النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١ ==
٣٤- (بابُ بتع العرایا بخرصِھا تمرا) - حديث رقم ٤٥٤٠
كاتب الوحي لرسول اللّه وَلَّه قال مسروقٌ: كان من الراسخين في العلم، مات رَّه
سنة (٥) أو (٤٨) وقيل: بعد (٥). والباقيان ترجما في الباب الماضي. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد الله بن عمر، ويحيى بصريّ،
وعُبيد الله سرخسيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابيّ.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) رضي
اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، رَخَّصَ) - بتشديد الخاء المعجمة- من الترخيص،
وهو التسهيل في الأمر، والتيسير فيه، يقال: رخّص الشرع لنا في كذا ترخيصًا،
وأرخص إرخاصًا: إذا يسّره، وسهّله. قاله الفيّوميّ (فِي بَيْعِ الْعَرَايَا) أي في بيع ثمر
العرايا؛ لأن العرايا جمع عريّة، وهي النخلة ، فيكون الكلام من باب حذف المضاف،
وإقامة المضاف إليه مُقامه (تُبَاعُ) أي يباع ثمرها، كما بيّناه آنفًا، والجملة في محل نصب
على الحال، وفي حديث سهل بن أبي حثمة الآتي: ((أن تباع)) بزيادة ((أن)) وعليه فيكون
في تأويل المصدر بدلًا من ((بيع العرايا)) (بِخِزْصِهَا) هو بفتح الخاء المعجمة، وأشار ابن
التين إلى جواز كسرها، وجزم ابن العربيّ بالكسر، وأنكر الفتح، وجوّزهما النوويّ،
وقال: الفتح أشهر، قال: ومعناه: تقدير ما فيها إذا صار تمرًا، فمن فتح قال: هو اسم
للفعل، ومن كسر قال: اسم للشيء المخروص. انتهى. والخرص: هو التخمين،
والْحَدْسُ. وسيأتي مزيد بسط في الكلام عليه في تفسير العرايا الآتي في المسألة
الأولى، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في ٣٢/
٤٥٣٤- وبقيت هنا مسائل تتعلّق به :
(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في تفسير العرايا:
قال الإمام البخاري رحمه اللّه تعالى ٢/ ٧٦٤ -٧٦٥ :
[باب تفسير العرايا] : وقال مالك: العربية أن يُعرِي الرجل الرجل النخلة، ثم يتأذى

٢٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
بدخوله عليه، فرخص له أن يشتريها منه بتمر. وقال ابن إدريس: العربية، لا تكون إلا
بالكيل من التمر، يدا بيد، لا يكون بالْجِزاف. ومما يقويه: قول سهل بن أبي حثمة :
((بالأوسق الموسقة)). وقال ابن إسحاق في حديثه، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله
عنهما: كانت العرايا، أن يُعري الرجل في ماله النخلة والنخلتين. وقال يزيد، عن
سفيان بن حسين: العرايا نخل، كانت توهب للمساكين، فلا يستطيعون أن ينتظروا بها،
فرُخْص لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من التمر.
ثم أخرج بسنده عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت
رضي اللَّه عنهم، أن رسول اللَّه وَلَّه رَخَّص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا، قال
موسى بن عقبة: والعرايا نخلات معلومات، تأتيها فتشتريها. انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: وقال مالك: العربية أن يُعريّ الرجل الرجل النخلة: أي يهبها
له، أو يهب له ثمرها، ثم يتأذى بدخوله عليه، فرُخص له: أي للواهب أن يشتريها: أي
يشتري رُطَبَها منه: أي من الموهوبة له بتمر: أي يابس.
وهذا التعليق وصله ابن عبد البر من طريق ابن وهب، عن مالك. وروى الطحاوي
من طريق ابن نافع، عن مالك: أن العربية: النخلة للرجل في حائط غيره، وكانت العادة
أنهم يَخرُجون بأهليهم في وقت الثمار إلى البساتين، فيَكرَه صاحب النخل الكثير،
دخول الآخر عليه، فيقول له: أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرا، فرُخْص له في ذلك.
ومن شرط العرية عند مالك: أنها لا تكون بهذه المعاملة، إلا مع الْمُعرِي خاصة؛ لما
يدخل على المالك من الضرر، بدخول حائطه، أو ليدفع الضرر عن الآخر بقيام صاحب
النخل بالسقي، والكُلَف، ومن شرطها أن يكون البيع بعد بُدُوّ الصلاح، وأن يكون بتمر
مؤجل، وخالفه الشافعي في الشرط الأخير، فقال: يشترط التقابض.
وقوله: ((وقال ابن إدريس: العربية لا تكون إلا بالكيل من التمر، يدا بيد، ولا تكون
بالجزاف)»، ابن إدريس هذا رجح ابن التين أنه عبد اللَّه الأودي الكوفي، وتردد ابن
بطال، ثم السبكي، في ((شرح المهذب))، وجزم المزي في ((التهذيب)) بأنه الشافعي،
والذي في ((الأم)) للشافعي، وذكره عنه البيهقي، في ((المعرفة)) من طريق الربيع عنه،
قال: العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة، فأكثر بخرصه من التمر، بأن يُخرّص
الرُّطَب، ثم يُقَدّر كم ينقص إذا يبس؟، ثم يشتري بخرصة تمرا، فإن تفرقا قبل أن
يتقابضا، فسد البيع. انتهى.
وهذا وإن غاير ما علقه البخاري لفظا، فهو يوافقه في المعنى؛ لأن محصلهما أن لا
يكون جزافا، ولا نسيئة .
--.

٣٤- (بابُ بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا) - حديث رقم ٤٥٤٠
٢٨٣=
قال الحافظ: وقد جاء عن الشافعي، بلفظ آخر، قرأته بخط أبي على الصدفي بهامش
نسخته، قال: لفظ الشافعيّ: ولا تباع العريّة بالتمر، إلا أن تُخْرَص العريّة، كما يُخرص
المعشّر، فيقال: فيها الآن كذا وكذا، من الرُّطَب، فإذا يبس كان كذا وكذا، فيَدفَع من
التمر بكيله خرصا، ويقبض النخلة بثمرها، قبل أن يتفرقا، فإن تفرقا قبل قبضها فسد.
قوله: ((ومما يقويه)): أي قول الشافعي بأن لا يكون جزافا، قول سهل بن أبي حثمة:
((بالأوسق الموسقة))، وقول سهل هذا أخرجه الطبري، من طريق الليث، عن جعفر بن
ربيعة، عن الأعرج، عن سهل موقوفا، ولفظه: ((لا يباع الثمر في رءوس النخل،
بالأوساق الْمُوَسَّقَة، إلا أوسقا: ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة يأكلها الناس)).
وما ذكره البخاريّ عن الشافعي، هو شرط العربية عند أصحابه، وضابط العرية
عندهم: أنها بيع رُطَب، في نخل، يكون خرصه إذا صار تمرا، أقل من خمسة أوسق،
بنظيره في الكيل من التمر، مع التقابض في المجلس .
ثم إِنَّ صور العربية كثيرة:
[منها] : أن يقول الرجل لصاحب حائط: بعني ثمر نخلات بأعيانها، بخرصها من
التمر، فيخرصها ويبيعه، ويقبض منه التمر، ويسلم إليه النخلات بالتخلية، فينتفع
برطبها .
[ومنها] : أن يهب صاحبُ الحائط لرجل نخلات، أو ثمر نخلات معلومة من
حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه، فيخرصها، ويشتري منه رطبها، بقدر خرصه بتمر،
یعجله له .
[ومنها] : أن يهبه إياها، فيتضرر الموهوب له، بانتظار صيرورة الرطب تمرا، ولا
يحب أكلها رطبا؛ لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب، أو من
غيره، بتمر يأخذه معجلا .
[ومنها] : أن يبيع الرجل ثمر حائطه، بعد بُدُوّ صلاحه، ويستثني منه نخلات
معلومة، يُبقيها لنفسه، أو لعياله، وهي التي عُفي له عن خرصها في الصدقة، وسُميت
عرايا؛ لأنها أعريت من أن تُخْرَص في الصدقة، فرُخْص لأهل الحاجة، الذين لا نقد
لهم، وعندهم فضول من تمر قوتهم، أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات
بخرصها .
[ومما يطلق عليه اسم عرية] : أن يُعرِي رجلا تمر نخلات، يُبيح له أكلها،
والتصرف فيها، وهذه هبة مخصوصة.
[ومنها] : أن يُعري عامل الصدقة لصاحب الحائط، من حائطه نخلات معلومة، لا

٢٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
يَخرُصها في الصدقة، وهاتان الصورتان من العرايا لا يبيع فيهما. انتهى ((فتح)) ٥٪
١٣٤-١٣٦ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في حكم العرايا:
ذهب أكثر أهل العلم إلى إباحتها، منهم: مالك، وأهل المدينة، والأوزاعي، وأهل
الشام، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يحل بيعها؛ لأن النبي ◌َّر: ((نهى عن بيع المزابنة،
والمزابنة بيع الثمر بالثمر))، متفق عليه، ولأنه يبيع الرطب بالتمر، من غير كيل في
أحدهما فلم يجز، كما لو كان على وجه الأرض، أو فيما زاد على خمسة أوسق.
واحتجّ الجمهور بالحديث المتّفق عليه: ((أن النبيّ ◌َّ رخص في العرايا، في خمسة
أوسق، أو دون خمسة أوسق))، فقد رواه جماعة من الصحابة: أبو هريرة، وزيد بن
ثابت، وسهل بن أبي حثمة، وغيرهم.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: خرجه أئمة الحديث في كتبهم، وحديثهم في
سياقه: ((إلا العرايا))، كذلك في المتفق عليه، وهذه زيادة يجب الأخذ بها، ولو قُدْرَ
تعارضُ الحديثين وجب تقديم حديثنا؛ لخصوصه، جمعا بين الحديثين، وعملا بكلا
النصين .
وقال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة، هو الذي أرخص في العرايا، وطاعة
رسول اللَّه وَّلل أولى، والقياس لا يُصار إليه مع النص، مع أن في الحديث أنه أرخص
في العرايا، والرخصة استباحة المحظور، مع وجود السبب الحاظر، فلو منع وجود
السبب من الاستباحة، لم يبق لنا رخصة بحال. انتهى («المغني)) ١١٩/٦ -١٢٠.
وقال في ((الفتح)) - بعد أن أورد صور العرايا المذكورة في المسألة السابقة -: وجميع
هذه الصور صحيحة عند الشافعي، والجمهور، وقصر مالك العرية في البيع على
الصورة الثانية، وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة، من صور البيع، وزاد أنه رُخْص
لهم أن يأكلوا الرطب، ولا يشتروه لتجارة، ولا ادخار.
ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها، وقصر العرية على الهبة، وهو أن يُعرِي الرجل تمر
نخلة من نخله، ولا يسلم ذلك له، ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة، فرُخص له أن
يحتبس ذلك، ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب، بخرصه تمرا، وحمله على ذلك
أَخِذُه بعموم النهي عن بيع الثمر بالتمر.
وتُعُقّب بالتصريح باستثناء العرايا، في حديث ابن عمر، كما تقدم، وفي حديث
غيره. وحكى الطحاوي عن عيسى بن أبان، من أصحابهم: أن معنى الرخصة، أن الذي

٣٤- (بابُ بَيْع الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا) - حديث رقم ٤٥٤٠
٢٨٥ -
وُهِبت له العرية لم يملكها؛ لأن الهبة لا تُملك إلا بالقبض، فلما جاز له أن يُعطي بدلها
تمرا، وهو لم يملك المبدل منه، حتى يستحق البدل، كان ذلك مستثنى، وكان
رخصة. وقال الطحاوي: بل معنى الرخصة فيه: أن المرء مأمور بإمضاء ما وعد به،
ويعطي بدله، ولو لم يكن واجبا عليه، فلما أُذن له أن يحبس ما وعد به، ويعطي بدلا ،
ولا يكون في حكم من أَخلَف وعده، ظهر بذلك معنى الرخصة، واحتج لمذهبه
بأشياء، تَدُلُّ على أن العربة العطية، ولا حجة في شيء منها؛ لأنه لا يلزم من كون أصل
العرية العطية، أن لا تُطلق العرية شرعا على صور أخرى.
قال ابن المنذر: الذي رَخّص في العرية، هو الذي نهى عن بيع الثمر بالتمر، في لفظ
واحد، من رواية جماعة من الصحابة، قال: ونظير ذلك: الإذنُ في السَّلَم، مع قوله
وَلَقَر: ((لا تبع ما ليس عندك))، قال: فمن أجاز السلم، مع كونه مستثنى من بيع ما ليس
عندك، ومنع العرية، مع كونها مستثناة من بيع الثمر بالتمر، فقد تناقض، وأما حملهم
الرخصة على الهبة، فبعيد مع تصريح الحديث بالبيع، واستثناء العرايا منه، فلو كان
المراد الهبة، لما استثنيت العرية من البيع، ولأنه عبر بالرخصة، والرخصة لا تكون إلا
بعد ممنوع، والمنع إنما كان في البيع، لا الهبة، وبأن الرخصة قُيّدت بخمسة أوسق، أو
ما دونها، والهبة لاتتقيد؛ لأنهم لم يفرقوا في الرجوع في الهبة، بين ذي رحم وغيره،
وبأنه لو كان الرجوع جائزا، فليس إعطاؤه بالتمر بدل الرطب، بل هو تجديد هبة أخرى،
فإن الرجوع لا يجوز، فلا يصح تأويلهم. انتهى ((فتح)) ١٣٤/٥-١٣٧.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن لك مما ذكر أن الحقّ هو ما عليه الجمهور
من جواز بيع العرايا؛ لوضوح أدلّته، وتبيّن لك أيضًا أن التأويلات التي ذكرها الحنفيّة
الأحاديث العرايا كلها باطلة؛ لمعارضتها النصوص الصريحة. قال القرطبيّ رحمه الله
تعالى بعد أن ذكر مذهب الحنفيّة في تأويل أحاديث العرايا: ما نصّه: وهذا المذهب
إبطال لحديث العريّة من أصله، فيجب اطّراحه، وذلك أن حديث العريّة تضمّن أنه بيعٌ
مرخّصٌ فيه في مقدار مخصوص، وأبو حنيفة يُلغي هذه القيود الشرعيّة. انتهى ((المفهم))
٤/ ٣٩٤ .
والحاصل أن الواجب هو الأخذ بما دلّت عليه النصوص الصريحة الصحيحة، وإلغاء
ما خالفها من الآراء، التي لا تعتمد إلا على الأدلة القياسيّة، ولقد تكرّر إنشاد قول
القائل :
تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصْ بَوْمَا
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيْينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ

٢٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوَّر بتقليد ذو الاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة) في اختلاف أهل العلم القائلين بجواز بيع العرايا في مقدارها:
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا تجوز العرايا في زيادة على خمسة أوسق، بغير
خلاف نعلمه، وتجوز فيما دون خمسة أوسق، بغير خلاف بين القائلين بجوازها، فأما
في خمسة أوسق، فلا يجوز عند إمامنا رحمه اللَّه، وبه قال ابن المنذر، والشافعي في
أحد قوليه، وقال مالك، والشافعي في قول: يجوز، ورواه إسماعيل بن سعيد، عن
أحمد؛ لأن في حديث زيد، وسهل أنه رَخص في العرية مطلقا، ثم استثنى ما زاد على
الخمسة في حديث أبي هريرة ، وشك في الخمسة، فاستثنى اليقين، وبقي المشكوك
فيه على مقتضى الإباحة، ولنا أَنَّ النبي ◌ََّ، نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الرطب
بالتمر، ثم أرخص في العرية، فيما دون خمسة أوسق، وشك في الخمسة، فيبقى على
العموم في التحريم، ولأن العرية رخصة، بُنيت على خلاف النص والقياس يقينا فيما
دون الخمسة، والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت إباحتها مع الشك. وروى ابن المنذر
بإسناده أن النبي ◌َّ، رخص في بيع العرية، في الوسق، والوسقين، والثلاثة،
والأربعة، والتخصيص بهذا يدل على أنه لا تجوز الزيادة في العدد عليه، كما اتفقنا على
أنه لا تجوز الزيادة على الخمسة؛ لتخصيصه إياها بالذكر. وروى مسلم عن سهل: أن
رسول اللّه وَ لّه رخص في بيع العرية النخلة، والنخلتين، ولأن خمسة الأوسق في
حكم ما زاد عليها، بدليل وجوب الزكاة فيها، دون ما نقص عنها، ولأنها قدر تجب
الزكاة فيه، فلم يجز بيعه عرية، كالزائد عليها .
فأما قولهم: أرخص في العرية مطلقا، فلم يثبت أن الرخصة المطلقة سابقة على
الرخصة المقيدة، ولا متأخرة عنها، بل الرخصة واحدة، رواها بعضهم مطلقة،
وبعضهم مقيدة، فيجب حمل المطلق على المقيد، ويصير القيد المذكور في أحد
الحديثين، كأنه مذكور في الآخر، ولذلك يقيد فيما زاد على الخمسة اتفاقا. انتهى
((المغني)) ٦/ ١٢١ -١٢٢.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد، وجماعة من تقديره بأقل
من خمسة أوسق، هو الأرجح؛ لوضوح أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أنه هل يجوز أن يشتري أكثر من خمسة
فيما زاد على صفقة :

٢٨٧ =
٣٤- (بَأَبُ بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا) - حديث رقم ٤٥٤٠
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق، فيما زاد
على صفقة، سواء اشتراها من واحد، أو من جماعة. وقال الشافعي: يجوز للإنسان بيع
جميع ثمر حائطه عرايا، من رجل واحد، ومن رجال في عقود متكررة؛ لعموم حديث
زيد، وسهل، ولأن كل عقد جاز مرة، جاز أن يتكرر، كسائر البيوع. ولنا أن النهي عن
المزابنة عامّ، استُثنِيَ منه العربية، فيما دون خمسة أوسق، فما زاد يبقى على العموم في
التحريم؛ ولأن ما لا يجوز عليه العقد مرة، إذا كان نوعا واحدا، لا يجوز في عقدين،
كالذي على وجه الأرض، وكالجمع بين الأختين، فأما حديث سهل، فإنه مقيد بالنخلة
والنخلتين، بدليل ما روينا، فيدل على تحريم الزيادة عليهما، ثم إن المطلق يحمل على
المقيد، كما في العقد الواحد. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الحنبليّة من عدم جواز أكثر من
خمسة أوسق مطلقًا هو الأرجح؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
[تنبيه] : إن باع رجل عريتين من رجلين، فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز، وقال
أبو بكر، والقاضي: لا يجوز؛ لما ذكرنا في المشتري، ولنا أنّ الْمُغَلَّب في التجويز
حاجة المشتري، بدليل ما رَوَى محمود بن لبيد، قال: قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم
هذه؟ فسمى رجالا محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول اللّه ◌َّر، أن الرُّطَب يأتي،
ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن
يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر، الذي في أيديهم، يأكلونه رطبا))(١). وإذا كان سبب
الرخصة حاجة المشتري، لم تعتبر حاجة البائع إلى البيع، فلا يتقيد في حقه بخمسة
أوسق، ولأننا لو اعتبرنا الحاجة من المشتري، وحاجة البائع إلى البيع، أفضى إلى أن لا
يحصل الإرفاق، إذ لا يكاد يتفق وجود الحاجتين، فتسقط الرخصة، فإن قلنا: لا يجوز
ذلك بطل العقد الثاني، وإن اشترى عريتين، أو باعهما، وفيهما أقل من خمسة أوسق
جاز وجها واحدا. قاله في ((المغني)) ٦/ ١٢٢ -١٢٣.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأول أرجح. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه لا يشترط في بيع العربية، أن تكون هوبة لبائعها، قال ابن
قُدامة: هذا ظاهر كلام أصحابنا، وبه قال الشافعي، وظاهر قول الْخِرَقي أنه شرط. وقد
(١) ذكره الزيلعيّ في ((نصب الراية)) ١٣/٤-١٤ نقلًا عن صاحب ((التنقيح))، وقال: لم أجد له سندًا
بعد الفحص البالغ، وذكره الشافعيّ في ((باب العرايا)) من ((كتاب البيوع)) ((الأم)) ٤٧/٣.

٢٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
روى الأثرم، قال: سمعت أحمد سئل عن تفسير العرايا؟ فقال: العريا أن يُعري الرجل
الجار، أو القرابة للحاجة، أو المسكنة، فللمُعرَى أن يبيعها ممن شاء. وقال مالك: بيع
العرايا الجائز هو أن يُعري الرجلُ الرجلَ نخلات من حائطه، ثم يكره صاحب الحائط،
دخول الرجل المعرَى؛ لأنه ربما كان مع أهله في الحائط، فيؤذيه دخول صاحبه عليه،
فيجوز أن يشتريها منه.
واحتجوا بأن العربية في اللغة: هبة ثمرة النخيل عاما، قال أبو عبيد: الإعراء أن
يجعل الرجل للرجل ثمرة نخله عامها ذلك، قال الشاعر الأنصاري، يَصِف النخل [من
الطويل]:
فَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رُجَّبِيَّةٍ وَلَكِنْ عَرَآَيَا فِي السُّنِينَ الْجَوَائِحِ
يقول: إنا نُعرِيها الناس، فتعين صرف اللفظ إلى موضوعه لغة، ومقتضاه في العربية
ما لم يوجد ما يصرفه عن ذلك.
ولنا حديث زيد بن ثابت، وهو حجة على مالك، في تصريحه بجواز بيعها من غير
الواهب، ولأنه لو كان لحاجة الواهب، لما اختص بخمسة أوسق؛ لعدم اختصاص
الحاجة بها، ولم يجز بيعها بالتمر؛ لأن الظاهر من حال صاحب الحائط، الذي له
النخيل الكثير، يعريه الناس، أنه لا يعجز عن أداء ثمن العربية، وفيه حجة على من
اشترط كونها موهوبة لبائعها؛ لأن علة الرخصة حاجة المشتري، إلى أكل الرطب، ولا
ثمن معه، سوى التمر، فمتى وجد ذلك جاز البيع، ولأن اشتراط كونها موهوبة، مع
اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رطبا، ولا ثمن معه، يفضي إلى سقوط الرخصة؛ إذ
لا یکاد یتفق ذلك، ولأن ما جاز بیعه إذا کان موهوبًا، جاز وإن لم یکن موهوبا، كسائر
الأموال، وما جاز بيعه لواهبه، جاز لغيره، كسائر الأموال، وإنما سمي عرية؛ لتعريه
عن غيره وإفراده بالبيع. قاله في ((المغني)) ٦/ ١٢٣-١٢٤.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الأظهر عدم اشتراط كونها موهوبة للبائع؛
لوضوح مستنده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر، لا أقل منه، ولا أكثر،
ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلوما بالكيل، ولا يجوز جزافا، قال ابن قُدامة :
لا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافا؛ لما رَوَى زيد بن ثابت رَّه: ((أن
رسول اللَّه ◌َ ل ل أرخص في العرايا، أن تُباع بخرصها كيلا))، متفق عليه، ولمسلم: ((أن
تؤخذ بمثل خرصها تمرا، يأكلها أهلها رطبا))، ولأن الأصل اعتبار الكيل من الطرفين،
وسقط في أحدهما للتعذر، فيجب في الآخر بقضية الأصل، ولأن ترك الكيل من

٢٨٩ =
٣٤- (بَأَبُ بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا) - حديث رقم ٤٥٤٠
الطرفين، يُكثِرُ الغرر، وفي تركه من أحدهما يقلل الغرر، ولا يلزم من صحته مع قلة
الغرر، صحته مع كثرته.
ومعنى خرصها بمثلها من التمر: أن يُطيف الخارص بالعربة، فينظر كم يجيء منها
تمرا؟ فيشتريها المشتري بمثلها تمرا، وبهذا قال الشافعي، ونقل حنبل عن أحمد أنه
قال: يخرصها رُطَبا، ويعطي تمرا رُخصة، وهذا يحتمل الأول، ويحتمل أنه يشتريها
بتمر، مثل الرطب الذي عليها؛ لأنه بيع اشترطت المماثلة فيه، فاعتبرت حال البيع،
كسائر البيوع، ولأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال، وأن لا يباع الرطب بالتمر،
وخولف الأصل في بيع الرطب بالتمر، فيبقَى فيما عداه على قضية الدليل، وقال
القاضي: الأول أصح؛ لأنه يبنى على خرص الثمار في العُشرِ الصحيح، ثم خرصه
تمرا، ولأن المماثلة في بيع التمر بالتمر معتبرة حالة الادخار، وبيع الرطَب بمثله تمرا
يفضي إلى فوات ذلك.
فأما إن اشتراها بخرصها رطبا لم يجز، وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي،
والثاني: يجوز، والثالث: لا يجوز مع اتفاق النوع، ويجوز مع اختلافه، ووجه جوازه
ما رَوَى الْجُوزَجاني عن أبي صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن
عمر، عن زيد بن ثابت، عن رسول اللّه ◌َير: أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية
بالرطب، أو التمر، ولم يرخص في غير ذلك))(١)، ولأنه إذا جاز بيع الرطب بالتمر، مع
اختصاص أحدهما بالنقص في ثاني الحال، فلأن يجوز مع عدم ذلك أولى.
واحتجَ الأولون بما رَوَى مسلم بإسناده، عن زيد بن ثابت رَّه: ((أن رسول اللّه وَّ
أرخص في العرايا، أن تؤخذ بمثل خرصها تمرا»، وعن سهل بن أبي حثمة وتنمّه : أن
رسول اللَّهُ بَّه نَّى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: «ذلك الربا، تلك المزابنة)»، إلا أنه
رخص في العرية: النخلة، والنخلتين، يأخذها أهل البيت، بخرصها تمرا، يأكلونها
رطبا، رواه مسلم، ولأنه مبيع يجب فيه مثله تمرا، فلم يجز بيعه بمثله رطبا، كالتمر
الجاف، ولأن من له رطب، فهو مستغن عن شراء الرطب بأكل ما عنده، وبيع العرايا
يشترط فيه حاجة المشتري على ما أسلفناه، وحديث ابن عمر شك في الرطب والتمر،
فلا يجوز العمل به مع الشك، سيما وهذه الأحاديث تبينه، وتزيل الشك. قاله في
((المغني)) ١٢٤/٦- ١٢٦ وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
(١) هو الحديث الآتي للمصنّف في الباب التالي.

٢٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
(المسألة السابعة): يشترط في بيع العرايا التقابض في المجلس، وهذا قول
الشافعي، قال ابن قدامة: ولا نعلم فيه مخالفا؛ لأنه بيع تمر بتمر، فاعتبر فيه شروطه،
إلا ما استثناه الشرع مما لا يمكن اعتباره في بيع العرايا، والقبض في كل واحد منهما
على حسبه، ففي التمر اكتياله أو نقله، وفي الثمرة التخليةُ، وليس من شروطه حضور
التمر عند النخيل، بل لو تبايعا بعد معرفة التمر والثمرة، ثم مضيا جميعا إلى النخلة،
فسلمها إلى مشتريها، ثم مشيا إلى التمر فتسلمه من مشتريها، أو تسلم التمر، ثم مضيا
إلى النخلة جميعا، فسلمها إلى مشتريها، أو سلم النخلة، ثم مضيا إلى التمر، فتسلمه
جاز؛ لأن التفرق لا يحصل قبل القبض.
إذا ثبت هذا، فإن بيع العرية يقع على وجهين: [أحدهما] : أن يقول بعتك ثمرة هذه
النخلة بكذا وكذا، من التمر ويصفه.
[والثاني] : أن يكيل من التمر بقدر خرصها، ثم يقول: بعتك هذا بهذا، أو يقول
بعتك ثمرة هذه النخلة بهذا التمر، ونحو هذا، وإن باعه بمعين، فقَبضُهُ بنقله وأخذه،
وإن باع بموصوف فقبضه باكتياله. انتهى ((المغني)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب .
(المسألة الثامنة): أنه لا يجوز بيعها إلا لمحتاج إلى أكلها رطبا، ولا يجوز بيعها
الغني، وهذا أحد قولي الشافعي، وأباحها في القول الآخر مطلقا لكل أحد؛ لأن كل بيع
جاز للمحتاج، جاز للغني كسائر البياعات، ولأن حديث أبي هريرة، وسهل مطلقان.
ولنا حديث زيد بن ثابت، حين سأله محمود بن لبيد: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالا
محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول اللّه ◌َّر، أن الرُّطَب يأتي، ولا نقد بأيديهم
يبتاعون به رطبا يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا
بخرصها من التمر، يأكلونه رطباً (١)، ومتى خولف الأصل بشرط، لم تجر مخالفته،
بدون ذلك الشرط؛ ولأن ما أبيح للحاجة لم يبح مع عدمها، كالزكاة للمساكين،
والترخصٍ في السفر فعلى هذا، متى كان صاحبها غير محتاج إلى أكل الرطب، أو كان
محتاجا، ومعه من الثمن مما يشتري به العرية، لم يجز له شراؤها بالتمر، وسواء باعها
لواهبها، تحرزا من دخول صاحب العرية حائطه، كمذهب مالك، أو لغيره، فأنه لا
يجوز. وقال ابن عقيل: يباح، ويحتمله كلام أحمد؛ لأن الحاجة وجدت من الجانبين،
فجاز كما لو كان المشتري محتاجا إلى أكلها، ولنا حديث زيد الذي ذكرناه، والرخصة
(١) تقدّم أن هذا الحديث لم يوجد له سند، وإنما ذكره الشافعيّ في ((الأم)).
٠

٣٥- (بَيْعُ الْعَرَايَا بِالرُّطَب) - حديث رقم ٤٥٤٢
٢٩١ =
لمعنى خاص، لا تثبت مع عدمه؛ ولأنه في حديث زيد، وسهل: ((يأكلها أهلها رطبا»،
ولو جاز لتخليص الْمُعرَي لما شرط ذلك.
فيشترط إذًا في بيع العربية شروط خمسة: أن يكون فيما دون خمسة أوسق، وبيعها
بخرصها من التمر، وقبض ثمنها قبل التفرق، وحاجة المشتري إلى أكل الرطب، وأن
لا يكون معه ما يشتري به سوى التمر، واشترط القاضي، وأبو بكر شرطا سادسا، وهو
حاجة البائع إلى البيع، واشترط الخرقي كونها موهوبة لبائعها، واشترط أصحابنا لبقاء
العقد أن يأكلها أهلها رطبا، فإن تركها حتى تصير تمرا، بطل العقد. انتهى ((المغني)) ٦/
١٢٨ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: اشتراط كون المشتري محتاجًا إلى أكلها رطبًا هو
الظاهر؛ لما تقدّم من رواية مسلم: ((أن تؤخذ بمثل خرصها يأكلها أهلها رُطبًا))، وأما
الحديث الذي ذكره ابن قدامة عن زيد بن ثابت: ((أن رجالا من المحتاجين شكوا إلى
رسول اللّه ◌َ ير أن الرطب يأتي الخ)»، فليس بثابت؛ إذ لم يوجد له سند، كما نقله
الزيلعيّ في ((نصب الراية)) ١٣/٤-١٤ عن صاحب ((التنقيح))، فتنبه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٤١- (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بََّهَ رَخَّصَ فِي بَيْعٍ
الْعَرِيَّةِ، بِخِرْصِهَا تَمْرًا)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((عيسى بن حمّاد)»: المصريّ المعروف بزغبة. و((الليث)): هو ابن سعد. و((يحيى
ابن سعيد)): هو الأنصاريّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٣٥- (بَيْعُ الْعَرَايَا بِالرُّطَبِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة إلى

٢٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
ترجيح القول بجواز بيع الرطب المخروص، على رؤوس النخل، بالرطب المخروص
أيضا على الأرض، وهذا هو الراجح؛ لصحة الحديث الذي أو ردوه في الباب، وهو
كما قال في ((الفتح)) ١٢٥/٥ - رأي ابن خيران من الشافعية. وقيل: لا يجوز، وهو رأي
الإصطخري، وصححه جماعة. وقيل: إن كانا نوعا واحدا لم يجز، إذ لا حاجة إليه،
وإن كانا نوعين جاز، وهو رأي أبي إسحاق، وصححه ابن أبي عصرون، وهذا كله فيما
إذا كان أحدهما على النخل، والآخر على الأرض. وقيل: ومثله ما إذا كانا معا على
النخل. وقيل: إن محله فيما إذا كانا نوعين. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٤٢- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ
صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ
ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: (أَنَّ رَسَّولَ اللَّهِ بِهِ، رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا، بِالرُّطَبِ، وَبِالتَّمْرِ، وَلَمْ
يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
شيخه، أبي داود سليمان بن سيف الحرّانيّ، وهو ثقة. و((يعقوب بن إبراهيم)): هو
الزهريّ. و((أبوه)): هو إبراهيم بن سعد الزهريّ المدنيّ. و((صالح)): هو ابن كيسان.
والسند مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فحرّانيّ، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ،
وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، صالح، وابن شهاب، وسالم، وأن
رواية صالح عن الزهريّ من رواية الأقران، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عمر
رضي اللّه تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وقد تقدّم هذا غير
مرّة .
وقوله: ((وبالتمر)) هكذا رواية المصنف رحمه الله تعالى ((وبالتمر)) بالواو، وفي
رواية الشيخين: ((أو بالتمر)) بـ((أو))، قال في ((الفتح)): كذا عند البخاري ومسلم، من
رواية عقيل، عن الزهري، بلفظ: ((أو))، وهي محتملة أن تكون للتخيير، وأن تكون
للشك، وأخرجه النسائي، والطبراني، من طريق صالح بن كيسان، والبيهقي، من طريق
الأوزاعي، كلاهما عن الزهري، بلفظ: ((بالرطب، وبالتمر، ولم يرخص في غير
ذلك))، هكذا ذكره بالواو، وهذا يؤيد كون ((أو)) بمعنى التخيير، لا الشك، بخلاف ما
جزم به النووي، وكذلك أخرجه أبو داود، من طريق الزهري أيضا، عن خارجة بن زيد
ابن ثابت، عن أبيه، وإسناده صحيح، وليس هو اختلافا على الزهري، فإن ابن وهب
رواه عن يونس، عن الزهري بالإسنادين، أخرجهما النسائي، وفرقهما.
قال في ((الفتح)) ١٢٨/٥: وإذا ثبتت هذه الرواية، كانت فيها حجة للوجه الصائر إلى

٣٥- (بَيْعُ الْعَرَايَا بِالرُّطَب) - حديث رقم ٤٥٤٢
٢٩٣ ==
جواز بيع الرطب المخروص، على رؤوس النخل، بالرطب المخروص أيضا على
الأرض، وهو رأى ابن خيران من الشافعية إلى آخر ما سبق بيانه أوّل الباب.
والحديث متفقٌ عليه، لكن بلفظ: ((أو بالتمر»، وقد تقدّم تخريجه. والله تعالى
أعلم .
وقوله: ((ولم يُرخّص في غير ذلك)) فيه أن الترخيص خاصّ في العرايا بالرطب،
وبالتمر، وقد اختلف السلف هل يُلحق العنب، أو غيره بالرطب في العرايا؟ فقيل: لا،
وهو قول أهل الظاهر، واختاره بعض الشافعيّة، منهم المحبّ الطبريّ. وقيل: يُلحق
العنب خاصّة، وهو مشهور مذهب الشافعيّ. وقيل: يُلحق كلّ ما يُدّخر، وهو قول
المالكية. وقيل: يُلحق كلّ ثمرة، وهو منقول عن الشافعيّ أيضًا. قاله في ((الفتح)) ٥٪
١٢٩ .
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: في ((المغني)) ١٢٨/٦-١٢٩: ولا يجوز بيع العرية
في غير النخل، وهو اختيار ابن حامد، وقول الليث بن سعد، إلا أن يكون مما ثمرته لا
يجري فيها الربا، فيجوز بيع رطبها بيابسها؛ لعدم جريان الربا فيها، ويحتمل أن يجوز
في العنب والرطب دون غيرهما، وهو قول الشافعي؛ لأن العنب كالرطب، في وجوب
الزكاة فيهما، وجواز خرصهما، وتوسيقهما، وكثرة تيبيسهما، واقتياتهما في بعض
البلدان، والحاجة إلى أكل رطبهما، والتنصيص على الشيء يوجب ثبوت الحكم في
مثله، ولا يجوز في غيرهما؛ لاختلافهما في أكثر هذه المعاني، فإنه لا يمكن خرصها؛
لتفرقها في الأغصان، واستتارها بالأوراق، ولا يُقتات يابسها، فلا يحتاج إلى الشراء
به .
وقال القاضي: يجوز في سائر الثمار، وهو قول مالك، والأوزاعي؛ قياسا على ثمرة
النخيل. ولنا: ما روى الترمذي: أن النبي ◌َّ، نهى عن المزابنة: الثمر بالتمر، إلا
أصحاب العرايا، فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وكل ثمرة بِخِرصها، وهذا
حديث حسن، وهذا يدل على تخصيص العرية بالتمر، وعن زيد بن ثابت رَّه ، عن
رسول اللّه ◌َله، أنه رخص بعد ذلك في بيع العربية بالرطب، أو بالتمر، ولم يرخص في
غير ذلك، وعن ابن عمر، قال: نهى رسول اللَّه ◌َله، عن المزابنة، والمزابنة بيع ثمر
النخل بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا، وعن كل ثمرة بخرصه، ولأن الأصل
يقتضي تحريم بيع العرية، وإنما جازت في ثمرة النخيل رخصة، ولا يصح قياس غيرها
عليها؛ لوجهين: [أحدهما] : أن غيرها لا يساويها في كثرة الاقتيات بها، وسهولة
خرصها، وكون الرخصة في الأصل لأهل المدينة، وإنما كانت حاجتهم إلى الرطب

٢٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
دون غيره. [الثاني] : أن القياس لا يعمل به، إذا خالف نصا، وقياسهم يخالف نصوصا
غير مخصوصة، وإنما يجوز التخصيص بالقياس على المحل المخصوص، ونِهيُ النبي
وَ ير عن بيع العنب بالزبيب، لم يدخله تخصيص، فيقاسَ عليه، وكذلك سائر الثمار،
والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم إلحاق غير التمر بالتمر هو الأرجح
عندي؛ لظهور أدلّته، عملًا بالنصّ؛ لأن الترخيص في ذلك على خلاف الأصل؛ لأن
الأصل عدم جواز بيع الرطب بالتمر؛ لعدم تساويهما كيلاً، وهو المسمّى بالمزابنة الذي
ورد النهي عنه، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء الله تعالى، فما ثبت على خلاف
الأصل يُقتصر عليه، فلا يكون محلّا للقياس، فتأمل بإنصاف. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٤٣- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ
وَ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخِرْصِهَا، فِي خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ، أَوْ مَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ))).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (إسحاق بن منصور) بن بهرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقة ثبت
[١١] ٨٨/٧٢ .
٢- (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدورقيّ
البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
٣- (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة
ثبت حافظ [٤٢ /٤٩ .
٤- (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/٧ .
٥- (داود بن الْحُصين) الأمويّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقة، إلا في عكرمة،
ورمي برأي الخوارج [٦] ١٢٢٦/٢٠.
٦- (أبو سفيان) مولى ابن أبي أحمد، قيل: اسمه وهب، وقيل: قُزْمان، ثقةٌ [٣]
١٢٢٦/٢٠ .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)) ١٢٩/٥: أبو سفيان هذا مشهور بكنيته، حتى قال
النووي، تبعا لغيره: لا يعرف اسمه، وسبقهم إلى ذلك أبو أحمد الحاكم، في
((الكنى))، لكن حكى أبو داود في ((السنن)) في روايته لهذا الحديث، عن القعنبي شيخهٍ
فيه: أن اسمه قُزْمان. وابن أبي أحمد - الذي نُسب إليه -: هو عبد الله بن أبي أحمد بن

٢٩٥
٣٥- (بَيْعُ الْعَرَايَا بِالرُّطَب) - حديث رقم ٤٥٤٣
جحش الأسدي، ابن أخي زينب بنت جحش، أم المؤمنين، وحكى الواقدي: أن أبا
سفيان، كان مولى لبني عبد الأشهل، وكان يجالس عبد الله بن أبي أحمد، فنسب إليه.
انتھی .
٧- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه٦ /٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين من مالك، و((إسحاق)) مروزيّ،
و((يعقوب)) بغداديّ، و((عبد الرحمن)) بصريّ. (ومنها): أن فيه يعقوب شيخه هو أحد
مشايخ أصحاب الكتب الستة الذين رووا عنهم بدون واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا
غير مرّة، وفيه أبو هريرة تَمّ رأس المكثرين من الرواية. والله تعالى أعلم.
[تنبيه] : ذكر ابن التين تبعا لغيره، أن داود بن الحصين تفرد بهذا الإسناد، قال: وما
رواه عنه إلا مالك بن أنس. قاله في ((الفتح)) ١٣١/٥-١٣٢. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيِّ وَّهِ رَخَّصَ) بتشديد الخاء
المعجمة، من الترخيص، ويقال فيه أرخص، والترخيص: هو التيسير، والتسهيل (فِي
الْعَرَايَا) جمع عريّة، بتشديد التحتانيّة، كعطيّة وعطايا، وهديّة، وهدايا، مشتقّة من
التعرّي، وهو التجرّد؛ لأنها عُزّيت عن حكم باقي البستان، قال الأزهريّ: هي فَعيلة
بمعنى فاعلة. وقال الهرويّ وغيره: فَعيلة بمعنى مفعولة، من عراه يعروه: إذا أتاه،
وتردّد إليه؛ لأن صاحبها يتردّد إليها. وقيل: سمّيت بذلك؛ لتخلّي صاحبها الأول عنها
من بين سائر نخله. وقيل: غير ذلك. قاله النوويّ في ((شرح مسلم)) ٤٢٩/١٠. وقد
تقدّم البحث عنها فيما سبق بأتمّ من هذا.
والمعنى: أنه رخّصٍ في بيع ثمر العرايا؛ لأن العريّة هي النخلة، كما تقدّم، فالكلام على
حذف مضاف، وقوله (أَنْ تُبَاعَ) في تأويل المصدر بدل من ((العرايا)) (بِخِرصِهَا) المشهور في
كتب اللغة أنه بكسر، فسكون: اسم بمعنى المخروص: أي القدر الذي يُعرف بالتخمين،
وأما بفتح، فسكون: فهو مصدرٌ بمعنى التخمين. قال في ((النهاية)) ٢٢/٢-٢٣: خَرَّصَ
النخلة، والكرمة يخرُصها خَرْصًا أي من باب نصر -: إذا حَزَرَ ما عليها تمرًا، ومن العنب
زبيبًا، فهو من الخرص: أي الظنّ؛ لأن الْحَزْرَ إنما هو تقدير بظنّ، والاسم الْخِرْصُ
بالكسر، يقال: كم خِرْصُ أرضك؟ وفاعل ذلك الخارص. انتهى.

٢٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
وقال القرطبيّ: الخِرص بكسر الخاء: هو اسم للمخروص، ويفتح الخاء هو:
المصدر، والرواية هنا بالكسر. انتهى ((المفهم)) ٣٩٤/٤ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وقد تقدّم إنكار ابن العربيّ الفتح، وجزمه بالكسر،
لكن جوّز النوويّ الوجهين، وقال: الفتح أشهر، والظاهر أن الأشهر هنا بالكسر،
عكس ما قاله النوويّ؛ لأنه المشهور في اللغة، والرواية، كما أشار إليه القرطبيّ آنفًا .
والحاصل أن المكسور اسم للمخروص، والمفتوح مصدر بمعنى التخمين، لكن لو
أريد به المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق لكان وجيهًا .
هذا كله إن جُعلت الباء في ((بخرصها)) للمقابلة، هو المتبادر الشائع، والمعنى: أنها
تباع بقدر المخروص، وأما إذا كانت للسبيّة، فالخرص يكون مصدرًا بمعنى التخمين.
أفاده السنديّ. والله تعالى أعلم.
ومعنى الحديث أنه بََّ رخّص في العرايا أن يباع ثمرها بعد أن يُخرَص، ويُعرَف
قدره بقدر ذلك من التمر، كما سيأتي البحث فيه.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ادّعى الكوفيون أن بيع العرايا منسوخ بنهيه مَلآ،
عن بيع الثمر بالتمر، وهذا مردود؛ لأن الذي رَوَى النهي عن بيع الثمر بالتمر، هو الذي
رَوَى الرخصة في العرايا، فأثبت النهي والرخصة معا.
ورواية سالم الماضية قبل بابين، تدل على أن الرخصة في بيع العرايا، وقع بعد النهي
عن بيع الثمر بالتمر، ولفظه عن ابن عمر، مرفوعا: ((أن النبيّ بَّ نهى عن بيع الثمر
بالتمر))، قال: وقال ابن عمر: حدّثني زيد بن ثابت، ((أنه وَّ رخص في العرايا))، ولفظ
البخاريّ ((أنه و # رخص بعد ذلك في بيع العرية))، وهذا هو الذي يقتضيه لفظ الرخصة،
فإنها تكون بعد منع، وكذلك بقية الأحاديث، التي وقع فيها استثناء العرايا، بعد ذكر بيع
الثمر بالتمر، وقد تقدم إيضاح ذلك كلّه، مطوّلًا في الباب الماضي، فلا تنس. والله
تعالى أعلم.
(فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) متعلّق بارخص))، و((الأوسق)): جمع وَسْق، بفتح، فسكون،
ويُجمع على وُسُوق أيضًا، كفلس وأفلس، وفُلُوس، ويقال: الوسق بكسر الواو أيضًا،
والجمع أَوْساقٌ، كحِمْل وأحمال. قال ابن منظور: الوَسْق، والوِسْق -أي بالفتح،
والكسر -: مِكْيلة معلومة، وقيل: هو حِمْل بعير، وهو ستّون صاعًا بصاع النبيّ وَّل،
وهو خمسة أرطال وثلث، فالوسق على هذا الحساب: مائة وستون مَنّا، قال الزجاج:
خمسة أوسق: هي خمسة وعشرون قَفِيزًا، قال: وهو قَفيزنا الذي يُسمّى الْمُعدّل، وكلُّ
وسق بالْمُلَجْم ثلاثة أقفزة، قال: وستّون صاعًا أربعة وعشرون مَكُّوكًا بالْمُلَجْم، وذلك

٣٥- (بَيْعُ الْعَرَايَا بِالرُّطَب) - حديث رقم ٤٥٤٣
٢٩٧ =
ثلاثة أَقْفِزة. وقال في ((التهذيب)): الوسق بالفتح: ستّون صاعًا، وهو ثلاثة وعشرون
رِطلًا، عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق على اختلافهم في
مقدار الصاع والمدّ، والأصل في الوَسق: الْحَمْلُ، وكلُّ شيءٍ وَسَقْته، فقد حَمَلته.
انتهى ((لسان العرب)) ٣٧٨/١٠-٣٧٩.
[فائدة]: قد عرفت مما سبق آنفًا أن الوسق ستون صاعًا بصاع النبيّ وَّ، والصاع
النبويّ بالموازين المعاصرة على ما قدّره العلماء المتأخّرون هو ٣٠٠٠ (ثلاثة آلاف
غرام)، فالخمسة الأوسق تكون ثلاثمائة صاع، فتكون الثلاثمائة الصاع ٩٠٠٠ (تسعة
آلاف غرام). انظر ما كتبه الشيخ البسّام في ((توضيح الأحكام، شرح بلوغ المرام)) ٣/
٤٥ . والله تعالى أعلم.
(أَوْ مَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ))) شكّ من الراوي، وقد بيّن مسلم رحمه الله تعالى في
روايته أن الشكّ من داود بن الحصين، وللبخاريّ في آخر ((كتاب الشرب)» من وجه آخر
عن مالك مثله.
[تنبيه]: قال السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: ((أو ما دون خمسة)) شكّ من الراوي،
أو هو تعميم في طرف النقصان؛ لئلا يُتوهّم أن خمسة أوسق ذُكرت تحديدًا لمنع
النقصان، ففيه بيان أن خمسة أوسق حدّ لمنع الزيادة فقط. انتهى ٢٦٨/٧ - ٢٦٩ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره السنديّ رحمه اللّه غلطٌ، بل
الصواب أن ((أو)) للشكّ كما بيّن ذلك مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، أن الشكّ من
داود بن الحصين، ولفظه: ((رخص رسول اللّه وَلل في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة
أو سُق، أو في خمسة - يشكّ داود، قال: خمسة، أو دون خمسة)). انتهى.
فتبيّن أن ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، لا غير. فتبضر. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حديث أبي هريرة ◌َّ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٥٤٣/٣٥- وفي ((الكبرى)) ٦١٣٢/٣٥. وأخرجه (خ) في ((البيوع))
٢٩٠ و((المساقاة)) ٢٣٨٢ (م) في ((البيوع)) ٣٨٦٩ (د) في ((البيوع)) ٣٣٦٤ (ت) في
«البيوع)) ١٣٠١. والله تعالى أعلم؟
[تنبيه] : ساق البخاريّ رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة رضي هذا، فقال: حدّثنا

٢٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
عبد الله بن عبد الوهاب، قال: سمعت مالكًا، وسأله عُبيد الله بن الربيع: أحدثك
داود، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة رَناشي: ((أن النبيّ وَل رخص في بيع العرايا في
خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق؟، قال: نعم))، ونحوه لمسلم، إلا أن السائل عنده
هو يحيى بن يحيى شيخ مسلم فيه.
قال في ((الفتح)): قوله: قال: نعم، القائل: هو مالك، وكذلك أخرجه مسلم عن
يحيى بن يحيى، قال: قلت لمالك: أحدثك داود، فذكره، وقال في آخره: نعم، وهذا
التحمل يسمى عرض السماع، وكان مالك يختاره على التحديث من لفظه، واختلف
أهل الحديث هل يشترط أن يقول الشيخ: نعم، أم لا؟، والصحيح أن سكوته ينزل
منزلة إقراره، إذا كان عارفا، ولم يمنعه مانع، وإذا قال: نعم فهو أولى بلا نزاع.
انتھی .
وقد تقدّم هذا البحث في هذا الشرح غير مرّة. وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا أيضًا.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال في ((الفتح)): وقد اعتبر من قال بجواز بيع العرايا بمفهوم هذا
العدد، ومنعوا ما زاد عليه، واختلفوا في جواز الخمسة؛ لأجل الشكّ المذكور،
والخلاف عند المالكية، والشافعية، والراجح عند المالكية: الجواز في الخمسة، فما
دونها، وعند الشافعية الجواز فيما دون الخمسة، ولا يجوز في الخمسة، وهو قول
الحنابلة، وأهل الظاهر.
فمأخذ المنع: أن الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ منه بما يتحقق منه
الجواز، ويُلغى ما وقع فيه الشك.
وسبب الخلاف: أن النهي عن بيع المزابنة، هل ورد متقدما، ثم وقعت الرخصة في
العرايا، أو النهي عن بيع المزابنة، وقع مقرونا بالرخصة، في بيع العرايا، فعلى الأول لا
يجوز في الخمسة؛ للشك في رفع التحريم، وعلى الثاني يجوز؛ للشك في قدر
التحريم، ويُرَجّح الأول روايةُ سالم المذكورة، قبل بابين.
واحتج بعض المالكية بأن لفظة ((دون)) صالحة لجميع ما تحت الخمسة، فلو عملنا بها
للزم رفع هذه الرخصة .
وتعقب بأن العمل بها ممكن، بأن يحمل على أقل ما تصدق عليه، وهو المفتى به في
مذهب الشافعي، وقد روى الترمذي، حديث الباب من طريق زيد بن الحباب، عن
مالك، بلفظ: ((أرخص في بيع العرايا، فيما دون خمسة أوسق))، ولم يتردد في ذلك.
وزعم المازري أن ابن المنذر ذهب إلى تحديد ذلك بأربعة أوسق؛ لوروده في حديث

٢٩٩
٣٥- (بَيْعُ الْعَرَايَا بِالرُّطَب) - حديث رقم ٤٥٤٤
جابر من غير شك فيه، فتعين طرح الرواية التي وقع فيها الشك، والأخذ بالرواية
المتيقنة، قال: وألزم المزنيُّ الشافعيَّ القولَ به. انتهى.
وفيما نقله نظر، أما ابن المنذر فليس في شيء من كتبه ما نقله عنه، وإنما فيه ترجيح
القول الصائر إلى أن الخمسة لا تجوز، وإنما يجوز ما دونها، وهو الذي ألزم المزنيُّ أن
يقول به الشافعيُّ، كما هو بَيِّن من كلامه. وقد حكى ابن عبد البر هذا القول عن قوم،
قال: واحتجوا بحديث جابر، ثم قال: ولا خلاف بين الشافعي، ومالك، ومن اتبعهما
في جواز العرايا في أكثر من أربعة أوسق، مما لم يبلغ خمسة أوسق، ولم يثبت عندهم
حديث جابر. قال الحافظ: حديث جابر الذي أشار إليه، أخرجه الشافعي، وأحمد،
وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، أخرجوه كلهم من طريق ابن إسحاق :
حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر نَزّه: سمعت
رسول اللَّه وَلل يقول - حين أَذِن لأصحاب العرايا، أن يبيعوها بخرصها- يقول:
((الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربع))، لفظ أحمد، وترجم عليه ابن حبان:
((الاحتياط أن لا يزيد على أربعة أوسق))، وهذا الذي قاله يتعين المصير إليه، وأما جعله
حَدًا لا يجوز تجاوزه، فليس بالواضح.
واحتج بعضهم لمالك، بقول سهل بن أبي حثمة: إن العرية تكون ثلاثة أوسق، أو
أربعة، أو خمسة))، ولا حجة فيه؛ لأنه موقوف.
ومن فروع هذه المسألة: ما لو زاد في صفقة على خمسة أوسق، فإن البيع يبطل في
الجميع،
وخرّج بعض الشافعية، من جواز تفريق الصفقة، أنه يجوز، وهو بعيد؛ لوضوح
الفرق، ولو باع ما دون خمسة أوسق في صفقة، ثم باع مثلها البائع بعينه للمشترى بعينه
في صفقة أخرى، جاز عند الشافعية، على الأصح، ومنعه أحمد، وأهل الظاهر، والله
أعلم. انتهى ((فتح)) ١٣٢/٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم في مسائل حديث الباب الماضي ترجيح عدم
الجواز في خمسة أوسق، وإنما يجوز فيما دونها، كما هو مذهب الشافعيّة، والحنبليّة،
وأهل الظاهر، وترجيح عدم الجواز أيضًا في أكثر من خمسة أوسق فيما إذا تفرّقت
الصفقة، كما هو مذهب الحنبليّة، وأهل الظاهر قريبًا، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٤٤- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
يَخْتِى، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: ((أَنَّ النِّيّ ◌ََّ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ

٣٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا، أَنْ تُبَاعَ بِخِرْصِهَا، يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ،
صدوق، من صغار [١٠] ٤٨/٤٢.
٢- (سفيان) بن عيينة المذكور قبل باب.
٣- (يحيى) بن سعيد بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥]
٢٣/٢٢ .
٤- (بُشير- بضم أوله، مصغّرًا- ابن يسار) الحارثيّ مولى الأنصار المدني، ثقة فقيه
[٣] ١٨٦/١٢٤ .
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) ٤٢٦/١٠: أما بُشير، فبضم
الموحدة، وفتح الشين، وأما يسار، فبالمثناة تحتُ، والسين مهملة، وهو بُشير بن يسار
المدني، الأنصاري، الحارثي مولاهم، قال يحي بن معين: ليس هو بأخي سليمان بن
يسار. وقال محمد بن سعد: كان شيخا، كبيرا، فقيها، قد أدرك عامة أصحاب رسول
اللَّه ◌َلير، وكان قليل الحديث. انتهى.
٤- (سهل بن أبي حَثْمَة)- بفتح الحاء المهملة، وإسكان الثاء المثلثة - ابن ساعدة بن
عامر الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، صحابيّ صغير، وُلد سنة ثلاث من الهجرة، وقال
النوويّ: كنيته أبو يحيى، وقيل: أبو محمد، تُوفّي النبيّ بَّر، وهو ابن ثمان سنين.
قيل: اسم أبيه عبد الله، وقيل: عامر، وقيل: غير ذلك، وهو صحابيّ أيضًا، ومات
سهل رَمّ في خلافة معاوية ◌َّه. تقدّمت ترجمته في ٧٤٨/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبصريّ، وسفيان،
فمكيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً أنصاريين، مدنيين، يروي بعضهم عن بعض، وهذا - كما
قال النوويّ- نادر جِدّا، وهم: يحيى بن سعيد الانصارى، ويُشير بن يسار، الأنصاريّ،
وسهل بن أبي حثمة الأنصاريّ، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةً) وفي رواية البخاريّ: ((سمعت سهل بن أبي حثمة))، وفي
الرواية التالية: ((أن رافع بن خَدِيج، وسهل بن أبي حَثْمة حدّثاه)) (أَنَّ النَّبِيِّ ◌َّةِ، نَهَى عَنْ