النص المفهرس

صفحات 361-380

٢١- (بَأَبُ الذَّبْحِ بِالسّنّ) - حديث رقم ٤٤٠٦
٣٦١=
ومعناه: خَفْ واغْجَل؛ لئلا تخنقها، فإن الذبح إذا كان بغير الحديد احتاج صاحبه إلى
خفة يد، وسرعة في إمرار تلك الآلة، والإتيان على الحلقوم، والأوداج كلها، قبل أن
تهلك الذبيحة، بما ينالها من ألم الضغط، قبل نطح مذابحها، ثم قال: وقد ذكرت هذا
الحرف في ((غريب الحديث))، وذكرت فيه وجوها، يحتملها التأويل، وكان قال فيه:
يجوز أن تكون الكلمة تصحفت، وكان في الأصل أَزْزْ بالزاي، من قولك: أزز الرجل
أصبعه: إذا جعلها في الشيء، وأززت الجرادةُ أززًا: إذا أدخلت ذنبها في الأرض،
والمعنى: شُدَّ يدك على النحر، وزعم أن هذا الوجه أقرب الجميع .
قال ابن بطال: عرضت كلام الخطابي على بعض أهل النقد، فقال: أما أخذه من
أران القوم، فمعترض؛ لأن أران لا يتعدى، وإنما يقال: أران هو، ولا يقال: أران
الرجل غنمه. وأما الوجه الذي صوّبه، ففيه نظر، وكأنه من جهة أن الرواية لا تساعده.
وأما الوجه الذي جعله أقرب الجميع، فهو أبعدها؛ لعدم الرواية به.
وقال عياض: ضبطه الأصيلي ((أرني)) فعلَ أمر من الرؤية، ومثله في مسلم، لكن
الراء ساكنة، قال: وأفادني بعضهم أنه وقف على هذه اللفظة، في ((مسند علي بن عبد
العزيز)) مضبوطة هكذا: أرني، أو اعجل))، فكأن الراوي شك في أحد اللفظين، وهما
بمعنى واحد، والمقصود الذبح بما يُسرع القطع، ويُجري الدم. ورجح النووي أن
((أرن)) بمعنى أَعْجِلْ))، وأنه شك من الراوي، وضبط أُعجِل بكسر الجيم، وبعضهم قال
في رواية لمسلم: أَزْني، بسكون الراء، وبعد النون ياء، أي أحضرني الآلة التي تَذبح بها
لأراها، ثم أضرب عن ذلك، فقال: أو أعجل، و(أو)) تجيء للإضراب، فكأنه قال: قد
لا يتيسر إحضار الآلة، فيتأخر البيان، فَعَرَّفَ الحكمَ، فقال: أعجل، ما أنهر الدم الخ،
قال: وهذا أولى من حمله على الشك.
وقال المنذري: اختلف في هذه اللفظة، هل هي بوزن أَعْطِ، أو بوزن أَطِعْ، أو هي
فعل أمر من الرؤية، فعلى الأول المعنى: أَدِمِ الْحَزَّ، من رَنَوْتُ: إذا أدمت النظر، وعلى
الثاني: أهلكها ذبحا، من أران القومُ: إذا هلكت مواشيهم.
وتعقب بأنه لا يتعدى، وأجيب بأن المعنى كن ذا شاة هالكة، إذا أُزهقت نفسُها بكل
ما أنهر الدم.
قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه. وأما على أنه بصيغة فعل الأمر، فمعناه أَرِني سيلان
الدم، ومن سكّن الراء، اختلس الحركة، ومن حذف الياء جاز.
وقوله: ((واعْجَلْ)) بهمزة وصل، وفتح الجيم، وسكون اللام، فعل أمر من العجلة:
أي اعجل، لا تموت الذبيحة خنقًا، قال: ورواه بعضهم بصيغة أَفْعَل التفضيل: أي

=
٣٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
ليكن الذبح أعجل ما أنهر الدم.
قال الحافظ: وهذا وإن تمشّى على رواية أبي داود، بتقديم لفظ ((أرني)) على
((أعجل))، لم يستقم على رواية البخاري بتأخيرها. وجوز بعضهم في رواية ((أرن))
بسكون الراء أن يكون من أَزْنَانِي حُسنُ ما رأيته: أي حملني على الرُّنُوّ إليه، والمعنى
على هذا أَخسِنِ الذبح، حتى تحب أن ننظر إليك، ويؤيده حديث: ((إذا ذبحتم،
فأحسنوا))، أخرجه مسلم. انتهى ما في ((الفتح)). والله تعالى أعلم.
(وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) هكذا وقع هنا في رواية المصنّف، وكذا هو عند البخاريّ
في ((الذبائح))، وعند مسلم أيضًا بحذف قوله: ((عليه))، قال الحافظ: وثبتت هذه اللفظة
في هذا الحديث عند البخاريّ، في ((الشركة))، وكلام النووي في ((شرح مسلم)) يوهم
أنها ليست في البخاري، إذ قال: هكذا هو في النسخ كلها -يعني من مسلم- وفيه
محذوف: أي ذُكر اسم اللَّه عليه، أو معه، ووقع في رواية أبي داود وغيره: ((وذكر اسم
الله عليه)). انتهى، فكأنه لما لم يرها في ((الذبائح)) من البخاري أيضا، عزاها لأبي
داود، إذ لو استحضرها من البخاري، ما عدل عن التصريح بذكرها فيه. وفيه اشتراط
التسمية؛ لأنه علق الإذن بمجموع الأمرين: وهما الإنهار، والتسمية، والمعلق على
شيئين لا يُكتفَى فيه الا باجتماعهما، وينتفى بانتفاء أحدهما.
وقد تقدم البحث في اشتراط التسمية وعدمه مستوفّى في أوائل ((كتاب الصيد
والذبائح)»، فراجعه تستفد.
(فَكُلُّوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنَّا، أَوْ ظُفُرًا) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة، واسم ((يكن)) ضمير يعود إلى
((ما)) من قوله: ((ما أنهر الدم)): أي مدّة عدم كون ذلك الذي أنهر الدم سنّا، أو ظفرًا،
وفي رواية البخاريّ: ((ليس السنّ والظفر))، قال في ((الفتح)): بالنصب على الاستثناء
بـ((ليس))، ويجوز الرفع: أي ليس السنّ والظفر مباحًا، أو مجزئًا. وفي رواية: ((غير
السنْ، والظفر))، وفي رواية: ((إلا سنّا، أو ظفرًا)).
(وَسَأُحَدْثُكُمْ عَن ذَلِكَ) وفي رواية للبخاريّ: ((وسأخبركم))، قال الحافظ في ((الفتح))
١١١/١١: جزم النووي بأنه من جملة المرفوع، وهو من كلام النبي ربَّل، وهو الظاهر
من السياق، وجزم أبو الحسن بن القطان في ((كتاب بيان الوهم والإيهام)) بأنه مدرج من
قول رافع بن خديج، راوي الخبر، وذكر ما حاصله: أن أكثر الرواة عن سعيد بن
مسروق أوردوه على ظاهر الرفع، وأن أبا الأحوص، قال في روايته عنه بعد قوله: ((أو
ظفر)): ((قال رافع: وسأحدثكم عن ذلك)) ونسب ذلك لرواية أبي داود، وهو عجيب،
فإن أبا داود أخرجه عن مسدد، وليس في شيء من نسخ ((السنن)) قوله: ((قال رافع))،

٣٦٣ =
٢١- (بَأَبُ الذَّبْحِ بِالسِّنّ) - حديث رقم ٤٤٠٦
وإنما فيه كما عند البخاريّ هنا بدونها، وشيخ أبي داود فيه مسدد، هو شيخ البخاري
فيه، وقد أورده البخاري في الباب الذي بعد هذا، بلفظ: ((غير السن والظفر، فإن السن
عظم الخ))، وهو ظاهر جدا، في أن الجميع مرفوع. انتهى.
(أَمَّا السّنُّ فَعَظُمْ) قال البيضاوي: هو قياس حُذفت منه المقدمة الثانية؛ لشهرتها
عندهم، والتقدير: أما السن فعظم، وكل عظم لا يحل الذبح به، وطَوَى النتيجة؛
لدلالة الاستثناء عليها. وقال ابن الصلاح في ((مشكل الوسيط»: هذا يدل على أنه عليه
الصلاة والسلام، كان قد قرر كون الذكاة، لا تحصل بالعظم، فلذلك اقتصر على قوله :
((فعظم))، قال: ولم أر بعد البحث، مَن نقل للمنع من الذبح بالعظم معنى يُعقَّل، وكذا
وقع في كلام ابن عبد السلام. وقال النووي: معنى الحديث: لا تذبحوا بالعظام، فإنها
تنجس بالدم، وقد نهيتكم عن تنجيسها؛ لأنها زاد إخوانكم من الجن. انتهى. وهو
محتمل، ولا يقال: كان يمكن تطهيرها بعد الذبح بها؛ لأن الاستنجاء بها كذلك، وقد
تقرر أنه لا يجزئ. وقال ابن الجوزي في ((المشكل)): هذا يدل على أن الذبح بالعظم،
كان معهودا عندهم، أنه لا يجزئ، وقررهم الشارع على ذلك، وأشار إليه هنا. وأخرج
الطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث حذيفة، رفعه: ((اذبحوا بكلّ شيء فرى الأوداج، ما
خلا السنّ والظفر))، وفي سنده عبد الله بن خراش، مختلفٌ فيه، وله شاهد من حديث
أبي أمامة نحوه. قاله في ((الفتح)) ٥٩/١١ .
(وَأَمَّا الظُفُرُ قَمُدَى الْحَبَشَةِ) أي وهم كفار، وقد نُيتم عن التشبه بهم. قاله ابن
الصلاح، وتبعه النووي. وقيل: نهى عنهما؛ لأن الذبح بهما تعذيب للحيوان، ولا يقع
به غالبا، إلا الخنق، الذي ليس هو على صورة الذبح، وقد قالوا: إن الحبشة تُدمي
مذابح الشاة بالظفر، حتى تُزهق نفسها خَتْقًا .
واعترض على التعليل الأول، بأنه لو كان كذلك؛ لامتنع الذبح بالسكين، وسائر ما
يذبح به الكفار.
وأجيب، بأن الذبح بالسكين، هو الأصل، وأما ما يلتحق بها، فهو الذي يعتبر فيه
التشبّه؛ لضعفها، ومن ثَمَّ كانوا يسألون عن جواز الذبح بغير السكين وشبهها.
وروى البيهقيّ في ((المعرفة))، من رواية حرملة، عن الشافعي: أنه حمل الظفر في
هذا الحديث، على النوع الذي، يدخل في البخور، فقال معقول في الحديث، أن السن
إنما يذكى بها، إذا كانت منتزعة، فأما وهي ثابتة، فلو ذبح بها لكانت منخنقة - يعني فدل
على أن المراد بالسن السن المنتزعة- وهذا بخلاف ما نقل عن الحنفية، من جوازه
بالسن المنفصلة، قال: وأما الظفر، فلو كان المراد به ظفر الإنسان، لقال فيه ما قال في

٣٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
السن، لكن الظاهر أنه أراد به الظفر، الذي هو طيب من بلاد الحبشة، وهو لا يَفرِي،
فيكون في معنى الخنق. قاله في ((الفتح)) ٥٦/١١-٥٧. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان
مسائله في ((كتاب الصيد والذبائح)) ٤٢٩٩/١٧- وبقي الكلام على ما ترجم المصنّف
رحمه الله تعالى هنا وفي الباب الماضي، وهو النهي عن الذبح بالظفر والسنّ، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في الذبح بالظفر والسنّ:
قال في ((الفتح)) عند شرح حديث الباب-٥٧/١١ -: وفيه منع الذبح بالسن والظفر،
متصلا كان أو منفصلا، طاهرا كان أو متنجسا. وفرق الحنفية بين السن والظفر
المتصلين، فخصوا المنع بهما، وأجازوه بالمنفصلين، وفرقوا بأن المتصل يصير في
معنى الخنق، والمنفصل في معنى الْحَجَر. وجزم ابن دقيق العيد بحمل الحديث على
المتصلين، ثم: قال واستَدَلَّ به قوم على منع الذبح بالعظم مطلقا؛ لقوله: ((أما السن
فعظم))، فعَلَّلَ منع الذبح به؛ لكونه عظما، والحكم يعم بعموم علته، وقد جاء عن
مالك في هذه المسألة أربع روايات: [ثالثها] : يجوز بالعظم، دون السن مطلقا.
[رابعها] : يجوز بهما مطلقا، حكاها ابن المنذر. وحكى الطحاوي الجواز مطلقا عن
قوم، واحتجوا بقوله، في حديث عدي بن حاتم: ((أَمِرَّ الدم بما شئت))، أخرجه أبو
داود، لكن عمومه مخصوص بالنهي الوارد صحيحا، في حديث رافع، عملا
بالحديثين. وسلك الطحاوي طريقا آخر، فاحتج لمذهبه بعموم حديث عديّ، قال:
والاستثناء في حديث رافع، يقتضي تخصيص هذا العموم، لكنه في المنزوعين غيرُ
محقق، وفي غير المنزوعين محقق، من حيث النظر، وأيضا فالذبح بالمتصلين، يشبه
الخنق، وبالمنزوعين يشبه الآلة المستقلة، من حجر وخشب. والله أعلم. انتهى.
وقال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)) ٣٠١/١٣ -٣٠٣ -: ما
حاصله: ويشترط في الآلة شرطان: [أحدهما] : أن تكون محددة تقطع، أو تخرق
بحدها لا بثقلها. [والثاني] : أن لا تكون سنا، ولا ظفرا، فإذا اجتمع هذان الشرطان
في شيء، حل الذبح به، سواء كان حديدا، أو حجرا، أو بِلِطّة، أو خشبا؛ لقول النبي
وَرَ: ((ما أنهر الدم، وذُكر اسم اللّه عليه فكلوا ما، لم يكن سنا أو ظفرا»، متفق عليه.
وعن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول اللَّه، أرأيت إِنْ أحدُنا أصاب صيدا، وليس
معه سكين، أيذبح بالمروة، وشِقَّة العصا؟ فقال: ((أَمْرِرِ الدم بما شئت، واذكر اسم
الله)». والمروة الصَّّان. وعن رجل من بني حارثة، أنه كان يرعى لِقحّة، فأخذها

٢٢- (الأَمْرُ بِإِخْدَادِ الشَّفْرَةِ) - حديث رقم ٤٤٠٧
٣٦٥=
الموت، فلم يجد شيئا ينحرها به، فأخذ وتدا، فوجأها به في لبتها، حتى أهريق دمها،
ثم جاء النبي ◌َّر، فأمره بأكلها. رواهما أبو داود. وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وأبو
ثور، ونحوه قول مالك، وعمرو بن دينار، وبه قال أبو حنيفة، إلا في السن والظفر،
قال: إذا كانا متصلين لم يجز الذبح بهما، وإن كانا منفصلين جاز.
واحتجّ الأولون بحديث رافع ◌َّه يعني المذكور في هذا الباب- ولأنه ما لم تَجز
الذكاة به متصلا، لم تجز منفصلا، كغير المحدد، وأما العظم غير السن، فمقتضى
إطلاق قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور إباحة الذبح به، وهو قول مالك، وعمرو بن
دينار، وأصحاب الرأي. وقال ابن جريج: يُذَكَّى بعظم الحمار، ولا يذكى بعظم القِرْد؛
لأنك تصلي على الحمار، وتسقيه في جفنتك. وعن أحمد لا يذكى بعظم، ولا ظفر.
وقال النخعي: لا يذكّى بالعظم والقرن، ووجهه أن النبي ◌ِّ قال: ((ما أنهر الدم، وذُكر
اسم الله عليه، فكلوا ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما
الظفر فمدى الحبشة))، فَعَلِّله بكونه عظما، فكل عظم، فقد وجدت فيه العلة. والأول
أصح - إن شاء الله تعالى- لأن العظم دخل في عموم اللفظ المبيح، ثم استثنى السن
والظفر خاصة، فيبقى سائر العظام، داخلا فيما يباح الذبح به، والمنطوق مقدم على
التعليل، ولهذا عَلَّلَ الظفر بكونه من مُدَى الحبشة، ولا يحرم الذبح بالسكين، وإن
كانت مدية لهم، ولأن العظام يتناولها سائر الأحاديث العامة، ويحصل بها المقصود،
فأشبهت سائر الآلات. انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى ببعض تصرّف.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن قدامة رحمه الله تعالى من ترجيح
الجواز بالعظم، غير السنّ هو الذي يترجّح عندي؛ لظهور حجته، كما بينه في كلامه
المذكور آنفًا .
والحاصل أن أرجح المذاهب الذبح بكل ما أنهر الدم، غير المستثني في حديث رافع رضي
الله تعالى عنه، وهو السنّ والظفر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٢ - (الأَمْرُ بِإِحْدَادِ الشَّفْرَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الإحداد)): بكسر الهمزة، مصدر أحدٌ ، يقال: حَدَّ
السّيفُ وغيرُهُ يَحِدّ، من باب ضرب حِدَّةً، فهو حديد، وحاد: أي قاطعٌ ماضٍ، ويُعدّى
بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أحددته، وحَدَّدته، وفي لغة يتعدّى بالحركة، فيقال:
حَدَدته أَحُدُهُ، من باب قَتَل.

٣٦٦
شرح سنن النسائي - كِتّابُ الضَّحَابَا
و((الشَّفْرَةُ)) - بفتح الشين المعجمة، وسكون الفاء -: الْمُدية، وهي السكّين
العريض، والجمع شِفَار، مثلُ كَلْبة وكِلاب، وشَفَرَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات. أفاده
الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٠٧- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدْثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةً،
عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: اثْتَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، قَالَ:
((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحِسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ، فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَخْسِنُوا
الذُّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (علي بن حجر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣.
٢- (إسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية البصري، ثقة ثبت [٨] ١٩/١٨.
٣- (خالد) بن مهران، أبو المنازل الحذّاء البصريّ، ثقة يرسل [٥] ٧ /٦٣٤.
٤- (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَزميّ البصري، ثقة فاضل، يرسل كثيرًا،
وفيه نصب يسير [٣] ٣٢٢/١٠٣.
٥- (أبو الأشعث) شراحيل بن آدة - بالمدّ، وتخفيف الدال- الصنعانيّ، ويقال:
((آدة)) جدّ أبيه، وهو ابن شَراحيل بن كُليب، ثقة [٢] ١٣٧٤/٥ .
٦ - (شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ) بن ثابت الأنصاريّ، أبو يعلى، صحابيّ مات تَّه بالشام،
قبل الستّين، أو بعدها، وهو ابن أخي حسّان بن ثابت رَّ ، تقدّمت ترجمته في ٢/
١١٤١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي قلابة، والباقيان شاميان.
(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: خالد، عن أبي قلابة، عن
أبي الأشعث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) بن ثابت الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: اثْنَتَانٍ) أي
خصلتان اثنتان، وهما: إحسان القِتلة، وإحسان الذبحة (حَفِظْتُهُمَا عَنِ رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ﴾
أي سمعتهما منه بَّر، دون واسطة، فحفظتهما (قَالَ) وَلِّ (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ) أي أمر به،
وحضّ عليه، وأصل ((كتب)): أثبت، وجمع، ومنه قوله تعالى: ﴿كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ

٣٦٧
٢٢- (الأمَّرُ بِإِخدَادِ الشَّفْرَةِ) - حديث رقم ٤٤٠٧
اَلْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢]: أي ثبته، وجمعه، ومنه كَتَبت البغلة: إذا جمعت حياءها
(الإخسَانَ) بكسر الهمزة، مصدر أحسن، قال القرطبيّ: و((الإحسان)) هنا: بمعنى
الإحكام، والإكمال، والتحسين في الأعمال المشروعة، فحقّ من شرع في شيء منها
أن يأتي به على غاية كماله، ويُحافظ على آدابه المصححة، والمكمّلة، وإذا فعل ذلك
قُبل عمله، وكثُر ثوابه (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) و((على)) هنا بمعنى ((في))، كما في قوله تعالى:
﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ [البقرة: ١٠٢]: أي في ملكه، ويقال: كان
كذا على عهد فلان: أي في عهده. حكاه الْقُتبيّ (فَإِذَا قَتَلْتُمْ) أي شرعتم في قتل شيء
(فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ) قال القرطبيّ: بكسر القاف، هي الرواية، وهي هيئة القتل، و((القَتْلَةُ))
بالفتح مصدر قتل المحدود، وكذلك الرِّكْبَةُ، والْمِشْيَةُ الكسر للاسم، والفتح للمصدر.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: المراد أن المفتوح للمرة، والمكسور للّهيئة، كما قال
ابن مالك في «الخلاصة»:
وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَجَلْسَهْ)) وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَاجِلْسَهْ))
(وَإِذَا ذَبَحْتُمْ) أي شرعتم في ذبح الحيوان (فَأَحْسِنُوا الذُّبْحَةَ) بكسر الذال المعجمة،
للَّهيئة أيضًا، وفي الروايات الآتية: ((فأحسنوا الذَّبْحَ))، والذبح أصله: الشقّ، والقطع،
قال الشاعر [من الرجز]:
كَأَنَّ بَيْنَ فَكْهَا وَالْفَكِّ فَأْرَةَ مِسْكٍ ذُبِحَتْ فِي سُكٌ(١)
(وَلْيُحِدَّ) بضمّ أوّله، وكسر ثالثه، من الإحداد، أو من التحديد، يقال: أحدٌ
السكّين، وحدّدها، واستحدّها: بمعنىّ. ويجوز أن يكون بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من
الحدّ، من باب قتل (أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ) بفتح، فسكون: السكّين العريريض، أي ليجعله
حدًا، سريع القط (وَلْيُرِخ) بضم أوله، من الإراحة (ذَبِيحَتَهُ) فَعِيلة بمعنى مفعولة: أي
مذبوحته، وجمعها ذبائح، ككريمة وكرائم. فقوله: ((وليُحدّ)) تفسير لمعنى الإحسان إلى
الذبحة .
قال القرطبيّ: وإحسان الذبح في البهائم: الرفقُ بالبهيمة، فلا يصرعها بعنف، ولا
يجُرّها من موضع إلى موضع، وإحداد الآلة، وإحضار نية الإباحة والقربة، وتوجيهها
إلى القبلة، والتسمية، والإجهاز، وقطع الودجين، والحلقوم، وإراحتها، وتركها إلى
أن تبرُد، والاعتراف لله تعالى بالمنّة، والشكر له على النعمة بأنه سخّر لنا ما لو شاء
لسلّطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرّمه علينا. وقال ربيعة: من إحسان الذبح ألا تذبح
(١) ((السّكّ)): ضربّ من الطيب يُضاف إلى غيره من الطيب.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
٣٦٨
بهيمة، وأُخرى تنظر. وحُكي جوازه عن مالك، والأول أولى.
ثم قوله وَالر: ((إذا قتلتم، فأحسنوا الْقِتلة)) يُحمل على عمومه في كلّ شيءٍ، من
التذكية، والقصاص، والحدود، وغيرها، وليجهز في ذلك، ولا يقصد التعذيب. انتهى
كلام القرطبيّ. ((المفهم)) ٢٤٠/٥-٢٤٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث شداد بن أوس رَّه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٤٠٧/٢٢ وو٤٤١٣/٢٦ و٤٤١٤/٢٧ و٤٤١٥ و٤٤١٦ - وفي
((الكبرى)) ٤٤٩٤/٢٣ و٤٥٠٠/٢٧ و٢٨/ ٤٥٠١ و٤٥٠٢ و٤٥٠٣ . وأخرجه (م) في
(الصيد والذبائح)) ٣٦١٥ و(د) في ((الضحايا)) ٢٨١٥ (ت) في ((الديات)) ١٤٠٩ (ق) في
((الذبائح)) ١٣٧٠ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٦٤٩٠ و١٦٥٠٦ و١٦٥١٦ (الدارمي)
في ((الأضاحي)) ١٨٨٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان الأمر بإحداد الشَّفْرة.
(ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) ١٠٨/١٣ -: هذا الحديث
من الأحاديث الجامعة لقواعد الإسلام. (ومنها): لطف الله تعالى بعباده، ورحمته،
ورأفته حيث كتب الإحسان على كلّ شيء، وأمر المكلّفين أن يُحسنوا إلى كلّ شيءٍ،
حتى البهائم، فكما شرح معاقبة المجرم على إجرامه رحمة بمن أجرم بهم، أمر بأن
يُحسَنَ إليه فيما عدا إجرامه، فلا يُمنع من وجب عليه القتل حدّا، أو قصاصًا من
الطعام، والشراب، وسائر ما يستمتع به من ملاذً الحياة، حتى يقام عليه الحدّ، وهذا من
عظيم لطف الله تعالى، وواسع كرمه، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤].
(ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: فيه رحمه الله لعباده، حتى في حال
القتل، فأمر بالقتل، وأمر بالرفق، ويؤخذ منه قهره لجميع عباده؛ لأنه لم يترك لأحد
التصرّف في شيء، إلا وقد حدّ له فيه كيفيّة. انتهى، ذكره في ((الفتح)) ١١/ ٧٥. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

٣٦٩ =
٢٣- (بَأَبُ الرُّخْصَةِ فِي نَخْرِ مَا ... - حديث رقم ٤٤٠٨
٢٣- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي نَحْرِ مَا
يُذْبَحُ، وَذَبْح مَا يُنْخَرُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((النحر)) - بفتح، فسكون -: مصدر نَحَر البعيرَ
ينحره، من باب فتح: إذا أصاب نحره، وهو أعلى الصدر، ونحره أيضًا: إذا طعنه في
مَنْحَره، حيث يبدو الْحُلْقوم من أعلى الصدر.
و((الذبح)» - بفتح، فسكون -: مصدر ذبح الشاةً يذبحها، من باب فتح: إذا قطع
الحلقوم من الباطن عند النَّصِيل، وهو موضع الذبح من الحلق. و((النصيل)) كأمير:
مَفْصل ما بين العنق والرأس، تحت اللَّخيين. أفاده في ((اللسان)).
وقال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا خلاف بين أهل العلم، في أن
المستحب نحر الإبل، وذبح ما سواها، قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ﴾
[الكوثر: ٢]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقْرَةُ﴾ [البقرة: ٦٧]. قال
مجاهد: أُمرنا بالنحر، وأُمر بنو اسرائيل بالذبح، فإن النبي ◌َِّ بُعثَ في قوم، ماشيتهم
الإبل، فَسُنَّ النحرُ، وكانت بنو إسرائيل ماشيتهم البقر، فأمروا بالذبح، وثبت: ((أن
رسول اللَّه وَّل، نحر بدنة، وضَخَّى بكبشين أقرنين، ذبحهما بيده)). متفق عليه.
ومعنى النحر: أن يضربها بحربة، أو نحوها في الْوَهْدَة التي بين أصل عنقها
وصدرها. انتهى.
وقال في ((الفتح)): ما حاصله: النحر في الإبل خاصة، وأما غير الإبل فيذبح، وقد
جاءت أحاديث في ذبح الإبل، وفي نحر غيرها. وقال ابن التين: الأصل في الإبل
النحر، وفي الشاة ونحوها الذبح، وأما البقر فجاء في القرآن ذكر ذبحها، وفي السنة ذكر
نحرها، واختُلِفَ في ذبح ما يُنحَر، ونحر ما يُذبَح، فأجازه الجمهور، ومنع ابن
القاسم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٠٨ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ الْعَسْقَلَانِيُّ، عَسْقَلَانُ بَلْخِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
قَالَ: حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، عَنِ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، حَدَّثَّهُ عَنْ فَاطِمَةَ بِئْتِ الْمُنْذِرِ، عَن أَسْمَاءَ بِشْتِ
أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: ((تَحَرْنَا فَرَسَأَ عَلَّى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَرِ، فَأَكَلْنَاهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ) بن عيسى بن وردان، الْعَسْقَلَانِيُّ، عَسْقَلَانُ بَلْخ - بفتح الموحّدة،
وسكون اللام، بعدها معجمة- أبو يحيى، يقال: إن أصله من بغداد،َ ثقة [١١].

= ٣٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
روى عن بقية بن الوليد، وضمرة بن ربيعة، وعبد الله بن نمير، وأبي أسامة،
والأسود بن عامر، وإسحاق بن الفرات، وعبد الله بن وهب، وجماعة. وعنه الترمذي،
والنسائي، وأبو حاتم، وأبو عوانة الإسفرائيني، وحماد بن شاكر النسفي، وآخرون.
قال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الخليلي: كان ثقة، كبيرا في
العلماء، يُعرَف بابن البغدادي، وله أحاديث، يتفرد بها. وذكره ابن حبان في ((الثقات)»،
وقال: مات سنة ثمان وستين ومائتين. وقال أبو القاسم ابن منده: تُوُفّي بعسقلان،
مَحِلَّةٌ بَبَلْخَ، في جمادى الأولى، وقيل: في الآخرة، سنة (٢٦٨) منها، ووُلِد ببغداد،
سنة (١٨٠). انتهى ((تهذيب التهذيب)) ٣٥٥/٣. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وروى
له المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط .
[تنبيه]: قوله: ((عسقلان بلخ)) إنما قيّده بذلك؛ تمييزا عن عسقلان الشام؛ لأن عسقلان
يُطلق على موضعين، قال المجد في ((القاموس)): وعَسْقَلانُ: بلد بساحل الشام، تُحُجّه
النصارى، وقرية ببلغَ، أو محِلّةٌ منها عيسى بن أحمد بن وَزدان العسقلانيّ. انتهى.
٢- (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩.
٣- (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت حجة [٧]
٣٧/٣٣ .
٤ - (هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي، أبو المنذر المدني، ثقة فقيه [٥] ٤٩/ ٦١.
٥- (فاطمة بنت المنذر) بن الزبير بن العوّام، زوج هشام الراوي عنها هنا المدنية،
ثقة [٣] ١٨٥/ ٢٩٣ .
٦- (أسماء بنت أبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنهما، زوج الزبير بن العوّام،
من كبار الصحابيات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٣) أو (٧٤)١٨٥/ ٢٩٣. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رواته كلهم من
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذي، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه
مسلسل بالمدنيين من هشام، وسفيان كوفي، وابن وهب مصري، وشيخه بلخي.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة، هي زوجته، تروي عن جدّتهما، ففاطمة زوجة
هشام، وأسماء جدّتهما، قال هشام: كانت فاطمة أكبر مني بثلاث عشرة سنة. والله
تعالى أعلم.

٢٣- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي نَخرِ ما ... - حديث رقم ٤٤٠٨
٣٧١ =
شرح الحديث
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً) بن الزبيرِ بن العوّام (حَدَّثَهُ) أي حدّث سفيان (عَنْ فَاطِمَةً بِنْتِ
الْمُنْذِرِ) بن الزبير بن العوّام (عَن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق رضي اللّه تعالى عنهما،
أنها (قَالَتْ: نَحَرْنَا فَرَسًا) وفي الرواية الآتية ٤٤٢٣/٣٣- من طريق-عبدة بن سليمان،
عن هشام بلفظ: ((ذبحنا))، وهذا محلّ الشاهد للترجمة، حيث ورد الحديث بلفظ
(نحرنا))، وبلفظ ((ذبحنا))، ووجه الاستدلال به على الرخصة في نحر ما يُذبح، وعكسه
هو أن هشامًا أطلق على ذبح الفرس النحر، فدلّ على أَنَّ كلا اللفظين يُستعمل استعمالًا
واحدًا، فقوله تعالى: ﴿وَأَنْحَرْ﴾ ليس إلزامًا بالنحر، فيجوز الذبح، وكذا قوله تعالى:
﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةٌ﴾ ليس بمعنى أن البقرة تذبح فقط، بل يجوز نحرها، لأن أحد اللفظين
يطلق على ما يُطلق عليه الآخر. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) ١١/ ٧٢-٧٣: ما حاصله:
ذكر البخاريّ في الباب، حديث أسماء بنت أبي بكر، في أكل الفرس، أورده من
رواية سفيان الثوري، ومن رواية جرير، كلاهما عن هشام بن عروة، موصولا بلفظ :
(نحرنا))، وقال في آخره: تابعه وكيع، وابن عيينة، عن هشام في النحر، وأورده أيضا
من رواية عبدة - وهو ابن سليمان- عن هشام، بلفظ: ((ذبحنا))، ورواية ابن عيينة التي
أشار إليها، ستأتي موصولة بعد بابين، من رواية الحميدي، عن سفيان - وهو ابن عيينة-
به، وقال: ((نحرنا»، ورواية وكيع، أخرجها أحمد عنه، بلفظ: ((نحرنا»، وأخرجها
مسلم، عن محمد بن عبد الله بن نمير: حدثنا أبي، وحفص بن غياث، ووكيع
ثلاثتهم، عن هشام، بلفظ: ((نحرنا))، وأخرجه عبد الرزاق، عن معمر، والثوري
جميعا، عن هشام بلفظ: ((نحرنا))، وقال الإسماعيلي: قال همام، وعيسى بن يونس،
وعلى بن مسهر، عن هشام بلفظ: ((نحرنا»، واختلف على حماد بن زيد، وابن عيينة،
فقال أكثر أصحابهما: ((نحرنا))، وقال بعضهم: ((ذبحنا))، وأخرجه الدار قطني، من رواية
مؤمل بن إسماعيل، عن الثوري، ووهيب بن خالد، ومن رواية ابن ثوبان -وهو عبد
الرحمن بن ثابت بن ثوبان- ومن رواية يحيى القطان، كلهم عن هشام، بلفظ :
((ذبحنا))، ومن رواية أبي معاوية، عن هشام: ((انتحرنا)»، وكذا أخرجه مسلم، من رواية
أبي معاوية، وأبي أسامة، ولم يسق لفظه، وساقه أبو عوانة عنهما، بلفظ: ((نحرنا)).
وهذا الاختلاف كله، عن هشام، وفيه إشعار بأنه كان تارة يرويه بلفظ ((ذبحنا))،
وتارة بلفظ ((نحرنا)»، وهو مصير منه إلى استواء اللفظين في المعنى، وأن النحر يطلق
عليه ذبح، والذبح يطلق عليه نحر، ولا يتعين مع هذا الاختلاف، ما هو الحقيقة في

٣٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَايَا
ذلك من المجاز، إلا إن رجح أحد الطريقين، وأما أنه يستفاد من هذا الاختلاف، جواز
نحر المذبوح، وذبح المنحور، كما قاله بعض الشراح فبعيد؛ لأنه يستلزم أن يكون
الأمر في ذلك، وقع مرتين، والأصل عدم التعدد، مع اتحاد المخرج، وقد جرى
النووي على عادته، في الحمل على التعدد، فقال تَخّْتمُ بعد أن ذكر اختلاف الرواة،
في قولها: ((نحرنا))، و((ذبحنا)) -: يجمع بين الروايتين بأنهما قضيتان، فمرة نحروها،
ومرة ذبحوها، ثم قال: ويجوز أن تكون قصة واحدة، وأحد اللفظين مجاز، والأول
أصح، كذا قال. والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي في قوله: ((وأما أنه يستفاد من هذا الاختلاف
الخ)) نظر؛ بل الظاهر استفادته منه، وهو الذي يظهر من صنيع البخاريّ، حيث ترجم،
بقوله: ((باب النحر، والذبح))، ثم أورده مستدلا على جوازهما، وأصرح منه صنيع
المصنّف، حيث قال: ((باب الرخصة في نحر ما يُذبح، وذبح ما يُنحر))، ووجه ذلك أن
هشامًا أطلق النحر والذبح في هذا الحديث، فدل على أن ما أطلق عليه النحر، كالبدنة
يجوز ذبحه؛ وما أطلق عليه الذبح، كالبقر يجوز نحره؛ لأن ذلك الإطلاق ليس إلا على
غالب الاستعمال، فلا يستلزم ذلك جواز غيره. والله تعالى أعلم.
(عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وََّ) أي في زمانه (فَأَكَلْنَاهُ) أي أكلنا لحمه، كما صرّح به في
رواية قتيبة الآتية في ٤٤٢٢/٣٣ إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٣/ ٤٤٠٨ و ٤٤٢٢/٣٣ و ٤٤٢٣- وفي ((الكبرى)) ٤٤٩٥/٢٤ ,٣٤/
٤٥٠٩ و٤٥١٠. وأخرجه (خ) في ((الذبائح والصيد)) ٥٠٨٦ و٥٠٨٧ و ٥٠٨٨ و٥٠٩٥
(م) في ((الصيد والذبائح)) ٣٥٩٧ (ق) في ((الذبائح)) ٣١٨١ (أحمد) في ((باقي مسند
الأنصار)) ٢٥٦٨٢ و٢٥٦٩٣ و٢٥٧٣٩ ((الدارمي)) في ((الأضاحي)) ١٩٠٨. والله تعالى
أعلم .
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الرخصة في نحر ما يُذبح،
وذبح ما يُنحر، وتقدّم وجه الاستدلال قريبًا. (ومنها): جواز أكل لحم الفرس، وقد

٢٣ - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي نَحْرِ مَا ... - حديث رقم ٤٤٠٨
٣٧٣
تقدّم بيان اختلاف العلماء فيه في ((كتاب الصيد والذبائح)) ٤٣٢٩/٢٩. (ومنها): أن
قول الصحابيّ: فعلنا كذا على عهد رسول اللَّه ◌َّر له حكم الرفع، وكذا لو لم يُضفه
إلى عهده وَّر، وكذا قوله: ((من السنّة كذا))، و((أُمرنا بكذا))، و((نُينا عن كذا))، على
الأصحّ في كلّ ذلك، قال الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث)):
نَحْوُ ((مِنَ السُّئَّةِ)) مِنْ صَحَابِي
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ
كَذَا (أُمِزْنَا)) وَكَذَا (كُنَّا نَرَى فِي عَهْدِهِ، أَوْ عَنِ إِضَافَةٍ عَرَى
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الذبح، والنحر:
قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)) ٣٠٣/١٣-٣٠٤: وأما المحل
فالحلق واللبة، وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، ولا يجوز الذبح في غير هذا
المحل بالإجماع. وقد روي في حديث، عن النبي ◌َّ، أنه قال: ((الذكاة في الحلق
واللبة))(١)، قال أحمد: الذكاة في الحلق واللبة. واحتج بحديث عمر، وهو ما روى
سعيد، والأثرم، بإسنادهما عن الفرافصة، قال: كنا عند عمر، فنادى أن النحر في اللبة
والحلق، لمن قدر(٢). وإنما نَرَى أن الذكاة اختصت بهذا المحل؛ لأنه مجمع العروق،
فتنفسخ بالذبح فيه الدماء السيالة، ويُسرع زُهُوق النفس، فيكون أطيب للحم، وأخفْ
على الحيوان، قال أحمد: لو كان حديث أبي العُشَراء حديثا، يعني ما روى أبو
العشراء، عن أبيه، عن النبي ◌َّر، أنه سئل أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟، فقال
رسول اللّه وَر: ((لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك))، قال أحمد: أبو العشراء، هذا ليس
بمعروف .
وأما الفعل: فيعتبر قطع الحلقوم والمريء، وبهذا قال الشافعي. وعن أحمد رواية
أخرى: أنه يعتبر مع هذا قطع الودجين، وبه قال مالك، وأبو يوسف؛ لما روى أبو
هريرة رضي الله عنه، قال: نهى رسول اللّه ◌َّر، عن شَرِيطة الشيطان، وهي التي
تذبح، فيُقطع الجلد، ولا تُفرَي الأوداج، ثم تترك حتى تموت)). رواه أبو داود(٣).
(١) حديث ضعيف جدّا، رواه الدارقطنيّ في ((سننه)) ٢٨٣/٤. وفي إسناد سعيد بن سلّام العطّار كذّبه
ابن نُمير، وأحمد، وقال البخاريّ: يُذكر بوضع الحديث. وقال الدارقطنيّ: يحدث بالواطيل،
متروك. أفاده في ((التعليق المغني)) ٤/ ٢٨٣ .
(٢) رواه البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) ٢٧٨/٩. وضعّف رفعه.
(٣) حديث ضعيف؛ لأن في إسناد عمرو بن عبد الله بن الأسوار اليمانيّ، قال ابن معين: ليس
بالقويّ.

٣٧٤
=
:
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
وقال أبو حنيفة: يعتبر قطع الحلقوم والمريء، وأحد الودجين. ولا خلاف في أن
الأكمل قطع الأربعة: الحلقوم، والمريء، والودجين، فالحلقومُ: مَجْرَى النفس،
والمريء: وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان، وهما عرقان محيطان بالحلقوم؛
لأنه أسرع لخروج روح الحيوان، فيَخِفّ عليه، ويَخرُج من الخلاف، فيكون أولى،
والأول يجزىء؛ لأنه قَطَّعَ في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه، فأشبه ما لو قطع
الأربعة. انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى.
وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى ٥/ ٢٠٩٨ :
(باب النحر، والذبح))، وقال ابن جريج، عن عطاء: لا ذبح، ولا نحر إلا في
الْمَذْبَح، والْمَنْحَر، قلت: أيُجزي ما يذبح، أن أنحره؟ قال: نعم ذكر اللَّه ذبح البقرة،
فإن ذّبحَت شيئا يُنحر جاز، والنحر أحبّ إلي، والذبح قطع الأوداج، قلت: فَيُخَلْفُ
الأوداجَ حتى يَقطع النُّخاع؟ قال: لا إِخال، وأخبرني نافع (١)، أن ابن عمر نهى عن
النَّخْع (٢)، يقول: يقطع ما دون العظم، ثم يدع حتى تموت. وقولُ اللّه تعالى: ﴿وَإِذْ
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٦٧]، وقال: ﴿فَذَبَحُوهَا
وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وقال سعيد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
الذكاة في الحلق واللبة. وقال ابن عمر، وابن عباس، وأنس: إذا قطع الرأس فلا بأس.
انتھی .
وقال في ((الفتح)) ٧١/١١-٧٢ -: قوله: وقال ابن جريج، عن عطاء الخ، وصله
عبد الرزاق، عن ابن جريج مقطعا. وقوله: والذبح قطع الأوداج: جمع وَدَج - بفتح
الدال المهملة، والجيم- وهو العِزْق الذي في الأخدع، وهما عرقان، متقابلان، قيل:
ليس لكل بهيمة غير ودجين فقط، وهما محيطان بالحلقوم، ففي الإتيان بصيغة الجمع
(١) القائل هو ابن جريج. قاله في ((الفتح)).
(٢) وقوله: النخع - بفتح النون، وسكون الخاء المعجمة- فسره في الخبر، بأنه قطع ما دون العظم،
والنخاعُ عِرْق أبيض، في فقار الظهر إلى القلب، يقال له: خيط الرقبة. وقال الشافعي: النخع أن
تذبح الشاة، ثم يكسر قفاها، من موضع المذبح، أو تضرب ليعجل قطع حركتها. وأخرج أبو
عبيد في ((الغريب)) عن عمر: أنه نهى عن الفَرْس في الذبيحة، ثم حكى عن أبي عبيدة: أن الفرس
هو النخع، يقال: فرست الشاة، ونخعتها، وذلك أن ينتهى بالذبح إلى النخاع، وهو عظم في
الرقبة، قال: ويقال أيضا: هو الذي يكون في فقار الصلب، شبية بالمخ، وهو متصل بالقفا، نهى
أن يُنتَهى بالذبح إلى ذلك، قال أبو عبيد: أما النخع فهو على ما قال، وأما الفرس، فيقال: هو
الكسر، وإنما نهى أن تكسر رقبة الذبيحة، قبل أن تبرد، ويبين ذلك أن في الحديث: ((ولا تعجلوا
الأنفس، قبل أن تُزهق)). قال الحافظ: يعني في حديث عمر المذكور، وكذا ذكره الشافعي عن
عمر. قاله في ((الفتح)) ٧١/١١- ٧٢.

٢٤ - (بَأَبُ ذَكَاةِ التِّي قَدْ نَيِّبَ فِيهَا السَّبُعُ) - حديث رقم ٤٤٠٩
٣٧٥
نظر، ويمكن أن يكون أضاف كل ودجين إلى الأنواع كلها، هكذا اقتصر عليه بعض
الشراح، وبقي وجه آخر، وهو أنه أطلق على ما يُقطع في العادة وَدَجًا؛ تغليبا، فقد قال
أكثر الحنفية في كتبهم: إذا قطع من الأوداج الأربعةِ ثلاثةً، حصلت التذكية، وهما:
الحلقوم، والمريء، وعرقان من كل جانب. وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن:
إذا قَطع الحلقوم والمريء، وأكثر من نصف الأوداج أجزأ، فإن قطع أقل، فلا خير
فيها. وقال الشافعي: يكفي، ولو لم يقطع من الودجين شيئا؛ لأنهما قد يُسَلّان من
الإنسان وغيره، فيعيش. وعن الثوري: إن قطع الودجين أجزأ، ولو لم يقطع الحلقوم
والمريء. وعن مالك، والليث: يشترط قطع الودجين، والحلقوم فقط، واحتج له بما
في حديث رافع: ((ما أنهر الدم))، وإنهاره إجراؤه، وذلك يكون بقطع الأوداج؛ لأنها
مجرى الدم، وأما المريء، فهو مجرى الطعام، وليس به من الدم ما يحصل به إنهار،
كذا قال. انتهى المقصود من («الفتح» ٧١/١١-٧٢.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المعتبر في الذبح هو إخراج الدم، فما كان قطعه
طريقًا إلى إخراجه هو المطلوب، وليس في النصّ تحديده، سوى كونه في الحلق
واللبة، فإنه وَلّ نحر، وذبح، ومعلوم أن النحر والذبح في الحلق واللبة، فالأولى قطع
الأربعة: الحلقوم، والمريء، والودجين، ليحصل المطلوب بأتم وجه. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٤- (بَابُ ذَكَاةِ الَّتِي قَدْ نَيَّبَ فِيهَا
السَّبُعُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((نَيَّبَ)) بفتح النون، وتشديد الياء مَبْنيًا للفاعل : -
أي علّق نابه فيها، وَجَرَحَها، وهي التي ذكرها الله عز وجل في قوله: ﴿وَمَّآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾
الآية [المائدة: ٣] قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية ٤٩/٦-
٥٠ -: يريد ما افترسه ذو ناب، وأظفار من الحيوان، كالأسد، والنمر، والثعلب،
والذئب، ونحوها، هذه كلها سباحٌ، يقال: سَبَعَ فلان فلانًا: أي عضّه بسنّه، وسبعه: أي
عابه، ووقع فيه، وفي الكلام إضمار: أي وما أكل منه السبع؛ لأن ما أكله السبع، فقد

= ٣٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
فني، ومن العرب من يُوقف اسم السبع على الأسد، وكانت العرب، إذا أَخذ السبع شاة،
ثم خلصت منه أكلوها، وكذلك إن أكل بعضها، قاله قتادة وغيره. وقرأ الحسن، وأبو
حيوة: ((السبع)) بسكون الباء، وهي لغة لأهل نجد، وقال حسان، في عتبة بن أبي لهب:
مَنْ يَرْجِعِ الْعَامَ إِلَى أَهْلِهِ فَمَا أَكِيلُ السَّبْعِ بِالرَّاجِعِ
وقرأ ابن مسعود: ((وأكيلة السبع))، وقرأ عبدالله بن عباس ((وأكيل السبع)). انتهى
كلام القرطبيّ في (تفسيره)) ٤٩/٦-٥٠. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٠٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، عَن مُحَمَّدٍ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
سَمِعْتُ حَاضِرَ بْنَ الْمُهَاجِرِ الْبَاهِلِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، يُحَدِّثُ عَنْ زَنِدِ بْنِ
ثَابِتٍ، أَنَّ ذِثْبَا تَّبَ فِي شَاةٍ، فَذَبَحُوهَا بِمَرْوَةٍ، فَرَخَّصَ النَِّيَّنَّهَ فِي أَكْلِهَا) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيحٌ، وقد تقدم سندًا، ومتنًا في
١٨/ ٤٤٠٢- ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد.
وقد بقي الكلام على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم ذكاة ما
جرحه السبع، ونحوها المنخنقة، وهي التي تموت خنقًا، سواء فعل بها آدميّ، أو اتفق
لها بالحبل الذي تربط به، أو نحوه، والموقوذة، وهي التي تُرمى، أو تُضرب بحجر،
أو عصًا حتى تموت، والمتردّية، وهي التي تتردّى من العلو إلى السفل، والنطيحة،
وهي الشاة التي تنطحها أخرى، أو غير ذلك، فتموت، فأقول:
(مسألة): في اختلاف العلماء في هذه المسألة:
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة،
وأكيلة السبع، وما أصابها مرض، فماتت به محرمة، إلا أن تدرك ذكاتها؛ لقول الله
تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْنُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وفي حديث جارية كعب: أنها أصيبت شاة من
غنمها، فأدركتها، فذبحتها بحجر، فسأل النبي بَّر؟، فقال: ((كلوها))، متّفق عليه. فإن
كانت لم يبق من حياتها، إلا مثل حركة المذبوح، لم تُبَح بالذكاة؛ لأنه لو ذَبَحَ ما ذبحه
المجوسي لم يبح، وإن أدركها، وفيها حياة مستقرة، بحيث يمكنه ذبحها حلت؛ لعموم
الآية والخبر، وسواء كانت قد انتهت إلى حال يُعلَم أنها لا تعيش معه، أو تعيش؛ لعموم
الآية والخبر، ولأن النبي ◌َّ# لم يسأل، ولم يستفصل، وقد قال ابن عباس، في ذئب
عدا على شاة، فعقرها، فوقع قُضْها بالأرض، فأدركها، فذبحها بحجر، قال: يُلقِي ما
أصاب الأرض، ويأكل سائرها(١). وقال أحمد، في بهيمة عَقَرت بهيمةً، حتى تبين فيها
آثار الموت، إلا أن فيها الروح - يعني فذبحت- قال: إذا مَصَعَت(٢) بذنبها، وطَرَفت
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنّقه)) ٤/ ٤٩٤.
(٢) أي حرّكت.

٣٧٧
٢٤- (بَأَبُ ذَكَاةِ التِّي قَدْ نَيَّبَ فِيهَا السَّبُعُ) - حديث رقم ٤٤٠٩
بعينها، وسال الدم، فأرجو - إن شاء الله تعالى - أن لا يكون بأكلها بأس. ورَوَی ذلك
بإسناده عن عُبيد بن عُمير، وطاوس، وقالا: تحركت، ولم يقولا: سال الدم، وهذا
على مذهب أبي حنيفة. وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن شاة مريضة، خافوا
عليها الموت، فذبحوها، فلم يُعلَم منها أكثر من أنها طَرَفت بعينها، أو حركت يدها، أو
رجلها، أو ذنبها بضعف، فنهر الدم، قال: فلا بأس به. وقال ابن أبي موسى: إذا
انتهت إلى حدّ لا تعيش معه، لم تُبَح بالذكاة، ونص عليه أحمد، فقال: إذا شَقّ الذئب
بطنها، فخرج قُضْبها فذبحها، لا تأكل، وقال: إن كان يُعلم أنها تموت من عقر السبع،
فلا تؤكل، وإن ذَكّاها، وقد يَخافُ على الشاة الموتَ من العلة، والشيءٍ يصيبها،
فيبادرها، فيذبحها، فيأكلها، وليس هذا مثل هذه، لا يدري لعلها تعيش، والتي قد
خرجت أمعاؤها، يُعلم أنها لا تعيش، وهذا قول أبي يوسف.
والأول أصح؛ لأن عمر رضي الله عنه، انتَهَى به الجرح إلى حَدّ عُلم أنه لا يعيش
معه، فَوَصَّى، فقبلت وصاياه، ووجبت العبادة عليه، وفيما ذكرنا من عموم الآية
والخبر، وكون النبي ◌َّ، لم يَستَفصِل في حديث جارية كعب، ما يَرُدُّ هذا، وتُحمل
نصوص أحمد، على شاة خرجت أمعاؤها، وبانت منها، فتلك لا تحل بالذكاة؛ لأنها في
حكم الميت، ولا تبقى حركتها، إلا كحركة المذبوح، فأما ما خرجت أمعاؤها، ولم
تبن منها، فهي في حكم الحياة، تباح بالذبح، ولهذا قال الْخِرَقَيّ، فيمن شَقّ بطن
رجل، فأخرج حِشْوَته، فقطعها، فأبانها، ثم ضرب عنقه آخر، فالقاتل هو الأول، ولو
شق بطن رجل، وضرب عنقه آخر، فالقاتل هو الثاني، وقال بعض أصحابنا: إذا كانت
تعيش معظم اليوم، حَلَّت بالذكاة، وهذا التحديد بعيد، يخالف ظواهر المنصوص، ولا
سبيل إلى معرفته، وقوله في حديث جارية كعب: ((فأدركتها، فذكتها بحجر))، يدُلّ على
أنها بادرتها بالذكاة، حين خافت موتها في ساعتها، والصحيح أنها إذا كانت تعيش زمنا،
يكون الموت بالذبح أسرع منه، حَلَّت بالذبح، وأنها متى كانت مما لا يُتَّقَّن موتها،
كالمريضة أنها متى تحركت، وسال دمها، حَلَّت. والله أعلم. انتهى كلام ابن قدامة.
((تفسير القرطبي)) ٦/ ٥٠: عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْنُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]: ما
نصّه: نُصب على الإستثناء المتصل، عند الجمهور، من العلماء والفقهاء، وهو راجع
على كل ما أُدرك ذكاته، من المذكورات، وفيه حياة، فإن الذكاة عاملة فيه؛ لأن حق
الإستثناء، أن يكون مصروفا إلى ما تقدم من الكلام، ولا يجعل منقطعا إلا بدليل،
يجب التسليم له. رَوَى ابنُ عيينة، وشريك، وجرير، عن الرُّكَين بن الرَّبِيع، عن أبي
طلحة الأسدي، قال: سألت ابن عباس، عن ذئب عدا على شاة، فشَقَّ بطنها، حتى
انتثر قُصَبها، فأَدركت ذكاتها، فذكيتها؟ فقال: كُلْ، وما انتثر من قصبها فلا تأكل. قال

٣٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
إسحق بن راهويه: السنة في الشاة، على ما وصف ابن عباس، فإنها وإن خرجت
مصارينها، فإنها حية بعدُ، وموضع الذكاة منها سالم، وإنما يُنظر عند الذبح، أحية هي،
أم ميتة؟، ولا يُنظر إلى فعلٍ، هل يعيش مثلها، فكذلك المريضة، قال إسحق: ومن
خالف هذا، فقد خالف السنة، من جمهور الصحابة، وعامة العلماء.
قال القرطبيّ: وإليه ذهب ابن حبيب، وذُكِر عن أصحاب مالك، وهو قول ابن
وهب، والأشهر من مذهب الشافعي، قال الْمُزَني: وأحفظ للشافعي قولا آخر: أنها لا
تؤكل، إذا بلغ منها السبع، أو التردي إلى مالا حياة معه، وهو قول المدنيين،
والمشهور من قول مالك، وهو الذي ذكره عبدالوهاب، في تلقينه، ورُوي عن زيد بن
ثابت، ذَكّره مالك في ((موطئه))، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، وجماعة المالكيين
البغداديين، والاستثناء على هذا القول منقطع: أي حرمت عليكم هذه الأشياء، لكن
ماذكيتم، فهو الذي لم يُحَرَّم. قال ابن العربي: اختَلَفَ قول مالك في هذه الأشياء،
فرُوي عنه أنه لا يؤكل إلاما ذُكِّي بذكاة صحيحة، والذي في ((الموطا)) أنه إن كان
ذبحها، ونفسها يَجري، وهي تضطرب، فليَأكُل، وهو الصحيح من قوله، الذي كتبه
بيده، وقرأه على الناس من كلّ بلد طولَ عمره، فهو أولى من الروايات النادرة، وقد
أطلق علماؤنا على المريضة، أن المذهب جواز تذكيتها، ولو أشرفت على الموت، إذا
كان فيها بقية حياة، وليت شِعري أَيُّ فرق بين بقية حياة مَن مَرِضَ، وبقية حياة مَن سُبعَ
لو اتسق النظر، وسلمت من الشبهة الفِكَر.
وقال أبو عمر: قد أجمعوا في المريضة، التي لا ترجى حياتها، أنّ ذبحها ذكاة لها،
إذا كانت فيها الحياة، في حين ذبحها، وعُلم ذلك منها، بما ذكروا من حركة يدها، أو
رجلها، أو ذنبها، أو نحو ذلك، وأجمعوا أنها إذا صارت في حال النزع، ولم تُحرِّك يدا،
ولا رجلا، أنه لا ذكاة فيها، وكذلك ينبغي في القياس، أن يكون حكم المتردية، وما
ذكر معها في الآية. والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ. رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن أرجح الأقوال قول من أطلق
جواز أكل ما جرحه السبع، وما ذُكر في الآية من المتردّية، والنطيحة، إذا أُدرك حيّا،
مطلقًا، سواء كان يعيش مع الجرح، أم لا؟؛ لإطلاق الآية، وحديث جارية كعب رَميّه
المتفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).

٣٧٩
٢٥ - (ذِكْرُ الْمُتَرَدِّيَِّ فِي الْرِ التِّي ... - حديث رقم ٤٤١٠
٢٥ - (ذِكْرُ الْمُتَرَدِيَةِ فِي الْبِثْرِ الَّتِي لَا
يُوصَلُ إِلَى حَلْقِهَا)
٤٤١٠- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنِ حَمَّادٍ بْنِ سَلَمَةَ،
عَنِ أَبِي الْعُشَرَاءِ، عَنِ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَكُوَنُ الذِّكَاةُ إِلَّا فِي الْحَلْقِ
وَاللَّبَّةِ؟، قَالَ: ((لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَكَ))).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقيّ، أبو يوسف البغدادي، ثقة حافظ [١٠] ٢٢/٢١ .
٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ العنبري مولاهم البصري، ثقة ثبت حجة إمام [٩] ٤٢/
٤٩ .
٣- (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد [٨] ٢٨٨/١٨١.
٤- (أبو العشراء)- بضمّ أوله، وفتح المعجمة، والراء، والمدّ- الدارميّ، قيل:
اسمه أُسامة بن مالك بن قِهْطِم، وقيل: عُطارد، وقيل: يسار، وقيل: سنان بن بَرْز، أو
بَلْز، وقيل: اسمه بلال بن يسار، وهو أعرابيّ، مجهول [٤].
وقال في ((تهذيب التهذيب)) ١٢ / ١٨٦: أبو العشراء الدارمي، عن أبيه، عن النبي
وَّر: (لو طَعنت في فخذها لأ جزاك))، رَوَى عنه حماد بن سلمة، قيل اسمه يسار بن
بكر بن مسعود بن خولي بن حرملة بن قتادة، من بني دارم بن مالك بن حنظلة بن
زيدمناة بن تميم. قال الميموني: سألت أحمد، عن حديث أبي العشراء، في الذكاة؟
قال: هو عندي غلط، ولا يُعجبني، ولا أذهب إليه، إلا في موضع ضرورة، قال: ما
أعرف أنه يُروَى عن أبي العشراء حديثٌ، غير هذا - يعني حديث الذكاة -. وقال
البخاري: في حديثه، واسمه، وسماعه من أبيه نظر. وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال: كان ينزل الْجُفْرة، على طريق البصرة. وروى أبو داود، في غير ((السنن))، عن
محمد بن عمرو الرازي، عن عبد الرحمن بن قيس، عن حماد بن سلمة، عن أبي
العشراء الدارمي، عن أبيه، أن النبي ◌َّ، سُئل عن العتيرة؟ فَحَسَّنها. قال أبو داود، في
موضع آخر: سمعه مني أحمد بن حنبل، فاستحسنه جِدّا. وقال ابن سعد: مجهول.
وقال الحاكم، أبو أحمد: اسمه سنان بن بَرْز، أو بلز. قال ابن حبان: اسمه عبد الله،
وقيل: عامر. وقال الطبراني: اسمه بلال بن يسار. وذكر أبو موسى المديني: أنه وقع
له من روايته، عن النبي وَلير، خمسة عشر حديثا. انتهى.
قال الحافظ: وقد وقفت على جمع حديثه لتَمّام الرازي بخطه، فبلغ نحو هذه العدة،

٣٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
وكلها بأسانيد مظلمة. انتهى. روى له الأربعة، ليس له عندهم إلا هذا الحديث. والله
تعالى أعلم .
٥- (أبوه) مالك بن قهطم التيميّ، والد أبي العشراء، ليس له إلا هذا الحديث، ولم
يرو عنه غير ابنه أبي العشراء(١). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أنه مسلسل
بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وأن أبا العشراء، وأباه ليس لهما إلا
هذا الحديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن أَبِي الْعُشَرَاءِ، عَن أَبِيهِ) أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف
الميم: أداة استفتاح، بمنزلة ((ألا)) (تَكُونُ الذِّكَاةُ) الذكاة في اللغة، أصلها التمام، وفي
الشرع: عبارة عن إنهار الدم، وفَرْي الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في
غير المقدور، مقرونا بنية القصد لله، وذكره عليه، وسمّيت ذكاةً، لتطييبها اللحم؛ يقال:
رائحة ذكية: أي طيّبة، فالحيوان إذا أسيل دمه، فقد طاب لحمه؛ لأنه يتسارع إليه الجفاف.
راجع «تفسير القرطبيّ (( ٦/ ٥٢-٥٣ (إِلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟) بالفتح، قال الفيّوميّ: لبة
البعير: موضع نحره، قال الفارابيّ: اللبّة: الْمَنْحَر، قال ابن قتيبة: من قال: إنها النقرة في
الحلق، فقد غَلِط، والجمع لَبَات، ومثلُ حبّة وحبّات. انتهى.
(قَالَ) بَّهِ (لَوْ طَعَنتَ) بفتح العين المهملة، من باب قتل (فِي فَخِذِهَا) بفتح الفاء،
وكسر الخاء المعجمة، ويجوز تخفيفه بتسكين الوسط، مع فتح الفاء، وكسرها
(لَأَجْزَأَكَ) أي لجاز أكل الذبيحة، سأل الرجل، هل الذكاة منحصرة في هذين المحلّين،
فأجابه ◌َ لهر بأن الطعن في الفخذ أيضًا مجزىء، وهذا الحديث على تقدير صحّته محمول
على حالة الضرورة؛ للأدلة الأخرى الدالّة على وجوب الذبح في الحلق واللبة، قال
يزيد بن هارون: هذا في الضرورة. وقال أبو داود: لا يصلح هذا إلا في المتردّية،
والنافرة، والمستوحش. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
(١) انظر ترجمته في ((الإصابة)) ٩/ ٦٧ و((الاستيعاب)) ٣٢٣/٩-٣٢٥.