النص المفهرس
صفحات 101-120
٩ - (الأمْرُ بقَتَل الكلاب) - حديث رقم ٤٢٧٩ ١٠١= ٢- (محمد بن حرب) الْخَولاني الحمصي الأبرش- بالمعجمة - ثقة [٩]١٢٢/ ١٧٢. ٣- (الزُّبيديّ) محمد بن الوليد الحمصيّ الحافظ الثقة الثبت، من كبار [٧] ٤٥ / ٥٦ . ٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ . ٥- (ابن السبّاق)- بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة - هو عُبيد بن السبّاق الثقفي، أبو سعيد المدنيّ، ثقة [٣]. روى عن زيد بن ثابت، وسهل بن حُنيف، وأسامة بن زيد، وابن عباس، وميمونة، وجويرية، زوجي النبيّ ◌َّ، وزينب زوج عبد الله بن مسعود. وروى عنه ابنه سعيد، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، والزهري، ويزيد بن جثعْدُبَة، ومسلم بن مَعْبَد. ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة. وقال خليفة: يُكنى أبا سعيد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده برقم (٤٢٨٥). وقوله: ((ليأمر بقتل الكلب الصغير)) إنما خصّه بالذكر، وغيّا به الأمر؛ حيث إنه لا يظهر ضرره في حال صغره، فربّما يُظنّ أن يسامح في تركه، لكنه لم يسامح فيه، فظهر بذلك كون الأمر مؤكّدًا. والله تعالى أعلم. والحديث أخرجه مسلم، وسيأتي شرحه، وبيان مسائله بعد باب، حيث يسوقه المصنّف رحمه الله تعالى هناك مطوّلًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٧٩- (أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَن مَالِكِ، عَن نَافِعِ، عَن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ: ((أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، غَيْرَ مَا اسْتَثْنَى مِنْهَا»). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الثقة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧ . ٣- (نافع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني الثقة الثبت الفقيه [٣] ١٢/١٢. ٤- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو أعلى ما له من الأسانيد، وهو (١٩٨) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد على الإطلاق، كما نُقل عن الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى. (ومنها): أن فيه ابن عمر == ١٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَرَ: ((أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) ثم جاء النسخ، كما سيأتي صريحًا (غَيْرَ مَا اسْتَثْنَى مِنْهَا))) بنصب ((غير)) على الاستثناء، أي إلا الكلاب التي استثناها، وهي: كلب الصيد، والماشية، كما في حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، ويزاد عليهما كلب الزرع، كما في حديث عبد الله بن المغفّل، وحديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنهما. قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما روي مطلقًا، من غير استثناء، كما في رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر: ((أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم أمر بقتل الكلاب)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا بالنسبة لرواية مالك في البخاريّ ومسلم، وأما روايته عند المصنّف، فهي مقيّدة بالاستثناء، فتنبّه. قال: وروي مقيّدًا بالاستثناء المتّصل، كرواية عمرو بن دينار، عن ابن عمر: ((أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، إلا كلب صيد، أو كلب غنم، أو ماشية، فيجب على هذا ردّ مطلق إحدى الروايتين على مقيّدهما، فإن القضيّة واحدةٌ، والراوي لهما واحد، وما كان كذلك وجب فيه ذلك بالإجماع، وهذا واضح في حديث ابن عمر، وعليه فكلب الصيد، والماشية لم يتناولهما قطّ عموم الأمر بقتل الكلاب؛ الاقتران استثنائهما من ذلك العموم. وإلى الأخذ بهذا الحديث ذهب مالك، وأصحابه، وكثير من العلماء، فقالوا بقتل الكلاب، إلا ما استُثني منها، ولم يروا الأمر بقتل ما عدا المسثنى منسوخًا، بل مُحكمًا. وأما حديث عبد الله بن معفّل رضي اللّه تعالى عنه، فمقتضاه غير هذا، وذلك أنه قال فيه: أمر رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بقتل الكلاب، ثم قال: ((ما بالهم، وبال الكلاب؟))، ثم رخّص في كلب الصيد، وكلب الغنم والزرع، ومقتضى هذا أنه أمرهم بقتل جميع الكلاب، من غير استثناء شيء منها، فبادروا، وقَتلوا كلَّ ما وجدوا منها، ثم بعد ذلك رخّص فيما ذُكر، فيكون هذا الترخيص من باب النسخ؛ لأن العموم قد استقرّ، وبَرَد، وعُمل به، فرفع الحكم عن شيء مما تناوله نسخٌ، لا تخصيص. وقد ذهب إلى هذا في هذا الحديث بعض العلماء. ونحوّ من حديث عبد الله ابن المغفّل حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، قال: قد أمرنا رسول الله ١٠٣ ٩- (الأمْرُ بقتل الكُلَاب) - حديث رقم ٤٢٧٩ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدَم من البادية بكلبها، فنقتله، ثم تَّى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عن قتلها، فقال: ((عليكم بالأسود البهيم، ذي النقطتين، فإنه شيطان)). فمقتضاه أن الأمر كان بقتل الكلاب عامًا لجميعها، وأنه نُسخ عن جميعها إلا الأسود. وإلى هذا ذهب بعض العلماء. ولَمّا اضطربت هذه الأحاديث المرويّة، وجب عرضها على القواعد الأصوليّة، فنقول: إن حديث ابن عمر ليس فيه أكثر من تخصيص عموم باستثناء مقترن به، وهو أكثر في تصرّفات الشرع من نسخ العموم بكلّيّته، وأيضًا فإن هذه الكلاب المستثنيات الحاجة إليها شديدةٌ، والمنفعة بها عامّة وكِيدة، فكيف يأمر بقتلها؟ هذا بعيد من مقاصد الشرع، فحديث ابن عمر أولى. والله تعالى أعلم. قال: والحاصل من هذه الأحاديث أن قتل الكلاب، غير المستثنيات مأمورٌ به إذا أضرّت بالمسلمين، فإن كثُر ضررها، وغلب، كان الأمر على الوجوب، وإن قلّ، وندر، فأيُّ كلب أضرّ، وجب قتله، وما عداه جائزٌ قتله؛ لأنه سبُعٌ لا منفعة فيه، وأقلّ درجاته توقّع الترويع، وأنه ينقص من أجر مقتنيه كلّ يوم قيراطان. فأما المروّع منهنّ، غير المؤذي، فقتله مندوبٌ إليه. وأما الكلب الأسود، ذو النقطتين، فلا بُدّ من قتله؛ للحديث المتقدّم، وقلّما يُنتفَع بمثل تلك الصفة؛ لأنه إن كان شيطانًا على الحقيقة، فهو ضرر محضّ، لا نفع فيه، وإن كان على التشبيه به، فإنه شُبّه به للمفسدة الحاصلة منه، فكيف يكون فيه منفعة؟ ولو قدّرنا فيه أنه ضارٍ، أو للماشية لقُتل؛ لنصّ النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم على قتله. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى (١) وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٢٧٩ و٤٨٠ و٤٨١ - وفي ((الكبرى)) ٩/ ٤٧٨٨ و١٠ / ٤٧٨٩ و٤٧٩٠. وأخرجه (خ) في ((بدء الخلق)) ٣٣٢٣ مختصرًا، لم يذكر الاستثناء. (م) في ((المساقاة)) ٢٠٣٤ و٢٩٣٦ و٢٩٣٧ (ت) في (الأحكام)) ١٤٨٨ (ق) في ((الصيد)) ٣٢٠٢ و٣٣٠٣ (١) ((المفهم)) ٤ /٤٤٨ -٤٥٠. ١٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٧٣٠ و٥٧٤١ و ٥٨٨٩ و٦١٣٦ و٦٢٧٩ و٦٢٩٩ (الموطأ) في ((الجامع)) ١٨٠٩ (الدارمي) في ((الصيد)) ٢٠٠٧ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهلِ العلم في قتل الكلاب: قال النوويّ رحمه الله تعالى: أَجَمَعَ الْعُلَمَاءَ عَلَى قَتْلِ الْكَلْبِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُور، وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ مَا لَا ضَرَرِ فِيهِ، فَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابنَا: أَمَرَ النَّبِيّ ◌ََّ، أَوَّلًا بِقَتْلِهَا كُلّهَا، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ، وَنََّى عَنْ قَتْلَهَا، إِلَّا الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الشَّرْعِ عَلَى النَّهْي عَن قَتْلِ جَميعِ الْكِلَاب، الَّتِي لَا ضَرَر فِيهَا، سَوَاء الْأَسْوَد وَغَيْرِهِ، وَيُسْتَدَلّ لِمَا ذَكَرَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ الْمُغَفِّل. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: ذَهَبَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْأَخْذِ بِالْحَدِيثِ فِي قَتْلِ الْكِلَاب، إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ كَلْب الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ. قَالَ: وَهَذَا مَذْهَب مَالِك وَأَصْحَابِهِ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا، هَلْ كَلْب الصَّيْدِ وَنَحْوِهِ، مَنْسُوخٍ مِنْ الْعُمُومِ الْأَوَّل فِي الْحُكْم بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَأَنَّ الْقَتْلِ كَانَ عَامًّا فِي الْجَمِيعِ، أَمْ كَانَ مَخْصُوصًا بِمَا سِوَى ذَلِكَ؟ قَالَ: وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَاز اتخاذ جَميعِهَا، وَنَسْخِ الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا، وَالنَّهْي عَن اقْتِنَائِهَا إِلَّ الْأَسْوَد الْبَهِیم. قَالَ الْقَاضِي : وَعِنْدِي أَنَّ النَّهِي أَوَّلًا كَانَ خُبْيَا عَامًّا، عَنِ اقْتِنَاءِ جَمِيعهَا، وَأَمَرَ بِقَتْلِ جَميعِهَا، ثُمَّ نََّى عَن قَتْلَهَا مَا سِوَى الْأَسْوَد، وَمَنَعَ الاقْتِنَاءِ فِي جَمِيعِهَا، إِلَّا كَلْبِ صَيْد، أَوَ زَزِعِ، أَوْ مَاشِيَة . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي، هُوَ ظَاهِرِ الْأَحَادِيث، وَيَكُون حَدِيث ابْنِ الْمُغَفَّل مَخْصُوصًا بِمَا سِوَى الْأَسْوَد؛ لِأَنَّةَ عَامَ، فَيَخُصّ مِنْهُ الْأَسْوَد بِالْحَدِيثِ الْآخْرِ. وَأَمَّا اقْتِنَاء الْكِلَابِ، فَمَذْهَبَنَا أَنَّهُ يَخْرُمِ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ بِغَيْرِ حَاجَة، وَيَجُوز اقْتِنَاؤُهُ لِلصَّيْدِ، وَلِلزَّزْعِ، وَلِلْمَاشِيَةِ. وَهَلْ يَجُوز لِحِفْظِ الدُّور، وَالدَّرُوب وَنَحْوِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانٍ : أَحَدهمَا: لا يَجُوز؛ لِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّا مُصَرِّحَة بِالنَّهي إِلَّا لِزَرْعٍ، أَوْ صَيْد، أَوْ مَاشِيَة، وَأَصَحْهَا يَجُوزِ قِيَاسًا عَلَى الثَّلَاثَةِ، عَمَلًا بِالْعِلَّةِ الْمَفْهُوَمَةِ، مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَهِيَ الْحَاجَة. وَهَلْ يَجُوز اقْتِنَاءِ الْجَزْو، وَتَرْبِيَّتِه لِلصَّيْدِ، أَوْ الزَّرْعِ، أَوْ الْمَاشِيَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانٍ لِأَضْحَابِنَا: أَصَحّهمَا جَوَازه. انتهى كلام النوويّ رحمه اللَّه تعالى(١). وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى اختلفت الآثار في قتل الكلاب، واختلف العلماء في ذلك أيضًا، فذهب جماعة من أهل العلم إلى الأمر بقتل الكلاب (١) ((شرح مسلم)) ٤٧٩/١٠-٤٨٠ ٩- (الأمْرُ بِقَتَل الكلاب) - حديث رقم ٤٢٧٩ ١٠٥ ج كلّها، إلا ما ورد الحديث بإباحة اتخاذه منها للصيد، والماشية، وللزرع أيضًا، وقالوا: واجبٌ قتل الكلاب كلّها، إلا ما كان مخصوصًا بالحديث، امتثالا لأمره صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، واحتجّوا بحديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما المذكور في الباب. قال: ورُوي عن عبد الله بن جعفر أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه أمر بقتل الكلاب، قال عبد الله: وكانت أمّي تحته، وكان جرو لي تحت السرير، فقلت له: يا أبي وكلبي أيضًا؟ فقال: لا تقتلوا كلب ابني، ثم أشار بأصبعه: أن خذوه من تحت السرير، فأُخذ، وأنا لا أدري، فقُتل. وروى حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن نافع، أن ابن عمر دخل أرضًا له، فرأى كلبًا، فهَمَّ أن يقع بقيّم أرضه، فقال: إنه والله كلب عابر دخل الآن، قال: فأخذ المسحاة، وقال: حرّشوه عليّ، قال: فشحطه - أي قتله- في أعجل شيء. فهذا أبو بكر الصدّيق، وابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهم قد عملا بقتل الكلاب بعد رسول الله صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وجاء نحوه عن عمر، وعثمان رضي الله تعالى عنهما، فصار ذلك سنّةً معمولًا بها عند الخلفاء، لم يَنسخها عند من عمل بها شيء. وإلى هذا ذهب مالك بن أنس. قال أبو عمر: ظاهر حديث ابن عمر، وحديث جابر يدلّ على قتل جميع الكلاب، ولكن الحديث في ذلك ليس على عمومه؛ لما قد بان في حديث ابن شهاب، عن مالك، عن سالم، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، قال: فكانت الكلاب تُقتل إلا كلب صيد، أو ماشية. ومثله حديث عبد الله بن مُغفّل أن رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ورخّص في كلب الزرع، والصيد. وقال آخرون: أمره صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بقتل الكلاب منسوخٌ بإباحته اتخاذ ما كان منها للماشية، والصيد، والزرع، واحتجّ هؤلاء بحديث عبد الله بن المغفّل رضي اللَّه تعالى عنه، قال: أمر رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بقتل الكلاب، ثم قال: ماليٍ وللكلاب؟ ثم رخّص في كلب الصيد. قالوا: ففي هذا الخبر أن كلب الصيد قد كان أَمَر بقتله، ثم أباح الانتفاع به، فارتفع القتل عنه، قالوا: ومعلوم أن كلّ ما يُنتفع به جائزٌ اتخاذه، ولا يجوز قتله، إلا ما يُؤْكلُ، فيُذكَّى، ولا يُقتلُ. واحتجّوا أيضًا بحديث جابر رضي الله تعالى عنه: أمرنا رسول اللّه صلّى الله تعالى عليه وسلم بقتل الكلاب، قال: فكنّا نقتلها حتّى قال: إنها أمة من الأمم، ثم نهى عن قتلها، وقال: عليكم بالأسود ... )) الحديث. قال أبو عمر: حديث جابر لا حجّة فيه لمن أمر بقتل الكلاب، بل الحجة فيه لمن لم ير قتلها. قالوا: فهذا يدلّ على أن الإباحة في اتخاذها وحبّه أن لا يُفنيها، كان بعد الأمر 1 ١٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ بقتلها. قالوا: وقد رخّص في كلب الصيد، ولم يخصّ أسود بهيمًا من غيره. وقد قالوا: إن الأسود البهيم من الكلاب أكثرها أذّى، وأبعدها من تعليم ما ينفع، ولذلك رُوي أن الكلب الأسود شيطان. أي بعيد من المنافع، قريبٌ من المضرّة والأذى، وهذه أمورٌ لا تُدرك بنظر، ولا يوصل إليها بقياس، وإنما يُنتهى فيها إلى ما جاء عنه صلّى اللَّه تعالی علیه وسلم. قال أبو عمر: قد اضطربت ألفاظ الأحاديث في هذا المعنى، فمنها ما يدلّ على النسخ، ومنها ما يدلّ على الأمر بالقتل فيما عدا المستثنى. ·قال: وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز قتل شيء من الكلاب، إلا الكلب العقور، وقالوا: الأمر بقتل الكلاب منسوخ بنهيه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أن يُتّخذ شيء فيه الروح غَرَضًا، وبقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: خمس من الدوابّ يُقتلن في الحلّ والحرم، فذكر منهن الكلب العقور، فخصّ العقور، دون غيره؛ لأن كلّ ما يَعقر المؤمن، ويؤذيه، ويقدر عليه، فواجب قتله، وقد قيل: العقور ههنا الأسد، وما أشبهه من عقّارة سباع الوحش. واحتجوا أيضًا بما أخرجه الشيخان من قصّة الرجل الذي سقى كلبًا يلهث من العطش، فشكر الله له ذلك، فغفر له، وبما أخرجاه أيضًا من قصّة المرأة البغيّة، نزعت موقها، فسقت كلبًا في يوم حارّ، يُطيف بركيّة، قد ادلع لسانه من العطش، فغفر لها. قال أبو عمر: والذي أختاره أن لا يُقتل شيء من الكلاب، إذا لم تضرّ بأحد، ولم تعقر أحدًا لنهيه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أن يُتّخذ شيء فيه الروح غرضًا، ولما ذكرنا له من حجة من اخترنا قوله. قال: ومن الحجة أيضًا لما ذهبنا إليه في أن الأمر بقتل الكلاب منسوخٌ، ترك قتلها في كلّ الأمصار، على اختلاف الأعصار بعد مالك رحمه اللّه تعالى، وفيهم العلماء، والفضلاء إلى آخر كلامه رحمه اللّه تعالى. انتهى المقصود من كلام ابن عبد البرّ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي هو ما رجّحه الْقَاضِي عياض رحمه اللَّه تعالى- من أَنَّ الَّهِي أَوَّلًا كَانَ نُهْيَا عَامًّا، عَنِ اقْتِنَاءِ جَمِيعِهَا، وَأَمَرَ بِقَتْلِ جَمِيعِهَا، ثُمَّ فَّى عَن قَتْلهَا مَا سِوَى الْأَسْوَد، وَمَنَعَ الاقْتِنَاءِ فِي جَمِيعِهَا، إِلَّا كَلْب صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ مَاشِيَة. وَهَذَا هُوَ ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، وَيَكُون حَدِيث ابْنِ الْمُغَفَّل رضي اللّه تعالى عنه مَخْصُوصًا بِمَا سِوَى الْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّةَ عَامَ، فَيَخُصّ مِنْهُ الْأَسْوَدِ بِالْحَدِيثِ الْآخَر. والحاصل أن الأمر بقتل الكلاب منسوخٌ، وأن اقتناءها لا يجوز، إلا ما استثناه (١) ((التمهيد)) ٢٢٥/١٤-٢٣٣ . ٩- (الأمْرُ بقتل الكلاب) - حديث رقم ٤٢٨١ ١٠٧ == الشارع الحكيم، وهو ما تدعو إليه الحاجة، من الصيد، والماشية، والزرع، وهل يُلحق حفظ الدور ونحوها مما تشتدّ الحاجة إليه؟، الظاهر نعم، كما صححه النوويّ رحمه اللَّه تعالى في كلامه السابق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٨٠- (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَن أَبِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ مَرِ، رَافِعًا صَوْتَهُ، يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَكَانَتْ الْكِلَابُ تُقْتَلُ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجم المصنّف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) لهذا الحديث بقوله: ((باب ما استُثني منها)). ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو أبو عبد الله الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة عابد [١٠] فقد تفرّد به هو، وأبو داود. و((ابن وهب)): هو عبد الله المصري الحافظ. و((يونس)): هو ابن يزيد الأيليّ. وقوله: ((إلا كلب صيد، أو ماشية)): أي كلبًا يصطاد به الإنسان، أو كلبًا يحرُس به داوبّه؛ لئلا يأكلها الذئب، أو نحوه. قال في ((المنتقى شرح الموطّأ)): قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: يُرِيدُ كُلَّ كَلْبٍ، المُهِذَ لِغَيْرِ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، قَالَ مَالِكٌ: تُقْتَلُ الْكِلَابُ، مَا يُؤْذِي مِنْهَا، وَمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا، كَالْفُسْطَاطِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الْإِحْسَانَ إِلَيْهَا، حَالَ حَيَّاتِهَا، وَأَنْ يُخْسِنَ قَتْلَتَهَا، وَلَا تُتَّخَذُ غَرَضًا، وَلَا تُقْتَلُ جُوعًا، وَلَا عَطَشًا. انتهى. والحديث أخرجه مسلم، وأخرجه البخاريّ بدون ذكر الاستثناء، وقد سبق بيانه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٨١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنِ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ: ((أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((حمّاد)): هو ابن زيد. و((عمرو)): هو ابن دينار. والسند من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (١٩٩) من رباعيات الكتاب. والحديث سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٠٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ ١٠- (صِفَةُ الْكِلَابِ الَّتِي أُمِرَ بِقَتْلِهَا) ٤٢٨٢- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّل، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((َلَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ، لَأَمَّرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، وَأَيُّمَا قَوْمِ اتَّخَذُوا كَلْبًا، لَيْسَ بِكَلْبٍ حَرْثٍّ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَإِنَةٌ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ فِيرَاطٌ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عمران بن موسى) أبو عمرو البصريّ القزاز الليثيّ، صدوق [١٠] ٦/٦. ٢- (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥. ٣- (يونس) بن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ١٠٩/٨٨ . ٤- (الحسن) بن أبي الحسن يسار الأنصاري مولاهم البصريّ، ثقة فقيه فاضل مشهور، يرسل، ويدلّس [٣] ٣٦/٣٢. ٥- (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّل) - بفتح الغين المعجمة، وتشديد الفاء المفتوحة- بن عُبيد بن تُهم -يفتح، فسكون- أبو عبد الرحمن المزنيّ، صحابيّ، بايع تحت الشجرة، ثم نزل البصرة، مات رضي الله تعالى عنه سنة (٥٧) وقيل: بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في ٣٢/ ٣٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذي، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّل) رَبِّهِ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَم) أي أمّةٌ خُلقتَ لمنافع، أو أمّةٌ تُسبّح. وقَالَ الطَّبِيُّ: إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿َمَا مِنْ دَآَبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُ أَمْثَالُكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨] : أَيْ أَمْثَالِكُمْ فِي كَوْنَهَا دَالَّة عَلَى الصَّانِعِ، وَمُسَبِّحَة لَهُ. (لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ رحمه الله تعالى: مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ وَِّكَرِهَ إِفْتَاءَ أُمَّة ١٠- (صِفةُ الكُلَب التِّي أُمِرَ بِقَتَلِهَا) - حديث رقم ٤٢٨٢ ١٠٩= مِنْ الْأُمَمِ، وَإِعْدَامِ جِيل مِنْ الْخَلْقِ؛ لِأَنْهُ مَا مِنْ خَلْقِ اللَّه تَعَالَى، إِلَّا وَفِيهِ نَوْعِ مِنْ الْحِكْمَة، وَضَرْب مِنْ الْمَصْلَحَةِ، يَقُول: إِذَا كَانَ الْأَمْرِ عَلَى هَذَا، وَلَا سَبِيلِ إِلَى قَتْلهنَّ، فَاقْتُلُوا شِرَارهنَّ، وَهِيَ السُّود الْبُهُم، وَأَبْقُوا مَا سِوَاهَا، لِتَنْتَفِعُوا بِهِنَّ فِي الْحِرَاسَةِ. وَعَنْ إِسْحَاق ابْنِ رَاهُويَه، وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَل، أَنَّمَا قَالَا: لَا يَحِلّ صَيْدٍ إِلَّكَلْبِ الْأَسْوَد. انْتَهَى. (فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ) أي خَالِص السَّوَاد (وَأَيُّمَا قَوْمِ اتَّخَذُوا كَلْبًا، لَيْسَ بِكَلْبٍ حَزْثٍ) أي لحفظ الزرع (أَوْ صَيْدٍ) أي ليُصطاد به (أَوْ مَاشِيَةٍ) (أَو(( لِلتَّوِيعِ، لَا لِلتَّزْدِيدِ: أي لحفظ ما شية من أن يتعرّض لها سارقٌ، أو حيوان يأكلها (فَإِنَةً يَنْقُصَُ) -بفتح أوّله، وضمّ القاف، مبنيًّا للفاعل، ويحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول؛ لأنه يتعدّى، ويلزم، قال الفيّوميّ: نقَّص ينقُص نقصًا، من باب قتل، ونُقصانًا، وانتقص: إذا ذهب منه شيء بعد تمامه، ونقصته يتعدّى، ولا يتعدّى، هذه هي اللغة الفصحى، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿َنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ الآية [الرعد: ٤١]. وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدّى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصت زيدًا حقَّهُ، وانتقصته مثله. انتهى (مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ((ينقُص)) (قِيرَاطٌ) بالرفع على أنه فاعل لايقُص))، أو نائبٌ فاعل له، على الاحتمالين السابقين. وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما الآتي: ((نقص من أجره كلّ يوم قيراطان)). وَالتَّوْفِيق بَيْن اختلاف الروايتين في نقص القيراط، والقيراطين سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عبد الله بن مغفّل رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٠ / ٤٢٨٢ و٤٢٩٠/١٤ - وفي ((الكبرى)) ٤٧٩١/١١ و٤٧٩٩/١٥ . وأخرجه (د) في ((الصيد)) ٢٨٤٥ (ت) في ((الأحكام)) ١٤٨٦ (ق) في ((الصيد)) ٣٢٠٥ (أحمد) في ((أول مسند المدنيين)) ١٦٣٤٦ و٢٠٠٢٤ و٢٠٠٣٩ (الدارمي) في ((الصيد)) ٢٠٠٨ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان صفة الكلاب التي أمر ١١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بقتلها، وهي الأسود البهيم، وما عدا الكلاب التي يصيد بها، أو يحفظ بها مواشيه، وكذا زرعه. (ومنها): أن فيه أن الكلاب أمم، كسائر الأمم التي تسبّح اللّه تعالى، فلا ينبغي قتلها، إلا ما أذن به الشارع الحكيم. (ومنها): الأمر بقتل الكلب الأسود، وقد عُلّل في الحديث بأنه شيطان، يعني أنه ضرر محضٍّ، فينبغي إيادته؛ إبعادًا لضرره عن المسلمين. (ومنها): جواز اتخاذ الكلب للحرث، والصيد، والماشية. (ومنها): أن من اتّخذ كلبًا، لم يأذن به الشارع، مما سبق آنفًا، فقد جنى على نفسه، حيث يذهب عليه كلّ يوم قيراط من عمله الصالح، فما أعظمه من خسارة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. (ومنها): أن الْأَصَحّ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ إِبَاحَة التَّحَاذ الْكِلَاب؛ لِحِفْظِ الذَّرب، إِلْحَاقًا لِلْمَنْصُوصِ بِمَا فِي مَعْنَاهُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرّ. (ومنها): أنهم اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَأْذُون فِي الْاذهِ، مَا لَمْ يَحْصُلِ الاتّفَاق عَلَى قَتْله، وَهُوَ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَأَمَّا غَيْرِ الْعَقُورِ، فَقَدْ اخْتُلِفَ هَلْ يَجُوز قَتْله مُطْلَقًا، أَمْ لَا؟ . (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَرْبِيَّة الْجَزْو الصَّغِيرِ؛ لِأَجْلِ الْمَنْفَعَة الَّتِي يَقُولُ أَمْره إِلَيْهَا إِذَا كَبِرَ، وَيَكُون الْقَصْد لِذَلِكَ قَائِمًا مَقَام وُجُود الْمَنْفَعَة بِهِ، كَمَا يَجُوزِ بَيْعِ مَا لَمْ يُنْتَفَعِ بِهِ فِي الْحَالِ؛ لِكَوْنِهِ يَنْتَفِعِ بِهِ فِي الْمَآل. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَة الْكِلْب الْجَائِزِ اتَّخَاذه؛ لِأَنَّ فِي مُلَابَسَته مَعَ الاخْتِرَاز عَنْهُ، مَشَقَّة شَدِيدَة، فَالْإِذْن فِي الْخَاذِهِ، إِذْن فِي مُكَمِّلَات مَقْصُوده، كَمَا أَنَّ الْمَنْعِ مِنْ لَوَازِمه، مُنَاسِبٍ لِلْمَنْعِ مِنْهُ، قال الحافظ: وَهُوَ اسْتِدْلَالْ قَوِيّ، لَا يُعَارِضُهُ إِلَّ عُمُومِ الْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي الْأَمْرِ مِنَّ غَسْلِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبِ، مِنْ غَيْرِ تَفْصِيل، وَتَخْصِيص الْعُمُومِ غَيْرِ مُسْتَنْكَرٍ، إِذَا سَوَّغَهُ الدَّلِيل. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول بطهارة الكلب هو الحقّ، ولا يلزم منه التعارض مع الأمر بغسل ولوغه؛ لأن ذلك لدليل خاصّ به، فتأمل. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن فِيه الْحَثَّ عَلَى تَكْثِيرِ الْأَعْمَال الصَّالِحَة، وَالتَّخْذِيرَ مِنْ الْعَمَل بِمَا يَنْقُصِهَا، وَالتَّبِيه عَلَى أَسْبَابِ الزِّيَادَة فِيهَا، وَالنَّقْص مِنْهَا؛ لِتُجْتَنَب، أَوْ تُرْتَكَب. (ومنها): أن فيه بَيَانَ لُطْف اللَّه تَعَالَى بِخَلْقِهِ، فِي إِبَاحَة مَا لَهُمْ بِهِ نَفْع. (ومنها): أنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بيّن لأمته كلّ ما يحتاجون إليه، من أُمُور مَعَاشِهِمْ، وَمَعَادهم. (ومنها): أن فِيهٍ تَرْجِيحَ الْمَصْلَحَة الرَّاجِحَة عَلَى الْمَفْسَدَة؛ لِؤُقُوعِ اسْتِثْنَاء مَا يُنْتَفَعِ بِهِ، مِمَّا حَرُمَ اتخاذه. (مَنْها): ما قَالَ الحافظ ابْنِ عَبْد الْبَرّ رحمه اللّه تعالى: فِي هَذَا الْحَدِيث إِيَاحَة اتِّخَاذ ١٠ - (صِفةُ الكِلَبِ التِّي أُمِرَ بِقَتَلِهَا) - حديث رقم ٤٢٨٢ ١١ الْكِلَابِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَة، وَكَذَلِكَ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٍ حَافِظِ، وَكَرَاهَةِ اتَّخَاذْهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ يَدْخُل فِي مَعْنَى الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ، مِمَّا ذُكِرَ اتَْاذِهَا لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ، وَدَفْع الْمَضَارّ قِيَاسًا، فَتَمَحَضَّ كَرَاهَة الْخَاذِهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيعِ النَّاسِ، وَامْتِنَاعِ دُخُول الْمَلَائِكَة لِلْبَيْتِ الَّذِي هُمْ فِيهِ. قال: وَفِي قَوْله: ((نَقَصِ مِنْ عَمَله)) - أَيْ مِنْ أَجْر عَمَله- مَا يُشِير إِلَى أَنَّ اتَخَاذِهَا لَّيْسَ بِمُحَرَّم؛ لِأَنَّ مَا كَانَ اتْخاذه مُحَرَّمًا، امْتَنَعَ اتَّخاذه عَلَى كُلّ حَالِ سَوَاء نَقَصَ الْأَجْرِ، أَوْ لَّمْ يَنْقُصُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اتْخَاذْهَا مَكْرُوه، لَا حَرَامٍ. قَالَ: وَوَجْهُ الْحَدِيث ◌ِنْدِي أَنَّ الْمَعَانِي الْمُتَعَبَّد بِهَا فِي الْكِلَابٍ مِنْ غَسْلِ الْإنَاءِ سَبْعًا، لَا يَكَاد يَقُوم ◌ِهَا الْمُكَلَّف، وَلَا يَتَحَفَّظ مِنْهَا، فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ بِاتخاذِهَا مَا يَنْقُص أَجْرِهِ مِنْ ذَلِكَ. وَيُرْوَى أَنَّ الْمَنْصُورِ، سَأَلَ عَمْرو بْن عُبَيْدٍ، عَن سَبَب هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَعْرِفُهُ، فَقَالَ الْمَنْصُور: لِأَنَّهُ يَنْبَحِ الضَّيْف، وَيُرَوَّعِ السَّائِل انتهى. وتعقّبه الحافظ: فقال: مَا اذَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّخْرِيمِ، وَاسْتَنَدَ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِلَازِم، بَلْ يَحْتَمِلِ أَنْ تَكُون الْعُقُوبَةِ، تَقَع بِعَدَمِ التَّوْفِيق لِلْعَمِّلِ بِمِقْدَارِ قِيرَاط، مِمَّا كَانَ يَعْمَلُهُ مِّنْ الْخَيْرِ، لَوْ لَمْ يَتَّخِذِ الْكَلْبِ. وَيَخْتَمِلِ أَنْ يَكُون الاتَْذَ حَرَامَا، وَالْمُرَاد بِالنَّقْصِ أَنَّ الْإِثْم الْحَاصِلِ بِالْخَاذِهِ، يُوَازِي قَدْر قِيْرَاط، أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْر، فَيَنْقُص مِنْ ثَوَابِ عَمَلُ الْمُتَّخِذ، قَدْر مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْم بِالْاذِهِ، وَهُوَ قِيرَاط، أَوْ قِرَاطَانِ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب: قِيلَ: إِن سَبَب النُّقْصَان امْتِنَاعِ الْمَلَائِكَة مِنْ دُخُول بَيْتِه، أَوْ مَا يَلْحَقِ الْمَارِينَ مِنْ الْأَذَى، أَوْ لِأَنَّ بَعْضِهَا شَيَاطِين، أَوْ عُقُوبَة لِمُخَالَفَةِ النَّهي، أَوْ لِوُلُوغِهَا فِي الْأَوَاني عِنْد غَفْلَةِ صَاحِبِهَا، فَرُبَّمَا يَتَنَجَّسِ الطَّاهِرِ مِنْهَا، فَإِذَا اسْتُعْمِلَ فِي الْعِبَادَة، لَمْ يَقَع مَوْقِع الطَّاهِرِ. وَقَالَ ابْنِ التِّين: الْمُرَاد أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذْهُ، لَكَانَ عَمَلِه كَامِلًا، فَإِذَا اقْتَنَاهُ نَقَص مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَلَا يَجُوزِ أَنْ يَنْقُص مِنْ عَمّل مَضَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ عَمَله فِي الْكَمَال عَمَل مَنْ لَمْ يَتَّخِذهُ. انتهى . وتعقّبه الحافظ: فقال: وَمَا اذَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَاز مُنَازَع فِيهِ، فَقَدْ حَكَى الرُّویَانِيُّ فِي (الْبَحْرِ)) اخْتِلَافًا فِي الْأَجْر، هَلْ يَنْقُص مِنْ الْعَمَلِ الْمَاضِي، أَوْ الْمُسْتَقْبَل، وَفِي مُحَصَّل نُقْصَان الْقِيرَاطَيْنِ، فَقِيلَ: مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ قِيرَاط، وَمِنْ عَمَلِ اللَّيْلِ آخَر. وَقِيلَ: مِنْ الْفَرْض قِيرَاط، وَمِنْ النَّفْلِ آخَر، وَفِي سَبَب النُّقْصَانِ، يَعْنِي كَمَا تَقَّدَّمَ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١١٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ (المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء في الجمع بين روايتي قراط، وقيراطين: اخْتَلَفُوا فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، فِي الْقِرَاطَيْنِ وَالْقِيرَاطِ، فَقِيلَ: الْحُكْمِ الزَّائِد؛ لِكَوْنِهِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ الْآخَرِ، أَوْ أَنَّهُ وَ أَخْبَرَ أَوَّلَا بِنَقْصِ قِيرَاط وَاحِد، فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الْأَوَّلِ، ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِنَقْصٍ فِيرَاطَيْنِ، فِي التَّأْكِيدِ فِي النَّْفِيرِ مِنْ ذَلِكَ، فَسَمِعَهُ إِلرَّاوِي الثَّانِي. وَقِيلَ: يَنْزِل عَلَى حَالَيْنِ: فَنُقْصَان الْقِيرَاطَيْنِ بِاغْتِبَارِ كَثْرَةِ الْأَضْرَارِ بِالتَّاذِهَا، وَنَقْص الْقِيرَاطِ بِاغْتِبَارِ قِلَته. وَقِيلَ: يَخْتَصّ نَقْص الْقِيرَاطَيْنِ بِمَنْ اتَّخَذَهَا بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة خَاصَّة، وَالْقِيرَاطِ بِمَا عَدَاهَا. وَقِيلَ: يَلْتَحِقِ بِالْمَدِينَةِ فِيَ ذَلِكَ سَائِرِ الْمُدُنْ وَالْقُرَى، وَيَخْتَصِ الْقِيرَاطِ بِأَهْلِ الْبَوَادِي، وَهُوَ يَلْتَفِتْ إِلَى مَعْنَى كَثْرَة التََّذِي وَقِلَّته. وَكَذَا مَنْ قَالَ: يَخْتَمِلِ أَنْ يَكُون فِي نَوْعَيْنِ مِنْ الْكِلَابِ: فَفِيمَا لَابِسِه آدَمِيّ قِيرَاطَانٍ، وَفِيمًا دُونِه قِيرَاط . وَجَوَّزَ ابْنِ عَبْد الْبَرّ أَنْ يَكُوَّن الْقِيرَاطِ الَّذِي يَنْقُص أَجْر إِحْسَانِه إِلَيْهِ؛ لِأَنَةً مِنْ جُمْلَة ذَوَات الْأَكْبَادِ الرَّطْبَة، أَوْ الْحَرَّى، وَلَا يَخْفَى بُعْده. والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: اخْتُلِفَ فِي الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا، هَلْ هُمَّا كَالْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الصَّلَاة عَلَى الْجِنَازَةِ، وَاتِّبَاعِهَا؟:َ فَقِيلَ: بِالتَّسْوِيَةِ. وَقِيلَ: اللَّذَانِ فِي الْجِنَازَة مِنْ بَاب الْفَضْلِ، وَالَّذَانِ هُنَا مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ، وَبَاب الْفَضْلِ أَوْسَعِ مِنْ غَيْرِهِ. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن القول الثاني هو الأشبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١١- (امْتِنَاعُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولٍ بَیْتِ فِیهِ كَلْبٌ) ٤٢٨٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالًا: حَدَّثَنَا(١) شُعْبَةُ، عَنِ عَلَيّ بْنِ مُذْرِكٍ، عَن أَبِي زُرْعَةَ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ، عَن أَبِيهِ، عَنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنِ النَّبِّ وَِّ، قَالَ: ((الْمَلَائِكَةُ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، وَلَا كَلْبٌ، وَلَا جُنُبٌ))). (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ١١- (امْتِنَعُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُول ... - حديث رقم ٤٢٨٤ = ١١٣= قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث تقدّم للمصنّف في ((الطهارة)) - ١٦٨/ ٢٦١ -)) باب الجنب إذا لم يتوضّأ)). ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. و((محمد)): هو ابن جعفر، غندر. و((يحيى بن سعيد)): هو القطّان. و((عليّ بن مُدرك)): هو النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٤] ٢٤١٥/٨٢. و(«أبو زرعة)): هو هَرِم بن عمرو ابن جرير بن عبد الله البجليّ، الكوفيّ، ثقة [٣]٥٠/٣٤. و((عبد الله بن نُجيّ)) - بضمّ النون، مصغّرًا -: الحضرميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٣] ٢٦١/١٦٧. و«نُجيّ)): هو الحضرميّ الكوفيّ، مقبول [٣] ١٦٨/ ٢٦١. والمراد من الجنب الجنب الذي لا يتوضّأ، كما بينه المصنف في ترجمته المذكورة آنفًا، حيث قال: ((باب في الجنب إذا لم يتوضّأ»، أو المراد المتهاون الذي يكون أكثر أوقاته جنبًا؛ لقلّة مبالاته، وخفّة دينه، هذا كلّه على تقدير صحة الحديث بزيادة ((ولا جنبٌ))، والحديث لا يصحّ بزيادتها، لتفرّد نُجيّ بها، وهو لا يُقبل إذا تفرّد. والله تعالى أعلم. والحاصل أن الحديث بزيادة ((ولا جنب)» غير صحيح. والله تعالى أعلم. [تنبيه] : إنما قيّدته بهذه الزيادة؛ لأن الحديث بدونها متّفقٌ عليه، كما سيأتي بيانه في حديث أبي طلحة رضي اللّه تعالى عنه التالي لهذا الحديث، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٨٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَن سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَّلَائِكَةُ بَيْتًا، فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ))). رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب. ٢- (إسحاق بن منصور) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزي، ثقة ثبت [١١] ٨٨/٧٢ . ٣- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكي [٨] ١/١. ٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم المذكور قبل باب. ٥- (عبيد الله بن عبد الله) بن عُثْبة بن مسعود المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣]٥٦/٤٥. ٦- (ابن عباس) رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧. ٧- (أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حَرّام الأنصاريّ النّجاريّ، مشهور ١١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِح بكنيته، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، وما بعدها، وهو زوج أم سليم، والدة أنس رضي الله تعالى عنهم، مات سنة (٣٤)، وقيل: عاش بعد النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أربعين سنة، تقدّمت ترجمته في ١٧٧/١٢٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، ومن المكثرين السبعة، وفيه عبيد الله بن عبد اللَّه من الفقهاء السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ) ظاهره العموم. وقيل: يُستثنى من ذلك الحفظة، فإنهم لا يفارقون الشخص في كلّ حالة، وبذلك جزم ابن وضّاح، والخطّابيّ، وآخرون، لكن قال القرطبيّ: كذا قال بعض علمائنا، والظاهر العموم، والمخصّص -يعني الدالّ على كون الحفظة لا يمتنعون من الدخول- ليس نصّا. قال الحافظ: ويؤيّده أنه ليس من الجائز أن يُطلعهم الله تعالى على عمل العبد، ويُسمعهم قوله، وهم بباب الدار التي هو فيها مثلًا، ويقابل القول بالتعميم القولُ بتخصيص الملائكة بملائكة الوحي، وهو قولٌ من ادّعى أن ذلك كان من خصائص النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، كما سيأتي قريبًا، وهو قولٌ شاذّ (بَيْتًا، فِيهِ كَلْبٌ) المراد بالبيت المكان الذي يستقرّ فيه الشخص، سواء كان بناء، أو خيمةً، أم غير ذلك، والظاهر العموم في كلّ كلب؛ لأنه نكرة في سياق النفي. وذهب الخطّابيّ، وطائفة إِلَى اسْتِثْنَاء الْكِلَابِ الَّتِي أُذِنَ فِي اتخاذها، وَهِيَ كِلَاب الصَّيْد، وَالْمَاشِيَة، وَالزَّرْعِ، وَجَنَحَ الْقُرْطُبِيّ إِلَى تَرْجِيحِ الْعُمُومِ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقِصَّةِ الْجَزْو الَّتِي سَتَأْتِي في الحديث التالي، قَالَ: فَامْتَنَعَ جِبْرِيل عليه السلام مِنْ دُخُول الْبَيْت، الَّذِي كَانَ فِيهِ، مَعَ ظُهُور الْعُذْرِ فِيهِ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ الْعُذْر لا يَمْنَعُهُمْ مِنْ الدُّخُولِ، لَمْ يَمْتَنِعِ جِبْرِيل عليه السلام مِنْ الدُّخُول. انتهى. قال: الحافظِ: وَيَحْتَمِلِ أَنْ يُقَال: لا يَلْزَم مِنْ التَّسْوِيَةِ، بَيْنِ مَا عُلِمَ بِهِ، أَوْ لَمْ يُعْلَم فِيمَا لَمْ يُؤْمَر بِالتََّاذِهِ، أَنْ يَكُون الْحُكْم كَذَلِكَ، فِيمَا أُذِنَ فِي اتَّخاذه. انتهى . ١١٥= = ١١ - (امْتِنَعُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُول ... - حديث رقم ٤٢٨٤ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الاحتمال الذي أبداه الحافظ هو الذي يظهر لي، وحاصله أن الكلاب التي أذن في اقتنائها لا تدخل في حكم منع دخول الملائكة، ويؤيّد ذلك أن من اقتناها لا يدخل في نقص القيراط، أو القيراطين، حيث استثناه الشارع من ذلك، فكذا هنا فيما يظهر. والله تعالى أعلم. (وَلَا صُورَةٌ) بِالْإِفْرَادِ، وَكَذَا هو فِي مُعْظَم الرِّوَايَات، كما قاله الحافظ، وفي رواية البخاريّ: ((وَلَا تَصَاوِير)) بالجمعِ. وَفَائِدَة إِعَادَة حَرْفِ النَّفْي، الاختِرَاز مِنْ تَوَهُم الْقَصْرِ فِي عَدَمِ الدُّخُول، عَلَى اْتِمَاعِ الصِّنْفَيْنِ، فَلَا يَمْتَنِعِ الدُّخُولِ مَعَ وُجُود أَحَدهمًا، فَلَمَّا أُعِيدَ حَرْف النَّفْي، صَارَ التَّقْدِير: وَلَا تَدْخُلِ بَيْتًا فِيهِ صُورَة. قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: إنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه الصورة؛ لأن متّخذها قد تشبّه بالكفّار؛ لأنهم يتخذون الصور في بيوتهم، ويُعظّمونها، فكّرِهَت الملائكة ذلك، فلم تدخل بيته؛ هَجْرًا له؛ لذلك. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي طلحة رضي اللّه تعالى عنه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١١ / ٤٢٨٤ وفي ((كتاب الزينة)) - ٥٣٤٩/١١١ و٥٣٥٠ و٥٣٥١ و٥٣٥٢ - وفي ((الكبرى)) ١٢ / ٤٧٩٢ و((كتاب الزينة)) - ١٠٨ / ٩٧٦٣ و٩٧٦٤ و٩٧٦٥ و٩٧٦٦ و٩٧٦٧ و٩٧٦٨ و٩٧٧٠. وأخرجه (خ) في ((بدء الخلق)) ٣٢٢٦ و٣٣٢٢ و((المغازي)) ٤٠٠٢ و((اللباس)) ٥٩٤٩ و٥٩٥٨ (م) في ((اللباس)) ٣٩٢٩ و٣٩٣٠ و٣٩٣١ و٣٩٣٢ و٣٩٣٣ (د) في ((اللباس)) ٤١٥٣ و٤١٥٥ (ت) في ((الأدب)) ١٨٠٤ (ق) في (اللباس)) ٣٦٤٩ (أحمد) في ((أول مسند المدنيين)) ١٥٩١٠ و١٥٩١٨ و١٥٩٣٤ (الموطأ) في ((الجامع)) ١٨٠٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فِي الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْكَلْب، حَتَّى مَنَعَ الْمَلَائِكَة مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ، الَّذِي هُوَ فِيهِ : فَقِيلَ: لِكَوْنَا نَجِسَة الْعَيْنِ، وَيَتَأَيَّدِ ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث، عَن عَائِشَة عِنْد مُسْلِمٍ: ((فَأَمَرَ بِنَضْحِ مَوْضِع الْكَلْب)). وتعقّب القرطبيّ هذا، فقال: هذا ليس بواضح، وإنما هو تقدير احتمال، يعارضه ١١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِح احتمالات أُخر: [أحدها] : أنها من الشياطين، كما جاء في بعض الأحاديث. [وثانيها]: استخباث روائحها، واستقذارها. [وثالثها] : النجاسة التي تتعلّق بها، فإنها تأكلها، وتتلطّخ بها، فتكون نجسةً بما يتعلّق بها، لا لأعيانها، والمخالف يقول: هي نجسة الأعيان، وعلى ما قلناه يصحّ أن يقال: إنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم شكّ في طهارة موضعه؛ لإمكان أن يكون أصابه من النجاسة اللازمة لها غالبًا شيء، فنضحه؛ لأن النضح طهارة للمشكوك فيه، فلو تحقّق إصابة النجاسة الموضعَ لغسله، كما فعل ببول الأعرابيّ، ولو كان الكلب نجسًا لعينه، لا لِمَا يتعلّق به، لما احتاج إلى غسله، كما لا يحتاج إلى غسل الموضع، أو الثوب الذي يكون عليه عظم ميتة، أو نجاسة، لا رطوبة فيها، وعلى هذا، فهذا الاحتمال أولى أن يُعتبر، فإن لم يكن أولى، فالاحتمالات متعارضة، والدَّسْتُ(١) قائمٌ، ولا نصّ حاكم. انتهى كلام القرطبيّ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي أن امتناع الملائكة من الدخول في البيت الذي فيه الكلب، أمر غير معقول المعنى لنا، كما أسلفته في ((كتاب الطهارة)) برقم ٢٦١/١٦٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الْمُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ : قِيلَ: هُوَ عَلَى الْعُمُومِ، وَأَيَّدَهُ النَّوَوِيّ بِقِصَّةِ جِبْرِيلِ الْآتِي ذِكْرِهَا، وقِيلَ: يُسْتَثْنَى الْحَفَظَةِ، وَأَجَابَ الْأَوَّل بِجَوَازٍ أَنْ لَا يَدْخُلُوا، مَعَ اسْتِمْرَار الْكِتَايَةِ، بِأَنْ يَكُونُوا عَلَى بَاب الْبَيْتِ. وَقِيلَ: الْمُرَاد مَنْ نَزَلَ مِنْهُمْ بِالرَّحْمَةِ. وَقِيلَ: مَنْ نَزَلَ بِالْوَخِي خَاصَّة، گچِبْرِیل، وَهَذَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ وَضَّاحِ، وَالدَّاوُدِيّ، وَغَيْرِهِمَا، وَيَلْزَم مِنْهُ اخْتِصَاص النَّهْي، بِعَهْدِ النَّبِّ وَِّ؛ لِأَنَّ الْوَخِي انْقَطَعَ بَعْده، وَبِانْقِطَاعِهِ انْقَطَعَ نُزُولِهِمْ. وَقِيلَ: التَّخْصِيص فِي الصَّفَة، أَيْ لَا يَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَة دُخُولهمْ بَيْتِ مَنْ لَا كَلْب فِيهِ. قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بالعموم هو الأظهر؛ عملاً بعموم النصوص، من غير مخصّص لها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في الصور التي تمنع دخول الملائكة: قَالَ الْخَطَّابِيُّ رحمه الله تعالى: الصُّورَة الَّتِي لا تَدْخُلِ الْمَلائِكَة الْبَيْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ، مَا يَخْرُمِ اقْتِنَاؤُهُ، وَهُوَ مَا يَكُون مِنْ الصَّوَرِ الَّتِي فِيهَا الرُّوحِ، مِمَّا لَمْ يُقْطَعِ رَأْسه، أَوْ لَمْ (١) هكذا في (المفهم)) ولم أهتد إلى معناها المناسب هنا، إلا أن تكون مصحّفة من كلمة أخرى. والله تعالى أعلم. (٢) ((المفهم)) ٤٢٢/٥. ١١- (امْتِنَاعُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُول ... - حديث رقم ٤٢٨٤ ١١٧= يُمْتَهَن. ويؤيّده حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه الذي أخرجه أصحاب ((السنن))، وصححه الترمذيّ، وابن حبّان، وهو أتمّ سياقًا منه، ولفظه: ((أتاني جبريل، فقال: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت، إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قِرَامُ سِتْرٍ، فيه تماثيلُ، وكان في البيت كلبٌ، فمُر برأس التمثال الذي على باب البيت، يُقطَع، فيصير كهيئة الشجرة، ومُر بالستر، فليُقطع، فليُجعل منه وسادتان، منبوذتان، توطان، ومُز بالكلب، فليُخرج، ففعل رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم))، وفي رواية النسائيّ الآتية في ((الزينة)): ١١٤ / ٥٣٦٧ -)) فإما أن تُقطع رؤوسها، أو تجعل بساطًا يوطأ»، ففي هذا الحديث ترجيح لما قاله الخطّابيّ. وحاصله أن الصور التي تمتنع الملائكة من دخول المكان الذي هي فيه، هي ما إذا كانت باقية على هيئتها، مرتفعة، غير ممتهنة، فأما لو كانت ممتهنة، لكنها غيِّرت من هيئتها، إما بقطعها من نصفها، أو بقطع رأسها، فلا امتناع. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر حديث زيد بن خالد، عن أبي طلحة (١) رضي اللَّه تعالى عنهما أن الملائكة لا تمتنع من دخول البيت الذي فيه صورة، إن كان رقمًا في الثوب، وظاهر حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها(٢) المنع، ويُجمع بينهما بأن يُحمّل حديث عائشة على الكراهة، وحديث أبي طلحة على مطلق الجواز، وهو لا ينافي الكراهة. قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: وهو جمعٌ حسنٌ، لكن الجمع الذي دلّ عليه حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أولى منه. والله تعالى أعلم. انتهى(٣). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يعني أن الأولى حمل حديث أبي طلحة رضي الله (١) حديث أبي طلحة سيأتي للمصنّف رحمه الله تعالى في ((كتاب الزينة)) رقم ٥٣٥٢/١١١ - من طريق بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد، عن أبي طلحة، أن رسول اللَّه ◌َلير، قال: ((لا تدخل الملائكة بيتا، فيه صورة))، قال بسر: ثم اشتكى زيد، فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة، قلت لعبيد الله الخولاني: ألم يخبرنا زيد عن الصورة يوم الأول؟، قال: قال عبيد اللّه: ألم تسمعه يقول: ((إلا رقما في ثوب))؟. (٢) هو ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، رضي اللَّه تعالى عنها، أنها قالت: واعد رسولَ اللَّه ◌َله جبريل عليه السلام، في ساعة يأتيه فيها، فجاءت تلك الساعة، ولم يأته، وفي يده عصا فألقاها من يده، وقال: ((ما يخلف الله وعده، ولا رسله))، ثم التفت، فإذا جرو كلب تحت سريره، فقال: ((يا عائشة متى دخل هذا الكلب هاهنا؟))، فقالت: والله ما دريت، فأمر به، فأخرج، فجاء جبريل، فقال رسول اللّه وَّر: ((واعدتني فجلست لك، فلم تأت؟))، فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنا لا ندخل بيتا فيه كلب، ولا صورة)) . (٣) ((فتح)) ١١/ ٥٩٣. === ١١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ تعالى عنه على ما إذا كانت الصورة مغيّرة، أو ممتهنةً، وحمل حديث عائشة رضي الله تعالى عنه على ما إذا بقيت بهيئتها، وهذا أولى، كما قال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . (المسألة السادسة): أَغْرَبَ ابْنِ حِبَّان، فَادَّعَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمِ خَاصّ بِالنَّبِّ ◌َ، قَالَ: وَهُوَ نَظِيرِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ((لَا تَصْحَب الْمَلَائِكَة رُفْقَة، فِيهَا جَرَس))، قَالَ: فَإِنَةً مَحْمُول عَلَى رُفْقَة، فِيهَا رَسُول اللَّه ◌َّرَ، إِذْ مُحَال أَنْ يَخْرُجِ الْحَاجّ، وَالْمُعْتَمِر لِقَصْدِ بَيْت الله عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى رَوَاحِلِ، لا تَصْحَبِهَا الْمَلَائِكَة، وَهُمْ وَفْد اللَّه. انْتَهَى. قال الحافظ: وَهُوَ تَأْوِيل بَعِيد جِدًّا، لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَيُزِيل شُبْهَته، أَنَّ كَوْنهمْ وَقْد اللّه، لا يَمْنَعِ أَنْ يُؤَاخِذُوا، بِمَا يَرْتَكِبُونَهُ مِنْ خَطِيئَة، فَيَجُوز أَنْ يُخْرَمُوا بَرَكَة الْمَلَائِكَة، بَعْد مُخَالَطَتْهِمْ لَهُمْ، إِذَا ارْتَكَبُوا النَّهِي، وَاسْتَصْحَبُوا الْجَرَسِ، وَكَذَا الْقَوْلِ فِيمَنْ يَقْتَنِي الصُورَة، وَالْكَلْب. وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما تعقّب به الحافظ قول ابن حبّان المذكور تعقّب حسنٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): اسْتُشْكِلَ كَوْنُ الْمَلَائِكَة، لَا تَدْخُلِ الْمَكَان الَّذِي فِيهِ التَّصَاوِير، مَعَ قَوْله سُبْحَانِه وَتَعَالَى، عِنْد ذِكْرِ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَامِ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن تَّخَرِيبَ وَتَمَثِلَ﴾ الآية [سبأ: ١٣]، وَقَدْ قَالَ مُجَاهِد: كَانَتْ صُوَرًا مِنْ نُحَاس، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ قَتَادَة: كَانَتْ مِنْ خَشَب، وَمِنْ زُجَاجٍ، أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق. [َوَ الْجَوَابِ]: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ أَشْكَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ، عَلَى هَيْئَتَهِمْ فِي الْعِبَادَةِ؛ لِيَتَعَبَّدُوا كَعِبَادَتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ حَرَامًا، ثُمَّ جَاءَ شَرْعُنَا بِالنَّهِي عَنْهُ. قال الحافظ: وَيَحْتَمِلِ أَنْ يُقَال: إِنَّ النَّمَائِيل كَانَثَّ عَلَى صُورَة النُّقُوش لِغَيْرِ ذَوَات الْأَزْوَاحِ، وَإِذَا كَانَ اللَّفْظ مُخْتَمَلًا، لَمْ يَتَعَيَّنِ الْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُشْكِلِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ)) حَدِيث عَائِشَة رضي اللَّه تعالى عنها، فِي قِصَّة الْكُنِيسَة الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَمَّا فِيهَا مِنْ التَّصَاوِيرِ، وَ أَنَّهُ وَّرِ قَالَ: ((كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةِ، أُولَئِكِ شِرَار الْخَلْقِ عِنْدِ اللَّه))، فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِر، بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ، مَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ وََّ، أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرّ الْخَلْقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلِ صُوَر الْحَيَوَانِ فِعْلِ مُحْدَث، أَحْدَثَهُ عُبَّاد الصُّوَرِ. وَاَللَّه أَعْلَم. قاله في ((الفتح))(١). (١) ((فتح)) ٥٨٠/١١-٥٨١. (كتاب اللباس)). رقم الحديث ٥٩٤٩ . ١١- (امْتِنَاعُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُول ... - حديث رقم ٤٢٨٥ ١١٩ == قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الثاني هو الحقّ؛ لحديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها المذكور، فتُحمّلُ التماثيل التي في قصّة سليمان عليه السلام على غير صُوَر ذوات الأرواح، فتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٨٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَن أَبِيهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِ ابْنُ السَّبَّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَخْبِرَتْنِي مَّيْمُونَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ وََّ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ، أَصْبَحَ يَوْمَا وَاجِمَا، فَقَالَثَ لَهُ مَيْمُونَةُ: أَنْ رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ، مُنْذُ الْيَوْمِ؟، فَقَالَ: ((إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَا وَاللَّهِ، مَا أَخْلَفَنِي))، قَالَ: فَظَلَّ يَوْمَهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جَزْوُ كَلْبٍ، تَحتَّ نَضَدٍ لَنَا، فَأَمَرَ بِهِ، فَأَخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً، فَتَضَحَ بِهِ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى، لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّرِ: ((قَدْ كُنْتَ وَعَذْتَنِي، أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ))، قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَّا نَدْخُلُ بَيْتَا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ، قَالَ: فَأَضْبَحَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ، مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (محمد بن خالد بن خَلِي) - بوزن عليّ -: هو الكلاعيّ، أبو الحسين الحمصيّ، صدوقٌ [١١] ١٤٦٦/٧ من أفراد المصنّف. ٢- (بشر بن شعيب) أبو القاسم الحمصيّ، ثقة، من كبار [١٠] ٧/ ١٤٦٦. ٣- (أبوه) شعيب بن أبي حمزة/ دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٨٥/٦٩. والباقون تقدّموا قبل باب. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى الزهري، ومنه مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وصحابي، عن صحابية. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ) بنت الحارث، أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها (زَوْجُ النَّبِيِّ وََّ) بالرفع بدل من («ميمونة)»، أو عطف بيان له (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّ، أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِما) هو بالجيم، قال أهل اللغة: هو الساكت ١٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ الذي يظهر عليه الهمّ، والكآبة. وقيل: هو الحزِين، يقال: وَجَمَ من الأمر يَجِم، كوعد يَعِدُ وُجُومًا: أمسك عنه، وهو كاره(١). (فَقَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ) رضي اللّه تعالى عنها (أَني) حرف نداء، واختلف فيها، هل هي للأوسط، أم للقريب، أم للبعيد، كما قاله في ((الكوكب الساطع)): ((أَنْ)) لِنْدَا الأَوْسَطِ فِي الشَّهِيرِ لَا الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَللِتَّفْسِيرٍ (رَسُولَ اللَّهِ) بالنصب على النداء (لَقَدْ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ) أي أنكرت صفتك التي كنت أعرفك بها، من الانبساط، والانشراح (مُنْذُ الْيَوْم؟) بالجرّ، ف((منذ)) حرف جرّ بمعنى ((في))، و((أل)) في ((اليوم)) للحضور، أي في هذا اليوم، و((منذ))، ومثلها ((مذ)) إذا كان مجرورهما حاضرًا كانتا بمعنى ((في))، نحو ما رأيته منذ، أو مذ يومِنا، وإذا كان ماضيًا كانتا بمعنى ((من))، نحو ما رأيته منذُ، أو مذ يوم الجمعة، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة)) بقوله: وَإِنْ يَجُرَّا فِي الْمُضِيِّ فَكَمِنْ)) هُمَا وَفِي الْحُضُورِ مَعْنَى ((فِي)) اسْتَبِنْ (فَقَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفّة (فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، بمعنى (ألا)) (وَاللَّهِ، مَا أَخْلَفَنِي) يقال: أخلف فلان وعده: إذا قال، ولم يفعل، والمعنى: أنه ما أخلفني قبل هذا قط، أو ليس هذا منه إخلاف وعد، بل لا بدّ أن وعده كان مقيّدًا بأمر، قد فُقد ذلك الأمر، وإلا فلا يُتصوّر منه إخلاف في الوعد. أفاده السنديّ (قَالَ) هكذا وقع في جميع النسخ، وفي ((الكبرى))، وكذلك في ((صحيح مسلم))، والظاهر أن الضمير الميمونة رضي الله تعالى عنها، وإنما ذكّره بتأويلها بالراوي، ويحتمل أن يكون الضمير لابن عبّاس، أي قال ابن عبّاس راويا عن ميمونة. والله تعالى أعلم (فَظَلَّ يَوْمَهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جَزْوُ كَلْبٍ) بكسر الجيم، ولد الكلب، والسباع، والفتح، والضمّ لغة، قال ابن السّكّيت: والكسر أفصح، وقال في ((البارع)): الجرو الصغير من كلّ شيء، والجروة أيضًا الصغيرة من القِثّاء، شُبّهت بصغار أولاد الكلاب؛ للينها، ونعومتها، والجمع جِرَاءٌ، مثلُ كِتاب، وأجرٍ، مثلُ أفلسٍ. قاله الفيّوميّ (تَحَتَ نَضَدٍ لَنَا) بفتحتين: السرير الذي يُنضّد عليه الثياب: أي يُجعل بعضها فوق بعض. وقال الفيّوميّ: نضدته نَضْدًا، من باب ضرب: جعلت بعضه على بعض، والنضد -بفتحين -: المنضود، والنضيدُ فعيلٌ بمعنى مفعول، وسُمّي السرير نَضَدًا؛ لأن النضَدَ غالبًا يُجعل عليه. (١) راجع (شرح مسلم)) للنوويّ ٣٠٩/١٤، و((المصباح المنير)).