النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٩- (شِرَاءُ الثَّمَارِ قَبَلَ أَنْ يَبْدُوَ ... - حديث رقم ٤٥٢٨ ٢٦١ = مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أنس بن مالك رَّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٥٢٨/٢٩- وفي ((الكبرى)) ٦١١٧/٢٨. وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٨٨ و((البيوع)) ٢١٩٥ و٢١٩٧ و٢١٩٩ و٢٢٠٨ (م) في ((البيوع)) ١٥٥٥ (د) في ((البيوع)) ٣٢٧١ (ت) في ((البيوع)) ٦٢٢٨ (ق) في ((التجارات)) ٢٢١٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١١٧٢٨ و١٢٢٢٧ و١٢٩٠١ و١٣٢٠١ (الموطأ) في ((البيوع)) ١٣٠٤. والله تعالى أعلم . (المسألة الثالثة): في فوائده : (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز شراء الثمار قبل بدو صلاحها، بشرط القطع، وهو قول الجمهور. قال في ((الفتح)) ١٣٩/٥: وقد اختلف في ذلك على أقوال، فقيل يبطل مطلقًا، وهو قول ابن أبي ليلى، والثوريّ، ووهم من نقل الإجماع على البطلان. وقيل: يجوز مطلقًا، ولو شرط التبقية، وهو قول يزيد بن أبي حبيب، ووهم من نقل الإجماع فيه أيضًا. وقيل: إن شرط القطع لم يبطل، وإلا بطل، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، والجمهور، ورواية عن مالك. وقيل: يصحّ إن لم يشترط التبقية، والنهي فيه محمولٌ على بيع الثمار قبل أن توجد أصلاً، وهو قول أكثر الحنفيّة. وقيل: هو على ظاهره، لكن النهي فيه للتنزيه. انتهى. وقد تقدّم تمام البحث في هذا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن فيه إجراءَ الحكم على الغالب؛ لأن تطرق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن، وعدم التطرق إلى ما لم يبد صلاحه ممكن، فأنيط الحكم بالغالب في الحالتين. قاله في ((الفتح)) ١٤٥/٥. (ومنها): أن فيه جواز بيع الثمار بعد بدو صلاحها، وذهاب العاهة، وهو مما لا خلاف فيه . (ومنها): أنه استدل به على وضع الجوائح في الثمر، يُشتَرى بعد بُدُوّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، وقد اختلف فيه العلماء، وسيأتي بيانه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. (المسألة الرابعة): قال في ((الفتح)): قوله: وقال رسول اللَّه وَّر: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة)) الحديث، هكذا صرح مالك، برفع هذه الجملة، وتابعه محمد بن عَبّاد، عن ٢٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع الدَّرَاوردي، عن حميد، مقتصرًا على هذه الجملة الأخيرة، وجزم الدار قطني، وغير واحد، من الحفاظ، بأنه أخطأ فيه، وبذلك جزم ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه، وأبي زرعة، والخطأ في رواية عبد العزيز، من محمد بن عباد، فقد رواه إبراهيم بن حمزة، عن الدراوردي، كرواية إسماعيل بن جعفر الآتي ذكرها، ورواه معتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل، عن حميد، فقال فيه: قال: ((أفرأيت)) الخ، قال: فلا أدري، أنس قال: ((بم يستحل؟))، أو حَدْث به عن النبي ◌َّ، أخرجه الخطيب، في ((المدرج))، ورواه إسماعيل بن جعفر، عن حميد، فعطفه على كلام أنس، في تفسير قوله: (تُزهي))، وظاهره الوقف، وأخرجه الجوزقي من طريق يزيد بن هارون، والخطيب من طريق أبي خالد الأحمر، كلاهما عن حميد، بلفظ: قال أنس: ((أرأيت إن منع اللَّه الثمرة)) الحديث، ورواه ابن المبارك، وهشيم، كما تقدم آنفا عن حميد، فلم يذكر هذا القدر المختلف فيه، وتابعهما جماعة من أصحاب حميد عنه، على ذلك. قال الحافظ: وليس في جميع ما تقدم، ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعا؛ لأن مع الذي رفعه زيادة، على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية الذي وقفه، ما ينفي قول من رفعه، وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر رَّه ، ما يُقَوّي رواية الرفع في حديث أنس رَّه، ولفظه: قال رسول اللّه وَلّر: ((لو بعت من أخيك ثمرا، فأصابته عاهة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك، بغير حق)). انتهى فتح ٥٪ ١٤٥ وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣٠- (وَضْعُ الْجَوَائِحِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الجوائح)) جمع جائحة، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الجائحة: الآفة، يقال: جاحت الآفةُ المالَ تَجُوحه جَوْحًا، من باب قال: إذا أهلكته، وتَحِيحه جِيَاحَةًلغةٌ، فهي جائحة، والجمع الجوائح، والمالُ مجوحٌ، ومَجِيحٌ، وأجاحته بالألف لغة ثالثة، فهو مجاحْ، واجتاحت المالَ، مثلُ جاحته. قال الشافعيّ: الجائحة: ما أذهب الثمر بأمر سماويّ، وفي حديثٍ: ((أمر بوضع الجوائح)»: والمعنى: بوضع صدقات ذات الجوائح، يعني ما أُصيب من الثمار بآفة سماويّة، لا يؤخذ منه صدقة فيما بقي. انتهى. وقال في ((اللسان)): الْجَوْحةُ، والجائحةُ: الشدّةُ، والنازلةُ العظيمة التي تجتاح المالَ ٢٦٣ = ٣٠- (وَضْعُ الْجَوَائِح) - حديث رقم ٤٥٢٩ من سنة، أو فتنة، وكلّ ما استأصله، فقد جاحه، واجتاحه، وجاح اللَّه ماله، وأجاحه بمعنىّ: أي أهلكه بالجائحة. وقال الأزهريّ، عن أبي عُبيد: الجائحة: المصيبة ◌ُحُلّ بالرجل في ماله، فتجتاحه كلَّه. قال: والجائحة تكون بالبَرَد يقع من السماء، إذا عظُم حَجمه، فكثر ضرره، وتكون بالْبَرْد المحرِق، أو الحرّ المفرط، حتى يَبطُل الثمر. انتهى. باختصار. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٢٩- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيَكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَّ أَخِيكَ، بِغَيْرِ حَقٌ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (إبراهيم بن الحسن) أبو إسحاق المصّيصيّ الْمِقْسميَ، ثقة [١١] ٦٤/٥١. ٢- (حجاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ترمذيّ الأصل، ثقة ثبت، اختلط آخرًا [٩] ٣٢/٢٨ . ٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] ٣٢/٢٨ . ٤- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، ثقة يُدلّس [٤] ٣٥/٣١. ٥- (جابر) بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما ٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وأبي داود، وابن ماجه في ((التفسير)). (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، من ابن جريج، والباقيان مصيصيان. (ومنها): أن فيه جابرًا وَّه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن ابن جُريج أنه قال (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) رضي اللَّه تعالى عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ) مفعول أول ل((بعت))، دخلت عليه ((من)) توكيدًا؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، قال الفيّوميّ: وبعتُ زيدًا الدار يتعدّى إلى مفعولين، قال: وقد تدخل ((من)) على المفعول الأول على وجه التوكيد، فيقال: بعت من زيد الدارَ، كما يقال: كتمته الحديث، == ٢٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ وكتمت منه الحديث، وربّما دخلت اللام مكان ((من))، فيقال: بعتك الشيءٍ، وبعته لك، فاللام زائدة، زيادتها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِنْزَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية [الحج: ٢٦]، والأصل بوّنا إبراهيم. وقوله (ثَمَرًا) هو المفعول الثاني («بعت)) (فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) أي أصابت ذلك الثمر آفة، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((المفهم)) ٨٧/٣: الجائحة ما اجتاحت المالَ، وأتلفته إتلافًا ظاهرًا، كالسيل، والمطر، والحرق، والسرق، وغلبة العدوّ، وغير ذلك، مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا(١). وقال أيضًا في موضع آخر ٤٢٦/٤: واختلف أصحابنا - يعني المالكية- في حدّها، فرُوي عن ابن القاسم أنها ما لا يمكن دفعه، وعلى هذا الخلاف، فلا يكون السارق جائحة، وكذا في كتاب محمد، وفي الكتاب: إنه جائحة. وقال مطرّفٌ، وابن الماجشون: الجائحة: ما أصاب الثمرة من السماء، من عَفَنٍ، أو برد، أو عطش، أو حرّ، أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدميّ، والجيش ليس بجائحة. وفي رواية ابن القاسم: إنه جائحة. انتهى ((المفهم)) ٤٢٦/٤ ((كتاب البيوع)). وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: الجائحة كل آفة، لا صُنع للآدمي فيها، كالريح، والبرد، والجراد، والعطش؛ لما روى الساجي بإسناده، عن جابر: أن النبي ◌َّرَ، قضى في الجائحة، والجائحة تكون في البرد، والجراد، وفي الحبق(٢)، والسيل، وفي الريح، وهذا تفسير من الراوي لكلام النبي ◌َّ، فيجب الرجوع إليه (٣). وأما ما كان بفعل آدمي، فقال القاضي: المشتري بالخيار، بين فسخ العقد، ومطالبة البائع بالثمن، وبين البقاء عليه، ومطالبة الجاني بالقيمة؛ لأنه أمكن الرجوع ببدله، بخلاف التالف بالجائحة. انتهى ((المغني)) ١٧٩/٦ . (فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ) أي من أخيك (شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ) أي في مقابلة الثمر الذي أصابته الجائحة. وقوله (بِغَيْرٍ حَقِّ))) تأكيد للإنكار في أخذه، وذلك أن أخذه للثمن في مقابلة الثمر الهالك يكون أخذًا بغير حقّ، إذ لم يأخذ هو مقابله. وظاهره حرمة الأخذ، ووجوب وضع الجائحة، وبه يقول أحمد، وأصحاب الحديث، قالوا: وضع الجائحة لازم بقدر ما هلك. وقال الخطّابيّ: هي لندب الوضع من طريق المعروف، والإحسان عند الفقهاء. ولا يخفى أن هذه الرواية تبطل هذا التأويل. وقيل: (١) راجع ((المفهم)) ٨٧/٣ ((كتاب الزكاة)). (٢) هكذا نسخة ((المغني))، ولم أهتد لمعنى هذه اللفظة، فالله تعالى أعلم. (٣) لكن يحتاج إلى صحة الحديث، ولم يذكر ابن قدامة سنده، حتى ننظر فيه، فالله تعالى أعلم. ٣٠- (وَضْعُ الْجَوَائِح) - حديث رقم ٤٥٢٩ ٢٦٥ == هو محمول على ما هلك قبل تسليم المبيع إلى المشتري، فإنه في ضمان البائع، بخلاف ما هلك بعد التسليم؛ لأن المبيع قد خرج عن عُهْدة البائع بالتسليم إلى المشتري، فلا يلزمه ضمان ما يعتريه بعده. واستُدلّ على ذلك بحديث أبي سعيد تَظّه الآتي، لأنه لو كانت الجوائح موضوعةً، لم يصر مديونًا بسببها. وسيأتي تمام البحث في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث جابر بنّ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٥٢٩/٣٠ و٤٥٣٠ و٤٥٣١- وفي ((الكبرى)) ٦١١٨/٢٩ و٦١١٩ و٦١٢٠. وأخرجه (م) في ((البيوع)) ١٥٥٤ (د) في ((البيوع)) ٣٣٧٤ و٣٤٧٠ (ق) في (التجارات)) ٢٢١٩ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٣٩٠٨ (الدارمي) في ((البيوع» ٢٤٤٣ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم وضع الجوائح، والظاهر أنه يرى وجوبه، حيث أورد حديث جابر وَنَّه، وفيه قوله بَّ: ((فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئًا»، فإنه يدلّ على وجوب وضع الجائحة، وبه قال بعض أهل العلم، وهو الراجح، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): جواز بيع الثمار، ولا خلاف فيه في الجملة، وإنما الخلاف فيما إذا كان قبل بدو الصلاح، وقد تقدّم بيان ذلك مستوفّى في الباب الماضي. (ومنها): تحريم أخذ مال المسلم بغير حقّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة) في اختلاف أهل العلم في حكم وضع الجائحة: قال في ((الفتح)): استُدِلَّ بهذا الحديث على وضع الجوائح في الثمر يُشتَرى بعد بُدُوّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، فقال مالك: يضع عنه الثلث، وقال أحمد، وأبو عبيد: يضع الجميع، وقال الشافعي، والليث، والكوفيون: لا يرجع على البائع بشيء، وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة، فيما إذا بيعت الثمرة، قبل بُدُوّ صلاحها بغير شرط القطع، فيُحمل مطلق الحديث، في رواية جابر، على ما قُيِّد به في حديث أنس. والله أعلم . ٢٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع واستدل الطحاوي، بحديث أبي سعيد الخدريّ تنظيفثي الآتي، قال: فلما لم يبطل دينُ الغرماء بذهاب الثمار، وفيهم باعتها، ولم يؤخذ الثمن منهم، دَلَّ على أن الأمر بوضع الجوائح، ليس على عمومه. والله تعالى أعلم. انتهى. وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما تهلكه الجائحة من الثمار، من ضمان البائع، وبهذا قال أكثر أهل المدينة، منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الحديث، وبه قال الشافعي في القديم. وقال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد: هو من ضمان المشتري؛ لما رُوي: أن امرأة أتت النبي ◌َّر، فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان، فأذهبتها الجائحة، فسأله أن يضع عنه، فتألى أن لا يفعل، فقال النبي وَّر: ((تألّى فلان أن لا يفعل خيرا؟))(١)، ولو كان واجبا لأجبره عليه، ولأن التخلية يتعلق بها جواز التصرف، فتعلق بها الضمان، كالنقل، والتحويل، ولأنه لا يضمنه إذا أتلفه آدمي، كذلك لا يضمنه بإتلاف غيره. ولنا ما رَوَى مسلم في ((صحيحه)) عن جابر رَّ: أن النبي ◌َّر أمر بوضع الجوائح، وعنه قال: قال رسول اللَّه وَّلّر: ((إن بعت من أخيك ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك، بغير حق؟))، رواه مسلم، وأبو داود، ولفظه: ((من باع ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يأخذ من مال أخيه شيئا، علام يأخذ أحدكم، من مال أخيه المسلم؟))، وهذا صريح في الحكم، فلا يعدل عنه. قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول اللّه ◌َّ أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت لم أَغْدُهُ، ولو كنت قائلا بوضعها، لوضعتها في القليل والكثير. قلنا: الحديث ثابت، رواه الأئمة، منهم الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن حرب، وغيرهم، عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر، ورواه مسلم في ((صحيحه)) وأبو داود في ((سننه))، وابن ماجه، والنسائيّ، وغيرهم. ولا حجة لهم في حديثهم، فإن فعل الواجب خير، فإذا تألى أن لا يفعل الواجب، فقد تألى ألا يفعل خيرا، فأما الإجبار فلا يفعله النبي ◌َّر، بمجرد قول المدعي، من غير إقرار من البائع، ولا حضور، ولأن التخلية ليست بقبض تام، بدليل ما لو تلفت بعطش، عند بعضهم، ولا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض، بدليل المنافع في الإجارة، يباح التصرف فيها، ولو تلفت كانت من ضمان المؤجر، كذلك الثمرة، فإنها في شجرها (١) هذا الحديث الصحيح أنه مرسلٌ، كما قال الشافعيّ رحمه الله تعالى، وقد روي موصولًا بذكر عائشة رضي الله تعالى عنها، إلا أنه من رواية حارثة بن أبي الرجال، وهو ضعيف، انظر ما كتبه البيهقيّ رحمه الله تعالى في ((السنن الكبرى)) ٣٠٥/٥. = ٢٦٧ ٣٠- (وَضْعُ الجَوَائِح) - حديث رقم ٤٥٢٩ كالمنافع قبل استيفائها، توجد حالا فحالًا، وقياسهم يبطل بالتخلية في الإجارة. انتهى («المغني)) ٦/ ١٧٧ -١٧٩ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بوجوب وضع الجائحة هو الأرجح؛ لقوّة دليله. وأما الاحتجاج بحديث أبي سعيد رَّه الآتي في الرجل الذي أصيب في الثمار التى ابتاعها، فيجاب عنه بجوابين: [أحدهما] : أن أحاديث وضع الجائحة ذُكرت لبيان القاعدة، وحكمِها، وهذا الحديث واقعة عين، فتكون هي أولى منه. [الثاني] : أنه يحتمل أن يكون اشتراؤه تلك الثمرة بعد تناهي طيبها، ودخول أوان جذاذها، فلا تحتاج إلى تبقية، ولا إلى سقي، فيكون المشتري مفرّطًا في تركها بعد ذلك على الشجر، فتكون من ضمانه، لا من ضمان البائع، ولهذا قال وَلّ في آخر الحديث: ((ليس لكم إلا ذلك)) فلو كانت الجوائح لا توضع، لكان لهم طلب بقيّة الدين. وجوابهم عن هذا بأن معناه: ليس لكم الآن إلا هذا، ولا يحلّ لكم مطالبته ما دام معسرًا، بل ينظر إلى ميسرة، خلاف الظاهر. والحاصل أن وجوب وضع الجوائح هو الحقّ؛ لما ذُكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مقدار الجوائح التي توضع: قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: إنّ ظاهر المذهب، أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أنّ ما جرت العادة بتلف مثله، كالشيء اليسير، الذي لا ينضبط، فلا يلتفت إليه، قال أحمد: إني لا أقول في عشر ثمرات، ولا عشرين ثمرة، ولا أدري ما الثلث؟، ولكن إذا كانت جائحةً تُعرَفُ، الثلث، أو الربع، أو الخمس توضع. وفيه رواية أخرى: أن ما كان دون الثلث، فهو من ضمان المشتري، وهو مذهب مالك، والشافعي في القديم؛ لأنه لا بُدَّ أن يأكل الطير منها، وتَنْثُرَ الريحُ، ويسقط منها، فلم يكن بد من ضابط واحد، فاصل بين ذلك، وبين الجائحة، والثلث قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع، منها: الوصية، وعطايا المريض، وتساوي جراح المرأة وجراح الرجل إلى الثلث. قال الأثرم: قال أحمد: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألةً، ولأن الثلث في حد الكثرة، وما دونه في حد القلة، بدليل قول النبي ◌َّ في الوصية: ((الثلث، والثلث كثير))، متّفقٌ عليه، فيدل هذا على أنه آخِرُ حد الكثرة، فلهذا قدر به. ووجه الأول عموم الأحاديث، فإن النبي ◌َّ أمر بوضع الجوائح، وما دون الثلث داخل فيه، فيجب وضعه، ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها، فكان ما تَلِف منها من مال = ٢٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ البائع، وإن كان قليلا، كالتي على وجه الأرض، وما أكله، أو سقط، لا يؤثر في العادة، ولا يسمى جائحة، فلا يدخل في الخبر، ولا يمكن التحرز منه، فهو معلوم الوجود بحكم العادة، فكأنه مشروط. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بوضع الجائحة مطلقًا، سواء كان قليلًا، أو كثيرًا، إلا ما جرى العرف بالتسامح في تلف مثله، هو الأرجح؛ عملًا بإطلاق النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه] : إذا ثبت هذا، فإنه إذا تلف شيء، له قدر خارج عن العادة، وُضِع من الثمن بقدر الذاهب، فإن تلف الجميع بطل العقد، ويرجع المشتري بجميع الثمن ، وأما على الرواية الأخرى، فإنه يعتبر ثلث المبلغ، وقيل ثلث القيمة، فإن تلف الجميع، أو أكثر من الثلث رجع بقيمة التالف كله من الثمن، وإذا اختلفا في الجائحة، أو قدر ما أُتْلِف، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل السلامة، ولأنه غارم، والقول في الأصول قول الغارم. قاله في ((المغني)) ١٧٩/٦ - ١٨٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٣٠ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ جُرَيْج، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ الْمَكْيُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ هِ، قَالَ: (َمَنْ بَاعَ ثَمَرَا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَأْخُذُ مِنَْ أَخِيهِ»، وَذَكَرَ (شَيْئًا)): ((عَلَى مَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ، مَالَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. وهذا السند نصفه الأول شاميّون، والثاني مكيون، فجابر تَظّ ممن سكن مكة. وقوله: ((وذكر شيئا)) أي ذكر لفظ ((شيئا)) بعد قوله: ((فلا يأخذ من أخيه))، والظاهر أنه حصل تردّد من بعض الرواة في ذكر هذا اللفظ، ثم تأكد من ذلك، فبيّنه. والله تعالى أعلم. وقوله: ((على ما يأكل الخ)) هي ((ما)) الاستفهامية، ثبت ألفها مع الجازّ على خلاف المشهور، فإن المشهور حذفها، كما قال ابن مالك: و(مَا)) فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٣١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ، وَهُوَ الْأَعْرَجُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ، وَضَعَ الْجَوَائِحَ). ٢٦٩ ٣٠- (وَضْعُ الْجَوَائِح) - حديث رقم ٤٥٣٢ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو مكيّ ثقة [١٠]. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((حميد الأعرج)): هو ابن قيس، أبو صفوان القارىء المكيّ، لا بأس به [٦] ٢٩٩٥/١٨٩. و((سليمان بن عَتِيق) المدنيّ، ومن قال فيه: ابن عتيك، فقد وهم، صدوق [٤]. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال البخاريّ: لا يصحّ حديثه. وقال ابن عبد البرّ: لا يُحتجّ بما تفرّد به. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديث جابر أخرجه هنا، وفي الباب التالي، وفي الباب ٦٩/ ٤٦٢٨ و٤٦٢٩. وله عند الثلاثة حديث جابر المذكور، وعند مسلم، وأبي داود أيضًا حديث عبد الله ابن مسعود رَبّ: ((هلك المتنطّعون))، قالها ثلاثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيِّ وَّهِ، وَضَعَ الْجَوَائِحَ) ولفظ مسلم: ((أمر بوضع الجوائح))، و((الجوائح جمع جائحة: وهي الآفة، وتقدم البحث عنها في أول الباب، ومعنى قوله: ((وضع الجوائح)»: أي أمر بوضعها، وإسقاطها، وعدم المطالبة بها، يعني أن من اشترى ثمارًا، فأصابتها آفة سماويّة، كالبرد - بفتحتين-، والبرد - بفتح، فسكون- والحرّ الشديدين، والجراد، ونحو ذلك، من الآفات التي تعرض للثمار، فإنه لا يحلّ للبائع أن يُطالَب بثمنها، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في وضع الجوائح قريبًا، فلا تنسَ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث : (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٥٣١/٣٠- وفي ((الكبرى)) ٦١٢٠/٢٩. وأخرجه (م) في ((البيوع)) ٣٩٥٧ (د) في (البيوع)) ٣٣٧٤ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٣٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهَ فِي ثِمَارٍ ٢٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع انْتَعَهَا، فَكَثُرَ دَيْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ))، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١ . ٢- (الليث) بن سعد الإمام المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٣٥/٣١. ٣- (بكير) بن عبد الله بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١. ٤- (عِيَاض بن عبد الله) بن سعد بن أبي سَرح القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقة [٣] ٢٦ /١٤٠٨ . ٥- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي اللَّه تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابي، فمدنيّ، وكلّ من قتيبة، وبكير، وعياض، ممن دخل مصر أيضًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد رَّه من المكثرين السبعة، روى (١١٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيّ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ) قيل: هو معاذ بن جبل رَّه. قاله النوويّ في ((شرح مسلم)) ١٠/ ٤٦١ (فِي عَهْدِ) أي زمان (رَسُولِ اللَّهِ وََّ، فِي ثِمَارٍ) متعلّق ب((أَصيب)) (ابْتَاعَهَا) أي اشتراها، يعني أنه لحقه خسران، بسبب إصابة آفة ثمارًا اشتراها، ولم ينقُد ثمنها (فَكَثُرَ) بضم الثاء المثلثة (دَيْتُهُ) أي فطالبه البائع بثمن تلك الثمرة، وكذا طالبه بقيّة غرمائه، وليس له مال يؤديه (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: (تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ) فيه أن المسألة تحلّ لمثله (فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ) أي ما تصدّقوا عليه (وَفَاءَ دَيْنِهِ) أي لكثرته (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ) أي لغرمائه (خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ) أي مما تصدّق الناس عليه (وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ) أي إلا أخذ ما وجدتم، والمعنى: أنه ليس لكم مطالبته بالباقي، بل الواجب عليكم مسامحته، أو إنظاره إلى الميسرة، كما قال عز وجل: ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَوْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]. وقال السنديّ رحمه الله تعالى: ظاهره أنه وضع الجائح، بمعنى أنه لا يؤخذ منه ما عجز عنه. ويحتمل أن المعنى ليس لكم في الحال إلا ذلك؛ لوجوب الإنظار في غيره؛ ٢٧١ ٣٠- (وَضْعُ الجَوَائِح) - حديث رقم ٤٥٣٢ لقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَفْ﴾، وحينئذ فلا وضع أصلًا، وبالجملة، فهذا الحديث دليلٌ لمن يقول بعدم الوضع، والله تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق أن هذا الحديث محمول على أنها تلفت بعد أوان الجذاذ، وتفريط المشتري في تركها بعد ذلك على الشجر، فإنها حينئذ تكون من ضمان المشتري، وليس له حقّ في الوضع، فلا يكون الحديث معارضًا لتلك الأحاديث الكثيرة الموجبة وضع الجوائح، وعلى تقدير عدم حمله على هذه الصورة، فتلك الأحاديث ترجّح عليه؛ لقوتها. [تنبيه]: زاد المصنف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) بعد إيراده حديث أبي سعيد رَّه هذا: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: هذا أصلح من حديث سليمان بن عَتِيق. انتھی . وأشار به إلى ما تقدّم من الكلام في سليمان بن عتيق، فقد ضعّفه بعضهم، إلا أن مسلمًا أخرج له الحديث المذكور، وغيره، كما سبق بيانه، ويشهد لحديثه حديث أنس رَمّه المتقدّم في الباب الماضي، وحديثا جابر رَّ المذكوران في هذا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أبي سعيد الخدريّ رَّه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٥٣٢/٢٩ و٩٥/ ٤٦٨٠ - وفي «الكبرى» ٦١٢١/٢٨ و٩٦ / ٦٢٧٤ . وأخرجه (م) في ((البيوع)) ١٥٥٦ (د) في ((البيوع)) ٣٤٦٩ (ت) في ((الزكاة)) ٦٥٥ (ق) في (الأحكام)) ٢٣٥٦ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٩٢٤ و١١١٥٧. والله تعالى أعلم . (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّل من الرأفة، والرحمة بأمته، حيث يهتمّ بتدبير شؤونهم، فيقوم بمساعدة الفقراء، والمحتاجين، إذا كان عنده شيء من المال، وإلا أمر أصحابه المياسير ** أن يساعدوهم حتى يقضوا ديونهم، ويسدّوا حاجاتهم. (ومنها): التعاون على البرّ، والتقوى، ومواساة المحتاج، ومن عليه دين، والحثّ على الصدقة . (ومنها): جواز المسألة لمن أصاب ماله جائحة، بقدر ما يؤدّي به دينه، ويسدّ حاجته. (ومنها): أن المعسر لا تحلّ مطالبته، ولا ملازمته، ولا سَجْنه، وبه قال الشافعيّ، ٢٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ ومالك، وجمهور العلماء، وحكي عن ابن شريح حبسه حتى يقضي الدين، وإن كان قد ثبت إعساره. وعن أبي حنيفة: تجوز ملازمته. (ومنها): أنه يسلّم إلى الغرماء جميع مال المفلس، ما لم يَقضِ دينهم، ولا يُترك للمفلس سوى ثيابه، ونحوها. قاله النوويّ في ((شرح مسلم)) ١٠/ ٤٦١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣١- (بَيْعُ الثَّمَرِسِنِينَ) ٤٥٣٣- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدِ الْأَعْرَجِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيكٍ - قَالَ قُتَنِبَةُ: عَتِيكُ بِالْكَافِ، وَالصَّوَابُ عَتِيقٌ - عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ مَ﴿ِ، نََّى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ سِنِينَ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا السند تقدّم الكلام فيه في الباب الماضي. وقوله: ((نهى عن بيع الثمر سنين)»: معناه أن يبيع ثمرة نخلة، أو نخلات بأعيانها سنتين، أو ثلاثًا، مثلًا، وإنما نهى عنه؛ لأنه بيع شيء لا وجود له حال العقد. قال الخطّابِيّ رحمه الله تعالى: هو أن يبيع الرجل ما تثمره النخلة، أو النخلات بأعيانها سنين، ثلاثًا، أو أربعًا، أو أكثر منها، وهذا غررٌ؛ لأنه بيع شيء غير موجود، ولا مخلوق حال العقد، ولا يُدرى هل يكون ذلك، أم لا، وهل يُثمر النخل، أم لا، وهذا في بيوع الأعيان، وأما في بيوع الصفات، فهو جائز، مثل أن يُسلف في شيء إلى ثلاث سنين، أو أربع، أو أكثر، ما دامت المدّة معلومة في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم، بعيد، أو قريب، إذا كان الشيء المسلف فيه غالبًا وجوده عند وقت محلّ السلف. انتهى ((معالم السنن)) ٤٤/٥. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تخريجه في الباب الماضي في حديث جابر تصميم: ((أن النبيّ وَلل وضع الجوائح))؛ لأنه حديث واحد فرقه المصنّف، ساقه أبو داود، في ((سننه))، مساقًا واحدا، ولفظه: (أن النبيّ وَل نهى عن بيع السنين، ووضع الجوائح)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٣٢- (بَيْعُ الثَّمَرِ بِالثَّمْر) - حديث رقم ٤٥٣٤ ٢٧٣ ٣٢- (بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأول بالثاء المثلثة، والثاني بالتاء المثناة الفوقانيّة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٣٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ النَّبِيِّ نَِّ، فَّى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالثَّمْرِ، وقَالَ ابْنُ عُمَرَ: حَدَثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ رَخَّصَ فِي الْغَرَايَا). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١ . ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/١. ٣- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/١. ٤- (سالم) بن عبد الله بن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣ /٤٩٠. ٥- (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة، وفيه ابن عمر من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ النّبِيِّ وَِّ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ) بمثلّثة، وميم مفتوحتين، وفي رواية مسلم: ((ثمر النخل))، وهو المراد هنا، وليس المراد الثمر من غير النخل، فإنه يجوز بيعه بالتمر - بالمثنّاة، والسكون- وإنما وقع النهي عن الرطب بالتمر؛ لكونه متفاضلاً من جنسه (بِالتَّمْرِ) بفتح المثناة، وسكون الميم(و قَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي اللّه تعالى عنهما، وفي رواية البخاريّ: قال سالم: وأخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت تنميّ وهو موصول بالإسناد المذكور، وأفرد المصنّف حديث زيد بن ثابت في الباب التالي من طريق سالم أيضًا، وفي الباب ٢٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع الذي يليه من طريق نافع. وأخرجه الترمذيّ من طريق محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، ولم يفَصّل حديث ابن عمر من حديث زيد بن ثابت، وأشار الترمذيّ إلى أنه وَهِمَ فيه، والصواب التفصيل، ولفظ الترمذيّ: ((عن زيد بن ثابت، أن النبيّ وَلل نهى عن المحاقلة، والمزابنة، إلا أنه قد أَذِن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها))، ومراد الترمذيّ أن التصريح بالنهي عن المزابنة لم يَرِد في حديث زيد بن ثابت، وإنما رواه ابن عمر بغير واسطة، وروى ابن عمر استثناء العرايا بواسطة زيد بن ثابت، فإن كانت رواية ابن إسحاق محفوظةً احتّمّل أن يكون ابن عمر حمل الحديث كلّه عن زيد بن ثابت، وكان عنده بعضه بغير واسطة. (حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) الصحابيّ المشهور ◌َّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، رَخَصَ فِي الْعَرَايَا) وفي رواية البخاريّ: ((رخص بعد ذلك في بيع العرايا بالرُّطَب، أو بالتمر، ولم يرخّص في غير ذلك)). وقوله: ((رخّص بعد ذلك)) أي بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر، وهذا من أصرح ما ورد في الردّ على من حمل من الحنفيّة النهي عن بيع الثمر بالتمر على عمومه، ومنع أن يكون بيع العرايا مستثنى منه، وزعم أنهما حكمان مختلفان، وردا في سياق واحد، وكذلك من زعم منهم كما حكاه ابن المنذر عنهم أن بيع العرايا منسوخٌ بالنهي عن بيع الثمر بالتمر؛ لأن المنسوخ لا يكون بعد الناسخ. قاله في «الفتح)) ١٢٨/٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٥٣٤/٣٢ و٤٥٣٥ و٤٥٣٦/٣٣ و٤٥٣٨ و٤٥٣٩ و٤٥٤٠/٣٤ و ٤٥٤١ و ٤٥٤٢/٣٥ و٤٥٥١/٣٩- وفي ((الكبرى)) ٦١٢٣/٣١ و٦١٢٤ و٦١٢٥/٣٢ و٦١٢٧/٣٣ و٦١٢٨ و٦١٤٠/٣٩. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢١٧١ و٢١٧٢ و٢١٨٥ و٢١٨٨ و٢١٩٢ و٢٢٠٥ و((المساقاة)) ٢٣٨٠ (م) في ((البيوع)) ١٥٣٩ ١٥٤٢ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٥١١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الثمر بالتمر، وهو المنع؛ لوقوع التفاضل فيه مع كونهما جنسًا واحدًا. (ومنها): جواز ذلك في العرايا، وسيأتي بيانها بعد باب، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه يدلّ على تحريم بيع ٣٢- (بَيْعُ الثَّمَر بالتَّمْر) - حديث رقم ٤٥٣٥ = ٢٧٥ الرطب باليابس منه، ولو تساويا في الكيل والوزن؛ لأن الاعتبار بالتساوي إنما يصحّ حالة الكمال، والرطب قد ينقص عن اليابس إذا جفّ نقصًا لا يتقدّر، وهذا قول الجمهور، وعن أبي حنيفة الاكتفاء بالمساواة حالة الرطوبة، وخالفه صاحباه في ذلك؛ لصحة الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك، وأصرح من ذلك حديث سعد بن أبي وقّاص ◌َّهِ: أن النبيّ وَّهَ سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر؟ فقال: ((أينقص الرُّطَب إذا جفّ؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذًا))، أخرجه مالكٌ، وأصحاب ((السنن))، وصححه الترمذيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، وسيأتي للمصنّف بعد ثلاثة أبواب - ٤٥٤٨- بلفظ: سئل رسول اللَّه وَ ل ◌ّر عن التمر بالرطب؟ فقال لمن حوله: ((أينقص الرُّطَب إذا يبس؟))، قالوا: نعم، فنهى عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٣٥- (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَل ◌َى عَنِ الْمُزَابَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُءُوَسِ النَّخْلِ، بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمَّى، إِنْ زَادَ لِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ») رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (زياد بن أيوب) البغداديّ، طوسي الأصل المعروف بدلّويه البغدادي، ثقة حافظ [١٠] ١٠١ / ١٣٢ . ٢- (ابن علية) إسماعيل بن إبراهيم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٩/١٨. ٣- (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت عابد فقيه [٥] ٤٨/٤٢ . ٤- (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢، والصحابي ذُكر في السند الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه ما بين مدنيين، وهما ابن عمر، ونافع، وبصريين، وهما أيوب، وابن عليّة، وبغدادي، وهو شيخه. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ نََّى عَنِ الْمُزّابَةِ) - بميم ٢٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع مضمومة، وزاي، وباء موحّدة، ونون: مفاعلة من الزَّبْن - بفتح الزاي، وسكون الموحّدة -: وهو الدفع الشديد، ومنه سُمّيت الحرب الزَّبُون؛ لشدّة الدفع فيها، وقيل للبيع المخصوص المزابنة؛ لأن كلّ واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقّه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، هذا هو تفسير المزابنة لغةً، وأما التفسير الشرعيّ، فهو ما بيّنه بقوله (وَالْمُزَّابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ) أي من الثمار (بِتَمْرٍ، بِكَيْلٍ مُسَمَّ) بدل من الجازّ والمجرور قبله. ثم إن ذِكْرَ الكيلِ ليس بقيد، في هذه الصورة، بل لأنه صورة المبايعة التي وقعت إذ ذاك، فلا مفهوم له؛ لخروجه على سبب، أو له مفهوم، لكنه مفهوم الموافقة؛ لأن المسكوت عنه أولي بالمنع من المنطوق، ويستفاد منه أن معيار التمر والزبيب الكيل. أفاده في ((الفتح)) ١٢٩/٥. (إِنْ زَادَ لِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ) يعني أن البائع يقول للمشتري: إن زاد ما في رؤوس النخل في الكيل على التمر، فالزائد لي، وإن نقص عنه، فالخسارة عليّ. وسيأتي في الباب التالي تفسير المزابنة بقوله: ((والمزابنة: بيع الثمر بالتمر كيلاً، وبيع الكرم بالزبيب کیلا». قال في ((الفتح)): وهذا أصل المزابنة، وألحق الشافعي بذلك كل بيع مجهول بمجهول، أو بمعلوم من جنس يجري الربا في نقده، قال: وأما من قال: أضمن لك صبرتك هذه، بعشرين صاعا مثلا، فما زاد فلي، وما نقص فعليّ، فهو من القمار، وليس من المزابنة . لكن فيه نظر؛ لأن هذا التفسير، قد سمّاه في هذا الحديث مزابنة، قال الحافظ : فثبت أن من صور المزابنة أيضا، هذه الصورة من القمار، ولا يلزم من كونها قمارا، أن لا تسمى مزابنة. ومن صور المزابنة أيضا بيع الزرع بالحنطة كيلا، وقد رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، بلفظ: ((والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا، وبيع الزرع بالحنطة كيلا)). وقال مالك: المزابنة كلُّ شيء من الجزاف، لا يُعلم كيله، ولا وزنه، ولا عدده، إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان من جنس يجري الربا في نقده، أم لا ، وسبب النهى عنه، ما يدخله من القمار والغرر، قال ابن عبد البر: نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة، وهي المدافعة، ويدخل فيها القمار، والمخاطرة. وفسر بعضهم المزابنة، بأنها بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وهو خطأ، فالمغايرة بينهما ٣٣- (بَتْعُ الكَرْم بِالزَّبيب) - حديث رقم ٤٥٣٦ ٢٧٧ ==== ظاهرة، من أول حديث ابن عمر عند البخاريّ بلفظ: ((لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر»، فقد غاير بينهما. وقيل: هي المزارعة على الجزء. وقيل غير ذلك والذي تدل عليه الأحاديث في تفسيرها أولى. [تنبيه] : ظاهر هذه الرواية أن تفسير المزابنة من المرفوع، ومثله في حديث أبي سعيد الخدريّ رَّ عند البخاريّ، بلفظ: (())أن رسول اللَّه ◌َلقوله نهى عن المزابنة، والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر، على رؤوس النخل)). وعند مسلم من حديث جابر رَبّه ، فإن كان هذا التفسير مرفوعًا، فلا إشكال في وجوب الأخذ به، وإن كان موقوفًا على هؤلاء الصحابة، فهم رواة الحديث، وأعرف بتفسيره من غيرهم، قال ابن عبد البر: ولا مخالف لهم علمته، بل قد أجمع العلماء على أن ذلك مزابنة، وإنما اختلفوا هل يلتحق بذلك، كل ما لا يجوز إلا مثلا بمثل، فلا يجوز فيه كيل بجزاف، ولا جزاف بجزاف، فالجمهور على الإلحاق، وقيل: يختص ذلك بالنخل والكرم. والله أعلم. أفاده في ((الفتح)) ١٢٧/٥ و((الطرح)» ١٣٣/٦. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). (بَيْعُ الْكَرْم بِالرَّبِيبِ) ٣٣- ٤٥٣٦- (أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَرِهِ نََّى عَنِ الْمُزَابَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالثَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ کیلا»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. والسند من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢٢٠) من رباعيات الكتاب، وهو من أصح الأسانيد، على ما نُقل عن الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، كما سبق غير مرّة. وقوله: ((الثمر بالتمر)» الأول بالثاء المثلّثة، والثاني بالتاء المثناة الفوقانيّة، والمراد ثمر النخل: أي رُطَبه، لا كلّ ثمر، إذ يجوز بيع الثمر من غير النخل بالتمر كيلًا؛ لجواز التفاضل فيه . =٢٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع وقوله: ((وبيع الكرم بالزبيب كيلا))، في رواية مسلم: ((وبيع العنب بالزبيب كيلا))، والكرم - بفتح الكاف، وسكون الراء -: هو شجر العنب، والمراد منه هنا نفس العنب، كما أوضحته روايةُ مسلم. وفيه: جواز تسمية العنب كرما، وقد ورد النهى عنه، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رَّهِ، عن النبيّ ◌َّه، قال: ((لا تُسمُّوا العنب كَرْمًا))، وفي رواية: ((ويقولون: الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن)). ويُجمع بينهما بحمل النهى على التنزيه، ويكون ذكره هنا؛ لبيان الجواز، وهذا كله بناء على أن تفسير المزابنة، من كلام النبي ◌َّر، وعلى تقدير كونه موقوفا، فلا حجة على الجواز، فيحمل النهي على حقيقته. واختلف السلف: هل يُلحق العنب أو غيره بالرطب في العرايا، فقيل: لا، وهو قول أهل الظاهر، واختاره بعض الشافعية، منهم المحب الطبري. وقيل: يُلحق العنب خاصة، وهو مشهور مذهب الشافعي. وقيل: يلحق كل ما يُدَّخَر، وهو قول المالكية. وقيل: يلحق كل ثمرة، وهو منقول عن الشافعي أيضا. والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٣٧- (أَخْبَرَنَا قُتَيِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيْبٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: (فَّى رَسُولُ اللَّهِ وَه عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (أبو الأحوص) سلّام بنُ سُليم الحنفيّ الكوفيّ ثقة ثبت [٧] ٧٩ / ٩٦. ٣- (طارق) بن عبد الرحمن البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام [٥] ٢، ٣٨٩٠ . ٤- (سعيد بن المسيب) بن حَزْن المخزوميّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٩/٩. ٥- (رافع بن خديج) بن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ الجليل، أول مشاهده أُحد، ثم الخندق، ومات رَّه سنة (٣) أو (٦٤) وقيل: قبل ذلك. والله تعالى أعلم. ٣٣- (بَيْعُ الكَرْم بِالزَّبيب) - حديث رقم ٤٥٣٩ = ٢٧٩ شرح الحديث (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّه عَنِ الْمُحَاقَلَةِ) قالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى: اختلف في معناها، قيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة، هكذا جاء مفسّرًا في الحديث، وهو الذي يسمّيه الزرّاعون: المحارثة. وقيل: هي المزارعة على نصيب معلوم، كالثلث، والربع، ونحوهما. وقيل: هي بيع الطعام في سُنْبُله بالبرّ. وقيل: بيع الزرع قبل إدراكه. وإنما نُهي عنها؛ لأنها من المكيل، ولا يجوز فيه إذا كانا من جنس واحد إلا مثلاً بمثل، ويدًا بيد، وهذا مجهولٌ، لا يُدرى أيهما أكثر. انتهى ((النهاية)) ٤١٦/١. (وَالْمُزَابَنَةِ) تقدّم معناها في الحديث الماضي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حدیث رافع بن خديج رَّه هذا صحيح، وقد تقدّم في ((كتاب المزارعة)) ٣٩١٧/٤٥ مطوّلًا. فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٣٨- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، وَخَّصَ فِي الْعَرَايَا))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((سفيان)): هو ابن عُيينة. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٣٩- (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ، رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا، بِالتَّمْرِ وَالرُّطَبِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو مصريّ حافظ ثقة. والحديث، أخرجه المصنّف رحمه اللّه تعالى هنا-٤٥٣٩/٣٣- وفي ((الكبرى)) ٦١٢٨/٣٣. وأخرجه (م) في ((البيوع)) ٣٣٦٢. وسيأتي شرحه بعد باب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٢٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ٣٤- (بَابُ بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمَّرًا) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((العَرَيَا)): جمع عريّة، قال الفيوميّ: ((العربيّة)): النخلة يُغْرِيها صاحبها غيرَهُ ليأكل ثمرتها، فيَعْرُوها: أي يأتيها، فَعِلية بمعنى مفعولة، ودخلت الهاء عليها؛ لأنه ذُهِب بها مذهبَ الأسماء، مثلُ النَّطِيحة، والأَكِيلة، فإذا جيء بها مع النخلة حُذفت الهاء، وقيل: نخلة عَرِيّ، كما يقال: امرأة قَتِيلٌ، والجمع: العَرَايا. انتهى. وقال في ((الفتح)): هي عطيّة ثمر النخل، دون الرقبة، كان العرب في الجدب يتطوّع أهل النخل بذلك على من لا ثمر له، كما يتطوّع صاحب الشاة، أو الإبل بالمنيحة، وهي عطيّة اللبن، دون الرقبة، قال حسّان بن ثابت رَّم فيما ذكر ابن التين، وقال غيره: هي لسُوَيد بن الصَّامت الأنصاريّ [من الطويل]: فَلَيْسَتْ بِسَتْهَاءَ وَلَا رُجَّبِيَّةٍ (١) وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السَّنِينَ الْجَوَائِحِ ومعنى ((سنهاء)): أن تَحمِل سنة دون سنة، والرجبية: التي تُدَعَّم حين تميل من الضعف. والعرية: فَعلٌ بمعنى مفعولة، أو فاعلة، يقال: عَرَى النخلَ - بفتح العين، والراء - بالتعدية يَعرُوها: إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها لآخر، على سبيل الْمِنْحَة؛ ليأكل ثمرها، وتَبقَى رقبتها لمعطيها، ويقال: عَرِيت النخلُ - بفتح العين، وكسر الراء - تَعرَى على أنه قاصر، فكأنها عَرِيت عن حكم أخواتها، واستُثبتت بالعطية، واختلف في المراد بها شرعا، وسيأتي بيان ذلك في المسائل، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٤٠- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّرِ، رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا، تُبَاعُ بِخِرْصِهَا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [١٠] ١٥/١٥. ٢,- (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/٤. ٣- (عبيد الله) بن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] ١٥/١٥. ٤- (زيد بن ثابت) بن الضحاك ابن لوذان الأنصاريّ النّجاريّ الصحابيّ المشهور، (١) قال في ((اللسان)): يروى رجبية بضم الراء، وتخفيف الجيم المفتوحة، وتشديدها.