النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١ ==
١٦- (الرُّخْصَةُ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ) - حديث رقم ٤٢٩٧
المصّيصيّ، ثقة [١١] ٦٤/٥١. و((حجاج بن محمد)): هو المصّيصيّ الأعور. و((أبو
الزبير)): هو محمد بن مسلم بن تدرس.
وقوله: ((عن ثمن السّنّور)) - بكسر السين المهملة، وتشديد النون، وسكون الواو،
آخره راء -: الهِرّ، والأنثى سِنَّوْرة. قال ابن الأنباريّ: وهما قليل في كلام العرب،
والأكثر أن يقال: هِرٍّ، وضَيْوَنٌ، والجمع سَنَانير. ذكره الفيوميّ.
وقوله (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه اللَّه تعالى (وَحَدِيثُ حَجَّاج) بن
محمد الأعور (عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَّمَةَ، لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ) وفي الرواية الآتية في (البيوع)):
قال أبو عبد الرحمن: هذا منكر. انتهى.
وإنما ضعّفه المصنف رحمه الله تعالى؛ لتفرّد حماد بن سلمة بذكر الاستثناء، فقد
أخرج الحديث مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) من طريق الحسن بن أعين، عن
معقل بن عُبيد الله، عن أبي الزبير، بدون ذكر الاستثناء، ولفظه: قال: سألت جابرًا عن
ثمن الكلب والسنّور؟ قال: زجر النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم عن ذلك. انتهى،
فقد خالف حمادًا معقلُ بن عبيد الله، وأخرج الحديث أبو داود، والترمذيّ من طريق
الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر رضي اللّه تعالى عنه، بدون ذكر الاستثناء،
ولفظه: ((أن النبيّ، وفي رواية أن رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم نَّى عن ثمن
الكلب، والسنّور))، فتبيّن بهذ أن المحفوظ من حديث جابر رضي الله تعالى عنه عدم
ذكر الاستثناء .
[فإن قلت] : لم ينفرد حماد بن سلمة، فقد أخرجه أحمد في ((مسنده)) من طريق
الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: ((نهى رسول الله
وَّر، عن ثمن الكلب، إلا الكلب المعلم)).
[قلت] : هذه المتابعة لا تنفع شيئًا؛ لأن الحسن بن أبي جعفر ضعّفه الأئمة، فقد
ضعّفه أحمد، وفي رواية تركه، وقال ابن المدينيّ: تِهِمُ في الحديث، وقال البخاريّ:
منكر الحديث، وقال أبو داود: ضعيف، وقال أبو زرعة الرازيّ: ليس بالقويّ في
الحديث. وقال في ((التقريب)): ضعيف الحديث، مع عبادته وفضله.
والحاصل أن حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا بذكر استثناء كلب الصيد
ضعيف(١)؛ لما ذكرنا، وبدونها صحيح، كما أخرجه مسلم في ((صحيحه))، و((أبو داود
في ((سننه))، والترمذيّ في ((جامعه)). والله تعالى أعلم.
(١) وقد صححه الشيخ الألباني في ((صحيح النسائيّ)، ولم يذكر مستنده، والله تعالى أعلم.

١٤٢
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)): وَأَمَّا النَّهْي عَن ثَمَن
السِّنَّوْر، فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ نُهُي تَنْزِيه، حَتَّى يَعْتَادِ النَّاس هِبَته،
وَإِعَارَتِهِ، وَالسَّمَاحَة بِهِ، كَمَا هُوَ الْغَالِبِ. فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْفَعِ، وَبَاعَهُ صَحَّ الْبَيْعِ، وَكَانَ
ثَمَنه حَلَالا. هَذَا مَذْهَبِنَا، وَمَذْهَب الْعُلَمَاءِ كَافَّة، إِلَّ مَا حَكَى ابْنِ الْمُنْذِر عَن أَبِي هُرَيْرَة،
وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِد، وَجَابِرِ بْن زَيْد، أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْعه، وَاحْتَجُوا بِالْحَدِيثِ. وَأَجَابَ
الْجُمْهُورِ عَنْهُ، بِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَهَذَا هُوَ الْجَوَابِ الْمُعْتَمَّد.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيّ، وَأَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ، مِنْ أَنَّ الْحَدِيثِ فِي النَّهِي عَنْهُ
ضَعِيف، فَلَيْسَ كَمَا قَالَا، بَلْ الْحَدِيثِ صَحِيحِ، رَوَاهُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ. وَقَوْل ابْن عَبْد الْبَرّ:
إِنَةً لَمْ يَزْوِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ غَيْرِ حَمَّاد بْنِ سَلَمَةٍ غَلَطْ مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا قَدْ رَوَاهُ فِي
((صَحِيحِهِ)) كَمَا تَرَى مِنْ رِوَايَة مَعْقِل بْن عُبَيْدِ اللَّه، عَن أَبِي الزُّبَيْرِ، فَهَذَانِ ثِقَتَانِ رَوَيَاهُ عَن
أَبِي الزُّبَيْرِ، وَهُوَ ثِقَة أَيْضًا. وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: بل رواه أيضًا عن جابر أبو سفيان/ طلحة بن نافع
عند أبي داود، والترمذيّ، كما تقدّم.
وعندي أن ما ذهب إليه أبو هريرة، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد من عدم
جواز بيعه أرجح؛ لصحة حديث جابر المذكور. والله تعالى أعلم.
وهذا الحديث بذكر الاسثناء من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى أخرجه هنا-١٦/
٤٢٩٧ وفي (البيوع)) ٤٦٦٨/٩١- وفي ((الكبرى)) ١٧/ ٤٨٠٦ و٦٢٦٤/٩٣. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٩٨- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَوَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَن أَبِي
مَالِكِ، عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَن أَبِيهِ، عَنِ جَدْهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَِّيِّ نَِّ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي كِلَابَا مُكَلََّةً، فَأَفْتِي فِيهَا؟ قَالَ: ((مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كِلَابُكَ فَكُلْ))،
قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟، قَالَ: ((وَإِنْ قَتَلْنَ))، قَالَ: أَفْتِي فِي قَوْسِي؟ قَالَ: ((مَا رَدَّ عَلَيْكَ
سَهْمُكَ فَكُلْ))، قَالَ: وَإِنْ تَغَيِّبَ عَلَيَّ؟ قَالَ: ((وَإِنْ تَغَيِّبَ عَلَيْكَ، مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَهْم،
غَيْرِ سَهْمِكَ، أَوْ تَجِدْهُ قَدْ صَلَّ)) - يَعْنِي قَدْ أَنْتَنَ - قَالَ ابْنُ سَوَاءٍ: وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي مَالِكِ،
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْتَسِ، عَنِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَن أَبِيهِ، عَنِ جَدِّهِ، عَنِ النِّيِّ وَِّ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يترجم
(١) ((شرح مسلم)) ١٠ / ٤٧٧ -٤٧٨.
-

١٤٣
١٦ - (الرُّخْصَةُ فِي ثَمَن الكَلْبِ) - حديث رقم ٤٢٩٨
هنا، كما فعل في ((الكبرى))، حيث ترجم فيها بقوله: ((باب رمي الصيد»، وذلك لأن
هذا الحديث لا يطابق الترجمة السابقة، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي البصري، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤.
٢- (ابن سواء) هو محمد بن سواء -بتخفيف الواو، والمدّ- السدوسيّ الْعَنبريّ، أبو
الخطّاب البصريّ المكفوف، صدوقٌ، رُمي بالقدر [٩] ١٩٩٣/٧٨.
٣- (سعيد) بن أبي عروبة مهران، أبو النضر البصري، ثقة ثبت، يدلس، واختلط
بآخره [٦] ٣٨/٣٤.
٤- (أبو مالك) عبيد الله بن الأخنس النخعيّ الْخَزّاز - بمعجمات- الكوفي،
صدوق، قال ابن حبّان: كان يُخطىء كثيرًا [٧] ١٦٨٦/٣٢.
٥- (عمرو بن شعيب) المدني، أو الطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٦ - (أبوه) شعيب بن محمد الطائفي، صدوق [٣] ١٠٥ /١٤٠.
٧- (جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
موثّقون. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى سعيد، وعبيد الله كوفي، والباقون
طائفيون. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها):
أنه اختلف في الاحتجاج بعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، والأصح صحة
الاحتجاج به، وقد تقدم غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَن أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَن جَدِهِ) الأصح أن الضمير
الشعيب، أي عن جدّ شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما
(أَنَّ رَجُلا) هذا الرجل هو أبو ثعلبة الْخَشَنيّ رضي اللّه تعالى عنه، فقد جاء مبيّنًا في
رواية أحمد في ((مسنده)) من طريق عبد الوارث بن سعيد، وأبي داود من طريق يزيد بن
زُريع، كلاهما عن حبيب المعلّم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن أعرابيا،
يقال له: أبو ثعلبة، قال: يا رسول اللَّه، إن لي كلابا مُكَلَّةً، فأفتني في صيدها؟ فقال
النبي ◌َّر: ((إن كان لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك))، قال ذَكِيّا أو غير

١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
ذَكِيّ؟، قال: ((نعم))، قال: فإن أكل منه؟ قال: ((وإن أَكَلَ منه؟))، فقال: يا رسول الله،
أفتني في قوسي؟، قال: ((كُلْ ما ردت عليك قوسك))، قال: ذَكِيًّا، أو غير ذكي؟ قال:
وإن تغيب عني؟ قال: ((وإن تغيب عنك، ما لم يَصِلَّ، أو تجد فيه أثرا غير سهمك))،
قال: أفتني في آنية المجوس إن اضطررنا إليها؟ قال: ((اغسلها، وكُلْ فيها)). وقد
تقدّمت قصّة أبي ثعلبة عند المصنّف في -٤٢٦٨/٤- من رواية أبي إدريس الخولانيّ،
عنه (أَتَى النَّبِيِّ نَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي كِلَابَا مُكَلَّبَةً) - بتشديد اللام -: اسم
مفعول من كلّبته تكليبًا: إذا علّمته الصيد. قاله الفيّوميّ. وقا ابن الأثير: الْمُكَلَّةُ: هي
المسلَّطة على الصيد المعَوَّدة بالاصطياد، والتي قد ضَرِيت به. انتهى (١) (فَأَفْتِنِي فِيهَا؟)
بفتح الهمزة، من الإفتاء رباعيّا: يقال: أفتى العالم: إذا بيّن الحكم. قاله الفيّومي.
والمعنى هنا: بيّن لي حكمها (قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كِلَابُكَ
فَكُلْ) الأمر فيه للإباحة (قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟) جواب ((إن)) دلّ عليه ما قبله: أي يؤكل؟))
(قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (وَإِنْ قَتَلْنَ) أي يؤكل (قَالَ) ذلك الرجل (أَفْتِي فِي
قَوْسِي؟) أي أفتني في حكم ما اصطدته بقوسي (قَالَ: ((مَا رَدَّ عَلَيْكَ سَهْمُكَ فَكُلْ))،
قَالَ: وَإِنْ تَغَيِّبَ عَلَيَّ؟ قَالَ: ((وَإِنْ تَغَيِّبَ عَلَيْكَ، مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَهْم، غَيْرِ سَهْمِكَ)
بجرّ ((غير)) صفة (سهم)) (أَوْ تَجِدْهُ قَدْ صَلَّ))) -بتشديد اللام- يقال: صلّ اللحم،
صُلُولًا، من باب قعد: إذا أنتن، كأصلّ بالهمز، لغتان. وقوله (يغْنِي قَدْ أَنْتَنَ) تفسير من
بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟ (قَالَ) محمد (ابْنُ سَوَاءٍ: وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي مَالِكِ،
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخَسِ) بالجرّ بدل من أبي مالك (عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَن أَبِيهِ، عَن
جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيّ ◌َِّةِ) والمعنى: أن محمد بن سواء سمع هذا الحديث من أبي مالك
مباشرة، كما سمعه بواسطة سعيد بن أبي عروبة، عنه، والظاهر أنه سمعه أوّلًا عن
سعيد، عنه، ثم لقيه، فسمعه منه، ويحتمل أن يكون سمعه من أبي مالك أوّلًا، ثم ثبّته
سعيد بعد ذلك، وهذا كثير في روايات الثقات، ولا يضرّ ذلك بصحة الحديث. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح، ولم ينفرد به عبيد الله
ابن الأخنس، عن عمرو، بل تابعه حبيبٌ المعلّم، عن عمرو، كما تقدّم في رواية
(١) ((النهاية)) ٤ / ١٩٥.

١٤٥
١٧ - (الإِنْسِيَةُ تَسْتَوْحِشُ) - حديث رقم ٤٢٩٩
أحمد، وأبي داود. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٤٢٩٨/١٦ و(البيوع)) ٤٦٧٠ - وفي ((الكبرى)) وأخرجه (د) في ((الصيد))
٢٨٥٧ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٦٨٦ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فى فوائده:
(منها): جواز الصيد بالكلاب المعلّمة. (ومنها): جواز أكل الصيد الذي قتله الكلب،
ولا يشترط إدراكه، وذبحه. (ومنها): جواز الاصطياد بالقوس، ونحوها، مما هو محددٌ،
يقتل بحدّه. (ومنها): جواز أكل الصيد الذي غاب عن صاحبه بعد أن أصابه بسهمه، إذا لم
يجد فيه أثر سهم غير سهمه، وسيأتي اختلاف العلماء في مسألة الصيد الذي يغيب عن
صاحبه، بعد بابين، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن ظاهر هذا الحديث يدلّ على عدم أكل
الصيد الذي غاب، إذا وجده بعد أن أنتن، وفيه اختلافٌ بين العلماء، سيأتي تحقيقه بعد ثلاثة
أبواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٧ - (الإِنْسِيَّةُ تَسْتَوحِشُ)
أي هذا ذكر الحديث الدّالّ على حكم البهائم الإنسيّة تستوحش: أي تصير وحشيّةً،
أي التي لا تألَفُ البيوت بعد أن كانت آلفة لها.
قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: وفي الحديث: ((نَّى عن الحمر الإنسيّة يوم خيبر))
يعني التي تألف البيوت، والمشهور فيها كسر الهمزة، منسوبة إلى الإنس، وهم بنو
آدم، الواحد إنسيّ، وفي كتاب أبي موسى ما يدلّ على أن الهمزة مضمومة، فإنه قال:
هي التي تألَف البيوت، والأنسُ، وهو ضدّ الوحشة، والمشهور في ضدّ الوحشة الأنسُ
بالضمّ، وقد جاء فيه الكسر قليلًا. قال: ورواه بعضهم بفتح الهمزة والنون، وليس
بشيء. قال ابن الأثير: إن أراد أن الفتح غير معروف في الرواية، فيجوز، وإن أراد أنه
ليس بمعروف في اللغة فلا، فإنه مصدر أَنِست به آنَسُ أَنَسّا، وأَنَسَةٌ. انتهى كلام ابن
الأثير(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
-
(١) ((النهاية)) ٧٤/١-٧٥.

١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
٤٢٩٩- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَن زَائِدَةَ، عَنِ
سَعِيدِ ابْنِ مَسْرُوقٍ، عَن عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَن رَافِعِ بْنِ خَدِيجِ، قَالَ: بَيْثَمَا نَحْنُ
مَعَ رَسُولِ اللّهِ بِّهِ فِي ذِي الْحُلَّيْفَةِ، مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابُوا إِبِلاَ وَغَنَمَا، وَرَسُولُ اللَّهِ وَلِّ،
فِي أُخْرِيَاتِ الْقَوْمِ، فَعَجَّلَ أَوَّلُهُمْ، فَذَبَحُوا، وَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَدُفِعَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ
وَ﴿، فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ، فَأَكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَّمَ بَيْنَهُمْ، فَعَدَلَ عَشْرًا مِنْ الشَّاءِ بِبَعِيرٍ، فَبَيْنَمَا هُمْ
كَذَلِكَ، إِذْ نَذَّ بَعِيرٌ، وَلَيْسَ فِي الْقَوْمِ إِلَّا خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَطَلَبُوهُ، فَأَعْتَاهُمْ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ
بِسَهْمِ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَ: ((إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ، كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا
غَلَيَكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الروهاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ .
٢- (حسين بن عليّ) الجعفيّ الكوفيّ الثقة العابد المقرىء [٩] ٩١/٧٤ .
٣- (زائدة) بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت [٧٤/ ٩١.
٤- (سعيد بن مسروق) بن حبيب الثوريّ، والد سفيان، ثقة [٦] ١١٢١/١٥٣.
٥- (عباية بن رفاعة) الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو رفاعة المدنيّ، ثقة [٣] ٣١١٦/٩.
٦ - (رافع بن خَدِيج) الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ، صحابيّ جليلٌ، أولُ مشاهده أُحدٌ، ثم
الخندق، مات سنة (٣) أو (٧٤) وقيل: قبل ذلك ١١٢/ ١٥٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيحن غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سعيد بن
مسروق، غير شيخه، فرُهاويّ، ورفاعة، ورافع مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية الابن
عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن سَعِيد بْنِ مَسْرُوق) هُوَ الثَّوْرِيّ الكوفيّ وَالِد سُفْيَان، قال في ((الفتح)): وَمَدَارُ هَذَا
الْحَدِيثِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ) عَلَيْهِ (عَن عَبَايَة بن رفاعة بن رافع) - بِفَتْح عين عَباية، وَتَخَفِيف
الْمُؤَخَّدَةِ، وَبَعْدِها أَلِفِ تَحَتَانِيَّة (عَن رَافِعِ بْنِ خَدِيج) وفي رواية البخاريّ: ((عن جدّه رافع
ابن خَدِيج))، قال في ((الفتح)): كَذَا قَالَ أَكْثَرِ أَصْحَاب سَعِيد بْنِ مَسْرُوق عَنْهُ (١)، وَقَالَ
(١) فقد رواه عن سعيد بإسقاط ((عن أبيه)) سبعة من الحفاظ، وهم: ولد سفيان الثوريّ عند البخاري،
وولده الآخر عمر بن سعيد عند مسلم وغيره، وأبو عوانة عند البخاري، وشعبة بن الحجاج =

١٤٧=
١٧ - (الإنْسِيَةُ تَسْتَوْحِشُ) - حديث رقم ٤٢٩٩
أَبُو الْأَخْوَص: ((عَن سَعِید، عَن عَبَايَةِ، عَن أَبِهِ، عَن جَدّه))، وَلَيْسَ لِرِفَاعَة بْن رَافِع ذِكْر
فِي كُتُبِ الْأَقْدَمِينَ، مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الرِّجَالِ(١)، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا وَلَدَه عَبَايَةِ بْنِ رِفَاعَة، نَعَمْ
ذَكَّرَهُ ابْنِ حِبَّان فِي ثِقَات النَّابِعِينَ، وَقَالَ: إِنَةً يُكْنَى أَبَا خَدِيجِ، وَتَابَعَ أَبَا الْأَخْوَص عَلَى
زِيَادَته فِي الْإسْنَادِ حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيم الْكَرْمَانِيُّ، عَنِ سَعِيد بْن مَسْرُوق، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ
مِنْ طَرِيقه، وَهَكَذَا رَوَاهُ لَيْثِ بْن أَبِي سُلَيْم، عَن أَبِي سُلَيْم، عَن عَبَايَةٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن
جَدّه. قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي ((الْعِلَلِ))، قَالَ: وَكَذَا قَالَ مُبَارَكُ بْنُ سَعِيدِ الثَّوْرِيّ، عَن أَبِهِ.
وَتُعُقْبَ بِأَنَّ الطَّبَرَانِيّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق مُبَارَكُ، فَلَمْ يَقُلْ فِي الْإِسْنَادِ: ((عَنْ أَبِهِ)، فَلَّعَلَّهُ
اخْتُلِفَ عَلَى الْمُبَارَكَ فِيهِ، فَإِنَّ الدَّارَقُطْنِيّ لَا يَتَكَلَّم فِي هَذَا الْفَنّ جِزَافًا، وَرِوَايَةٍ لَيْث بْنِ
أَبِي سُلَيْمِ عِنْدِ الطَّبَرَانِيّ، وَقَدْ أَغْفَلَ الدَّارَقُطْنِيُّ ذِكْر طَرِيقَ حَسَّان بْن إِبْرَاهِيمِ، قَالَ
الْجَيَّنِيّ:َ رَوَى الْبُخَارِيّ حَدِيث رَافِعٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَخْوَصِ، فَقَالَ: ((عَن سَعِيد بْن
مَسْرُوق، عَن عَبَايَةِ بْنِ رَافِعٍ، عَن أَبِهِ، عَن جَدّه))، هَكَذَا عِنْد أَكْثَرِ الرُّوَاة، وَسَقَطَ قَوْله:
((عَنْ أَبِهِ)) فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيَ بْنِ السَّكْنِ، عِنْدِ الْفَرَبْرِيّ وَحْده، وَأَظُنَّهُ مِنْ إِصْلَاحِ ابْن
السَّكَنْ، فَإِنَّ ابْنِ أَبِي شَيْبَة، أُخْرَجَهُ عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، بِإِثْبَاتِ قَوْله: ((عَنْ أَبِهِ))، ثُمَّ قَالَ
أَبُو بَكْر: لَمْ يَقُلْ أَحَدٍ فِي هَذَا السَّنَد ((عَنْ أَبِهِ)) غَيْرُ أَبِي الْأَخْوَص. انتهى. وَقَدْ تقَدَّم آنفًا
مِن تَابَعَ أَبَا الْأَخْوَصِ عَلَى ذَلِكَ، فلا تغفل.
ثُمَّ نَقَّلَ الْجَيَّانِيّ، عَن عَبْدِ الْغَنِيَ بْنِ سَعِيد، حَافِظ مِصْر، أَنَّهُ قَالَ: خَرَّجَ الْبُخَارِيّ هَذَا
الْحَدِيث، عَن مُسَدَّد، عَن أَبِي الْأَخْوَصِ عَلَى الصَّوَابِ، يَعْنِي بِإِسْقَاطِ ((عَنْ أَبِيهِ»، قَالَ:
وَهُوَ أَضْلٌ يَعْمَلِ بِهِ مَنْ بَعْد الْبُخَارِيّ، إِذَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ خَطَأْ، لَا يُعَوَّل عَلَيْهِ، قَالَ:
وَإِنَّمَا يَحْسُنْ هَذَا فِي النَّقْص، دُون الزِّيَادَةِ، فَيُحْذَفِ الْخَطَأ. قَالَ الْجَيَّانِيّ: وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ
عَبْد الْغَنِيّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَن، ظَنَّا مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْبُخَارِيّ، وَلَيْسَ
كَذَلِكَ؛ لِمَا بَيَّنَا أَنَّ الأَكْثَرِ رَوَوْهُ عَنِ الْبُخَارِيّ بِإِثْبَاتِ قَوْله: ((عَنْ أَبِهِ)). انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن رواية أبي الأحوص بزيادة ((عن
أبيه)) غير محفوظة؛ لمخالفته الحفاظ الذين رووه عن سعيد بن مسروق، بدونها، فقد
رواه عن سعيد سبعة من الحفاظ، وهم: ولده سفيان الثوريّ عند البخاري ٢٥٠٧
= عند البخاري، ومسلم، وغيرهما، وعمر بن عُبيد الطنافسي عند البخاري، وإسماعيل بن
مسلم العبدي عند مسلم، وزائدة بن قدامة عند مسلم وغيره. انظر ما كتبه بشار عواد، وشعيب
الأرنؤوط على ((التقريب)) ج١/ ص٤٠٢-٤٠٣ ..
(١) انتقد بعضهم على الحافظ هذا الكلام، فقال: ما ملخصه: بل ترجمه ابن سعد في ((الطبقات)) ٥٪
٢٥٧ وخليفة بن خياط في ((طبقاته)) ٢٥٠ وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)). انتهى.

١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
و٥٥٠٦ و٥٥٠٩ ومسلم ١٩٦٨ (٢٠) و(٢١) وغيرهما، وولده الآخر عمر بن سعيد
عند مسلم ١٩٦٨ (٢٢) وغيره، وأبو عوانة عند البخاري ٢٤٨٨ و٣٠٧٥ و٥٤٩٨،
وشعبة بن الحجاج عند البخاري ٥٥٠٣، ومسلم ١٩٦٨، وغيرهما، وعمر بن عُبيد
الطنافسي عند البخاري ٥٥٤٤، وإسماعيل بن مسلم العبدي عند مسلم ١٦٦٨، وزائدة
ابن قدامة عند مسلم ١٩٦٨ (٢٢) وغيره. انظر ما كتبه بشار عواد، وشعيب الأرنؤط
على ((التقريب)) ج١ / ص٤٠٢ - ٤٠٣.
والحاصل أن الرواية المحفوظة هي رواية هؤلاء الجماعة عن سعيد بن مسروق، عن
عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج، كما هي رواية المصنف هنا. والله تعالى أعلم.
(قَالَ) رافع رضي اللَّه تعالى عنه (بَيْتَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ، فِي ذِي الْحُلَيْفَةِ) هو
مكان غير ميقات أهل المدينة؛ لأن الميقات في طريق الذاهب من المدينة، ومن الشام
إلى مكّة، وهذه بالقرب من ذات عرق، بين الطائف ومكة، وكذا جزم به أبو بكر
الحازميّ، وياقوت. ووقع للقابسيّ أنها الميقات المشهور، وَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيّ، قَالُوا:
وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدِ رُجُوعِهِمْ مِنْ الطَّائِف، سَنَّ ثَمَانٍ. قاله في ((الفتح)) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزاه في ((الفتح)) إلى النوويّ، والذي ذكره في شرحه
على مسلم هو الأول، ونصّه: قال العلماء: ذو الحليفة هذه مكان من تهامة بين حاذة (١) وذات
عرق، وليست بذي الحليفة التي هي ميقات أهل المدينة. هكذا ذكره الحازميّ، في كتابه
((المؤتلف، في أسماء الأماكن))، لكنه قال: ((الحليفة)) من غير لفظ ((ذي))، والذي في
((صحيح البخاري ومسلم)) بذي الحليفة))، فكأنه يقال: بالوجهين. انتهى (٢).
(مِنْ تَامَةَ) اسْمَ لِكُلِّ مَا نَزَلَ مِنْ بِلَادِ الْحِجَاز، سُمِّيَتْ بِذَلِك؛ مِنْ التَّهَم - بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة
وَالْهَاء- وَهُوَ شِدَّةِ الْحَرّ، وَرُكُودِ الرِّيحِ. وَقِيلَ: تَغَيُرِ الْهَوَاء. قاله في ((الفتح)). وقال
الفيّوميّ: تَهِمَ البنُ، واللحمُ تَّمًا، من باب تَعِبَ: تغيّر، وأنتن، وتَهِمَ الحرُّ: اشتدّ مع
رُكُود الريح، ويقال: إنّ تهامة مُشتقّةٌ من الأوّل؛ لأنها انخفضت عن نجد، فتغيّرت
ريحها، ويُقال: من المعنى الثاني؛ لشدّة حرّها، وهي أرضّ أوّلُها ذات عِرْقٍ من قِبَل
نجد إلى مكة، وما وراءها بمرحلتين، أو أكثر، ثمّ تتصل بالْغَوْر، وتأخذ إلى البحر،
ويقال: إن تهامة تتصل بأرض اليمن، وإنّ مكة من تهامة اليمن، والنسبة إليها تَّاميّ،
وَّام أيضًا - بالفتح- وهو من تغييرات النسب. قال الأزهريّ: رجلٌ تَّام، وامرأةٌ
تَّامِيَةٌ، مثلُ رَبَاعِ ورَبَاعِيَةٍ. انتهى كلام الفيّوميّ.
(١) هكذا نسخة النوويّ، ولم أجد له معنى، فليُحرّر.
(٢) (شرح مسلم)) ١٢٨/١٣.
1

١٤٩
١٧ - (الإنْسِيَةُ تَسْتَوْحِشُ) - حديث رقم ٤٢٩٩
(فَأَصَابُوا إِيلًا وَغَنَمًا) ولفظ البخاريّ: ((فأصاب الناسَ جوع، فأصبنا إبلًا وغنمًا)).
قال في ((الفتح)): كأن الصحابيّ قال هذا ممهّدًا لعذرهم في ذبحهم الإبل، والغنم التي
أصابوا. وفي رواية: ((وتقدّم سَرَعان الناس، فأصابوا من المغانم))، وفي رواية: ((فأصبنا
نُّب إبل وغنم)) (وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْم) جمعٍ أخرىٍ، وفي رواية: ((في آخِر
الناس))، وَكَانَ بَّه يَفْعَلِ ذَلِكَ؛ صَوْنًا لِلْعَسْكَرِ، وَحِفْظًا؛ لِأَنَةً لَوْ تَقَدَّمَهُمْ لَخَشِيَ أَنْ
يَنْقَطِعِ الضَّعِيف مِنْهُمْ دُونه، وَكَانَ حِرْصِهِمْ عَلَى مُرَافَقَته شَدِيدًا، فَيَلْزَم مِنْ سَيْره فِي مَقَام
السَّاقَة، صَوْن الضُّعَفَاء؛ لِوُجُودٍ مَنْ يَتَأَخّر مَعَهُ قَصْدَا مِنْ الأَقْوِيَاءِ.
(فَعَجَّلَ أَوَّلُهُمْ، فَذَبَحُوا، وَنَصَبُوا الْقُدُورَ) يَعْنِي مِنْ الْجُوعِ الَّذِي كَانَ بِهِمْ،
فَاسْتَعْجَلُوا، فَذَبَحُوا الَّذِي غَنِمُوهُ، وَوَضَعُوهُ فِي الْقُدُورِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ: ((فَانْطَلَقَ
نَاس، مِنْ سَرَعَانِ النَّاسِ، فَذَبَحُوا، وَنَصَبُوا قُدُورهمْ، قَبْل أَنْ يُقْسَم)) . وَفِي رِوَايَة :
(فَأَغْلَوْا الْقُدُورِ)): أَيْ أَوْقَدُوا النَّارِ تَحَتَهَا، حَتَّى غَلَتْ (فَدُفِعَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ) ((دُفِعَ)
- بِضَمْ أَوَّله، عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ زَائِدَة،
عَن سَعِيد بْن مَسْرُوقَ: ((فَانْتَهَى إِلَيْهِمْ))، أَخْرَجَهُ الطَبَرَانِيُّ.
(فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ، فَأَكْفِئَتْ) -بِضَمِّ الْهَمْزَة، وَسُكُون الْكَافِ- أَنْ قُلِيَتْ، وَأُفْرِغَ مَا فِيهَا.
قال المجد: كفأه، كمنعه: صرفه، وكبّه، وقَلَبه، كأكفأه، واكتفاه. انتهى.
قال في ((الفتح)): وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْمَكَانِ فِي شَيْئَيْنِ :
[أَحَدهما]: سَبَب الْإِرَاقَة، [وَالثَّانِي]: هَلْ أَتْلِفَ اللَّخَم أَمْ لَا؟، فَأَمَّا الْأَوَّل فَقَالَ
عِيَاض: كَانُوا انْتَهَوْا إِلَى دَار الْإِسْلَامِ، وَالْمَحَلِّ الَّذِي لَا يَجُوز فِيهِ الْأَكْلِ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَة
الْمُشْتَرَكَةِ، إِلا بَعْد الْقِسْمَةِ، وَأَنَّ مَحَلّ جَوَاز ذَلِكَ قَبْلِ الْقِسْمَة، إِنَّمَا هُوَ مَا دَامُوا فِي دَار
الْحَرْبِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلِ أَنَّ سَبَب ذَلِكَ كَوْنهمْ انْتَهَبُوهَا، وَلَمْ يَأْخُذُوهَا بِاغْتِدَالٍ، وَعَلَى
قَدْرِ الْحَاجَةِ. قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ آخَرِ مَا يَدُلّ لِذَلِكَ، يُشِير إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو
دَاوُدَ، مِنْ طَرِيقِ عَاصِم بْن كُلَيْب، عَنْ أَبِيهِ، وَلَهُ صُحْبَة، عَن رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ، قَالَ:
(أَصَابَ النَّاسِ مَجَاعَة شَدِيدَة، وَجَهْد، فَأَصَابُوا غَمَا، فَانْتَهَبُوهَا، فَإِنَّ قُدُورِنَا لَتَغْلِي بِهَا،
إِذْ جَاءَ رَسُول اللَّهِ وَّ عَلَى فَرَسِه، فَأَكْفَأْ قُدُورنَا بِقَوْسِهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُرَمِّلَ اللَّخْم بِالتُّرَابِ،
ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الُّهْبَة لَيْسَتْ بِأَحَلّ مِنْ الْمَيْتَة)). انتهى. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَامَلَهُمْ مِنْ أَجْل
اسْتِعْجَالهمْ بِنَقِيضِ قَصْدهمْ، كَمَا عُومِلَ الْقَاتِلِ بِمَنْعِ الْمِيرَاث.
وَأَمَّا الثَّانِي، فَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَأْمُور ◌ِهِ مِنْ إِرَاقَّةُ الْقُدُورِ، إِنَّمَا هُوَ إِثْلَافِ الْمَرَق،
عُقُوبَة لَهُمْ، وَأَمَّ اللَّخِم فَلَمْ يُتْلِفُوهُ، بَلْ يُحْمَلِ عَلَى أَنَّهُ جُمعَ، وَرُدَّ إِلَى الْمَغْنَمِ، وَلا يُظَنّ
◌َنَّهُ أَمَرَ بِإِثْلَافِهِ، مَعَ أَنَّهُ وَّةِ، فَّى عَن إِضَاعَة الْمَال، وَهَذَا مِنْ مَال الْغَانِمِينَ، وَأَيْضًا

١٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
فَالْجِنَايَة بِطَبْخِهِ، لَمْ تَقَع مِنْ جَميعِ مُسْتَحِقْي الْغَنِيمَةِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَطْبُخِ، وَمِنْهُمْ
الْمُسْتَحِقُونَ لِلْخُمُسِ.
[فَإِنْ قِيلَ]: لَمْ يُنْقَلِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا اللَّحْم إِلَى الْمَغْنَم، [قُلْنَا]: وَلَمْ يُنْقَلِ أَنَّهُمْ أَخْرَقُوهُ،
أَوْ أَتْلَفُوهُ، فَيَجِب تَأْوِيلِه عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِد. انتهى.
قال الحافظ: وَيَرِدُ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي دَاوُدَ، فَإِنَةً جَيِّد الإِسْنَادِ، وَتَرْكُ تَسْمِيَّة الصَّحَابِيّ
لا يَضُرّ، وَرِجَال الإِسْنَاد عَلَى شَرْط مُسْلِمٍ، وَلا يُقَال: لا يَلْزَم مِنْ تَتْرِيب اللَّخم إِثْلَافه؛
لإِمْكَانِ تَدَارُكه بِالْغَسْلِ؛ لأَنَّ السِّيَاقِ يُشْعِرِ بِأَنَّهُ أُرِيدَ الْمُبَالَغَة فِي الزَّجْرِ عَن ذَلِكَ الْفِعْل،
فَلَوْ كَانَ بِصَدَدٍ أَنْ يُنْتَفَّعَ بِهِ بَعْد ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِيرِ زَجْر؛ لأَنَّ الَّذِي يَخُصّ الْوَاحِد
مِنْهُمْ نَزْر يَسِير، فَكَانَ إِفْسَادَهَا عَلَيْهِمْ، مَعَ تَعَلَّقَ قُلُوبِهِمْ بِهَا، وَحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا، وَشَهْوَتِهِمْ
لَهَا أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ.
وَأَبْعَدَ الْمُهَلَّب، فَقَالَ: إِنَّمَا عَاقَبَهُمْ؛ لأَنَّهُمْ اسْتَعْجَلُوا، وَتَرَكُوهُ فِي آخِرِ الْقَوْم،
مُتَعَرِّضًا لِمَنْ يَقْصِدُهُ، مِنْ عَدُوّ، وَنَحْوه.
وَتُعُقْبَ بِأَنَّهُ وَّهِ، كَانَ مُخْتَارًا لِذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره، وَلا مَعْنَى لِلْحَمْلِ عَلَى الظَّنّ،
مَعَ وُرُود النَّصَ بِالسَّبَبِ. وَقَالَ الإِسْمَاعِيلِيّ: أَمْرِهِ وََّ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ، يَجُوزَ أَنْ يَكُونِ مِنْ
أَجْلِ أَنَّ ذَبْح مَنْ لا يَمْلِك الشَّيْءِ كُلَّه، لا يَكُون مُذَكِيًا، وَيَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ
تَعَجَّلُوا إِلَى الاخْتِصَاصِ بِالشَّيْءِ، دُون بَقِيَّة مَنْ يَسْتَحِقْهُ، مِنْ قَبْل أَنْ يُقْسَم، وَيُخْرَج مِنْهُ
الْخُمُسِ، فَعَاقَبَهُمْ بِالْمَنْعِ، مِنْ تَنَاوُل مَا سَبَقُوا إِلَيْهِ؛ زَجْرًا لَهُمْ، عَن مُعَاوَدَة مِثْله، ثُمَّ
رَجِّحَ الثَّانِي، وَزَيَّفَ الأُوَّل، بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَحِلّ أَكْلِ الْبَعِيرِ النَّادّ الَّذِي رَمَاهُ
أَحَدِهِمْ بِسَهْم، إِذْ لَمْ يَأْذَن لَهُمْ الْكُلُّ فِي رَمْيه، مَعَ أَنَّ رَمْيه ذَكَاةٍ لَّهُ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي
نَفْس حَدِيثَ الْبَاب. انتهى مُلَخَّصًا.
وَقَدْ جَنَحَ الْبُخَارِيّ إِلَى الْمَعْنَى الأَوَّل، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ بقوله: ((باب إذا أصاب قومٌ
غنيمةً، فذبح بعضهم غنمًا، أو إبلًا، بغير أمر أصحابها، لم تؤكّلْ؛ لحديث رافع، عن
النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم))، وقال طاوسٌ، وعكرمة في ذبيحة السارق:
اطرحوه. انتهى.
وَيُمْكِنِ الْجَوَابِ عَمَّا أَلْزَمَهُ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ، مِنْ قِصَّة الْبَعِيرِ بِأَنْ يَكُونِ الرَّامِي رَمَى
بِحَضْرَةِ النَّبِّ وََّ، وَالْجَمَاعَةِ، فَأَقَرُّوهُ، فَدَلَّ سُكُوتِهِمْ عَلَى رِضَاهُمْ، بِخِلافٍ مَا ذَبَحَهُ
أُولَئِكَ، قَبْلِ أَنْ يَأْتِي النَِّيِّ نَّهِ، وَمَنْ مَعَهُ، فَافْتَرَقَا، وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى(١).
(١) (فتح)) ٥٣/١١-٥٤. ((كتاب الذبائح والصيد)» رقم الحديث ٥٤٩٨ .

١٧ - (الإِنْسِيَةُ تَسْتَوْحِشُ) - حديث رقم ٤٢٩٩
١٥١ ==
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجّحه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى،
وترجم له، من أنه إذا ذبح من لا يملك الذبيحة، بغير إذن صاحبها لا تحلّ، هو الذي
يترجّح عندي؛ لحديث رافع بن خديج رضي اللّه تعالى عنه المذكور هنا. والله تعالى
أعلم.
(ثُمَّ قَسَّمَ بَيْتَهُمْ، فَعَدَلَ عَشْرًا مِنْ الشَّاءِ بِبَعِيرٍ) قال القرطبيّ: يعني أنه صلّى اللَّه تعالى
عليه وسلم قسم ما بقي من الغنيمة على الغانمين، فجعل عشرة من الغنم بإزاء جَزور،
ولم يَحتج إلى القرعة؛ لرضا كلّ منهم بما صار إليه من ذلك، ولم يكن بينهم تشاح في
شيء من ذلك. قال: وكأن هذه الغنيمة لم يكن فيها إلا الإبل، والغنم، ولو كان فيها
غيرهما، لقُوّم جميع الغنيمة، ولَقُسم علىِ القِيَم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ قِيمَةِ الْغَنَم إِذْ ذَاكَ، فَلَعَلَّ الإِبِل
كَانَتْ قَلِيلَة، أَوْ نَفِيسَة، وَالْغَنَّم كَانَتْ كَثِيرَة، أَوْ هَزِيلَة، بِحَيْثُ كَانَتْ قِيمَةِ الْبَعِيرِ عَشْر
شِيَاهِ، وَلا يُخَالِفِ ذَلِكَ الْقَاعِدَة فِي الأَضَاحِيّ، مِنْ أَنَّ الْبَعِيرِ يُجْزِئ عَن سَبْعِ شِيَاه؛ لأَنَّ
ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبِ فِي قِيمَة الشّاةِ وَالْبَعِيرِ، الْمُعْتَدِلَيْنِ، وَأَمَّا هَذِهِ الْقِسْمَة، فَكَانَتْ وَاقِعَة
عَيْن، فَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون التَّعْدِيلِ لِمَا ذُكِرَ، مِنْ نَفَاسَةِ الإِبِل، دُون الْغَنَمِ، وَحَدِيث جَابِر
رضي الله تعالى عنه، عِنْد مُسْلِم، صَرِيح فِي الْحُكْم، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: ((أَمَرَنَا رَسُول اللَّه
وَرَ، أَنْ نَشْتَرِكُ فِي الإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَة مِنَّا فِي بَدَنَة)) .
وَالْبَدَنَةِ تُطْلَقَ عَلَى النَّاقَةِ، وَالْبَقَرَة، وَأَمَّا حَدِيث ابْنِ عَبَّاس: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ نَّ فِي
سَفَر، فَحَضَرَ الأَضْحَى، فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَقَرَة سبعَةٌ، وَفِي الْبَدَنَة عَشَرَةٍ))(٢)، فَحَسَّنَهُ
التِّزْمِذِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنِ حِبَّن، وَعَضَّدَهُ بِحَدِيثِ رَافِعِ بْن خَدِيجِ هَذَا.
قال الحافظ: وَلَّذِي يَتَحَرَّرِ فِي هَذَا أَنَّ الأَصْلِ أَنَّ الْبَعِيرِ بِسَبْعَةٍ، مَا لَمْ يَعْرِض
عَارِض، مِنْ نَفَاسَة وَنَخْوهَا، فَيَتَغَيَّرِ الْحُكْم بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَبِهَذَا تَجْتَمِعِ الأَخْبَارِ الْوَارِدَة
فِي ذَلِكَ .
ثُمَّ الَّذِي يَظْهَر مِنْ الْقِسْمَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَنَّا وَقَعَتْ فِيمَا عَدَا مَا طُبِخَ، وَأُرِيقَ مِنْ الإِبِل
وَالْغَنَمِ، الَّتِي كَانُوا غَنِمُوْهَا، وَيَحْتَمِل - إِنْ كَانَتْ الْوَاقِعَةِ تَعَذَّدَتْ- أَنْ تَكُون الْقِصَّة الَّتِي
ذَكَرَهَا ابْنِ عَبَّاسُ أَتْلَفَ فِيهَا اللَّحْمِ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ قُطِعَ لِلطَّبْخِ، وَالْقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث
رَافِعِ طُبِخَتْ الشِّيَاهِ صِحَاحًا مَثَلًا، فَلَمَّا أُرِيقَ مَرَقَهَا، ضُمَّتْ إِلَى الْمَغْنَم لِتُقْسَمِ، ثُمَّ
يَطْبُخْهَا مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِه، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي انْحِطَاط قِيمَة الشّيَّاهِ عَنِ الْعَادَةِ.
(١) ((المفهم)) ٣٧٥/٥.
(٢) سيأتي للمصنّف بنحوه برقم ٤٣٩٥. إن شاء الله تعالى.

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى كلام الحافظ (١).
(فَبَيْتَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ نَدَّ بَعِيرٌ) بفتح النون، وتشديد الدال المهملة: أي هرب من
تلك الإبل المقسومة بعيرٌ نافرًا (وَلَيْسَ فِي الْقَوْمِ إِلَّا خَيْلٌ يَسِيرَةٌ) فِيهِ تَمْهِيد لِعُذْرِهِمْ فِي
كَوْن الْبَعِيرِ الَّذِي نَدَّ أَتْعَبَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَحَصِيلِهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُول: لَوْ كَانَ فِيهِمْ خُيُول
كَثِيرَة؛ لأَمْكَنَهُمْ أَنْ يُحِيطُوا بِهِ، فَيَأْخُذُوهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عند البخاريّ)): ((وَلَمْ يَكُنْ
مَعَهُمْ خَيْلِ)): أَيْ كَثِيرَة، أَوْ شَدِيدَة الْجَرْي، فَيَكُون النَّفْي لِصِفَةٍ فِي الْخَيْلِ، لا ◌ِأَضْلِ
الْخَيْلِ، جْعًا بَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ.
(فَطَلَبُوهُ، فَأَعْيَاهُمْ) أَيَ أَتْعَبَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَحَصِيلِهِ (فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْم) وفي
رواية البخاريّ: ((فأهوى إليه رجل بسهم)): أي قصد نحوه، ورماه. قال الحافظً: ولم
أقف على اسم هذا الرامي (فَحَيَسَهُ اللَّهُ) أي أصابه السهم، فوقف (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ:
(إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِم) وفِي رِوَايَةٍ: ((إِنَّ لِهَذِهِ الْإِل)): قَالَ بَعْض شُرَّاحِ ((الْمَصَابِيحِ)): هَذِهِ اللَّام
تُفِيدَ مَعْنَى ((مِنْ))؛ لأَنَّ الْبَعْضِيَّة، تُسْتَفَادِ مِنْ اسْم ((إِنَّ)) لِكَوْنِهِ نَكِرَة (أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَخْشِ)
جمع آبِدَة - بِالْمَدِ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ: أَيْ غَرِيبَة، يُقَال: جَاءَ فُلان بِآَبِدَّةٍ: أَيْ بِكَلِمَةٍ، أَوْ
فَعْلَّة مُنَفْرَة، ويُقَال: أَبَدَتْ -ِفَتْحِ الْمُوَحَّدَّة- تَأْبُدُ -بِضَمْهَا- وَيَجُوزِ الْكَسْرَ، أَبُودًا،
وَيُقَالَ: تَأَبَّدَتْ: أَيْ تَوَخَّشَتْ، وَالْمُرَاد أَنَّ لَهَا تَوَخُّشًا. قاله في ((الفتح)). وقال الفيّوميّ:
أَبَدَ الشيءُ، من بابي ضرب، وقتَل يأبِدُ، ويأْبُدُ أُبودًا: نفر، وتوحش، فهو آبدٌ، على
فاعل، وأبدّت الوحوش: نفرت من الإنس، فهي أوابد، ومن هنا وُصِف الفرس
الخفيفُ الذي يُدرك الوحش، ولا يكاد يفوته بأنه قَيْدُ الأَوابد؛ لأنه يمنعها المضيَّ،
والخلاصَ من الطالب، كما يمنعها القيد. وقيل للألفاظ التي يَدِقُّ معناها: أوابدُ؛ لبعد
وضوحه؛ لأنه المقصود. انتهى كلام الفيوميّ.
(فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فَاصْتَعُوا بِهِ هَكَذَا))) وفي رواية البخاريّ: ((فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا،
فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا))، وَفِي رِوَايَة له: ((فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا، فَافْعَلُوا مِثْل هَذَا))، وفي رواية
الطبرانيّ: ((فَاصْنَعُوا بِهِ ذَلِكَ، وَكُلُوهُ». وَفِيهِ جَوَاز أَكْلِ مَا رُمِيَ بِالسَّهْمِ، فَجُرِحَ فِي أَيّ
مَوْضِع كَانَ مِنْ جَسَده، بِشَرْطِ أَنْ يَكُون وَخْشِيًّا، أَوْ مُتَوَحِّشًا. وَاللّه تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
(١) ((فتح)) ١١/ ٥٤.

١٥٣ ==
١٧ - (الإِنْسِيَةُ تَسْتَوْحِشُ) - حديث رقم ٤٢٩٩
حديث رافع بن خَدِيج رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٢٩٩/١٧ وفي ((الضحايا)) ٤٣٩٣/١٥ و٤٤٠٥/٢٠ ٤٤٠٦/٢١
و٢٦/ ٤٤١١ و٤٤١٢- وفي «الكبرى» ٤٨٠٩/١٩ وفي («الضحايا)» ٤٤٩٢/٢١ و٢٢/
٤٤٩٣ و٤٤٩٨/٢٧ و٤٤٩٩. وأخرجه (خ) في ((الشركة)) ٢٤٨٨ و٢٥٠٧ و((الجهاد))
٣٠٧٥ و((الذبائح)» ٥٤٩٨ و٥٥٠٣ و٥٥٠٩ و٥٥٤٣ ٥٥٤٤ (م) في ((الأضاحي)) ٣٦٣٨
(د) في ((الضحايا)) ٢٨٢١ (ت) في ((الأحكام)) ١٤٩١ و١٤٩٢ (ق) في ((الأضاحي))
٣١٣٧ و(الذبائح)) ٣١٨٣ (أحمد) في ((مسند المكيين)) ١٥٣٧٩ و١٥٣٨٦ وا«مسند
الشاميين)) ١٦٨١٠ و١٦٨٣٢ (الدارمي) في ((الأضاحي)) ١٩٧٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أن البهائم الإنسيّة، إذا
توحّشت، ونفرت، تُعْطَى حُكْم الْمُتَوَحْش الأصليّ، فيجوز عَقْر النَّادّ منها لِمَنْ عَجَزَ
عَنْ ذَبْحِهِا، كَالصَّيْدِ الْبَرِّيّ، وَيَكُون جَميعِ أَجْزَائِهَا مَذْبَحًا، فَإِذَا أُصِيبَت فَمَاتَت مِنْ
الْإِصَابَة حَلَّت، أَمَّا الْمَقْدُور عَلَيْهِ، فَلا يُبَاحِ إِلا بِالذَّبْحِ، أَوْ النَّخْرِ إِجَاعًا، وبهذا قال
الجمهور، وخالف مالك، وبعض طائفة، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية، إن
شاء اللّه تعالى. (ومنها): تَحَرِيم النَّصَرُّف فِي الأَمْوَال الْمُشْتَرَكَةِ، مِنْ غَيْرِ إِذْن، وَلَوْ
قَلْت، وَلَوْ وَقَعَ الاخْتِيَاجِ إِلَيْهَا. (ومنها): أن فيه انْقِيَادَ الصَّحَابَة ◌ِأَمْرِ النَّبِيّ ◌َِّ، حَتَّى فِي
تَرْك مَا بِهِمْ إِلَيْهِ الْحَاجَة الشَّدِيدَة. (ومنها): أَنَّ للإِمَامِ عُقُوبَةَ الرَّعِيَّة بِمَا فِيهِ إِثْلَاف مَنْفَعَة،
وَنَخْوِهَا، إِذَا غَلَبَتِ الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّة. (ومنها): أَنَّ قِسْمَة الْغَنِيمَة يَجُوزِ فِيهَا التَّعْدِيل
وَالتَّقْوِيم، وَلا يُشْتَرَطِ قِسْمَة كُلّ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى حِدَة. (ومنها): أن ما توخّش من
المستأنس يُعطى حكم المتوحّش، وبالعكس. (ومنها): جَوَازُ الذَّبْحِ بِمَا يُحَصِّل
الْمَقْصُود، سَوَاء كَانَ حَدِيدًا، أَمْ لا. (ومنها): جواز عقر الحيوان النادر لمن عجز عن
ذبحه، كالصيد البرّيّ، والمتوخّش من الإنسيّ، ويكون جميع أجزائه مذبحًا، فإذا
أُصيب، فمات من الإصابة حلّ، أما المقدور عليه، فلا يُباح إلا بالذبح، أو النحر
إجماعًا. (ومنها): أن فِيهِ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ تَحْرِيم الْمَيْتَة لِبَقَاءِ دَمهَا فِيهَا (١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحيوان الإنسيّ، إذا توخش:
(١) راجع ((الفتح)) ٥٧/١١ (كتاب الذبائح والصيد)».

١٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِح
قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في (صحيحه)): ((باب ما ندّ من البهائم، فهو
بنمزلة الوحش))، وأجازه ابن مسعود، وقال ابن عبّاس: ما أعجزك من البهائم، مما في
يديك، فهو كالصيد، وفي بعير تردّى في بئر، من حيث قدرتَ عليه، فذكّه. ورأى ذلك
عليّ، وابن عمر، وعائشة -رضي اللّه تعالى عنهم -. انتهى.
وقد نقله ابن المنذر وغيره عن الجمهور، وخالفهم في ذلك مالكٌ، والليث. ونقل
أيضًا عن سعيد بن المسيّب، وربيعة، فقالوا: لا يحلّ أكل الإنسيّ إذا توحّش، إلا
بتذكيته في حلقه، أو لبته، وحجة الجمهور حديث رافع رضي اللَّه تعالى عنه المذكور
في الباب. أفاده في ((الفتح))(١) .
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: إذا تردّى في بئر، فلم يقدر على تذكيته، فجرحه
في أيّ موضع قدر عليه، فقتله، أكل، إلا أن تكون رأسه في الماء، فلا يؤكل؛ لأن
الماء يُعين على قتله. هذا قول أكثر الفقهاء، روي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وابن
عمر، وابن عبّاس، وعائشة رضي اللَّه تعالى عنهم، وبه قال مسروقٌ، والأسود،
والحسن، وعطاءٌ، وطاوسٌ، وإسحاق، والشعبيّ، والحكم، وحمّاد، والثوريّ، وأبو
حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور. وقال مالك: لا يجوز أكله إلا أن يُذكّى، وهو قول
ربيعة، والليث. قال أحمد: لعلّ مالكًا لم يسمع حديث رافع بن خديج رضي اللّه تعالى
عنه. واحتُجّ لمالك بأن الحيوان الإنسيّ إذا توحّش لم يثبت له حكم الوحشيّ، بدليل
أنه لا يجب على المحرم الجزاء بقتله، ولا يصير الحمار الأهليّ مباحًا إذا توخّش.
انتهى كلام ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من جواز أكل الحيوان
المتوحّش بجرحه، هو الأرجح عندي؛ لحديث رافع بن خَدِيج رضي اللَّه تعالى عنه
المذكور؛ وأما احتجاج مالك، ومن قال بقوله بما ذُكر، فغير مقبول؛ لأنه في مقابلة
النصّ، ونعتذر عنهم بما تقدّم عن أحمد رحمه اللّه تعالى من أنهم لم يبلغهم النصّ،
فقاسوا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
(١) ((فتح)) ٦٧/١١ -٦٩ (كتاب الذبائح)) رقم ٥٥٠٩.
(٢) ((المغني)) ٢٩١/١٣-٢٩٢.

١٥٥ =
١٨- (فِي الّذِي يَرْمِي الصَّيْدَ، فَقَعُ فِي الْمَاءِ)- حديث رقم ٤٣٠٠
١٨ - (فِي الَّذِي يَرْمِي الصَّيْدَ، فَيَقَعُ
فِي الْمَاءِ)
٤٣٠٠- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
عَاصِمُ الْأَخْوَلُ، عَنِ الشَّغْيِيٌّ، عَنَ عَدِيٌّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، عَنْ
الصَّيْدِ؟، فَقَالَ: ((إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قُتِلَ فَكُلْ،
إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ، وَلَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ، أَوْ سَهْمُكَ؟))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و ((أحمد بن منيع)): هو أبو جعفر الأصمّ البغويّ، نزيل بغداد، ثقة حافظ [١٠] ٨٠/
١٠١١ والباقون تقدّموا مع شرح الحديث، وبيان مسائله في - ٤٢٦٥/١. و((عاصم
الأحول)): هو ابن سليمان. و((الشعبي)): هو عامر بن شَرَاحيل.
وقوله: ((ولا تدري، الماء قتله، أو سهمك)) يفيد أن الأصل في الصيد الحرمة، فإذا
حصل الشكّ يكون حرامًا، كما هو الأصل. قاله السنديّ.
وهذا الحديث متّفق عليه، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله بالرقم المذكور آنفًا،
ويبقى البحث هنا فيما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأقول:
(مسألة): قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: إذا رماه، فوقع في ماء
يقتله، أو تردّى من جبل يقتله، لم يؤكل، ولا فرق في ذلك بين كون الجراحة مثخنة،
أو غير مثخنة، هذا هو المشهور عن أحمد، وظاهر قول ابن مسعود، وعطاء، وربيعة،
وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقال أكثر الحنابلة المتأخّرون: إن كانت الجراحة مثخنةً،
مثلُ أن ذبحه، أو أبان حِشْوته لم يضرّ وقوعه في الماء، ولا تردّيه، وهو قول الشافعيّ،
ومالك، والليث، وقتادة، وأبي ثور؛ لأن هذا صار في حكم الميت بالذبح، فلا يؤثّر
فيه ما أصابه. ووجه الأول قوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((وإن وقع في الماء فلا
تأكل))، ولأنه يحتمل أن الماء أعان على خروج روحه، فصار بمنزلة ما لو كانت
الجراحة غير مثخنة، ولا خلاف في تحريمه إذا كان الجراحة غير مُثخنة. ولو وقع
الحيوان في الماء على وجه لا يقتله، مثل أن يكون رأسه خارجًا من الماء، أو يكون من
طير الماء الذي لا يقتله الماء، أو كان التردّي لا يقتل مثل ذلك الحيوان، فلا خلاف في
إباحته؛ لأن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم قال: ((فإن وجدته غريقًا في الماء فلا

١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
تأكله))، ولأن الوقوع في الماء، والتردّي إنما حرّم خشية أن يكون قاتلا، أو مُعينًا على
القتل، وهذا منتف فيما ذكرنها. انتهى كلام ابن قدامة بتصرّف(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تلخّص مما ذُكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الأولون
من أن الوقوع في الماء يحرّم الصيد مطلقًا، سواء كانت جراحته مثخنة، أو لا؛ لإطلاق
حديث عديّ بن حاتم رضي اللّه تعالى عنه المذكور في الباب. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٠١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْتِى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَن مَعْمَرٍ، عَنِ عَاصِم بْنِ سُلَيْمَانَ، عَن عَامِرِ الشَّغْبِيِّ، عَن عَدِيِّ ابْنِ
حَاتِمِ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ عَنِ الصَّيْدِ؟،َ فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَكَلْبَكَ، وَذَكَرْتَ
اسْمَ اللَّهِ، فَقَتَلَ سَهْمُكَ فَكُلْ))، قَالَ: فَإِنْ بَاتَ عَنِّي لَيْلَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: ((إِنْ وَجَدْتَ
سَهْمَكَ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ شَيْءٍ غَيْرِهِ، فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير ((عمرو بن
يحيى بن الحارث)) الحِمْصِيّ، فإنه من أفراد المصنف، وهو ثقة [١٢] ٢٣٢٩/٦٧.
و ((أحمد بن أبي شُعيب)): هو أحمد بن عبد الله بن أبي شُعيب مسلم الحرّانيّ، نُسب
لجدّه، ثقة [١٠] ٢٤٩٩/٢٩. و((موسى بن أعين)): هو الجزريّ، مولى قريش، أبو
سعيد، ثقة عابدٌ [٨] ٤١٥/١١. و((معمر)): هو ابن راشد.
وقوله: ((فإن بات عنّي ليلة الخ)) يعني أنه غاب الصيد عنه بعد ما أصابه بسهمه، فبات
غائبًا عنه ليلة. وقوله: ((غيره)) يحتمل أن يكون بالجرّ صفة (شيء))، ويحتمل أن يكون
النصب على أنه صفة لـ((أثر)).
وفي الرواية الآتية في الباب التالي: ((فيغيب عنه الليلة، والليلتين)).
وقَوْله: ((وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُل))، يُؤْخَذ سَبَب مَنْع أَكْله مِنْ الحديث الَّذِي
قَبْله؛ لأَنّةُ حِينَئِذٍ يَقَعِ التَّرَدُّد، هَلْ قَتَلَهُ السَّهْمِ، أَوْ الْغَرَقِ فِي الْمَاءِ؟ فَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ السَّهْمِ
أَصَابَهُ، فَمَاتَ، فَلَمْ يَقَعِ فِي الْمَاءِ، إِلا بَعْد أَنْ قَتَلَهُ السَّهْمِ، فَهَذَا يَحِلّ أَكْله، قَالَ النَّوَوِيّ
فِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ): إِذَا وُجِدَ الصَّيْدُ فِي الْمَاءِ غَرِيقًا، حَرُمَ بِالاتِّفَاقِ. انتهى. وَقَدْ صَرَّحَ
الرَّافِعِيّ بِأَنَّ مَحِلّه، مَا لَمْ يَنْتَهِ الصَّيْدِ بِتِلْكَ الْجِرَاحَة، إِلَى حَرَكَة الْمَذْبُوحِ، فَإِنْ انْتَهَى
إِلَيْهَا، بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ مَثَلًا، فَقَدْ تَمَّتْ ذَكّاته، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله في الحديث الذي قبله: ((فَإِنَّك
(١) ((المغني)) ٢٧٨/١٣.

١٥٧
١٩- (فِي الّذِي يَرْمِي الصَّنْدَ، فیغیبُ عنه)- حديث رقم ٢٣٠٢
لا تَذْرِي، الْمَاء قَتَلَهُ، أَوْ سَهْمك؟))، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ، أَنَّ سَهْمِه هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، أَنَّهُ
يَحِلّ.
قَوْله (الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ) فِيهِ زِيَادَة عَلَى رِوَايَة عَاصِم بْن سُلَيْمَان (( بَعْد يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ))
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيد بْن جُبَيْرِ (( فَيَغِيبِ عَنْهُ اللَّيْلَة وَاللَّيْلَتَيْنِ)) وَوَقَعَ عِنْدٍ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ
أَبِي ثَعْلَبَة بِسَنَدٍ فِيهِ مُعَاوِيَة بْن صَالِحِ (( إِذَا رَمَيْت سَهْمك فَغَابَ عَنك فَأَدْرَكْتَه فَكُلْ مَا لَمْ
يُنْتِن)) وَفِي لَفْظِ فِي الَّذِي يُذْرِك الصَّيْدِ بَعْد ثَلَاث ((كُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِن)) وَنَحْوه عِنْد أَبِي
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه مستوفى في الحديث الذي قبله، ودلالته
على ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٩- (فِي الَّذِي يَزْمِي الصَّيْدَ،
فَيَغِيبُ عَنهُ)
٤٣٠٢- (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنِ سَعِيدٍ
بْنِ جُبَيْرٍ، عَن عَدِيْ بْنِ حَاتِم، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَهْلُ الصَّيْدِ، وَإِنَّ أَحَدَنَا
يَرْمِي الصَّيْدَ، فَيَغِيبُ عَنْهُ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ، فَيَبْتَغِي الْأَثَرَ، فَيَجِدُهُ مَيْتًا، وَسَهْمُهُ فِيهِ، قَالَ:
((إِذَا وَجَدْتَ السَّهْمَ فِيهِ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَّرَ سَبُعٍ، وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
و((زياد بن أيوب)): هو المعروف بدّويه الحافظ الثبت الطوسيّ، نزيل بغداد، لقّبه
أحمد شعبة الصغير. و((هُشيم)): هو ابن بشير. و((أبو بِشر)): هو جعفر بن أبي وحشية/
إياس، البصريّ الواسطيّ، أثبت الناس في سعيد بن جُبير.
وقوله: (إنا أهل الصيد)) أي نحن قوم نعيش بصيد الحيوانات. وقوله: ((فيبتغي الأثر))
يعني أنه يتّبع أثر ذلك الصيد حتى يجده.
وقوله: ((فَيَغِيبُ عَنْهُ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ الخ)). وفي رواية البخاريّ: ((وإن رميت الصيد،
فوجدته بعد يوم، أو يومين))، وفي رواية عَلَّقَهَا: (( عن عبد الأعلى، ، عن عامر، عن

١٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
عديّ، أنه قال للنبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: يرمي الصيد، فيفتقر أثره اليومين،
والثلاثة)). ومعنى ((يفتقر)) أي يتّبع فقاره، حتى يتمكن منه. ووَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة
الْخُشنيّ الآتِي في الباب التالي، فِي الَّذِي يُذْرِكُ الصَّيْدِ بَعْد ثَلَاث: ((كُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِن)»،
وَنَخْوه عِنْد أَبِي دَاوُدَ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ شُعَيْب، عَن أَبِهِ، عَن جَدّه، كَمَا تَقَّدَّمَ التَّبِيه
عَلَيْهِ .
وقوله: ((إِذَا وَجَدْتَ السَّهْمَ فِيهِ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَبُع، وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ
فَكُلْ)). وفي رواية البخاريّ: ((وَإِنْ رَمَيْتِ الصَّيْدِ، فَوَجَدْته بُعْدِ يَوْم، أَوْ يَوْمَيْنٍ، لَيْسَ بِهِ
إِلا أَثَرِ سَهْمَكَ فَكُلْ)).
قال في ((الفتح)): وَمَفْهُومِه أَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهِ أَثَرَ غَيْرِ سَهْمِهِ، لا يَأْكُل، وَهُوَ نَظِيرِ مَا
تَقَدَّمَ فِي الْكَلْبِ مِنْ النَّفْصِيلِ، فِيمَا إِذَا خَالَطَ الْكَلْبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ الصَّائِدُ كَلْبٌ آخرُ ،
لَكِنْ الَّفْصِيلِ فِي مَسْأَلَة الْكَلْبِ، فِيمَا إِذَا شَارَكَ الْكَلْبَ فِي قَتْلِه كَلْبٌ آخَرُ، وَهُنَا الأَثْرِ
الَّذِي يُوجَدِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ سَهْم الرَّامِي، أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون أَثَرَ سَهْم رَام آخر، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ
مِنْ الأَسْبَابِ الْقَاتِلَةِ، فَلَا يَحِلِّ أَكْلِهِ مَعَ الثَّرَدُّد.
وقَالَ الرَّافِعِيّ: يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ جَرَحَهُ، ثُمَّ غَابَ، ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُ مَيْتًا، أَنَّهُ لا يَحِلّ،
وَهُوَ ظَاهِرِ نَصّ الشَّافِعِيّ، فِي ((الْمُخْتَصَر)). وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْحِلّ أَصَحّ دَلِيلًا. وَحَكَى
الْبَيْهَِيُّ فِي ((الْمَعْرِفَة)) عَنِ الشَّافِعِيّ، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْل ابْن عَبَّاس: ((كُلِ مَّا أَصْمَيْتَ، وَدَعْ
مَا أَنْمَيْت)). ومَعْنَى ((مَا أَصْمَيْتَ)): مَا قَتَلَهُ الْكَلْبِ، وَأَنْتَ تَرَاهُ، وَمَا (أَنْمَيْت)): وَمَا غَابَ
عَنْك مَقْتَله. قَالَ: وَهَذَا لا يَجُوزِ عِنْدِي غَيْرِهِ، إِلا أَنْ يَكُون جَاءَ عَنِ النَّبِيّ وَّه فِيهِ
شَيْءٍ، فَيَسْقُطُ كُلُّ شَيْءٍ، خَالَفَ أَمْرِ النَّبِيّ بَّهِ، وَلا يَقُومِ مَعَهُ رَأْي، وَلا قِيَاسِ. قَالَ
الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ ثَبَتَ الْخَبَرِ -يَعْنِي حَدِيث الْبَابِ- فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونْ هُوَ قَوْلَ الشَّافِعِيّ.
(١)
انتهى " .
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في ٤٢٦٥/١- وأتكلّم هنا
فيما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصيد إذا غاب بعد رميه:
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: إذا رماه، فغاب عن عينه، فوجده
ميتًا، وسهمه فيه، ولا أثر به غيره ، أو أرسل كلبه على صيد، فغاب عن عينه، ثم
وجده ميتًا، ومعه كلبه، حلّ أكله. هذا هو المشهور عند أحمد، وهو قول الحسن،
(١) ((فتح)) ٣٤/١١.

١٥٩ ===
١٩- (فِي الّذِي يَزْمِي الصَّيْدَ، فَيَغِيبُ عنه)- حديث رقم ٢٣٠٢
وقتادة، وعن أحمد: إن غاب نهارًا، فلا بأس، وإن غاب ليلًا لم يأكله، وعن مالك
كالروايتين، وعن أحمد ما يدلّ على أنه إن غاب مدّةً طويلة لم يُبَح، وإن كانت يسيرة
أُبيح؛ لأنه قيل: إن غاب يومًا، قال: يومٌ كثيرٌ، ووجه ذلك قول ابن عبّاس رضي الله
تعالى عنهما: إذا رميت، فأقعصتَ فَكُلْ، وإن رميت، فوجدت سهمك من يومك، أو
ليلتك، فكل، وإن بات عنك ليلةً، فلا تأكل، فإنك لا تدري ما حدث فيه بعد ذلك.
وكره عطاء، والثوريّ أكل ما غاب. وعن أحمد مثلُ ذلك. وللشافعيّ فيه قولان؛ لأن
ابن عبّاس قال: ((كل ما أصميت، وما أنميت فلا تأكل))، قال الحكم: الإصمات:
الإقعاص -يعني أن يموت في الحال، والإنماء أن يغيب عنك -يعني لا يموت في
الحال، قال الشاعر [من المديد] :
فَهْوَ لَا تَثْمِي رَمِيَّتُهُ مَا لَهُ لَا عُدَّ مِنْ تَفَرِهْ
وقال أبو حنيفة: يُباح إن لم يكن ترك طلبه، وإن تشاغل عنه، ثم وجده لم يُبَح.
وحجة الأول حديث عديّ بن حاتم رضي اللّه تعالى عنه، عن النبيّ صلّى اللَّه تعالى
عليه وسلم، أنه قال: ((إذا رميت الصيد، فوجدته بعد يوم، أو يومين، ليس به إلا أثر
سهمك، فكل، وإن وجدته غريقًا في الماء، فلا تأكل)). متفقٌ عليه. وحديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدّه المذكور قبل بابين، وفيه: ((وإن تغيّب عنك، ما لم تجد فيه
أثرًا، غير سهمك، أو تجده قد صَلَّ)) أي أنتن، وحديث أبي ثعلبة رضي الله تعالى عنه
الآتي في الباب التالي، وفيه: ((إذا رميت الصيد، فأدركته بعد ثلاث، وسهمك فيه،
فکله، ما لم يُنتن)) .
قال: ولأن جرحه بسهمه سبب إباحته، وقد وُجد يقينًا، والمعارض له مشكوك فيه،
فلا نزول عن اليقين بالشكّ؛ ولأنه وجده، وسهمه فيه، ولم يجد به أثرًا آخر، فأشبه ما
لو لم يترك طلبه عند أبي حنيفة، أو كما لو غاب نهارًا، أو مدّةً يسيرةً، أو كما لو لم
یغب .
إذا ثبت هذا، فيُشترط في حلّه شرطان: [أحدهما]: أن يجد سهمه فيه، أو أثرًا،
ويعلم أنه أثر سهمه؛ لأنه إذا لم يكن كذلك، فهو شاكّ في وجود المبيح، فلا يثبت
بالشكّ. [والثاني] : أن لا يجد أثرًا غير أثر سهمه، مما يَحتمِلُ أنه قتله؛ لقوله صلَّى اللَّه
تعالى عليه وسلم: (( ما لم تجد فيه أثرًا غير سهمك))، وفي لفظ: ((وإن وجدت فيه أثرًا
غير سهمك، فلا تأكله، فإنك لا تدري أقتلته أنت، أو غيرك)»، وفي لفظ: ((إذا وجدت
فيه سهمك، ولم يأكل منه سبع، فكل))، وكلّها في روايات النسائيّ. وفي حديث عديّ
رضي اللّه تعالى عنه: أن النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم، قال: ((فإن رميت الصيد،

= ١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
فوجدته بعد يوم، أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وقع في الماء، فلا
تأكل)). رواه البخاريّ، وقال صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((وإن وجدته غريقًا في الماء،
فلا تأكل)). ولأنه إذا وَجَدَ به أثرًا يصلح أن يكون قد قتله، فقد تحقّق المعارض، فلم
يُبَحِ، كما لو وَجَدَ معه كلبًا سواه. فأما إذا كان الأثر مما لا يقتل مثله، مثلُ أكل حيوان
ضعيف، كالسّنّور، والثعلب، من حيوان قويّ، فهو مباح؛ لأنه يُعلم أن هذا لم يقتله،
فأشبه ما لو تهشّم من وقعته. انتهى كلام ابن قدامة بتصرّف(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن ما سبق أن الأرجح هو المذهب الأول، وهو
أنه إذا رمى الصيد بسهمه، أو أرسل كلبه عليه، فغاب ذلك الصيد بعد ذلك، ثم وجده
ميتًا، جاز أكله، بالشرطين المذكورين، وهما: أن يجد فيه سهمه، أو أثره، وقد تحقق أنه
أثر سهمه. وأن لا يجد به أثرًا غير أثر سهمه، مما يَحتمِل أن يقتله، فإذا توفّر فيه هذان
الشرطان، جاز أكله؛ الأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا الباب، والتي أشرنا إليها
آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٠٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ،
عَنْ شُغْبَةَ، عَن أَبِي بِشْرٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ شَهِ،
قَالَ: (إِذَا رَأَيْتَ سَهْمَكَّ فِيهِ، وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَا غَيْرَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَكُلْ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إسماعيل بن مسعود)): هو الْجَخدريّ، أبو مسعود
البصريّ، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢ من أفراد المصنّف. والباقون كلهم رجال الصحيح،
و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه غير مرّة. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٠٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ عَبْدِ
الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَزْمِي
الصَّيْدَ، فَأَطْلُبُ أَثَرَهُ بَعْدَ لَيْلَةٍ؟، قَالَ: ((إِذَا وَجَدْتَ فِيهِ سَّهْمَكَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ سَبُعْ فَكُلْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عبد الملك بن ميسرة)): هو الهلاليّ، أبو زيد الزّزاد
الكوفيّ، ثقة [٤] ١٣٠/١٠٠. والباقون تقدّموا في السند الماضي.
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(١) («المغني)) ٢٧٥/١٣-٢٧٨.