النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
٢٠- (بنعُ الرَّجُل عَلی بیع اخِیهِ) - حديث رقم ٤٥٠٥
٢٠- (بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ)
٤٥٠٥- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، وَاللَّيْثُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ، أَنَّهُ قَالَ: ((لَا يَبِيعُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
والسند من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢١٧) من رباعيات الكتاب،
وهو من أصحّ أسانيد ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما.
وقوله: ((لا يبيع)) ((لا)) نافيه، والفعل مرفوع، والمراد من النفي النهي، وهو أبلغ،
كما تقدّم غير مرّة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في ((كتاب النكاح)) ٣٢٣٨/٢٠، وبقي هنا
الكلام على ما ترجم له المصنف رحمه اللَّه تعالى، وفيه مسائل :
(مسألة): في أقوال أهل العلم في معنى بيع الرجل على بيع أخيه، وحكمه:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: معنى ((بيع الرجل على بيع أخيه)): هو أن
يقول لمن اشترى شيئا في مدة الخيار: افسَخْ هذا البيع، وأنا أبيعك مثله، بأرخصَ من
ثمنه، أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك، وهذا حرام، ويحرم أيضا الشراء على شراء
أخيه، وهو أن يقول للبائع، في مدة الخيار: افسخ هذا البيع، وأنا أشتريه منك، بأكثر
من هذا الثمن، ونحو هذا.
قال: وأجمع العلماء على منع البيع على بيع أخيه، والشراء على شرائه، والسوم على
سومه، فلو خالف، وعَقَد فهو عاص، وينعقد البيع، هذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة
وآخرين. وقال داود: لا ينعقد، وعن مالك روايتان، كالمذهبين، وجمهورهم على
إباحة البيع والشراء، فيمن يزيد، وقال الشافعي: وكرهه بعض السلف. انتهى ((شرح
مسلم)) ٣٩٨/١٠ .
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: معنى قوله وَالر: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض»: أن
الرجلين إذا تبايعا، فجاء آخر إلى المشتري في مدة الخيار، فقال: أنا أبيعك مثل هذه
السلعة، دون هذا الثمن، أو أبيعك خيرا منها بثمنها، أو دونه، أو عرض عليه سلعة، رغب
فيها المشتري، ففسخ البيع، واشترى هذه، فهذا غير جائز؛ لنهي النبي ◌َّ عنه، ولما فيه
من الإضرار بالمسلم، والإفساد عليه، وكذلك إن اشترى على شراء أخيه، وهو أن يجيء

=
٢٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
إلى البائع، قبل لزوم العقد، فيدفع في المبيع أكثر من الثمن، الذي اشتُري به، فهو محرّم
أيضا؛ لأنه في معنى المنهي عنه، ولأن الشراء يسمى بيعا، فيدخل في النهي، ولأن النبي
وَله نهى أن يخطب على خطبة أخيه، وهو في معنى الخاطب.
فإن خالف، وعقد فالبيع باطل؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد. ويحتمل أنه
صحيح؛ لأن المحرم هو عرض سلعته على المشتري، أو قوله الذي فَسَخَ البيع من
أجله، وذلك سابق على البيع، ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر، فالبيع
المحصل للمصلحة أولى، ولأن النهي لحق آدمي، فأشبه بيع النجش، وهذا مذهب
الشافعي. انتهى («المغني)) ٣٠٥/٦-٣٠٦.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول ببطلان البيع؛ لأن النهي
يقتضي الفساد، إلا إذا صرفه صارف إلى غيره، كبيع المصرّاة، وتلقّي الجلب، على ما
تقدّم بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): قال القاضي ابن كجَ من الشافعيّة: تحريم البيع على بيع أخيه أن لا
يكون المشتري مغبونًا غبنًا مُفْرطًا، فإن كان فله أن يُعرّفه، ويبيع على بيعه؛ لأنه ضرب
من النصيحة. قال النوويّ: هذا الشرط انفرد به ابن كجّ، وهو خلاف ظاهر إطلاق
الحديث، والمختار أنه ليس بشرط. والله أعلم. قال وليّ الدين: ووافقه ابن حزم،
فقال: وأما من من رأى المساوم، أو البائع لا يريد الرجوع إلى القيمة، لكن يريد غبن
صاحبه بغير علمه، فهذا فرض عليه نصيحة المسلم، فقد خرج عن هذا النهي بقول
رسول اللَّه وَ لَر: ((الدين النصيحة)). انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن كج، ووافقه عليه ابن حزم هو
الذي لا يتّجه عندي غيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): محلّ التحريم ما لم يأذن البائع في البيع على بيعه، فإن أذن في
ذلك ارتفع التحريم على الصحيح، وقد ورد التصريح بذلك فيما أخرجه مسلم في
((صحيحه)) من طريق عبيد الله، عن نافع: ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب
على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له)). قال في ((الفتح)): قوله: ((إلا أن يأذن له)) يحتمل أن
يكون استثناء من الحكمين، كما هو قاعدة الشافعيّ. ويحتمل أن يختصّ بالأخير،
ويؤيّد الثاني رواية البخاريّ في ((النكاح)) من طريق ابن جريج، عن نافع، بلفظ: ((نهى
أن يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب
قبله، أو يأذن له الخاطب))، ومن ثم نشأ خلافٌ للشافعيّة: هل يختصّ ذلك بالنكاح، أو
يلتحق به البيع في ذلك؟، والصحيح عدم الفرق. انتهى ((الفتح)) ٨٧/٥.

٢٠- (بَیْعُ الرَّجُل عَلَی بتع اخِیهِ) - حديث رقم ٤٥٠٦
٢٢٣=
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عدم الفرق هو الذي يظهر لي؛ لأن النهي كان لحقه،
فإذا أذن فقد زال المانع، وقد أخرجه المصنّف في الرواية التالية ٤٥٠٦ بلفظ: ((لا يبيع
الرجل على بيع أخيه، حتى يبتاع، أو يذر)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): ظاهر قوله: ((على بيع أخيه)) اختصاص ذلك بالمسلم، وبه قال
الأوزاعيّ، وأبو عبيد بن حربويه، من الشافعيّة، وأصرح من ذلك رواية مسلم، من
طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌َّه بلفظ: ((لا يسوم المسلم
على سوم المسلم، وقال الجمهور: لا فرق في ذلك بين المسلم والذميّ، وذكر الأخ
خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. أفاده في ((الفتح)) ٨٨/٥.
وقال في ((الطرح)) ٧١/٦ - بعد ما ذكر خلاف أبي عبيد المذكور -: والصحيح
خلافه؛ لأن هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. وقال ابن عبد البرّ: أجمع الفقهاء
على أنه لا يجوز دخول المسلم على الذميّ في سومه، إلا الأوزاعيّ وحده، فإنه قال:
لا بأس به. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل .
٤٥٠٦- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ: ((قَالَ: ((لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ،
حَتَّى يَنْتَّاعَ، أَوْ يَذَّرَ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
و((إسحاق)): هو ابن راهويه. و((أبو معاوية)): هو محمد بن خازم الضرير. و((عبيد
الله)): هو ابن عمر العمريّ.
وقوله: ((حتى يبتاع)): أي يشتري، وهو غاية لما يُفهم أي لينتظر حتى يبتاع، وإلا لا
تستقيم الغاية، ثم هذه الغاية تؤيّد القول إن المراد بالبيع المغيّا هو الشراء، والسوم. قاله
السنديّ .
قال الجامع: حمل البيع هنا على الشراء خلاف ما عليه الجمهور، ولا داعي إليه؛
لأنه خلاف ظاهر اللفظ، بل الصواب ما عليه الجمهور، قال في ((الطرح)) ٦/ ٦٩ - ٧٠ :
ذهب ابن حبيب من المالكية، وأبو عبيدة معمر بن المثنّى، وأبو عبيد القاسم بن سلام،
وأبو زيد الأنصاريّ إلى حمل البيع على بيع أخيه على الشراء على شراء أخيه؛ لأن
العرب تقول: بعتُ بمعنى اشتريتُ، قالوا: لأنه لا يبيع أحد على بيع أحد في العادة.

=
٢٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
قال وليّ الدين: وما أدري أيّ موجب لصرف اللفظ عن ظاهره، والاستعمال الذي
ذكروه في تسمية الشراء بيعًا، وإن كان صحيحًا، ولکن عكسه أشهر منه، وقد ردّ ذلك
ابن عبد البرّ، وكون البيع على البيع لا يغلب وقوعه مردود، وبتقدير ذلك، فهذا لا
يقتضي أنه لا يُنھی عنه. انتهى .
وقوله: ((أو يذَرَ)): أي يترك البيع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢١- (النَّجْشُ)
بفتح، فسكون، أو بفتحتين، سيأتي معناه قريبًا.
٤٥٠٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَنْيَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ: ((نَى عَنِ
النَّجْشِ))).
هذا السند سبق البحث فيه في الباب الماضي، وهو (٢١٨) من رباعيات الكتاب.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيِّ نَّهُ: ((نَّى عَنِ النَّجْشِ) قال النوويّ
رحمه الله تعالى : -بنون مفتوحة، ثم جيم ساكنة، ثم شين معجمة -: هو أن يزيد في
ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره، ويَغُرَّه ليزيد، ويشتريها.
وأصل النجش: الاستثارة، ومنه نَجَشت الصيد أَنجُشُه بضم الجيم، نَجْشًا: إذا
استثرته، سُمّي الناجش في السلعة ناجشا؛ لأنه يُثير الرغبة فيها، ويرفع ثمنها. وقال ابن
قتيبة: أصل النجش: الْخَتْلُ، وهو الخداع، ومنه قيل للصائد: ناجش؛ لأنه يَختِل
الصيد، ويختال له، وكلُّ من استثار شيئا، فهو ناجش. وقال الهروي: قال أبو بكر:
النجش المدح، والإطراء، وعلى هذا معنى الحديث: لا يمدح أحدكم السلعة، ويزيد
في ثمنها بلا رغبة، والصحيح الأول. انتهى ((شرح مسلم)) ٣٩٩/١٠.
وقال في ((الفتح)) ٩٠/٥- بعد ذكر ما تقدّم: ما نصّه: ويقع ذلك بمواطاة البائع،

٢١ - (النَّجْشُ) - حديث رقم ٤٥٠٧
٢٢٥ ===
فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع، فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به
البائع، كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر، مما اشترها به؛ ليغر غيره بذلك. انتهى.
وقال وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: فسّره أصحابنا الشافعيّة بأن يزيد في ثمن السلعة،
لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره، ويغرّه؛ ليزيد، ويشتريها، وكذا فسّره به الحنفيّة،
والمالكيّة، والحنابلة، كما رأيته في ((الهداية))، وكتاب ابن الحاجب، و((المحرّر)) لابن
تيميّة، وعبارة ((الهداية)): هو أن يزيد في الثمن، ولا يريد الشراء، ليرغّب غيره. وعبارة
ابن الحاجب: هو أن يزيد ليغُرّ. وعبارة صاحب ((المحرّر)): إن النجش مزايدة من لا
يريد الشراء، تغريرًا له. وقيّد الترمذيّ ذلك في ((جامعه)) بأن تكون الزيادة بأكثر مما
يسوى، وكذا قيّده ابن عبد البرّ، وابن العربيّ بأن تكون الزيادة فوق ثمنها، وقال ابن
العربيّ: إنه لو زاد فيها حتى ينتهي إلى قيمتها، فهو مأجور بذلك، وكذا ذكر هذا التقييد
ابن الرفعة من متأخري الشافعيّة. انتهى ((طرح)) ٦/ ٦١. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١/ ٤٥٠٧- وفي ((الكبرى)) ٦٠٩٦/٢٠. وأخرجه (خ) في ((البيوع))
٢١٤٢ و((الحيل)) ٦٩٦٣ (م) في ((البيوع)) ٣٧٩٧ (ق) في ((التجارات)) ٢١٧٣ .
[تنبيه] : قال وليّ الدين رحمه الله تعالى: اتّفق عليه الشيخان، والنسائيّ، وابن
ماجه من طريق مالك، ورواه النسائيّ أيضًا من رواية كثير بن فرقد، كلاهما عن نافع،
وقال ابن عبد البرّ: هكذا رواه جماعة أصحاب مالك، وزاد فيه القعنبيّ: قال: وأحسبه
قال: ((وأن تُتلقّى السّلَعُ حتى يُهُبط بها الأسواق))، ولم يذكر غيره هذه الزيادة. ورواه
يعقوب بن إسماعيل بن محمد، قاضي المدائن، قال: أنا يحيى بن موسى، أنا عبد الله
ابن نافع، حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر: ((أن رسول اللّه وَلّ نهى عن التحبير،
قال: والتحبير أن يمدح الرجل سلعته بما ليس فيها)). قال ابن عبد البرّ: هكذا قال:
التحبير، وفسّره، ولم يتابع على هذا اللفظ، وإنما المعروف ((النجش)). انتهى. ((طرح
التثريب)) ٦/ ٦١ .
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم النجش:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: النجش حرام بالإجماع، والبيع صحيح، والإثم

٢٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
مختص بالناجش، إن لم يعلم به البائع، فإن واطأه على ذلك، أثما جميعا، ولا خيار
للمشترى، إن لم يكن من البائع مواطأة، وكذا إن كانت في الأصح؛ لأنه قصر في
الاغترار، وعن مالك رواية أن البيع باطل، وجعل النهى عنه مقتضيا للفساد. انتهى.
وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): ((باب النجش، ومن قال: لا
يجوز ذلك البيع، وقال ابن أبي أوفى تنمّ: ((الناجش آكل ربًا، خائنٌ))، وهو خِداع
باطلٌ، لا يحلّ. قال النبيّ وَر: ((الخديعة في النار))(١)، و((من عمل عملا ليس عليه
أمرنا، فهو ردّ (٢))). ثم أورد حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما المذكور في
الباب .
قال في ((الفتح)): قوله: ((ومن قال: لا يجوز ذلك البيع)): كأنه يشير إلى ما أخرجه
عبد الرزاق، من طريق عمر بن عبد العزيز، أن عاملا له، باع سبيا، فقال له: لولا أني
كنت أزيد، فأنفقه لكان كاسدا، فقال له عمر: هذا نجش، لا يحل، فبعث مناديا ينادي
أن البيع مردود، وأن البيع لا يحل.
قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في البيع، إذا
وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر، عن طائفة من أهل الحديث، فساد ذلك البيع، وهو
قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة، إذا كان ذلك بمواطاة
البائع، أو صنعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك، ثبوت الخيار، وهو وجه
الشافعية، قياسا على المصراة، والأصح عندهم صحة البيع، مع الإثم، وهو قول
الحنفية .
وقال الرافعي: أطلق الشافعي في المختصر تعصية الناجش، وشرط في تعصية من
باع على بيع أخيه، أن يكون عالما بالنهى، وأجاب الشارحون، بأن النجش خديعة،
وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، وإن لم يعلم هذا الحديث بخصوصه، بخلاف البيع
على بيع أخيه، فقد لا يشترك فيه كل أحد.
واستشكل الرافعي الفرق بأن البيع على بيع أخيه إضرار، والإضرار يشترك في علم
(١) قال في ((الفتح)): رويناه في ((الكامل)) لابن عدي، من حديث قيس بن سعد بن عبادة، قال: لولا
أني سمعت رسول اللّه وَ ل يقول: ((المكر والخديعة في النار))، لكنت من أمكر الناس، وإسناده
لا بأس به، وأخرجه الطبراني في ((الصغير)) من حديث ابن مسعود، والحاكم في ((المستدرك)) من
حديث أنس، وإسحاق بن راهويه في ((مسنده)) من حديث أبي هريرة، وفي إسناد كل منهما
مقال، لكن مجموعهما، يدل على أن للمتن أصلا، وقد رواه ابن المبارك في ((البر والصلة)) عن
عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول اللَّه ◌َار قال، فذكره. انتهى ((فتح)) ٩١/٥.
(٢) متفق عليه .

٢٢٧=
٢١- (النَّخْشُ) - حدیث رقم ٤٥٠٨
تحريمه كل أحد، قال: فالوجه تخصيص المعصية في الموضعين بمن علم التحريم.
انتھی .
وقد حكى البيهقي في ((المعرفة))، و((السنن)) عن الشافعي تخصيص المعصية في
النجش أيضا بمن أعلم النهي، فظهر أن ما قاله الرافعي بحثا منصوص، ولفظ الشافعي:
النجشُ أن يَحضُر الرجلُ السلعةَ، تُباع، فيُعطِي بها الشيءَ، وهو لا يريد شراءها؛
ليقتدي به السُّوّام، فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون، لو لم يسمعوا سومه، فمن نجش
فهو عاص بالنجش، إن كان عالما بالنهي، والبيع جائز لا يفسده معصية رجل نجش
عليه. انتهى.
قال: وقد اتفق أكثر العلماء، على تفسير النجش في الشرع بما تقدم، وقيد ابن عبد
البر، وابن العربي، وابن حزم التحريم، بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل،
قال ابن العربي: فلو أن رجلا رأى سلعة رجل، تباع بدون قيمتها، فزاد فيها؛ لتنتهى
إلى قيمتها، لم يكن ناجشا عاصيا، بل يؤجر على ذلك بنيته، وقد وافقه على ذلك
بعض المتأخرين من الشافعية، وفيه نظر؛ إذ لم تتعين النصيحة في أن يُوهم أنه يريد
الشراء، وليس من غرضه، بل غرضه أن يزيد على من يريد الشراء، أكثرمما يريد أن
يشتري به، فللذى يريد النصيحة مندوحة عن ذلك، بأن يُعلم البائع بأن قيمة سلعتك
أكثر من ذلك، ثم هو باختياره بعد ذلك. ويحتمل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حتى
يسأله؛ لحديث: ((دعو الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض، فإذا استَنْصَحَ أحدكم أخاه،
فلينصحه))، رواه مسلم. والله أعلم. انتهى ((الفتح)) ٩٠/٥ - ٩١.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن القول ببطلان البيع بالنجش كما هو ظاهر
مذهب البخاريّ، وجماعة من أهل الحديث، وأهل الظاهر، هو الأظهر؛ لظاهر النهي؛
إذ هو يقتضي الفساد، إلا لصارف، كما في بيع المصرّاة، وتلقّي الجلب، كما سبق،
ولم يوجد في نهي النجش صارف، فتنبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٠٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَهِ ، يَقُولُ: ((لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَزِيدُ
الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلِ الْمَزَّأَةُ طَلَاقَ الْأُخْرَى، لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا»).
قال الجامعَ عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و((محمد بن يحيى)): هو الذهليّ الحافظ النيسابوريّ. و((شعيب)): هو ابن أبي حمزة

شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
٢٢٨
=
الحمصيّ .
وقوله: ((ولا تناجشوا)) بحذف إحدى التاءين، وأصله: ولا تتناجشوا، وذكره بصيغة
التفاعل؛ لأن التاجر إذا فعل لصاحبه ذلك، كان بصدد أن يفعل له مثله. قاله في
((الفتح)) .
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في ((كتاب النكاح)) ٢٠/
٣٢٤٠ . فما بقي هنا إلا ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وقد سبق في الحديث
الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٤٥٠٩- (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرْ، عَنِ
الزّهرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّ بَِّ، قَالَ: ((لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ
لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَزِيدُ الرَّجُلُ عَلَّى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَّا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا؛
لِتَسْتَكْفِئَ بِهِ مَا فِي صَحْفَتِهَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مزة. و((یزید)): هو ابن زُريع.
وقوله: ((لتستكفى)) السين، والتاء زائدان، أي لتكفىء، وتقلب. وقوله: ((ما في
((صحفتها)) - بفتح الصاد، وسكون الحاء المهملتين -: إناء، كالقَضْعة، والجمع
صِحَاف، مثلُ كلبة وكِلاب، وقال الزمخشريّ: الصَّحْفَة: قصعة مستطيلة. قاله
الفيّوميّ. وهو بمعنى قوله في الرواية السابقة: ((ما في إنائها)»، وهو كناية عن صرف ما
لها عند الزوج من الحظوة، والكرامة عنها إليها.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنيب)).
٢٢- (الْبَيْعُ فِيمَنْ يَزِيدُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن تكون ((في)) بمعنى ((من))، ويحتمل أن
تكون بمعنى اللام. والله تعالى أعلم بالصواب.

٢٢- (البَنْعُ فِیمن یزید) - حديث رقم ٤٥١٠
٢٢٩ =
٤٥١٠- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ،
قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَخْضَرُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ الْحَتَفِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ: ((أَنَّ رَسُولَ
اللّهِ وَ، بَاعَ قَدَحًا، وَحِلْسًا فِيمَنْ يَزِيدُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢.
٢- (المعتمر) بن سليمان بن طرخان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة، من كبار [٩]
١٠ /١٠ .
٣- (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، وهو أخو
إسرائيل، ثقة مأمون [٨] ٨/٨.
٤- (الأخضر بن عجلان) الشيبانيّ البصريّ، صدوقٌ [٤].
قال ابن معين: صالح. وقال مرّة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه.
وقال النسائيّ: ثقة. وقال الأزديّ: ضعيف، لا يصحّ يعني حديثه. وفي ((العلل الكبير))
للترمذيّ: قال البخاريّ: أخضر ثقة. وذكره ابن حبان، وابن شاهين في ((الثقات)).
روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٥- (أبي بكر الحنفيّ) عبد الله البصريّ، لا يعرف حاله [٤].
روى عن أنس هذا الحديث فقط، وعنه الأخضر بن عجلان، رواه الأربعة، وحسّنه
الترمذيّ، وقال البخاريّ: لا يصحّ حديثه. وقال ابن القطان الفاسيّ: عدالته لم تثبت،
فحاله مجهولة .
٦- (أنس بن مالك) الأنصاريّ الخادم رضي الله تعالى عنه ٦/٦ . والله تعالى
أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ، بَاعَ قَدَحًا) -
بفتحتين - : آنية معروفة، والجمع أَقداح، مثلُ سبب وأسباب. قاله الفيوميّ. وفي
((اللسان)): الْقَدّح من الآنية - بالتحريك- واحد الأقداح التي للشرب، معروف، قال أبو
عبيد: يُروي الرجلين، وليس لذلك وقتٌ، وقيل: هو اسمٌ يجمع صغارها، وكبارها،
والجمع: أقداح، ومتّخِذها قَدْاح، وصِناعَتُهُ: القِدَاحة. انتهى. (وَحِلْسًا) - بكسر الحاء
المهملة، وسكون اللام، أو بفتحتين -: قال في ((القاموس)): الْحِلْسُ بالكسر: كساء

شرح سنن النسائي - كِتَابٌ البيوع
٢٣٠
على ظهر البعير، تحت الْبَرْذَعَة، ويُبسَط في البيت تحت حُرِّ الثياب، ويُحَرَّك، جمعه
أَحلاسٌ، وحُلُوسٌ، وحِلَسَةٌ. انتهى. وقال في ((اللسان)): الْحِلْسُ، والْحَلَسُ، مثلُ
شِبْهِ، وشَبَهِ، ومِثْلٍ، ومَثَلٍ: كلُّ شيءٍ وَلِيَ ظهر البعير، والدابة، تحت الرحل، والْقَتَّبِ،
والسَّرْجِ، وهي بمنزلة الْمِرْشَحَة، تكون تحت اللّبْد. وقيل: هو كساء رقيقٌ يكون تحت
الْبَرْذَعَةَ، والجمع أَخْلاس، وحُلُس. قال: وحِلْسُ البيت: ما يُبسط تحت حُرّ المتاع،
من مِسْحٍ ونحوه، والجمع أحلاس. وقال ابن الأعرابيّ: يقال لبساط البيت: الْحِلْسُ،
ولِحُصُرِهِ: الْفُحُول. انتهى.
(فِيمَنْ يَزِيدُ) الظاهر أن في بمعنى ((من)). قاله السنديّ.
وهذا الحديث فيه قصّة، وقد ساقها أبو داود رحمه اللَّه تعالى في ((سننه))، فقال:
١٦٤١- حدثنا عبد الله بن مسلمة، أخبرنا عيسى بن يونس، عن الأخضر بن
عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك، أن رجلا من الأنصار، أتى النبي وَل
يسأله، فقال: ((أما في بيتك شيء؟))، قال: بلى، حِلْسٌ نلبس بعضه، ونبسط بعضه،
وقَعْبٌ(١)، نشرب فيه من الماء، قال: ((ائتني بهما))، قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول
اللّهِ وَل بيده، وقال: ((من يشتري هذين؟))، قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: ((من
يزيد على درهم؟)) مرتين، أو ثلاثا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه،
وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال: ((اشتر بأحدهما طعاما، فانبذه إلى
أهلك، واشتر بالآخر قَدُّوما، فأتني به))، فأتاه به، فَشَدَّ فيه رسول اللَّه ◌َّ عُودا بيده،
ثم قال له: ((اذهب، فاحتطب، وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما))، فذهب الرجل
يحتطب، ويبيع، فجاء، وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا، وببعضها
طعاما، فقال رسول اللَّه وَلّر: ((هذا خير لك، من أن تجيء المسألة، نكتة في وجهك،
يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح، إلا لثلاثة: لذي فَقْر مُذْقِع (٢)، أو لذي غُزم
مُفْظِع(٣)، أو لذي دم مُوجِع))(٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) بفتح، فسكون: القَدَح من خشب.
(٢) بضم الميم، وسكون الدال: أي شديد يفضي إلى الدقعاء: أي التراب.
(٣) بضم الغين، وسكون الراء: أي دين و((مفظع)) اسم فاعل من أفظع الأمر: اشتدّ.
(٤) اسم فاعل من أوجع، والمراد أن يحمل دينا في حقن الدماء، وإصلاح ذات البين.

٢٣١
٢٢- (البَنْعُ فِیمَنْ يَزيد) - حديث رقم ٤٥١٠
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حديث أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه هذا ضعيف؛ لجهالة أبي بكر
الحنفىّ .
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٥١٠/٢٢- وفي ((الكبرى)) ٦٠٩٩/٢١. وأخرجه (د) في ((الزكاة))
١٦٤١ (ت) في ((البيوع)) ١٢١٨ (ق) في ((التجارات)) ٢١٩٨ (أحمد) في ((باقي مسند
المكثرين)» ١١٥٥٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): أنّ المصنف رحمه الله تعالى استدل به على جواز البيع لمن يزيد، وأنه لا
يكون من باب بيع على بيع أخيه؛ لكن الحديث ضعيف، كما مرّ آنفًا، إلا أن ابن قُدامة
رحمه اللَّه تعالى ذكر في ((المغني)) ٣٠٧/٦ أنه إجماع المسلمين، يبيعون في أسواقهم
بالمزايدة. انتهى، فإن صحّ هذا الإجماع، فهو الحجة في المسألة، فافهم. والله تعالى
أعلم.
(ومنها): ما قاله الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى: يُستدلّ به على بيع الحاكم على
المعسر، ولكن لم يُنقل هنا أنه كان عليه دينٌ، حتى يبيع الحاكم عليه، وقد يقال: كانت
نفقة أهله واجبة عليه، فهي كالدين، وأراد الاكتساب بالسؤال، فكره له النبيّ وَل
السؤال، مع القدرة علی الکسب، فباع علیه بعض ما يملكه، واشترى له به آلة يكتسب
بها، وقد يقال: هذا تصرّفٌ في ماله برضاه، مع أن النبيّ وَّه يجوز له التصرّف في أموال
أمّته بما شاء، فتصرّف له على وجه المصلحة. والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا كلّه مبنيّ على صحة الحديث، وقد عرفت ما
فيه. فتأمّل. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): أخرج الدارقطنيّ رحمه الله تعالى في ((سننه)) من رواية عبد الله بن
لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: ((نهى رسول
اللَّه وَلّ عن بيع المزايدة، ولا يبع أحدكم على بيع أخيه، إلا الغنائم، والمواريث)»،
ومن رواية عمر بن مالك، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن زيد بن أسلم، قال: سمعت
رجلًا، يقال له: شهر، كان تاجرًا، وهو يسأل عبد الله بن عمر، عن بيع المزايدة؟
فقال: ((نهى رسول اللَّه ◌َ ل أن يبيع أحدكم على بيع أحد، حتى يذر، إلا الغنائم،
والمواريث))، ومن طريق الواقديّ، عن أسامة بن زيد الليثيّ، عن عبيد الله بن أبي

٢٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
جعفر به مثله .
قال وليّ الدين: عبد الله بن لهيعة ضعيف عند الأكثر، وعمر بن مالك هو
الشرعبيّ، موثّق، وأخرج له مسلم، والواقديّ ضعيف عند المحدّثين، وأسامة بن زيد
مختلف فيه، فالإسناد الثاني من أسانيد الدارقطنيّ هذه لا بأس به(١).
قال: تقدّم الكلام على البيع على بيع أخيه، وفي رواية الدارقطنيّ استثناء الغنائم،
والمواريث، ومقتضاها جواز البيع على البيع فيهما خاصّة. وحكى الترمذيّ في
((جامعه)) عن أهل العلم أنهم لم يروا بأسًا ببيع من يزيد في الغنائم، والمواريث. وقال
القاضي أبو بكر ابن العربيّ: الباب واحد، والمعنى مشترك، لا يختصّ به غنيمة، ولا
ميراث. وقال العراقيّ: في ((شرح الترمذيّ)): وإنما قيّد ذلك بالغنيمة، والميراث، تبعًا
للحديث الوارد في ذلك، فأورد هذا الحديث، ثم قال: والظاهر أن الحديث خرج على
الغالب، وعلى ما كانوا يعتادون البيع فيه مزايدة، وهي الغنائم، والمواريث، فإن وقع
البيع في غيرهما مزايدة، فالمعنى واحد، كما قال ابن العربيّ.
قال وليّ الدين: وقد يكون الميراث لواحد، أو لجماعة، ويتفقون على بيعه لشخص
بثمن معيّن، من غير طلب زيادة، فلا تجوز الزيادة حينئذ، وكذلك في الغنيمة، فظهر أن
هذا الاستثناء لا يصحّ التمسّك به في جميع الصور، لا عكسًا، ولا طرادًا، وإنما خرج
على الغالب. والله أعلم. انتهى. ((طرح التثريب)) ١٠٧/٦. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
٢٣- (بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ)
١ ٤٥١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْتِى بْنِ حَبَّانَ، وَأَبِي
الزْنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ: ((نَّى عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ)).
(١) وفي ((الطرح)): ((لا يأمن به)). والظاهر أنه تصحيف.

٢٣ - (بَيْعُ الْمُلَمَسَةِ) - حديث رقم ٤٥١١
٢٣٣ =
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (محمد بن سلمة) المرادي الجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/
٢٠ .
٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩.
٣- (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ الفقيه، ثقة، من كبار [١٠]٢٠/١٩.
٤- (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٧ / ٧ .
٥- (محمد بن يحيى بن حَبّان) الأنصاريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٤] ٢٣/٢٢ .
٦- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدنيّ الفقيه، ثقة [٥] ١٨/١٧.
٧- (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ١٨/١٧.
٨- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل
بثقات المدنيين من مالك، ومن قبله مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن
تابعيّ، وفيه أبو هريرة أكثر من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ: ((نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ)
مفاعلة، مصدر لامس، ولا يكون إلا بين اثنين، وأصلها من لمس الشيء باليد،
وسيأتي تفسيره في الباب التالي، إن شاء الله تعالى، والمراد أن يُجعل العقد لمس
المبيع، ويكون ذلك قاطعًا للخيار عند البيع، أو قاطعا للخيار بعد البيع، أو قاطعًا لكلّ
خيار، أقوال (وَالْمُنَابَذَةِ) مفاعلة، فهو مصدر نابذ، من النبذ، وهو الرمي، وسيأتي
تفسيره بعد بابين، والمراد أن يُجعل العقد نبذ المبيع، كسابقه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ◌َّه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٣/ ٤٥١٠ و٤٥١٥/٢٦ ٤٥١٩- وفي («الكبرى» ٦١٠٠/٢٢ و٢٥/

٢٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
٦١٠٥ و٦١٠٨. وأخرجه (خ) في ((الصلاة)) ٢٦٨٥ و((البيوع)) ٢١٤٥ و٢١٤٦
و((اللباس)) ٥٨٢١ (م) في ((البيوع)) ١٥١١ (ت) في ((البيوع)) ١٣١٠ (ق) في ((التجارات))
٢١٦٩ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٢٧٦١٩ و٢٧٢٤٥ و٩٨١٣ و٩٨٦٨
و١٠٠٦٤ (الموطأ) في ((البيوع)) ١٣٧١.
(المسألة الثالثة): فى فوائده :
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم بيع الملامسة، لما
فيها من الغرر. (ومنها): تحريم بيع المنابذة؛ لما ذُكر. (ومنها): حرص الشارع على
إبعاد ما يكون سببًا للمنافرة، والمشاحنة، من التعامل التي كانت بين الناس، في أيام
الجاهلية، ومنها بيع الملامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، وكلّ بيع يؤدّي إلى الغرر،
حتى لا يكون بين المسلمين ما كان في أهل الجاهلية، من التدابر، والتقاطع،
والتخاذل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٤- (تَفْسِيرُ ذَلِكَ)
٤٥١٢- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدْثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ،
قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي
وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ: ((نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ، لَمْسِ الثَّوْبِ،
لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ، إِلَى الرَّجُلِ بِالْبَيْعِ، قَبْلَ أَنْ يُقَلْبَّهُ،
أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ»).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ) الجوزجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ رمي
بالنصب [١١] ١٧٤/١٢٢.
٢- (عبد الله بن يوسف) التّيسيّ، أبو محمد الكلاعيّ، دمشقيّ الأصل، ثقة متقن،
من أثبت الناس في ((الموطإ))، من كبار [١٠] ١٧/ ١٥٤٠.
٣- (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الحجة الثبت [٧] ٣٥/٣١.

٢٣٥
٢٤ - (تَفْسِيرُ ذَلَكَ) - حديث رقم ٤٥١٢
٤- (عُقيل) -بالضم-بن خالد بن عقيل -بالفتح- الأمويّ مولاهم، أبو خالد
الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقة ثبت [٦] ١٨٧/١٢٥.
٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١.
٦- (عامر بن سعد بن أبي وقّاص) الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٦٧٩/٣٨ .
٧- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابيّ رضي الله
تعالى عنهما ١٦٩ / ٢٦٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل
بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريون، غير شيخه، فدمشقيّ. (ومنها): أن فيه
رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) سعد بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلّى:
(نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ، لَمْسِ الثَّوْبِ) بالجرّ بدل مما قبله، أو بالرفع خبر لمحذوف: أي
هو لمس الثوب، ويؤيّد هذا قوله الآتي: ((وهو طرح الرجل))، ويحتمل النصب على أنه
مفعول لفعل مقدّر: أي يعني (لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ) يعني أنه لا يرى باطن الثوب بعينيه، حتى
يعلم ما فيه من العيب، وإنما يكون تمام العقد بمجرّد لمسه بيده (وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهِيَ
طَرْخُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ، إِلَى الرَّجُلِ بِالْبَيْعِ) أي بسبب بيعه له (قَبْلَ أَنْ يُقَلْبَهُ) يحتمل أن يكون
بفتح أوله، وتخفيف اللام، من القلب، من باب ضرب، ويحتمل أن يكون بتشديد
اللام، من التقليب (أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ) الظاهر أن ((أو)» للشك من الراوي. وفي حديث أبي
هريرة ◌َّهِ الآتي بعد باب: من رواية ابن المسيّب، عنه: ((وَالْمُلَامَسَةُ أَنْ يَتَبَايَعَ
الرَّجُلَانِ بِالثَّوْبَيْنِ، تَحَتَ اللَّيْلِ، يَلْمِسُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِيَدِهِ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ
يَنِْذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ الثَّوْبَ، وَيَنْبِذَ الْآخَرُ إِلَيْهِ الثَّوْبَ، فَيَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ)).
وفي رواية حفص بن عاصم، عنه: (( وزعم أَنّ الملامسة أن يقول الرجل للرجل:
أبيعك ثوبي بثوبك، ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر، ولكن يَلْمُسُه لمسا،
والمنابذة أن يقول: أَنْبِذُ ما معي، وتَنِذُ ما معك، ليشتري كل واحد منهما من الآخر،
ولا يَدرِي كل واحد منهما، كم مع الآخر؟، ونحو من هذا الوصف.

٢٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا التفسير الذي في حديث أبي هريرة وتظنّه ، أقعد
بلفظ الملامسة والمنابذة؛ لأنها مفاعلة، فتستدعي وجود الفعل من الجانبين.
واختلف العلماء في تفسير الملامسة، على ثلاث صور: وهي أوجه للشافعية،
[أصحها] : أن يأتي بثوب مَطْوِيّ، أو في ظلمة، فيَلمِسَهُ المستام، فيقول له صاحب
الثوب: بعتكه بكذا، بشرط أن يقوم لَمْسُك مقام نظرك، ولا خيار لك، إذا رأيته، وهذا
موافق للتفسيرين اللذين في الحديث. [الثاني] : أن يجعلا نفس اللمس بيعا، بغير
صيغة زائدة. [الثالث] : أن يجعلا اللمس شرطا في قطع خيار المجلس وغيره، والبيعُ
على التأويلات كلها باطل، ومأخذ الأول عدم شرط رؤية المبيع، واشتراط نفي الخيار،
ومأخذ الثاني اشتراط نفى الصيغة، في عقد البيع، فيؤخذ منه بطلان بيع المعاطاة
مطلقا، لكن من أجاز المعاطاة قيدها بالمحقرات، أو بما جرت فيه العادة بالمعاطاة،
وأما الملامسة، والمنابذة عند من يستعملهما، فلا يخصهما بذلك، فعلى هذا يجتمع
بيع المعاطاة مع الملامسة والمنابذة، في بيع صور المعاطاة، فلمن يجيز بيع المعاطاة أن
يخص النهي في بعض صور الملامسة والمنابذة، عما جرت العادة فيه بالمعاطاة، وعلى
هذا يُحمل قول الرافعي: إن الأئمة أجروا في بيع الملامسة والمنابذة الخلاف الذي في
المعاطاة. والله أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم في أوائل البيوع أن اشتراط الصيغة في
العقد، قول لا يؤيّده دليلٌ، فلا يُلتفت إليه، ثم إن تفسير الملامسة بهذا التفسير الثاني
غير صحيح؛ لأنه بعيد عن التفسير المذكور في الحديث، فتنبه. والله تعالى أعلم.
قال: ومأخذ الثالث شرط نفي خيار المجلس، وهذه الأقوال، هي التي اقتصر عليها
الفقهاء، ويخرج مما ذكرناه من طريق الحديث زيادة على ذلك.
وأما المنابذة، فاختلفوا فيها أيضا على ثلاثة أقوال، وهي أوجه للشافعية:
[أصحها]: أن يجعلا نفس النبذ بيعا، كما تقدم في الملامسة، وهو الموافق للتفسير في
الحديث المذكور. [والثاني] : أن يجعلا النبذ بيعا بغير صيغة.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد عرفت ما فيه فيما ذكرته آنفًا.
[والثالث] : أن يجعلا النبذ قاطعا للخيار، واختلفوا في تفسير النبذ، فقيل: هو طرح
الثوب، كما وقع تفسيره في الحديث المذكور. وقيل: هو نبذ الحصاة، والصحيح أنه
غيره، وقد روى مسلم النهي عن بيع الحصاة، من حديث أبي هريرة.
قال الجامع: وسيأتي للمصنّف بعد بابين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٢٣٧
٢٤- (تَفْسِيرُ ذلَكَ) - حديث رقم ٤٥١٢
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ رَّ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢٤٥١٢/٢٤ و٤٥١٣/٢٥ و٤٥١٤ و٤٥١٦/٢٦ و٤٥١٧- وفي
((الكبرى)) ٦١٠١/٢٣ و٦١٠٢/٢٤ و٦١٠٥/٦١٠٣٢٥ و٦١٠٦ . وأخرجه (خ) في
((الصلاة)) ٣٦٧ و((الصوم)) ١٩٩٢ و((البيوع)) ٢١٤٤ و٢١٤٧ و((اللباس)) ٥٨٢٠ و٥٨٢٢
و((الاستئذان)) ٦٢٨٤ (م) في ((البيوع)) ١٥١٢ (د) في ((البيوع)) ٣٣٧٧ (ق) في
(التجارات)) ٢١٧٠ و((اللباس)) ٢٥٥٩ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٦٣٩
و ١٠٧١٠ و١١٠٢٩ و١١٢٣٧ و١١٤٨٩ و٢٤٤٩ .
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تفسير الملامسة. (ومنها):
ما قيل: أنه يُستدلّ بقوله: ((لمس الثوب، لا ينظر إليه)) على بطلان بيع الغائب، وهو
قول الشافعي في الجديد، وعن أبي حنيفة يصح مطلقا، ويثبت الخيار إذا رآه، وحُكي
عن مالك، والشافعي أيضا، وعن مالك يصح إن وصفه، وإلا فلا، وهو قول الشافعي
في القديم، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأهل الظاهر، واختاره البغوي، والرويانى
من الشافعية، وإن اختلفوا في تفاصيله، ويؤيده قوله، في رواية أبي عوانة، التي
قدمتها، لا ينظرون إليها، ولا يخبرون عنها، وفي الاستدلال لذلك وفاقا، وخلافا
طول. قاله في ((الفتح)) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاستدلال بهذا الحديث على بطلان بيع الغائب فيه
نظر لا يخفى، فإن الغائب يعلم بالوصف، فإن لم يتفق مع الوصف يكون له الخيار،
بخلاف الملامسة، فإنه لا يُخبره بما فيه، ولا يأذن له أن ينظر بنفسه، قال الإمام ابن
دقيق العيد رحمه الله تعالى في ((شرح العمدة))، لَمّا ذكر الاستدلال به على بطلان بيع
الغائب: ومن يشترط الوصف في بيع الأعيان الغائبة لا يكون الحديث دليلًا عليه؛ لأنه
لم يذكر وصفًا.
وذكر أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى أن الشافعيّة استدلّوا على منع الغائب بنهيه
وَّل عن بيع الغرر، وعن الملامسة، والمنابذة، قال: ولا حجة لهم فيه؛ لأن بيع الغائب
إذا وُصف عن رؤية، وخبرة، ومعرفة، قد صحّ ملكه لَمّا اشترى، فأين الغرر؟ قال:
ومما يبطله أنه لم يزل المسلمون يتبايعون الضياع بالصفة، وهي في البلاد البعيدة، وقد

٢٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
باع عثمان ابنّ عمر ، مالًا لعثمان بخيبر بمال لابن عمر بوادي القرى. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن حزم رحمه الله تعالى من صحة
بيع الغائب بالوصف هو الحقّ، وقد تعقّب وليّ الدين كلام ابن حزم هذا، بما هو دفاع
بَحْتٌ عن مذهبه، تركت ذكره لكونه خَلْفًا، فتبصّر بالدليل السديد، ولا تكن أسير
التقليد. والله تعالى أعلم.
(ومنها): ما قيل: أيضًا إنه يُستَدلّ به على بطلان بيع الأعمى مطلقا، وهو قول معظم
الشافعية، حتى من أجاز منهم بيع الغائب؛ لكون الأعمى لا يراه بعد ذلك، فيكون كبيع
الغائب، مع اشتراط نفي الخيار. وقيل: يصح إذا وصفه له غيره، وبه قال مالك،
وأحمد، وعن أبي حنيفة يصح مطلقا، على تفاصيل عندهم أيضا. قاله في ((الفتح))
أيضًا .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما ذهب إليه مالك، وأحمد، وأبو
حنيفة، من جواز بيع الأعمى، وشرائه، إذا وُصف المتاعِ له، لأن حكمه في المعاملات
كحكم غيره ممن يُبصر، دون فرق، وليس نصّ، ولا إجماع يميّزه عنهم، فتنبه. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(تنبيهان): [الأول]: قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقع عند ابن ماجه أن التفسير
من قول سفيان بن عيينة، وهو خطأ من قائله، بل الظاهر أنه قول الصحابي، كما هو
ظاهر السياق، ولا سيّما حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َناشي.
[الثاني]: حديث أبي سعيد تَّه ، اختلُف فيه على الزهري، فرواه معمر،
وسفيان، وابن أبي حفصة، وعبد الله بن بُديل، وغيرهم، عنه، عن عطاء بن يزيد، عن
أبي سعيد، ورواه عقيل، ويونس، وصالح بن كيسان، وابن جريج، عن الزهري، عن
عامر بن سعد، عن أبي سعيد، وروى ابن جريج بعضه، عن الزهري، عن عبيد الله بن
عبد الله، عن أبي سعيد، وهو محمول عند البخاري، على أنها كلها عند الزهري،
واقتصر مسلم على طريق عامر بن سعد وحده، وأعرض عما سواها.
وقد خالفهم كلهم الزُّبيدي، فرواه عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة.
وخالفهم أيضا جعفر بن بُرقان، فرواه عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وزاد في
آخره: ((وهي بيوع، كانوا يتبايعون بها في الجاهلية)»، أخرجها النسائي، وخطّأ رواية
جعفر. قاله في ((الفتح)) ٩٦/٥ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تخطئة النسائيّ لرواية جعفر مذكورة في ((الكبرى))،
وسأبينها عند شرح روايته الآتية بعد باب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم

٢٣٩ =
٢٦- (تَفْسِيرُ ذَلَكَ) - حديث رقم ٤٥١٥
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
٢٥- (بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ)
٤٥١٣- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا
أَسْمَعُ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُذَرِيِّ، قَالَ: ((نَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ عَنِ الْمُلَامَّسَةِ، وَالْمُتَابَذَةِ فِي الْبَيْع)»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة، وهم مصريّون إلى يونس، والباقون مدنيون.
والحديث متّفقٌ عليه، وهو طريق آخر لحديث أبي سعيد رَّه المذكور في الباب
الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٤٥١٤- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: نََّى رَسُولُ اللَّهِ وَّه عَنْ بَيْعَتَيْنِ: عَنِ
الْمُلَامَسَةِ، وَالْمَّنَابَذَةِ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. والحديث طريق ثالث لحديث أبي سعيد تعظمفيه،
وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦- (تَفْسِيرُ ذَلِكَ)
٤٥١٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى بْنِ بْلُولٍ، عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ،
عَنِ الزُّهْرِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: نَّهِىَ رَسُولُ اللَّهِ

٢٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
وَ، عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْمُلَامَسَةُ أَنْ يَتَبَايَعَ الرَّجُلَانِ بِالثَّوْبَيْنِ، تَحْتَ اللَّيْلِ،
يَلْمِسُ كُلُّ رَجُلِ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِهِ بِيَدِهِ، وَالْمُتَابَذَةُ أَنْ يَتْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ الثَّوْبَ،
وَيَنْبِذَ الْآخَرُ إِلَيْهِ الثَّوْبَ، فَيَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير شيخه، وهو حمصيّ صدوق، له أوهام، وكان يدلّس [١٠] ٣٦٣/٣.
و((محمد بن حرب)): هو الأبرش الحمصيّ. و((الزبيديّ)): هو محمد بن الوليد
الحمصيّ. و((سعيد)): هو المسيّب.
وقوله: ((أن يتبايع الرجلان بالثوبين)) الظاهر أن الباء زائدة. وقوله: ((تحت الليل)) أي
تحت ظلام الليل، وليس كونه ليلًا شرطًا، ففي حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َّه عند
مسلم: ((والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل، أو بالنهار، ولا يقلبه إلا
بذلك)» الحدیث.
وقوله: (يلمس)) بضمّ الميم، وكسرها من بابي نصر، وضرب. والحديث متّفقٌ
عليه، كما سبق قبل بابين. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله تعالى: حديث أبي هريرة تَظُنّه ، أخرجه البخاري
عنه من طُرُق، ثالثها طريق حفص بن عاصم، عنه، -يعني الآتي للنسائي في هذا الباب
٤٥١٩-وهو في ((مواقيت الصلاة))، ولم يذكر في شيء من طرقه عنه، تفسير المنابذة
والملامسة، وقد وقع تفسيرهما في رواية مسلم، والنسائي، وظاهر الطرق كلها، أن
التفسير من الحديث المرفوع، لكن وقع في رواية النسائي -يعني رواية حفص الآتية- ما
يُشعر بأنه من كلام مَن دون النبي وَّر، ولفظه: ((وزعم أن الملامسة أن يقول الخ))،
فالأقرب أن يكون ذلك من كلام الصحابي؛ لبعد أن يُعَبّر الصحابي عن النبي ◌ََّ، بلفظ
((زعم))، ولوقوع التفسير في حديث أبي سعيد الخدري. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥١٦- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ
صَالِحِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ،
قَالَ: (نََّى رَسُولُ اللَّهِ وََّ، عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُلَامَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ، لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَنِ
الْمُنَابَذَةِ، وَالْمُنَابَذَةُ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ إِلَى الرَّجُلِ، قَبْلَ أَنْ يُقَلِبَهُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه،
أبي داود، سليمان بن سيف، وهو حرّانيّ، ثقة. و((أبو يعقوب)): هو إبراهيم بن سعد بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ. و((صالح)): هو ابن كيسان المدنيّ.