النص المفهرس
صفحات 121-140
١١- (امْتِنَعُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُول ... - حديث رقم ٤٢٨٥ ١٢١ ==== انتهى. وفي رواية مسلم: ((تحت فُسطاط لنا)): قال النوويّ: الفسطاط فيه ستّ لغات: فسطاط، وفستاطٌ، بالتاء، وفسّاطٌ، بتشديد السين، وضمّ الفاء فيهنّ، وتُكسر، وهو نحو الخباء. قال القاضي: والمراد به هنا بعض حجال البيت، بدليل قولها في الحديث الآخر: (تحت سرير عائشة))، وأصل الفسطاط: عمود الأخبية التي يُقام عليها. والله أعلم. انتهى(١). (فَأَمَرَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (بِهِ) أي بإخراج ذلك الجرو (فَأُخْرِجٌ) بالبناء للمفعول (ثُمَّ أَخَذَ) بالبناء للفاعل: أي أخذ النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (بِيَدِهِ مَاءَ، فَتَضَحَ بِهِ مَكَانَهُ) أي رشّه إزالة لرائحته الكريهة، أو نحوها، عند من يقول بعدم نجاسة عين الكلب، وهو الأصحّ، أو المراد بالنضح غسله، عند من يقول بنجاسة عينه (فَلَمَّا أَمْسَى) أي دخل في وقت المساء (لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((قَدْ كُنْتَ وَعَذْتَنِي، أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ) قال المجد: هي أقرب ليلة مضت (قَالَ: أَجَلْ) بفتحتين، كنعم وزنًا ومعنَى (وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتَا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ) أي وكان الوعد مقيّدًا بعدم المانع، فما أخلفت الوعد (قَالَ: فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) زاد في رواية مسلم: ((حتّى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير)). قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((فأصبح رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم الخ)): كذا رواه جميع الرواة: ((فأصبح))، ((فأمر)) مرتّبًا بفاء التسبيب، فيدلّ ذلك على أن أمره بقتل الكلاب في ذلك اليوم، كان لأجل امتناع جبريل من دخول بيته. ويحتمل أن يكون ذلك لمعنى آخر غير ما ذكرناه، وهو أن ذلك إنما كان لينقطعوا عما كانوا أَلِفُوه من الأُنس بالكلاب، والاعتناء بها، واتخاذها في البيوت، والمبالغة في إكرامها، وإذا كان كذلك كثُرت، وكثُر ضررها بالناس من الترويع، والجرح، وكثُر تنجيسها للديار، والأزِقّة، فامتنع جبريل من الدخول لأجل ذلك، ثم أخبر به النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وأمر بقتل الكلاب، فانزجر الناس عن اتخاذها، وعمّا كانوا اعتادوه منها. والله تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الثاني بعيد، فالأظهر أن المنع إنما هو بسبب امتناع جبريل عليه السلام من الدخول؛ كما هو ظاهر سياق الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) (شرح مسلم)) ٣٠٩/١٤. ١٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١١ /٤٢٨٥ وتقدّم في٤٢٧٨/٩- وفي ((الكبرى)) ٤٧٨٧/٩ و١١/ ٤٧٩٤. وأخرجه (م) في ((اللباس)) ٣٩٢٨ (د) في ((اللباس)) ٤١٥٧ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٦٢٦٠ . والله تعالى أعلم . (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه الكلب. (ومنها): أنه يستحبّ للإنسان إذا رأى صاحبه واجما أن يسأله عن سببه؛ ليساعده فيما يمكنه مساعدته، أو يتحزّن معه، أو يُذكّره بطريق يزول به ذلك العارض. (ومنها): أن فيه التنبيه على الوثوق بوعد الله تعالى، ورُسُله عليهم الصلاة والسلام، لكن قد يكون للشيء شرط، فيتوقّف على حصوله، أو يتخيّل توقيته بوقت، ويكون غير موقّت به، ونحو ذلك. (ومنها): أنه ينبغي للإنسان إذا تكدّر عليه وقته، أو تنكّدت وظيفته، ونحو ذلك أن يفكّر في سببه، كما فعل النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم هنا، حتّى استخرج الكلب، وهو من نحو قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. (ومنها): أن الكلاب يجوز قتلها؛ لأنها من السباع، لكن لَمّا كان في بعضها منفعة، وكانت من النوع المتأنّس سُومح فيما لا يضرّ منها. (ومنها): أن قوله: ((يأمر بقتل كلب الحائط الصغير الخ)) فيه دليلٌ على جواز اتخاذ ما يُنتفع به من الكلاب في حفظ الحوائط، وغيرها، ألا ترى أن الحائط الكبير لَمّا كان يحتاج إلى حفظ جوانبه ترك له كلبه، فلم يقتله، بخلاف الحائط الصغير منها، فإنه أمر بقتل كلبه؛ لأنه لا يَحتاج الحائط الصغير إلى كلب، فإنه ينحفظ من غير كلب؛ لقرب جوانبه. قاله القرطبيّ(١). (ومنها): أنه احتجّ جماعة بقولها: ((فنضح مكانه)) في نجاسة عين الكلب، قالوا: والمراد بالنضح الغسل، وتأوله من لا يقول بذلك، كالمالكيّة على أنه غسله لخوف حصول بوله، أو روثه، أو لإزالة الرائحة الكريهة، وهذا هو الراجح، وقد تقدّم البحث (١) ((المفهم)» ٤٢٣/٥. ١٢٣= ١٢- (الرُّخْصَةُ فِي إِمْسَاكِ الْكَلْبِ لِلْمَاشِيَةِ) - حديث رقم ٤٢٨٦ في ذلك مستوفىّ في ((أبواب الطهارة)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٢- (الرُّخْصَةُ فِي إِمْسَاكِ الْكَلْب لِلْمَاشِيَةِ) ٤٢٨٦- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ سُوَيِدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - عَنِ حَتْظَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمِ قِيرَاطَانٍ، إِلَّا ضَارِيًا، أَوْ صَاحِبَ مَاشِيَةٍ))). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (سويد بن نصر) الشاه، أبو الفضل المروزي ثقة [١٠] ٥٥/٤٥ . ٢- (عبد الله بن المبارك) المروزي الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٦/٣٢. ٣- (حنظلة) بن أبي سفيان الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة حجّةٌ [٦] ١٢/١٢. ٤- (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني ، أحد الفقهاء ثقة ثبت فاضل عابد [٤٩٠/٢٣ . ٥- (ابن عمر) رضي اللّه تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو سالم، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((مَنْ اقْتَتَى كَلْبًا) أي اتخذ، يقال: اقتنى الشيء: إذا اتخذه للادخار. ذكره في ((الفتح)). وقال القرطبيّ: اقتنى، واتخذ، واكتسب كلّها بمعنى واحد. وقال الفيّوميّ: قنوت الشيءَ == ١٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِح أَقْنُوه قَنْوًا، من باب قتل، وقِنْوةً بالكسر: جمعتُهُ، واقتنيته: اتخذته لنفسي قِنْيةً، لا للتجارة، هكذا قيّدوه. وقال ابن السّكّيت: قَنَوتُ الغنمَ أقنوها، وقنيتها أَقنِيها: اتخذتها للقِنْية، وهو مالُ قِنْية، وقِنْوة، وقِنْيان بالكسر، والياء، وقُنْوانٍ، بالضمّ، والواو. وأقناه: أعطاه، وأرضاه. انتهى (نَقَصَ) يحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، و((قيراطان)) فاعله، وأن يكون مبنيًّا للمفعول، و((قيراطان)) نائب فاعله، بناء على أنه جاء لازمًا، ومتعدّيًا، وتقدّم البحث عن هذا مستوفىّ قريبًا (مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْم قِيرَاطَانٍ) قال النوويّ: القيراط هنا مقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نقص جزء من أجزاء عمله. وقال القرطبيّ: اختلف في معنى قوله: ((نقص من عمله كلّ يوم قيراطان))، وأقرب ما قيل في ذلك قولان: [أحدهما] : أن جميع ما عمله من عمل ينقُص لمن اتّخذ ما نهي عنه من الكلاب بإزاء كلّ يوم يُمسكه فيه جزءان من أجزاء ذلك العمل. وقيل: من عمل ذلك اليوم الذي يمسكه فيه، وذلك لترويع الكلب للمسلمين، وتشويشه عليهم بنُباحه، ومنع الملائكة من دخول البيت، ولنجاسته على ما يراه الشافعيّ. [الثاني] : أن يُحبط من عمله كلّه عملان، أو من عمل يوم إمساكه على ما تقدّم، عقوبةً له على ما اقتحم من النهي. قال: والقيراط: مَثَلّ لمقدار اللَّهُ أعلم به، وإن كان قد جرى العرف في بلاد يُعرف فيها القيراط، فإنه جزء من أربعة وعشرين جزءًا، ولم يكن هذا اللفظ غالبًا عند العرب، ولذلك قال صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((تُفتح عليكم أرض يُذكر فيها القيراط، فإذا فتحتموها، فاستوصوا بها خيرًا))، رواه مسلم. يعني بذلك مصر. انتهى(١). وقد تقدّم في حديث عبد الله بن مغفّل رضي اللّه تعالى عنه أنه ((ينقص من أجره قيراط))، وكذا في حديث سفيان بن أبي زهير رضي اللّه تعالى عنه الآتي بعد هذا، وفي حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه الآتي بعد باب، وتقدّم وجه الجمع بين هذين الاختلافين في شرح حديث ابن مغفّل رضي الله تعالى عنه ١٠/ ٤٢٨٢- فلا تغفل (إِلَّا ضَارِيًا) قيل: هو صفة للكلب: أي إلا كلبًا معَوّدًا بالصيد، يقال: ضَرِيَ الكلبُ يَضْرَى(٢)، كَشَرِيَ يَشْرَى ضَرَىّ، وضَرَاوَةً، وأضراه صاحبه: أي عوّده ذلك، وأغراه به، ويُجمع على ضوار. وقد ضَرِي بالصيد: إذا لَهِجَ به. قاله ابن الأثير(٣). ومنه قول عمر رضي اللّه تعالى عنه: إن للّحم ضراوةً كضراوة الخمر، قال: جماعة: معناه: أن له عادةً يَنزع إليها، كعادة الخمر. وقال الأزهريّ: معناه: أن لأهله عادةً في أكله، كعادة (١) ((المفهم)) ٤٥١/٤-٤٥٢. ((كتاب البيوع)). (٢) من باب تَعِبَ. (٣) ((النهاية)) ٨٦/٣. ١٢٥ = ١٢- (الرُّخْصَةُ فِي إِمْسَاكِ الکلبِ لِلمَاشِيةِ) - حديث رقم ٤٢٨٦ شارب الخمر في ملازمته، وكما أن من اعتاد الخمر لا يكاد يصبر عنها كذا من اعتاد اللحم. وقيل: صفة للرجل الصائد، صاحب الكلاب المعتاد للصيد، فسمّاه ضاريًا، استعارةً. أفاده النوويّ(١). قال الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى: فعلى الأول يكون الاسثناء من قوله: ((كلبًا))، وعلى الثاني من قوله: ((من اقتنى))، ويؤيّده أنه عطف عليه هنا قوله: ((أو صاحب ماشية))، ويؤيّد الأول أن في رواية لمسلم: ((إلا كلبًا ضاريًا)). انتهى(٢). (أَوْ صَاحِبَ مَاشِيَةٍ))) قال الفيّوميّ: الماشية: المال من الإبل، والغنم. قاله ابن السّكّيت، وجماعة. وبعضهم يجعل البقر من الماشية. انتهى. قال القرطبيّ: وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يُسرَح معها، لا الذي يحفظها في الدار من السُّرَّاق. وكلب الزرع هو الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار، لا من السُّاق. وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسُرّاق الماشية والزرع. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله غير مالك رحمه الله تعالى من جواز اتخاذها للسُّرّاق وغيره هو الراجح عندي؛ لإطلاق النّصوص، فإنه لم يخصّ نوعًا من الحفظ، بل أباح لحفظ هذه الأشياء مطلقًا، فتقييدها بنوع من الحفظ يحتاج إلى دليل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٢ / ٤٢٨٦ و٤٢٨٨/١٣ و٤٢٨٩ و١٤/ ٤٢٩٣- وفى ((الكبرى)) ١٣/ ٤٧٩٥ و٤٧٩٧/١٤ و٤٧٩٨ و٤٨٠٢/١٥. وأخرجه (خ) في ((الذبائح والصيد)) ٥٤٨٠ و٥٤٨١ و٥٤٨٢ (م) في (المساقاة) ٢٩٤٠ و٢٩٤١ و ٢٩٤٣ و٢٩٤٤ و٢٩٤٥ و٢٩٤٦ (ت) في ((الأحكام)) ١٤٨٧ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٤٦٥ و٤٥٣٥ و ٤٧٩٨ و٤٩٢٥ و٥٠٥٣ و٥١٤٩ و٥٢٣١ و٥٧٤١ و٥٨٨٩ و٦٣٠٦ (الموطأ) في ((الجامع)) ١٨٠٨ (الدارمي) في ((الصيد)» ٤٠٠٤. وبقية مسائل الحديث تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (١) ((شرح مسلم)) ١٠/ ٤٨١- ٤٨٢. (٢) ((زهر الربى)) ٧/ ١٨٧. ١٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ ٤٢٨٧- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ مُقَاتِلِ بْنِ مُشَمْرِجِ بْنِ خَالِدٍ، السَّعْدِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَن يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ خُصَيْفَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّهُ وَفَدَ عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ بَنُ أَبِي زُهَيْرٍ، الشَّنَائِيُّ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّ: (مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا، لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمِ قِيرَاطٌ)). قُلْتُ: يَا سُفْيَانُ، أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ◌َِّ؟، قَالَ: نَعَمْ، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ مُقَاتِلِ بْنِ مُشَمْرِجِ بْنِ خَالِدِ، السَّعْدِيُّ) المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣ . ٢- (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارىء المدنيّ، ثقة ثبت [٨] ١٧/١٦. ٣- (يزيد بن خُصَيفة)- بخاء معجمة، فصاد مهملة، مصغّرًا- هو يزيد بن عبد الله ابن خُصيفة بن عبد الله بن يزيد الكنديّ المدني، نُسب لجدّه، ثقة [٥] ٧٥٠/ ٩٦٠ . ٤- (السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثُمامة الكنديّ، وقيل: غير ذلك في نسبه، ويُعرف بابن أخت النمِر، صحابي صغير، وله أحاديث قليلة، وحُجّ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولّاه عمر رضي اللّه تعالى عنه، ومات سنة (٩١)، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، تقدّمت ترجمته في ١٥/ ١٣٩٢ . ٥- (سفيان بن أبي زُهير) الأزديّ، من أَزْدَ شَنُوءَة، واسم أبي زُهير الْقَرِد، وشَنُوءة: هو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن يعرب بن الغوث، وإنما سُمُوا شَنُوءَةً لشنئان، كان بينهم. وقال بعضهم في نسبه: النَّمَريّ، وبعضهم النُّمَيريّ، له صحبة يعدّ في أهل المدينة. روى عن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم. وعنه السائب بن يزيد، وعبد الله، وعروة ابنا الزبير. روى له البخاريّ، ومسلم،، وابن ماجه، له عندهم حديثان: أحدهما في اقتناء الكلب، والآخر في فضل المدينة، وروى له المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، إلا شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، فالسائب بن يزيد صحابيّ صغير مشهور. والله تعالى أعلم. ١٢٧= ١٢- (الرُّخْصَةُ فِي إِمْسَاكِ الکلبِ لِلمَاشِيةِ) - حديث رقم ٤٢٨٧ شرح الحديث (عَن يَزِيدَن وَهُوَ) ابن عبد اللَّه (بْنُ خُصَيْفَةَ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ) الضمير للشأن: أي الحال والشأن (وَفَدَ) بفتح الفاء، يقال: وفد إليه، وعليه، يفد وَفدًا، من باب وعد، ووُفُودًا، ووِفَادةً، وإِفَادةً: إذا قَدِمَ، وورَدَ (عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنَائِيُّ) بفتح الشين المعجمة، بعدها نون: نسبة إلى شنوءة - بفتح المعجمة، وضم النون، بعدها واو ساكنة، ثم همزة مفتوحة، وهي قبيلة مشهورة، ويقال فيه: الشَّنُوئيّ بضمّ النون على الأصل (وَقَالَ) أي سفيان (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا) أي اتخذه (لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، وَلَا ضَرْعًا) المراد هنا الماشية، كما في سائر الروايات، ومعناه: اقتنى كلبًا لغير زرع، وماشية. قاله النوويّ (نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْم قِيرَاطٌ) تقدّم تفسيره مستوفىّ، فلا تغفل. قال السائب (قُلْتُ: يَا سُفْيَانُ، أَنْتَ) بتقدّير همزة الاستفهام، وفي نسخة ((أنت)) بإثبات الهمزتين (سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ؟) فيه التثبّت في الحديث (قَالَ) أي سفيان (نَعَمْ) ولفظ الشيخين: ((إِي)) وهي بكسر الهمزة، وسكون الياء التحتانيّة بمعنى ((نعم)) (وَرَبُ هَذَا الْمَسْجِدِ) وفيه استعمال القسم للتوكيد، وإن كان السامع مصدّقًا. قاله في ((الفتح))(١) . والظاهر أن المراد بالمسجد هو المسجد النبويّ؛ لأن سفيان والسائب كلاهما مدنيّان، ويحتمل أن يكون مسجدًا آخر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سفيان بن أبي زُهير الشنائيّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٢ / ٤٢٨٧ - وفي ((الكبرى)) ٤٧٩٦/١٣. وأخرجه (خ) في ((المزارعة)) ٢٣٢٣ و((بدء الخلق)) ٣٣٢٥ (م) في ((المساقاة)) ٢٩٥١ (ق) في ((الصيد)) ٣٢٠٦ (أحمد) في (مسند الأنصار)) ٢١٤٠٦ و٢١٤١١ (الموطأ) في ((الجامع)) ١٨٠٧ (الدارمي) في ((الصيد)) ٢٠٠٥ . وبقيّة المسائل تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) ((فتح)) ٢٧٢/٥ ((كتاب الحرث والمزارعة. ١٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ ١٣- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي إِمْسَاكِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ) ٤٢٨٨- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ قَالَ: (مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَا ضَارِيًا، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمِ قِيِرَاطَانٍ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وهو من رباعيّات المصنّف، وهو (٢٠٠) من رباعيات الكتاب. وقوله: ((إلا كلبًا ضاريًا)) هكذا في بعض النسخ، ووقع في النسخة الهنديّة: ((إلا كلب ضاري))، وكذا في بعضٍ روايات مسلم، قال النوويّ في ((شرحه)): قَوْله ◌َّ: (مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّ كَلْبِ مَاشِيَة، أَوْ ضَارِي)): هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخِ: ((ضَارِي)) بِالْيَاءِ، وَفِي بَعْضِهَا: ((ضَارِيًّا)) بِالْأَلِفِ، بَعْدِ الْيَاءِ، مَنْصُوبًا، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَة: ((مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْبِ ضَارِيَةٍ))، وَذَكَّرَ الْقَاضِي أَنَّ الْأَوَّلِ رُوِيَ ((ضَارِي))، بِالْيَاءِ، ((وَضَارِ)) بِحَذْفِهَا، ((وَضَارِيّا))، فَأَمَّا ((ضَارِيّا))، فَهُوَ ظَاهِرِ الْإِغْرَابِ، وَأَمَّا ((ضَارِي))، ((وَضَارٍ))، فَهُمَا مَجْرُورَانٍ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى ((مَاشِيَة))، وَيَكُون مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَّته، كَمَاءِ الْبَارِدِ، وَمَسْجِد الْجَامِعِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ بَانِبِ الْغَرْبِ﴾ [القصص: ٤٤]، ﴿وَلَدَارُ اُلْآَخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، وَسَبَقَ بَيَان هَذَا مَرَّاتٍ، وَيَكُون ثُبُوت الْيَاءِ فِي ((ضَارِي)) عَلَى اللُّغَة الْقَلِيلَةِ، فِي إِثْبَاتَها فِي الْمَنْقُوصِ، مِنْ غَيْرِ أَلِفِ وَلَام، وَالْمَشْهُور حَذْفَهَا. وَقِيلَ: إِنَّ لَفْظَة (ضَارِ)) هُنَا صِفَة لِلرَّجُلِ الصَّائِد، صَاحِب الْكِلَابِ، الْمُعْتَادِ لِلصَّيْدِ، فَسَمَّاهُ ضَارِيًا؛ اسْتِعَارَة، كَمَا فِي الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى: ((إِلَّا كَلْب مَاشِيَة، أَوْ كَلْب صَائِد)). وَأَمَّا رِوَايَة ((إِلَّا كَلْب ضَارِيَة))، فَقَالُوا: تَقْدِيرِه إِلَّ كَلْب ذِي كِلَابِ ضَارِيّةٍ. وَالضَّارِي هُوَ الْمُعَلَّم الصَّيْد، الْمُعْتَاد لَهُ الى ما تقدّم من معنى ضري(١). والحديث متفقٌ عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٨٩- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، عَن سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهرِيُّ، عَن سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ، قَالَ: ((مَنْ اقْتَتَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِّنْ (١) (شرح مسلم)) ١٠ /٤٨١- ٤٨٢. ١٤- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي إِمْسَاكِ ... - حديث رقم ٤٢٩١ ١٢٩ = أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمِ قِيرَاطَانٍ))). قال الجامَع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((عبد الجبّار بن العلاء)): هو العطّار البصريّ، أبو بكر نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [١٠] ١٩٩/١٣٢. و((سفيان)): هو ابن عيينة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه مستوفى في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٤ - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي إِمْسَاكِ الْكَلْبِ لَلْحَرْثِ) ٤٢٩٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بِنُ جَعْفَرٍ، عَن عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((مَنْ الَّخَذَ كَلْبَا، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، أَوْ زَرْعٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْم قِيرَاطٍ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجالَ هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و (يحيى)): هو القطّان. و((ابن أبي عديّ)): هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ. (ومحمد بن جعفر)): هو غندر. و((عوف)): هو ابن أبي جميلة الأعرابيّ البصريّ. و((الحسن)): هو البصريّ. والحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله قبل ثلاثة أبواب، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤٢٩١- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمِ قِيرَاطٌ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. وإسحاق)): هو ابن راهويه. و((عبد الرزاق)): هو ابن همّام الصنعانيّ. و((معمر)): هو ١٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ ابن راشد. وشرح الحديث يُعلم مما مضى. وزيادة ((أو زرع)) سيأتي الكلام عليها بعد حديث، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٤ / ٤٢٩١ و٤٢٩٢ وفي ((الكبرى)) ١٥/ ٤٨٠٠ و٤٨٠١. وأخرجه (خ) في ((الحرث والمزارعة)) ٢٣٢٢ و(بدء الخلق)) ٣٣٢٤ (م) في ((المساقاة)) ٢٩٤٧ و ٢٤٨ و٢٩٤٩ و٢٩٥٠ (د) في ((الصيد)) ٢٨٤٤ (ت) في ((الأحكام)) ١٤٨٨ و١٤٩٠ (ق) في ((الصيد)) ٣٢٠٤ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٤٦٥ و٩٢٠٩. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٩٢- (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ يُونُسُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، قَالَ: ((مَنْ اقْتَنَى كَلْبَا، لَيْسَ بِكَلْبٍ صَيْدٍ، وَلَا مَاشِيَةٍ، وَلَّا أَرْضٍ، فَإِنَةً يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانٍ كُلَّ يَوْمٍ))). قالَّ الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو واسطيّ، نزيل مصر، ثقة. والسند مسلسل بثقات المصريين، إلى ابن شهاب، ومنه مدنيّون. والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٩٣- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرِ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَّةَ، عَن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ: ((مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ كَلَبَ صَيْدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمَ قِيرَاطٌ)). قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ((أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((محمد بن أبي حَرْمَلة)): هو القرشيّ المدنيّ، مولى ابن حُويطب، ثقة [٦] ٣٦/ ٥٧٨ . وقوله: قال عبد الله: وقال أبو هريرة: ((أو كلبّ حَرْث))، وهكذا هو في رواية ١٤ - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي إِمْسَاكِ ... - حديث رقم ٤٢٩٣ ١٣١ === مسلم، وعبد الله هو ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، يعني أنه قال: إن أبا هريرة رضي اللَّه تعالى عنه يزيد في هذا الحديث: ((أو كلب حرث))، والمراد به الكلب الذي يحرُس الزرع، فهو بمعنى قوله في الرواية السابقة: ((أو زرع)). وهذه الرواية تدلّ على أن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما يقبل زيادة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه المذكورة، وفي رواية مسلم من طريق عمرو بن دينار، عن ابن عمر: أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، إلا كلب صيد، أو كلب غنم، ((، فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: ((أو كلب زرع))، فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعًا، فقيل: أراد ابن عمر بهذا الكلام الإنكار على أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، وهذا القول غير صحيح، بل الصواب أنه أراد بذلك تثبيته، وقبول زيادته. قال النوويّ رحمه الله تعالى في شرح هذا الكلام: ما نصّه: قال العلماء: ليس هذا توهينًا لرواية أبي هريرة، ولا شكّا فيها، بل معناه أنه لَمّا كان صاحب زرع، وحرث، اعتنى بذلك، وحَفِظَه، وأتقنه، والعادة أن المبتلى بشيء يُتقنه ما لا يتقنه غيره، ويتعرّف من أحكامه ما لا يعرفه غيره. وقد ذكر مسلم هذه الزيادة، وهي اتخاذه للزرع من رواية ابن المغفّل(١)، ومن رواية سُفيان بن أبي زُهير (٢)، عن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وذكرها أيضًا مسلم من رواية أبي الحكم، واسمه عبد الرحمن بن أبي نُعْم البجليّ، عن ابن عمر، فيحتمل أن ابن عمر لَمّا سمعها من أبي هريرة، وتحقّقها عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، رواها عنه بعد ذلك، وزادها في حديثه الذي كان یرویه بدونها . ويحتمل أنه تذكّر في وقت أنه سمعها من النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، فرواها، ونسيها في وقت، فتركها. والحاصل أن أبا هريرة ليس منفردًا بهذه الزيادة، بل وافقه جماعة من الصحابة في روايتها، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، ولو انفرد بها لكانت مقبولة، مرضيّةً، مکرّمةً. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ رحمه الله تعالى في تثبيت ابن عمر لزيادة أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنهم تحقيقٌ نفيسٌ جدًا. والحاصل أن من قال: إن مراد ابن عمر بقوله: ((إن لأبي هريرة زرعًا)) الإنكار عليه في هذه الزيادة، فقد أخطأ الطريق، وحاد عن الصواب، فالحقّ أن مراده تثبيته، (١) هي الرواية السابقة للمصنّف قبل حديثين. (٢) هي الرواية السابقة عند المصنّف قبل باب. = ١٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ وتصويبه في زيادته، بدليل ما ثبت عن ابن عمر أنه كان يزيدها أيضًا، كما رواه مسلم من طريق قتادة، عن أبي الحكم، قال: سمعت ابن عمر، يحدّث عن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، قال: ((من اتّخذ كلبًا إلا كلب زرع، أو غنم، أو صيد، ينقص من أجره كلَّ یوم قيراط)). والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبل باب، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٥- (النَّهْيُ عَن ثَمَنِ الْكَلْبِ) ٤٢٩٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ، عُقَبَةَ، قَالَّ: (نََّى رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، عَن ثَمَنِ الَّكَلْبٍ، وَمَهَرِ الْبَغِيَّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ))). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (قتبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الإمام المصري الحجة الثبت [٧] ٣٥/٣١. ٣- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه [٤] ١/ ١ . ٤- (أبو بكر بن الحارث بن هشام) المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وأبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، ثقة فقيه، عابدٌ [٣] ٩٦٣/٥١. ٥- (أبو مسعود، عقبة) بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ، صحابيّ جليل، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٤٩٤/٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، من ابن شهاب، والليث مصريّ، وقتيبة بغلانيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه من هو مشهور بكنيته، وهو أبو بكر، ١٣٣ ١٥- (النَّهْيُ عَن ثَمَنِ الْكَلْبِ) - حديث رقم ٤٢٩٤ وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام) الخزوميّ المدنيّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ) البدريّ رضي الله تعالى عنه (عُقْبَةَ) بالنصبَ بدل من ((أبا مسعود))، ويحتمل الرفع على أنه خبر لمبتد! محذوف: أي هو عقبةُ (قَالَ: ((نَّى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ، عَنْ ثَمَنٍ الْكَلْبِ) ظَاهِرِ النَّهْي ◌َحَرِيم بَيْعه، وَهُوَ عَامَ فِي كُلّ كَلْبٍ، مُعَلَّمًا كَانَ، أَوْ غَيْرِهِ، مِمَّا يَجُوزِ اقْتِنَاؤُهُ، أَوْ لَا يَجُوزِ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ أَنْ لَا قِيمَة عَلَى مُتْلِفِه، وعليه الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسائل، إن شاء اللّه تعالى. (وَمَهْرِ الْبَغِيّ) هُوَ مَا تَأْخُذْهُ الزَّانِيَة عَلَى الزْنَا، سَمَّاهُ مَهْرًا مَجَازًا، و(الْبَغِيّ)) - ◌ِفَتْحِ الْمُوَخَّدَة، وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَشْدِيد الثَّحْتَانِيَّة - وَهُوَ فَعِيلَ، بِمَعْنَى فَاعِلَة، أصله بَغُويّ، على وزن صبور، فلذلك استوى فيه التذكير والتأنيث، وَجْمعُ الْبَغِيّ بَغَايَا، وَالْبِغَاء بِكَسْرٍ أَوَّله: الزِّنَا، وَالْفُجُور، وَأَصْلِ الْبِغَاءِ: الطّلَب، غَيْرِ أَنَّهُ أَكْثَر مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَسَاد، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمَةِ، إِذَا أُكْرِهَتْ عَلَى الزُّنَا، فَلَامَهْر لَهَا، وَفِي وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ يَجِب لِلسَّيِّدِ. قاله في ((الفتح))(١). (وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ) -بضمّ الحاء المهملة، وسكون اللام -: مَصْدَر حَلَوْته حُلْوَانًا: إِذَا أَعْطَيْتِه، وَأَصْله مِنْ الْحَلَاوَة، شُبِّهَ بِالشَّيْءِ الْحُلْوِ، مِنْ حَيْثُ إِنَةً يَأْخُذْهُ سَهْلًا، بِلا كُلْفَةٍ، وَلا مَشَقَّة، يُقَال: حَلَوْتِهِ: إِذَا أَطْعَمْتَه الْحُلْوِ، وَالْحُلْوَان أَيْضًا الرِّشْوَة، وَالْحُلَوَان أَيْضًا أَخْذِ الرَّجُلِ مَهْر ابْنَتَه لِنَفْسِهِ. وَحُلوان الكاهن حَرَامٍ بِالْإِجَاعِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ أَخْذُ الْعِوَض عَلَى أَمْرِ بَاطِل، وَفِي مَعْنَاهُ: التَّنْجِيمِ، وَالضَّرْب بِالْحَصَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَتَعَاناهُ الْعَرَّافُونَ، مِن اسْتِطْلَاعِ الْغَيْب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي مسعود رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٢٩٤/١٥ و ((البيوع» ٤٦٦٨/٩١- وفي ((الكبرى)) ٤٨٠٣/١٦ و ((البيوع)) ٦٢٦٢/٩٢. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢٢٣٧ و((الإجارة)) ٢٢٨٢ (١) ((فتح)) ١٨٠/٥ ((كتاب البيوع)) رقم الحديث ٢٢٣٧. ١٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ و((الطلاق)) ٥٣٤٦ و((الطبّ)) ٥٧٦١ (م) في ((البيوع)) ٢٩٣٠ (د) في ((البيوع)) ٣٤٢٨ و٣٤٨١ (ت) في ((النكاح)) ١١٣٣ و((البيوع)) ١٢٧٦ (ق) في ((التجارات)) ٢١٥٩ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٦٦٢٢ و١٦٦٢٦ و١٦٦٣٩ (الموطأ) في ((البيوع)) ١٣٦٣ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٥٦٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو النهي عن ثمن الكلب. (ومنها): تحريم أجرة الزانية. (ومنها): تحريم ما يأخذه الكاهن على كهانته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع الكلب: قال النوويّ رحمه اللَّه تعالى: وَأَمَّا النَّهْي عَنْ ثَمَن الْكَلْب، وَكَوْنه مِنْ شَرّ الْكَسْب، وَكَوْنه خَبِيثًا، فَيَدُلْ عَلَى تَجِرِيم بَيْعه، وَأَنَّهُ لَا يَصِحّ بَيْعه، وَلَا يَحِلّ ثَمَنه، وَلَا قِيمَة عَلَى مُثْلِفِه، سَوَاء كَانَ مُعَلَّمَا، أَمْ لَا، وَسَوَاء كَانَ مِمَّا يَجُوز اقْتِنَاؤُهُ أَمْ لَا، وَبِهَذَا قَالَ جَاهِير الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: أَبُو هُرَيْرَة، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، وَرَبِيعَة، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالْحَكّم، وَحَمَّادِ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَدَاوُد، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرِهمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: يَصِحّ بَيْعِ الْكِلَابِ الَّتِي فِيهَا مَنْفَعَة، وَشَجِب الْقِيمَة عَلَى مُتْلِفِهَا. وَحَكَى ابْنِ الْمُنْذِر عَنْ جَابِرٍ، وَعَطَاءِ، وَالنَّخَعِيّ: جَوَاز بَيْعِ كَلْب الصَّيْد، دُون غَيْرِه. وَعَنْ مَالِك رِوَايَات: [إِحْدَاهَا]: لَا يَجُوز بَيْعه، وَلَكِنْ تَجِب الْقِيمَة عَلَى مُتْلِفِه. [وَالثَّانِيَة]: يَصِحْ بَيْعِه، وَشَجِب الْقِيمَة. [وَالثَّالِثَة]: لَا يَصِحَ، وَلَا تَجِب الْقِيمَة عَلَى مُثْلِفِه. دَلِيلِ الْجُمْهُورِ هَذِهِ الْأَحَادِيث. وَأَمَّا الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَنْ ثَمَن الْكَلْب، إِلا كَلْبِ صَيْدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِلَّا كَلْبَا ضَارِيّا))، وَأَنَّ عُثْمَان غَرَّمَ إِنْسَانًا ثَمَنْ كَلْب، قَتَلَهُ عِشْرِينَ بَعِيرًا، وَعَنِ ابْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ: التَّغْرِيم فِي إِثْلَافه، فَكُلّهَا ضَعِيفَة بِاتَّفَاقٍ أَئِمَّة الْحَدِيث. انتهى كلام النوويّ(١). وقال في ((الفتح)): ما حاصله: ذهب الجمهور إلى تَخْرِيم بَيْع الكلب، وَهُوَ عَامٍ فِي كُلّ كَلْب، مُعَلَّمَا كَانَ، أَوْ غَيْرِهِ، مِمَّا يَجُوز اقْتِنَاؤُهُ، أَوْ لَا يَجُوز، وَمِنْ لَازِمٍ ذَلِكَ أَنْ لَا قِيمَة عَلَى مُتْلِفِه. وَقَالَ مَالِك: لَا يَجُوز بَيْعه، وَتَجِب الْقِيمَة عَلَى مُتْلِفِه، وَعَنْهُ كَالْجُمْهُورٍ، وَعَنْهُ كَقَوْلٍ أَبِي حَنِيفَة: يَجُوز، وَتَجِب الْقِيمَة. وَقَالَ عَطَاءِ، وَالنَّخَعِيِّ: يَجُوز بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْد، دُون (١) (شرح مسلم)) ١٠/ ٤٧٧. - - ١٥- (النَّهيُ عَن ثَمَن الكلب) - حديث رقم ٤٢٩٤ ١٣٥ غَيْرِهِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث ابْن عَبَّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، مَرْفُوعًا: ((نَّى رَسُول اللَّهِ وََّ، عَن ثَمَنِ الْكَلْبِ))، وَقَالَ: ((إِنْ جَاءَ يَطْلُب ثَمَن الْكَلْب، فَامْلَأْ كَفّه تُرَابًا)). وَإِسْنَاده صَحِيحٍ. وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي اللّه تعالى عنه، مَرْفُوعًا: ((لا يَحِلّ ثَمَنِ الْكَلْب، وَلَا حُلْوَان الْكَاهِن، وَلَا مَهْرِ الْبَغِيّ)) . وَالْعِلَّةِ فِي تَّحِرِيم بَيْعه عِنْدِ الشَّافِعِيّ، نَجَاسَته مُطْلَقًّا، وَهِيَ قَائِمَة فِي الْمُعَلَّم وَغَيْرِهِ، وَعِلَّةِ الْمَنْعِ عِنْد مَنْ لَا يَرَى نَجَاسَته، النَّهِيُ عَنِ اتَّاذِهِ، وَالْأَمْرِ بِقَتْلِهِ، وَلِذَلِكَ خُصَّ مِنْهُ مَا أُذِنَ فِي الْاذه. وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث جَابِرٍ رضي اللّه تعالى عنه، الآتي في الباب التالي، قَالَ: (نَى رَسُول اللَّه ◌َلِّ، عَن ثَمَن السنّور، وَالْكَلْب، إِلَّا كَلْب صَيْد))، لكن سيأتي أن المصنّف ضعفه. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث ابْنِ عُمَر رضي اللَّه تعالى عنهما، عِنْد ابْن أَبِي حَاتِم، بِلَفْظِ: (نََّى عَنْ ثَمَنَ الْكَلْبِ، وَإِنْ كَانَ ضَارِيّا))، يَعْنِي مِمَّا يَصِيدُ، وَسَنَده ضَعِيف، قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ مُنْكَر، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد: ((تَّى عَنْ ثَمَن الْكَلْبِ، وَقَالَ: طُعْمَة جَاهِلِيَّة))، وَنَحْوِه لِلطَبَرَانِيِ، مِنْ حَدِيث مَيِمُونَة بِنْت سَعْد(١). وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَشْهُور مَذْهَبِ مَالِك جَوَازِ اتَّخَاذْ الْكَلْبِ، وَكَرَاهِيَة بَيْعه، وَلَا يُفْسَخ إِنْ وَقَعَ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدِه نَجَسًا، وَأُذِنَ فِي الْاذه لِمَنَافِعِهِ الْجَائِزَةِ، كَانَ حُكْمهـ حُكُم جَميعِ الْمَبِيعَاتِ، لَكِنْ الشَّرْعُ نَهَى عَنْ بَيْعه تَنْزِيها؛ لِأَنَّةَ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاق، قَالَ: وَأَمَّا تَسْوِيَته فِي النَّهْيِ بَيْنِه وَبَيْنِ مَهْر الْبَغِيّ، وَحُلْوَان الْكَاهِن، فَمَحْمُول عَلَى الْكَلْبِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ فِي الْخَاذِهِ، وَعَلَىِ تَقْدِير الْعُمُومِ فِي كُلّ كُلْبٍ، فَالنَّهِي فِي هَذِهِ الثَّلَاثَة فِي الْقَدْر الْمُشْتَرَكُ، مِنْ الْكَرَاهَة أَعَمّ مِنْ النَّنْزِيهِ وَالنَّحْرِيمِ، إِذْ كلُّ وَاحِد مِنْهُمَا مَنْهِيٍّ عَنْهُ، ثُمَّ تُؤْخَذ خُصُوصِيَّةٍ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ دَلِيل آخَرِ، فَإِنَّ عَرَفْنَا تَحَرِيمِ مَهْر الْبَغِيّ، وَحُلْوَان الْكَاهِن مِنْ الْإِجَمَاعِ، لَا مِنْ مُجَرَّد النَّهِي، وَلَا يَلْزَم مِنْ الاشْتِرَاكَ فِي الْعَطْف، الاشْتِرَاك فِي جَميعِ الْوُجُوهِ، إِذْ قَدْ يُعْطَف الْأَمْرِ عَلَى النَّهِي، وَالْإِيجَابِ عَلَى التَّفْي. انتهى كلام القرطبيّ باختصار(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التفصيل الذي قاله القرطبيّ محلّ نظر، بل الذي يترجَّحُ عندي هو الذي عليه الجهور، من تحريم بيع الكلب مطلقًا؛ لعموم النصّ، وعدم صحّة الاستثناء الذي في حديث جابر رضي الله تعالى عنه الآتي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم حلوان الكاهن، وبيان معناه: (١) ((فتح)) ١٧٩/٥ -١٨٠. ((كتاب البيوع)). (٢) ((المفهم)) ٤/ ٤٤٣-٤٤٤. ((كتاب البيوع. ١٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ قال النوويّ: قَالَ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَضْحَابَا، وَالْقَاضِي عِيَاض: أَجَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تُحْرِيم ◌ُلْوَانِ الْكَاهِن؛ لِأَنّةُ عِوَضَ عَن مُحَرَّم؛ وَلِأَنَةً أَكَلَّ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَكَذَلِكَ أَجَّعُوا عَلَى تَحْرِيم أُجْرَة الْمُغَنِيَة لِلْغِنَاءِ، وَالنَّائِحَة لِلنَّوْحِ. وَأَمَّا الَّذِي جَاءَ فِي غَيْرِ (صَحِيحِ مُسْلِم)) مِنْ النَّهْي عَن كَسْب الْإِمَاءِ، فَالْمُرَاد بِهِ كَسَّبهنَّ بِالزّنَا، وَشِبْهِهِ، لَا بِالْغَزْلِ، وَالْخِيَاطَة، وَنَخوهمَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ: قَالَ ابْنِ الْأَغْرَابِيّ: وَيُقَال حُلْوَانِ الْكَاهِنِ الشنع، والصِّهْميم(١). قَالَ الْخَطَّابِيّ: وَحُلْوَان الْعَرَّافِ أَيْضًا حَرَامٍ. قَالَ: وَالْفَرْق بَيْنِ الْكَاهِنْ وَالْعَرَّاف، أَنَّ الْكَاهِن إِنَّمَا يَتَعَاطَى الْأَخْبَارِ عَنِ الْكَائِنَاتِ فِي مُسْتَقْبَل الزَّمَان، وَيَدَّعِي مَعْرِفَة الْأَسْرَارِ، وَالْعَرَّاف هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَة الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ، وَمَكَان الضَّالَّة، وَنَحْوَهَمَا مِنْ الْأُمُور. هَكَذَا ذكَّرَهُ الْخَطَّبِيّ فِي ((مَعَالِمِ السُّنَن)) فِي ((كِتَابِ الْبُيُوع))، ثُمَّ ذَكَّرَهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ أَبْسَط مِنْ هَذَا فَقَالَ: إِنَّ الْكَاهِن، هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مُطَالَعَة عِلْم الْغَيْبِ، وَيُخْبِرِ النَّاس عَن الْكَوَائِن. قَالَ: وَكَانَ فِي الْعَرَبِ كَهَنَة، يَذَّعُونَ أَنَّهِمْ يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنْ الْأُمُورِ، فَمِنْهُمْ: مَنْ يَزْعُمْ أَنَّ لَهُ رُفَقَاء مِنْ الْجِنَ، وَتَابِعَة تُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ يَسْتَدِرْكِ الْأُمُور بِفَهْم أُعْطِيَهُ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُسَمَّى عَرَّافًا، وَهُوَ الَّذِي يَزْعُمْ أَنَّهُ يَعْرِفِ الْأُمُورِ بِمُقَدْمَاتٍ أَسْبَبِ، يُسْتَدَلْ بِهَا عَلَى مَوَاقِعِهَا، كَالشَّيْءٍ يُسْرَق، فَيَعْرِفِ الْمَظْنُون بِهِ السَّرِفَّةُ، وتُنَّهَم الْمَرْأَةُ بِالرِّيَبَةِ، فَيُعْرَف مَنْ صَاحِبُهَا، وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُسَمِّي الْمُنَجْمَ كَاهِنَا، قَالَ: وَحَدِيث النَّهِي عَنِ إِثْيَانِ الْكُهَّان، يَشْتَمِل عَلَى النَّهْي عَنْ هَؤُلَاءِ كُلّهِمْ، وَعَلَى النَّهِي عَن تَصْدِيقِهِمْ، وَالرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدْعُو الطَِّيب كَاهِنَا، وَرُبَّمَا سَمَّوهُ عَرَّافًا، فَهَذَا غَيْرِ دَاخِلِ فِي النَّهي. هَذَا آخِرٍ كَلَامِ الْخَطَّابِيّ. قَالَ الْإِمَامِ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَزْدِيّ، مِنْ أَصْحَابنَا، فِي آخِرِ كِتَابِهِ «الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّة»: وَيَمْنَعِ الْمُحْتَسِبِ مَنْ يَكْتَسِبِ بِالْكِهَانَةِ، وَاللَّهْو، وَيُؤَدِّبِ عَلَيْهِ الْآخِذَ وَالْمُعْطِي. وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ(٢) . وقال في ((الفتح)): وَالْكَهَانَة - بِفَتْحِ الْكَاف، وَيَجُوز كَسْرِهَا -: ادْعَاء عِلْمِ الْغَيْب، كَالْإِخْبَارِ بِمَا سَيَقَعُ فِي الْأَرْضِ، مَعَ الأَسْتِنَادِ إِلَى سَبَب، وَالْأَصْلِ فِيهَا اسْتِرَاقِ السَّمْعِ مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَة، فَيُلْقِيِه فِي أُذُن الْكَاهِنِ. وَالْكَاهِنُ لَفْظِ يُطْلَقَ عَلَى الْعَرَّافِ، وَأَلَّذِي يَضْرِب بِالْحَصَى، وَالْمُنَجِّم، وَيُطْلَقَ عَلَى مَنْ يَقُومِ بِأَمْرٍ آخَرِ، وَيَسْعَى فِي قَضَاء حَوَائِجِه. وَقَالَ فِي ((الْمُحْكَم)): الْكَاهِنِ الْقَاضِي بِالْغَيْبِ. وَقَالَ فِي ((الْجَامِعِ)): الْعَرَب (١) ذكر في ((القاموس)) الصِّهميم كقنديل، وذكر له معاني كثيرة، ومنها: حُلْوان الكاهن. (٢) (شرح مسلم)) ١٠/ ٤٧٦ -٤٧٧ . ١٣٧ ١٥- (النَّھْيُ عَن ثَمَن الكَلْبِ) - حديث رقم ٤٢٩٤ تُسَمِّي كُلّ مَنْ آذَنَ بِشَيْءٍ قَبْل وُقُوعه كَاهِنَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْكَهَنَة قَوْم، لَهُمْ أَذْهَان حَادَّة، وَنُفُوس شِرِيرَة، وَطِبَاعٍ نَارِيَّة، فَأَلِفَتْهُمْ الشَّيَاطِين؛ لِمَا بَيْنِهِمْ مِنْ التَّنَاسُب فِي هَذِهِ الْأُمُور، وَسَاعَدَتُهُمْ بِكُلِ مَا تَصِل قُدْرَتهمْ إِلَيْهِ. وَكَانَتْ الْكَهَانَة فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاشِيَّة، خُصُوصًا فِي الْعَرَب؛ لانْقِطَاعِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ. وَهِيَ عَلَى أَصْنَاف: [مِنْهَا]: مَا يَتَلَقَّوْنَهُ مِنْ الْجِنّ، فَإِنَّ الْجِنّ كَانُوا يَصْعَدُونَ إِلَى جِهَةِ السَّمَاءِ، فَيَرْكَب بَعْضهمْ بَعْضًا، إِلَى أَنْ يَذْنُوَ الْأَعْلَى، بِحَيْثُ يَسْمَعِ الْكَلَامِ، فَيُلْقِهِ إِلَى الَّذِي يَلِيه، إِلَى أَنْ يَتَلَقَّاهُ مَنْ يُلْقِيه فِي أُذُن الْكَاهِنِ، فَيَزِيد فِيهِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامِ، وَنَزَلَ الْقُرْآن، حُرِسَتْ السَّمَاءِ مِنْ الشَّيَاطِين، وَأَزْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُب، فَبَقِيَ مِن اسْتِرَاقهمْ مَا يَتَخَطَّهُ الْأَعْلَى، فَيُلْقِيه إِلَى الْأَسْفَل، قَبْل أَنْ يُصِيبهُ الشِّهَاب، وإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطِفَةَ فَأَنْتَعَلُمِ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]، وَكَانَتْ إِصَابَة الْكُمَّان قَبْل الْإسْلَامِ، كَثِيرَة جِدًّا، كَمَا جَاءَ فِي أَخْبَارِ شِقٌّ، وَسَطِيحٍ، وَنَحْوِهِمَا، وَأَمَّا فِي الْإِسْلَامِ فَقَدْ نَدَرَ ذَلِكَ جِدًّا، حَتَّى كَادَ يَضْمَحِلّ، وَلِلَّهِ الْحَمْد. [ثَانِيهَا]: مَا يُخْبِرِ الْجِنْيُّ بِهِ مَنْ يُؤَالِيه، بِمَا غَابَ عَن غَيْرِهِ، مِمَّا لَا يَطَّلِعِ عَلَيْهِ الْإِنْسَانِ غَالِبًا، أَوْ يَطَّلِعِ عَلَيْهِ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ، لَا مَنْ بَعُدَ. [ثَالِثِهَا]: مَا يَسْتَنِدِ إِلَى ظَنّ، وَخْمِينِ، وَحَذْس، وَهَذَا قَدْ يَجْعَلِ اللَّه فِيهِ لِيَعْضِ النَّاسِ قُوَّة، مَعَ كَثْرَة الْكَذِب فِيهِ. [رَابِعِهَا]: مَا يَسْتَنِدِ إِلَى التَّجْرِبَة وَالْعَادَة، فَيَسْتَدِلُّ، عَلَى الْحَادِث بِمَا وَقَعَ قَبْل ذَلِكَ، وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ الْأَخِيرِ مَا يُضَاهِي السِّخْرِ، وَقَدْ يَعْتَضِد بَعْضِهِمْ فِي ذَلِكَ بِالزَّجْرِ، وَالطَّرْق، وَالنُّجُومِ، وَكُلّ ذَلِكَ مَذْهُومٍ شَرِعًا. وَوَرَدَ فِي ذَمَّ الْكَهَانَةِ، مَا أَخْرَجَهُ أَضْحَابٌ (السُّنَن))، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم، مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة، رَفَعَهُ: ((مَنْ أَتَى كَاهِنَا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُول، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد))، وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ، وَعِمْرَان ابْن حُصَيْنٍ، أَخْرَجَهُمَا الْبَزِّر، بِسَنَدَيْنِ جَيِّدَيْنِ، وَلَفْظهمَا: ((مَنْ أَتَى كَاهِنَا))، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ امْرَأَةٍ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ نََّ -وَمِنْ الرُّوَاة مَنْ سَمَّاهَا حَفْصَة - بِلَفْظِ: (مَنْ أَتَّى عَرَّافًا))، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، لَكِنْ لَمْ يُصَرِّح بِرَفْعِهِ، وَمِثْلِه لَا يُقَال بِالرَّأْيِ، وَلَفْظِهِ: ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا، أَوْ سَاحِرًا، أَوْ كَاهِنَا))، وَاتَّفَقَتْ أَلْفَاظِهِمْ عَلَى الْوَعِيد، بِلَفْظَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة، إِلَّا حَدِيث مُسْلِمٍ، فَقَالَ فِيهِ: ((لَمْ يُقْبَل لَهُمَا صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا)). وَوَقَعَ عِنْدِ الطََّرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَس، بِسَنَدٍ لَيْن، مَرْفُوعًا: بِلَفْظِ: ((مَنْ أَتَى كَاهِنَا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُول، فَقَدْ بَرِئٍ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد، وَمَنْ أَتَاهُ غَيْرِ مُصَدِّق لَهُ، لَمْ تُقْبَل صَلَاته أَرْبَعِينَ يَوْمًا))، وَالْأَحَدِيثِ، الْأُوَل مَعَ صِحَّتِهَا، وَكَثْرَتَهَا أَوْلَى مِنْ هَذَا، وَالْوَعِيد جَاءَ تَارَة بِعَدَم قَبُول الصَّلاَة، وَتَارَة بِالتَّكْفِيرِ، فَيُحْمَل عَلَى حَالَيْنِ مِنْ ١٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ الْآتِي، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقُرْطُبِيّ. وَالْعَرَّاف - ◌ِفَتْحِ الْمُهْمَلَة، وَتَشْدِيد الرَّاءِ -: مَنْ يَسْتَخْرِجِ الْوُقُوف عَلَى الْمَغِيبَات، بِضَرْبٍ مِنْ فِعْل،َ أَوْ قَوْل. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٩٥- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْرُوفُ ابْنُ سُوَيْدِ الْجُذَامِيُّ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ رَبَاحِ اللَّحْمِيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ، وَلَّا حُلْوَانُ الْكَاهِنِ، وَلَا مَهْرُ الْبَغِيّ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير: ١- (معروف بن سُويد الْجُذَاميّ) أبي سلمة البصريّ، مقبول [٧]. روى عن عليّ بن رباح، ويزيد بن صُبح، وأبي عُشّانة المعافريّ، وأبي قَبِيل. وعنه ابن لهيعة، ورِشدين بن سعد، وابن وهب، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن يونس: تُوفّي قبل الخمسين ومائة بيسير. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، له عندهما هذا الحديث فقط . و((عليّ بن رباح اللَّخْميّ)): هو أبو عبد الله المصريّ، ثقة، من صغار [٣] ٥٦٠/٣١ والمشهور في اسمه عُليّ بالتصغير، وكان يغضب منه. وشرح الحديث واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه صحيح بشواهده، فإن أحاديث الباب تشهد له . (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٢٩٥/١٥- وفي ((الكبرى)) ٤٨٠٤/١٦. وأخرجه (د) في ((البيوع)) ٣٤٨٤ (ق) في ((التجارات)) ٢١٦٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٩٦- (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، عَن يَخْتِى، عَن مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ ابْنِ يَزِيدَ، عَن رَافِعِ بْنِ خَدِيج، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((شَرُّ الْكَسْبِ مَهْرُ الْبَغِيّ، وَثَمَنُ الْكَلْبٍ، وَكَشَّبُ الْحَجَّامِ))). (١) ((فتح)) ٣٧٨/١١-٣٧٩. ((كتاب الطبّ)) رقم الحديث ٥٧٦٢ . ١٥- (النَّهْيُ عَن ثَمَنِ الْكَلْبِ) - حديث رقم ٤٢٩٦ ١٣٩= قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير ((شعيب بن يوسف)) أبي عمرو النسائيّ، فإنه من أفراد المصنف، وهو ثقة [١٠] ٤٩/٤٢. و(يحيى)): هو ابن سعيد القطّان. و((محمد بن يوسف)): هو الكنديّ المدنيّ الأعرج، ثقة ثبتٌ [٥] ١٨٣/١٢٣. و((السائب بن يزيد)): هو المذكور قبل بابين. وقوله: ((شرّ الكسب مهر البغيّ)): وفي حَدِيث أَبِي هُرِيْرَة رضي اللَّه تعالى عنه عند البخاريّ: (نََّى رَسُول اللَّهِ وََّ، عَن كَسْب الْإِمَاء)»، زَادَ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيث رَافِعِ بْن خَدِيج: ((نََّى عَن كَسْب الْأَمَة، حَتَّى يُعْلَم مِنْ أَيْنَ هُوَ؟))، فَعُرِفَ بِذَلِكَ النَّهْيُ، وَالْمُرَاد بِهِ كَسْبهَا بِالزّنَا، لَا بِالْعَمَلِ الْمُبَاحِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا، مِنْ حَدِيث رِفَاعَة بْنِ رَافِعِ، مَرْفُوعًا: ((نَى عَن كَسْبِ الْأَمَة، إِلَّا مَا عَمِلَتْ بِيَدِهَا))، وَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، نَحْو الْغَزْلِ، وَالنَّفْش - وَهُوَ بِالْفَاءِ - أَيْ نَتْفِ الصُّوف. وَقِيلَ: الْمُرَاد بِكَسْبِ الْأَمَة جَميع كَسْبِهَا، وَهُوَ مِنْ بَابِ سَدّ الذَّرَائِعِ؛ لِأَنَّا لَا تُؤْمَن، إِذَا أُلْزِمَتْ بِالْكَسْبِ، أَنْ تَكْسِب بِفَرْجِهَا، فَالْمَعْنَى أَنْ لَا يُجْعَل عَلَيْهَا خَرَاجٌ مَعْلُوم، تُؤَدِّيه كُلّ يَوْم. قاله في (الفتح)) . وقوله: ((وكسب الحجّام)): وفي حديث أبي جحيفة رضي اللّه تعالى عنه عند البخاريّ: ((نهى عن ثَمَن الدَّم))، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِهِ، فَقِيلَ: أَجْرَة الْحِجَامَة، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالْمُرَادٍ تَحِرِيم بَيْعِ الدَّم، كَمَا حُرْمَ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِير، وَهُوَ حَرَام إِجَاعًا، أَغْنِي بَيْعِ الدَّم، وَأَخْذَ ثَمَنْه. وقد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء في أجرة الحجّام، فَذَهَبَ الْجُمْهُورِ إِلَى أَنَّهُ حَلَال، وَاحْتَجُوا بِحديث ((احتجم النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وأعطى الحجام أجره))، متّفقٌ عليه، فقد قال ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما: ((احتجم النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وأعطى الحجام أجره، ولو علم كراهيةً لم يُعطه)). رواه البخاريّ. وَقَالُوا: هُوَ كَسْب، فِيهِ دَنَاءَة، وَلَيْسَ بِمُحَرَّم، فَحَمَلُوا الزَّجْرِ عَنْهُ عَلَى الَّنْزِيه. وَمِنْهُمْ مَنْ ادَّعَى النَّسَّخِ، وَأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا، ثُمَّ أُبِيحَ، وَجَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ، وَالنَّسْخِ لَا يَثْبُتِ بِالإِخْتِمَالِ. وَذَهَبَ أَحْمَد، وَجَّاعَةٍ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنِ الْحُرّ وَالْعَبْد، فَكَرِهُوا لِلْحُرِّ؛ الاخْتِرَاف بِالْحِجَامَةِ، وَيَحْرُمِ عَلَيْهِ الإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِه مِنْهَا، وَيَجُوز لَهُ الْإِنْفَاقِ عَلَى الرَّقِيق، وَالدَّوَابْ مِنْهَا، وَأَبَاحُوهَا لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا، وَعُمْدَتهمْ حَدِيث مُحَيِّصَةَ، أَنَّهُ ((سَأَلَ النَّبِيّ ◌َهُ عَنْ كَسْب الْحَجَّامِ؟ فَتَهَاهُ، فَذَكَر لَهُ الْحَاجَةِ، فَقَالَ: اعْلِفْهُ نَوَاضِحك))، أَخْرَجَهُ مَالِك، وَأَحْمَد، وَأَصْحَابِ ((السُّنَن))، وَرِجَاله ثِقَات. وَذَكَرَ ابْنِ الْجَوْزِيّ، أَنَّ أَجْر الْحَجَّامِ إِنَّمَا كُرِهَ؛ لِأَنَّةً مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجِب لِلْمُسْلِمِ ١٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ عَلَى الْمُسْلِمِ إِعَانَة لَهُ، عِنْد الاخْتِيَاجِ لَهُ، فَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذْ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا. وَجَّعَ ابْنِ الْعَرَبِيّ بَيْنِ قَوْله ◌َِّ: ((كَسْب الْحَجَّامِ خَبِيث))، وَبَيْن إِعْطَائِهِ الْحَجَّام أُجْرَته، بِأَنَّ مَحَلّ الْجَوَاز، مَا إِذَا كَانَتْ الْأُجْرَة عَلَى عَمَل مَعْلُوم، وَيُحْمَلِ الزَّجْر عَلَى مَا إِذَا كَانَ عَلَى عَمَلِ مَجْهُول. ذكره في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من حمل النهي على التنزيه هو الأرجح؛ لما تقدّم عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما. وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث رافع بن خَدِيج رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٢٩٦/١٥- وفي ((الكبرى)) ٤٨٠٥/١٦. وأخرجه (م) في ((البيوع)) ٢٩٣١ و٢٩٣٢ (د) في ((البيوع)) ٣٤٢١ (ت) في ((البيوع)) ١٢٧٥ (أحمد) في ((مسند المكيين)) ١٥٣٨٥ و١٥٤٠٠ و((مسند الشاميين)) ١٦٨٠٨ و١٦٨١٧ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٦٢١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٦- (الرُّخْصَةُ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ) ٤٢٩٧- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِقْسَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَن حَمَّدِ ابْنِ سَلَمَةَ، عَن أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ: (نَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ، وَالْكَلْبِ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ)). قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: وَحَدِيثُ حَجَّاجِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إبراهيم بن الحسن الْمِقْسميّ)): هو أبو إسحاق (١) ((فتح)) ٢٢١/٥-٢٢٢. ((كتاب الإجارة)) رقم ٢٢٧٨.