النص المفهرس

صفحات 321-340

١٤ - (الكَبْشُ) - حديث رقم ٤٣٩١
٣٢١ =
عون، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: لَمّا كان ذلك
اليومُ قعد على بعيره، وأخذ إنسان بخطامه، فقال: ((أتدرون أيُّ يوم هذا؟)) قالوا: الله
ورسوله أعلم، حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال: ((أليس بيوم النحر؟)) قلنا: بلى،
يا رسول الله، قال: «فأيُّ شهر هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «أليس بذي
الحجة؟)) قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: ((فأيُّ بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال:
حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قال: ((أليس بالبلدة؟)) قلنا: بلى يا رسول الله، قال:
«فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم
هذا، في بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب))، قال: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين،
فذبحهما، وإلى جُزَيْعَةٍ من الغنم فقسمها بيننا. انتهى صحيح مسلم ج: ٣ ص: ١٣٠٦
(يَوْمَ النَّخْرِ) ظرف متعلّق بـ«انصرف)) (إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنٍ) تقدّم تفسيره (فَذَبَحَهُمَا،
وَإِلَى جُزَيْعَةٍ مِنَ الْغَثَم) قال ابن الأثير رحمه اللَّه تعالَى في ((النهاية ١ / ٢٦٩: «الْجُزَيعة)»:
القطعة من الغنم، تصغير جِزْعة بالكسر، وهو القليل من الشيء، يقال: جَزَعَ له جِزْعَةً
من المال: أي قطع له منه قِطعةً، هكذا ضبطه الجوهريّ، مصغّرًا، والذي جاء في
(المجمل)) لابن فارس بفتح الجيم، وكسر الزاي، قال: هي القطعة من الغنم، كأنها
فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة، وما سَمِعناها في الحديث إلا مصغّرةً. انتهى.
وقال النوويّ في ((شرح مسلم)) ١١/ ١٧٢: قوله: ((جزيعة)) بضم الجيم وفتح الزاي،
ورواه بعضهم جَزِیعة بفتح الجيم وكسر الزاي، وكلاهما صحيح، والأول هو المشهور،
في رواية المحدثين، وهو الذي ضبطه الجوهري وغيره، من أهل اللغة، وهي القطعة
من الغنم، تصغير جِزْعة بكسر الجيم، وهي القليل من الشئ، يقال جَزَع له من ماله:
أي قطع، وبالثاني ضبطه ابن فارس في ((المجمل))، قال: وهي القطعة من الغنم، وكأنها
فعيلة بمعنى مفعولة، كضَفِيرة، بمعنى مضفورة. انتهى.
[تنبيه]: هذا الذي ذُكر من ضبط ((الجُزَيعة)» بالزاي، هو الذي وقع في النسخة
الهندية، وغيرها، وهو الصواب، وأما ما وقع في النسخة المطبوعة المصريّة،
و((الكبرى)) مكتوبًا بالذال المعجمة بدل الزاي، فتصحيف، فتنبه. والله تعالى أعلم.
(فَقَسَمَهَا بَيْنَنَا) أي قسم تلك الأغنام بين أصحابه الكرام رضي اللّه تعالى عنهم. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي بكرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم، لكن تكلّم فيه الدار قطنيّ،
قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح صحيح مسلم)) ج: ١١ ص: ١٧٢ : قال

٣٢٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
القاضي: قال الدارقطني: قوله: ((ثم انكفأ))(١) إلى آخر الحديث، وَهَمّ من ابن عون،
فيما قيل، وإنما رواه ابن سيرين، عن أنس، فأدرجه ابن عون هنا، في هذا الحديث،
فرواه عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ◌َّ، قال
القاضي: وقد روى البخاري هذا الحديث، عن ابن عون، فلم يذكر فيه هذا الكلام،
فلعله تركه عمدا، وقد رواه أيوب، وقُرّة، عن ابن سيرين، في كتاب مسلم، في هذا
الباب، ولم يذكروا فيه هذه الزيادة، قال القاضي: والأشبه أن هذه الزيادة، إنما هي في
حديث آخر، في خطبة عيد الأضحى، فوهم فيها الراوي، فذكرها مضمومة إلى خطبة
الحجة، أوهما حديثان، ضم أحدهما إلى الآخر، وقد ذكر مسلم هذا بعد هذا في
(كتاب الضحايا)) من حديث أيوب، وهشام، عن ابن سيرين: ((أن النبيّ وَِّ صلّى، ثم
خطب، فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يُعيد، ثم قال في آخر الحديث: ((فأنكفأ رسول
اللَّه وَلّ إلى كبشين أملحين، فذبهما، فقام الناس إلى غُنيمة، فتوزّعوها))، فهذا هو
الصحیح، وهو دافع للإشکال. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حاصل ما في كلامهم هذا أن ذكر زيادة: ((ثم انكفأ
الخ)) ليست صحيحة في حديث أبي بكرة رضي الله عنه في خطبة النبيّ وَّ يوم النحر،
وإنما وهم فيها ابن عون، فأدخلها من رواية ابن سيرين لحديث أنس رضي الله عنه في
خطبة النبيّ رَّر، يو الأضحى، وحديث أنس هو الذي قبل هذا، وسيأتي أيضًا بعد
حديث، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٤/ ٤٣٩١- وفي ((الكبرى)) ٤٤٧٩/١٤. وأخرجه (م) في ((القسامة))
٤٣٦٠ (ت) في ((الأضاحي)) ١٥٢٠. والله تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تقدّمت فيما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٩٢- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو سَعِيدِ الْأَشَجُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ
غِيَّاتٍ، عَن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَن أَبِيهِ، عَنِ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: ضَخَّى رَسُولُ اللَّهِ وَل
بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، فَحِيلٍ، يَمْشِي فِي سَوَادٍ، وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو سَعِيدِ الْأَشَجُ) الكوفي، ثقة، من صغار [١٠]٩٠٧/٢٢ .
٢- (حفص بن غياش) بن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة
(١) هكذا لفظ مسلم، وقد سبق أنه عند المصنّف بلفظ: ((ثم انصرف)»، فتنبه.

٣٢٣
١٤ - (الْكَبْشُ) - حديث رقم ٤٣٩٢
فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر [٨] ١٠٥/٨٦.
٣- (جعفر بن محمد) بن علي الهاشمي، أبو عبد اللَّه المدني المعروف بالصادق،
صدوق فقيه إمام [٦] ١٢٣ / ١٨٢.
٤- (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر المدني
المعروف بالباقر، ثقة فاضل [٤] ١٨٢/١٢٣.
٥- (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري الخدري الصحابي ابن
الصحابي رضي اللَّه تعالى عنهما، وتقدم في ٢٦٢/١٦٩ . والله تعالى أعلم.
١
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وحفص، فکوفیان.
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه أبا سعيد من المكثرين السبعة،
روى (١١٧٠) حيثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: ضَخَّى) بتشديد الحاء
المهملة، من التضحية (رَسُولُ اللَّهِ وَهُ بِكَبْشِ أَقْرَنَ) أي ذي قرنين (فَحِيلٍ) بفتح الفحاء،
وكسر الحاء المهملة، بوزن كريم، قال الخطّابيّ: هو الكريم المختار للفحلة، وأما
الفحل، فهو عامّ في الذكورة منها، وقالوا في ذكورة النحل: فُحّال، فرقًا بينه، وبين
سائر الفحول من الحيوان. انتهى. وقال في ((النهاية)) ٤١٦/٣-٤١٧: الفَحِيل: هو
الْمُنجب في ضرابه. وقيل: الذي يُشبه الفُحُولة في عظم خَلْقِه . : أي كامل الخلقة،
واختار الفحل على الخصيّ والنعجة طَلَبَ نُبْله، وعِظَمه. انتهى.
وقد أخرج أبو داود في ((سننه)) عن أبي عيّاش المعافريّ، عن جابر بن عبد الله رضي
الله تعالى عنهما، قال: ذبح النبيّ وَّر يوم الذبح كبشين أقرنين، أملحين،
موجئين ... )) الحديث، وفي إسناده ابن إسحاق، وقد عنعنه، وهو مدلّس، وأبو عیّاش
المذكور، قال عنه في ((التقريب)): مقبول. والمو جأ الخصيّ.
ولا تنافي بينه وبين حديث الباب؛ لإمكان حمله على تعدد الأوقات، قال
الشوكانيّ: فيه أن النبيّ ◌َّ ضحّى بالفحيلِ، كما ضحّى بالخَصِيّ.
(يَمْشِي فِي سَوَادٍ) أي في رجله سواد (وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ) أي في بطنه سواد (وَيَنْظُرُ فِي
سَوَادٍ) أي حول عينيه سود، وباقيه أبيض، وهو أجمل. والله تعالى أعلم بالصواب،

٣٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٣٩٢/١٤- وفي ((الكبرى)) ٤٤٨٠. وأخرجه (د) في ((الضحايا))
٢٤١٤ (ت) في ((الأضاحي)) ١٤١٦ (ق) في ((الأضاحي)) ٣١١٩.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم التضحية بالكبش،
وهو الجواز. (ومنها): استحباب كون الكبش أقرن. (ومنها): استحباب كونه فحلًا،
ويجوز كونه خصيّا، كما تقدّم. (ومنها): جواز التضحية بكبش واحد، فما تقدّم في
الحديث الذي قبله من أنه وم ير ضخّى بكبشين على سبيل الاستحباب، لا الوجوب.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في أن الكبش الواحد يكفي عن أهل بيت
الرجل، أم لا؟ :
ذهب مالك، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، إلى أنه يجوز أن يضخّي
الرجل عن أهل بيته بشاة واحدة، أو بقرة، أو بدنة، وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي
هريرة، قال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يضحى بالشاة عن أهل البيت؟ قال:
نعم لا بأس، قد ذبح النبي ◌َّ كبشين، فقرب أحدهما، فقال: ((بسم اللَّه، اللَّهم هذا
عن محمد وأهل بيته))، وقرب الآخر، فقال: ((بسم الله، اللَّهم هذا منك، ولك عمن
وحدك من أمتي)) .
وحكي عن أبي هريرة، أنه كان يضحي بالشاة، فتجيء ابنته، فتقول: عني، فيقول:
وعنكِ. وكره ذلك الثوري، وأبو حنيفة؛ لأن الشاة لا تجزىء عن أكثر من واحد، فإذا
اشترك فيها اثنان، لم تجز عنهما كالأجنبيين.
واحتجّ الأولون بما رواه مسلم في ((صحيحه))، عن عائشة، أن النبي ◌ََّ، أُتي
بكبش؛ ليضحي به، فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: ((بسم اللَّه، اللّهم تقبل من محمد،
وآل محمد)). وعن جابر، قال: ذبح رسول اللّه وَّل، يوم الذبح، كبشين أقرنين،
أملحين، موجأين، فلما وجههما، قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات
والأرض، على ملة إبراهيم، حنيفا، مسلما، وما أنا من المشركين، إن صلاتي،

٣٢٥ ====
١٤ - (الْكَبْشُ) - حديث رقم ٤٣٩٢
ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من
المسلمین، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر»، ثم ذبح، رواه أبو
داود، وأخرج الترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي أيوب، قال: ((كان الرجل في عهد النبي
وَّرَ، يُضَحِّي بالشاة عنه، وعن أهل بيته، فيأكلون، ويُطعمون الناس)). قال الترمذيّ:
حديث حسن صحيح. ذكره ابن قدامة في ((المغني)) ٣٦٥/١٣ -٣٦٦(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون من جواز التضحية بالشاة
الواحدة عن أهل بيت الرجل هو الأرجح عندي؛ لقوّة أدلّته، كما سمعتها. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في أفضل الأضاحي:
قال العلامة ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: وأفضل الأضاحي البدنة، ثم البقرة، ثم
الشاة، ثم شرك في بقرة، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وقال مالك: الأفضل الجذع
من الضأن، ثم البقرة، ثم البدنة؛ لأن النبي بَّه ضَخَّى بكبشين، ولا يفعل إلا
الأفضل، ولو علم اللَّه خيرا منه، لَفَدَى إسحاق به.
قال: ولنا قول النبي ◌َّر، في الجمعة: ((من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرّب
بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة،
فكأنما قرّب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في
الساعة الخامسة، فكأنما قرّب بيضة)). متفقٌ عليه. ولأنه ذبح يُتقرب به إلى الله تعالى،
فكانت البدنة منه أفضل، كالهدي، فإنه قد سَلَّمَه، ولأنها أكثر ثمنا ولحما وأنفع. فأما
التضحية بالكبش، فلأنه أفضل أجناس الغنم، وكذلك حصول الفداء به أفضل، والشاة
أفضل من شرك في بدنة؛ لأن إراقة الدم مقصودة في الأضحية، والمنفرد يتقرب بإراقته
كله، والكبش أفضل الغنم؛ لأنه أضحية النبي بَّر، وهو أطيب لحما. وذكر القاضي أن
جَذَع الضأن أفضل، من ثني المعز؛ لذلك؛ ولأنه يُروَى عن النبي ◌َّ، أنه قال: ((نعم
الأضحية الجذع من الضأن))، أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث غريب.
قال الجامع: هو ضعيف؛ لأن في إسناده كدام بن عبد الرحمن، وهو مجهول.
قال: ويحتمل أن الثني أفضل؛ لقول النبي وَالقر: ((لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عسُر
عليكم، فاذبحوا الجذع من الضأن))، رواه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وهذا يدل
على فضل الثني على الجذع؛ لكونه جعل الثني أصلا، والجذع بدلا، لا يُنتقل إليه، إلا
(١) راجع ((المغني لابن قدامة)) ٣٦٥/١٣-٣٦٦.

=
٣٢٦ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
عند عدم الثني. انتهى كلام ابن قُدامة .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه الأولون، من أفضليّة
البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة، أرجح؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
[تنبيه]: يسن استسمان الأضحية، واستحسانها؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ
شَعَكَبِرَ الَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٣]، قال ابن عباس رضي الله عنهما:
تعظيمها استسمانها، واستعظامها، واستحسانها، ولأن ذلك أعظم لأجرها، وأكثر
لنفعها، والأفضل في الأضحية من الغنم في لونها البياض؛ لما روي عن مولاة أبي ورقة
بن سعيد، قالت: قال رسول اللّه ◌َالتر: (دم عفراء أزكى عندالله، من دم سوداوين))،
رواه أحمد(١). وقال أبو هريرة: ((دم بيضاء، أحبُّ إلى الله من دم سوداوين))(٢)، ولأنه
لون أضحية النبي ◌ِّر، ثم ما كان أحسن لونا، فهو أفضل. أفاده ابن قدامة في ((المغني))
٣٦٧/١٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٥- (بَابُ مَا تَجْزِئُ عَنْهُ الْبَدَنَةُ فِي
الضَّحَابًا)
٤٣٩٣- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ أَبِهِ، عَنِ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَن
جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَزَ، يَجْعَلُ فِي قَسْمِ الْغَنَائِمِ، عَشْرًا مِنَّ الشَّاءِ
بِيَعِيرِ، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ عِلْمِي أَنّي سَمِعْتُهُ مِنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْزُوقٍ، وَحَدَّثَنِي بِهِ سُفْيَانُ
عَنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
(١) حسنه الشيخ الألبانيّ رحمه الله في ((السلسلة الصحيحة)) ٤/ ٤٧٥-٤٧٦ رقم ١٨٦١. لكن قال
(كبيرة بنت سفيان))، فليحرّر.
(٢) حسنه الألباني أيضًا، من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وعزاه إلى أحمد ٢/ ٤١٧ والحاكم ٤/ ٢٢٧
بلفظ ((دم عفراء الخ)). ج ٤ / ص ٤٧٥ رقم ١٨٦١.

٣٢٧ ==
١٥ - (بابُ مَا تُجُزِئُ عَنْهُ البَدَنَةُ فِي الضَّحَايا) - حديث رقم ٤٣٩٣
و ((أَخْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَم)» الهاشمي المعروف بابن الكردي، أبو الحسين
البصري، ثقة [١٠] ٥٨٣/٣٩. وَ((محمد بن جعفر)): هو المعروف بغندر البصريّ،
ثقة صحيح الكتاب [٩]. و((والد سفيان الثوريّ)): هو سعيد بن مسروق بن حَبيب
الكوفي، ثقة [٦]. و((عباية بن رفاعة بن رافع)): هو الأنصاري الزرقي، أبو رفاعة
المدني، ثقة [٣] ٣١١٦/٩. و«جده)): هو رافع بن خديج الحارثي الأوسي
الأنصاري، صحابي شهير، تقدم في ١١٢/ ١٥٥ .
وقوله: ((وأكبر علمي الخ)) معناه أن شعبة روى هذا الحديث عن سفيان، عن أبيه،
وقال: أكبر ظنّي أني سمعته من والده أيضًا.
والحديث متفق عليه، ومضى ٤٢٩٩/١٧ ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، ولم
يبق إلا البحث فيما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما تجزىء عنه البدنة
في الضحايا، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاشتراك في التضحية بالبدنة والبقرة:
قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)) ج: ١٣ ص: ٣٦٣-٣٦٥: ما
حاصله :
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن البدنة تجزىء عن سبعة وكذلك البقرة، روي ذلك عن
علي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال عطاء،
وطاوس، وسالم، والحسن، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي،
وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وعن عمر أنه قال: لا تجزىء نفس واحدة عن سبعة،
ونحوُهُ قول مالك، قال أحمد: ما علمت أحدا إلا يرخص في ذلك، إلا ابن عمر، وعن
سعيد بن المسيب: أن الجزور عن عشرة، والبقرة عن سبعة، وبه قال إسحاق؛ لما
روى رافع، أن النبي ◌َّر قسم، فعدل عشرة من الغنم، ببعير، متفق عليه. وعن ابن
عباس، قال، كنا مع رسول اللّه ◌َلّ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في الجزور
عن عشرة، والبقرة عن سبعة، حديث صحيح رواه أصحاب السنن.
واحتجّ الأولون بما رواه جابر رضي اللّه تعالى عنه، قال: نحرنا بالحديبية، مع النبي
وَلَّ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وقال أيضا: كنا نتمتع مع رسول اللّه وَلقوله
فنذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها، رواه مسلم، وهذان أصحُ من حديثهم.
وأما حديث رافع، فهو في القسمة، لا في الأضحية، إذا ثبت هذا، فسواء كان
المشتركون من أهل بيت، أو لم يكونوا، مفترضين، أو متطوعين، أو كان بعضهم يريد
القربة، وبعضهم يريد اللحم؛ لأن كل إنسان منهم، إنما يجزىء عنه نصيبه، فلا تضره

٣٢٨ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَايَا
نية غيره في عشرة. انتهى كلام ابن قُدامة ببعض تصرّف.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي ذهب إليه ابن المسيّب، وإسحاق من أن الجزور
تجزىء عن عشرة هو الأرجح عندي؛ لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما المذكور، فإنه
نصّ في محلّ النزاع، ولا ينافي حديث جابر رضي الله عنه، فإنه في التمتّع، وحكهما
مختلف، بدليل أن الشاة الواحدة تكفي عن أهل بيت، في الأضحيّة، دون التمتّع. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٩٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ غَزْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَن
حُسَيْنٍ - يَعْنِي ابْنَ وَاقِدٍ - عَن عِلْبَاءَ بْنِ أَحْمَرَ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ، فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ النَّحْرُ، فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَعِيَرِ عَنْ عَشْرَةٍ، وَالْبَقَرَةِ عَنْ
سَبْعَةٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عبد العزيز بن غَزْوان) بن أبي رِزْمة، أبو عمرو المروزيّ، ثقة [١١]
٦٠٢/٤٧ ٠
٢- (الفضل بن موسى) السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة ثبت ربما أغرب، من
كبار [١٠٠/٨٣ .
٣- (الحسين بن واقد) أبو عبد الله القاضي المروزيّ، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣.
٤- (علباء بن أحمر) -بكسر العين المهملة، وسكون اللام، بعدها موحّدة، ومدّ-
اليشكريّ -بفتح التحتانية، وسكون المعجمة- البصريّ، صدوق، من القرّاء [٤].
روى عن أبي زيد، وعمرو بن أخطب، وعكرمة مولى ابن عباس، والأسود بن
كلثوم، وعنه أبو علي الرَّحَبِيّ، وداود بن أبي الْفُرَات، والحسين بن واقد، وأبو ليلى،
عبد الله بن ميسرة، وعَزْرَة بن ثابت، والمنذر بن ثعلبة العبدي. قال أبو طالب، عن
أحمد بن حنبل: لا بأس به، لا أعلم إلا خيرا. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وهو أحد القراء، له اختيار ذكره الداني. روی له مسلم،
والأربعة، سوى أبي داود، له في مسلم حديث واحد: ((صلى بنا رسول اللّه وَّ الفجر،
ثم صعد المنبر، فخطب، حتى حضرت الظهر ... )) الحديث. وله عند المصنف في
هذا الكتاب هذا الحديث فقط .
٥- (عكرمة) البربري، مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة ثبت عالم
بالتفسير [٣] ٣٢٥/٢ .
٦- (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى

١٥ - (بابُ مَا تُجُزِىءُ عَنْهُ البَدَنَةُ فِي الضَّحَايا) - حديث رقم ٤٣٩٤
٣٢٩ =
أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوز إلى حسين، وما بعده بصريون، وابن
عباس، وإن كان مدنيا إلا أنه نزل البصرة، وعكرمة مولاه. (ومنها): أن فيه رواية تابعي
عن تابعيّ، وفيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين
السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَّه فِي
سَفَرٍ، فَحَضَّرَ النَّخَّرُ) أي جاء يوم نحر الأضاحي، وهو العاشر من شهر ذي الحجة
(فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَعِيرِ) أي في نحره (عَنِ عَشْرَةٍ، وَالْبَقَرَةِ عَن سَبْعَةٍ) فيه جواز الاشتراك في
أضحية البدنة، والبقرة، وبه قال الجمهور، وهو الحقّ، وخالف في ذلك ابن عمر،
ومالك، وقد تقدّم ذلك في الذي قبله، وفيه أيضًا أن البدنة تجزىء عن العشرة، وبه قال
ابن المسيّب، وإسحاق، وهو الحقّ، كما تقدم تحقيقه أيضًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٣٩٤/١٥ - وفي ((الكبرى)) ٤٤٨٢/١٥. وأخرجه (ت) في ((الحجّ))
٩٠٥ و(الأضاحي)) ١٥٠١ (ق) في ((الأضاحي)) ٣١٣١. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)) .

٣٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
١٦- (بَابُ مَا تُجزىءُ عَنْهُ الْبَقَرَةُ فِي
الضَّحَايَا)
٤٣٩٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى، عَنِ يَخْتِى، عَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَن عَطَاءٍ، عَن
جَابِرٍ، قَالَ: ((كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ النَِّيِّ نَّهِ فَتَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَن سَبْعَةٍ، وَنَشْتَرِكُ فِيهَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا،
و(يحيى)): هو القطّان. و((عبد الملك)): هو ابن أبي سُليمان ميسرة، الْعَرْزَميّ الكوفيّ.
و((عطاء)): هو ابن أبي رباح. وشرح الحديث واضح، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٣٩٥/١٦- وفي ((الكبرى)) ٤٤٨٣. وأخرجه (م) في ((الحج)) ٢٣٢٢
ز ٢٣٢٤ (د) في ((الضحايا)) ٢٤٢٤ و٢٤٢٥ و٢٤٢٦ (ت) في ((الحج)) ٨٢٨
و((الأضاحي)) ١٤٢٢ (ق) في ((الأضاحي)) ٣١٢٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))
١٣٦١٢ و١٣٨٧٨ و١٤٨٠ و١٤٣٨٥ و١٤٣٩٥ و١٤٥٠ و١٨٧٣ (الدارميّ)) في
((الأضاحي)) ١٨٧٤ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
١٧ - (ذَبْحُ الضَّحِيَّةِ قَبْلَ الإِمَام)
وفي نسخة: ((ذبح الأضحية قبل الإمام)).
٤٣٩٦- (أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيّ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبِي، عَنْ فِرَاسِ،
عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْيَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ حَ وَأَنْبَأَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ،
فَذَكَرَ أَحَدُهُمَا مَا لَمْ يَذْكُرِ الْآَخَرُ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يَوْمَ الْأَضْحَى، فَقَالَ: (مَنْ

١٧ - (ذَبْحُ الضَّحِيَّةِ قَبَلَ الإِمام) - حديث رقم ٤٣٩٦
٣٣١ =
وَجَّهَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَلَا يَذْبَحْ حَتَّى يُصَلِّيَّ))، فَقَامَ خَالِيٍ،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَجَّلْتُ نُسُكِي؛ لأُطْعِمَ أَهْلِي، وَأَهْلَ دَّارِي، أَوْ أَهْلِي،
وَجِيرَانِي، فَقَّالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَعِذْ ذِبْحَا آخَرَ))، قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ، هِيَ
أَحَبُّ إِلَّيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْم، قَالَ: ((اذْبَحْهَا، فَإِنَّا خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ، وَلَا تَقْضِي جَذَّعَةٌ عَنْ
أَحَدٍ بَعْدَكَ))).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (هناد بن السريّ) المذكور قبل ثلاثة أبواب.
٢- (ابن أبي زائدة) يحيى الهمداني، أبو سعيد الكوفي ثقة متقن، من كبار [٩٣/
١١٥ .
٣- (أبوه) زكريّا بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الهمداني
الوادعي، أبو يحيى الكوفي، ثقة، يدلس [٦] ١١٥/٩٣.
٤- (داود بن أبي هند) القشيري مولاهم، أبو بكر البصري، ثقة متقن، كان يهم
بآخره [٥] ٢١/ ٥٣٨ .
٥- (فِراس) بن یحیی الهمداني الخارفي، أبو یحیی الکوفي المكتب، صدوق، ربما
وهم [٦] ٥٩/ ٢٥٤١.
٦- (عامر) بن شَرَاحيل، أبو عمرو الشعبيّ الكوفي، ثقة فقيه فاضل مشهور [٣]
٦٦/ ٨٢ .
٧- (البراء بن عازب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابي ابن
الصحابي رضي اللّه تعالى عنهما، استصغر يوم بدر، ونزل الكوفة، ومات سنة (٧٢)،
وتقدم في ١٠٥/٨٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ، داود بن أبي هند، عن الشعبي. (ومنها): أن قوله: ((وأنبأنا دواد بن أبي هند))
معطوف على ((أنبأنا أبي))، فيحيى بن زكريّا يروي عن أبيه، عن فراس بن يحيى، عن
عامر الشعبيّ، وعن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، والثاني أعلى من الأول؛ لأنه وصل
إلى الشعبيّ فيه بواسطة. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن في قوله: ((فذكر أحدهما ما لم يذكره الآخر))، فائدة حديثيّة، وهو من
كلام يحيى بن زكريّا، وحاصل المعنى أن كلّ من أبيه، وداود بن أبي هند أنبأه بهذا

٣٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
الحديث، ثم إن كلّ منهما تفرّد بذكر ألفاظ في الحديث لم يذكرها الآخر.
ثم إن مثل هذا الإجمال لا يضرّ في صحّة الحديث؛ لأن كلّ منهما ثقة، وإنما يضرّ لو
كان أحدهما ضعيفًا.
قال في ((تقريب النواوي)) مع شرحه ((تدريب الراوي)): ٢ ص: ١٢٤-١٢٥: ما
مُلَخَّصُهُ :
وإذا سمع بعض حديث من شيخ، وبعضه الآخر من شيخ آخر، فروى جملته عنهما،
مبينا أن بعضه عن أحدهما، وبعضه عن الآخر، غير مميز لما سمعه من كل شيخ عن
الآخر جاز، ثم يصير كل جزء منه، كأنه رواه عن أحدهما مبهما، فلا يحتج بشيء منه،
إن كان فيهما مجروح؛ لأنه ما من جزء منه، إلا ويجوز أن يكون عن ذلك المجروح،
ويجب ذكرهما حينئذ جميعا، مبينا أن عن أحدهما بعضه، وعن الآخر بعضه، ولا يجوز
ذكرهما ساكتا عن ذلك، ولا إسقاط أحدهما، مجروحا كان أو ثقة.
ومن أمثلة ذلك: حديث الإفك في ((الصحيح))، من رواية الزهري، حيث قال:
حدثني عروة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن
عتبة، عن عائشة، قال: وكل قد حدثني طائفة من حديثها، ودخل حديث بعضهم في
بعض، وأنا أوعى لحديث بعضهم من بعض، فذكر الحديث. انتهى المقصود من
((التقريب))، و((التدريب)).
وإلى هذا أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث))، حيث قال:
وَبَعْضَهُ عَنِ آَخَرٍ ثُمَّ ◌َملْ
وَلَوْ رَوَى بَعْضَ حَدِيثٍ عَنْ رَجُلْ
مَيْزٍ أَجِزْ وَحَذْفُ شَخْصٍ حُظِلَا
ذَلِكَ عَنِ ذَيْنٍ مُبَيْئًا بِلَ
مُجَرَّحًا يَكُونُ أَو مُعَدَّلَا
وَحَيْثُ جَزْعُ وَاحِدٍ لَا تَقْبَلَا
والله تعالى أعلم بالصواب.
شرح الحديث
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ بَّه يَوْمَ
الْأَضْحَى) وفي الرواية التالية: ((خطبنا رسول اللَّه وَّه يوم النحر، بعد الصلاة)) (فَقَالَ:
((مَنْ وَجَّهَ قِيْلَتَنَا) - بفتح الواو، وتشديد الجيم -: أي وَجَّهَ وجهه، والمراد استقبل القبلة،
والمراد أن يكون معنا في هذه الأمور، وقال في ((الفتح)): المراد من كان على دين
الإسلام. انتهى (وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا) أي أراد أن يذبح مثل ذبيحتنا (فَلَا يَذْبَخ
حَتَّى يُصَلِّيَ) أي صلاة العيد (فَقَّامَ خَالِيٍ) هو أبو بُردة/ هانىء بن نِيار - بكسر النون،

١٧ - (ذَبْحُ الضَّحِيِّ قَبَلَ الإِمام) - حديث رقم ٤٣٩٦
٣٣٣ =
وتخفيف الياء المثنّاة من تحتُ، وآخره راء، واسم جدّه عمرو بن عُبيد، وهو بلويّ، من
حلفاء الأنصار. وقد قيل: إن اسمه الحارث بن عمرو. وقيل: مالك بن هُبيرة، والأول
هو الأصحّ. وأخرج ابن منده من طريق جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ، عن البراء، قال:
كان اسم خالي قليلًا، فسمّاه النبيّ بَّرَ كثيرًا، وقال: يا كثير، إنما نسكنا بعد
صلاتنا)) ... )) ثم ذكر حديث الباب بطوله، وجابر ضعيف، وأبو بردة ممن شهد العقبة،
وبدرًا، والمشاهد، وعاش إلى سنة اثنتين، وقيل: خمس وأربعين. قاله في ((الفتح))
١٢٧/١١-١٢٨.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَجَّلْتُ نُسُكِي) أي استعجلت في ذبح أضحيّتي قبل
الصلاة (لِأُطْعِمَ أَهْلِي، وَأَهْلَ دَارِي، أَوْ) شكّ من الراوي (أَهْلِي، وَجِيرَانِي، فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَهِ: ((أَعِدْ ذِبْحًا آخَرَ))) وفي الرواية التالية: ((تلك شاة لحم))، أي ليست أضحيّة،
بل هو لحم، يُنتفع به، كما وقع في رواية: ((إنما هو لحم، يقدمه لأهله)) وفي
رواية: ((ذاك شيء عجلته لأهلك)).
وقد استشكلت الإضافة في قوله: ((شاة لحم))، وذلك أن الإضافة قسمان: معنوية،
ولفظية، فالمعنوية، إما مقدرة بـ(من))، كخاتم حديد، أو باللام، كغلام زيد، أو بـ((في))،
كضَرْبٍ اليوم، معناه: ضرب في اليوم. وأما اللفظية فهي صفة، مضافة إلى معمولها،
كضارب زيد، وحسن الوجه، ولا يصح شيء من الأقسام الخمسة، في ((شاة لحم))،
قال الفاكهي: والذي يظهر لي أن أبا بردة، لَمّا اعتقد، أن شاته شاة أضحية، أوقع وَل
في الجواب قوله: ((شاة لحم))، موقع قوله: شاة غير أضحية. ذكره في ((الفتح)) ١١/
١٢٨ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا وجه للاستشكال المذكور، فإن الإضافة
هنا بمعنى اللام، فيكون المعنى أنها شاة مذبوحة للاستفادة من لحمها، لا لإقامة السنّة
بالتضحية بها، وذلك أن القاعدة النحويّة، أن كلّ ما لا يصلح أن تكون إضافته بمعنى
(من))، أو ((في))، فإنها تكون بمعنى اللام، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في
«خلاصته)) :
وَالثَّانِيَ اجْرُرْ وَاْوِ (مِنْ)) أَوْ ((فِي) إِذَا لَمْ يَضْلُحِ الَّا ذَاكَ وَاللََّمَ خُذَا
لِمَا سِوَى ذَيْنِكَ وَاخْصُصَ اوَّلَا أَوْ أَعْطِهِ الثَّعْرِيفَ بِالَّذِي تَلَا
راجع شروح الألفية لابن عقيل، مع حاشية الخضريّ ٣/٢/-٤. تستفد، وبالله
تعالى التوفيق.
(قَالَ) أبو بردة (فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنِ) بفتح العين المهملة، والإضافة إلى اللبن،

٣٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
و((العناق)) هي الأنثى من أولاد المعز،، دون المسنّة، وإضافتها إلى اللبن، إما للدلالة
على أنها صغيرة، ترضع اللبن، أو للدلالة على أنها سمينة، أُعدّت للبن. وفي الرواية
التالية: ((فإن عندي عَناقًا جذعةً))،
وفي رواية البخاريّ: ((إن عندي داجنا جذعةً من المعز))، قال في ((الفتح)) ١١/
١٢٨-١٢٩ : والداجن: هي التي تَأَلَف البيوت، وتستأنس، وليس لها سنّ معين، ولما
صار هذا الاسم علما، على ما يَأْلَف البيوت، اضمحلّ الوصف عنه، فاستوى فيه
المذكر والمؤنث، والجذعة تقدم بيانها، وقد بين في هذه الرواية أنها من المعز.
قال: والعَنَاق - بفتح العين، وتخفيف النون -: الأنثى من ولد المعز، عند أهل اللغة،
ولم يصب الداودي في زعمه، أن العناق هي التي استَحَقَّت أن تحمل، وأنها تطلق على
الذكر والأنثى، وأنه بَيَّنَ بقوله: ((لبن))، أنها أنثى. قال ابن التين: غَلِطَ في نقل اللغة،
وفي تأويل الحديث، فإن معنى ((عناق لبن)): أنها صغيرة سن، ترضع أمها.
ووقع عند الطبراني، من طريق سهل بن أبي حثمة، أن أبا بردة، ذبح ذبيحته بسحر،
فذكر ذلك للنبي وَّر، فقال: ((إنما الأضحية ما ذُبح بعد الصلاة، اذهب فَضَحَ))، فقال:
ما عندي إلا جذعة من المعز ... الحديث. وزاد في رواية أخرى: ((هي أحب إلي من
شاتين)). وفي رواية لمسلم من ((شاتي لحم)).
والمعنى أنها أطيب لحما، وأنفع للآكلين؛ لِسِمَنِها، ونفاستها.
وقد استشكل هذا بما ذُكر أن عتق نفسين أفضل، من عتق نفس واحدة، ولو كانت
أنفس منهما .
وأجيب بالفرق بين الأضحية والعتق، أن الأضحية يُطلَب فيها كثرة اللحم، فتكون
الواحدة السمينة أولى من الهزيلتين، والعتق يطلب فيه التقرب إلى الله بفك الرقبة،
فيكون عتق الإثنين أولى من عتق الواحدة، نعم إن عرض للواحد وصف يقتضى رفعته
على غيره، كالعلم، وأنواع الفضل المتعدي، فقد جزم بعض المحتقين بأنه أولى؛
لعموم نفعه للمسلمين. ووقع في رواية أخرى: ((وهي خير من مسنة))، وحكى ابن التين
عن الداودي أن المسنة التي سقطت أسنانها للبدل، وقال أهل اللغة: المسن الثَّنِيُّ الذي
يُلقي سنهُ، ويكون في ذات الخف، في السنة السادسة، وفي ذات الظلف والحافر، في
السنة الثالثة. وقال ابن فارس: إذا دخل ولد الشاة في الثالثة، فهو ثَنِيٍّ، ومسن. ذكره
في ((الفتح)).
(هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَخم) أي لكونها أطيب، وأنفع؛ لسمنها (قَالَ: «اذْبَحْهَا،
فَإِنَّهَا خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ) أي خير ذبيحْتيك، حيث تجزي عن الأضحيّة، بخلاف الأولى (وَلَا

١٧ - (ذَبْحُ الضَّحِيَةِ قَبَلَ الإِمام) - حديث رقم ٤٣٩٦
٣٣٥ ==
تَقْضِي) بفتح أوله، من القضاء: أي لا تؤدّي، ولا تُسقط، يقال: قضيتُ الحجَ،
والدينَ: أدّيته، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمِ نَّنَاسِكَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٠] : أي
أديتموها، فالقضاء هنا بمعنى الأداء، كما قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ﴾ الآية
[النساء: ١٠٣]: أي أديتموها، واستعمل العلماء القضاء في العبادة التي تُفعل خارج
وقتها المحدود شرعًا، والأداءَ إذا فُعلت في الوقت المحدود، وهو مخالف للوضع
اللغويّ، لكنه اصطلاح للتمييز بين الوقتين. قاله الفيّوميّ (جَذَعَةٌ عَن أَحَدٍ بَعْدَكَ) وفي
الرواية التالية: ((ولن تَجزي عن أحد بعدك)): وهو بفتح أوله، غيرَ مهموز: وهو بمعنى
(تَقْضِي))، يقال: جزا عني فلانٌ كذا: أي قَضَى ومنه: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية
[البقرة: ٤٨]: أي لا تقضي عنها. قال ابن بَرِيّ: الفقهاء يقولون: لا تُجْزِىء - بالضم،
والهمز- في موضع لا تقضي، والصواب بالفتح، وترك الهمز، قال: لكن يجوز الضم
والهمز، بمعنى الكفاية، يقال: أجزأ عنك. وقال صاحب ((الأساس)): بنو تميم
يقولون: البدنة تُجْزِى عن سبعة، بضم أوله، وأهل الحجاز تَجَزِي بفتح أوله، وبهما
قُرِئَّ: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾. وفي هذا تَعَقُّب على من نقل الاتفاق، على منع
ضم أوله. قاله في ((الفتح)) ١٢٩/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث :
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٧ / ٤٣٩٦ و ٤٣٩٧ وفي «كتاب العيدين)» ٨/ ١٥٦٣ و١٥٦٩ و ١٥٨١ -
وفي ((الكبرى)) ١٨ /٤٤٨٦ و٤٤٨٧ وفي ((العيدين)) ١٧٦٤ و١٨٠٣. وأخرجه (خ) في
((العيدين)) ٩٥١ و٩٥٥ و٩٦٥ و ٩٦٨ و٩٧٧ و٩٨٣ و((الأضاحي)) ٥٥٤٥ و٥٥٦٠
و٥٥٦٣ و٥٥٥٦ و((الأيمان والنذور)) ٦٦٧٣ (م) في ((الأضاحي)) ٥٠٤٢٥٠٤٣
و٥٠٤٤ ٬ ٥٠٤٥ و٥٠٤٦ و٥٠٤٧ و٥٠٤٨ و٥٠٤٩ (د) في ((الضحايا) ٢٨٠٠
و٢٨٠١ (ت) في ((الأضاحي)) ١٥٠٨ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم ذبح الضّحيّة قبل
الإمام، وهو عدم الجواز، وسيأتي اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية، إن شاء الله
تعالى. (ومنها): أنه استُدلّ به على وجوب الأضحية، على من التزم الأضحية، فأفسد

٣٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
ما يُضحِّي به، ورده الطحاوي بأنه لو كان كذلك، لتعرض إلى قيمة الأُولى ليلزم
بمثلها، فلما لم يَعتبر ذلك دلّ على أن الأمر بالإعادة، كان على جهة الندب، وفيه بيانَ
ما يجزي في الأضحية، لا على وجوب الإعادة.
(ومنها): أن المرجع في الأحكام إنما هو إلى النبي وَّل، وأنه قد يَخُصّ بعض أمته
بحكم، ويمنع غيره منه، ولو كان بغير عذر. (ومنها): أن خطاب الشارع للواحد يعم
جميع المكلفين، حتى يظهر دليل الخصوصية؛ لأن السياق يُشعر بأن قوله لأبي بردة:
((ضَحّ به)) -أي بالجذع- لو كان يفهم منه تخصيصه بذلك، لما احتاج إلى أن يقول له:
((ولن تجزى عن أحد بعدك))، ويحتمل أن تكون فائدة ذلك قطع إلحاق غيره به في
الحكم المذكور، لا أن ذلك مأخوذ من مجرد اللفظ، وهو قويّ.
(ومنها): أن من ذبح قبل الصلاةلم يجزئه، ولزمه البدل، قال ابن قُدامة رحمه الله
تعالى: وهذا محمول على الأضحية الواجبة بنذر، أو تعيين، فإن كانت غير واجبة
بواحد من الأمرين، فهي شاة لحم، ولا بدل عليه، إلا أن يشاء؛ لأنه قصد التطوع،
فأفسده، فلم يجب عليه بدله، كما لو خرج بصدقة تطوع، فدفعها إلى غير مستحقها،
والحديث يُحمل على أحد أمرين: إما على الندب، وإما على التخصيص بمن وجبت
عليه، بدليل ما ذكرنا ، فأما الشاة المذبوحة فهي شاة لحم، كما وصفها النبي ◌َّر،
ومعناه: يصنع بها ما شاء، كشاةٍ ذبحها للحمها، لا لغير ذلك، فإن هذه إن كانت
واجبة، فقد لزمه إبدالها، وذبح ما يقوم مقامها، فخرجت هذه عن كونها واجبة،
كالهدي الواجب، إذا عطب دون محله، وإن كان تطوعا، فقد أخرجها بذبحه إياها قبل
محلها عن القربة، فبقيت مجرد شاة لحم، ويحتمل أن يكون حكمها حكم الأضحية،
كالهدي إذا عطب، لا يخرج عن حكم الهدي على رواية، ويكون معنى قوله: ((شاة
لحم))، أي في فضلها، وثوابها خاصة، دون ما يصنع بها. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأظهر. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أنه استُدلّ بقوله: ((اذبح مكانها أخرى))، وفي لفظ: ((أَعِد نسكا))، وفي
لفظ: ((ضَحُ بها))، وغير ذلك من الألفاظ المصرحة بالأمر بالأضحية، على وجوب
الأضحية، قال القرطبي في ((المفهم)): ولا حجة في شيء من ذلك، وإنما المقصود بيان
كيفية مشروعية الأضحية، لمن أراد أن يفعلها، أو من أوقعها على غير الوجه المشروع
خطأً، أو جهلاً، فبَيّن له وجه تدارك ما فرّط منه، وهذا معنى قوله: ((لا تجزى عن أحد
بعدك)): أي لا يحصل له مقصود القربة، ولا الثواب، كما يقال في صلاة النفل: لا
تجزى الا بطهارة، وستر عورة، قال: وقد استدل بعضهم للوجوب بأن الأضحية من

٣٣٧
١٧ - (ذَبْحُ الضَّحِيةِ قَبَلَ الإِمام) - حديث رقم ٤٣٩٦
شريعة إبراهيم الخليل، وقد أمرنا باتباعه. ولا حجة فيه؛ لأنا نقول بموجبه، ويُلزمهم
الدليل على أنها كانت في شريعة إبراهيم واجبة، ولا سبيل إلى علم ذلك، ولا دلالة في
قصة الذبيح للخصوصية التي فيها. والله أعلم.
(ومنها): أنَّ فيه أن الإمام يُعلّم الناس في خطبة العيد أحكام النحر. (ومنها): أن فيه
جوازَ الاكتفاء في الأضحية بالشاة الواحدة، عن الرجل وعن أهل بيته، وبه قال
الجمهور، وعن أبي حنيفة، والثوري: يكره، وقال الخطابي لا يجوز أن يضحى بشاة
واحدة عن اثنين، وادعى نسخ ما دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها: ((ضَخى رسول
اللّه وَّر عن نسائه بالبقر»، رواه البخاريّ. وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال.
(ومنها): أن فيه أن العمل وإن وافق نية حسنة، لم يصح إلا إذا وقع على وفق
الشرع. (ومنها): أن فيه جوازَ أكل اللحم يوم العيد، من غير لحم الأضحية؛ لقوله:
((إنما هو لحم قدّمه لأهله)). (ومنها): أن فيه كرم الرب سبحانه وتعالى؛ لكونه شرع
لعبيده الأضحية، مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادخار، ومع ذلك فأثبت لهم
الأجر في الذبح، ثم من تصدق أثيب، وإلا لم يأثم.
(ومنها): أن فيه تخصيصَ أبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية، لكن وقع
في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، ففي حديث عقبة بن عامر، كما
تقدم قريبا: ((ولا رخصة فيها لأحد بعدك))، قال البيهقي: إن كانت هذه الزيادة
محفوظة، كان هذا رخصة لعقبة، كما رخص لأبي بردة. قال الحافظ: وفي هذا الجمع
نظر؛ لأن في كل منهما صيغة عموم فأيُهما تَقَدَّم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني،
وأقرب ما يقال فيه: إن ذلك صَدَرَ لكل منهما في وقت واحد، أو تكون خصوصية
الأول نُسِخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع في السياق
استمرار المنع لغيره صريحا، وقد انفصل ابن التين، وتبعه القرطبي، عن هذا الإشكال
باحتمال أن يكون العتود، كان كبير السن، بحيث يجزيء، لكنه قال ذلك، بناءً على أن
الزيادة التي في آخره، لم تقع له، ولا يتم مراده مع وجودها، مع مصادمته لقول أهل
اللغة في العتود. وتمسك بعض المتأخرين بكلام ابن التين، فضعف الزيادة، وليس
بجيد، فإنها خارجة من مخرج الصحيح، فإنها عند البيهقي، من طريق عبد الله
البوشنجي، أحد الأئمة الكبار في الحفظ والفقه، وسائر فنون العلم، رواها عن يحيى
ابن بكير، عن الليث، بالسند الذي ساقه البخاري، ولكني رأيت الحديث في ((المتفق
للجوزقي))، من طريق عبيد بن عبد الواحد، ومن طريق أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان،
كلاهما عن يحيى بن بكير، وليست الزيادة فيه، فهذا هو السر في قول البيهقي: إن

٣٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
كانت محفوظة، فكأنه لَمّا رأى التفرد، خشي أن يكون دخل على راويها، حديث في
حديث. وقد وقع في كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة، أو خمسة.
واستَشكَلَ الجمعَ، وليس بمشكل، فإن الأحاديث التي وردت في ذلك، ليس فيها
التصريح بالنفي، إلا في قصة أبي بردة في ((الصحيحين))، وفي قصة عقبة بن عامر في
البيهقي، وأما ما عدا ذلك، فقد أخرج أبو داود، وأحمد، وصححه ابن حبان، من
حديث زيد بن خالد: أن النبي ◌َّرَ، أعطاه عتودا جذعا، فقال: ((ضَحِّ به))، فقلت: إنه
جذع، أفأضحي به؟ قال: ((نعم، ضحِّ به))، فضحيت به. لفظ أحمد، وفي ((صحيح ابن
حبان))، وابن ماجه، من طريق عباد بن تميم، عن عويمر بن أشقر، أنه ذبح أضحيته،
قبل أن يغدو يوم الأضحى، فأمره النبي ◌َّير، أن يعيد أضحية أخرى. وفي الطبراني
الأوسط، من حديث ابن عباس: أن النبي وَالر، أعطى سعد بن أبي وقاص جذعا، من
المعز، فأمره أن يُضخّي به. وأخرجه الحاكم، من حديث عائشة، وفي سنده ضعف،
ولأبي يعلى، والحاكم، من حديث أبي هريرة: أن رجلا قال: يا رسول الله، هذا جذع
من الضأن مهزول، وهذا جذع من المعز سمين، وهو خيرهما، أفأضحي به؟، قال:
(ضخّ به، فإن لله الخير)). وفي سنده ضعف.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: والحق أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث، وبين حديثي
أبي بردة، وعقبة؛ لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع
من المعز لا يجزي، واختُصَّ أبو بردة، وعقبة بالرخصة في ذلك، وإنما قلت ذلك؛
لأن بعض الناس، زعم أن هؤلاء شاركوا عقبة، وأبا بردة في ذلك، والمشاركةُ إنما
وقعت في مطلق الإجزاء، لا في خصوص منع الغير.
ومنهم من زاد فيهم: عويمر بن أشقر، وليس في حديثه إلا مطلق الإعادة؛ لكونه
ذبح قبل الصلاة. وأما ما أخرجه ابن ماجه، من حديث أبي زيد الأنصاري: أن رسول
اللّه وَ لّ قال لرجل من الأنصار: ((اذبحها، ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك))، فهذا
يُحمّل على أنه أبو بردة بن نيار، فإنه من الأنصار. وكذا ما أخرجه أبو يعلى،
والطبراني، من حديث أبي جحيفة: أن رجلا ذبح قبل الصلاة، فقال رسول اللّه ◌َلته:
((لا تجزى عنك))، قال: إن عندي جذعة، فقال: ((تجزى عنك، ولا تجزي بعدُ))، فلم
يثبت الإجزاء لأحد، ونفيه عن الغير، إلا لأبي بردة، وعقبة، وإن تعذر الجمع الذي
قدمته، فحديث أبي بردة أصح مخرجا. والله أعلم.
قال الفاكهي: ينبغي النظر في اختصاص أبي بردة بهذا الحكم، وكشف السر فيه.
وأجيب بأن الماوردي قال: إن فيه وجهين: [أحدهما] : أن ذلك كان قبل استقرار

١٧ - (ذَبْحُ الضَّحِيةِ قَبَلَ الإِمَام) - حديث رقم ٤٣٩٦
٣٣٩ =
الشرع، فاستثنى. [والثاني] : أنه عَلِمَ من طاعته، وخلوص نيته ما ميزه عمن سواه.
قال الحافظ: وفي الأول نظر؛ لأنه لو كان سابقا، لامتنع وقوع ذلك لغيره، بعد
التصريح بعدم الإجزاء لغيره، والفرض ثبوت الإجزاء لعدد غيره، كما تقدم. انتهى
كلام الحافظ في ((الفتح)) ١٢٩/١١ - ١٣٠.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا البحث الذي تقدّم من الحافظ بحث نفيسٌ جدًا،
وخلاصته أن الجذع من الضأن لا يُجوز التضحية به، إلا لمن خصّه الشارع، وهما أبو
بُردة بن نيار، وعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهما، ومن عداهما ممن رُوي أنه وَّل
أمره أن يُضحّي بالجذع، فمحمول على ما قبل استقرار النهي عن التضحية به. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت الأضحيّة:
ذهبت طائفة إلى أنه إذا مضى من نهار يوم العيد، قدر ما تَحِلّ فيه الصلاة، وقدر
الصلاة والخطبتين تامتين، في أخف ما يكون، فقد دخل وقت الذبح، ولا يعتبر نفس
الصلاة، لا فرق في هذا بين أهل المصر وغيرهم، وهذا مذهب الشافعي، وابن المنذر.
وذهبت طائفة إلى أن من شرط جواز التضحية، في حق أهل المصر، صلاةً الإمام،
وخطبَتَهُ، رُوي نحوُ هذا عن الحسن، والأوزاعي، ومالك، وأبي حنيفة، وإسحاق،
وهو ظاهر كلام أحمد؛ لما رَوَى جندبُ بن عبدالله البجلي: أن النبي وَّ قال: ((من
ذبح قبل أن يصلي، فليُعِد مكانها أخرى)). وعن البراء، قال: قال رسول اللّه وَلّر: ((من
صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي، فليُعِد
مكانها أخرى))، متفق عليه، وفي لفظ قال: ((إن أول نسكنا، في يومنا هذا الصلاةُ، ثم
الذبح، فمن ذبح قبل الصلاة، فتلك شاة لحم قدمها لأهله، ليس من النسك في شيء))،
وظاهر هذا اعتبار نفس الصلاة.
وذهب عطاء إلى أن وقتها إذا طلعت الشمس؛ لأنها عبادة، يتعلق آخرها بالوقت،
فتلعق أولها بالوقت، كالصيام.
وقال أبو حنيفة: أول وقتها في حقهم، إذا طلع الفجر الثاني؛ لأنه من يوم النحر،
فکان وقتها منه كسائر اليوم.
قال ابن قدامة: والصحيح - إن شاء اللّه تعالى- أن وقتها، في الموضع الذي يُصَلَّى
فيه بعد الصلاة؛ لظاهر الخبر، والعمل بظاهره أولى، فأما غير أهل الأمصار والقرى،
فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة، والخطبة بعد الصلاة؛ لأنه لا صلاة في حقهم تعتبر،
فوجب الاعتبار بقدرها.

٣٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَایَا
قال ابن قدامة: فإن لم يصل الإمام في المصر لم يجز الذبح، حتى تزول الشمس؛
لأنها حينئذ تسقط، فكأنه قد صَلَّى، وسواء ترك الصلاة عمدا، أو غير عمد؛ لعذر أو
غيره.
فأما الذبح في اليوم الثاني، فهو في أول النهار؛ لأن الصلاة فيه غير واجبة، ولأن
الوقت قد دخل في اليوم الأول، وهذا من أثنائه، فلا تعتبر فيه صلاة ولا غيرها، وإن
صلى الإمام في المصلَّى، واستخلف من صلى في المسجد، فمتى صَلَّوا في أحد
الموضعين، جاز الذبح؛ لوجود الصلاة التي يَسقُط بها الفرض، عن سائر الناس، فإن
ذبح بعد الصلاة قبل الخطبة، أجزأ في ظاهر كلام أحمد؛ لأن النبي ◌َّ عَلَّق المنع على
فعل الصلاة، فلا يتعلق بغيره، ولأن الخطبة غير واجبة، وهذا قول الثوري. انتهى
المقصود من كلام ابن قدامة باختصار، وتصرّف.
وقال في ((الفتح)) -عند قوله: ((فلا يذبح، حتى ينصرف)) -: ما نصّه: تمسك به
الشافعية في أن أول وقت الأضحية قدر فراغ الصلاة والخطبة؛ وإنما شرطوا فراغ
الخطيب؛ لأن الخطبتين مقصودتان مع الصلاة، في هذه العبادة، فيعتبر مقدار الصلاة
والخطبتين على أخف ما يجزي بعد طلوع الشمس، فإذا ذبح بعد ذلك أجزأه الذبح عن
الأضحية، سواء صلى العيد أم لا، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا، ويستوي في ذلك
أهل المصر والحاضر والبادي. ونقل الطحاوي عن مالك، والأوزاعي، والشافعي: لا
تجوز أضحية قبل أن يذبح الإمام، وهو معروف عن مالك، والأوزاعي، لا الشافعي.
قال القرطبي: ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعي،
أن من لا صلاة عيد عليه، مخاطب بالتضحية، حمل الصلاة على وقتها. وقال أبو
حنيفة، والليث: لا ذبح قبل الصلاة، ويجوز بعدها، ولو لم يذبح الإمام، وهو خاص
بأهل المصر، فأما أهل القرى والبوادي، فيدخل وقت الأضحية في حقهم، إذا طلع
الفجر الثاني. وقال مالك: يذبحون إذا نحر أقرب أئمة القرى إليهم، فإن نحروا قبلُ
أجزأهم. وقال عطاء، وربيعة: يذبح أهل القرى بعد طلوع الشمس. وقال أحمد،
وإسحاق: إذا فرغ الإمام من الصلاة، جازت الأضحية، وهو وجه للشافعية، قويّ من
حيث الدليل، وإن ضعفه بعضهم، ومثله قول الثوري: يجوز بعد صلاة الإمام، قبل
خطبته، وفي أثنائها، ويحتمل أن يكون قوله: ((حتى ينصرف))، أي من الصلاة، كما في
الروايات الأخر، وأصرح من ذلك: ما وقع عند أحمد، من طريق يزيد بن البراء، عن
أبيه، رفعه: إنما الذبح بعد الصلاة، ووقع في حديث جندب، عند مسلم: ((من ذبح
قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى))، قال ابن دقيق العيد: هذا اللفظ أظهر في اعتبار