النص المفهرس
صفحات 101-120
٢- (بَأَبُ اجْتِنَاب الشِّبُهَاتِ فِي الْحَسْبِ) - حديث رقم ٤٤٥٦ ١٠١ تعالى أعلم. ٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سفيان، ومن بعده بالمدنيين. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ◌َّه أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ) وفي رواية للبخاريّ: ((ليأتينّ على الناس زمانٌ» (مَا يُبَالِي الرَّجُلُ مِنْ أَيْنَ أَصَابَ الْمَالَ؟) أي من أيّ وجه وجده (مِنْ حَلَالٍ، أَوْ حَرَام))) يعني أنه لا يبحث أحدٌ عن الوجه الذي أصاب المال منه، أهو حلالٌ، أم حرام، وإنما مطلوبه المال، فبأيّ وجه وصل إلى يده أخذه. وقال ابن التين رحمه الله تعالى: أخبر النبيّ وَّل بهذا، تحذيرًا من فتنة المال، وهو من بعض دلائل نبوّته؛ لإخباره بالأمور التي لم تكن في زمنه، ووجه الذّمَ من جهة التسوية بين الأمرين، وإلا فأخذ المال من الحلال ليس مذمومًا، من حيث هو. ذكره في ((الفتح)) ١٥/٥ ((كتاب البيوع)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٤٥٦/٢- وفي ((الكبرى)) ١/ ٦٠٤١. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢٠٥٩ و٢٠٨٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٩٤٦٢ و١٠١٥٩ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٢٤ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الحثّ على اجتناب الشبهات في الكسب؛ لأن الوقوع فيها يجرّ إلى الوقوع في المحرّمات. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبيّ وَّر، حيث أخبر بما لم يقع في عهده، بل بعده بقرون، وهو العصر الذي === ١٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع نحن فيه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. (ومنها): أنه يدلّ على أن الحلال لا يُفقد من الأرض في أيّ عصر كان، فالواجب على المسلم أن يتحرّى في كسبه الحلال، ويبحث عنه، فإنه إذا أخلص في طلبه سيوفّق بإذن الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٥٧- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ أَبِي خَيْرَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ، قَالَ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَأْكُلُونَ الرِّبَا، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ)) . رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (ابن أبي عديّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩] ١٧٥/١٢٢. ٣- (داود بن أبي هند) القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقة متقنّ، كان يهم بآخره [٥] ٥٣٨/٢١. ٤- (سعيد بن أبي خيرة)- بفتح المعجمة، بعدها تحتانيّة ساكنة- البصريّ، مقبول [٦ ] . روى عن الحسن البصريّ، وعنه داود بن أبي هند، وعبّاد بن راشد، وسعيد بن أبي عرُوبة. ذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وزعم أنه سعيد بن وهب الهمدانيّ، ولكنه لم يُتابع على ذلك. وقال ابن المدينيّ: لم يرو عنه غير داود بن أبي هند، وهو متعقّب بما سبق. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، بهذا الحديث فقط. ٥- (الحسن) بن أبي الحسن يسار الأنصاري مولاهم البصريّ، ثقة فقيه فاضل مشهور، يرسل كثيرًا ويدلس، رأس [٣] ٣٦/٣٢. ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سعيد بن أبي خيرة، فقد تفرد به المصنف، وأبو داود، والترمذيّ، لكنه منقطع عند الجمهور؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة تعطيه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغلاني، والصحابي، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. ١٠٣ ٢- (بَأَبُ اجْتِنَبِ الشَّبُهَاتِ فِي الْكَسْب) - حديث رقم ٤٤٥٧ شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَأْكُلُونَ الرِّبَا) لرقّة دينهم، وعدم ورعهم، وقلّة اكتراثهم بالوعيد الوارد في آكل الربا، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾ الآية، وقوله ◌َّلِّر: «لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، هم فيه سواء))، رواه مسلم (فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْهُ) اجتنابًا للحرام، وتوزّعًا منه (أَصَابَهُ مِنْ غُيَارِهِ) أي أصابه غبار بعض الربا، والمراد إصابة قليل الربا، وذلك بسبب تعامله مع عامة الناس الذين لا يتورّعون من أكل الربا، والمراد أنه وإن لم يأكل الربا قصدًا، لكنه يصيبه بغير اختياره، حيث لا بدّ له من التعامل مع الناس، وهذا هو الواقع الآن، فإن الإنسان، وإن لم يقصد أكل الربا، إلا أنه لا بدّ وأن يأتيه من جهة البنوك الربويّة بأي وسلية من الوسائل؛ إذ لا بد له من أن يتقاضى راتبه الشهريّ على وظيفته، أو يأخذ ثمن سلعته، أو أجرة ما يؤاجره، أو نحو ذلك، من الأمور الحاجيّة، فبسبب هذه الأمور قد أصابه الربا، نسأل الله تعالى أن يجعل لنا فرجًا، ومخرجًا .... والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا ضعيفٌ؛ لأن فيه الحسن، أما على قول الجمهور، فإنه منقطع؛ لأنه لم يسمع من أبي هريرة رَزيه ، وأما على قول من يثبت سماعه منه، فإنه لم يصرّح بالتحديث، بل عنعنه، وهو مدلّس. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٤٥٧/٢ - وفي ((الكبرى)) ٦٠٤٢/١. وأخرجه (د) في ((البيوع)) ٢٨٩٢ (ق) في ((التجارات)) ٢٢٦٩ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٠٠٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ٣- (بَابُ التِّجَارَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((التجارة)) بكسر التاء المثنّة، وتخفيف الجيم، اسم من تجر تَجَرًا، من بابٍ قتل: إذا باع واشترى، واتّجر مثله، وهو تاجر، والجمع تَجَرٌ، مثلُ صاحب وصَخبٍ، وتُجار بضم التاء، مع التثقيل، وبكسرها مع التخفيف، قال الفيّوميّ : ولا يكاد يوجِد تاء، بعدها جيم، إلا نَتَجَ، وَجَرَ، والرَّتَجُ، وهو الباب، ورُتِجَ في منطقه، وأما تُجاه الشيء، فأصلها واو. انتهى. والمراد بالترجمة بيان فُشُوِّ التجارة وكثرتها في آخر الزمان. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٥٨- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وََّ: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، أَنْ يَفْشُوَ اَلْمَالُ، وَيَكْثُرَ، وَتَفْشُوَ التِجَارَةُ، وَيَظْهَرَ الْعِلْمُ، وَيَبِيعَ الرَّجُلُ الْبَيْعَ، فَيَقُولَ: لَا، حَتَّى أَسْتَأْمِرَ تَاجِرَ بَنِي فُلَانٍ، وَيُلْتَمَسَ فِي الْحَيُّ الْعَظِيمِ الْكَاتِبُ، فَلَا يُوجَدُ))). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصري، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤. ٢- (وهب بن جرير) بن حازم الأزديّ البصريّ، ثقة [٩] ١١٧٨/١٩٦ . ٣- (أبوه) جرير بن حازم بن زيد بن عبد اللَّه الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه، وقد اختلط، لكنه لم يحدّث بعد اختلاطه [٦] ١٠١٤/٨٢ . ٤- (يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ١٠٩/٨٨ . ٥- (الحسن) بن أبي الحسن البصريّ المذكور في السند السابق. ٦- (عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ) بفتح التاء المثنّة، وسكون المعجمة، وكسر اللام، ثم موحّدة- النمريّ - بفتح النون، والميم- من النمِر بن قاسط، ويقال العبديّ، من جُواثًا، قرية من قُرَى البحرين، له صحبة، روى عن النبيّ وَّر، وعنه الحسن البصريّ، ولم يرو عنه غيره، قاله غير واحد، وذكر ابن عبد البرّ أن الحكم بن الأعرج روى عنه أيضًا، وسبقه إلى ذلك أبو محمد بن أبي حاتم في ((كتاب الجرح والتعديل)). قال البخاريّ: يُعدّ في البصريين، ولم يذكر له راويًا غير الحسن، وأنه قد صرّح الحسن بسماعه منه، ١٠٥ = E ٣- (بابُ التجارة) - حدیث رقم ٤٤٥٨ فكأنه تأخّر إلى بعد الأربعين. روى له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة أصحاب الأصول بلا واسطة. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) أَي من علامات قرب القيامة (أَنْ يَفْشُوَ الْمَالُ) أي يظهر، والمراد به كثرته، فما بعده عطف تفسير له (وَيَكْثُرَ، وَتَفْشُوَ التِجَارَةُ) أي البيع والشراء (وَيَظْهَرَ الْعِلْمُ) هكذا في معظم النسخ بلفظ ((العلم)»، والظاهر أن المراد به علم الدنيا، ويؤيّد هذا ما وقع في ((الكبرى)) بلفظ: ((ويظهر القلم)) بالقاف، فإن ظهور القلم إنما يكون بسبب انتشار العلم الدنيويّ، كما هو المشاهد الآن، ولا تنافي بينه وبين حديث أنس رَّه، مرفوعًا: ((إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويُشرب الخمر، ويظهر الزنا))، متفقٌ عليه، فإن المراد به العلم الديني، فالناس جهلاء في أمور دينهم؛ لبعدهم عنه، علماء بأمور دنياهم؛ لانهماكهم في حبّ الدنيا، وانشغالهم بها. وأما ما قاله السنديّ: من معنى ((يظهر العلم)) يزول، ويرتفع: أي يذهب العلم عن وجه الأرض، فبعيد عن لفظ الحديث، ولعله إنما فسّره به لئلا يتعارض مع حديث أنس رَبّه المذكور، ولا تنافي بينهما، كما أوضحته آنفًا، ولله الحمد. ووقع في بعض النسخ: ((ويظهر الجهل))، وهو واضح. والله تعالى أعلم. قال الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى: في الحديث إشارة قويّة إلى اهتمام الحكومات اليوم في أغلب البلاد بتعليم الناس القراءة والكتابة، والقضاء على الأميّة، حتى صارت الحكومات تتباهى بذلك، فتعلن أن نسبة الأميّة قد قلّت عندها حتى كادت أن تُمحى، فالحديث علم من أعلام نبوّته وّر بأبي هو وأمي، ولا يخالف ذلك كما قد يتوهّم البعض ما صحّ عنه بَّر في غير ما حديث أن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويظهر الجهل؛ لأن المقصود به العلم الشرعيّ الذي به يعرف الناس ربهم، ويعبدونه حقّ عبادته، وليس بالكتابة، ومحو الأميّة كما يدلّ على ذلك المشاهدة اليوم، فإن كثيرًا من ١٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ الشعوب الإسلاميّة فضلًا عن غيرها لم تستفد من تعلّمها القراءة والكتابة على المناهج العصريّة إلا الجهل، والبعد عن الشريعة الإسلاميّة، إلا ما قلّ وندر، وذلك مما لا حكم له. انتهى ((السلسلة الصحيحة)) ٦/ ٦٣٥ رقم الحديث ٢٧٦٧ . (وَبَبِيعَ الرَّجُلُ الْبَيْعَ) أي يريد أن يبيع المبيع لمن سامه (فَيَقُولَ: لَا) أي لا أعقد البيع معك (حَتَّى أَسْتَأْمِرَ تَاجِرَ بَنِي فُلَانٍ) أي حتى أشاوره، ومراده أن يسأله عن سعر المتاع؛ لأنه ربما يزيد عنده، وهذا دليل على كثرة اهتمام الناس، وحرصهم على إصلاح الدنيا، وقال السنديّ: معنى ((حتى أستأمر تاجر بني فلان)): أي أشاوره، بيان لكثرة الجهل، إذ لا يجوز التعليق في البيع، لكن بعض العلماء جوّزوا شرط الخيار لغيره. انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا التفسير بعيد من سياق الحديث، بل الظاهر أن المعنى على الأول، والله تعالى أعلم. (وَيُلْتَمَسَ) بالبناء للمفعول: أي يُطلب (فِي الْحَيِّ الْعَظِيم) أي القبيلة الكبيرة (الْكَاتِبُ) أي الذي يكتب بالعدل، ولا يطمع في المال بغير حقّ. قَاله السنديّ (فَلَا يُوجَدُ) ذلك الكاتب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث : (المسألة الأولى): في درجته : حديث عمرو بن تغلب رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، أخرجه المصنّف هنا-٣/ ٤٤٥٨- وفي ((الكبرى)) ٦٠٤٨/٣، وهو من أفراده، فلم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه الحاكم في ((مستدركه)) ٧/٢، وأبو داود الطيالسيّ في ((مسنده)) ١١٧١. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عنعنة الحسن؟. [قلت] : ثبت تصريحه بالتحديث من عمرو بن تغلب، حديث أشراط الساعة عند البخاريّ في ((صحيحه)) ولفظه : ٢٧١٠ - حدثنا أبو النعمان، حدثنا جرير بن حازم، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا عمرو بن تغلب، قال: قال النبي وَله: ((إن من أشراط الساعة، أن تقاتلوا قوما، ينتعلون نعال الشعر، وإن من أشراط الساعة، أن تقاتلوا قوما، عِرَاض الوجوه، كأن وجوههم الْمَجَانّ المطرقة)). وأخرجه أبو داود الطيالسيّ، وفيه ذكر التجارة، والقلم، ولفظه: حدّثنا ابن فضالة، عن الحسن، قال: قال عمرو بن تغلب: سمعت رسول اللَّه وَل يقول: ((إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا، نعالهم الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا، كأن ٤- (مَا يَجِبُ عَلَى التَّجَارِ مِنَ التَّوْقِيَةِ ... - حديث رقم ٤٤٥٩ ١٠٧ = وجوههم المجانّ المطرقة، وإن من أشراط الساعة أن يكثر التجّار، ويظهر القلم)). وإن لم يكن بهذا اللفظ، كما بيّنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في ((الصحيحة)) ٦/ القسم الأول ٦٣١ . ومما يشهد لهذا الحديث ما أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٤٠٧ والبخاريّ في ((الأدب المفرد)) رقم ١٠٤٩ بإسناد صحيح، عن سيّار أبي الحكم، عن عبد الله بن مسعود رَّهُ، عن النبيّ وَّه: ((إن بين يدي الساعة تسليم الخاصّة، وفُشُوّ التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحقّ، وظهور القلم)). والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فشوّ التجارة، وأنه من أشراط الساعة. (ومنها): أن كثرة المال من أشراط الساعة، ولا خير فيه؛ لأنه يُلهي عن الآخرة، إلا لمن وفقه الله تعالى للقيام بحقّه. (ومنها): أن ظهور علم الدنيا، وانتشاره بين الأمة، من أشراط الساعة، وأنه لا خير فيه إذا صدّ الناس عن الاشتغال بالعلم الشرعيّ، كما هو مشاهد عند أكثر الناس المتعلّمين اليوم، وأما من قام بتعلم الواجب الدينيّ، ثم أضاف إليه علم العصر، فإنه خير كثيرٌ. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر وَير بهذه الأمور، فجاءت مطابقة لما أخبر به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٤- (مَا يَجِبُ عَلَى التُّجّارِ مِنَ التَّوْقِيَّةِ فِي مُبَايَعَتِهِمْ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((التوقية)): مصدر وقّى بتشديد القاف، قال في ((القاموس)): وقاه وَقْيًا، ووِقَايةٌ، وواقيةً: صانه، كوقّاه، والوَقَاء - بالفتح- ويُكسر، والوقاية، مثلثةً: ما وقيت به، والتوقِيةُ: الْكِلَاءَة، والحفظُ. انتهى. فالمعنى هنا: حفظ أموالهم من تعريضها عند البيع للحرام، كأن يكذب أنها سليمة، = ١٠٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ ويكتم ما بها من العيب. وقوله: ((في مبايعتهم))، وفي نسخة: ((في مبايعاتهم)) بلفظ الجمع، وفي أخرى: ((في مَبايعهم))، والظاهر أنه بفتح الميم: جمع مبيعة، كمعيشة ومعايش. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٥٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَجَر: ((الْبَيْعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، فَإِنْ صَدَقَا، وَبَيْتًّا، بُورِكَ فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا، وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا))) . رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (عمرو بن عليّ) الفلاس المذكور في الباب الماضي. ٢- (يحيى) بن سعيد القطان اليبصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/٤. ٣- (شعبة) بن الحجاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤ . ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ٣٤/٣٠. ٥ - (أبو الخليل) صالح بن أبي مريم الضُّبَعيّ مولاهم البصريّ، ثقة [٦] ٣٣٠٨/٥١. ٦- (عبد الله بن الحارث) بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، له رؤية، ولأبيه وجدّه صحبة، ثقة [٢] ٢٢١١/٤١. ٧- (حَكِيمُ بْنُ حِزَام) بن خُويلد بن أسد بن عبد العُزّى الأسديّ، أبو خالد المكيّ، ابن أخي خديجة، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما، أسلم يوم الفتح، وصحب، وله (٧٤) سنة، ثم عاش إلى سنة (٥٤) أو بعدها، وكان عالمًا بالنسب وتنميه ١٢٥/ ١٠٨٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير عبد الله بن الحارث، فمدني، وحكيم، فمكيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: قتادة، وأبو الخليل، وعبد الله بن الحارث. (ومنها): أن صحابيّه ممن وُلد في جوف الكعبة، ولا يُعرف هذا لغيره جاهليّةً، ولا إسلامًا، وهو من الصحابة الذين عاشوا (١٢٠) سنة، ستين في الجاهليّة، وستّين في الإسلام، وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث))، حيث قال: وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا عِشْرِينَ بَعْدَ مِائَةٍ تُكَمَّلُوا ٤- (مَا يَجِبُ عَلَى التَّجَارِ مِنَ التَّوْقِيَةِ ... - حديث رقم ٤٤٥٩ ١٠٩= حُوَيْطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ سِتُّون فِي الإِسْلَامِ حَسَّانْ يَلِي وَأَخَرُونَ مُطْلَقَ سَعِيدُ ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْثَنْ سَعِيدُ لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيِّ نَافِعُ عَاصِمُ سَعْدٌ نَوْقَلْ مُشْتَجِعُ أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌّ وَجَدُهُ وَجَدُ نَابِغَةٌ ثُمَّةَ حَسَّانُ انْفَرَدْ بِكَغْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِذْ ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَام) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((الْبَيْعَانِ) بفتح الموحّدةَ، وتشديد التحتانيّة: أي المتبايعان، وهما اللذان جرى العقد بينهما، فإنهما لا يُسمّيان بيّعين إلا حينئذ (بِالْخِيَارِ) أي لكلّ منهما خيار فسخ البيع (مَا لَمْ يَفْتَرِقَا) بتقديم الفاء على التاء، وبالتخفيف، هكذا في ((المجتبى)) في حديث حكيم بن حزام رَّه، هنا وفي الآتي بعد ثلاثة أبواب، ووقع في ((الكبرى)): ((ما لم يتفرّقا)) بتقديم التاء، وتشديد الراء، و ثبت بالوجهين في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الآتي، قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: حكى ثعلب، عن ابن الأعرابيّ، عن المفضّل أنه قال: ((يفترقان)) بالكلام، و((يتفرّقان)) بالأبدان، وأنكره القاضي أبو بكر بن العربيّ، وقال: لا يشهد له القرآن، ولا يعضده الاشتقاق، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَنْهُمُ الْبِنَةُ﴾ الآية [البينة: ٤]، فذكر التفرّق فيما ذكر فيه النبيّ ◌َّ الافتراق في قوله: ((افترقت اليهود والنصارى على ثنتين وسعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)). قال وليّ الدين: التفرّق الذي في الآية، والافتراق الذي في الخبر لا يمتنع أن يراد بهما الأبدان؛ لأنه لازم لاختلاف العقائد غالبًا، فإن من خالف شخصًا في عقيدته هجره، ولم يساكنه غالبًا، وبتقدير أن يُراد به الأقوال، فلا يطابق مَنْ أَوَّلَ هذا الحديث على الافتراق بالأقوال، كما سنحكيه؛ لأن أقوال أولئك المختلفين مفترقة، ولا يطابق شيء منها الآخر، وأما هنا فإن قولي المتبايعين متوافقان، لا يُخالف أحدهما الآخر، فإنه لو خالفه لم يصحّ البيع. والله أعلم. انتهى ((طرح التثريب)) ١٤٨/٦. ثم إن هذا الافتراق هو الافتراق عن المجلس بالأبدان عند الجمهور، وهو ظاهر اللفظ. وقيل: المراد بالمتبايعين المتساومان اللذان جرى بينهما كلام البيع، وإن لم يتمّ البيع بينهما بالإيجاب والقبول، وهما بالخيار، إذ يجوز لكلّ منهما أن يرجع عن العقد ١١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ما لم يفترقا بالأقوال، وهو الفراغ عن العقد، فصار حاصله: لهما الخيار قبل تمام العقد، وبهذا قال الحنفيّة، ولا يخفى أن الخيار قبل تمام العقد ضروريّ، لا فائدة في بيانه، مع ما فيه من حمل البيع على السوم، وحمل التفرّق على الأقوال، وكلّ ذلك بعده ظاهرٌ، قال السنديّ رحمه الله تعالى: إلا أن يجاب عن الأول بأنه لدفع أن الموجب لا خيار له؛ لأنه أوجب، ثم بعض روايات التفرّق في ((الصحيحين)) ينفي هذا الحمل قطعًا. انتهى. فظهر بهذا أن قول الجمهور هو الصحيح، وسيأتي تمام البحث في ذلك بعد ثلاثة أبواب، إن شاء الله تعالى. (فَإِنْ صَدَقَا، وَبَيْنَا) أي صدق البائع في إخبار المشتري مثلًا، وبيّن العيب، إن كان في السلعة، وصدق المشتري في قدر الثمن مثلًا، وبيّن العيب، إن كان في الثمن. ويحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحدٍ، وذِكرُ أحدهما تأكيد للآخر. قاله في ((الفتح)) ٥/ ٥٧ (بُورِكَ فِي بَيْعِهِمَا) فعل مبنيّ للمفعول، ونائب فاعله الجار والمجرور (وَإِنْ كَذَبَا، وَكَتَمَا مُحِقَ) بالبناء للمفعول، من المحق، يقال: مَحَقَّه مَحقًّا، من باب نفع: نقصه، وأذهب منه البركة. وقيل: هو ذَهَاب الشيء كلّه، حتّى لا يُرَى له أثرٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَواْ﴾ الآية، وانمحق الهلال لثلاث ليال في آخر الشهر، لا يكاد يُرى لخفائه، والاسم الْمِحَاق بالضمّ، والكسرُ لغةٌ. قاله الفيّوميّ. وقوله (بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) بالرفع على أنه نائب الفاعل، قال في ((الفتح)) ٥٧/٥: يحتمل أن يكون على ظاهره، وأن شؤم التدليس، والكذب وقع في ذلك العقد، فمحق بركته، وإن كان الصادق مأجورًا، والكاذب مأزورًا. ويحتمل أن يكون ذلك مختصًا بمن وقع منه التدليس، والعيب، دون الآخر، ورجّحه ابن أبي جمرة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث حكيم بن حزام رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٤٥٩/٤ و٤٤٦٦/٨- وفي ((الكبرى)) ٦٠٤٩/٤ و٦٠٥٦/٨ . وأخرجه (خ) في ((البيوع)» ٢٠٧٩ و١٩٤٠ و٢٠٨٢ و٢١٠٨ و٢١١٠ (م) في ((البيوع)) ٢٧٢٥ (د) في ((البيوع)) ٣٠٠ (ت) في ((البيوع)) ١١٦٧ (أحمد) في ((مسند المكتّين)) ١٤٧٧٥ و١٤٧٨٥ و١٥٠٢٤ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٣٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ٥- (المُنفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الكَاذِب) - حديث رقم ٤٤٦٠ = ١١١ (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب التحفّظ في البيع والشراء، وذلك لا يكون إلا بصدق كلّ واحد منهما فيما يُخبر به من المبيع، أو الثمن، وبيان ما فيهما من عيوب، فلا يجوز لمسلم أن يبيع سلعة معيبة، إلا إذا بيّن ما فيها من العيب، ومثله المشتري. (ومنها): حصول البركة للمتبايعين إن حصل منهما الشرط، وهو الصدق، والتبيين، ومحقها إن وُجد ضدّهما، وهو الكذب، والكتم، وهل تحصل البركة لأحدهما، إذا وُجد المشروط، دون الآخر؟ ظاهر الحديث يقتضيه. ويحتمل أن يعود شؤم أحدهما على الآخر، بأن تُنزع البركة من المبيع، إذا وُجد الكذب، أو الكتم من كلّ واحد منهما، وإن كان الأجر ثابتًا للصادق المبيّن، والوزر حاصلٌ للكاذب الكاتم . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الظاهر؛ لظاهر الحديث، وقد تقدّم قريبًا أن ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى رجّحه. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن الدنيا لا يتمّ حصولها إلا بالعمل الصالح، وأن شؤم المعاصي يَذهب بخير الدنيا والآخرة. (ومنها): بيان فضل الصدق، والحثّ عليه، وأنه سبب لبركة كسب العبد. (ومنها): ذمّ الكذب، والحثّ على تركه، وأنه سبب لذهاب البركة من كسب العبد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ٥- (الْمُنَفْقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِب) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((المنفق)): بصيغة اسم الفاعل، من التنفيق، أو الإنفاق، والأول هو المشهور: وهو المروّج متاعه للناس. و((السعلة)) : -بكسر السين المهملة، وسكون اللام -: البضاعة، وجمعها سِلَع بكسر، ففتح - كسِذْرة وسِدَر. و ((الحلف)) - بكسر اللام، وتُخفّف بالسكون: اليمين. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٦٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيّ بْنِ مُذْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرِّ، عَنِ النَّبِيّ ١١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ وَِّ، قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلْمُهُمُ اللَّهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ، قَالَ أَبُو ذَرُّ: خَابُوا، وَخَسِرُوا، قَالَ: ((الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمُتَفْقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((محمد)): هو ابن جعفر، غندر. و((عليّ بن مُدرك)): هو النخعيّ الكوفيّ الثقة [٤]. و((خَرَشة)) - بفتحات- ((ابن الحرّ)) بضم المهملة، اختُلف، قال أبو داود: له صحبة، وقال العجليّ: ثقة، من كبار التابعين. و((أبو زرعة بن عمرو بن جرير)): هو البجليّ الكوفيّ، حفيد جرير بن عبد الله البجليّ الصحابيّ وَّه ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: غير ذلك. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم في ((كتاب الزكاة)) ٦٩/ ٢٥٦٣ - وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. وقوله: ((ثلاثة لا يكلّمهم اللَّه الخ)) الكلام مسوقٌ لإفادة كمال الغضب عليهم، وإلا فلا يغيب أحد عن نظره تعالى، فقوله: ((لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم)): أي كلامًا يسرّهم، ونظر رحمة ولطف. وقوله: (ولا يزكّيهم)): أي لا يطهّرهم عن دنس الذنوب بالمغفرة، أو لا يُثني عليهم بالأعمال الصالحة، ثم كلّ هذا مقيّد بأول الأحوال، لا بالدوام، وهو أيضًا بيان ما يستحقّونه، وفضل الله أوسع، فقد قال عز وجل: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ . وقوله: ((فقرأها رسول اللَّه وَّ)): أي قرأ هذه الجمل المذكورة. وقوله: ((خابوا، وخسروا)) يحتمل أن يكون دعاءً عليهم، أو إخبارًا بخيبتهم، وخسارتهم. وقوله: ((المسبل)): اسم فاعل، من أسبل: أي من يطوّل ثوبه، ويرسله إلى الأرض إذا مشى، وهذا اللفظ مطلق، وقد قُيّد في الرويات الأخرى بأن ذلك إذا فعله تكبّرًا، وخيلاء، وأما غيره، وإن كان منهيّا عنه، لكنه ليس داخلًا في هذا الوعيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٦١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهٍِ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمُتَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْكَذِبِ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((يحيى)): هو ٥- (المُنفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الكَاذِب) - حديث رقم ٤٤٦٢ ١١٣ القطّان. و((سفيان)): هو الثوريّ. و((سليمان بن مسهر)): هو الفزاريّ الكوفيّ، ثقة [٤] ٦٩ / ٢٥٦٤ . والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٦٢- (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ - يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ - عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ، يَقُوَّلُ: ((إِيئَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفَ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَةً يُتَفْقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الحمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠٪ ٦٢ . ٢- (أبو أسامة) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت ربما دلّس، وكان بآخره يحدّث من كتب غيره، من كبار [٩] ٤٤/ ٥٢. ٣- (الوليد بن كثير) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوق، عارف بالمغازي، ورمي برأي الخوارج [٦] ٥٢/٤٤ . ٤- (معبد بن كعب بن مالك) الأنصاريّ السَّلَميّ المدنيّ، روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، وأخرج له البخاريّ ومسلم [٣] ٤٨/ ١٩٣٠. ٥- (أبو قتادة) الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن ربعي - بكسر الراء، وسكون الموحدة، بعدها مهملة-ابن بُلْدُمة- بضم الموحدة، والمهملة، بينهما لام ساكنة- السلميّ- بفتحتين- المدنيّ، شهد أحدًا، وما بعدها، ولم يصحّ شهوده بدرًا، ومات رَّه سنة (٥٤) وقيل: سنة (٣٨) والأول أصحّ. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ، وشيخ شيخه، فكوفي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ) ◌َّهِ اخْتُلف في اسمه، كما سبق آنفًا (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ ، يَقُولُ: ((إِيَّاكُمْ) هذا تحذيرٌ، وهو تنبيه المخاطب على أمر يجب الاحتراز منه، وهو منصوب بفعل محذوف وجوبًا، والتقدير إياكم أحذّر، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في «خلاصته»: ١١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ إِيَّاكَ وَالشَّرِّ وَنَخْوَهُ نَصَبْ مُحَذْرٌ بِمَا اسْتِثَارُهُ وَجَبْ وقوله (وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْع) بنصب ((كثرة)) بالعطف على ((إيّا))، والمعنى: أحذّركم عن إكثار الحلف في البيع، وإنما حذّرهم منه؛ لأن الغالب ممن كثرت أيمانه وقوعه في الكذب، والفجور، وإن سلم من ذلك - على بعده- لم يسلم من الحنث، أو الندم؛ لأن اليمين حنث، أو مندمة، وإن سلم من ذلك لم يسلم من مدح السلعة المحلوف عليها، والإفراط في تزيينها؛ ليُروّجها على المشتري، مع ما في ذلك من ذكر الله تعالى، لا على جهة التعظيم، بل على جهة مدح السلعة، فاليمين على ذلك تعظيم للسّلَع، لا تعظيم للّه تعالى، وهذه كلّها أنواع من المفاسد، لا يُقدِم عليها إلا من عقله، ودينه فاسد. قاله في ((المفهم)) ٥٢٣/٤. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: [فإن قلت] : ما وجه إيراد المصنّف هذا الحديث في هذا الباب، لأن ظاهره يدلّ على ذم كثرة الحلف، وإن كان صادقًا، والمصنّف رحمه الله تعالى قيّد الترجمة بالكذب، حيث قال: ((المنفّق سلعته بالحلف الكاذب»؟. [قلت]: وجه إيراده هنا الإشارة إلى أن النهي عن كثرة الحلف إنما هو لكونه مفضيًا إلى أن يحلف كاذبًا في بعض الأمور. والله تعالى أعلم. (فَإِنّةُ) أي المذكور من كثرة الحلف (يُنَفْقُ) بضم أوله، وتشديد الفاء، من التنفيق، ويجوز كونه من الإنفاق: أي يروّج السلعة (ثُمَّ يَمْحَقُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب نفع، كما سبق قريبًا، أي يزيل البركة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث : (المسألة الأولى): في درجته : حديث أبي قتادة الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٤٦٢/٥ - وفي ((الكبرى)) ٦٠٥٣/٥. (م) في ((البيوع)) ٢٠١٥ (ق) في (التجارات)) ٢٢٠٠ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار ٢١٥٠٤ و٢١٥٢٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٦٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وََّ، قَالَ: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسَّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ»). ٥- (المُتَفَقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الكَاذِب) - حديث رقم ٤٤٦٣ ١١٥ رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْح) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٩/٣٥. ٢- (ابْنُ وَهْبٍ) عبد اللَّه المصَريّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٩/٩. ٣- (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [٧] ٩/ ٩. ٤ - (ابْنُ شِهَاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ . ٥- (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) بن حزن بن أبي وهب المخزومي المدنيّ الثقة الثبت الحجة الفقيه [، من كبار [٣]٩/٩. ٦- (أبو هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه١/١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريّين، والثاني مسلسل بثقات المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ابن شهاب، عن ابن المسيّب. (ومنها): أن هذا السند أصحّ أسانيد أبي هريرة ◌َظّه ، وقيل: أصحها: أبو الزناد، عن الأعرج، عنه. وقيل: أصحها: حماد بن زيد، عن أيوب السختيانيّ، عن محمد بن سيرين، عنه. وإلى هذا أشار السيوطيّ في ((ألفية الحديث))، حيث قال: سَعِيدٍ أَوْ أَبُو الزُّنَادِ حَيْثُ عَنْ وَلَأَّبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَنْ أَعْرَج وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَى (ومنها): أن فيه أبا هريرة تَظمي أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ وََّ) وفي رواية البخاريّ: ((سمعت رسول اللَّه وَلٍّ)) (قَالَ: ((الْحَلِفُ) بفتح الحاء المهملة، وكسر اللام، وتسكّن: أي اليمين، قال السيوطيّ في ((حاشية أبي داود)): المراد اليمين الكاذبة. فقال السندي: يمكن إبقاؤه على إطلاقه؛ لأن الصادق لترويج أمر الدنيا، وتحصيله يتضمّن ذكر الله تعالى للدنيا، وهو لا يخلو عن كراهة مّا، بخلاف يمين المدّعَى عليه، فإنها لإزالة التهمة، فلا كراهة فيها، إذا كانت صادقة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله السيوطيّ هو الأولى؛ لورده مبيّنا في رواية أحمد من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة تَّه ، بلفظ: ١١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ((اليمين الكاذبة))، وخير ما فُسّر به الوارد هو الوارد (مَنْفَقَةٌ) بفتح الميم، والفاء، بينهما نون ساكنة، مَفْعَلة من النَّفاق - بفتح النون-، وهو الرواج، ضدّ الكساد (لِلسِّلْعَةِ) بكسر السين المهملة: المتاع (مَمْحَقَةٌ) بالمهملة، والقاف، بوزن ما قبله، وحكى عياض ضمّ أوله، وكسر الحاء، والمحق النقص، والإبطال. وقال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: الرواية مَنفَقة، ممحقة - بفتح الميم، وسكون ما بعدها، وفتح ما بعدها- وهما في الأصل مصدران مزيدان، محدودان، بمعنى النَّفاق، والمحق: أي الحلف الفاجرة تنفق السلعة، وتمحق بسببها البركة، فهي ذات نَّفَاق، وذات مَخْق. ومعنى تمحق البركة: أي تُذهبها، وقد تُذهب رأس المال والربح، كما قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الرِّبَوْ وَيُرْبِىِ الضَدَفَتِّ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦] وقد يتعدّى المحق إلى الحالف، فيُعاقب بإهلاكه، وبتوالي المصائب عليه، وقد يتعدّى ذلك إلى خراب بيته، وبلده، كما روي أن النبيّ مَالر قال: ((اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع))(١)، أي خالية من سكانها، إذا توافقوا على التجرّؤ على الأيمان الفاجرة. وأما محق الحسنات في الآخرة، فلا بدّ منه لمن لم يتب، وسبب هذا كلّه أن اليمين الكاذبة يمين غَمُوس، يؤكل بها مال المسلم بالباطل. انتهى ((المفهم)) ٤/ ٥٢٢-٠٥٢٣ (لِلْكَسْبِ))) هكذا في رواية ابن وهب بلفظ («الكسب))، وتابعه الليث عند الإسماعيليّ، ومال الإسماعيليّ إلى ترجيح هذه الرواية، وفي رواية البخاريّ: (للبركة))، ولمسلم: ((للربح)). والمعنى أن الحلف مظنّة لرواج السلعة في الحال، لكنه مزيل لبركتها في المآل، بأن يسلّط الله تعالى عليه وجوها من أسباب التلف، إما سرقة، أو حرقًا، أو غرَقًا، أو غصبًا، أو نهبًا، أو عوارض أخرى يتلف بها مما شاء الله تعالى، فيكون كسبه، وجمعه مجرّد تعب، وكدّ، وهو عقاب من اللّه تعالى، مع ما ينتظره من العذاب الأليم في الآخرة، إن لم يتب، كما قال عز وجل: ﴿فَلَا تُمْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِىِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متفقٌ عليه. (١) حديث صحيح، أخرجه البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) مطولًا - ٣٥/١٠، وانظر ((السلسة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ رحمه اللَّه تعالى ٧٠٦/٢-٧٠٩. ١١٧= = ٦- (الْخَلِفُ الوَاجِبُ لِلْخَدِيعَةِ فِي الْبَيْع) - حديث رقم ٤٤٦٤ (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٤٦٣/٥- وفي ((الكبرى)) ٦٠٥٣/٥. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢٠٨٧ (م) في ((البيوع)) ١٦٠٦ (د) في ((البيوع)) ٣٣٣٥ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٦٩٠٩ و٦٩٩٢ و٨٩٨١ . والكلام على مناسبة الحديث للباب تقدّم في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٦- (الْحَلِفُ الْوَاجِبُ لِلْخَدِيعَةِ فِي الْبَيْع) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا النسخ بلفظ (الواجب)) بصيغة اسم الفاعل من الثلاثيّ، والظاهر كونه بلفظ الموجب بصيغة اسم الفاعل من الرباعي، أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على الوعيد لمن حلف يمينًا، موجبًا للخديعة في بيعه، يعني أنه خدع مسلمًا بسبب يمينه الكاذبة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٦٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بِ، قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَّا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَّا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءِ بِالطَّرِيقِ، يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْهُ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامَا لِدُنْيًا، إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ، وَفَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا، عَلَى سِلْعَةٍ، بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ، لَقَدْ أَعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ الْآخَرُ))). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزيّ المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢ . ٢- (جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبّيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٨] ٢/٢ .. ٣- (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلس [٥] ١٨/١٧. ١١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ٤- (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٤٠/٣٦. ٥- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه، وفي رواية للبخاريّ، من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، سمعت أبا صالح، يقول: سمعت أبا هريرة رَّهِ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ﴾ أنه (قَالَ: (( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) أي بكلام من رضي عنه، وإنما يكلّمهم بكلام من سخط عليه، كما جاء في ((صحيح البخاريّ)) من حديث أبي هريرة وَّهِ، مرفوعًا: ((يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك))، وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز أنه يقول للكافرين: ﴿أَخَْثُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. وقيل: معناه: لا يكلّمهم بغير واسطة، استهانة بهم. وقيل: معنى ذلك الإعراض عنهم، والغضب عليهم (وَلَّا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي نظر لطف، ورحمة، وإحسان إليهم؛ إذ نظره تعالى محيط بكل شيء (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكْيِهِمْ) قال الزجاج: لا يُثني عليهم، ومن لم يُثِنِ عليه عذّبه. وقيل: لا يطهّرهم من خُبث أعمالهم؛ لعظيم جُرْمهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي شديد الألم الموجع (رَجُلٌ عَلَى فَضْلٍ مَاءٍ) يعني بفضل الماء ما فضل عن كفاية السابق للماء، وأخذ حاجته منه، فمن كان كذلك، فمنع ما زاد على ذلك تعلّق به هذا الوعيد (بِالطَّرِيقِ) وفي رواية للشيخين: ((بالفلاة)): أي القفر، وهو المراد بالطريق هنا، كما قاله في ((الفتح)) ١١٤/١٥ (يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْهُ) وفي رواية للبخاريّ: ((رجل كان له فضل ماء، منعه من ابن السبيل))، قال في ((الفتح)): والمقصود واحد، وإن تغاير المفهومان؛ لتلازمهما؛ لأنه إذا منعه من الماء، فقد منع الماء منه. انتهى. و(ابن السبيل)): هو المسافر، و((السبيل)): الطريق، وسمّي المسافر بذلك؛ لأن الطريق تُبرزه، وتظهره، فكأنها ولدته. وقيل: سُمّي بذلك؛ لملازمته إياه، كما يقال في الغراب: ابن دَأْيَة؛ لملازمته دَأية البعير الذَّبِرِ لينقُرها (١). (١) ((البعير الدبر)): هو الذي تقرّحت دأيته، والدأية من البعير: هو الموضع الذي تقع عليه ظَلِفَةُ الرحل، فيعقره. ٦- (الْخَلِفُ الوَاجِبُ لِلْخَدِيعَةِ فِى الْبَيْع) - حديث رقم ٤٤٦٤ ١١٩ == وهذا الماء هو الذي قد نهى النبيّ وَّ عن منعه بقوله: ((لا يُمْنَعُ فضلُ الماء؛ ليُمْنَعَ به الكلأُ))، متّفقٌ عليه. وقد أجمع المسلمون على تحريم ذلك؛ لأنه منع ما لا حقّ له فيه من مستحقّه، وربّما أتلفه، أو أتلف ماله وبهائمه، فلو منعه هذا الماء حتى مات عطشًا قِيد منه، عند مالك؛ لأنه قتله، كما لو قتله بالجوع، أو بالسلاح. انتهى ((المفهم)) ١/ ٣٠٦. (وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لِدُنْيَا) وفي رواية مسلم: ((لا يبايعه إلا لدنيا))، قال القرطبيّ: إنما استحقّ هذا الوعيد الشديد؛ لأنه لم يَقُم للَّه تعالى بما وجب عليه من البيعة الدينيّة، فإنها من العبادات التي تجب فيها النّة، والإخلاص، فإذا فعلها لغير الله تعالى من دنيا يقصدها، أو غرض عاجل يقصده، بقيت عهدها عليه؛ لأنه منافق مُراء غاشّ للإمام والمسلمين، غير ناصح في شيء من ذلك، ومن كان هذا حاله كان مُثيرًا للفتن بين المسلمين، بحيث يسفك دماءهم، ويستبيح أموالهم، ويهتك بلادهم، ويسعى في إهلاكهم؛ لأنه إنما يكون مع من بلّغه إلى أغراضه، فيبايعه لذلك، وينصره، ويغضب له، ويقاتل مخالفه، فينشأ من ذلك تلك المفاسد، وقد تكون هذه المخالفة في بعض أغراضه، فينكث بيعته، ويطلب هلكته، كما هو حال أهل أكثر هذه الأزمان، فإنهم قد عمّهم الغدر، والخذلان. انتهى ((المفهم)) ٣٠٨/١-٣٠٩ . (إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ) أي من أغراضه الدنيويّة (وَفَى لَهُ) أي ما عليه من الطاعة، مع أن الوفاء واجب عليه مطلقًا (وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ) أي ما يريده، فالمفعول الثاني محذوف للعلم به (لَمْ يَفِ لَهُ) قال القرطبيّ: هكذا الرواية ((وفَى)) بتخفيف الفاء، و((يَفٍ)) محذوف الواو، والياء، مخفّفًا، وهو الصحيح هنا راويةً، ومعنًى؛ لأنه يقال: وفى بعهده يفي وفاءً، والوفاء بالعهد ممدود: ضدّ الغدر، ويقال: ((أوفى)) بمعنى وفى، وأما (وفّى)) المشدّد الفاء، فهي بمعنى توفية الحقّ، وإعطائه، يقال: وفّاه حقّه يوفّيه توفيّةً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِرَهِيمَ اُلَّذِى وَفََّ﴾ [النجم: ٣٧] أي قام بما كلّفه من الأعمال، كخصال الفطرة، وغيرها، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَتَنَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وحكى الجوهريّ: أوفاه حقّه، قال: وعلى هذا، وعلى ما تقدّم فيكون ((أوفى)) بمعنى الوفاء بالعهد، وتوفية الحقّ، والأصل في ((أوفى)): أطلّ على الشيء، وأشرف عليه. انتهى كلام القرطبيّ ((المفهم)) ٣٠٩/١. (وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا) مفاعلة من السوم، يقال: سام البائع السلعة سومًا، من باب قال: إذا عَرضَها للبيع، والتساوم بين اثنين أن يعرض البائع السلعة بثمن، ويطلبها صاحبه بثمن دون ما طلبه، أفاده الفيّوميّ (عَلَى سِلْعَةٍ) أي على بيع متاع، وفي رواية البخاريّ: ((ورجل بايع رجلا بسلعة))، وفي رواية مسلم: ((ورجل بايع رجلًا سلعة))، - ١٢٠: شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع قال القرطبيّ: رويناه ((سلعة)) بغير باء، ورويناه بالباء، فعلى الباء بايع بمعنى ساوم، كما جاء في الرواية الأخرى: ((ساوم))، مكان ((بايع))، وتكون الباء بمعنى ((عن))، كما في قول الشاعر [من الطويل] : فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النَّسَاءِ طَبِيبُ أي عن النساء. وعلى إسقاطها يكون معنى ((بايع)) باع، فيتعدّى بنفسه، و((سلعة)) مفعوله. انتهى. (بَعْدَ الْعَصْرِ) أي بعد صلاة العصر، وخصّ بعد العصر مبالغة في الذّمّ؛ لأنه وقتٌ يتوب فيه المقصّر تمام النهار، ويشتغل فيه الموفّق بالذكر ونحوه، فالمعصية في مثله أقبح. وقال النوويّ: وخصّ ما بعد العصر بالحلف؛ لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار، وغير ذلك. وقال الخطّابيّ: خصّ وقت العصر بتعظيم الإثم فيه، وإن كانت اليمين الفاجرة محرّمة في كلّ وقت؛ لأن اللَّه عظّم شأن هذا الوقت، بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغلّظت العقوبة فيه؛ لئلا يُقدم عليها تجرّؤًا، فإن من تجزّأ عليها فيه اعتادها في غيره. وكان السلف يحلفون بعد العصر، وجاء ذلك في الحديث أيضًا. ذكره في ((الفتح)) ١١٥/١٥- ١١٦. وقال القرطبيّ: وتخصيصه بما بعد العصر يدلّ على أن لهذا الوقت من الفضل والحرمة ما ليس لغيره من ساعات اليوم، ويظهر لي أن يقال: إنما كان ذلك؛ لأنه عقب الصلاة الوسطى، ولما كانت هذه الصلاة لها من الفضل، وعظيم القدر أكثر مما لغيرها، فينبغي لمصلّيها أن يظهر عليه عقبها من التحفّظ على دينه، والتحرّز على إيمانه أكثر مما ينبغي له عقب غيرها؛ لأن الصلاة حقّها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنََّ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَّرِّ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥] أي تحمل على الامتناع عن ذلك مما يحدُث في قلب المصلّي بسببها من النور، والانشراح، والخوف من الله تعالى، والحياء منه، ولهذا أشار النبيّ وَّ بقوله: ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من اللَّه إلا بعدا))(١)، وإذا كان هذا في (١) قال الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) ٢٥٨/٢: رواه الطبرانيّ في ((الكبير))، وفيه ليث بن أبي سُليم، وهو ثقة، ولكنه مدلّس، من حديث ابن عباس، ورواه أيضًا من حديث ابن مسعود، ورجاله رجال الصحيح . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الحديث ضعيف مرفوعًا، وقوله ليث بن أبي سليم ثقة، فيه نظر، بل هو متروك؛ لأنه اختلط أخيرًا، ولم يتميّز حديثه، فترك، كما قاله الحافظ في ((التقريب)). أما أثر ابن مسعود تَمّ فصحيح، موقوفًا عليه، لكن تكلّم العلماء فيه، قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: لا يصحّ حمله على ظاهره؛ لأن ظاهره معارض بما =