النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١= ٣٥- (النَّهْيُ عَنِ الأَكْلِ مِنْ لُحُومٍ ... - حديث رقم ٤٤٢٦ عليه الشافعيّ، كما حكاه البيهقيّ، فقال: وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى في موضع آخر: يشبه أنه يكون نهي النبيّ وَّر عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، إذا كانت الذّافة، على معنى الاختيار، لا على معنى الفرض؛ لقوله تعالى في البدن: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَلْعِمُواْ﴾ الآية [الحج: ٣٦]، وهذه الآية في البدن التي يَتطوّع بها أصحابها، قال النوويّ في ((شرح مسلم)): قال هؤلاء: والكراهة باقية إلى اليوم، ولكن لا يحرُم، قالوا: ولو وقع مثل تلك العلّة اليوم، فدفّت دافّة، واساهم الناس، وحملوا على هذا مذهب عليّ، وابن عمر. انتهى. وإلى هذا ذهب المهلّب، فقال: إنه الذي يصحّ عندي. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين: ويدلّ لهذا قوله في حديث عائشة تعطّها: ((وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يطعم منه))، وقال ابن حزم: لا حجة فيه؛ لأن قوله: ((ليست بعزيمة))، ليس من كلام رسول اللّه وَّر، وإنما ظنّ بعض رواة الخبر، ويبيّن ذلك قوله بعده: ((ولكن أراد أن يطعم منه)). والله تعالى أعلم. (المذهب الخامس): أن هذا النهي للتحريم، وأن حكمه مستمرّ، لم يُنسخ، وحُمل على هذا ما تقدّم عن عليّ ◌َّه ، وما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال وليّ الدين: وحمله على أنهما رأيا عود الحكم لعود العلّة، كما تقدّم في القول الثاني أولى، وبتقدير أن لا يؤوّل على هذا، فسببه عدم بلوغ الناسخ، فإنه لا يسع أحدًا العمل بالمنسوخ بعد ورود الناسخ، ومن علم حجة على من لم يعلم. ذكر هذه المذاهب الحافظ وليّ الدين العراقيّ رحمه الله تعالى في ((طرح التثريب)) ١٩٧/٥- ١٩٩. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو المذهب الثاني؛ لوضح دليله، وحاصله أن النهي مستمرّ، وليس منسوخًا، وإنما كان لعلة، فلما زالت زال، فإذا عادت تلك عاد الحكم، وهذا هو الأولى في الجمع بين الأحاديث من غير دعوى إهمال لبعضها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤٤٢٦- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرْ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَوْفٍ، قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - فِي يَوْمَ عِيدٍ، بَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ صَلَّى، بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَّةٍ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، يَنْهَى أَنْ يُمْسِكَ أَحَدٌ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا، فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ). رجال هذا الإسناد : ستة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدورقي، أبو يوسف البغدادين ثقة حافظ [١٠] ٢٢/٢١ . ٢- (غندر) محمد بن جعفر البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢٢/٢١. = ٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا ٣- (أبو عبيد مولى ابن عوف) هو سعد بن عُبيد مَوْلَى عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ، ويقال: مولى ابن أزهر، أي عبد الرحمن بن أزهر بن عوف، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، الزهريّ المدنيّ، ثقة [٢] تقدّم في ١٨١٩/١. والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه بغددي، وغندر بصري، ومعمر بصري، ثم صنعاني، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) سعد بن عُبيد (مَوْلَى) عبد الرحمن (ابْنِ عَوْفٍ) أنه (قَالَ: شَهِدْتُ) أي حضرت (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- فِي يَوْمِ عِيدِ) أي يوم عيد الأضحى، فقد وقع التصريح به في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي عبيد أنه سمع علیًا، يقول يوم الأضحى. والحديث مختصر، وقد ساقه البخاريّ في ((صحيحه))، مطوّلًا، فقال ٥/ ٢١١٦: ٥٢٥١ حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد الله، قال: أخبرني يونس، عن الزهري، قال: حدثني أبو عبيد، مولى بن أزهر، أنه شهد العيد، يوم الأضحى، مع عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: يا أيها الناس، إن رسول اللَّه وَليل، قد نهاكم عن صيام هذين العيدين، أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم، وأما الآخر فيوم تأكلون نسككم، قال أبو عبيد: ثم شهدت مع عثمان بن عفان، فكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب، فقال: يا أيها الناس إن هذا يوم، قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة، من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع، فقد أذنت له، قال أبو عبيد: ثم شهدته مع علي بن أبي طالب، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: إن رسول اللّه وَّر، نهاكم أن تأكلوا لحوم نسککم فوق ثلاث. انتهى. (بَدَأَ بِالصَّلَاةِ) أي صلاة العيد (قَبْلَ الْخُطْبَةِ) أي لأنه السنّة (ثُمَّ صَلَّى، بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةِ) إذ لا يُشرعان لصلاة العيد؛ لكونها نافلة (ثُمَّ قَالَ) عليّ رَتْلُه (سَمِعْتُ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَّهِ، يَنْهَى أَنْ يُمْسِكَ أَحَدٌ مِنْ نُسُكِهِ) بضِمّتين، وبضمّ، فسكون: أي لحم أضحيته (شَيْئًا) أي لا كثيرًا، ولا قليلًا (فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّام) وفي الرواية التالية: ((إن رسول اللّه وَّل قد نهاكم أن تأكلوا لُحُوم نُسُككم فوق ثلاث))، وزاد عبد الرزّاق في روايته: ((فلا تأكلوها». ٣٥- (النَّهْيُ عَنِ الأَكْلِ مِنْ لُحُوم ... - حديث رقم ٤٤٢٦ ٢٣ وقال في ((الفتح)) (١) ١٤٦/١١ -١٤٧ -: قال القرطبي: اختلف في أول الثلاث، التي كان الادخار فيها جائزا، فقيل: أولها يومُ النحر، فمن ضَحَّى فيه جاز له أن يمسك يومين بعده، ومن ضحى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة. وقيل: أولها يومُ يُضَحِّي، فلو ضَخَّى في آخر أيام النحر، جاز له أن يمسك ثلاثا بعدها. ويحتمل أن يؤخذ من قوله: ((فوق ثلاث)) أن لا يُخْسَبَ اليوم الذي يقع فيه النحر من الثلاث، وتعتبر الليلة التي تليه، وما بعدها. قال الحافظ: ويؤيده ما في حديث جابر: ((كنا لا نأكل من لحوم بدننا، فوق ثلاث منى))، فإن ثلاث منى، تتناول يوما بعد يوم النحر، لأهل النفر الثاني. قال الشافعي: لعل عليا لم يبلغه النسخ، وقال غيره: يحتمل أن يكون الوقت الذي قال علي فيه ذلك، كان بالناس حاجة، كما وقع في عهد النبي ◌َّ، وبذلك جزم ابن حزم، فقال: إنما خطب عليّ بالمدينة في الوقت الذي كان عثمان حُوصر فيه، وكان أهل البوادي، قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة، فأصابهم الجهد، فلذلك قال عليّ ما قال. قال الحافظ: أما كون علي خطب به، وعثمان محصورٌ، فأخرجه الطحاوي من طريق الليث، عن عقيل، عن الزهري، في هذا الحديث، ولفظه: ((صلّيت مع علي العيد، وعثمان محصور))، وأما الحمل المذكور، فلما أخرج أحمد، والطحاوي أيضًا، من طريق مخارق بن سليم، عن عليّ ◌َّه ، رفعه: ((إني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فادخروا ما بدا لكم))، ثم جمع الطحاوي بنحو ما تقدم، وكذلك يجاب عما أخرج أحمد، من طريق أمّ سليمان، قالت: دخلت على عائشة، فسألتها عن لحوم الأضاحي؟ فقالت: كان النبي ◌ََّ، نهى عنها، ثم رخّص فيها، فَقَدِم عليٍّ من السفر، فأتته فاطمة بلحم من ضحاياها، فقال: ((أو لم نُنْه عنه؟))، قالت: إنه قد رُخْص فيها، فهذا عليّ، قد اطلع على الرخصة، ومع ذلك خطب بالمنع، فطريق الجمع ما ذكرته. وقد جزم به الشافعي في ((الرسالة))، في آخر ((باب العلل في الحديث))، فقال: ما نصه: فإذا دَقَّت الدافّة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا، بعد ثلاث، وإن لم تَدُفّ دافّة، فالرخصة ثابتة بالأكل، والتزود، والادخار، والصدقة، قال الشافعي: ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الأضاحي، بعد ثلاث منسوخا، في كل حال. قال الحافظ: وبهذا الثاني أخذ المتأخرون من الشافعية، فقال الرافعي: الظاهر أنه لا يحرم اليوم بحال، وتبعه النووي، فقال في ((شرح المهذب)): الصواب المعروف، أنه لا يحرم الادخار اليوم بحال. وحكى في ((شرح مسلم)) عن جمهور العلماء، أنه من نسخ السنة بالسنة، قال: والصحيح نسخ النهي مطلقا، وأنه لم يبق تحريم، ولا كراهة، فيباح (١) عبارة (الفتح)) المذكورة هنا قد تقدمت فيما نقلته من الحافظ ولي الدين وغيره، وإنما أعدتها لما رأيت فيها من الفوائد الزائدة، فلا تظن أيها الأخ المحب للتحقيق العلمي أن هذا مجرد تكرار، وقد حذرتك عن هذا في مقدمة هذا الشرح، فلتعذرني، فالعذر عند كرام الناس مقبول. والله تعالى ولي التوفيق. ٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا اليوم الادخار فوق ثلاث، والأكل إلى متى شاء. انتهى. وإنما رجح ذلك؛ لأنه يلزم من القول بالتحريم، إذا دَفْت الدافّة إيجاب الإطعام، وقد قامت الأدلة عند الشافعية، أنه لا يجب في المال حقّ سوى الزكاة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم في أواخر كتاب الزكاة البحث عن هذه المسألة، وأن الصحيح وجوب حقّ سوى الزكاة، بحسب ما تدعو الحاجة إليه، فراجعه، تجده موضّحًا بأدلّته، والله تعالى وليّ التوفيق. قال: ونقل ابن عبد البر ما يوافق ما نقله النووي، فقال: لا خلاف بين فقهاء المسلمين، في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأن النهي عن ذلك منسوخ، كذا أطلق، وليس بجيد، فقد قال القرطبي: حديث سلمة، وعائشة، نصّ على أن المنع كان لعلة، فلما ارتفعت ارتفع؛ لارتفاع موجبه، فتعين الأخذ به، وبعود الحكم تعود العلة (١)، فلو قَدِم على أهل بلد ناس، محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة، يَسُدُّون بها فاقتهم، إلا الضحايا، تَعَيّن عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث. قال الحافظ : والتقييد بالثلاث واقعة حال، وإلا فلو لم تُسَدّ الخلة إلا بتفرقة الجميع، لزم على هذا التقرير عدم الإمساك، ولو ليلة واحدة. وقد حكى الرافعي عن بعض الشافعية: أن التحريم كان لعلة، فلما زالت زال الحكم، لكن لا يلزم عود الحكم عند عود العلة. قال الحافظ : واستبعدوه، وليس ببعيد؛ لأن صاحبه قد نظر إلى أن الخلة، لم تُسدّ يومئذ، إلا بما ذُكر، فأما الآن فإن الخلة تستد بغير لحم الأضحية، فلا يعود الحكم إلا لو فرض أن الخلة لا تستد، إلا بلحم الأضحية، وهذا في غاية الندور. وحكى البيهقي عن الشافعي، أن النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث، كان في الأصل للتنزيه، قال: وهو كالأمر في قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَلْعِمُواْ الْقَائِعَ﴾ الآية [الحج: ٣٦]، وحكاه الرافعي، عن أبي علي الطبري احتمالا . وقال المهلب: إنه الصحيح؛ لقول عائشة: ((وليس بعزيمة)). والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح)) ١٤٦/١١-١٤٧. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٤٤٢٦/٣٥ و٤٤٢٧- وفي ((الكبرى)) ٤٥١٣/٣٦ و٤٥١٤. وأخرجه (١) هكذا عبارة ((الفتح)) ١٤٦/١٣ ولعله: ((وبعود العلّة يعود الحكم))، والله تعالى أعلم. ٢٥ ٣٦- (الإِذْنُ فِي ذَلَكَ) - حديث رقم ٤٤٢٨ (خ) في ((الأضاحي)) ٥٥٧٣ (م) في ((الأضاحي)) ٣٦٣٩٣٦٤٠ (أحمد) ((مسند العشرة)) ٤٣٧٥ و٥١٢ و ٥٨٨ و٨٠٨ و١١٩٠ و١١٩٦ و١٢٧٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن أكل لحوم الأضاحي، وادخارها بعد ثلاثة أيام. (ومنها): مشروعيّة الخطبة في العيد. (ومنها): أن خطبة العيد تُخالف خطبة الجمعة في كونها بعد الصلاة، وقد تقدّم في ((كتاب العيدين)) القول في أول من قدّم الخبطة على الصلاة فيها. (ومنها): أنه لا يُشرع الأذان، ولا الإقامة لصلاة العيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٢٧ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَّ قَدْ نََّاكُمَّ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه أبي داود: سليمان بن سيف الحَرّانيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و((يعقوب)): هو ابن إبراهيم الزهريّ. ((وأبوه)): هو إبراهيم بن سعد الزهري. و((صالح)): هو ابن كيسان. والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)) . ٣٦- (الإِذْنُ فِي ذَلِكَ) أي فيما ذُكر من أكل لحوم الأضاحي، وادخارها بعد ثلاث. ٤٤٢٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، نََّى عَنْ أَكْلٍ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ قَالَ: ((كُلُوا، وَتَزَّوَّدُوا، وَادَّخِرُوا))) . رجال هذا الإسناد: ستة : ٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا ١ - (محمد بن سلمة) المرادي الجمّلي، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١]٢٠/١٩. ٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصري القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩ . ٣- (ابن القاسم) هو عبد الرحمن العتقي المصري الفقيه، ثقة، من كبار [١٠]٢٠/١٩. ٤- (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت الفقيه المدني [٧] ٧/ ٧ . ٥- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يرسل [٤] ٣٥/٣١. ٦- (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حرام الصحابي ابن الصحابي رضي اللّه تعالى عنهما ٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، وقبله بالمصريين. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي اللَّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) الضمير الأول لجابر، والثاني لأبي الزبير: أي أن جابرًا تَظّيه أخبر أبا الزبير (أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَّهَ، نَهَى عَنْ أَكْلٍ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ) أي بعد ثلاث ليال، فتذكير العدد باعتبار الليالي، وفي رواية مسلم: «كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى، فأرخص لنا رسول اللَّه وَّر، فقال: ((كلُوا، وتزوّدوا)). وفي رواية: (كنا لا نمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمرنا رسول اللّه وَل أن نتزوّد منها، ونأكل)) - يعني فوق ثلاث -. وفي رواية: ((كنا نتزوّدها إلى المدينة على عهد رسول الله وَه» (ثُمَّ قَالَ) وَلَّ بعد أن نهى عن ذلك (كُلُوا) الأمر فيه للاستحباب عند الجمهور، وأو جبه ابن حزم الظاهري (وَتَزَوَّدُوا) أي خذوا منه زادًا في السفر، وهذا لمن أراد أن يسافر (وَادَّخِرُوا))) بالمهملة، وأصله من ذخر بالمعجمة، دخلت عليها تاء الافتعال، ثم أُدغمت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ الآية [يوسف: ٤٥]. وفي حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها الآتي في الباب التالي: ((وكلوا، وادخروا، وتصدّقوا))، قال السنديّ: قوله: ((ثم كلوا)) هذا ظاهر في النسخ، والذي يدلّ عليه النظر في أحاديث الباب أن المدار على حاجة الناس، فإن رأى حاجتهم شديدة ينبغي له أن لا ٢٧ ٣٦- (الإِذْنُ فِي ذَلِكَ) - حديث رقم ٤٤٢٨ يدّخر فوق ثلاث، وإلا فله ذلك، وعلى هذا فلا نسخ، ولعلّ نهي عليّ رَّه مبنيّ على ذلك، لا على عدم بلوغ النسخ إليه. انتهى. وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه أوامر وردت بعد الحظر، فهل تقَدُّمه عليها يُخرجها عن أصلها من الوجوب عند يراه، أو لا يُخرجها؟ اختلف الأصوليون فيه على قولين. قال: والظاهر من هذه الأموار هنا إطلاق ما كان ممنوعا، بدليل اقتران الادخار مع الأكل، والصدقة، ولا سبيل إلى حمل الادخار على الوجوب بوجهٍ، فلا يجب الأكل، ولا الصدقة من هذا اللفظ، وجمهور العلماء على أن الأكل من الأضحيّة ليس بواجب، وقد شذّت طائفة، فأوجبت الأكل منها؛ تمسّكًا بظاهر الأمر هنا، وفي قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحجّ: ٢٨]، ووقع لمالك في كتاب ابن حبيب أن ذلك على الندب، وأنه إن لم يأكل مخطىء، وقال أيضًا: لو أراد أن يتصدّق بلحم أضحيّته كلِّه كان له، كأكله كلّه حتى يفعل الأمرين. وقال الطبريّ: جميع أئمة الأمصار على جواز أن لا يأكل منها، إن شاء، ويطعم جميعها، وهو قول محمد بن الموّاز. انتهى كلام القرطبيّ. ((المفهم)) ٣٧٩/٥-٣٨١. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مسألة الأمر بعد الحظر، قيل: للإباحة؛ لتبادره إلى الذهن، وهذا القول عندي أظهر. وقيل: للوجوب حقيقةً؛ لأن الصيغة تقتضيه. وقيل: بالتفصيل، فما كان قبل الحظر واجبًا كان للوجوب، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ الْأَثَهُرُ الْحُرُمُ فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ٥]، فإنه كان واجبًا قبل تلك المدة، فاستمرّ كذلك بعدها، وإلا كان للإباحة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَأَصْطَادُواْ﴾ الآية [المائدة: ٢]، وإلى هذه الأقوال أشار في ((الكوكب الساطع)) بقوله: فَإِنْ أَتَى افْعَلْ بَعْدَ حَظْرٍ دَانِي قَالَ الإِمَامُ أَوِ الاسْتِثْذَانِ وَقِيلَ مَا قَدْ كَانَ قَبْلَ الْحِزْمِ فَلِلإِبَاحَةِ وَقِيلَ الْحَثْم وقول الطبريّ: ((جميع أئمة الأمصار الخ)) فيه نظر، فقد تقدّم أن ابن حزم قال بالوجوب، وقد نقله عن بعض السلف، فليس هناك إجماع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٤٢٨/٣٦- وفي ((الكبرى)) ٤٥١٥/٣٧. وأخرجه (خ) ((الحج)) = ٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا ١٧١٩ و((الجهاد)) ٢٩٨٠ و((الأطعمة)) ٥٤٢٤ و((الأضاحي)) ٥٥٦٧ (م) ((الأضاحي)) ٣٦٤٤ و٣٦٤٥ و٣٦٤٦ (أحمد) ((باقي مسند المكثرين)) ١٤٦٢٤ و١٤٧١٩ و١٤٧٤٨ و(الموطأ) ((الضحايا)) ١٠٤٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الإذن في أكل لحم الأضحيّة، والادخار بعد ثلاث. (ومنها): استحباب الادخار، من لحوم الأضاحيّ. (ومنها): جواز الادخار للقوت، خلافًا لمن كرهه، وقد ورد في الادخار: ((كان يدّخر لأهله قوت سنة))، وفي رواية: ((كان لا يدّخر لغد»، والأول في ((الصحيحين))، والثاني في ((صحيح مسلم))، والجمع بينهما أنه كان لا يدّخر لنفسه، ويدّخر لعياله، أو أن ذلك كان باختلاف الحال، فيتركه عند حاجة الناس إليه، ويفعله عند عدم الحاجة. (ومنها): ما قال ابن بطّال رحمه الله تعالى: وفيه رد على من زعم من الصوفيّة أنه لا يجوز اذّخار طعام لغد، وأن اسم الولاية لا يستحقّها من ادّخر شيئًا، ولو قلّ، وأن من ادّخر أساء الظنّ بالله تعالى. انتهى (١). (ومنها): ما قال ابن العربيّ: فيه ردّ على المعتزلة الذين يرون أن النسخ لا يكون إلا بالأخفّ للأثقل، وقد كان أكلها مباحًا، ثم حُرّم، ثم أَبيح، وأيّ هذين أخفّ، أو أثقل، فقد نسخ أحدهما بالآخر. وتعقّبه وليّ الدين، فقال: تحريمها بعد الإباحة ليس نسخًا؛ لأنه رفع للبراءة الأصلية، ورفع البراءة الأصلية، ليس بنسخ، على ما تقرّر في الأصول، وإن صحّ ما قاله، فقد وقع النسخ هنا مرّتين، وذلك في مواضع محصورة، لم يُذكر هذا منها. انتهى ((طرح التثريب)) ٢٠١/٥ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأكل من الأضحية: ذهب جمهور العلماء إلى أنه مستحبّ، قال النوويّ في ((شرح مسلم)): هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، إلا ما حُكي عن بعض السلف أنه أوجب الأكل منها، وهو قول أبي الطيب بن سلمة من أصحابنا، حكاه عنه الماورديّ؛ لظاهر هذا الحديث في الأمر بالأكل، مع قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾، وحمل الجمهور هذا الأمر على الندب، أو الإباحة، لا سيّما وقد وردبعد الحظر، فقد قال جماعة من أصحابنا: إنه في هذه الحالة للإباحة، والجمهور على أنه للوجوب، كما لو ورد ابتداء، وبوجوب الأكل، ولو لُقمة قال ابن حزم الظاهريّ. (١) راجع ((الفتح) ٦٩٤/١٠ ((كتاب الأطعمة)). ٢٩ ٣٦- (الإِذْنُ فِي ذَلِكَ) - حديث رقم ٤٤٢٩ وأما الصدقة منها، فالصحيح عند الشافعيّة، والحنابلة بما يقع عليها الاسم، ويستحبّ أن يتصدّق بمعظمها، ويُهدي الثلث، وللشافعيّ قول إنه يأكل النصف، ويتصدّق بالنصف، وهذا الخلاف في قدر أوفى الكمال في الاستحباب، وأما الإجزاء فتجزيه الصدقة بما يقع عليه الاسم، وذهب بعضهم إلى أنه لا تجب الصدقة بشيء منها، وهو مذهب المالكيّة، قال ابن عبد البرّ: وعلى هذا جماعة العلماء، إلا أنهم يكرهون أن لا يتصدّق منها بشيء. انتهى. وقالت الحنفيّة يستحبّ أن يتصدّق بالثلث، ويأكل الثلث، ويدّخر الثلث. قال وليّ الدين: وأما الادخار فالأمر به للإباحة بلا شكّ. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الأرجح استحباب كلٍّ: من الأكل، والصدقة، والادخار؛ لما سبق لنا بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٢٩ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّدٍ، زُغْبَةُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيِثُ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ خَيَّابِ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَّابِ- أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُذِرِيِّ، قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَّحْمًا، مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِآكِلِهِ، حَتَّى أَسْأَلَ، فَانْطَلَقَ إِلَى أَخِيهِ لِأَمِّهِ، قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، وَكَأَنَ بَدْرِيًّا، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ، نَقْضًا لِمَا كَانُوا نُهُوا عَنْهُ، مِنْ أَكْلٍ لُحُومِ الْأَضَاحِيْ، بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١ - (عيسى بن حماد) بن مسلم التجيبي، أبو موسى المصريّ، ثقة [١٠]١٣٥/ ٢١١. [تنبيه]: قوله: ((زُغبة))- بضم الزاي، وسكون الغين المعجمة، آخره باء موحّدة- لقب عيسى، ولقب أبيه أيضًا. ٢- (الليث) بن سعد أبو الحارث المصري الإمام الحجة [٧] ٣٥/٣١. ٣- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ٢٣/٢٢. ٤- (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصدّق المدني، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٣] ١٦٦/١٢٠ . ٥- (عبد الله بن خباب)- بمعجمة، وموحدتين، الأولى ثقيلة- الأنصاريّ النجّاريّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٣] مات بعد المائة، وتقدّم في ١٢٩٣/٥٣. ٦- (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابيّ رضي الله (١) راجع ((طرح التثريب)) ٢٠٠/٥-٢٠١. === ٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا تعالى عنهما ١٦٩ / ٢٦٢ . ٧- (قتادة بن النعمان) بن زيد بن عامر بن سَوَاد بن ظَفَر، وهو كعب بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس الأنصاريّ الظَّفَريّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو عُمر، أو أبو عثمان، شَهِدَ بدرًا، والمشاهد كلّها، وهو الذي ردّ عليه النبيّ وَّل عينه بعد أن سقطت يوم أحد، وقيل: يوم الخندق، مات سنة (٢٣) وصلّى عليه عمر بن الخطّاب رَوّه، وهو يومئذ ابن (٦٥) سنة وقيل: (٧٠)، وقيل: مات سنة (٢٢) روى له الجماعة، سوى مسلم، وأبي داود، له عند المصنّف هذا الباب فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، والليث، فمصريان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعيين يروي بعضهم عن بعض: يحيى، والقاسم، وابن خبّاب . وفيه رواية صحابي عن صحابي أخيه. (ومنها): أن فيه القاسم أحد الفقهاء السبعة. (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ رَظمي، أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. (ومنها): أن صحابية من المقلين من الرواية، فليس له إلا نحو خمسة أحاديث. راجع ((تحفة الأشراف)) جـ ٨ ص ٢٧٧ - ٢٨٠ . والله تعالى أعلم. شرح الحدیث (عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ) بمعجمة، وموحدتين، الأولى ثقيلة (-هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابِ-) الأنصاريّ النجّاريّ مولاهم (أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُذْرِيَّ) رضي اللَّه تعالى عنه (قَدِمَ) بكسر الدال المهملة، من باب تَعِب قُدُومًا، ومَقْدَمًا (مِنْ سَفَرٍ، فَقَدَّمَ) بتشديد الدال، مبنيًّا للفاعل: أي وَضَع بين يديه (إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا، مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِآكِلِهِ، حَتَّى أَسْأَلَ) وفي رواية البخاريّ: فقال: أخْروه، لا أذوقَه)) (فَانْطَلَقَ إِلَى أَخِيهِ لِأُمِّهِ) اسمها أنيسة بنت أبي خارجة عمرو بن قيس بن مالك، من بني عديّ بن النجّار. ذكر ذلك ابن سعد، قاله في ((الفتح)) ١١ / ١٤٢ (قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ وَكَانَ بَذْرِيًّا) أي كان ممن شهد وقعة بدر المشهورة (فَسَأَلَّهُ عَنْ ذَلِكَ) أي سأل أبو سعيد قتادة بن النعمان، عن حكم أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث (فَقَالَ) قتادة رَّهِ (إِنَةً قَدْ حَدَثَ) بتخفيف الدال، من الحدوث (بَعْدَكَ أَمْرٌ) أي بعد ما سمعته وَّ ينهى عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث تجدد أمر آخر، وهو إباحة ذلك، وقوله (نَقْضًا) منصوب على أنه مفعول لأجله: أي لأجل النقض والإزالة (لِمَا) متعلّق بـ((نقضا)) (كَانُوا نُوا عَنْهُ) وقوله (مِنْ أَكْلٍ لُحُومِ الْأَضَاحِيَّ) بيان لـ((ما)» = ٣١ ٣٦- (الإِذْنُ فِي ذَلِكَ) - حديث رقم ٤٤٣٠ (بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وأخرج الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى الحديث، مطوّلًا، فقال: ١٥٦٢٤ حدثنا يعقوبَ، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن علي بن حسين بن جعفر، وأبي إسحاقُ بن يسار، عن عبد الله بن خباب، مولى بني عدي ابن النجار، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول اللَّه وَّر، قد نهانا عن أن نأكل لحوم نسكنا فوق ثلاث، قال: فخرجت في سفر، ثم قَدِمتُ على أهلي، وذلك بعد الأضحى بأيام، قال: فأتتني صاحبتي بساق، قد جعلت فيه قَديدا، فقلت لها: أَنَّى لك هذا القديد؟ فقالت: من ضحايانا، قال: فقلت لها، أولم ينهنا رسول اللَّه وَلّر، عن أن نأكلها فوق ثلاث؟ قال: فقالت: إنه قد رَخَّصَ للناس بعد ذلك، قال: فلم أُصدّقها حتى بعثتُ إلى أخي قتادةً بن النعمان، وكان بدريا، أسأله عن ذلك؟ قال: فبعث إليّ أن كل طعامك، فقد صَدَقَتْ، قد أرخص رسول اللَّه رَّ للمسلمين في ذلك. وأخرجه أحمد أيضًا من وجه آخر، فجعل القصّة لأبي قتادة، وأنه سأل قتادة بن النعما عن ذلك أيضًا، لكن في إسناده نظر، وفيه: أن النبيّ مَّر قام في حجة الوداع، فقال: ((إني كنت أمرتكم ألا تأكلوا الأضاحي فوق ثلاثة أيام لتسعكم، وإني أحلّه لكم، فكلوا منه ما شئتم)) الحديث، فبيّن فيه وقت الإحلال، وأنه كان في حجة الوداع، وكأن أبا سعيد رَّ ما سمع ذلك، ولذا قال له قتادة: ((حدث بعدك أمر))، وبيّن فيه أيضًا السبب في التقييد، وأنه لتحصيل التوسعة بلحوم الأضاحي لمن لم يضخّي(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث قتادةَ بنِ النعمان رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٤٢٩/٣٦ و٤٤٣٠- وفي ((الكبرى)) ٤٥١٦/٣٧ و٤٥١٧. وأخرجه (خ) ((المغازي)) ٣٩٩٧ و((الأضاحي)) ٥٥٦٨ (الموطأ) ((الضحايا)) ١٠٤٨، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٣٠- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي زَيْنَبُ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيٌّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، فَهَى عَنْ لُحُوَمِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَدِمَ قَتَادَةُ بْنُ الثَّعْمَانِ، وَكَانَ أَخَا أَبِي سَعِيدٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَ بَدْرِيّاً، فَقَدَّمُوا إِلَيْهِ، (١) راجع ((الفتح)) ١١/ ١٤٢-١٤٣. ٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ نَّى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ بِ؟، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنهُ قَدْ حَدَثَ فِيهِ أَمْرٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، نَّانَا أَنْ نَأْكُلَهُ فَوْقَ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَأْكُلَهُ، وَنَذَّخِرَهُ) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه:" ((عبيد الله بن سعيد)): هو أبو قُدامة السرخسيّ. و(يحيى)): هو القطّان. و((سعد بن إسحاق)): هو ابن كعب بن عُجرة الْبَلَويّ المدنيّ، حليف الأنصار، ثقة [٥] ١٦٠٠/١. و((زينب)): هي بنت كعب بن عُجرة، زوج أبي سعيد الخدريّ رَّه، مقبولة [٢]، ويقال: لها صحبة، وهي عمة سعد الراوي عنها. وشرح الحديث تقدّم فیما قبله. والحديث تفرّد به المصنف رحمه اللّه تعالى، وقد وقع فيه قلبٌ، وذلك أن الصواب كون السائل الذي قدم من السفر هو أبا سعيد الخدريّ، والمسئول هو قتادة بن النعمان، كما هو في الرواية الأولى، قال الحافظ أبو الحجاج المزيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) ٥٠٢/٣: والمحفوظ أن الذي حدّث فيه بالرخصة قتادة بن النعمان. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)) ١٤٣/١١ -: وأخرجه النسائيّ، وصححه ابن حبّان من طريق زينب بنت كعب، عن أبي سعيد، فقلب المتن، جعل راوي الحديث أبا سعيد، والممتنع من الأكل قتادة بن النعمان، وما في ((الصحيح)) أصح. انتهى. والحاصل أن الحديث صحيح، من مسند قتادة بن النعمان تظلّه ، كما في الرواية الأولى، وهو الذي أخرجه البخاريّ في ((صحيحه))، لا من مسند أبي سعيد الخدريّ رَوتيه، كما هنا، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٣١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - وَهُوَ النُّغَيْلِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ح وَأَنْبَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُبَيْدُ بْنُ الْحَارِثُ، عَنْ مُحَارِبٍ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةً، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنِّي كُنْتُ نََّيْتُكُمْ عَنَ ثَلَاثٍ: عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَلْتَزِدْكُمْ زِيَارَتَّا خَيْرًا، وَنَّيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَكُلُوا مِنْهَا، وَأَمْسِكُوا مَا شِئْتُمْ، وَنَّيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فِي الْأَوْعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ وِعَاءِ شِئْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا))، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ ((وَأَمْسِكُوا))). رجال هذا الإسناد : تسعة: ١- (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٤٧/١٠٨ من أفراد المصنف . ٢ - (محمد بن معدان بن عيسى) الحرّاني، ثقة [١٢]٦٤٩/١٦ من أفراد المصنف أيضًا. ٣٣ ٣٦- (الإِذْنُ فِي ذَلِكَ) - حديث رقم ٤٤٣١ ٣- (عبد الله بن محمد النفيلي) أبو جعفر الحراني، ثقة حافظ، من كبار [١٠] ٧/ ٤٠٦ . ٤- (الحسن بن أعين) هو الحسن بن محمد بن أعين، نسب لجده، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوق [٩] ١٦ / ٦٤٩. ٥- (زهير) بن معاوية بن حُديج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٤٢/٣٨. ٦- (زبيد بن الحارث) بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب، أبو عبد الرحمن اليامي الكوفي، ثقة عابد [٦] ١٤٢٠/٣٧. ٧- (محارب بن دثار) السدوسي الكوفي القاضي، ثقة إمام زاهد [٤] ١٦ / ٦٥٢. ٨- (ابن بريدة) هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، أبو سهل المروزيّ القاضي، ثقة [٣] ٣٩٣/٢٥. ٩- (أبوه) بريدة بن الحصيب الأسلمي، أبو سهل الصحابي، أسلم قبل بدر، ومات سنة (٦٣)، وتقدم في ١٣٣/١٠١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه، فإنهما من أفراده، وكلاهما ثقتان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ) عبد اللَّه (ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الحُصيب ◌َّهِ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ الَ: ((إِنِّي كُنْتُ نَّيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ) أي ثلاث خصال (عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ) بدل تفصيل من مجمل الجار والمجرور قبله، قيل: إنما نهوا لقرب عهدهم بعبادة الأصنام، ودعائها، فنهوا خشية أن يقولوا عندها ما اعتادوه في الجاهليّة، وخوفًا من أن يكون ذلك ذريعة لعبادتها (فَزُورُوهَا) أمر بالزيارة، وهو للاستحباب؛ بدليل ما في الرواية التالية بلفظ: ((ومن أراد زيارة القبور، فإنها تذكّر الآخرة))، وتقدّم في ((الجنائز)) بلفظ: ((فمن أراد أن يزورها، فليزرها» (وَلْتَزِدْكُمْ زِيَارَتُهَا خَيْرًا) أي لتكن زيارتكم إياها سبب خير لكم، وذلك بتذكّر الآخرة، ففي الرواية التالية: ((فإنها تذكّر الآخرة)) (وَنَّيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ) أي عن أكلها (بَعْدَ ثَلَاثٍ) أي ثلاث ليال (فَكُلُوا مِنْهَا، وَأَمْسِكُوا) هو بمعنىَ قوله: ((ادخروا)) في الروايات السابقة (مَا شِئْتُمْ) أي أيَّ وقت شئتم، ثلاثًا، أو أكثر (وَنََّيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ) أي عن اتخاذ الأشربة (فِي الْأَوْعِيَةِ) جمع وعاء، كسقاء، وأسقية، وزنًا ومعنى (فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ وِعَاءٍ شِئْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) يعني أن الانتباذ في جميع ٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا الظروف جائز، وإنما المنهيّ عنه هو شرب المسكر فقط. وقوله (وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ) أي ابن معدان شيخه الثاني (وَأَمْسِكُوا») يعني أن ذكر لفظ: ((وأمسكوا)) في رواية عمرو بن منصور النسائيّ، شيخه الأول، وأما محمد بن معدان، فلم يذكرها في روايته، بل اقتصر على قوله: ((فكلوا منها ما شئتم». والله تعالى أعلم . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في ((كتاب الجنائز))- ٢٠٣٢/١٠٠- شرحه، مستوفّى، وكذا بيان مسائله، وسيأتي ما يتعلّق بالأشربة في ((كتاب الأشربة))، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٣٢- (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، عَنِ الْأَخْوَصِ بْنِ جَوَّابٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَّةَ، عَنْ أَبِيهَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((إِنِّي كُنْتُ نَّيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيَّ بَعَدَ ثَلَاثٍ، وَعَنِ النَّبِيذِ إِلَّ فِي سِقَاءٍ، وَعَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَكُلُوا مِنْ لُحُوَّمَ الْأَضَاحِيِّ مَا بَدَا لَكُمْ، وَتَزَوَّدُوا، وَاذَّخِرُوا، وَمَنْ أَرَادَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ، فَإِنَّا تُذَكْرُ الْآخِرَةَ، وَاشْرَبُوا، وَاتَّقُوا كُلَّ مُسْكِرِ))) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((الأحوص بن جوّاب)) -بفتح الجيم، وتشديد الواو: هو الضبيّ الكوفيّ، صدوقٌ ربما وهم [٩]. و((عمّار بن رُزيق)) - بتقديم الراء، على الزاي، مصغّرًا -: هو الضبيّ، أبو الأحوص الكوفيّ، لا بأس به [٨]. و((أبو إسحاق)): هو عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ المشهور. و((الزبير بن عديّ)): هو الهمدانيّ الياميّ الكوفيّ، ولي قضاء الريّ، ثقة [٥]. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧- (الادِّخَارُ مِنَ الأَضَاحِي) ٤٤٣٣- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى، عَنْ مَالِكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَقَّتْ دَاقَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، حَضْرَةً الْأَضْحَى، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((كُلُوا، وَادَّخِرُوا ثَلَاثًا)»، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ مِنْ أَضَاحِيَّهِمْ، يَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا ٣٥ ٣٧- (الادّخَارُ مِنَ الأَضَاحِي) - حديث رقم ٤٤٣٣ الْأَسْقِيَةَ، قَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟))، قَالَ: الَّذِي نَّيْتَ مِنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ، قَالَ: ((إِنَّمَا نَهَيْتُ لِلدَّافَةِ الَّتِي دَفَّتْ، كُلُوا، وَادْخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسي، ثقة ثبت [١٠] ١٥/١٥. ٢- (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/٤. ٣- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه [٧] ٧ / ٧. ٤- (عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨ م١٦٣ . ٥ - (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقة [٣]٢٠٣/١٣٤. ٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فسرخسي، ويحيى، فبصري. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: دَقَّتْ دَاقَةٌ) بالدال المهملة، وتشديد الفاء، قال القرطبيّ: الدفيف: الدبيب، وهو السير الخفيّ الليّن، والدافّة: الجيش الذين يدبّون إلى أعدائهم، وكأن هؤلاء ناس ضعفاء، فجاءوا دافين؛ لضعفهم من الحاجة والجوع. انتهى. وقال في ((النهاية)) ١٢٤/٢: الدّافة: القوم يسيرون سيرًا ليس بالشديد، يقال: هو يدفّون دفيفًا، والدافّة: قومٌ من الأعراب، يَرِدون المصر، يُريد أنهم قوم قَدِموا المدينة عند الأضحى، فنهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي، ليفرّقوها، ويتصدّقوا بها، فينتفع أولئك القادمون بها. انتهى. وقال النوويّ: قال أهل اللغة: الدّافة - بتشديد الفاء -: قوم يسيرون جميعًا سيرًا خفيفًا، ودفَ يدِفّ بكسر الدال، ودافّةُ الأعراب من يَرِد منهم المصر، والمراد هنا مَن ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة. انتهى. ((شرح مسلم)) ١٣١/١٣. (مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) أي من الأعراب يسكونون البادية، وهي خلاف الحاضرة (حَضْرَةَ الْأَضْحَى) قال القرطبيّ: الرواية المعروفة بسكون الضاد، وهو منصوبٌ على الظرف: == ٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا أي زمن حضور الأضحى، ومشاهدته، وقيّده بعضهم: حَضَرَة بفتح الضاد، وفي (الصحاح)): يقال: كلّمته بحَضْرَة فلان، وبمحضره،: أي بمشهد منه. وحكى يعقوب: كلّمته بحَضَر فلان بالتحريك، من غير هاء، وكلّمته بحضرة فلان، حُضرته، وحضرته . - أي بتثليث أوله- انتهى. ((المفهم)) ٣٧٨/٥. وقال النوويّ في ((شرح مسلم)) ١٣٢/١٣: هي بفتح الحاء، وضمّها، وكسرها، والضاد ساكنة فيها كلّها، وحكي فتحها، وهو ضعيفٌ، وإنما تُفْتَح إذا حُذفت الهاء، فيقال : بحضرة فلان. انتهى. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كُلُوا، وَادَّخِرُوا ثَلَاثًا) زاد في رواية مسلم: ((ثم تصدّقوا بما بقي)): أي كلوا بعضه، وادخروا بعضه مدةً ثلاث ليال، وما فضل عن ذلك، فتصدّقوا به على هؤلاء المحتاجين (فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) أي في العام الذي بعده (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ مِنْ أَضَاحِيِّهِمْ) بتشديد الياء، جمع أضحيّة (يَجْمُلُونَ) بالجيم، وفتح أوله، وضمه، من جمل، كنصر، وضرب، وأجمل، يقال: جملت الدهن، أجمله، بكسر الميم، وأجُمُه بضمها جُملًا، وأجملته إجمالًا: أي أذبته. قاله النوويّ. وقال القرطبيّ: يقال: جملت الشحم، واجتملته: إذا أذبته، وربّما قالوا: أجملت، وهو قليل. انتھی . (مِنْهَا) أي الأضحيّة (الْوَدَكَ) بفتحتين: هو الشحم، ودسم اللحم: أي يُذيبون الشحم، ويستخرجون دهنه (وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ) جمع سِقاء، بالكسر، قال في ((القاموس)): السقاء ككساء: جلد السَّخْلَة، إذا أجذع، يكون للماء، واللبن، جمعه أسقية، وأسقيات، وأساق. انتهى. (قَالَ) بَرِ (وَمَا ذَاكَ؟) أي ما سبب قولكم هذا؟، مع ظهور أنه جائز (قَالَ) هكذا رواية المصنّف بالإفراد هنا، وفي ((الكبرى))، ولفظ مسلم: ((قالوا)) بواو الجمع، وهو واضح، وما هنا أيضًا له وجه صحيح، وذلك أن الذي تولّى الجواب أحدهم، وإنما قيل في الأول: قالوا؛ لرضاهم بقوله. والله تعالى أعلم. وقوله (الَّذِي نَهَيْتَ) خبر المحذوف: أي هو الذي نهيته، وقوله (مِنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ) بيان للموصول، والمعنى أن الذي دعانا إلى أن نسألك هو الذي نهيته في العام السابق، وذلك إمساك لحوم الأضاحي، وادخارها (قَالَ) وَِّ (إِنَّمَا نَّيْتُ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَتْ) أي لأجل الجماعة التي أتتكم من البادية، أردت أن تتصدّقوا عليهم، وهذا ظاهر فيما قدّمناه من أن المدار هو الحاجة، وليس هذا من باب النسخ. قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا نصّ منه وَ# على أن المنع كان لعلّة، ولَمّا ارتفعت ارتفع المنع المتقدّم؛ لارتفاع ٣٧ ٣٧- (الادِّخَارُ مِنَ الأَضَاحِي) - حديث رقم ٤٤٣٣ موجِبه، لا لأنه منسوخٌ، وهذا يُبطل قول من قال: إن ذلك المنع إنما ارتفع بالنسخ، لا يقال: فقد قال ◌َله: ((كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فادخروا))، وهذا رفعٌ لحكم الخطاب الأول بخطاب متأخّر عنه، وهذا هو حقيقة النسخ؛ لأنا نقول: هذا لعمر الله ظاهر هذا الحديث، مع أنه يحتمل أن يكون ارتفاعه بأمر آخر غير النسخ، فلو لم يرد لنا نصٌّ بأن المنع من الادخار ارتفع لارتفاع علّته، لما عدَلنا عن ذلك الظاهر، وقلنا: هو نسخٌ، كما قلناه في زيارة القبور، وفي الانتباذ بالحنتم المذكورين معه في حديث بُريدة رَّ المتقدّم، لكن النصّ الذي في حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها في التعليل بيّنَ أن ذلك الرفع ليس للنسخ، بل لعدم العلّة، فتعيّن ترك ذلك الظاهر، والأخذ بذلك الاحتمال لعضد النصّ له. والله تعالى أعلم. [تنبيه] : الفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علّته أن المرفوع بالنسخ لا يُحكم به أبدًا، والمرفوع لارتفاع علّه يعود الحكم لعود العلّة، فلو قَدِمَ على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعةٌ، يسدّون بها فاقتهم إلا الضحايا، لتعيّن عليهم أن لا يدّخروها فوق ثلاث، كما هو فعل النبيّ وَله. انتهى كلام القرطبيّ. ((المفهم)) ٣٧٨/٥-٣٧٩. (كُلُوا، وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا))) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا تصريح بزوال النهي عن ادخارها فوق ثلاث، وفيه الأمر بالصدقة منها، والأمر بالأكل، فأما الصدقة منها، إذا كانت أضحيّة تطوّع، فواجبة على الصحيح عند أصحابنا بما يقع عليه الاسم منها. ويستحبّ أن يكون بمعظمها، قالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث، ويتصدّق بالثلث، ويُهدي الثلث. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٤٣٣/٣٧ و٤٤٣٤ و٤٤٣٥ - وأخرجه (خ) ((الأضاحي)) ٥٥٧٠ (م) ((الأضاحي) ٣٦٤٣ (د) ((الضحايا)) ٢٨١٢ (ت) ((الأضاحي)) ١٥١١ (ق) ((الأضاحي)) ٢١٥٩ (أحمد) «باقي مسند الأنصار)» ٢٣٧٢٨ و ٢٤٤٤١ و٢٤٥٢٦ و ٢٤٦٩٢ و ٢٥٠١٣ (الموطأ) ((الضحايا» ١٠٤٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: = ٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز الادخار من الأضاحي، فوق ثلاثة أيام. (ومنها): جواز النسخ في الأحكام الشرعيّة. (ومنها): ما قاله في (الفتح)): في هذه الأحاديث من الفوائد، غير ما تقدم، نسخ الأثقل بالأخف؛ لأن النهي عن ادخار لحم الأضحية بعد ثلاث، مما يثقل على المضحين، والإذن في الادخار أخف منه، وفيه ردّ على من يقول: إن النسخ لا يكون إلا بالأثقل للأخف، وعكسه ابن العربي زعما أن الإذن في الادخار نسخ بالنهي. وتُعُقّب بأن الادخار كان مباحا بالبراءة الأصلية، فالنهي عنه ليس نسخا، وعلى تقدير أن يكون نسخا، ففيه نسخ الكتاب بالسنة؛ لأن في الكتاب الإذن في أكلها، من غير تقييد؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ﴾. ويمكن أن يقال: إنه تخصيص، لا نسخ، وهو الأظهر. انتهى ما قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي استظهره الحافظ من كون هذا النهي ليس بنسخ، وإنما هو من باب التخصيص، هو الحقّ، كما سبق بيانه مستوفّى، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم. (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: وفي هذا الحديث أبواب من أصول الفقه، وهو أن الشرع يُراعي المصالح، ويحكم لأجلها، ويسكت عن التعليل، ولَمّا تصفّح العلماء ما وقع في الشريعة من هذا وجدوه كثيرًا، بحيث حصل لهم منه أصل كلّيّ، وهو أن الشارع مهما حكم، فإنما يحكم لمصلحة، ثم قد يجدون في كلام الشارع ما يدلّ عليها، وقد لا يجدون، فيسبُرُون أوصاف المحلّ الذي يحكم فيه الشرع حتى يتبيّن لهم الوصف الذي يمكن أن يعتبره الشرع بالمناسبة، أو لصلاحيته لها، فيقولون: الشرع يحكم بالمصلحة، والمصلحة لا تعدو أوصاف المحلّ، وليس في أوصافه ما يصلح للاعتبار إلا هذا، فتعيّن. انتهى. ((المفهم)) ٣٧٩/٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٣٤- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَلْتُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ يَنْهَى، عَنْ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟، قَالَتْ: نَعَمْ، أَصَابَ النَّاسَ شِدَّةٌ، فَأَحَبَّ رَسُولُ اللّهِ وَ لَهَ، أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ، ثُمَّ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ آلَ مُحَمَّدٍ وَِّ، يَأْكُلُونَ الْكُرَاعَ، بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ، قُلْتُ: مِمَّ ذَاكَ؟، فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ وَلِّ، مِنْ خُبْزِ مَأْدُوم، ثَلَاثَةَ أَيَّام، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (يعقوب بن إبراهيم) الدَّورقيّ البغدادي، ثقة حافظ [١٠] ٢٢/٢١. ٣٧- (الادّخَارُ مِنَ الأَضَاحِي) - حديث رقم ٤٤٣٤ ٣٩= ٢- (عبد الرحمن) بن مهدي البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤٩/٤٢. ٣- (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٧/٣٣. ٤- (عبد الرحمن بن عابس) النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٤] ٨٥١/٥. ٥- (أبوه) عابس -بموحّدة، فمهملة- ابن ربيعة النخعيّ الكوفيّ، ثقة، مخضرمٌ [٢] ٢٩٣٨/١٤٧ . [تنبيه] : قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويلتبس به عابس بن ربيعة الغطيفيّ، صحابيّ، ذكره ابن يونس، وقال: له صحبة، وشهد فتح مصر، ولم أجد لهم عنه رواية. انتهى. ((الفتح)) ٦٩٣/١٠ ((كتاب الأطعمة)). والله تعالى أعلم. ٦- (عائشة) رضي الله تعالى عنها المذكورة في الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغدادي، وابن مهدي، فبصري، وعائشة فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ) عابس بن ربيعة النخعيّ ◌َّهِ، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) رضي اللَّهَ تعالى عنها (فَقُلْتُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ يَنْهَى، عَنْ لُحُوم الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟) وفي رواية البخاريّ في ((الأطعمة)): قال: قلت لعائشة: أنهىَ النبيّ وَ لّ أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ قالت: ما فعله إلا في عام، جاع الناس فيه)) الحديث. قال في ((الفتح)) ٦٩٣/١٠: بيّنت عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث أن النهي عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث نُسخ، وأن سبب النهي كان خاصًا بذلك العام للعّة التي ذكرتها. انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تقدّم قريبًا أن الأظهر أن هذا ليس من باب النسخ، وإنما هو من باب التخصيص بالعلّة، فزال بزوالها، فإذا عادت عاد الحكم. والله تعالى أعلم. (قَالَتْ: نَعَمْ، أَصَابَ النَّاسَ شِدَّةٌ) بنصب ((الناسَ)) على أنه مفعول مقدّم، و((شدّة)) بالرفع فاعل مؤخّر. (فَأَحَبَّ) وفي رواية البخاريّ: ((فأراد)) (رَسُولُ اللَّهِ وََّ، أَنْ يُطْعِمَ) بضم أوله من ٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا الإطعام (الْغَنِيُّ) بالرفع على الفاعليّة (الْفَقِيرَ) بالنصب على المفعوليّة (ثُمَّ قَالَتْ) هكذا في بعض نسخ ((المجتبى))، وهو الصواب، ووقع في معظم نسخه، و((الكبرى)) بلفظ ((قال))، وهو خطأ فاحش؛ لأن قوله: ((لقد رأيت الخ)) من كلام عائشة قطعًا، فلا يناسبه معه لفظ ((قال))، وإنما المناسب ((قالت))، فتنبه. (لَقَدْ رَأَيْتُ آلَ مُحَمَّدٍ وَ، يَأْكُلُونَ الْكُرَاعَ) بضم الكاف، وتخفيف الراء، قال الفيّوميّ : الكراع وزان غُراب منِ الغنم والبقر بمنزلة الْوَظِيف من الفرس، وهو مُستدقّ الساعد، والكراع أنثى، والجمع أَكْرُع، مثلُ فلس وأفلُس، ثم تُجمع الأكرع على أکارع، قال الأزهريّ: الأكارع للدابة قوائمها، ويقال للسَّفِلَة من الناس: أكارع؛ تشبيها بأكارع الدواب؛ لأنها أسافل. انتهى. ولفظ البخاريّ: ((وإن کنّا لنرفع الکراع، فنأکله بعد خمس عشرة)»، وفيه بيان جواز ادخار اللحم، وأكل القدید. (بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ) أي ليلة (قُلْتُ: مِمَّ ذَاكَ؟) أي لأيّ سبب ادخاركم الكراع؟. (فَضَحِكَتْ) أي متعجبة من قلة معيشتهم، ومستغربة سؤاله عن ذلك، مع أنه معروف، مشهور لدى الناس (فَقَالَتْ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ وََّه مِنْ خُبْزِ مَأْدُوم) اسم مفعول، من أَدَمَه، يقال: أَدَمْتُ الخبزَ، من باب ضرب، وآدمته بالمدّ لغة فيه: "إذا أصلحتَ إساغته بالإدام، والإدام بالكسر: ما يؤتَدم به، مائعًا كان، أو جامدًا، وجمعه أُدُمٌ بضمّتين، ككتاب وكثُب، ويسكن للتخفيف، فيُعامل معاملة المفرد، ويجمع على آدام، مثل قُفْل وأقفال. أفاده الفيّوميّ . (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))) بفتح اللام، وكسر الحاء المهملة، من باب تعب، أي حتّى مات النبيّ وَّ، فَلَقِيَ ربّه عز وجل، وأرادت عائشة رضي الله عنها بهذا قلّة اللحم عندهم، بحيث إنهم لم يكونوا يشبعون من خبز فيه إدام أيامًا متوالية، فضلًا عن كثر أكل اللحم. والحديث متفق عليه، أخرجه البخاري بتمامه، ومسلم جملة الشبع بنحوه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٣٥- (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: سَأَلَّتُ عَائِشَةَ، عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ؟ قَالَتْ: كُنَّا نَخْبَأُ الْكُرَّاعَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ شَهْرًا، ثُمَّ يَأْكُلُهُ) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يوسف بن عيسى)): هو الزهريّ، أبو يعقوب