النص المفهرس

صفحات 81-100

٤
٢- (بَأَبُ اجْتِنَب الشُّبُهَاتِ فِي الْكَسْب) - حديث رقم ٤٤٥٥
٨١
٤٤٥٣- (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا
الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنَّ أَطْيَبَ
مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
و ((يوسف بن عيسى)): هو أبو يعقوب المروزيّ الثقة الفاضل [١٠]. و((الفضل بن
موسى)): هو السينانيّ المروزيّ. وفي الإسناد ثلاثة من ثقات الكوفيين، يروي بعضهم
عن بعض: الأعمش، وإبراهيم، والأسود.
والحديث صحيح، وقد سبق شرحه، وتخريجه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآبِ، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٥٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ:
حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ غُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ،
وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ)) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
و((عمر بن سعيد)): هو ابن مسروق الثوريّ، أخو سفيان، ثقة [٧] ٦٨٣/٤٠.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى))، و((الكبرى)): ((عمرو بن سعيد))
بفتح العين، وهو تصحيف، والصواب ((عُمَر)) بضمّها، كما في النسخة ((الهندية))،
و((تحفة الأشراف)) ٣٦٢/١١. فتنبه. والحديث صحيح، كما سبق تمام البحث فيه
قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢- (بَابُ اجْتِنَابِ الشُّبُهَاتِ فِي
الْكَسْبِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الاجتناب)): مصدر اجتنب الشيءَ: إذا ابتعد عنه.
و((الشبهات)) - بضمّتين، أو بضمّ، فسكون: أي الأمور الملتبسات. قال الفيوميّ:

=== ٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
واشتبهت الأمور، وتشابهت: التبست، فلم تتميّز، ولم تظهر، ومنه اشتبهت القبلة،
ونحوها. والشُّبْهَة في العقيدة: المأخذُ الملبّسُ، سُمّيت شبهة؛ لأنها تشبه الحقّ،
والشبهة: الْعُلْقَة، والجمع فيهما شُبَةٌ، وشُبهات، مثلُ غُرفة، وغُرَف، وغُرُفات. قال:
والاشتباه الالتباس. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٥٥- (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ-
قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّغْبِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَّ اللَّهِ
وَ، فَوَ اللَّهِ لَا أَسْمَعُ بَعْدَهُ أَحَدًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، يَقُولُ: "إِنَّ الْحَلَالَ بَيْنٌ، وَإِنَّ
الْحَرَامَ بَيِّنْ، وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَاتٍ))، وَرُبَّمَا قَالَ: ((وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَةً»، قَالَ:
((وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، حَمَى حِمَّى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا حَرَّمَ،
وَإِنْهُ مَنْ يَرْتَعُ حَوْلَّ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى))، وَرُبَّمَا قَالَ: ((إِنَةً مَنْ يَرْعَى حَوْلَ
الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُرْتِعَ فِيهِ، وَإِنَّ مَنْ يُخَالِطُ الرِّبَةَ، يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥ .
٢- (خَالِدٌ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيْمِيُّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل،
رأى أنسًا رَّه [٥] ٣٣/٢٩.
٤- (الشَّغْيِيٌ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفي، ثقة ثبت فقيه فاضل مشهور،
توفي بعد المائة، وله نحو ثمانين سنة [٣] ٦٦ /٨٢.
٥- (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
رضي الله تعالى عنهما، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل ◌َّه بحمص سنة
(٦٥) وله (٦٤) سنة، وتقدّم في ٥٢٨/١٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى ابن عون، والباقيان كوفيان. (ومنها): أن
فيه رواية تابعي عن تابعيّ، فإن ابن عون تابعيّ؛ لأنه رأى أنس بن مالك تَمّه ، فهو من
الطبقة الخامسة، لا من السادسة، كما هو في ((التقريب)). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الشَّغْبِيّ) عامر بن شَراحيل، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِير) رضي الله

٢- (بَأَبُ اجْتِنَاب الشُّبُهَاتِ فِي الْكَسْبِ) - حديث رقم ٤٤٥٥
=
٨٣
تعالى عنهما. وأخرج أبو عوانة في ((صحيحه)) من طريق أبي حَرِيز - وهو بفتح الحاء
المهملة، وآخره زاي- عن الشعبيّ، أن النعمان بن بشير، خطب به بالكوفة. وفي رواية
لمسلم أنه خطب به بحمص. قال الحافظ: ويُجمع بينهما بأنه سمع منه مرّتين، فإنه قد
ولي إمرة البلدين، واحدة بعد أخرى. وزاد مسلم، والإسماعيليّ من طريق زكرياء بن
أبي زائدة، عن الشعبيّ فيه: ((وأهوى النعمان بإصبعه إلى أذنيه، يقول: سمعت رسول
اللّه وَل يقول. وفي هذا ردّ لقول الواقديّ، ومن تبعه: إن النعمان لا يصح سماعه من
رسول اللَّه وَسَّ. وفيه دليلٌ على صحة تحمّل الصبيّ المميّز؛ لأن النبيّ وَّ مات،
وللنعمان ثمان سنين. انتهى. ((الفتح)) ١/ ١٧٢ ((كتاب الإيمان)) رقم ٥٢.
(قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿َ) وقوله (فَوَاللَّهِ لَا أَسْمَعُ بَعْدَهُ أَحَدًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ بَّه) جملة معترضة، والظاهر أنه من كلام الشعبيّ، ولعه أراد به أنه آخر من
سمع منه من الصحابة الذين يروون عنه وّلّر مباشرة. والله تعالى أعلم.
(يَقُولُ: ((إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنْ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنْ) أي في عينهما، ووصفهما بأدلّتهما
الظاهرة. قاله في ((الفتح)).
وقال السنديّ في ((شرحه)) ٢٤٢/٧: ليس المعنى كلّ ما هو حلالٌ عند الله تعالى،
فهو بيّن بوصف الحلّ، يعرفه كلّ أحد بهذا الوصف، وأن ما هو حرام عند اللَّه تعالى،
فهو كذلك، وإلا لم يبق المشتبهات، وإنما معناه والله تعالى أعلم- أن الحلال من
حيث الحكم تبيّن بأنه لا يضرّ تناوله، وكذا الحرام بأنه يضرّ تناوله، أي هما بيّنان،
يَعرف الناس حكمهما، لكن ينبغي أن يعلم الناس حكم ما بينهما، من المشتبهات بأن
تناوله يخرج من الورع، ويقرب إلى تناول الحرام، وعلى هذا فقوله: ((الحلال بين،
والحرام بيّنٌ)) اعتذار لترك ذكر حكمهما. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي فسّر به السنديّ هذا الحديث فيه نظرٌ، إذ
ظاهر السياق يأباه، بل الذي يظهر أن كلّا من الحلال والحرام بيّنّ متّضح لكل أحد له
معرفة بأمور الدين، حيث نصّ عليه في الكتاب، أو السنّة، أو الإجماع، وهناك أمور
تشتبه على كثيرين، حيث إن لها شبهًا بالحلال، وشبها بالحرام، فلا يتبيّن أمرها لكثير
من الناس، وإنما يعلمها خواصّ العلماء الذين لهم رسوخ في معرفة النصوص،
فيُلحقونها بما هي قريبة الشبه له من النوعين. والله تعالى أعلم.
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((الحلال بيّن الخ)) يعني أن كلّ
واحد منهما مبيّن بأدلّته في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله وَلّ تأصيلًا، وتفصيلاً، فمن
وقف على ما في كتاب الله، والسنّة من ذلك وجد فيهما أمورًا جليّة التحليل، وأمورًا

٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
جليّة التحريم، وأمورًا متردّدة بين التحليل والتحريم، وهي التي تتعارض فيها الأدلّة،
فهي المتشابهات. انتهى ((المفهم)) ٤٨٨/٤ .
وقال النوويّ في ((شرح مسلم)) ٢٩/١١: قوله ويتر: ((الحلال بيّن الخ)) معناه: أن
الأشياء ثلاثة أقسام: حلالٌ بيّن واضحٌ، لا يخفى حلّه، كالخبز، والفواكه، والزيت،
والعسل، والسمن، ولبن مأكول اللحم، وبيضه، وغير ذلك من المطعومات، وكذلك
الكلام، والنظر، والمشي، وغير ذلك من التصرّفات، فيها حلال بيّن واضح، لا شكّ
في حلّه.
وأما الحرام البيّن، فكالخمر، والخنزير، والميتة، والبول، والدم المسفوح،
وكذلك الزنا، والكذب، والغيبة، والنميمة، والنظر إلى الأجنبيّة، وأشباه ذلك. انتهى.
(وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ) أي بين الحلال والحرام البيّنين (أَمُورًا مُشْتَبِهَاتٍ) بوزنٍ مُفْتَعِلات،
بتاء مفتوحة، وعين خفيفة مكسورة، بصيغة اسم الفاعل، من اشتبه، وهي رواية ابن
ماجه، والمعنى أنها موحدة اكتسبت الشبه من وجهين متعارضين، ولفظ البخاريّ:
((وبينهما مُشَبَّهات))، بوزن مُفَعَّلات، بتشديد العين المفتوحة، وهي في رواية مسلم: أي
شُبْهَت بغيرها، مما لم يتبين به حكمها على التعيين، ورواه الدارمي عن أبي نعيم شيخ
البخاري فيه بلفظ وبينهما متشابهات.
وحاصل المعنى: أنها لا يتضح أمرها، أي من الحلال هي، أو من الحرام، وذلك
الاشتباه على بعض الناس بدليل قوله وَلقر فيما رواه الشيخان: ((لا يعلمها كثير من
الناس))، وفي رواية الترمذيّ: ((لا يدري كثير من الناس، أمن الحلال هي، أم من
الحرام))، فمفهوم قوله: ((كثير)) أن معرفة حكمها ممكن، لكن القليل من الناس، وهم
المجتهدون، فالشبهات على هذا في حقّ غيرهم، وقد تقع لهم، حيث لا يظهر لهم
ترجيح أحد الدليلين. قاله في ((الفتح)).
وقال النووي: أما المشتبهات، فمعناها: أنها ليست بواضحة الحلّ، ولا الحرمة،
فلهذا لا يعرفها كثير من الناس، ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء، فيعرفون حكمها
بنص، أو استصحاب، أو غير ذلك، فإذا تردّد الشيء بين الحلّ والحرمة، ولم يكن فيه
نصّ، ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد، فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعيّ، فإذا ألحقه به
صار حلالًا، وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال البيّن، فيكون الورع تركه، ويكون
داخلًا في قوله وَله: ((فمن اتّقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه))، وما لم يظهر
للمجتهد فيه شيء، وهو مشتبه، فهل يأخذ بحلّه، أم بحرمته، أم يتوقّف؟ فيه ثلاثة
مذاهب، حكاها القاضي عياض وغيره، والظاهر أنها مُخرّجة على الخلاف المذكور في

٨٥=
٢- (بابُ اجتناب الشبهاتِ فِي الحَسْب) - حدیث رقم ٤٤٥٥
الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب: الأصحّ أنه لا يُحكم بحلّ، ولا حرمة،
ولا إباحة، ولا غيرها؛ لأن التكليف عند أهل الحقّ لا يثبت إلا بالشرع. والثاني: أن
حكمها التحريم. والثالث: الإباحة. والرابع التوقّف. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ
٢٩/١١-٣٠ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الراجح القول بالإباحة في المنافع،
وبالتحريم في المضارّ؛ لقوله عز وجل في معرض الامتنان: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ
جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، ولا يمتنّ اللَّه تعالى إلا بالجائز، ولما صح مما أخرجه
أحمد، وغيره، من قوله وَّر: ((لَا ضرر، ولا ضرار)) أي لا يجوز في ديننا، وإلى هذا
أشار السيوطيّ في ((الكوكب الساطع))، حيث قال:
وَالضُرْ قَذْ مَرَّ وَبَعْدَ الشَّرْعِ
الْحُكْمُ قَبْلَ الشَّرْعِ فِي ذِي النَّفْعِ
وَالْحِلُّ فِي ذِي النَّفْعِ وَالسُّبْكِيُّ صَارْ
رُجْحَ أَنَّ الأَضْلَ تُحْرِيمُ الْمَضَارْ
فَذَاكَ حَظْرٌ بِالْحَدِيثِ الْعَالِي
إِلَى خُصُوصِهِ بِغَيْرِ الْمَالِ
يعني أن حكم المنافع والمضارّ قبل الشرع قد مرّ في أوائل النظم عند قوله:
بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ شُكْرُ الْمُنْعِمِ حَتْمٌ وَقَبْلَ الشَّرْعِ لَا حُكْمَ نُمِي
وأما بعده فالأصحّ أن الأصل في المضارّ التحريم، وفي المنافع الحلّ؛ للآية،
والحديث المذكورين، واستثنى السبكيّ من أن الأصل المنافع في الحلّ الأموالَ، قال:
والظاهر فيها التحريم؛ لحديث: ((إن دماءكم، وأموالكم عليكم حرام))، وهو أخصّ من
أدلّة الإباحة، وتعقّبه وليّ الدين العراقيّ، بأن الدعوى عامّة، والدليل خاصّ؛ لأنه في
الأموال المختصّة، وما قاله العراقيّ هو الظاهر؛ انظر شرحي على ((الكوكب الساطع))
ص ٤٨٢ - ٤٨٣ . والله تعالى أعلم.
(وَرُبَّمَا قَالَ) أي الراوي: النعمان، أو من دونه (وَإِنَّ بَيْنَ ذَلِكَ أُمُورًا مُشْتَبِهَةً)
بالإفراد. زاد في رواية الشيخين: ((فمن اتقى المشبهات، استبرأ لدينه، وعرضه، ومن
وقع في الشبهات، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه)).
وقوله: ((فمن اتقى المشتبهات)): أي حَذِرَ منها. وقوله: ((استبرأ لدينه، وعرضه))
بالهمز بوزن استفعل من البراءة: أي بَرّأ دينه من النقص، وعرضه من الطعن فيه؛ لأن
من لم يُعرَف باجتناب الشبهات، لم يسلم لقول من يطعن فيه. وفيه دليل على أن من لم
يتوق الشبهة في كسبه، ومعاشه، فقد عَرَّض نفسه للطعن فيه، وفي هذا إشارة إلى
المحافظة على أمور الدين، ومراعاة المروءة. قاله في ((الفتح)).

- ٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
وقد اختُلِفَ في حكم الشبهات: فقيل: التحريم، وهو مردود. وقيل: الكراهة.
وقيل: الوقف، وهو كالخلاف فيما قبل الشرع.
وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات، أربعة أشياء: [أحدها]: تعارض الأدلة كما
تقدم. [ثانيها] : اختلاف العلماء، وهي منتزعة من الأولى. [ثالثها] : أن المراد بها
مُسَمَّى المكروه؛ لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك. [رابعها] : أن المراد بها المباح، ولا
يمكن قائل هذا، أن يحمله على متساوي الطرفين، من كل وجه، بل يمكن حمله على
ما يكون من قسم خلاف الأولى، بأن يكون متساوي الطرفين، باعتبار ذاته، راجح
الفعل أو الترك، باعتبار أمر خارج. ونقل ابن المنير في مناقب شيخه القباري عنه، أنه
كان يقول: المكروه عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه، تَطَرَّق إلى
الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه، وهو
مَنْزَعْ حسن، ويؤيده رواية ابن حبان من طريقٍ ذكر مسلم إسنادها، ولم يسق لفظها،
فيها من الزيادة: ((اجعلوا بينكم وبين الحرام سُتْرَةً من الحلال، من فعل ذلك استبرأ
لعرضه ودينه، ومن أَرْتَعَ فيه كان كالْمُزْتِع إلى جنب الحمى، يوشك أن يقع فيه)).
والمعنى أن الحلال حيث يُخشَى أن يؤل فعله مطلقا إلى مكروه، أو محرم، ينبغي
اجتنابه، كالاكثار مثلاً من الطيبات، فإنه يُحوِج إلى كثرة الاكتساب، الموقع في أخذ ما
لا يستحق، أو يُفضي إلى بطر النفس، وأقلُّ ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا
معلوم بالعادة، مشاهد بالعيان.
قال الحافظ: والذي يظهر لي رُجحان الوجه الأول، على ما سأذكره، ولا يبعد أن
يكون كل من الأوجه مرادا، ويختلف ذلك باختلاف الناس، فالعالم الفَطِن لا يخفى
عليه تمييز الحكم، فلا يقع له ذلك، إلا في الاستكثار من المباح، أو المكروه، كما
تقرر قبلُ، ودونه تقع له الشبهة في جميع ما ذُكر، بحسب اختلاف الأحوال، ولا يخفى
أن المستكثر من المكروه، تصير فيه جُرأة على ارتكاب المنهي في الجملة، أو يحمله
اعتياده ارتكاب المنهي غير المحرم، على ارتكاب المنهي المحرم، إذا كان من جنسه،
أو يكون ذلك لشبهة فيه، وهو أن من تعاطى ما نُهي عنه يصير مظلم القلب؛ لفقدان نور
الورع، فيقع في الحرام، ولو لم يختر الوقوع فيه.
ووقع عند البخاريّ في ((البيوع» من رواية أبي فروة، عن الشعبي، في هذا الحديث:
((فمن ترك ما شُبَّ عليه من الإثم، كان لما استبان له أترك، ومن اجترأ على ما يَشُكُ فيه
من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان))، وهذا يرجح الوجه الأول كما أشرت إليه.
[تنبيه]: استدل به ابن الْمُنَيِّر على جواز بقاء المجمل، بعد النبي ◌َّر. قال الحافظ:

٨٧ =
٢- (بَابُ اجْتِنَاب الشُّبُهَاتِ فِي الحَسْب) - حدیث رقم ٤٤٥٥
وفي الاستدلال بذلك نظر، إلا إن أراد به أنه مُجمَل في حق بعض، دون بعض، أو أراد
الرد على منكرى القياس، فيحتمل ما قال. والله أعلم.
وقوله: ((كراع يَرعى)) هكذا في جميع نسخ البخاري، محذوف جواب الشرط، إن
أُعربت ((من)) شرّطية، وقد ثبت المحذوف في رواية الدارمي، عن أبي نعيم، شيخ
البخاري فيه، فقال: ((ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام)) كالراعي يرعى))، ويمكن
إعراب ((من)) في سياق البخاري موصولة، فلا يكون فيه حذف، إذ التقدير: والذي وقع
في الشبهات، مثل راع يرعى، والأُولى أولى؛ لثبوت المحذوف في ((صحيح مسلم))،
وغيره، من طريق زكريا التي أخرجه منها البخاريّ، وعلى هذا، فقوله: ((كراع يرعى)»،
جملة مستأنفة، وردت على سبيل التمثيل، للتنبيه بالشاهد على الغائب. قاله في ((الفتح)).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام))
وذلك يكون بوجهين: [أحدهما] : أن من لم يتّق الله تعالى، وتجرّأ على الشبهات،
أفضت به إلى المحرّمات، بطريق اعتياد الجرأة، والتساهل في أمرها، فيحمله ذلك على
الجرأة على الحرام المحض، ولهذا قال بعض المتّقين: الصغيرة تجرّ إلى الكبيرة،
والكبيرة تجرّ إلى الكفر، ولذلك قال ◌َلّر: ((المعاصي بريد الكفر)) (١) وهو معنى قوله
تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
[وثانيهما] : أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه؛ لفقدان نور العلم،
ونور الورع، فيقع في الحرام، ولا يشعر به، وإلى هذا النور الإشارة بقوله تعالى:
﴿أَفَنْ شَرَعَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِّ﴾ [الزمر: ٢٢] وإلى ذلك الإظلام
الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. انتهى ((المفهم))
٤ / ٤٩٣ .
(قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلا) أي لإيضاح تلك
الأمور (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، حَمَى حِمّى) بكسر الحاء المهملة، والقصر: هي في الأصل
أرضٌ يَحميها الملوك، ويمنعون الناس عن الدخول فيها، فمن دخله أوقع به العقوبة .
قال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: هذا مثلٌ ضربه النبيّ وَ لّ لمحارم الله تعالى، وأصله
أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لماشيتها الخاصّة بها، وتُخرّج بالتوعّد بالعقوبة على
من قربها، فالخائف من عقوبة السلطان يبعُد بماشيته من ذلك الحمى؛ لأنه إن قرب منه
فالغالب الوقوع، وإن كثر الحذر، إذ قد تنفرد الفاذة، وتشذّ الشاذّة، ولا تنضبط،
(١) قال في ((كشف الخفا)) (حديث ٢٣١٧) قال ابن حجر المكيّ في ((شرح الأربعين)): أظنه من قول
السلف، وقيل: حديث. اهـ.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة بحيث يأمن فيها من وقوع الشاذّة والفاذّة،
وهكذا محارم الله تعالى، لا ينبغي أن يحوم حولها، مخافة الوقوع فيها. انتهى
((المفهم)) ٤ / ٤٩٣ .
وقال في ((الفتح)): الحمى: الْمَحْمِيّ، أُطلق المصدر على اسم المفعول، وفي
اختصاص التمثيل بذلك نكتة، وهي أن ملوك العرب، كانوا يَحمُون لمراعي مواشيهم،
أماكن مختصة، يَتَوَعّدون من يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فَمَثَّل لهم النبي
وَلّ بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة، المراقب لرضا الملك يَبْعُد عن ذلك
الحمى، خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبُعدُه أسلم له، ولو اشتدّ حذره، وغير
الخائف المراقب يَقرُب منه، ويَرعى من جوانبه، فلا يَأمن أن تنفرد الفاذة، فتقع فيه بغير
اختياره، أو يُمْحِل المكان الذي هو فيه، ويقع الْخِصْب في الحمى، فلا يملك نفسه أن
يقع فيه، فالله سبحانه وتعالى هو الملك حقًّا، وحماه محارمه. انتهى.
[تنبيه]: رواية المصنّف هذه ظاهرة في كون ضرب المثل من النبيّ وَّر، وذكر في
((الفتح)) أن بعضهم ادّعى أن التمثيل من كلام الشعبي، وأنه مُدرج في الحديث، حكى
ذلك أبو عمرو الداني، قال الحافظ: ولم أقف على دليله، إلا ما وقع عند ابن الجارود،
والإسماعيلي، من رواية ابن عون عن الشعبي، قال ابن عون في آخر الحديث: لا أدري
المثل من قول النبي وَلّر، أو من قول الشعبي؟، قال الحافظ: وتردد ابن عون في رفعه،
لا يستلزم كونه مدرجا؛ لأن الأثبات قد جزموا باتصاله ورفعه، فلا يقدح شك بعضهم
فيه، وكذلك سقوط المثل من رواية بعض الرواة، كأبي فروة، عن الشعبي، لا يقدح
فيمن أثبته؛ لأنهم حفاظ، قال: ومما يقوي عدم الإدراج رواية ابن حبان الماضية، وكذا
ثبوت المثل مرفوعا في رواية ابن عباس، وعمار بن ياسر أيضا. انتهى.
(وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا حَرَّمَ) المراد بما حرّم فعلُ المنهي المحرم، أو ترك المأمور
الواجب، ولهذا وقع في رواية أبي فروة عند البخاريّ التعبير بالمعاصي بدل المحارم.
(وَإِنّةُ) الضمير للشأن (مَنْ) موصولة مبتدأ، والفعلان بعدها مرفوعان، الأوّل صلتها،
والثاني خبرها، ويحتمل أن تكون شرطيّةً، والفعلان بعدها مجزومان بها شرطًا، وجزاءً
(يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى) بفتح أول ((يرتع))، وثالثه: أي يطوف به، ويدور حوله، قاله ابن الأثير.
ويحتمل أن يكون بضم أوله، من أرتع، قال في ((القاموس)): رَتَعَ كمنع رَتْعًا، ورُتُوعًا،
ورِتاعًا بالكسر: أكل، وشرب ما شاء في خصب، وسَعَةٍ، أو هو الأكلُ، والشربُ رَغَدًا في
الريف، أو بِشَرَهٍ، قال: وقد أرتع فلانٌ إبله. انتهى. وعلى الثاني فيكون مفعوله في
الحديث محذوفًا: أي إبله. و((حوله)) منصوب على الظرفية متعلّقٌ بـ((يرتع)).

٢- (بَأَبُ اجْتِنَبِ الشَّبُهَاتِ فِي الْكَسْب) - حديث رقم ٤٤٥٥
٨٩=
(يُوشِكُ) بضمّ أوله، من أوشك: أي يقرب (أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى) أي يقع، ويدخل
فيه؛ لأنه يتعاهد به التساهل، ويتمرّن عليه، ويجسُر على شبهة أخرى، أغلظ منها،
وهكذا حتى يقع في الحرام (وَرُبَّمَا قَالَ) الراوي (إِنَةً مَنْ يَرْعَى) بفتح أوله، من باب
سعى يسعى، يقال: رعت الماشية ترعى رَغْيًا، فهي راعية: إذا سَرَحَت بنفسها،
ورَعَيتها، يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، وما هنا من المتعدّي (حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُرْتِعَ
فِيهِ) بضم أوله، من الإرتاع (وَإِنَّ مَن) يحتمل أن تكون موصولة، وشرطيّة، على ما سبق
قريبًا (يُخَالِطُ الرِّيبَةَ) بكسر الراء: أي الشكّ والتهمة، وجمعه ريب، بكسر، ففتح، مثلُ
سِذْرة وسِدَر، والمعنى أن من يدخل في محلّ التهمة، والشكّ (يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ) بفتح
أوله، وضم ثالثه: أي يُقدِم، ويَقَع فيه .
[تنبيه]: زاد في رواية الشيخين في آخر هذا الحديث: ((ألا وإن في الجسد مضغةً،
إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب)).
قال في ((الفتح)): وقوله: ((مضغة)): أي، قدر ما يُمضَغ، وعبر بها هنا عن مقدار القلب
في الرؤية، وسُمي القلب قلبا لتقلبه في الأمور، أو لأنه خالص ما في البدن، وخالص
كل شيء قلبه، أو لأنه وُضِع في الجسد مقلوبا.
وقال القرطبيّ: ((المضغة)): القطعة من اللحم، وهي قدر ما يمضغه الماضغ، يعني
بذلك صغير جرمها، وعظيم قدرها. قال: والقلب في الأصل مصدر قلبت الشيءَ: إذا
رددته على بدأته، وقلبت الإناء: إذا رددته على وجهه، وقلبتُ الرجلَ عن رأيه: إذا
صرفته عنه، وعن طريقه كذلك، ثم نقل هذا اللفظ، فسمّي به هذا العضو الذي هو
أشرف أعضاء الحيوان؛ لسرعة الخواطر فيه، ولتردّدها عليه، وقد نظم بعض الفضلاء
هذا المعنى، فقال [من البسيط]:
فَاحْذَرْ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ قَلْبٍ وَتَحَوِيل(١)
مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَّا مِنْ تَقَلْبِهِ
انتهى («المفهم)» ٤ /٤٩٤-٤٩٥ .
وقوله: ((إذا صلحت، وإذا فسدت)) هو بفتح عينهما، وتُضم في المضارع، وحكى
الفراء الضم في ماضي صلح، وهو يُضم وفاقا، إذا صار له الصلاح هيئة لازمة، الشرف
ونحوه، والتعبير بـ((إذا)) لتحقق الوقوع غالبا، وقد تأتي بمعنى ((إن)) كما هنا، وخَصّ
القلبَ بذلك؛ لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وفيه تنبيه
(١) وأنشده في ((لسان العرب))، و((تاج العروس)) كما يلي [من البسيط]:
مَا سُمَّيَ الْقَلْبُ إِلَّا مِنْ تَقَلْبِهِ وَالرَّأْيُ يَصْرِفُ بِالإِنْسَانِ أَطْوَارًا

٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
على تعظيم قدر القلب، والحث على صلاحه، والإشارة إلى أن لطيب الكسب أثرا فيه،
والمراد المتعلق به، من الفهم الذي ركبه اللَّه فيه، ويُستدلّ به على أن العقل في القلب،
ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ الآية [الحجّ: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ
فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ الآية [ق: ٣٧]، قال المفسرون: أي عقل، وعَبّر عنه
بالقلب؛ لأنه محل استقراره.
[فائدة]: لم تقع هذه الزيادة، التي أولها: ((ألا وإن في الجسد مضغةً)) الا في رواية
الشعبي، ولا هي في أكثر الروايات عن الشعبي، إنما تفرد بها في ((الصحيحين)) زكريا
ابن أبي زائدة، عنه، وتابعه مجاهد، عند أحمد، ومغيرة وغيره عند الطبراني، وعَبّر في
بعض رواياته عن الصلاح والفساد، بالصحة والسقم، ومناسبتها لما قبلها بالنظر إلى أن
الأصل في الاتقاء، والوقوع هو ما كان بالقلب؛ لأنه عماد البدن. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٤٥٥/٢ و٥٧١٢/٥٠- وفي «الكبرى)) ٦٠٤٠/١. وأخرجه (خ) في
((الإيمان)) ٥٠ و(البيوع)) ١٩١٠ (م) في ((المساقاة)) ٢٩٩٦ (د) في ((البيوع)) ٢٨٩٢ (ت)
في ((البيوع)) ١١٢٦ (ق) في ((الفتن)) ٢٩٧٤ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٧٦٢٤
و ١٧٦٤٥ و١٧٦٤٩ و١٧٦٥٨ و١٦٩٢ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤١٩. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الحثّ على اجتناب
الشبهات في الكسب. (ومنها): بيان عظم موقع هذا الحديث، وأنه ذو شأن، ونباهة،
فلذا قد توارد أكثر أئمة الحديث الذين خرّجوه على إيراده في ((كتاب البيوع))؛ لأن
الشبهة في المعاملات تقع فيها كثيرًا، وله أيضًا تعلّق بالنكاح، وبالصيد، والذبائح،
والأطعمة، والأشربة، وغير ذلك، من أبواب المعاملات، كما لا يخفى على من تأمّل
ذلك. (ومنها): بيان أن الحلال، والحرام بيّنان واضحان لكلّ من له علم بالنصوص
الشرعيّة. (ومنها): أن بين الحلال والحرام مرتبة ينبغي التنبه لها، وأخذ الحذر منها،
ألا وهي الشبهات، فعلى العاقل أن يُحاسب نفسه عندها، ويأخذ حذره منها، فإنه إذا

٩١
٢- (بَأَبُ اجْتِنَاب الشُّبُهَاتِ فِي الحَسْب) - حديث رقم ٤٤٥٥
أرخى العنان لنفسه فيها، جرّه ذلك إلى التجاوز إلى الحرام، فليتق الله تعالى عند
الشبهات، ليسهل عليه البعد عن المحرّمات، وإلا وقع في المهلكات. (ومنها): ضرب
المثل لإيضاح الأحكام. (ومنها): أن من وقع في الشبهات، فقد عرّض دينه، وعرضه
للطعن. (ومنها): أن فيه تقسيمَ الأحكام إلى ثلاثة أشياء، وهو صحيح؛ لأن الشيء إما
أن يُنصّ على طلبه مع الوعيد على تركه، أو يُنصّ على تركه، مع الوعيد على فعله، أو
لا ينصّ على واحد منهما، فالأول الحلال البيّن، والثاني الحرام البيّن، فمعنى قوله:
(الحلال بيّن)): أي لا يحتاج إلى بيانه، ويشترك في معرفته كلّ أحد. والثالث: مشتبه؛
لخفائه، فلا يُدرى هل هو حلالٌ، أو حرامٌ، وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه؛ لأنه إن
كان في نفس الأمر حرامًا، فقد برىء من تبعتها، وإن كان حلالًا، فقد أجر على تركها
بهذا القصد؛ لأن الأصل في الأشياء مختلف فيه حظرًا، وإباحةً، والأولان قد يردان
جميعًا، فإن عُلم المتأخّر منهما، وإلا فهو من حيّز القسم الثالث. قاله في ((الفتح)) ٨/٥
(كتاب البيوع)) رقم ٢٠٥١. (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز الجرح والتعديل، قاله
البغويّ في ((شرح السنّة)). (ومنها): أن بعضهم استنبط منه منع إطلاق الحلال والحرام
على ما لا نصّ فيه؛ لأنه من جملة ما لم يستبن. لكن قوله وَّر: ((لا يعلمها كثير من
الناس)) يُشعر بأن منهم من يعلمها)). قاله في ((الفتح)) ٩/٥. ((كتاب البيوع)). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم من التنويه بشأن هذا الحديث:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وكثرة
فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال جماعة: هو ثلث الإسلام،
وإن الإسلام يدور عليه، وعلى حديث ((الأعمال بالنيات))، وحديث (( لا يؤمن أحدكم
حتّى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه))، وقيل: حديث: ((ازهد في الدنيا يُحبّك اللَّه، وازهد
فيما في أيدي الناس يحبّك الناس))، قال العلماء: وسبب عظم موقعه أنه رَّ نبّه فيه
على إصلاح المطعم، والمشرب، والملبس، وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه
سبب لحماية دينه وعرضه، وحذّر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل
بالحمى، ثم بيّن أهمّ الأمور، وهو مراعاة القلب، فقال وَّر: ((ألا إن في الجسد مضغة))
الخ، فبيّن رَّ ر أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه. انتهى" شرح
مسلم)) ٢٩/١١ .
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: رُوي عن أبي داود السجستانيّ، قال: كتبت
عن رسول اللَّه وَّل خمسمائة ألف حديث، الثابت منها أربعة آلاف حديث، وهي ترجع

٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
إلى أربعة أحاديث: قوله {وَله: ((إنما الأعمال بالنيّات))، وقوله: ((من حسن إسلام المرء
تركه ما لا يعنيه))، وقوله: ((الحلال بيّن، والحرام بيّن))، وقوله: ((لا يكون المرء مؤمنًا
حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه))، وروي مكان هذا ((ازهد في الدنيا يحبّك اللَّه))
الحديث، قال: وقد نظم هذا أبو الحسن طاهر بن مفوز في بيتين، فقال [من الخفيف]:
عُمْدَةُ الدِّينِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ مُسْئَدَاتٌ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّة
اتْرُكِ الْمُشْبَهَاتِ وَازْهَدْ وَدَعْ مَا لَيْسَ يَعْنِيكَ وَاعْمَلَنَّ بِنِيَهْ
وقال في ((الفتح)): ما حاصله: وقد عظم العلماء أمر هذا الحديث، فعَدُّوه رابع
أربعة، تدور عليها الأحكام، كما نُقل عن أبي داود، وفيه البيتان المشهوران، قال:
والمعروف عن أبي داود، عَدُّ ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)) الحديث، بدل «ازهد فيما في
أيدي الناس))، وجعله بعضهم ثالثَ ثلاثة، حذف الثاني، وأشار ابن العربي إلى أنه
يُمكن أن ينتزع منه وحده، جميع الأحكام، قال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين
الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يمكن أن ترد جميع الأحكام
إليه. والله المستعان. انتهى ما قاله في ((الفتح)) ١٧٦/١ .
وقال المازريّ: وإنما نبه أهل العلم على عظم هذا الحديث؛ لأن الإنسان إنما يعبد
بطهارة قلبه وجسمه، فأكثر المذامّ المحظورات إنما تنبعث من القلب، وأشار الله
لإصلاحه، ونبه على أن إصلاحه هو إصلاح الجسم، وأنه الأصل، وهذا صحيح،
يؤمن به حتّى من لا يؤمن بالشرع، وقد نصّ عليه الفلاسفة، والأطباء، والأحكام،
والعبادات آلة يتصرّف الإنسان عليها بقلبه وجسمه فيها، يقع في مشكلات، وأمور
ملتبسات، تكسب التساهل فيها، وتعويد النفس الجراءة عليها، وتكسب فساد الدين
والعرض، فنبّه وَلقر على توقّي هذه، وضرب لها مثلًا محسوسًا؛ لتكون النفس له أشدّ
تصوّرًا، والعقل أعظم قبولًا، فأخبر أن الملوك لهم أحمية، وكانت العرب تعرف في
الجاهليّة أن العزيز فيهم يحمي مُرُوجًا، وأفنيةً، ولا يتجاسر عليها، ولا يدنو منها أحدٌ
مهابةً من سطوته، وخوفًا من الوقوع في حوزته، وهكذا محارم الله سبحانه وتعالى من
ترك منها ما قرب، فهو من توسطها أبعد، ومن تحامى طرف النهي أمن عليه أن يتوسّط،
ومن قرب توسّط . انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى بعد ذكر نحو ما تقدّم في كلام القاضي وغيره: ما
نصّه: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة رحمهم الله أجمعين حسنٌ، غير أنهم لو أمعنوا النظر
في هذا الحديث كلّه من أوّله إلى آخره لوجدوه متضمّنًا لعلوم الشريعة كلّها، ظاهرها
وباطنها، وإن أردت الوقوف على ذلك، فأعد النظر فيما عقدناه من الجمل في الحلال

٩٣
٢- (بابُ اجتناب الشبهاتِ فِي الحَسْب) - حدیث رقم ٤٤٥٥
والحرام، والمتشابهات، وما يُصلح القلوب، وما يُفسدها، وتعلّق أعمال الجوارح بها،
وحينئذ يستلزم ذلك الحديث معرفة تفاصيل أحكام الشريعة كلّها، أصولها، وفروعها،
واللَّه هو المسؤول أن يستعملنا بما علّمنا، ويوفّقنا لما يرضى به عنّا، إنه وليّ ذلك،
والقادر عليه. انتهى ((المفهم)) ٤٩٩/٤-٥٠٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فيما يتعلّق بقوله: ((فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه
وعرضه)):
قد كتب أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى في هذا بحثًا نفيسًا، أحببت إيراده
النفاسته، وعظيم فوائده، قال رحمه الله تعالى: ما حاصله: أنّ من ترك ما يشتبه عليه،
سَلِم دينه مما يفسده، أو ينقصه، وعرضه مما يَشينه ويَعيبه، فيَسلم من عقاب الله وذمّه،
ويدخل في زمرة المتّقين الفائزين بثناء الله تعالى وثوابه، لكن لا يصحّ اتّقاء الشبهات
حتى تُعرَف، ومعرفتها على التعيين والتفصيل يستدعي فصل تطويل، لكن نعقد فيه عقدًا
كليّا، إن شاء الله تعالى، عن التفصيل مغنيا، فنقول:
المكلّف بالنسبة إلى الشرع، إما أن يترجّح فعله على تركه، أو تركه على فعله، أو لا
يترجّح واحد منهما، فالراجح الفعل، أو الترك، إما أن يجوز نقيضه بوجه ما، أو لا
يجوز نقيضه، فإن لم يجز نقيضه فهو المعلوم الحكم من التحليل، كحلّيّة لحوم
الأنعام، أو من التحريم، كتحريم الميتة والخنزير على الجملة، فهذان النوعان هما
المراد بقوله: ((الحلال بيّنّ، والحرام بيّنٌ)). وأما إن جُوّز نقيض ما ترجّح عنده، فإما أن
يكون ذلك التجويز بعيدًا، لا مستند له أكثر من توهّم، وتقدير، فلا يُلتفت إلى ذلك،
ويُلغَى بكلّ حال، وهذا كترك النكاح من نساء بلدة كبيرة، مخافة أن يكون له فيها ذات
محرم من النسب، أو الرضاع، أو كترك استعمال ماء باق على أوصافه في فلاة من
الأرض، مخافة تقدير نجاسة وقعت فيه، أو كترك الصلاة على موضع، لا أثر، ولا
علامة للنجاسة فيه؛ مخافة أن يكون فيها بولٌ، قد جفّ، أو كتكرار غسل الثوب؛
مخافة طروء نجاسة لم يشاهدها، إلى غير ذلك، مما في معناه، فهذا النوع يجب أن لا
يُلتفت إليه، والتوقّف لأجل ذلك التجويز هَوَسّ، والورع فيه وسوسة شيطانيّة؛ إذ ليس
فيه من معنى الشبهة شيء، وقد دخل الشيطان على كثير من أهل الخير من هذا الباب،
حتى يُعطّل عليهم واجبات، أو ينقص ثوابها لهم، وسبب الوقوع في ذلك عدم العلم
بالمقاصد الشرعية .
وقد حكى الشيخ عبد الله بن يوسف، والد إمام الحرمين عن قوم أنهم لا يلبسون

٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
ثيابًا جُدُدًا حتى يغسلوها؛ لما فيها ممن يعاني قصر الثياب، ودقّها، وتجفيفها، وإلقاءها
وهي رطبة على الأرض النجسة، ومباشرتها بما يغلب على الظنّ نجاسته من غير أن
يُغسل بعد ذلك، فاشتد نكيره عليهم، وقال: هذه طريقة الخوارج الحروريّة، أبلاهم
الله تعالى بالغلق في غير موضع القلق، وبالتهاون في موضع الاحتياط، وفاعل ذلك
معترض على أفعال النبيّ وَّر والصحابة، والتابعين، فإنهم كانوا يلبسون الثياب الجدد
قبل غسلها، وحال الثياب في أعصارهم كحالها في أعصارنا، ولو أمر رسول اللّه وَله.
بغسلها ما خفي؛ لأنه مما تعم به البلوى.
وذكر أيضًا أن قوما يغسلون أفواههم إذا أكلوا الخبز؛ خوفًا من روث الثيران عند
الدياس، فإنها تقيم أيامًا في المداسة، ولا يكاد يخلو طحينّ عن ذلك، قال: وهذا
غلوّ، وخروج عن عادة السلف، وما روي عن أحد من الصحابة والتابعين أنهم رأوا
غسل الفم من ذلك. انتهى. ذكر حكاية الجوينيّ العينيّ في ((عمدة القاري)) ٣٤٤/١-
٣٤٥ .
قال القرطبيّ: [فإن قيل]: كيف يقال هذا، وقد فعل النبيّ وَّ مثل ذلك، لَمّا دخل
بيته، فوجد فيه تمرةً، فقال: ((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)) رواه أحمد
١٨٤/٣. ودخول الصدقة بيت النبيّ بَّر بعيدٌ؛ لأنها كانت محرّمة عليه، وعلى آله،
لكنه راعى الاحتمال البعيد، والاحتمالات التي ذكرتم ليست بأبعد من هذا الاحتمال،
فما وجه الانفصال؟.
[قلنا]: لا نسلّم أن ما توقّعه النبيّ وَّ ر كان بعيدًا؛ لأنهم كانوا يأتون بصدقات التمر
للمسجد، وحجرته وَّله متصلة بالمسجد، فتوقّع أن يكون صبيّ، أو من يغفل عن ذلك
يُدخل التمر من الصدقة في البيت، فاتّقى ذلك لقربه بحسب ما ظهر، مما قرّب ذلك
التقدير، وليس من تلك الصور في شيء؛ لأنها خليّةٌ عن الأمارات، وإنما هي محض
تجویزات .
وأما إن كان ذلك التجويز له مستند، معتبرٌ بوجه ما، فالأصل العمل بالراجح،
والورع الترك، إن لم يلزم منه العمل بترك الراجح، وبيانه بالمثال، وهو أن جلد الميتة
لا يطهره الدباغ في مشهور مذهب مالك، فلا يجوز أن يُستعمل في شيء من المائعات؛
لأنها تنجس، إلا الماء وحده، فإنه يدفع النجاسة عن نفسه؛ لأنه لا ينجس إلا إذا تغيّر،
هذا الذي ترجّح عنده، ثم إنه اتّقى الماء في خاصّة نفسه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نقله من مذهب مالك رحمه الله تعالى،
من أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، خلاف السنة الصحيحة الصريحة: ((أيما إهاب دُبغ،

٩٥
٢- (بابُ اجْتِنَاب الشُّبُهَاتِ فِي الحَسْب) - حديث رقم ٤٤٥٥
فقد طهر))، فلا يُلتفت إليه، والله تعالى أعلم.
قال: ونحو ذلك حُكي عن أبي حنيفة، أو سفيان الثوريّ أنه قال: لأن أخرّ من
السماء أهون عليّ من أفتي بتحريم قليل النبيذ، وما شربته قط، ولا أشربه، فقد أعلموا
الراجح في الفتيا، وتوزّعوا عنه في أنفسهم. وقد قال بعض المحققين: من حِكَم
الحكيم أن يوسّع على المسلمين في الأحكام، ويُضيّق على نفسه. يعني به ذلك
المعنى .
ومنشأ هذا الورع الالتفات إلى مكان اعتبار الشرع ذلك المرجوح، وهذا الالتفات
نشأ من القول بأن المصيب واحدٌ، وهو مشهور قول مالك، ومنه ثار القول في مذهبه
بمراعاة الخلاف، كما بيّاه في الأصول، غير أن تلك التجوّزات المعتبرة، وإن كانت
مرجوحة، فهي على مراتب في القرب والبعد، والقوّة والضعف، وذلك بحسب
الموجب لذلك الاعتبار، فمنها ما يوجب حَزَازةً في قلب المتّقي، ومنها ما لا يوجب
ذلك، فمن لم يجد ذلك، فلا ينبغي له أن يتوقّف؛ لأنه يلتحق ذلك بالقسم الأول
عنده، ومن وجد ذلك توقّف، وتورّع، وإن أفتاه المفتون بالراجح؛ لقوله ◌َالقر: ((لا يبلغ
العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به، حذرًا مما به البأس)» (١)، وهنا يصدق
قولهم(٢): استفت قلبك، وإن أفتوك، لكن هذا إنما يصحّ ممن نور الله قلبه بالعلم،
وزيّن جوارحه بالورع، بحيث يجد للشبهة أثرًا في قلبه، كما يُحكى عن كثير من هذه
الأمة، كما نَقَل عنهم في ((الحلية)) لأبي نعيم، و((صفة الصفوة)) لابن الجوزيّ، وغيرهما
من كتب ذلك الشأن .
وأما إن لم يترجّح الفعل على الترك، ولا الترك على الفعل، فهذا هو الأحقّ باسم
الشبهة، والمتشابه؛ لأنه قد تعارضت فيه الأشباه، فهذا النوع يجب فيه التوقّف إلى
الترجيح؛ لأن الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان حكمٌ بغير دليل، فيحرُم، إذ لا
دليل مع التعارض، ولعلّ الذي قال: إن الإقدام على الشبهة حرامٌ، أراد هذا النوع،
والذي قال: إن ذلك مكروه، أراد النوع الذي قبل هذا. والله تعالى أعلم. انتهى
((المفهم)) ٤/ ٤٩٠-٤٩٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): فيما يتعلّق بقوله وَالر: ((ألا وهي القلب)):
(١) رواه الترمذيّ رقم ٢٤٥١ وابن ماجه رقم ٤٢١٥ وهو ضعيف، لأن في سنده عبد الله بن يزيد
الدمشقيّ، وهو ضعيف.
(٢) كان الأولى به أن يجعله حديثا مرفوعًا، فإنه حديث حسن، أخرجه البخاريّ في ((التاريخ الكبير))
من حديث وابصة . فتنبه .

٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
قال أبو العبّاس القرطبي رحمه الله تعالى: ثم اعلم أن الله تعالى خصّ جنس
الحيوان بهذا العضو المسمّى بالقلب، وأودع فيه المعنى الذي تنتظم به المصالح
المقصودة من ذلك النوع، فتجد البهائم تدرك مصالحها، ومنافعها، وتميّز بين مفاسدها
ومضارّها، مع اختلاف أشكالها، وصُوَرها، إذ منها ما يمشي على بطنه، ومنها ما
يمشي على أربع، ومنها ما يطير بجناحيه، ثم خصّ اللّه تعالى من بين سائر الحيوان نوع
الإنسان الذي هو المقصود الأول من الكونين، والمعنيّ في العالمين بهذا القلب
المخصوص المشتمل على هذا المعنى المخصوص الذي به تميّز الإنسان، ووقع بينه
وبين سائر الحيوان الفرقان، وهو المعنى الذي به يفهم القلب المفهومات، ويحصل به
على معرفة الكلّيّات والجزئيّات، ويعرف به فَرقَ ما بين الواجبات، والجائزات،
والمستحيلات، وقد أضاف اللّه تعالى العقل إلى القلب، كما أضاف السمع إلى الأذن،
والإبصار إلى العين، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ
ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحجّ: ٤٦]،
وهو ردّ على من قال من أهل الضلال: إن العقل في الدماغ، وهو قول من زلّ عن
الصواب، وزاغ، كيف لا، وقد أخبرنا عن محلّه خالقه القدير: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، وقد روي ذلك عن أبي حنيفة، وما أظنّها عنه
معروفة .
وإذا فهمت أن الإنسان إنما شرّفه اللّه تعالى على سائر الحيوان بهذا القلب، وأن هذا
القلب لم يشرف من حيث صورته الشكليّة، فإنها موجودة لغيره من الحيوانات البهيميّة،
بل من حيث هو مقرّ لتلك الخاصيّة الإلهيّة، علمت أنه أشرف الأعضاء، وأعزّ الأجزاء؛
إذ ليس ذلك المعنى موجودًا في شيء منها.
ثم إن الجوارح مسخّرةٌ له، ومطيعة، فما استقرّ فيه ظهر عليها، وعملت على
مقتضاه، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرّا فشرّ، وعند هذا انكشف لك معنى قوله وَل: ((إذا
صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه))، ولمّا ظهر ذلك وجبت
العناية بالأمور التي يصلح بها القلب؛ ليتصف بها، وبالأمور التي تفسد القلب؛
ليتجنّبها، ومجموع ذلك علومٌ، وأعمالٌ، وأحوال:
فالعلوم ثلاثة: [الأول] : العلم بالله تعالى، وصفاته، وأسمائه، وتصدیق رسله فيما
جاؤوا به. [والثاني]: العلم بأحكامه عليهم، ومراده منهم. [والثالث] : العلم بمساعي
القلوب، من خواطرها، وهمومها، ومحمود أوصافها، ومذمومها.
وأما أعمال القلوب، فالتحلّي بالمحمود من الأوصاف، والتخلّي من المذموم منها،

٩٧
=
=
٢- (بَأَبُ اجْتِنَب الشُّبُهَاتِ فِي الْحَسْب) - حديث رقم ٤٤٥٥
ومنازلة المقامات، والترقّ عن مفضول المنازلات، إلى سنيّ الحالات.
وأما الأحوال، فمراقبة الله تعالى في السرّ والعلن، والتمكّن من الاستقامة على
السنن، وإلى هذا أشار رسول اللَّه وَ لَو حيث قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) متفقٌ عليه.
وتفصيل هذه المعاقد الْجُمليّة توجد في تصانيف محقّي الصوفيّة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل هي مفصّلة في الكتاب والسنّة، فمن أمعن النظر،
وأجال الفكر ظفر بمقاصدها، وأما ما اصطلح عليه المتأخّرون من الألفاظ المصطلحيّة،
فلا حاجة للمكلّف إليها، ولا هي مما تكلّم بها النبيّ ◌َّر الذي جعل الله تعالى هداية
الأمة على يديه، ولا كان يعرفها الصحابة الكرام ، ولا التابعون لهم بإحسان، ولو
سئلوا عنها لما استطاعوا أن يفهموها، فضلاً عن أن يجيبوا عنها، ولو طُلب من الأئمة
الأربعة الفقهاء المحققين، أو من الأئمة الستة المحدثين الناقدين أن يحُلّوا بعض
غوامضها لما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فهيهات هيهات أن يكون هذا من مقاصد الدين،
الذي أكمله الله سبحانه وتعالى، وأتمّه، والنبيّ وَّ حيّ بين ظهراني أصحابه، فلا يقبل
الزيادة ولا النقص، قال الله عز وجلٍ في محكم كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]. وقد حذّر النبيّ وَّ عن
محدثات الأمور، فكان يقول في خطبته: ((إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن
الهدي هدي محمد بَّلير، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة،
وكلّ ضلالة في النار))، رواه النسائيّ رقم ١٥٧٨ بسند صحيح.
وأخرج الترمذيّ من حديث العرباض بن سارية رَمّه، قال: وعظنا رسول اللّه وَليل
يوما، بعد صلاة الغداة، موعظة بليغة، ذَرَفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال
رجل: إن هذه موعظة مُودْع، فماذا تعهد إلينا يا رسول اللَّه، قال: ((أوصيكم بتقوى
اللَّه، والسمع والطاعة، وإن عبدٌ حبشي، فإنه من يعش منكم، يرى اختلافا كثيرا،
وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم، فعليه بسنتي، وسنة
الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ)) .
وذكر الإمام الذهبيّ رحمه اللَّه تعالى في ((ميزان الاعتدال)) ١/ ٤٣٠-٤٣١ عن
الحافظ سعيد بن عمرو البردعيّ، أنه قال: شهدت أبا زرعة، وقد سئل عن الحارث بن
أسد المحاسبيّ، وكتبه؟ فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات،
وعليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يُغنيك، قيل له: في هذه الكتب عبرة، فقال: من لم
يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن سفيان، ومالكًا،
والأوزاعيّ صنّفوا هذه الكتب في الخطرات، والوساوس، ما أسرع الناس إلى البدع.

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
قال الذهبيّ: مات الحارث سنة (٢٤٣) وأين مثل الحارث، فكيف لو رأى أبو زرعة
تصانيف المتأخّرين، كـ((القوت)) لأبي طالب، وأين مثل ((القوت))؟ كيف لو رأى ((بهجة
الأسرار)) لابن جهضم، و((حقائق التفسير)) للسلميّ، لطار لبّه، كيف لو رأى تصانيف
أبي حامد الطوسيّ في ذلك على كثرة ما في ((الإحياء)) من الموضوعات، كيف لو رأى
((الغنية)) للشيخ عبد القادر، كيف لو رأى («فصوص الحكم))، و((الفتوحات المكية))، بلى
لَمّا كان الحارث لسان القوم في ذلك العصر، كان معاصره ألف إمام في الحديث، فيهم
مثل أحمد بن حنبل، وابن راهويه، ولَمّا صار أئمة الحديث مثل ابن الدخميسي، وابن
شحانة، كان قطب العارفين كصاحب ((الفصوص))، وابن سفيان(١)، نسأل اللَّه العفو،
والمسامحة، آمين انتهى.
وبالجملة فمن لم يستغن بكتاب الله تعالى، وكتب السنة المطهرة، كالكتب الستة،
وغيرها، فلا يرجى منه خير أبدًا، فعليه أن يبكي على نفسه، ويتوب إلى الله تعالى،
ويسأله أن يصلح قلبه، وقالبه. والله تعالى أعلم.
ولنعد إلى كلام القرطبيّ، قال رحمه اللَّه تعالى:
[تنبيه] : الجوارح، وإن كانت تابعة للقلب، فقد يتأثّر القلب بأعمالها، للارتباط
الذي بين الباطن والظاهر، والقلب مع الجوارح كالملك مع الرعيّة، إن صلح صلحت،
ثم يعود صلاحها عليه بزيادة مصالح ترجع إليه، ولذلك قيل: الملك سوقٌّ، ما نفق
عنده جُلب إليه.
وقد نصّ على هذا المعنى النبيّ بَّه، فقال: ((إن الرجل ليصدق، فينكت في قلبه
نكتة بيضاء، حتى يُكتب عند اللَّه صدّيقًا، وإن الرجل ليكذب الكذبة، فيسودّ قلبه حتى
يُكتب عند اللَّه كذّابًا))(٢).
وأخرج أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي هريرة رَمّه، عن رسول اللَّه وَلَه
قال: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نُكتت في قلبه نكتةٌ سوداء، فإذا هو نزع، واستغفر،
وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها، حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: ﴿كَلَّا
بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطفّفين: ١٤]، قال الترمذيّ: هذا حديث
(١) وفي نسخة: سبعين.
(٢) هكذا ساقه القرطبيّ، ولم أره بهذا اللفظ، والذي في ((الصحيحين)) من حديث عبدالله بن مسعود
رَّه، عن النبي ◌َّر، قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل
ليصدق حتى يكون صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن
الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللَّه كذابا)) .

٩٩
٢- (بابُ اْتِنَاب الشُّهَاتِ فِي الَسْب) - حديث رقم ٤٤٥٥
حسن صحيح.
وقال مجاهد: القلب كالكفّ تقبض منه بكل ذنب أصبع، ثم يُطبع، وإلى هذا
المعنى الإشارة بقوله ◌َالر: ((إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلّه)) متصلًا
بقوله: ((الحلال بيّنٌ، والحرام بيّنٌ))؛ إشعارًا بأن أكل الحلال ينوّره، ويُصلحه، وأكل
الحرام، والشبهة يُفسده، ويقسيه، ويُظلمه، وقد وجد ذلك أهلُ الورع، حتّى قال
بعضهم: استسقيت جنديًّا، فسقاني شربة ماء، فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحًا .
وقيل: الأصل المصحّح للقلوب والأعمال أكل الحلال، ويُخاف على آكل الحرام،
والمتشابه أن لا يُقبل له عملٌ، ولا تُسمع له دعوةٌ، ألا تَسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
اَللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وآكل الحرام المسترسل في الشبهات ليس بمتْقٍ على
الإطلاق، وقد عضد ذلك قوله وَالر: ((أيها الناس إن اللَّه طيّبٌ، ولا يقبل إلا طيًّا، وإن
الله تعالى أمر المؤمنين، بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن
طَيَِّتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾
الآية [المؤمنون: ٥١]، ثم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعث، أغبر، يقول: يا ربّ، يا
رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يُستجاب له))، رواه مسلم،
والترمذيّ. ولَمّا شرب أبو بكر جرعة لبن من شبهة استقاءها، فأجهده ذلك حتى تقيّأها،
فقيل له: أكلّ ذلك في شربة؟ فقال: والله لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها، سمعت
رسول اللَّه وَ ل يقول: ((كلّ لحم نبت من سُحت فالنار أولى به))(١).
وعند هذا يعلم الواحد منا قدر المصيبة التي هو فيها، وعظم المحنة التي ابتُلي بها،
إذ المكاسب في هذه الأوقات قد فسدت، وأنواع الحرام والشبهات قد عمّت، فلا يكاد
أحد منّا اليوم يتوصّل إلى الحلال، ولا ينفكّ عن الشبهات، فإن الواحد منا، وإن اجتهد
فيما يعلمه، فكيف يعمل فيمن يعامله، مع استرسال الناس في المحرّمات، والشبهات،
وقلّة من يتّقي ذلك، من جميع الأصناف، والطبقات، مع ضرورة المخالطة، والاحتياج
للمعاملة، وعلى هذا فالخلاص بعيدٌ، والأمر شديدٌ، ولولا النهي عن القنوط واليأس،
لكان ذلك الأولى بأمثالنا من الناس، لكنّا إذا دفعنا عن أنفسنا أصول المحرّمات،
واجتهدنا في ترك ما يمكننا من الشبهات، فعفو الله تعالى مأمولٌ، وكرمه مرجوّ، فلا
ملجأ إلا هو، ولا مفزع إلا إليه، ولا استعانة إلا به، ولا حول، ولا قوّة إلا بالله العليّ
العظيم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى. ((المفهم)) ٤٩٤/٤-٤٩٨. وهو كلام
(١) عزاه في الهامش إلى الطبرانيّ في الكبير ١٣٦/١٩. ولم أجده فيه.

= ١٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
نفيسٌ، وبَحثّ أنيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٥٦- (حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَله : ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، مَا يُبَالِي الرَّجُلُ مِنْ أَيْنَ أَصَابَ الْمَالَ؟، مِنْ حَلَالٍ، أَوْ
حَرَامِ)»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ دِينَارٍ) القرشيّ/ أبو محمد الكوفيّ الطحان، وربما نُسب
إلى جده، ثقة [١١] ٤١٠/٨.
٢- (أبو داود الْحَفَريّ) عُمر بن سعد بن عُبيد، والحفريّ بفتحتين: نسبة إلى موضع
بالكوفة، ثقة عابد [٩] ٥٢٣/١٥.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عيبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٧] ٣٧/٣٣.
٤- (محمد بن عبد الرحمن) بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ
المدنيّ، ثقة فقيه فاضل [٧] ٤١ / ٦٨٥.
٥- (المقبريّ) سعيد بن كيسان، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة، تغير قبل موته بأربع سنين
[٣] ٩٥ /١١٧ .
[تنبيه] : من الغريب ما كتبه الحافظ في ((الفتح)) ١٥/٥- على هذا السند، حيث
قال: ما حاصله: أورده النسائيّ من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن الشعبيّ، عن أبي
هريرة، ووهِم المزّيّ في (الأطراف))، فظنّ أن محمد بن عبد الرحمن، هو ابن أبي
ذئب، فترجم به للنسائيّ مع طريق البخاريّ هذه عن ابن أبي ذئب، وليس كما ظنّ،
فإني لم أقف عليه في جميع النسخ التي وقفت عليها من النسائيّ إلا عن الشعبيّ، لا عن
سعيد، ومحمد بن عبد الرحمن المذكور عنه أظنّه ابن أبي ليلى، لا ابن أبي ذئب؛ لأني
لا أعرف لابن أبي ذئب رواية عن الشعبيّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وهذا التعقّب فيه نظر، فإن نسخ ((المجتبى)) التي
عندي ليس فيها ذكر الشعبيّ أصلًا، وإنما الذي فيها المقبريّ، وأما نسخة ((الكبرى)) التي
عندي فليس فيها ذكر المقبريّ أصلًا، وإنما هو عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي
هريرة، ولكن ألحق به محقق الكتاب ذكر المقبريّ أخذًا من ((المجتبى)).
فتبين بهذا أن توهيم الحافظ للمزيّ غير صحيح، بل الصواب معه، وأن محمد بن
عبد الرحمن هو ابن أبي ذئب، وأن شيخه هو سعيد المقبريّ، لا الشعبيّ، فتنبّه. والله