النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ == ١٣ - (الْمُحَفلة) - حديث رقم ٤٤٨٨ بالتثقيل: إذا تركتَ حلبها حتى اجتمع اللبن في ضرعها، فهي مُحفّلة، وكان الأصل: حفّلتُ لبن الشاة؛ لأنه هو المجموع، فهي مُحفّل لبنها. قاله الفيّوميّ. وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى: المحفّلة: الشاة، أو البقرة، أو الناقة، لا يَحلُبها صاحبها أيامًا، حتى يجتمع لبنها في ضرعها، فإذا احتلبها المشتري حسبها غزيرة، فزاد في ثمنها، ثم يظهر له بعد ذلك نقص لبنها عن أيام تحفيلها، سُمّيت مُحفّلة؛ لأن اللبن حُفّل في ضرعها: أي جمع. انتهى ((النهاية) ١ / ٤٠٨-٤٠٩. والظاهر أن المصنّف رحمه اللَّه تعالى يرى أن المحفّلة أعمّ من المصرّاة، حيث فسر المصرّاة في الباب التالي بأنها التي رُبط ضرعها حتى يجتمع لبنها، فكلّ مصرّاة محفّلة، ولا عكس، ولكن المشهور أنهما بمعنى واحد، قال في («اللسان»: المحفّلة، والمصرّاة واحدة، وسُمّيت محفّلة؛ لأن اللبن حُفّل في ضرعها: أي جُمع، والتحفيل مثلُ التصرية، وهو أن لا تُحلب الشاة أيامًا ليجتمع اللبن في ضرعها للبيع، والشاة مُحفّلة، ومصرّاة، وأنشد الأزهريّ للْقَطَّاميّ، يذكر إيلا اشتدّ عليها حَفْلُ اللبن في ضروعها حتى آذاها [من الطويل]: ذَوَارِفُ عَيْنَيْهَا مِنَ الْحَفْلِ بِالضُّحَى سُجُومٌ كَتَضَّاحِ الشِّئَانِ الْمُشَرَّبِ وسيأتي معنى التصرية مستوفّى في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب . ٤٤٨٨- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَذَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((إِذَا بَاعَ أَحَدُكُمُ الشَّاءَ، أَوِ اللَّقْحَةَ، فَلَا يُحَفِّلْهَا))). رجال هذا الإسناد : ستة : ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثم النيسابوريّ، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢ . ٢- (عبد الرزاق) بن همام، أبو بكر الصنعاني، ثقة مصنف مشهور، عمي بآخره، فتغير، وكان يتشيع [٩] ٦١ / ٧٧. ٣- (معمر) بن راشد، أبو عروة اليمنيّ، بصري الأصل، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٤- (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلس، ويرسل [٥] ٢٤/٢٣. ٥- (أبو كثير السُّحَيميّ) - بمهملتين، مصغّرًا- الْغُبَريّ - بضم المعجمة، وفتح الموحدة- اليماميّ الأعمى، قيل: هو يزيد بن عبد الرحمن الضرير، وقيل: عبد الله بن ١٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ أُذَينة، أو ابن غُفَيلة - بمعجمة، وفاء، مصغّرًا- قال أبو عوانة الإسفراينيّ: إنه أصحَ من أُذينة، ثقة [٣]. روى عن أبيه، وأبي هريرة، وعنه ابنه زُفر، ويحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار، وغيرهم. قال أبو حاتم، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وفرّق بين يزيد بن أذينة، وبين يزيد بن غُفيلة الشاميّ. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والباقون، أخرج له المصنّف في أربعة مواضع من هذا الكتاب: هذا، وفي ((كتاب الأشربة)) ١٧/ ٥٥٧٢ حديث أبي هريرة ◌َنّ: ((نهى رسول اللّه ◌َالله أن يُخلط البسر)) الحديث، و٥٥٧٤/١٩- حديثه: ((الخمر من هاتين ((الحديث، و٥٥٧٥- حديثه: ((الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة)). ٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َظاليه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَحْتَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ) السُّحيميّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِذَا بَاعَ) أي إذا أراد أن يبيع (أَحَدُكُمُ الشّاةَ، أَوِ اللَّقْحَةَ) بفتح اللام، وكسرها، وسكون القاف: الناقة القريبة العهد بالنتاج، وفي ((الصحاح)): اللّفْحَة، كالْقِرْبة، والجمع لِقَّح، كقِرَب. وقال الفيّوميّ: اللقحة بالكسر: الناقة ذات لبن، والفتح لغةٌ، والجمع لِقَحْ، مثل سدرةٍ، وسِدَر، أو مثلُ قَصْعَة، وقِصَع، واللقوح بفتح اللام، مثل اللقحة، والجمع لِقَّاح، مثل قَّلُوص وقِلَاص. وقالَ ثعلب: اللقاح جمع لِقْحَة، وإن شئت لَّقُوحٌ، وهي التي نُتِجت، فهي لَّقُوحُ شهرين، أو ثلاثة، ثم هي لَبُونٌ بعد ذلك. انتهى (فَلَا يُحَفِّلْهَا) بضم أوله، وتشديد الفاء، من التحفيل: أي فلا يحبس لبنها في الضرع؛ ليخدع بها المشتري. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا٤٤٨٨/١٣ - وفي («الكبرى» ١٢/ ٦٠٧٨ . وأخرجه (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٧٦٤٢. والمسائل المتعلّقة به ستأتي في الباب ١٤ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرََّةِ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٤٨٩ ١٦٣ التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٤ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرَّاةِ، وَهُوَ أَنْ يُرْبَطَ أَخْلَافَ النَّاقَةِ، أَوِ الشَّاةِ، وَتُتْرَكَ مِنَ الْحَلْبِ، يَوْمَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ، حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهَا لَبَنْ، فَيَزِيدَ مُشْتَرِيهَا فِي قِيمَتِهَا؛ لِمَا يَرَى مِنْ کَثْرَةٍ لَبَنِهَا) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((النهي عن المصرّاة))- بصيغة اسم المفعول، وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى أنه أراد به التصرية، فيكون مصدرًا ميميّا ((صَرَّى))، وليس اسم مفعول صفة للشاة، أو نحوها، وذلك لأنه فسّره بقوله: ((وهو أن يربط الخ)»، فلو أراد كونه اسم مفعول لقال: وهي الشاة، أو الناقة المربوطة أخلافها، وأيضًا فإن الإخبار به عن قوله: ((النهي)) لا يصلح؛ لأن اسم الذات لا يكون خبرًا عن اسم المعنى، إلا بتأويل، كأن يقال هنا: ((النهي عن بيع المصرّاة، أو نحو ذلك، وهو لا يتناسب مع تفسير المصنّف. ولفظ ((الكبرى)): ((النهي عن التصرية))، وهو واضح، وتذكير الضمير في قوله: ((وهو أن يربط باعتبار الخبر. وقوله: ((أن يربط)) بالبناء للمفعول، و((أخلاف الناقة)) نائب فاعله، و((الأخلاف)) - بفتح الهمزة: جمع خِلْف، بكسر، فسكون، مثل حِمْل وأَحْمَال، وهو لذوات الخفّ كالثدي للإنسان، وقيل: الخِلْف: طرف الضرع. وقوله: ((أن تُترك)) بالبناء للمفعول أيضًا. وقوله: ((يومين، والثلاثة)) بالنصب على الظرفيّة، متعلّق بـ((تترك)). وقوله: ((لما يرى)) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير المشتري، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والأول أولى. ثم إن تفسير المصنف رحمه الله تعالى للمصرّاة بربط الأخلاف هو التفسير المنقول عن الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى، قال الخطابيّ رحمه اللّه تعالى: اختلف أهل العلم، واللغة في تفسير المصرّاة، ومن أين أُخذت، واشتُقْت؟، فقال الشافعىّ رحمه ١٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ الله تعالى: التصرية: أن تربط أخلاف الناقة، أو الشاة، ويُترك حلبها اليومين، والثلاثة، حتى يجتمع لها لبن، فيراه مشتريها كثيرًا، ويزيد في ثمنها؛ لما يرى من كثرة لبنها، فإذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبةً، أو اثنتين عَرَف أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غرور للمشتري. وقال أبو عبيد: ((المصرّاة»: الناقة، أو الشاة التي قد صُرّي اللبن في ضرعها: يعني حُقِن فيه، وجمع أيامًا، فلم يُحلب، وأصل التصرية: حبس الماء، وجمعه، يقال منه: صَرَيتُ الماءَ، ويقال: إنما سُمّيت المُصَرَّاة، كأنها مياه اجتمعت، قال أبو عبيد: ولو كان من الربط، لكانت مصرورةً، أو مصرّرة. قال الخطّابيّ: كأنه يريد به ردا على الشافعيّ، قال: قول أبي عبيد حسنّ، وقول الشافعي صحيح، قال: والعرب تصُرّ ضروع الحلوبات، إذا أرسلتها تَسرح، ويسمّون ذلك الرباط صِرَارًا، فإذا راحت حُلّت تلك الأصرّة، وحُلبت، وهذا حديث أبي سعيد الخدريّ تَّه: أن رسول الله وَر قال: ((لا يحلّ لرجل يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يحُلّ صِرَارَ ناقة بغير إذن صاحبها، فإنه خاتم أهلها عليها))(١)، ومن هذا قول عنترة: العبد لا يُحسن الكرّ، إنما يُحسن الحلب والصرّ، وبقول مالك بن نُويرة، وكان بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجهوها إلى أبي بكر تَّه ، فمنعهم من ذلك، وردّ على كلّ رجل منهم صدقته، وقال: أنا جنة لكم مما تكرهون، وقال [من الطويل]: وَقُلْتُ خُذُوهَا هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ مُصَرَّرَةً أَخَلَافُهَا لَمْ تُجرَّدِ سَأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَجِدُونَهُ وَأَزْهَنُكُمْ يَوْمًا بِمَا قُلْتُهُ يَدِي قال: ويحتمل أن تكون المصرّاة أصله المصرورة، أبدلت إحدى الراءين ياءً، كقولهم: تقضّى الباز، وأصله تقضّضَ، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، فأبدلوا حرفًا منها بحرف آخر، ليس من جنسها. قال العجاج [من مشطور الرجز]: تَقَضْيَ الْبَازِي إِذَا الْبَازِ كَسَرْ ومن هذا الباب قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنِهَا﴾ [الشمس: ١٠] : أي أخملها بمنع الخير، وأصله من دسسها، ومثل هذا في الكلام كثير. انتهى كلام الخطابيّ ((معالم السنن)) ٨٤/٥-٨٦ . وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى: ((المصرّاة)): الناقة، أو البقرة، أو الشاة، يُصَرَّى اللبن في ضرعها: أي يُجمع، ويُحبس. قال الأزهريّ: ذكر الشافعيّ تَّه المصرّاة، وفسّرها أنها التي تُصرّ أخلافها، ولا تُحلب أيامًا، حتى يجتمع اللبن في ضرعها، فإذا حلبها المشتري استغزرها. وقال الأزهريّ: جائز أن تكون سُمّيت مصرّاة من صرّ (١) في سنده شريك القاضي، وهو متكلم فيه، لكن له شاهد من حديث ابن عمر أخرجه أحمد في مسنده)) برقم ٤٤٧١ ومسلم في (صحيحه)). ١٤ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرَّةِ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٤٨٩ = ١٦٥ أخلافها، كما ذكر، إلا أنهم لما اجتمع لهم في الكلمة ثلاث راآت قُلبت أحداها ياء، كما قالوا: تظنّيت في تظنّت، ومثله تقضى البازي في تقضّض، وتَصَدَّى في تصدّد، وكثير من أمثال ذلك، أبدلوا من أحد الأحرف المكرّرة ياء، كراهية لاجتماع الأمثال، قال: وجائز أن تكون سُمّيت مصرّاة من الصَّزيٍ، وهو الجمع، كما سبق، وإليه ذهب الأكثر. انتهى ((النهاية)) ٢٧/٣. وقال ابن قدامة في ((المغني)) ٢١٥/٦ -: التصرية: جمع اللبن في الضرع، يقال: صَرَّى الشاة، وصَرَى اللبن في ضرع الشاة، بالتشديد، والتخفيف، ويقال: صَرَى الماءَ في الحوض، وصَرَى الطعامَ في فيه، وصَرَى الماءَ في ظهره: إذا ترك الجماع، وأنشده أبو عبيد [من الرجز]: رَأَتْ غُلَامَا قَدْ صَرَى فِي فِقْرَتِهِ مَاءَ الشَّبَابِ عُنْفُوَانَ شِرَّتِةْ وماء صَرىّ، وصَرٍ: إذا طال استنقاعه. قال البخاري: أصل التصرية: حبس الماء، يقال: صَرَّيتُ الماءَ، ويقال للمصراة: الْمُحَفَّة، وهو من الجمع أيضا، ومنه سُمّيت مجامع الناس محافل، والتصرية حرام، إذا أراد بذلك التدليس على المشتري؛ لقول النبي ◌َُّ: ((لا تُصَرُّوا))، وقوله: ((من غَشّنا فليس منا)، وروى ابن ماجه في ((سننه))، عن النبي ◌َّ، أنه قال: ((بيع المحفّلات خِلابة، ولا تحل الخلابة لمسلم))، ورواه ابن عبد البر: ((ولا يحل خِلابة لمسلم)). انتهى ((المغني)) ٢١٥/٦- ٢١٦. والله تعالى أعلم بالصواب . ٤٤٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ، قَالَ: ((لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ، وَلَا تُصَرُّوا الْإِلَ، وَالْغَنَمَ، مَنِ ابْتَعَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا رَدَّهَا، وَمَعَهَا صَاعُ تَمْرٍ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢١/٢٠ . من أفراد الصنف. ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/١. ٣- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ٧/ ٧ . ٤- (الأعرج) عبد الرحمن بن هُزْمُز المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧ . ٥- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ١٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المكبين، والمدنيين، فشيخه، وسفيان مكيّان، والباقون مدنيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أنه من أصحّ أسانيد أبي هريرة تنظّمه ، كما سبق قريبًا، وفيه أبو هريرة رَّهُ أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النِّيِّ وََّ، قَالَ: ((لَا تَلَّقَّوْا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ) من التلقّي: أي لا تستقبلوا القافلة الجالبة للطعام قبل أن يَقْدَمُوا الأسواق، وسيعقَد المصنّف رحمه الله تعالى لهذا بابًا مستقلّا بعد ثلاثة أبواب، ويأتي تمام البحث فيه هناك، إن شاء اللَّه تعالى (وَلَا تُصَرُّوا) -بضم أوله، وفتح ثانيه، بوزن تُزَكُوا، يقال: صَرَّى يُصَرِّى تَصْرِيَةٌ، كزَكَّى يزكى تزكية، و((الإبل)) بالنصب على المفعولية، وقيده بعضهم -بفتح أوله، وضم ثانيه- والأول أصح؛ لأنه من صَرَّيتُ اللبن في الضرع: إذا جمعته، وليس من صَرَرتُ الشيءَ: إذا ربطته، إذ لو كان منه، لقيل: مصرورة، أو مُصَرَّرَة، ولم يُقَل: مُصَرّاة، على أنه قد سمع الأمران في كلام العرب، قال الأغلب العجليّ [من الرجز]: رَأَتْ غُلَامًا قَدْ صَرَى فِي فِقْرَتِهِ مَاءَ الشَّبَابِ عُنْفُوَانَ شِرَّتِه وقال مالك بن نويرة [من الطويل]: فَقُلْتُ لِقَوْمِي (١) هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ مُصَرَّرَةً أَخْلَافُهَا لَمْ تُجرَّدٍ وضبطه بعضهم بضم أوله، وفتح ثانيه، لكن بغير واو، على البناء للمجهول، والمشهور الأول. قاله في ((الفتح)). (الْإِلَ، وَالْغَنَّمَ) لم يذكر البقر؛ لغلبتهما عندهم، وإلا فحكمها كحكمهما سواء، خلافًا لداود الظاهريّ، قاله في ((الفتح)). وقال وليّ الدين: الظاهر أن ذكر الغنم والإبل، دون غيرهما خرج مخرج الغالب فيما كانت العرب تصرّيه، وتبيعه، تدليسًا، وغشًا، فإن البقر قليل ببلادهم، وغير الأنعام لا يُقصد لبنها غالبًا، فلم يكونوا يُصَرُّون غير الإبل والغنم، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، كيف وهو مفهوم لقب، وليس حجةً عند الجمهور. وروى الترمذيّ، من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة تَزّه ، مرفوعًا: ((من اشترى مُصَرّاً))، وهو يتناول كلّ مصرّاة، لكن في ((صحيح مسلم))، (١) وتقدم إنشاده في كلام الخطابيّ: ((وقلت خذوها هذه صدقاتكم)) الخ. = = ١٦٧ ١٤ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرَّةِ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٤٨٩ وغيره من رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رَّه: ((من اشترى شاةً مصرّاةً)»، فصرّح بذكر الموصوف، وقد صرّح الشافعيّة بأن تحريم التصرية عامّ في كلّ مصرّاة، سواء في ذلك الأنعام، وغيرها، مما هو مأكول اللحم، وغير مأكول اللحم مما يحلّ بيعه، وأما ثبوت الخيار، وردّ الصاع، فسيأتي ذكره بعد هذا، إن شاء الله تعالى. انتهى ((طرح التثريب)) ٦/ ٧٧ -٧٨. [تنبيه] : قال في ((الفتح)): وظاهر النهى تحريم التصرية، سواء قصد التدليس، أم لا، وفي رواية البخاريّ في ((الشروط))، من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة: ((نهى عن التصرية))، وبهذا جزم بعض الشافعية، وعلله بما فيه من إيذاء الحيوان، لكن أخرج النسائي، حديث الباب من طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، بلفظ: ((لا تُصَرُوا الإبلَ، والغنم للبيع))، وله من طريق أبي كثير السُّحَيمي، عن أبي هريرة: ((إذا باع أحدكم الشاة، أو اللّقْحَة، فلا يُحَفِّلْهَا))، وهذا هو الراجح، وعليه يدل تعليل الأكثر بالتدليس، ويجاب عن التعليل بالإيذاء، بأنه ضرر يسير، لا يستمر، فيُغتَفَر؛ لتحصيل المنفعة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عزوه الحديث الأول إلى النسائي خطأ، فإنه ليس في نسخ ((المجتبى))، ولا ((الكبرى)) زيادة لفظة (للبيع)) هنا أصلاً، وإنما هي في قوله: ((لا تلقّوا الركبان للبيع))، وإنما هذه الزيادة في رواية المزنيّ، عن الشافعيّ، عن سفيان بن عيينة، أوردها البيهقيّ في ((المعرفة)) ٣٥٤/٤ رقم ٣٤٧٠ - و٣٤٧١. نبّه على ذلك الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى، وعبارته في ((الطرح)) ٦/ ٧٧ -: فيه تحريم التصرية، وظاهره أنه لا فرق بين أن يفعل ذلك للبيع، أو غيره، وهو ظاهر إطلاق الرافعيّ، والنوويّ، وغيرهما، لكنّهما علّلاه بما فيه من التدليس، وذلك يقتضي اختصاصه بما إذا فعل ذلك لأجل البيع، وصرّح المتولّي في ((التّتمّة)) بتحريم التصرية مطلقًا للبيع وغيره، وعلّله بما فيه من إيذاء الحيوان، لكن روى المزنيّ، عن الشافعيّ، عن سفيان، ومالك، كلاهما عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رَمافيه، مرفوعًا: ((لا تصرّوا الإبل، والغنم للبيع))، ورواه البيهقيّ في ((المعرفة)) من طريقه، وهذا يقتضي اختصاص التحريم بحالة البيع، فلو حفّلها، وجمع لبنها لولدها، أو لضيف، يَقدَم عليه لم يحرُم، ويُجاب عن التأذي بأنه يسير، لا يحصل منه ضرر مستمرّ، فيُغتفر؛ لأجل تحصيل المصلحة المتعلّقة به، كما يُغتفر تأذّي الدّابة في الركوب والحمل، حيث لا يكون فيه ضرر، ومحظور. انتھی کلام وليّ الدين. (مَنِ ابْتَاعَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) أي من اشترى شيئًا من مصرّاة الإبل، أو الغنم. وفي رواية ١٦٨ == شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ البخاريّ: «فمن ابتاعها بعدُ»، أي من اشتراها بعد التحفيل، وفي رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة تنظيم الآتية بعد حديث: ((من ابتاع محفّلة، أو مصرّاة، فهو بالخيار ثلاثة أيام))، والصحيح أن ابتداء هذه المدة، من وقت بيان التصرية، وهو قول الحنابلة، وعند الشافعية: أنها من حين العقد، وقيل: من التفرق، ويلزم عليه أن يكون الغرر أوسع من الثلاث، في بعض الصور، وهو ما إذا تأخر ظهور التصرية، إلى آخر الثلاث، ويلزم عليه أيضا أن تُحسَب المدة قبل التمكن من الفسخ، وذلك يُفَوِّت مقصود التوسع بالمدة. (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) أي أحسن الرأيين، وفي رواية موسى بن يسار، عن أبي هريرة التالية: ((فإن رضيها إذا حلبها، فليمسكها)). وظاهره، أن الخيار لا يثبت، إلا بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية، ثبت له الخيار، ولو لم يَحلُب، لكن لما كانت التصرية، لا تعرف غالبا إلا بعد الحلب، ذُكِر قيدًا في ثبوت الخيار، فلو ظهرت التصرية بغير الحلب، فالخيار ثابت. قاله في ((الفتح)). ثم بيّن النظرين بقوله (فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا) وفي رواية ابن يسار المذكورة: ((فإن رضيها إذا حلبها فليُمسكها»: أي ليبقها على ملكه، وهو يقتضى صحة بيع المصراة، وإثبات الخيار للمشترى، فلو اطلع على عيب، بعد رضاه بالتصرية، فردها، هل يلزم الصاع؟ فيه خلاف، والأصح عند الشافعية وجوب الرد، ونقلوا نص الشافعي على أنه لا يرد، وعند المالكية قولان. (وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا رَدَّهَا) وفي رواية مالك: ((وإن سَخِطها ردها))، وظاهره اشتراط الفور، وقياسا على سائر العيوب، لكن الرواية التي فيها: أن له الخيار ثلاثة أيام، مقدمة على هذا الإطلاق، ونقل أبو حامد، والرويانى، فيه نص الشافعي، وهو قول الأكثر، وأجاب من صحح الأول، بأن هذه الرواية، محمولة على ما إذا لم يَعلَم أنها مصراة، إلا في الثلاث؛ لكون الغالب أنها لا تُعلّم فيما دون ذلك، قال ابن دقيق العيد: والثاني أرجح؛ لأن حكم التصرية، قد خالف القياس في أصل الحكم؛ لأجل النص، فيطرد ذلك، ويتبع في جميع موارده. قال الحافظ: ويؤيده أن في بعض روايات أحمد، والطحاوي، من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة ◌َّ: «فهو بأحد النظرين، بالخيار إلى أن يحوزها، أو یردها»، وسيأتي. انتهى. (وَمَعَهَا صَاعُ تَمْرٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول. وفي رواية البخاريّ: ((وصاع تمر))، وفي رواية مالك: ((وصاعا من تمر))، قال في ((الفتح)): والواو عاطفة للضّاع على الضمير في ((ردها))، ويجوز أن تكون الواو بمعنى ((مع))، ويستفاد منه ١٤ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرَّةِ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٤٨٩ = ١٦٩ فورية الصاع مع الرد، ويجوز أن يكون مفعولا معه، ويَعكُر عليه قول جمهور النحاة: إن شرط المفعول معه أن يكون فاعلا . [فإن قيل] : التعبير بالرد في المصراة واضح، فما معنى التعبير بالرد في الصاع؟. [فالجواب] : أنه مثل قول الشاعر: عَلَفْتُهَا تِبْئًا وَمَاءَ بَارِدَا أي علفتها تبنا، وسقيتها ماء باردا، أو يُجعَل ((علفتها)) مجازا عن فعل شامل للأمرين: أي ناولتها، فيُحمل الرد في الحديث على نحو هذا التأويل. واستُدِلّ به على وجوب رد الصاع مع الشاة، إذا اختار فسخ البيع، فلو كان اللبن باقيا، ولم يتغير، فأراد رده، هل يلزم البائع قبوله، فيه وجهان: أصحهما لا؛ لذهاب طراوته، ولاختلاطه بما تجدد عند المبتاع. والتنصيص على التمر، يقتضى تعيينه كما سيأتي . [تنبيه]: أشار الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) إلى أنه اختلف في قوله: ((وصاعا من تمر))، فرواه بعضهم: ((وصاعًا من طعام))، فقال بعد إيراد هذا الحديث من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج: ما نصّه: ويُذكر عن أبي صالح، ومجاهد، والوليد بن رَبَاح، وموسى بن يسار، عن أبي هريرة رَّه، عن النبيّ وَه : ((صاع تمر)). وقال بعضهم، عن ابن سيرين: ((صاعا من طعام، وهو بالخيار ثلاثًا))، وقال بعضهم عن ابن سيرين: ((صاعًا من تمر))، ولم يذكر ((ثلاثا))، والتمر أكثر. انتهى. وقد بيّن ما أشار إليه الحافظ في ((الفتح))، فقال: قوله: ((ويذكر عن أبي صالح، ومجاهد، والوليد بن رباح، وموسى بن يسار الخ)): يعني أن أبا صالح، ومن بعده وقع في رواياتهم، تعيين التمر: فأما رواية أبي صالح، فوصلها أحمد، ومسلم، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، بلفظ: ((من ابتاع شاة مصراة، فهو فيها بالخيار، ثلاثة أيام، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعا من تمر)). وأما رواية مجاهد، فوصلها البزار، قال مغلطاي: لم أرها إلا عنده، قال الحافظ : قد وصلها أيضا الطبراني في ((الأوسط)) من طريق محمد بن مسلم الطائفي، عن ابن أبي نجيح، والدارقطنيُّ من طريق الليث بن أبي سليم، كلاهما عن مجاهد، وأولُ رواية ليث: ((لا تبيعوا المصراة، من الإبل، والغنم)) الحديث، وليث ضعيف، وفي محمد بن مسلم أيضا لين. وأما رواية الوليد بن رباح، وهو -بفتح الراء، وبالموحدة-، فوصلها أحمد بن = ١٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ منيع، في ((مسنده)) بلفظ: ((من اشترى مصراة، فليرد معها صاعا من تمر)). وأما رواية موسى بن يسار، وهو - بالتحتانية، والمهملة- فوصلها مسلم بلفظ: ((من اشترى شاة مصراة، فلينقلب بها، فليحلبها، فإن رضي بها أمسكها، وإلا ردها، ومعها صاع من تمر))، وسياقه يقتضى الفورية. وقوله: ((وقال بعضهم، عن ابن سيرين: ((صاعا من طعام، وهو بالخيار ثلاثا»، وقال بعضهم، عن ابن سيرين: ((صاعا من تمر)»، ولم يذكر ((ثلاثا»: أما رواية من رواه بلفظ ((الطعام))، و((الثلاث))، فوصلها مسلم، والترمذي، من طريق قُرَّة بن خالد، عنه، بلفظ: ((من اشترى مصراة، فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها، رد معها صاعا من طعام، لا سمراء))، وأخرجه أبو داود، من طريق حماد بن سلمة، عن هشام، وحبيب، وأيوب، عن ابن سيرين نحوه. وأما رواية من رواه بلفظ التمر، دون ذكر الثلاث، فوصلها أحمد، من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، بلفظ: ((من اشترى شاة مصراة، فإنه يحلبها، فإن رضيها أخذها، وإلا رَدّها ورد معها صاعا من تمر»، وقد رواه سفيان، عن أيوب، فذكر الثلاث، أخرجه مسلم من طريقه، بلفظ: ((من اشترى شاة مصراه، فهو بخير النظرين، ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، ون شاء ردها، وصاعا من تمر، لا سمراء)). قال الجامع: ورواية سفيان هذه هي الآتية للنسائيّ بعد حديث، بنحوها. قال: ورواه بعضهم عن ابن سيرين بذكر الطعام، ولم يقل: ثلاثا، أخرجه أحمد، والطحاوي، من طريق عون(١)، عن ابن سيرين، وخِلاس بن عمرو، كلاهما عن أبي هريرة، بلفظ: ((من اشترى لِقحة مصراة، أو شاة مصراة، فحلبها، فهو بأحد النظرين، بالخيار إلى أن يحوزها، أو يردها، وإناء من طعام)، قال الحافظ: فحصلنا عن ابن سيرين على أربع روايات، ذكر التمر والثلاث، وذكر التمر، بدون الثلاث، والطعام بدل التمر كذلك. والذي يظهر في الجمع بينها، أن من زاد الثلاث، معه زيادة علم، وهو حافظ، ويحمل الأمر فيمن لم يذكرها، على أنه لم يحفظها، أو اختصرها، وتحمل الرواية التي فيها الطعام على التمر، وقد روى الطحاوي، من طريق أيوب، عن ابن سيرين أن المراد بالسمراء الحنطة الشامية. وروى ابن أبي شيبة، وأبو عوانة من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين: ((لا سمراء)) يعني الحنطة. وروى ابن المنذر من طريق ابن عون، عن (١) هكذا نسخة (الفتح))، والظاهر أنه ابن عون، سقطت منه لفظة ((ابن))، فليحزّر. ١٤ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرَّةِ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٤٨٩ ١٧١ == ابن سيرين، أنه سمع أبا هريرة، يقول: ((لا سمراء» تمر ليس ببر. فهذه الروايات تبين أن المراد بالطعام التمر، ولما كان المتبادر إلى الذهن، أن المراد بالطعام القمح، نفاه بقوله: ((لا سمراء)»، لكن يعكُر على هذا الجمع، ما رواه البزار، من طريق أشعث بن عبد الملك، عن ابن سيرين، بلفظ: ((إن ردها ردها، ومعها صاع من بر، لا سمراء))، وهذا يقتضي أن المنفي في قوله: ((لا سمراء»، حنطة مخصوصة، وهي الحنطة الشامية، فيكون المثبت قوله: ((من طعام)»: أي من قمح. ويحتمل أن يكون راويه رواه بالمعنى، الذي ظنه مساويا، وذلك أن المتبادر من الطعام البر، فظن الراوي أنه البر، فعبر به، وإنما أطلق لفظ الطعام على التمر؛ لأنه كان غالب قوت أهل المدينة، فهذا طريق الجمع، بين مختلف الروايات، عن ابن سيرين في ذلك، لكن يعكُر على هذا، ما رواه أحمد، بإسناد صحيح، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل من الصحابة، نحو حديث الباب، وفيه: ((فإن ردها رد معها صاعا من طعام، أو صاعا من تمر))، فإن ظاهره يقتضي التخيير، بين التمر والطعام، وأن الطعام غير التمر . ويحتمل أن تكون ((أو)) شكا من الراوي، لا تخييرا، وإذا وقع الاحتمال في هذه الروايات، لم يصح الاستدلال بشيء منها، فَيُرجَع إلى الروايات التي لم يختلف فيها، وهي التمر، فهي الراجحة، كما أشار إليه البخاري. وأما ما أخرجه أبو داود، من حديث ابن عمر، بلفظ: ((إن ردها رد معها مثل، أو مثلي لبنها قمحا))، ففي إسناده ضعف، وقد قال ابن قدامة: إنه متروك الظاهر بالاتفاق. وقوله: ((والتمر أكثر)): أي أن الروايات الناصة على التمر أكثر عددا، من الروايات التي لم تنص عليه، أو أبدلته بذكر الطعام، فقد رواه بذكر التمر غير من تقدم ذكره، ثابت بن عياض عند البخاريّ، وهمام بن منبه عند مسلم، وعكرمة، وأبو إسحاق عند الطحاوي، ومحمد بن زياد، عند الترمذي، والشعبي عند أحمد، وابن خزيمة، كلهم عن أبي هريرة ◌َمنّه، وأما رواية من رواه بذكر الإناء، فيفسرها رواية من رواه بذكر الصاع، وقد تقدم ضبطه في الزكاة. انتهى ((الفتح)) ١٠٠/٥-١٠١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيانِ مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: = ١٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع أخرجه هنا - ١٤/ ٤٤٨٩ و٤٤٩٠ و٤٤٩١ و١٦/ ٤٤٩٣ - وفي ((الكبرى)) ١٣ /٦٠٧٩ و٦٠٨٠ و٦٠٨٢/١٥. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢١٤٨ و٢١٥٠ و٢١٥١ (م) في البيوع)) ٣٨٠٩ و٣٨١٠ و٣٨١١ و٣٨١٢ و٣٨١٣ و٣٨١٤ (د) في ((البيوع)) ٣٤٤٣ و٣٤٤٤ و٣٤٤٥ و٣٤٤٦ (ت) في ((البيوع)) ١٢٢٢ و١٣٠٤ (ق) في ((التجارات)) ٢١٧٢ و ٢١٧٤ و٢١٧٥ (أحمد) في ((مسند المكثرين)» ٧٢٠٧ و٧٢٧٠ و٧٤٠٦ و٧٦٤١ (الموطأ) في ((البيوع)) ١٣٩١ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن التصرية، وأنه محرم، وأن من اشترى مصرّاة، فله الخيار بعد حلبها بين إمساكها، وردّها مع صاع تمر. (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى: هذا الحديث أصل في النهى عن الغشّ، وأصل في ثبوت الخيار لمن دُلّس عليه بعيب، وأصل في أنه لا يَفسُد أصل البيع، وأصل في أن مدة الخيار ثلاثة أيام، وأصل في تحريم التصرية، وثبوت الخيار بها انتهى. وقد روى أحمد، وابن ماجه عن ابن مسعود رَّه مرفوعا: ((بيع المحفلات خلابة، ولا تحل الخلابة لمسلم))، وفي إسناده ضعيف. وقد رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، موقوفا، بإسناد صحيح. وروى ابن أبي شيبة، من طريق قيس بن أبي حازم، قال: كان يقال: التصرية خِلابة، وإسناده صحيح. قاله في ((الفتح)) ١٠٥/٥ . (ومنها): أن بيع المصرّاة صحيح؛ لقوله وَ له: ((إن رضيها أمسكها))، وهو مجمع عليه، وأنه يثبت للمشتري الخيار، إذا علم بالتصرية، وبه قال الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة، فقال: لا يردّها، بل يرجع بنقصان العيب، وسيأتي الرد عليه. (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: إن العقد المنهي عنه المحرّم، إذا كان لأجل الآدميّ، لم يدلّ على الفساد، ولا يُفسخ به العقد، ألا ترى أن التصرية غشّ، محرّم، ثم إن النبيّ ◌َّ لم يفسخ به العقد، لكن جعل للمشتري الخيار. انتهى ((المفهم)» ٤/ ٣٧٢ . (ومنها): ما قاله أيضًا: إن الغرر بالفعل معتبر شرعًا؛ لأنه صار كالتصريح باشتراط نفي العيب، ولا يختلف في الغرر الفعليّ، وإنما اختلف في الغرر بالقول، هل هو معتبر، أم لا؟، فيه قولان. [فرع] : لو كان الضرع كثير اللحم، فظنّه المشتري لبنّا، لم يجب له الخيار؛ إذ لا غرور، ولا تدليس، لا بالفعل، ولا بالقول. انتهى ((المفهم)). ٤/ ٣٧٢ . (ومنها): أن التصرية عيب يوجب الخيار، وهو حجة على أبي حنيفة، ومحمد بن ١٧٣ === ١٤ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرَّةِ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٤٨٩ الحسن، حيث قالا: إن التصرية ليست بعيب، ولا توجب خيارًا، وقد روي عن أبي حنيفة أنها عيب توجب الأرش، وقال زفر من أصحابه: يردّ صاعًا من تمر، أو نصف صاع من برّ. قاله في ((المفهم)) ٣٧٣/٤. (ومنها): أن بيع الخيار موضوعْ لتمام البيع، واستقراره، لا للفسخ، وهو أحد القولين عند المالكية. وقيل: هو موضوع للفسخ. قال القرطبيّ: والأول أولى؛ لقوله وَالية: ((إن شاء أمسكها))، والإمساك: استدامة التمسّك، لما قد ثبت وجوده، كما قال وَر لغيلان: ((أمسك أربعًا، وفارق سائرهنّ)): أي استدم حكم العقود السابقة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من اشترى مصرّاة: ذهب عامّة أهل العلم إلى أن من اشترى مصراة من بهيمة الأنعام، لم يَعلم تصريتها، ثم علم ، فله الخيار في الرد والإمساك، رُوي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس * *، وإليه ذهب مالك، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف. وذهب أبو حنيفة، ومحمد، إلى أنه لا خيار له؛ لأن ذلك ليس بعيب، بدليل أنها لو لم تكن مصراة، فوجدها أقل لبنا من أمثالها، لم يملك ردها، والتدليس بما ليس بعيب، لا يثبت الخيار، كما لو علفها فانتفخ بطنها، فظن المشتري أنها حامل. واحتج الأولون بحديث أبي هريرة ◌َمّه عن النبي ◌َّر، أنه قال: ((لا تصروا الإبل، والغنم، فمن ابتاعها بعدُ، فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعا من تمر))، متفق عليه . قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ولأن هذا تدليس بما يختلف الثمن باختلافه، فوجب به الرد، كما لو كانت شمطاء، فسوّد شعرها، وقياسهم يبطل بتسويد الشعر، فإن بياضه ليس بعيب كالكِبر، وإذا دلسه ثبت له الخيار، وأما انتفاخ البطن، فقد يكون من الأكل والشرب، فلا معنى لحمله على الحمل، ثم إن هذا القياس مخالف للنص، واتباع قول رسول اللّه ◌َل ◌ّ أوجب من غيره. أفاده في ((المغني)) ٢١٦/٦-٢١٧. وقال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)»: وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم، وأفتى به ابن مسعود، وأبو هريرة، ولا مخالف لهما من الصحابة، وقال به من التابعين، ومن بعدهم من لا يحصى عدده، ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتُلِب قليلا، أو كثيرا، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد، أم لا . وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية، وفي فروعها آخرون، أما الحنفية، فقالوا: لا ١٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع يُرَدّ بعيب التصرية، ولا يجب رد صاع من التمر، وخالفهم زفر، فقال بقول الجمهور، إلا أنه قال: يتخير بين صاع تمر، أو نصف صاع بر، وكذا قال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف في رواية، إلا إنهما قالا: لا يتعين صاع التمر، بل قيمته، وفي رواية عن مالك، وبعض الشافعية كذلك، لكن قالوا: يتعين قوت البلد؛ قياسا على زكاة الفطر، وحكى البغوي أن لا خلاف في المذهب، أنهما لو تراضيا بغير التمر، من قوت، أو غيره كفى، وأثبت ابن كج الخلاف في ذلك، وحكى الماوردي وجهين، فيما إذا عجز عن التمر، هل تلزمه قيمته ببلده، أو بأقرب البلاد التي فيها التمر إليه؟، وبالثانى قال الحنابلة. واعتذر الحنفية عن الأخذ بحديث المصراة، بأعذار شَتَّى، فمنهم من طعن في الحديث؛ لكونه من رواية أبي هريرة، ولم يكن كابن مسعود، وغيره، من فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ بما رواه مخالفا للقياس الجلي، وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي حكايته غِنّى عن تكلف الرد عليه، وقد ترك أبو حنيفة القياسَ الجلي لرواية أبي هريرة رَّه وأمثاله، كما في الوضوء بنبيذ التمر، ومن القهقهة في الصلاة، وغير ذلك، قال الحافظ: وأظن أن لهذه النكتة أورد البخاري حديث ابن مسعود، عقب حديث أبي هريرة، إشارةً منه، إلى أن ابن مسعود قد أفتي بوفق حديث أبي هريرة، فلولا أن خبر أبي هريرة في ذلك ثابت، لما خالف ابن مسعود القياس الجلي في ذلك. وقال ابن السمعاني في ((الاصطلام)) التعرض إلى جانب الصحابة، علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة، وقد اختص أبو هريرة بمزيد من الحفظ؛ لدعاء رسول اللَّه ◌َ# له - يعني الذي أخرجه البخاريّ في ((كتاب العلم))، وفي أول ((البيوع)) أيضا: وفيه قوله: ((إن إخواني من المهاجرين، كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول اللَّه وَّ﴾، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا)) الحديث، ثم مع ذلك، لم ينفرد أبو هريرة، برواية هذا الأصل، فقد أخرجه أبو داود، من حديث ابن عمر، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عنه، وأبو يعلى من حديث أنس، وأخرجه البيهقي في ((الخلافيات)) من حديث عمرو بن عوف المزني، وأخرجه أحمد، من رواية رجل من الصحابة، لم يُسَمّ. وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على صحته، وثبوته من جهة النقل، واعتل من لم يأخذ به بأشياء، لا حقيقة لها. ومنهم من قال: هو حديث مضطرب؛ لذكر التمر فيه تارة، والقمح أخرى، واللبن أخرى، واعتباره بالصاع تارة، وبالمثل أو المثلين تارة، وبالاناء أخرى. والجواب أن الطرق الصحيحة، لا اختلاف فيها، كما تقدم، والضعيف لا يُعِلّ الصحيح. ومنهم من قال: هو معارض لعموم القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ١٤- (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرَّةِ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٤٨٩ ١٧٥ == فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بٌِّ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]. وأجيب بأنه من ضمان المتلفات، لا العقوبات، والمتلفات تضمن بالمثل، وبغير المثل . ومنهم من قال: هو منسوخ. وتُعُقّب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا دلالة على النسخ مع مدعيه؛ لأنهم اختلفوا في الناسخ، فقيل: حديث النهى عن بيع الدين بالدين، وهو حديث أخرجه ابن ماجه وغيره، من حديث ابن عمر، ووجه الدلالة منه، أن لبن المصراة، يصير دينا في ذمة المشترى، فإذا أُلزم بصاع من تمر، نسيئة صار دينا بدين، وهذا جواب الطحاوي. وتعقب بأن الحديث ضعيف، باتفاق المحدثين، وعلى التنزّل، فالتمر إنما شُرع في مقابل الحلب، سواء كان اللبن موجودا، أو غير موجود، فلم يتعين في كونه من الدين بالدين. وقيل: ناسخه حديث: ((الخراجُ بالضمان)»، وهو حديث أخرجه أصحاب ((السنن)) عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وجهه الدلالة منه، أن اللبن فضلة من فضلات الشاة، ولو هلكت لكان من ضمان المشترى، فكذلك فضلاتها، تكون له، فكيف يُغَرَّم بدلها للبائع، حكاه الطحاوي أيضا. وتعقب بأن حديث المصراة أصح منه باتفاق، فكيف يُقَدّم المرجوح على الراجح، ودعوى كونه بعده، لا دليل عليها، وعلى التنزل، فالمشتري لم يؤمر بغرامة ما حدث في ملكه، بل بغرامة اللبن الذي ورد عليه العقد، ولم يدخل في العقد، فليس بين الحديثين على هذا تعارض. وقيل: ناسخه الأحاديث الواردة في رفع العقوبة بالمال، وقد كانت مشروعة قبل ذلك، كما في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، في مانع الزكاة: ((فإنا آخذوها وشطر ماله))، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده في الذي يَسرِق من الجرين، ((يغرم مثليه))، وكلاهما في ((السنن))، وهذا جواب عيسى بن أبان، فحديث المصراة من هذا القبيل، وهي كلها منسوخة. وتعقبه الطحاوي بأن التصرية، إنما وجدت من البائع، فلو كان من ذلك الباب للزمه التغريم، والفرض أن حديث المصراة، يقتضى تغريم المشترى فافترقا. ومنهم من قال: ناسخه حديث: ((البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا)»، وهذا جواب محمد ابن شجاع، ووجه الدلالة منه، أن الفرقة تقطع الخيار، فثبت أن لا خيار بعدها، إلا لمن استثناه الشارع بقوله: ((إلا بيع الخيار)). وتعقبه الطحاوي بأن الخيار الذي في المصراة، من خيار الرد بالعيب، وخيار الرد = ١٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع بالعيب لا تقطعه الفرقة. ومن الغريب أنهم لا يقولون بخيار المجلس، ثم يحتجون به فیما لم يرد فيه . ومنهم من قال: هو خبر واحد، لا يفيد إلا الظن، وهو مخالف لقياس الأصول، المقطوع به، فلا يلزم العمل به. وتعقب بأن التوقف في خبر الواحد، إنما هو في مخالفة الأصول، لا في مخالفة قياس الأصول، وهذا الخبر إنما خالف قياس الأصول، بدليل أن الأصول الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والكتاب والسنة في الحقيقة، هما الأصل، والآخران مردودان إليهما، فالسنة أصل، والقياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟، بل الحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: إن الأصل يخالف نفسه؟، وعلى تقدير التسليم بكون قياس الأصول، يفيد القطع، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فتناوُل الأصلِ لمحلّ هذا الخبر الواحد، غير مقطوع به؛ لجواز استثناء محله من ذلك الأصل. قال ابن دقيق العيد: وهذا أقوى متمسك به، في الرد على هذا المقام. وقال ابن السمعاني: متى ثبت الخبر صار أصلا من الأصول، ولا يُحتاج إلى عرضه على أصل آخر؛ لأنه إن وافقه فذاك، وإن خالفه فلا يجوز رد أحدهما؛ لأنه رد للخبر بالقياس، وهو مردود باتفاق، فإن السنة مقدمة على القياس بلا خلاف، إلى أن قال: والأولى عندي في هذه المسألة، تسليم الأقيسة، لكنها ليست لازمة؛ لأن السنة الثابتة مقدمة عليها. والله تعالى أعلم. وعلى تقدير التنزل، فلا نسلم أنه مخالف لقياس الأصول؛ لأن الذي اذَّعَوه عليه من المخالفة، بينوها بأوجه : [أحدها]: أن المعلوم من الأصول، أن ضمان المثليات بالمثل، والمتقومات بالقيمة، وههنا إن كان اللبن مثليا، فليضمن باللبن، وإن كان متقوما، فليضمن بأحد النقدين، وقد وقع هنا مضمونا بالتمر، فخالف الأصل. [والجواب] : منع الحصر، فإن الحر يُضمن في ديته بالإبل، وليست مثلا، ولا قيمة، وأيضا فضمان المثل ليس مطردا، فقد يُضمن المثل بالقيمة، إذا تعذرت المماثلة، كمن أتلف شاة لبونا، كان عليه قيمتها، ولا يجعل بإزاء لبنها لبنا آخر؛ لتعذر المماثلة . [ثانيها] : أن القواعد تقتضي، أن يكون المضمون مُقَدَّر الضمان بقدر التالف، وذلك مختلف، وقد قدرنا هنا بمقدار واحد، وهو الصاع، فخرج عن القياس. [والجواب] : منع التعميم في المضمونات، كالموضحة، فأرشها مُقَدَّر، مع ١٧٧- ١٤ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرَّةِ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٤٨٩ اختلافها بالكبر والصغر، والغرةٍ مقدرة في الجنين، مع اختلافه، والحكمة في ذلك، أن كل ما يقع فيه التنازع، فليقدر بشيء معين؛ لقطع التشاجر، وتقدم هذه المصلحة على تلك القاعدة، فإن اللبن الحادث بعد العقد، اختلط باللبن الموجود وقت العقد، فلم يُعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشترى، ولو عُرف مقداره، فؤُكل إلى تقديرهما، أو تقدير أحدهما، لأفضى إلى النزاع والخصام، فقطع الشارع النزاع والخصام، وقدّره بحد لا يتعديانه؛ فصلا للخصومة، وكان تقديره بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن، فإنه كان قوتهم إذ ذاك، كاللبن وهو مكيل كاللبن، ومقتات، فاشتركا في كون كل واحد منهما مطعوما، مقتاتا، مكيلا واشتركا أيضا في أن كلا منهما يُقتات به بغير صنعة، ولا علاج. [ثالثها] : أن اللبن التالف، إن كان موجودا عند العقد، فقد ذهب جزء من المعقود عليه، من أصل الخلقة، وذلك مانع من الرد، فقد حدث على ملك المشتري، فلا يضمنه، وإن كان مختلطا، فما كان منه موجودا عند العقد، وما كان حادثا لم يجب ضمانه . [والجواب] : أن يقال إنما يمتنع الرد بالنقص، إذا لم يكن لاستعلام العيب، وإلا فلا يمتنع، وهنا كذلك. [رابعها] : أنه خالف الأصول، في جعل الخيار فيه ثلاثا، مع أن خيار العيب، لا يقدر بالثلاث، وكذا خيار المجلس عند من يقول به، وخيار الرؤية عند من يثبته. [والجواب] : بأن حكم المصراة انفرد بأصله عن مماثلة، فلا يُستغرب أن ينفرد بوصف زائد على غيره، والحكمة فيه أن هذه المدة هي التي يتبين بها لبن الخلقة، من اللبن المجتمع بالتدليس غالبا، فشُرعت لاستعلام العيب، بخلاف خيار الرؤية والعيب، فلا يتوقف على مدة، وأما خيار المجلس، فليس لاستعلام العيب، فظهر الفرق بين الخيار فى المصراة، وغيرها . [خامسها] : أنه يلزم من الأخذ به، الجمع بين العوض والمعوض، فيما إذا كانت قيمة الشاة صاعا من تمر، فإنها ترجع إليه من الصاع الذي هو مقدار ثمنها. [والجواب] : أن التمر عوض عن اللبن، لا عن الشاة، فلا يلزم ما ذكروه. [سادسها] : أنه مخالف لقاعدة الربا، فيما إذا اشترى شاة بصاع، فإذا استرد معها صاعا، فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن، فيكون قد باع شاة وصاعا بصاع. والجواب أن الربا إنما يعتبر في العقود، لا الفسوخ، بدليل أنهما لو تبايعا ذهبا بفضة، لم يجز أن يتفرقا قبل القبض، فلو تقايلا في هذا العقد بعينه، جاز التفرق قبل القبض. ١٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع [سابعها] : أنه يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها، فيما إذا كان اللبن موجودا، والأعيان لا تضمن بالبدل، إلا مع فواتها، كالمغصوب. [والجواب] : أن اللبن، وإن كان موجودا، لكنه تعذر رده؛ لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد، وتعذر تمييزه، فأشبه الآبق، بعد الغصب، فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه؛ لتعذر الرد. [ثامنها] : أنه يلزم منه إثبات الرد بغير عيب، ولا شرط، أما الشرط فلم يوجد، وأما العيب فنقصان اللبن، لو كان عيبا لثبت به الرد، من غير تصرية . [والجواب] : أن الخيار يثبت بالتدليس، كمن باع رَحّى دائرة، بما جمعه لها بغير علم المشتري، فإذا اطلع عليه المشتري، كان له الرد، وأيضا فالمشتري لَمّا رأى ضرعا، مملوءا لبنا، ظن أنه عادة لها، فكأنّ البائع شرط له ذلك، فتبين الأمر بخلافه، فثبت له الرد؛ لفقد الشرط المعنوي؛ لأن البائع يُظهر صفة المبيع تارة بقوله، وتارة بفعله، فإذا أظهر المشتريَ على صفة، فبان الأمر بخلافها، كان قد دلْس عليه، فشرع له الخيار، وهذا هو محض القياس، ومقتضى العدل، فإن المشتري إنما بذل ماله؛ بناء على الصفة التي أظهرها له البائع، وقد أثبت الشارع الخيار للركبان، إذا تُلُقُّوا، واشتُرِيَ منهم قبل أن يهبطوا إلى السوق، ويعلموا السعر، وليس هناك عيب، ولا خُلْف في شرط، ولكن لما فيه من الغش والتدليس . (ومنهم): من قال: الحديث صحيح، لا اضطراب فيه، ولا علة، ولا نسخ، وإنما هو محمول على صورة مخصوصة، وهو ما إذا اشترى شاة، بشرط أنها تحلب مثلا خمسة أرطال، وشرط فيها الخيار، فالشرط فاسد، فإن اتفقا على إسقاطه في مدة الخيار، صح العقد، وإن لم يتفقا بطل العقد، ووجب رد الصاع من التمر؛ لأنه كان قيمة اللبن يومئذ. وتُعُقْب بأن الحديث ظاهر في تعليق الحكم بالتصرية، وما ذكره هذا القائل، يقتضى تعليقه بفساد الشرط، سواء وُجدت التصرية، أم لا؟، فهو تأويل مُتعَسَّف، وأيضا فلفظ الحديث لفظ عموم، وما ادعوه على تقدير تسليمه، فرد من أفراد ذلك العموم، فيحتاج من ادعى قصر العموم عليه الدليل على ذلك، ولا وجود له. انتهى ما في ((الفتح)) ١٠١/٥-١٠٥ بطوله، وهو بحث نفيس جدًا. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بهذا كلّه أن الحقّ هو ما عليه الجمهور من ثبوت الخيار بسبب التصرية، كما نصّ عليه رسول اللَّه مَّر، فتبصر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالتقليد الأعمى والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء في ردّ بدل اللبن: ١٧٩ === ١٤ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرَّةِ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٤٨٩ ذهب كلّ من جوّز رد المصرّاة بعيب التصرية إلى أنه إذا علم التصرية، واختار الرد بعد أن حلبها، لزمه رد بدل اللبن، وهو مقدر في الشرع بصاع من تمر، كما في الحديث الصحيح المذكور في الباب، ولا فرق في ذلك بين الغنم، والإبل، وغيرهما مما أُلحق بهما، ولا بين أن يكون اللبن قليلاً، أو كثيرًا، ولا بين أن يكون التمر قوت البلد، أم لا؟، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور. وذهب مالك، وبعض الشافعية، إلى أن الواجب صاع، من غالب قوت البلد؛ لأن في بعض طرق الحديث: ((ورد معها صاعا من طعام))، وفي بعضها: ((ورد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا))(١)، فجمع بين الأحاديث، وجعل تنصيصه على التمر؛ لأنه غالب قوت البلد في المدينة، ونص على القمح؛ لأنه غالب قوت بلد آخر. وقال أبو يوسف: يرد قيمة اللبن؛ لأنه ضمان متلف، فكان مقدرا بقيمته، كسائر المتلفات، وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى، وحكي عن زفر: أنه يرد صاعا من تمر، أو نصف صاع من بر، بناءً على قولهم في الفطرة، والكفارة. وحجة الأولين الحديث الصحيح المذكور، وهو المعتمد عليه في هذه المسألة، وقد نص فيه على التمر، فقال: ((إن شاء ردها وصاعا من تمر))، وفي لفظ: ((من اشترى غنما مصراة، فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر))، وفي لفظ: ((ورد صاعا من تمر، لا سمراء)»، وفي لفظ: ((طعاما، لا سمراء)»: يعني لا يرد قمحا، والمراد بالطعام هاهنا التمر؛ لأنه مطلق في أحد الحديثين، مقيد في الآخر في قضية واحدة، والمطلق فيما هذا سبيله يحمل على المقيد، وحديث ابن عمر، مُطَّرح الظاهر بالإتفاق، إذ لا قائل بإيجاب مثل لبنها، أو مثلي لبنها قمحا، ثم قد شك فيه الراوي، وخالفته الأحاديث الصحاح، فلا يعول عليه. وقياس أبي يوسف مخالف للنص، فلا يلتفت إليه، ولا يبعد أن يقدر الشرع بدل هذا المتلف، قطعا للخصومة، ودفعا للتنازع، كما قدر بدل الآدمي، ودية أطرافه، ولا يمكن حمل الحديث، على أن (١) الحديث رواه أبو داود في ((سننه)) ٣٤٤٦- وفي سنده جميع بن عمير، مختلف فيه، قال الخطابي: ليس إسناده بذاك، وقال البيهقيّ: تفرد به جميع بن عمير، قال البخاريّ: فيه نظر. وقال ابن نمير: كان من أكذب الناس، كان يقول: الكراكي تفرخ في السماء، ولا تقع فراخها، وذكره ابن حبان في ((الضعفاء))، وقال: كان رافضيًا، يضع الحديث، وذكره في ((الثقات)) أيضًا، وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وقال أبو حاتم: كوفيّ صالح الحديث، من عثّق الشيعة. انتهى ((طرح التثريب)) ٦/ ٨١. = ١٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ الصاع كان قيمة اللبن، فلذلك أوجبه؛ لوجوه ثلاثة : [أحدها] : أن القيمة هي الأثمان، لا التمر. [الثاني] : أنه أوجب في المصراة من الإبل، والغنم جميعا، صاعا من تمر، مع اختلاف لبنها. [الثالث] : أن لفظه للعموم، فيتناول كل مصراة، ولا يتفق أن تكون قيمة لبن كل مصراة صاعا، وإن أمكن أن يكون كذلك، فيتعين إيجاب الصاع؛ لأنه القيمة التي عين الشارع إيجابها، فلا يجوز أن يعدل عنها . وإذ قدمت هذا، فإنه يجب أن يكون الصاع من التمر جيدا، غير معيب؛ لأنه واجب بإطلاق الشارع، فينصرف إلى ما ذكرناه، كالصاع الواجب في الفطرة ، ولا يجب أن يكون من الأجود، بل يجوز أن يكون من أدنى ما يقع عليه اسم الجيد، ولا فرق بين أن تكون قيمة التمر، مثل قيمة لبن الشاة، أو أقل، أو أكثر، نص عليه أحمد، وليس هذا جمعا بين البدل والمبدل؛ لأن التمر بدل اللبن، قدره الشرع به، كما قدر في يدي العبد قيمته، وفي يديه ورجليه قيمته مرتين، مع بقاء العبد على ملك سيده. وإن عدم التمر في موضعه، فعليه قيمته في الموضع الذي وقع عليه العقد؛ لأنه بمثابة عين أتلفها، فيجب عليه قيمتها. أفاده في ((المغني)) ٢١٧/٦-٢١٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال ابن قُدامة رحمه اللّه تعالى: إن علم بالتصرية قبل حلبها، مثل أن أقر به البائع، أو شهد به من تقبل شهادته، فله ردها، ولا شيء معها؛ لأن التمر إنما وجب بدلا للبن المحتلب، ولذلك قال رسول اللَّه ◌َله: ((من اشترى غنما مصراة، فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر))، ولم يأخذ لها لبنا هاهنا، فلم يلزمه رد شيء معها، وهذا قول مالك، قال ابن عبد البر: هذا ما لا خلاف فيه . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه أن الخلاف موجود، فقد قال في ((الفتح)) ٥٪ ١٠٥ : فيه وجه للشافعية، ويرجح أنه لا يثبت، رواية عكرمة، عن أبي هريرة، في هذا الحديث عند الطحاوي، فإن لفظه: ((من اشترى مُصَرّاة، ولم يعلم أنها مصراة)» الحدیث. انتهى. قال الجامع: لكن الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده ابن لهيعة، فظهر بهذا أن الصحيح أنه يثبت له الخيار، فتنبه. والله تعالى أعلم. قال ابن قدامة: وأما لو احتلبها، وترك اللبن بحاله، ثم ردها رد لبنها، ولا يلزمه أيضا بشيء؛ لأن المبيع إذا كان موجودا، فرده لم يلزمه بدله، فإن أبى البائع قبوله،