرى، كأنه يشير إلى ما أخرجه مسلم، من طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد، نحو هذه القصّة، وفيه: فقال: ((هذا الربا، فردوه))، قال: ويحتمل تعدد القصة، وأن القصة التي لم يقع فيها الرد، كانت قبل تحريم ربا الفضل. والله أعلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤١/ ٤٥٥٥ و٤٥٥٦ و٤٥٥٧ و ٤٥٥٨ و٤٥٥٩- وفي ((الكبرى)) ٤١/ ٦١٤٥ و٦١٤٦ و٦١٤٧ و٦١٤٨ و٦١٤٩. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢٠٨٠ و٢٢٠٢ و((الوكالة)) ٢٣١٢ (م) في ((المساقاة)) ١٥٩٣ و١٥٩٤ و١٥٩٥ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ١٠٦٠٩ و١٠٦٩١ و١١٠٢٠ و١١٠٦٥ و١١٠٨٣ و١١١٦١ و١١١٨٨ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٦٤ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع التمر بالتمر، متفاضلًا، وهو التحريم. (ومنها): قيام عذر من لا يعلم التحريم، حتى يعلمه. (ومنها): أن فيه جوازَ الرفق بالنفس، وترك الحمل على النفس؛ لاختيار أكل الطيب على الرديء، خلافا لمن منع ذلك، من المتزهدين. (ومنها): البحث عما يستريب به الشخص، حتّى ينكشف حاله. (ومنها): النصّ على تحريم ربا الفضل. (ومنها): اهتمام الإمام بأمر الدين، وتعليمه لمن لا يعلمه، وإرشاده إلى التوصّل إلى المباحات، وغيرها. (ومنها): أن فيه أن صفقة الربا لا تصحّ. (ومنها): أن بعضهم استدل به على جواز بيع العينة، وهو: أن يبيع السلعة من رجل بنقد، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن؛ لأنه لم يَخُصّ بقوله: ((ثم اشتر بالدراهم جنيبا)) غير الذي باع له الجمع. وتعقب بأنه مطلق، والمطلق لا يشمل، ولكن يَشِيع، فإذا عُمل به في صورة، سقط الاحتجاج به فيما عداها، ولا يصح الاستدلال به على جواز الشراء، ممن باعه تلك السلعة بعينها. وقيل: إن وجه الاستدلال به لذلك، من جهة ترك الاستفصال، ولا ٣٢٢ === شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع يخفى ما فيه. (ومنها): ما قال القرطبي: استدل بهذا الحديث، من لم يقل بسد الذرائع؛ لأن بعض صور هذا البيع، يؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلا، ويكون الثمن لغوا، قال: ولا حجة في هذا الحديث؛ لأنه لم ينص على جواز شراء التمر الثاني، ممن باعه التمر الأول، ولا يتناوله ظاهر السياق بعمومه، بل بإطلاقه، والمطلق يحتمل التقييد إجمالا، فوجب الاستفسار، وإذا كان كذلك، فتقييده بأدنى دليل كاف، وقد دل الدليل على سد الذرائع، فلتكن هذه الصورة ممنوعة. واستدل بعضهم على الجواز، بما أخرجه سعيد بن منصور، من طريق ابن سيرين، أن عمر خطب، فقال: إن الدرهم بالدرهم، سواء بسواء، يدا بيد، فقال له ابن عوف: فنعطي الجنيب، ونأخذ غيره؟ قال: لا، ولكن ابتع بهذا عَرْضًا، فإذا قبضته، وكان له فيه نية، فاهضم ما شئت، وخذ أيّ نقد شئت. واستدل أيضا بالاتفاق، على أن من باع السلعة التي اشتراها، ممن اشتراها منه بعد مدة، فالبيع صحيح، فلا فرق بين التعجيل في ذلك، والتأجيل، فدل على أن المعتبر في ذلك وجود الشرط، في أصل العقد وعدمه، فإن تشارطا على ذلك في نفس العقد، فهو باطل، أو قبله، ثم وقع العقد بغير شرط، فهو صحيح، ولا يخفى الورع. وقال بعضهم: ولا يضر إرادة الشراء، إذا كان بغير شرط، وهو كمن أراد أن يزني بامرأة، ثم عدل عن ذلك، فخطبها، وتزوجها، فإنه عدل عن الحرام إلى الحلال، بكلمة الله التي أباحها، وكذلك البيع، والله أعلم. (ومنها): جواز اختيار طيب الطعام، وجواز الوكالة في البيع وغيره. (ومنها): أن البيوع الفاسدة كلّها تُفسخ، وتردّ، إذا لم تفت. (ومنها): ما قاله القرطبيّ أيضًا: إنه يدلّ على وجوب فسخ صفقة الربا، وأنها لا تصحّ بوجه، وهو حجةٌ للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: إن بيع الربا جائز بأصله، من حيث إنه بيع، ممنوع بوصفه، من حيث إنه ربا، فيُسقَطُ الربا، ويصح البيع. ولو كان على ما ذكر لما فسخ النبي وَل هذه الصفقة، ولأمره برد الزيادة على الصاع، ولصحّح الصفقة في مقابلة الصاع انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): مما يتعلّق بهذا البحث الكلام على بيع العينة: صورة بيع العينة - كما قال ابن الأثير رحمه اللّه تعالى في ((النهاية)) ٣٣٤/٣ -: أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقلّ من الثمن الذي باعها، فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم، وقبضها، ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراها إلى أجل مسمى، ثم باعها المشتري من البائع ٣٢٣ ٤١- (بَيْعُ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، مُتقاضِلاً) - حديث رقم ٤٥٥٥ الأول بالنقد بأقلّ من الثمن، فهذه أيضًا عِينة، وهي أهون من الأولى، وسُمّيت عِينةً الحصول النقد لصاحب العينة؛ لأن العين هو المال الحاضر من النقد، والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة، تَصِلُ إليه معجّلةً. انتهى. وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)»: من باع سلعة بثمن مؤجل، ثم اشتراها بأقل منه نقدًا، لم يجز في قول أكثر أهل العلم، رُوي ذلك عن ابن عباس، وعائشة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وبه قال أبو الزناد، وربيعة، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وأجازه الشافعي؛ لأنه ثمن يجوز بيعها به، من غير بائعها، كما لو باعها بمثل ثمنها . ولنا ما روى غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن امرأته العالية بنت أيفع ابن شُرَحبيل، أنها قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم، وامرأته على عائشة تعطلفيها ، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلاما من زيد بن أرقم، بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم، فقالت لها: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم، أنه قد أبطل جهاده مع رسول اللَّه ◌َّر، إلا أن يتوب، رواه الإمام أحمد، وسعيد بن منصور، والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ، وتُقْدِم عليه، إلا بتوقيف، سمعته من رسول اللّه ◌َّر، فجرى مجرى روايتها ذلك عنه؛ ولأن ذلك ذريعة إلى الربا، فإنه يُدخِل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة، إلى أجل معلوم. وكذلك روي عن ابن عباس في مثل هذه المسألة، أنه قال: أرى مائة بخمسين، بينهما حريرة - يعني خرقة حرير، جعلاها في بيعهما، والذرائع معتبرة؛ لما قدمناه، فأما بيعها بمثل الثمن، أو أكثر فيجوز؛ لأنه لا يكون ذريعة، وهذا إذا كانت السلعة لم تنقص عن حالة البيع، فإن نقصت، مثل أن هُزِلَ العبد، أو نَسِي صناعة، أو تخرق الثوب، أو بَلِي جاز له شراؤها بما شاء؛ لأن نقص الثمن لنقص المبيع، لا للتوسل إلى الربا. وإن نقص سعرها، أو زاد لذلك، أو لمعنى حدث فيها، لم يجز بيعها بأقل من ثمنها، كما لو كانت بحالها، نص أحمد على هذا كله. قال: وإن اشتراها بعَرْض، أو كان بيعها الأول بعرض، فاشتراها بنقد جاز، وبه قال أبو حنيفة، ولا نعلم فيه خلافا؛ لأن التحريم إنما كان لشبهة الربا، ولا ربا بين الأثمان والعروض، فأما إن باعها بنقد، ثم اشتراها بنقد آخر، مثل أن يبيعها بمائتي درهم، ثم اشتراها بعشرة دنانير، فقال أصحابنا - الحنبليّة -: يجوز؛ لأنهما جنسان، لا يحرم التفاضل بينهما، فجاز كما لو اشتراها بعرض، أو بمثل الثمن. وقال أبو حنيفة: لا ٣٢٤ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع يجوز؛ استحسانًا؛ لأنهما كالشيء الواحد في معنى الثمنية، ولأن ذلك يُتَّخَذُ وسيلةً إلى الربا، فأشبه ما لو باعها بجنس الثمن الأول، وهذا أصح، إن شاء الله تعالى. قال: وهذه المسألة تسمى مسألة العينة، قال الشاعر [من الطويل]: أَنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أَمْ يَنْبَرِي لَنَا فَتَى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُة فقوله: ((نَغْتَان)): أي نشتري عينة مثل ما وصفنا، وقد روى أبو داود بإسناده، عن ابن عمر: قال: سمعت رسول اللّه وَل يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سَلَّطَ اللَّهُ عليكم ذُلّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم))، وهذا وعيد يدل على التحريم. وقد رُوي عن أحمد، أنه قال: العينة أن يكون عند الرجل المتاع، فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باعه بنقد، ونسيئة فلا بأس، وقال: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة، غير العينة، لا يبيع بنقد، وقال ابن عقيل: إنما كره النسيئة لمضارعتها الربا، فإن الغالب أن البائع بنسيئة، يقصد الزيادة بالأجل. ويجوز أن تكون العينة اسما لهذه المسألة، وللبيع بنسيئة جميعا، لكن البيع بنسيئة، ليس بمحرم اتفاقا، ولا يكره، إلا أن لا يكون له تجارة غيره. انتهى ((المغني)) ٦/ ٢٦٠ -٢٦٢. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي تحريم بيع العينة؛ لحديث أبي داود المذكور، فإنه حديث صحيح، صححه جماعة من المحققين، بمجموع طرقه انظر ما كتبه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في ((السلسلة الصحيحة)) ١٥/١-١٧ رقم ١١ - وفيه الوعيد الشديد لمن يتعاطى هذا الأمر، ولا يكون الوعيد إلا على شيء محرّم شرعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): إن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة، فقال أحمد في رواية حرب: لا يجوز ذلك، إلا أن يغير السلعة؛ لأن ذلك يتخذه وسيلة إلى الربا، فأشبه مسألة العينة، فإن اشتراها بنقد آخر، أو بسلعة أخرى، أو بأقل من ثمنها نسيئة جاز؛ لما ذكرناه في مسألة العينة، ويحتمل أن يجوز له شراؤها بجنس الثمن بأكثر منه، إلا أن يكون ذلك عن مواطأة، أو حيلة فلا يجوز، وإن وقع ذلك اتفاقا من غير قصد جاز؛ لأن الأصل حل البيع، وإنما حرم في مسألة العينة بالأثر الوارد فيه، وليس هذا في معناه، ولأن التوسل بذلك أكثر، فلا يلتحق به ما دونه. انتهى («المغني)) ٦/ ٢٦٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): من باع طعاما إلى أجل، فلما حل الأجل، أخذ منه بالثمن الذي في ذمته طعاما قبل قبضه لم يجز، رُوي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق. وأجازه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، ٤١- (بَیْعُ الثَّمْر بالتّمْر، مشقاضِلاً) - حديث رقم ٤٥٥٦ ٣٢٥ وعلي بن حسين، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، قال علي بن حسين: إذا لم يكن لك في ذلك رأي، ورُوي عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم، أنه قال: بعت تمرا من التمارين، كُلَّ سبعة آصع بدرهم، ثم وجدت عند رجل منهم تمرا، يبيعه أربعة آصع بدرهم، فاشتريت منه، فسألت عكرمة عن ذلك؟، فقال: لا بأس أخذت أنقص مما بعت، ثم سألت سعيد بن المسيب عن ذلك؟ وأخبرته بقول عكرمة، فقال: كذب، قال عبد الله بن عباس: ما بعت من شيء، مما يكال بمكيال، فلا تأخذ منه شيئا، مما يكال بمكيال إلا ورقا أو ذهبا، فإذا أخذت ورقك، فابتع ممن شئت، منه أو من غيره، فرجعت، فإذا عكرمة قد طلبني، فقال: الذي قلت لك هو حلال، هو حرام، فقلت لسعيد بن المسيب: إن فضل لي عنده فضل؟ قال: فأعطه أنت الكسر، وخذ منه الدرهم، ووجه ذلك أنه ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نسيئة، فحرم كمسألة العينة، فعلى هذا كل شيئين، حرم النّساء فيهما، لا يجوز أن يأخذ أحدهما عوضا عن الآخر قبل قبض ثمنه، إذا كان البيع نساء، نص أحمد على ما يدل على هذا، وكذلك قال سعيد بن المسيب، فيما حكينا عنه. قال ابن قدامة: والذي يَقْوَى عندي جواز ذلك، إذا لم يفعله حِيلةً، ولا قصد ذلك في ابتداء العقد، كما قال علي بن الحسين، فيما يَروي عنه عبد الله بن زيد، قال: قدمت على علي بن الحسين، فقلت له: إني أَجُذَّ نخلي، وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل، فيقدمون بالحنطة، وقد حل ذلك الأجل، فيوقفونها بالسوق، فأبتاع منهم، وأُقَاصُهم؟ قال: لا بأس بذلك، إذا لم يكن منك على رأي، وذلك لأنه اشترى الطعام بالدراهم، التي في الذمة بعد انبرام العقد أوّلَ لزومه فصح، كما لو كان المبيع الأول حيوانا، أو ثيابا، ولما ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا، فإنه لم يأخذ بالثمن طعاما، ولكن اشترى من المشتري طعاما بدراهم، وسلمها إليه، ثم أخذها منه وفاء، أو لم يسلمها إليه، لكن قاصّه بها، كما في حديث علي بن الحسين. انتهى ((المغني)) ٦/ ٢٦٣ -٢٦٤ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صححه ابن قدامة من جواز أخذ الطعام بالثمن الذي في ذمّته هو الذي يظهر ليّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥٦ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، أَتِيَ بِتَمْرٍ رَيَّانَ، وَكَانَ تَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ وَ بَعْلَا، فِيهِ يُبْسٌ، فَقَالَ: ((أَنَى لَكُمْ هَذَا؟»، ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع قَالُوا: ابْتَعْنَاهُ صَاعًا بِصَاعَيْنِ مِنْ تَمْرِنَا، فَقَالَ: ((لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ هَذَا، لَا يَصِحُ، وَلَكِنْ بِغْ تَمْرَكَ، وَاشْتَرِ مِنْ هَذَا حَاجَتَكَ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل فإنه من أفراده، وهو بصريّ ثقة. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجيميّ. و(سعيد)): هو ابن أبي عروبة. والسند مسلسل بثقات البصريين، إلى سعيد، فإنه، وأبو سعيد رَّه مدنيّان، وفيه سعيد أحد الفقهاء السبعة، وفيه شيخه نصر أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول دون واسطة، كما سبق قريبًا، وفيه أبو سعيد الخدريّ رَزفيه أحد المكثرين السبعة (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيْ) رَّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ لّهِ أَتِيَ بِتَمْرِ رَيَّانَ) ببناء الفعل للمفعول، و((رَيّان)) بفتح الراء، وتشديد التحتانيّة: هو التمر الذي سُقي نخله ماءً كثيرًا. ذكره السنديّ ٧/ ٢٧٢ (وَكَانَ تَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَه بَعْلًا) بفتح الموحدة، وسكون العين المهملة: هو ما شرب من النخيل بعروقه من الأرض، من غير سقي سماء، ولا غيرها، قال الأزهريّ: هو ما ينبت من النخل في أرض يقرب ماؤها، فرسخت عُروقها في الماء، واستغنت عن ماء السماء، والأنهار، وغيرها. قاله في ((النهاية)) ١٤١/١ (فِيهِ يُبْسٌ) بضم، فسكون: خلاف الرطوبة، قال الفيّوميّ: يَبِس يَيْبَسُ، من باب تَعِب، وفي لغة بكسرتين: إذا جفّ بعد رُطوبة، فهو يابسٌ، وشيءٌ يَبْسٌ ساكنُ الباء: بمعنى يابسٍ أيضًا، وحطبٌ يَبْسٌ، كأنه خِلْقةٌ، ويقال: هو جمع يابس، مثلُ صاحب وصَخب، ومكان يَبَسٌ بفتحتين: إذا كان فيه ماءٌ، فذهب، وقال الأزهريّ: طريقٌ يَبَسٌ: لا نُدُوّة فيه، ولا بَلَلَ، واليُبْسُ: نقيض الرُّطوبة، واليَبِيسُ من النبات: ما يَبِسَ، فَعيلٌ بمعنى فاعل. وقال الفارابيّ: مكانٌ يَبَسٌ، ويَبْسٌ، وكذلك غيرُ المكان. انتهى. (فَقَالَ) بَرِ (أَنَّى لَكُمْ هَذَا؟) بفتح الهمزة، وتشديد النون، مقصورًا: من أدوات الاستفهام، قال الفيوميّ: هي استفهام عن الجهة: تقول: أنى يكون هذا: أي من أيّ وجه، وطريق. اهـ. والمعنى هنا: أي من أيٍّ، جهة حصل لكم هذا التمر الجيّد؟ (قَالُوا: ابْتَعْنَاهُ) أي اشترنا هذا الرّيّان (صَاعًا بِصَاعَيْنِ) منصوب على الحال، وإن كان جامدًا؛ لتأويله بالمشتقّ، أي مُسَعّرًا، كلّ صاع منه بصاعين من تمرنا، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في ((خلاصته))، حيث قال: وَيَكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ وَفِي مُبْدِ تَأَوُّلِ بِلَ تَكَلُّفِ = ٣٢٧ ٤١- (بَيْعُ التَّمْرِ بالتّمْرِ، مُتقاضِلاً) - حديث رقم ٤٥٥٧ كِبِغْهُ مُدَّا بِكَذَا يَدًا بِيَدْ وَكَرَّ زَيْدٌ أَسَدًا أَنْ كَأَسَذْ (مِنْ تَمْرِنَا) أي البعل (فَقَّالَ) رَّهِ (لَا تَفْعَلْ) أي لا تشتر هذا الشراء (فَإِنَّ هَذَا، لَا يَصِحُ) لكونه ربا، وفي قصة بلال رَّ الآتية: ((أوّهْ عينُ الربا، لا تَقْرَبْه)) (وَلَكِنْ بِغْ تَمْرَكَ) البعل (وَاشْتَرِ مِنْ هَذَا) الريّان (حَاجَتَكَ) أي ما تحتاج إليه، قليلًا كان، أو كثيرًا. والحديث تقدّم تخريجه، وسائر مسائله في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥٧- (حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَخْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ الْخُذْرِيُّ، قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُّ تَمْرَ الْجَمْعِ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَتَبِيعُ الصَّاعَيْنِ بِالصَّاعِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، فَقَالَ: ((لَاَ صَاعَيْ تَمْرِ بِضَاعٍ، وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِضَاعٍ، وَلَا دَرْهَمَا بِدِرْهَمَيْنٍ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق في الذي قبله، و((خالد)): هو الْهُجيميّ المذكور قبله. و((هشام)): هو الدستوائيّ . والسند مسلسل بالبصريين، إلى أبي سلمة، فإنه، وأبا سعيد رَظّه مدنيّان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُذْرِيُّ) ◌ََّ (قَالَ: كُنَّا نُرَزَقُ) بالبناء للمفعول: أي نعطى، وكان هذا العطاء مما كان رسول اللَّه وَل يَقسمه فيهم مما أفاء الله تعالى عليهم من خيبر. قاله في ((الفتح)) ٣٤/٥ (تَمْرَ الْجَمْع) بفتح، فسكون: هو الْخِلْط من التمر، وقيل: هو كلّ لون من النخيل، لا يُعرف اسمه، والغالب في مثل ذلك أن يكون رديئه أكثر من جيّده. قاله في (الفتح)) ٣٤/٥ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿) أي في زمنه (فَتَبِيعُ الصَّاعَيْنِ) أي من الجمع (بِالصَّاعِ) أي من النوع الجيد، كالْجَنِيب (فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، فَقَالَ) وَرِ (لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ) بنصب ((صاعي))؛ لأن ((لا)) هي النافية للجنس، تعمل عمل ((إنّ))، فتنصب اسمها إذًا كان مضافًا، كهذا، أو شبه مضاف، كقولك: لا طالبًا للعلم كسلان، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ((خلاصته)) : عَمَلَ ((إِنَّ) اجْعَلْ لِ((لَا)) فِي النَّكِرَهُ مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَة ٣٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع فَانْصِبْ بِهَا مُضَافًا اوْ مُضَارِعَهْ وَبَعْدَ ذَاكَ الْخَبَرَ اذْكُرْ رَافِعَهْ و((صاعي)) أصله ((صاعين))، حُذفت نونه لإضافته إلى ((تمر))، كما قال ابن مالك أيضًا: نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِنَا مِمَّا تُضِيفُ اخذِفْ كَطُورٍ سِينَا)) والمعنى: لا يحلّ لكم أن تبيعو صاعين من تمر بصاع منه، وإن اختلفا في الجودة، وقال السنديّ رحمه اللّه تعالى: والمراد: لا يحلّ بيع صاعين من تمر بصاع منه، لا أنه لا يتحقّق شرعًا (١)، فيدلّ الحديث على بطلان العد في الربا. انتهى. وهذا من السنديّ إنصافٌ رحمه الله تعالى، حيث خالف فيه مذهبه القائل: إن العقد يصحّ لو أزيل الزائد، كما سبق بيانه، وهكذا ينبغي لمتأخّري أتباع المذاهب أن يكونوا عليه، من اتّباع الدليل إذا خالف مذهبهم، ولكن أين المخلصون؟، فإنا للَّه، وإن إليه راجعون، اللَّهم أرنا الحقّ حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتابه، آمين، آمين، آمين. (وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنٍ) أي ولا تبيعوا درهما واحدًا بدرهمين، فإنه الربا الذي توعّد اللَّه عز وجل آكله بقوله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾ الآية، ولعنه رسول الله وَلخير، فيما أخرجه مسلم من حديث جابر رَظنّه، قال: لَعَن رسول اللَّه ◌َلّ، آكل الربا، ومؤکله، وکاتبه، وشاهدیه، وقال: «هم سواء)). والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه، وسائر مسائله قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥٨- (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَخْتِى -وَهُوَ ابْنُ حَمْزَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ تَمْرَ الْجَمْع، صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّرِ: ((لَا صَاعَيْ تَمْرِ بِضَاعٍ، وَلَا صَاعَيْ حِثْطَةٍ بِصَاعِ، وَلَا دِرْهَمَيْنٍ بِدِرْهَمْ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و(يحيى)) الثاني: هو ابن أبي كثير المذكور في السند الماضي. والسند مسلسلٌ بثقات الشاميين إلى الأوزاعيّ، ويحيى يماميّ، وأبو سلمة، وأبو سعيد رَّ مدنيّان. والحديث صحيح، وقد سبق البحث عنه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥٩- (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَخْتِى -وَهُوَ ابْنُ حَمْزَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَخْيَى، قَالَ حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو (١) هكذا عبارة السندي: ((لا أنه لا يتحقق إلخ)) وفيها ركاكة، فليحرر. ٤١- (بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، مُتُفَاضِلاً) - حديث رقم ٤٥٥٩ ٣٢٩ سَعِيدٍ، قَالَ: أَتَى بِلَالْ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، بِتَمْرِ بَزْنِيٍّ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟، قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ صَاعًا بِصَاعَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((أَوَهْ عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَقْرَبْهُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، غير: ١- (عُقبة بن عبد الغافر) الأزديّ الْعَوْذِيّ، أبو نَّار البصريّ، ثقة [٤]، قديم الموت. وفي (تهذيب التهذيب)) ١٢٥/٣: روى عن أبي سعيد، وعبد الله بن مغفل، وأبي أمامة، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وعنه يحيى بن أبي كثير، وقتادة، ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، وسليمان التيمي، وابن عون، وغيرهم. قال العجلي، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في (الثقات)). وذكر ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): أنه أرسل عن النبي وَّر شيئا. قال البزار: كان من أجلة أهل البصرة. وحكى ابن سعد، عن ثابت البناني، قال: ما كان أحد من الناس، أحبّ إلي أن ألقى الله في مِسْلاخه من عقبة ابن عبد الغافر، فلما وقعت الفتنة أتيناه، فقال: ما أعرفكم. وقال خليفة: قُتل يوم الزاوية سنة (٨٢). وقال أحمد بن يحيى بن سعيد: قُتل في الجماجم سنة (٨٣). روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن عقبة بن عبد الغافر رحمه الله تعالى أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ رَّهُ (قَالَ: أَتَى) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله (بِلَالٌ) هو ابن رَبّاح، مؤذن رسول اللّه وَلَّه وهو ابن حَمَامة، وهي أمه، أبو عبد الله، مولى أبي بكر الصدّيق وَظَلّه، من السابقين الأولين، شهد بدرًا، والمشاهد كلها، مات تَظّه بالشام سنة (٧) أو (٨) أو (٢٠)، وله بضع وستون سنةً (رَسُولَ اللّهِ بِ ﴿) بالنصب على المفعوليّة [((أتى)) (بِتَمْرِ بَزْنِيَّ) بفتح الموحّدة، وسكون الراء، بعدها نون، ثم تحتانيّة مشدّدة: ضرب من التمر معروف، قيل له: ذلك؛ لأن كلّ تمرة تشبه البرنيّة (١)، وقد وقد وقع عند أحمد، مرفوعًا: ((خير تمراتكم الْبَرْنيّ، يُذهب الداء، ولا داء فيه)). قاله في ((الفتح)) (فَقَالَ) رَّهِ (مَا هَذَا؟) وفي رواية البخاريّ: ((من أين هذا؟)) (قَالَ) بلال رَُّ (اشْتَرَيْتُهُ صَاعًا بِصَاعَيْنٍ) وفي رواية البخاريّ: ((كان عندي تمرّ رديء، فبعت منه صاعينٍ بصاع، لنُطعِم النبيّ ◌َّ)»، ولمسلم: (لمَطعم النبيّ بَ)) (فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَرَ: ((أَوَّهِ عَيْنُ الرِّبَا) وفي رواية البخاريّ: ((أَوّه، أوّه عين الربا، عين الربا)) مكرّرًا. ومراده بعين الربا أن هذا العقد هو (١) في ((القاموس)): الْبَرْنِيَّةُ: إِنَاءٌ من خَزَفٍ، والدِّيكُ الصغير أول ما يُذْرِك. انتهى. ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع نفس الربا الذي حرّمه الله تعالى، لا نظيره. و((أَوّه)) كلمة تقال عند التوجّع، وهي مشدّدة الواو المفتوحة، وقد تكسر، والهاء ساكنة، وربّما حذفوها، ويقال: بسكون الواو، وكسر الهاء، وحكى بعضهم مدّ الهمزة، بدل التشديد. قاله في ((الفتح)). وقال في ((النهاية)) ١/ ٨٢ -: ((أَوْهِ)) كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجّع، وهي ساكنة الواو، مكسورة الهاء، وربّما قلبوا الواو ألفًا، فقالوا: ((آِ) من كذا، وربّما شدّدوا الواو، وكسروها، وسكّنوا الهاء، فقالوا: ((أَوِّه))، وربّما حذفوا الهاء، فقالوا: ((أَو))، وبعضهم يفتح الواو مع التشديد، فيقول: ((أَوَّه)). انتهى. قال ابن التين رحمه اللّه تعالى: إنما تأوّه وَّ ليكون أبلغ في الزجر، وقاله، إمّا للتألّم من هذا الفعل، وإمّا من سوء الفهم. انتهى. (لَا تَقْرَبْهُ) بفتح الراء، من باب علم: أي إن قربه يضرّ، فضلًا عن مباشرته. وفي رواية البخاريّ: ((لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري، فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به))، وليس في رواية المصنّف، ولا عند البخاريّ أنه أمره بردّه، وقد ثبت في رواية مسلم، من طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد رَّه في هذه القصّة، فقال: ((هذا الربا، فردّه))، وعند الطبريّ من طريق سعيد بن المسيّب، عن بلال رَظُنَّهِ، قال: ((كان عندي تمر دون، فابتعت منه تمرًا أجود منه)) الحديث، وفيه: ((فقال النبيّ ◌َّر: هذا الربا بعينه، انطلق، فرّده على صاحبه، وخذ تمرك، وبعه بحنطة، أو شعير، ثم اشتر به من هذا التمر، ثم جئني به)). وقد تقدّم عن الحافظ ابن عبد البر رحمه اللَّه تعالى أن هذه القصة وقعت مرّتين: مرّة لم يقع فيها الأمر بالردّ، وكان ذلك قبل العلم بتحريم الربا، ومرّة وقع فيها الأمر بالردّ، وذلك بعد تحريم الربا، والعلم به. ويدلّ على التعدّد - كما قال الحافظ - أن الذي تولّى ذلك في إحدى القصّتين سَوَاد بن غَزِيّة ◌َّهِ، عامل خيبر، وفي الأخرى بلال رَّه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان بقيّة المسائل في الحديث الأول من هذا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤٥٦٠- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ بْنِ الْحَدَثَانِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالثَّمْرُ بِالثَّمْرِ رِبّا،َ إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبّا، إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبّا، إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ))). ٤١- (بَيْعُ التَّمْر بالتّمْرِ، مُتقاضِلاً) - حديث رقم ٤٥٦٠ ٣٣١= قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((مالك بن أوس بن الْحَدَثَان)) - بفتح الحاء، والدال المهملتين، بعدها مثلثة -: هو النصريّ، أبو سعيد المدنيّ، له رؤية، مات سنة (٩٢)، وقيل (٩١) ١/ ٤١٤٢. والسند مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وسفيان، فمكيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ؛ لأن مالك بن أوس صحابيّ رؤية، وتابعيّ رواية. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) النصريّ المدنيّ (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رَيه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه) هذه الرواية مختصرة، فإن الحديث فيه قصّة، وقد ساقها البخاريّ في ((صحيحه))، ٢/ ٧٦١- فقال: ٢٠٦٥ حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس أخبره، أنه التمس صرفا(١) بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله، فتراوضنا(٢)، حتى اصطرف مني، فأخذ الذهب يُقَلْبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول اللَّه ◌َله: ((الذهب بالذهب ربا)) الحديث. ونحوه لمسلم. (الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا) قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: لم يُختَلَف على مالك فيه، وحمله عنه الحفاظ، حتى رواه يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن مالك، وتابعه معمر، والليث، وغيرهما، وكذلك رواه الحفاظ عن ابن عيينة، وشذ أبو نعيم عنه، فقال: ((الذهب بالذهب))، وكذلك رواه ابن إسحاق، عن الزهري. ويجوز في قوله: ((الذهب بالورق)) الرفع: أي بَيْعُ الذهب بالورق، فحُذف المضاف للعلم به، أو المعنى الذهب يُباع بالذهب، ويجوز النصب: أي بيعوا الذهب. والذهب يُطلق على جميع أنواعه المضروبة وغيرها، والوَرِقُ: الفضة، وهو بفتح الواو، وكسر الراء، وبإسكانها على المشهور، ويجوز فتحهما، وقيل: بكسر الواو المضروبة، وبفتحها: المال، والمراد هنا، جميع أنواع الفضة، مضروبة، وغير مضروبة. (١) قوله: أنه التمس صرفا - بفتح الصاد المهملة- أي من الدراهم بذهب كان معه، وبَيَّن ذلك الليث في روايته، عن ابن شهاب، ولفظه: ((عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم». اهـ ((فتح)) ١١٨/٥. (٢) قوله: ((فتراوضنا)) بضاد معجمة -: أي تجارينا الكلام في قدر العوض، بالزيادة والنقص، كأن كلا منهما كان يروض صاحبه، ويسهل خلقه، وقيل: المراوضة هنا المواصفة بالسلعة، وهو أن يصف كل منهما سلعته لرفيقه. اهـ ((فتح)) ١١٨/٥-١١٩. ٣٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع (إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ) بالمد فيهما، وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسكون، وحُكِي القصر بغير همز، وخَطّأها الخطابيّ، وردّ عليه النووي، وقال: هي صحيحة، لكن قليلة، والمعنى: خذ، وهات، وحُكِي ((هاكِ))، بزيادة كاف مكسورة، ويقال: ((هاء)) بكسر الهمزة بمعنى هات، وبفتحها بمعنى خذ، بغير تنوين. وقال ابن الأثير: ((هاء وهاء)»: هو أن يقول كل واحد من البَيِّعَين: هاء، فيعطيه ما في يده، كالحديث الآخر: ((إلا يدا بيد))، يعني مقابضة في المجلس، وقيل: معناه خذ، وأعط، قال: وغيرُ الخطابي يُجيز فيها السكون على حذف العوض، ويَتَنَزّل منزلة ((ها)) التي للتنبيه . وقال ابن مالك: ((ها)) اسم فعل، بمعنى خذ، وإن وقعت بعد ((إلا)) فيجب تقدير قول قبله، يكون به محكيا، فكأنه قيل: ولا الذهب بالذهب، إلّا مقولا عنده من المتبايعين: هاء وهاء. وقال الخليل: كلمة تُستعمل عند المناولة، والمقصود من قوله: ((هاء وهاء)) أن يقول كل واحد من المتعاقدين لصاحبه: هاء، فيتقابضان في المجلس. قال ابن مالك: حقها أن لا تقع بعد ((إلا)) كما لا يقع بعدها ((خذ))، قال: فالقدير: لا تبيعوا الذهب بالورق، إلا مقولا بين المتعاقدين: هاء وهاء. (وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبّا، إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرْ) بضم الموحدة ثم راء من أسماء الحنطة (رِبّا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ) والشعير بفتح أوله معروف وحكى جواز كسره (رِبًا، إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ))) واستدل به على أن البر والشعير صنفان، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك مالك، والليث، والأوزاعي، فقالوا: هما صنف واحد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر بن الخطاب ◌َّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٥٦٠/٤١- وفي ((الكبرى)) ٦١٥٠/٤١. وأخرجه (خ) في ((البيوع» ٢١٣٤ و٢١٧٠ و٢١٧٤ (م) في ((البيوع)) ١٥٨٦ (د) في ((البيوع)) ٣٣٤٨ (ت) في ((البيوع)) ١٢٤٢ (ق) في ((التجارات)) ٢٢٥٣ و٢٢٥٩ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ١٦٣ و٢٤٠ و٣١٦ و١٣٣٣ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٦٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان حكم بيع التَّمْر بالتمر، ٤١- (بَيْعُ التَّمْر بالتَّمْرِ، متفاَضِلاً) - حديث رقم ٤٥٦٠ ٣٣٣ _ متفاضلًا، وهو التحريم. (ومنها): أن الكبير يلي البيع والشراء لنفسه، وإن كان له وكلاء، وأعوان يكفونه. (ومنها): أن فيه المماكسة في البيع، والمراوضة، وتقليب السلعة، وفائدته الأمن من الغبن. (ومنها): أن مِن العلم ما يَخفى على الرجل الكبير القدر، حتى يُذكّره غيره. (ومنها): أن الإمام إذا سمع، أو رأى شيئا لا يجوز، ينهى عنه، ويرشد إلى الحق. (ومنها): أن من أَفتَى بحكم حَسُن أن يذكر دليله. (ومنها): أن على الإمام أن يتفقد أحوال رعيته، ويَهَتَّمّ بمصالحهم. (ومنها): أن فيه اليمين لتأكيد الخبر. (ومنها): أن فيه الحجةَ بخبر الواحد (ومنها): أن النسيئة لا تجوز في بيع الذهب بالورق، وإذا لم يجز فيهما مع تفاضلهما بالنسيئة، فأحرى أن لا يجوز في الذهب بالذهب، وهو جنس واحد، وكذا الورق بالورق. وقد نقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على هذا الحكم، أي التسوية في المنع بين الذهب بالذهب، وبين الذهب بالورق، فيُستغنَى حينئذ بذلك عن القياس. (ومنها): أنه استُدِلَّ به على اشتراط التقابض في الصرف فى المجلس، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وعن مالك: لا يجوز الصرف إلا عند الإيجاب بالكلام، ولو انتقلا من ذلك الموضع إلى آخر، لم يصح تقابضهما، ومذهبه أنه لا يجوز عنده تراخي القبض في الصرف، سواء كانا في المجلس أو تفرقا، وحَمَلَ قول عمر: ((لا تُفارقه)) على الفور، حتى لو أخر الصيرفي القبض، حتى يقوم إلى قعو دُكّانه، ثم يفتح صندوقه لَمَا جاز. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حيث إن أحاديث الأبواب الآتية من أحاديث الربا، فيحسن بي أن أتكلّم في معنى الربا لغةً وشرعًا، وبعض مسائله؛ لشدّة الحاجة إلى ذلك، فأقول: (المسألة الرابعة): في معنى الربا لغةً وشرعًا: قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الربا: الفضل، والزيادة، وهو مصدر على الأشهر، ويُثنّى رِبَوَان بالواو على الأصل، وقد يقال: رِبيان على التخفيف، ويُنسب إليه على لفظه، فيقال: رِبويّ. قاله أبو عُبيد وغيره: وزاد الْمُطرِّزِيّ، فقال: الفتح في النسبة خطأ، وَرَبَا الشيءُ يربو: إذا زاد، وأربى الرجل بالألف: دخل في الربا. انتهى. وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في ((تفسيره)) ٣/ ٣٤٨: والربا في اللغة: الزيادة مطلقا، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد، ومنه حديثُ مسلم: ((فلا والله ما أخذنا من لقمة، إلا ربا من تحتها)): يعني الطعام الذي دعا فيه النبي ◌َّر بالبركة. ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع قال: وقياس كتابته بالياء؛ للكسرة في أوله، وقد كتبوه في القرآن بالواو. وقال أيضًا: اختلف النحاة في لفظ ((الربا))، فقال البصريون: هو من ذوات الواو؛ لأنك تقول في تثنيته: ربوان، قاله سيبويه، وقال الكوفيون: يكتب بالياء، وتثنيته بالياء؛ لأجل الكسرة التي في أوله، قال الزجاج: ما رأيت خطأ أقبح من هذا، ولا أشنع، لا يكفيهم الخطأ في الخط، حتى يخطئوا في التثنية، وهم يقرءون: ﴿وَمَآ ءَاتَّيْتُم مِّن رِّبًا لِيرَبُوَا فِىّ أَمْوَلِ اَلنَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩]، قال محمد بن يزيد: كتب الربا في المصحف بالواو؛ فرقا بينه وبين الزنا، وكان الربا أولى منه بالواو؛ لأنه من ربا يربو. قال: ثم إن الشرع قد تصرف في هذا الإطلاق، فقصره على بعض موارده، فمرة أطلقه على كسب الحرام، كما قال الله تعالى في اليهود: ﴿وَأَخْذِهِمُ الْرّبَوْ وَقَّدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ الآية [النساء: ١٦١]، ولم يرد به الربا الشرعي، الذي حكم بتحريمه علينا، وإنما أراد المال الحرام، كما قال تعالى: ﴿سَفَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْنِ﴾ [المائدة: ٤٢] يعني به المال الحرام، من الرشا، وما استحلوه من أموال الأميين، حيث قالوا: ﴿لَيسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمِئَنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام، بأيّ وجه اكتُسب. والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان: تحريم النساء، والتفاضل في العقود، وفي المطعومات على مانبينه، وغالبه ما كانت العرب تفعله، ومن قولها للغريم: أتقضي، أم تربي؟، فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب عليه، وهذا كله محرم باتفاق الأمة . قال: أكثر البيوع الممنوعة، إنما تجد منعها لمعنى زيادة، إما في عين مال، وإما في منفعة لأحدهما، من تأخير، ونحوه، ومن البيوع ماليس فيه معنى الزيادة، كبيع الثمرة قبل بُدُوّ صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن قيل لفاعلها: آكل الربا، فتجوُّز وتشبيه. انتهى ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٤٨/٣ . وقال الموفّق ابن قدامة رحمه الله تعالى: الربا في اللغة هو: الزيادة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ الآية [الحج: ٥]، وقال: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةُّ هِىَ أَرْبَ مِنْ أُمَّ﴾ [النحل: ٩٢]: أي أكثر عددا، يقال: أربى فلان على فلان: إذا زاد عليه. وهو في الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصةٍ. وهو محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وما بعدها من الآيات. وأما السنة: فما أخرجه الشيخان عن النبي ◌َّر، أنه قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، قيل: يا رسول اللَّه، ما هي؟، قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف ٣٣٥ = ٤١- (بَيْعُ التَّمْر بالتَّمْرِ، مُتُفَاضِلاً) - حديث رقم ٤٥٦٠ المحصنات المؤمنات الغافلات)) (١)، وأخرجا أيضًا عن النبي وَالر: ((أنه لعن آكله الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه)). في أخبار سوى هذين كثيرة، وأجمعت الأمة على أن الربا محرم. أفاده في ((المغني)) ٦/ ٥١-٥٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الموفق رحمه الله تعالى: الربا على ضربين: ربا الفضل، وربا النسيئة، وأجمع أهل العلم على تحريمهما، وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة، فحُكي عن ابن عباس، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وابن الزبير . أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة؛ لقوله وَالر: ((لا ربا إلا في النسيئة))، رواه البخاري، والمشهور من ذلك قول ابن عباس، ثم إنه رجع إلى قول الجماعة، روى ذلك الأثرم بإسناده، وقاله الترمذي، وابن المنذر، وغيرهم، وقال سعيد، بإسناده عن أبي صالح، قال: صحبت ابن عباس حتى مات، فوالله ما رجع عن الصرف. وعن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف؟ فلم ير به بأسا، وكان يأمر به، والصحيح قول الجمهور؛ لحديث أبي سعيد الخدري: إن رسول اللّه وَّ، قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا يمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائبا بناجز))، ولحديث أبي سعيد رَّه أيضا في قصّة بلال رَّه المذكور في الباب، متفق عليهما. قال الترمذي رحمه الله تعالى: على حديث أبي سعيد رَّه العملُ عند أهل العلم، من أصحاب النبي بَّ وغيرهم، وقولُ النبي ◌َّر: ((لا ربا إلا في النسيئة)) محمول على الجنسين. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الموفّق رحمه الله تعالى أيضًا: وقد رُوي عن النبي ◌َّلَه في الربا أحاديث كثيرة، ومن أتمها ما رَوَى عبادة بن الصامت وَّه عن النبي ◌َّ، أنه قال: ((الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد، أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر، كيف شئتم يدا بيد))، رواه مسلم، وسيأتي للنسائيّ بعد باب . فهذه الأعيان المنصوص عليها، يثبت الربا فيها بالنصّ، والإجماع، واختلف أهل (١) وتقدّم هذا الحديث للمصنّف في ((كتاب الوصايا رقم ٣٦٩٨. ٣٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ العلم فيما سواها، فحُكي عن طاوس وقتادة: أنهما قصرا الربا عليها، وقالا: لا يجري في غيرها، وبه قال داود، ونفاة القياس، وقالوا: ما عداها على أصل الإباحة؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]، واتفق القائلون بالقياس، على أن ثبوت الربا فيها بعلة، وأنه يثبت في كل ما وُجدت فيه علتها؛ لأن القياس دليل شرعي، فيجب استخراج علة هذا الحكم، وإثباته في كل موضع وُجدت علته فيه، وقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الْبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٥] يقتضي تحريم كل زيادة، إذ الربا في اللغة الزيادة، إلا ما أجمعنا على تخصيصه، وهذا يعارض ما ذكروه، ثم اتفق أهل العلم على أن ربا الفضل، لا يجري إلا في الجنس الواحد، إلا سعيد بن جبير، فإنه قال: كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما، لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، كالحنطة بالشعير، والتمر بالزبيب، والذَّرة بالدُّخن؛ لأنهما يتقارب نفعهما، فجريا مجرى نوعي جنس واحد، وهذا يخالف قول النبي ◌َّلتر: ((بيعوا الذهب بالفضة، كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر، كيف شئتم))، فلا يعول عليه، ثم يَبْطُل بالذهب بالفضة، فإنه يجوز التفاضل فيهما، مع تقاربهما ، واتفق المعلْلُون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما: فروي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات: أشهرهنّ: أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزونَ جنسٍ، وعلةُ الأعيان الأربعة مكيلَ جنسٍ، نقلها عن أحمد الجماعة، وذكرها الخرقي، و ابن موسى، وأكثر الأصحاب، وهو قول النخعي، والزهري، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، فعلى هذه الرواية يجري الربا في كل مكيل، أو موزون بجنسه، مطعوما كان، أو غير مطعوم، كالحبوب، والأشنان، والنُّورة، والقطن، والصوف، والكتّان، والوَزْس، والحنّاء، والعصفر، والحديد، والنحاس، ونحو ذلك، ولا يجري في مطعوم، لا يكال ولا يوزن؛ لما رَوَى ابنُ عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول اللّه وَلخير: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمین، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرَّمَاء)»، وهو الربا، فقام إليه رجل، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل، فقال: ((لا بأس إذا كان يدا بيد))، رواه الإمام أحمد في ((المسند))، عن أبي جناب، عن أبيه، عن ابن عمر (١). (١) حديث ضعيف؛ لأن في سنده أبو جناب الكلبيّ يحيى بن أبي حيّة، ضعفوه؛ لكثرة تدليسه، وأبو أبو حيّة الكلبيّ مجهول. ٣٣٧= ٤١- (بَيْعُ التَّمْر بالتَّمْرِ، مُفَاضِلاً) - حديث رقم ٤٥٦٠ وعن أنس ◌َّ أن النبي وَالرّ قال: ((ما وُزن مثلا بمثل، إذا كان نوعا واحدا، وما كيل مثلا بمثل، إذا كان نوعا واحدا))، رواه الدارقطني(١)، رواه عن ابن صاعد، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أحمد بن محمد بن أيوب، عن أبي بكر بن عياش، عن الربيع بن صَبِيح، عن الحسن، عن عبادة، وأنس، عن النبي ◌َّرَ، وقال: لم يروه غير أبي بكر عن الربيع هكذا، وخالفه جماعة، فرووه عن الربيع، عن ابن سيرين، عن عبادة، وأنس، عن النبيّ وَّرَ، بلفظ غير هذا اللفظ. وعن عمار: أنه قال: ((العبد خير من العبدين، والثوب خير من الثوبين، فما كان يدا بيد، فلا بأس به، إنما الربا في النساء، إلا ما كيل أو وزن))، ولأن قضية البيع المساواة، والمؤثر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس، فإن الوزن أو الكيل، يُسَوّي بينهما صورة، والجنس يسوى بينهما معنى، فكانا علة، ووجدنا الزيادة في الكيل محرّمة، دون الزيادة في الطعم، بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة، فإنه جائز إذا تساويا في الكيل. [الرواية الثانية عن أحمد] : أن العلة في الأثمان الثمنية، وفيما عداها كونه مطعوم جنس، فيختص بالمطعومات، ويخرج منه ما عداها، قال أبو بكر: رَوَى ذلك عن أحمد جماعةٌ، ونحوَ هذا قال الشافعي، فإنه قال: العلة الطعم، والجنس شرط، والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالبا، فيختص بالذهب والفضة؛ لما رَوَى معمر بن عبد اللّه رَّ: ((أن النبي وَّر، نَّى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل))، رواه مسلم، ولأن الطعم وصفُ شَرَفٍ؛ إذ به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف، إذ بها قوام الأموال، فيقتضي التعليل بهما، ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن، لم يجز إسلامهما في الموزونات؛ لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي في تحريم النساء. [والرواية الثالثة عنه]: العلة فيما عدا الذهب والفضة، كونه مطعومَ جنسٍٍ، مكيلا، أو موزونا، فلا يجري الربا في مطعوم، لا يكال ولا يوزن، كالتفاح، والرمان، والخوخ، والبطيخ، والكُمَّثْرَى، والأترج، والسفرجل، والإخاص، والخيار، والجوز، والبيض، ولا فيما ليس بمطعوم، كالزعفران، والأشنان، والحديد، والرصاص، ونحوه، ويروى ذلك عن سعيد بن المسيب، وهو قديم قولي الشافعي؛ لما رُوي عن سعيد بن المسيب، عن رسول اللَّه ◌َّر، أنه قال: ((لا ربا إلا فيما كيل، أو وُزن مما يؤكل أو يشرب))، أخرجه الدارقطني، وقال: الصحيح أنه من قول سعيد، ومن رفعه فقد وهم، ولأن لكل واحد من هذه الأوصاف أثرا، والحكم مقرون بجميعها (١) في إسناده الربيع بن صَبيح صدوقٌ سيّء الحفظ، وأبو بكر بن عيّاش لما كبر ساء حفظه. ٣٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع في المنصوص عليه، فلا يجوز حذفه، ولأن الكيل والوزن والجنس، لا يقتضي وجوب المماثلة، وإنما أثره في تحقيقها في العلة ما يقتضي ثبوت الحكم، لاما تحقق شرطه، والطعم بمجرده لا تتحقق المماثلة به؛ لعدم المعيار الشرعي فيه، وإنما تجب المماثلة في المعيار الشرعي، وهو الكيل والوزن، ولهذا وجبت المساواة في المكيل كيلا، وفي الموزون وزنا، فوجب أن يكون الطعم معتبرا في المكيل والموزون، دون غيرهما. والأحاديث الواردة في هذا الباب يجب الجمع بينها، وتقييد كل واحد منها بالآخر، فَنَهِيُ النبي ◌َّر عن بيع الطعام، إلا مثلا بمثل، يتقيد بما فيه معيار شرعي، وهو الكيل والوزن، ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين، يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه. وقال مالك رحمه الله تعالى: العلة القوت، أو ما يصلح به القوت، من جنس واحد من المدخرات. وقال ربيعة: يجري الربا فيما تجب فيه الزكاة، دون غيره. وقال ابن سيرين: الجنس الواحد علة، وهذا القول لا يصح؛ لقول النبي ◌َّر، في بيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل: ((لا بأس به إذا كان يدا بيد)) (١)، ورُوي أن النبي ◌َّ، ابتاع عبدا بعبدين، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: هو حديث حسن صحيح (٢). وقول مالك ينتقض بالحطب والإدام، يُستصلَح به القوت، ولا ربا فيه عنده، وتعليل ربيعة ينعكس بالملح، والعكس لازم عند اتحاد العلة. والحاصل أن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد، ففيه الربا رواية واحدة، كالأرز، والدخن، والذرة، والقطنيات، والدهن، والخل، واللبن، واللحم ونحوه، وهذا قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر: هذا قول علماء الأمصار، في القديم والحديث، سوى قتادة، فإنه بلغني أنه شَذّ عن جماعة الناس، فقصر تحريم التفاضل على ستة أشياء، وما انعدم فيه الكيل والوزن والطعم، واختلف جنسه فلا ربا فيه، رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، كالتين، والنوى، والقَتّ، والماء، والطين الأرمني، فإنه يؤكل دواءً، فيكون موزونا مأكولا، فهو إذا من القسم الأول، وما عداه إنما يؤكل سَفَهَا، فجرى مجرى الرَّمْل، والحصى. وقد روي عن النبي وَّ أنه قال لعائشة: ((لا تأكلي الطين، فإنه يصفر اللون))(٣)، وما وجد فيه الطعم وحده، أو الكيل أو الوزن من جنس واحد، ففيه روايتان، واختلف أهل العلم فيه، والأولى -إن شاء الله (١) تقدّم قريبًا أنه حديث ضعيف، فلا تغفل. (٢) أخرجه مسلم في ((صحيحه))، وتقدم للنسائيّ في ((كتاب البيعة)) ٤١٨٦ ويأتي أيضا برقم ٤٦٢٣. (٣) قال ابن القيم رحمه الله تعالى: في ((زاد المعاد)) ٣٣٧/٤: وكلُّ حديث في الطين، فإنه لا يصح، ولا أصل له عن رسول اللّه الله. ٣٣٩ = ٤١- (بَيْعُ الثَّمْرِ بِالتَّمْرِ، مُتْفَاضِلاً) - حديث رقم ٤٥٦٠ تعالى- حله؛ إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به، ولا معنى يُقَوِّي التمسك به، وهي مع ضعفها يعارض بعضها بعضا، فوجب اطّراحها، أو الجمع بينها، والرجوع إلى أصل الحل، الذي يقتضيه الكتاب والسنة والإعتبار. ولا فرق في المطعومات، بين ما يؤكل قوتا، كالأرز، والذرة، والدخن، أو أدما كالقطنيات، واللبن، واللحم، أو تفكها، كالثمار، أو تداويا، كالأهليلج، والسقمونيا، فإن الكل في باب الربا واحد. انتهى. كلام ابن قدامة رحمه اللّه تعالى ((المغني)) ٦ :٥٣-٥٨ . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى: في تحريم التفاضل في الأصناف الستّة: الذهب، والفضّة، والحنطة، والشعير، والتمر، والملح، هل هو التماثل؟، وهو الكيل والوزن، أو هو الثمنيّة والطعم، أو هو الثمنيّة، والتماثل مع الطعم، والقوت، وما يصلحه؟، أو النهي غير معلّل، والحكم مقصور على مورد النصّ؟ على أقوال مشهورة : [الأول]: مذهب أبي حنيفة، وأحمد في أشهر الروايات عنه. [والثاني] : قول الشافعيّ، وأحمد في رواية. [والثالث] : قول أحمد في رواية ثالثة، اختارها أبو محمد، وقول مالك قريب من هذا، وهذا القول أرجح من غيره. [والرابع] : قول داود، وأصحابه، ويُروَى عن قتادة، ورجّح ابن عقيل هذا القول في ((مفرداته))، وضعف الأقوال المتقدّمة. وفيها قولٌ شاذّ: أن العلّة الماليّة، وهو مخالف للنصوص، ولإجماع السلف. والاتّحاد في الجنس شرط على كلّ قول من ربا الفضل. قال: والأظهر أن عّة تحريم الربا في الدنانير والدراهم هو الثمنيّة، لا الوزن، كما قاله جهور العلماء، ولا يحرم التفاضل في سائر الموزونات، كالرصاص، والحديد، والحرير، والقطن، والكتّان، ومما يدلّ على ذلك اتّفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات، وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل، فلو كانت العلة الوزن لم يجُز هذا. قال: والتعليل بالثميّة تعليل بوصف مناسب ، فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارًا للأموال، يُتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها. انتهى من ((مجموع الفتاوى)) ٢٩/ ٤٧٠ - ٤٤٧٢ باختصار. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كلامه السابق من أن الربا يجري بين كلّ ما يصلح ثمنا للأشياء، وكل ما يكال، أو يوزن من الطعم، أو القتوت، إذا بيع بجنسه متفاضلا، أو مثلًا بمثل من غير قبض في = ٣٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع المجلس، هو الأرجح عندي؛ لقوّة مدركه، كما بيّنه رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): قال الموفّق أيضًا: الجيد والرديء، والتبر والمضروب، والصحيح والمكسور، سواء في جواز البيع مع التماثل وتحريمه مع التفاضل، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة، والشافعي، وحكي عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه، وأنكر أصحابه ذلك ونفوه عنه، وحكى بعض أصحابنا عن أحمد رواية لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة، ولأن للصناعة قيمة، بدليل حالة الإتلاف، فيصير كأنه ضم قيمة الصناعة إلى الذهب. ولنا قول النبي ◌َّر: ((الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل))، وعن عبادة، عن النبي وَلّر أنه قال: ((الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها))، رواه أبو داود، وروى مسلم عن أبي الأشعث، أن معاوية أمر ببيع آنية من فضة، في أعطيات الناس، فبلغ عبادة، فقال: (سمعت رسول اللَّه ◌َلهره ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد، فقد أربى)). وروى الأثرم عن عطاء بن يسار، أن معاوية، باع سقاية من ذهب، أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول اللَّه ◌َلّر، ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فذكر له ذلك، فكتب عمر إلى معاوية: لا تبع ذلك إلا مثلا بمثل، وزنا بوزن، ولأنهما تساويا في الوزن ، فلا يؤثر اختلافهما في القيمة، کالجید والرديء، فأما إن قال لصائغ: صغ لي خاتما وزنه درهم، وأعطيك مثل وزنه، وأجرتك درهما، فليس ذلك ببيع درهم بدرهمين، وقال أصحابنا: للصائغ أخذ الدرهمين: أحدهما في مقابلة الخاتم، والثاني أجرة له. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (المسألة الثامنة): قال الموفّق رحمه الله تعالى: لا خلاف في جواز التفاضل في الجنسين، نعلمه إلا عن سعيد بن جبير، أنه قال: ما يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز التفاضل فيهما، وهذا يرده قول النبي وَل: ((بيعوا الذهب بالفضة، كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالشعير كيف شئتم يدا بيد)»، وفي لفظ ((إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد)) رواه مسلم، وأبو داود، ولأنهما جنسان، فجاز التفاضل فيهما، كما لو تباعدت منافعهما. ولا خلاف في إباحة التفاضل في الذهب بالفضة، مع تقارب منافعهما. فأما النَّسَاء، فكل جنسين يجري فيهما الربا بعة واحدة، كالمكيل بالمكيل،