النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١ =
٢- (العقيقةُ عَنِ الفُلَام) - حديث رقم ٤٢١٦
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: اختلفوا في عدد ما يُذبح عن المولود من
الشياه في العقيقة عنه، فقال مالك: يذبح عن الغلام شاة واحدة، وعن الجارية شاة،
الغلام والجارية في ذلك سواء، وبه قال أبو جعفر محمد بن عليّ الباقر. والحجّة
لمالك، ومن قال بقوله في ذلك حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما: أن رسول
الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشًا کبشًا.
وقال الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: يُعقّ عن الغلام شاتان، وعن الجارية
شاة، وهو قول ابن عبّاس، وعائشة، وعليه جماعة أهل الحديث، وحجّتهم في ذلك
حديث أم كُرز رضي اللّه تعالى عنها - يعني الآتي بعد هذا-، وحديث عبد الله بن عمرو
رضي اللّه تعالى عنهما - يعني المذكور في الباب الماضي -. قال: وانفرد الحسن وقتادة
بقولهما: إنه لا يُعقّ عن الجارية بشيء، وإنما يُعقّ عن الغلام فقط بشاة، وأظنّهما ذهبا
إلى ظاهر حديث سلمان: ((مع الغلام عقيقته))، وإلى ظاهر حديث سمرة: ((الغلام مرتّنٌ
بعقيقته)). وكذلك انفرد الحسن، وقتادة أيضًا بأن الصبيّ يُمسّ رأسه بقطنة، قد غُمِست
في دم العقيقة. انتهى كلام ابن عبد البرّ باختصار، وتصرّف(١).
وقال في ((الفتح)): وَهَذِهِ الْأَحَادِيثِ حُجَّة لِلْجُمْهُورِ، فِي التَّفْرِقَة بَيْنِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ،
وَعَنْ مَالِكَ هُمَا سَوَاء، فَيَعُقّ عَنْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٍ، وَاحْتُجَّ لَهُ بِمَا جَاءَ: ((أَنَّ النَّبِيّ ◌َِه
عَقَّ عَنْ الْحَسَن وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا)»، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلَّا حُجَّة فِيهِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو
الشَّيْخِ مِنْ وَجْه آخر، عَنْ عِكْرِمَة، عَنْ ابْن عَبَّاس بِلَفْظِ: ((كَبْشَيْنِ، كَبْشَيْنِ)). وَأَخْرَجَ
أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْن شُعَيْبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّه مِثْلِه. وَعَلَى تَّقْدِير ثُبُوتَ رِوَايَة أَبِي
دَاوُدَ، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُرَدّ بِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَارِدَة فِي التَّنْصِيصِ عَلَى التَّقْنِيَة لِلْغُلَامِ،
بَلْ غَايَتِه أَنْ يَدُلْ عَلَى جَوَاز الإِقْتِصَارِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْعَدَد لَيْسَ شَرْطًا، بَّلْ
مُسْتَحَب. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي هو ما ذهب إليه الجمهور، من التفرقة
بين الغلام والجارية، فيُعقّ عنه بشاتين، وعنها بشاة واحدة؛ لصحّة الأحاديث بذلك،
وما احتجّ به القائلون بعدم التفرقة من النصوص المطلقة، يُحْمَلُ على هذه النصوص
المقيّدة؛ عملًا بكلتيهما. والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه] : ذَكَرَ الْحَلِيمِيّ: أَنَّ الْحِكْمَة فِي كَوْن الْأُنْثَى عَلَى النَّصْف مِنْ الذِّكَرِ، أَنَّ
الْمَقْصُودِ اسْتِيْقَاء النّفْس، فَأَشْبَهَتْ الدِّيَة، وَقَوَّاهُ ابْنِ الْقَيِّم بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ، فِي أَنَّ مَنْ
(١) ((التمهيد)» ٣١٤/٤-٣١٧.

٣٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْعَقِيقَةِ
أَعْتَقَ ذَكَرًا، أَعْتَقَ عُضو مِنْهُ، وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَتَيْنِ كَذَلِكَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا وَرَدَ.
وَيَخْتَمِلُ أَنْ يَكُون فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا تَسَّرَ الْعَدَد. قاله في ((الفتح)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢١٧- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَيْسِ
ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاؤُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنْ أُمّ كُزْرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ ◌ّهِ، قَالَ: ((عَنِ
الْغَلَامِ شَاتَانٍ مُكَافِأَتَانٍ، وَفِي الْجَارِيَةِ شَاةٌ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجم في ((الكبرى)) هنا بقوله: [باب كم يُعقّ عن
الغلام؟] ،
وكان الأولى للمصنّف أن يترجم بمثله هنا، على نسق ما يأتي له في الجارية، فإنه
ترجم أوّلًا بقوله: [العقيقة عن الجارية] ، ثم ترجم بعده بقوله: [كم يُعقّ عن الجارية؟]
، فتأمّل، فالله تعالى أعلم.
و ((أحمد بن سليمان)) تقدم في الباب الماضي. و((عفّان)): هو ابن مسلم المذكور في
السند الماضي. و((حمّاد)): هو ابن سلمة، وليس ابن زيد؛ لأن الراوي عنه عفّان، وقد
ذكر السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث)) بعض ما يفرّق به بينهما، فقال:
حَمَّادُ لابْنِ زَيْدِ وَابْنِ سَلَمَةْ
وَتَارَةَ فِي اسْمِ فَقَطْ ثُمَّ السَّمَهْ
أَوْ عَارِمٍ فَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ جُعِلًا
فَإِنَّ أَتَى عَنِ ابْنِ حَرْبٍ مُهْمَلَا
أَوْ هُذْبَةٍ أَوِ الثَّبُوذَكِيِّ أَوْ
حَجَّاجِ اوْ عَفَّانَ فَالثَّانِي رَأَوْا
و((قيس بن سعد)): هو الحبشيّ، أبو عبد الملك، أو أبو عبد الله المكيّ، ثقة [٦]
١٠٦٦/١١٥ ٠
و((عطاء»: هو ابن أبي رباح، و((طاوس)): هو ((ابن كيسان))، و((مجاهد)): هو ابن
جبر.
و ((أمَّ كُرز)) -بضمّ الكاف، وسكون الراء، بعدها زايّ- الْخُزَاعيّة، ثم الكعبيّة
المكتّة، صحابيّة، لها أحاديث. روت عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وروى
عنها عطاء، وطاوسٌ، ومجاهد، وسِباع بن ثابت، وعُروة بن الزبير، وغيرهم.
واختلف في حديثها على عطاء، فقيل: عن قتادة، عنه، عن ابن عبّاس، عنها.
وقيل: عن ابن ◌ُريج، ومحمد بن إسحاق، وعمرو بن دينار، ثلاثتهم عن عطاء، عن
قتيبة بن ميسرة بن أبي حبيب، عنها. وقيل: عن حجّاج بن أرطاة، عن عطاء، عن عُبيد
ابن عُمير، عنها. وقيل: عن حجاج، عن عطاء، عن ميسرة بن أبي حبيب، عنها.
وقيل: عن أبي الزبير، ومنصور بن زاذان، وقيس بن سعد، ومطر الورّاق، أربعتهم عن

٣٦٣
٢- (العقیقةُ عن الغلام) - حدیث رقم ٤٢١٧
عطاء، بلا واسطة، وزاد حماد بن سلمة، عن قيس، عن عطاء، طاوسًا، ومجاهدًا،
ثلاثتهم عن أم كُرز، ولم يذكر الواسطة. وقيل: عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن أم
عثمان بن خُثيم، عن أم كرز. وقيل: عن يزيد بن أبي زياد، عن عطاء، عن سُبيعة بنت
الحارث. وقيل: عن عبد الكريم ابن أبي الْمُخَارق، عن عطاء، عن جابر. وقيل: عن
محمد بن أبي حُميد، عن عطاء، عن جابر.
وأقواها رواية ابن جريج، ومن تابعه، وصحّحها ابن حبّان، ورواية حمّاد بن سلمة،
عند النسائيّ رواها عُبيد الله بن أبي يزيد، عن سباع بن ثابت، عنها نحوه. وأخرجه أبو
داود، والنسائي، وابن ماجه.
ووقع عند إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق، عن ابن جُريج بسنده، فقال: عن أم
بني كُرز الكعبيين، وكذا أخرجه ابن حبّان من طريقه. قال الحافظ رحمه الله تعالى:
ویمکن الجمع بأنها كانت تُکنی أم ◌ُرز، وكان زوجها يسمّی کرزًا، والمراد ببني کرز بنو
ولدها كرز، وكانوا يُنسبون إلى جدّتهم هذه، فالله أعلم.
ولها حديث آخر من رواية عبد الله بن أبي يزيد، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز،
قالت: أتيت النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وهو بالحديبية، أسأله عن لحوم
الهدي، فسمعته يقول: ((أَقِرُّوا الطير على مصافَها)»، أخرجه النسائيّ بتمامه (١)، وأبو
داود مختصرًا، وكذا الطحاويّ، وصححه ابن حبّان، وزاد بعضهم في السند: عن عبيد
الله بن أبي يزيد، عن أبيه. وأخرج ابن ماجه بهذا السند عنها حديث («ذهبت النبوّات،
وبقيت المبشّرات))، وصححه ابن حبّان أيضًا. ذكره في ((الإصابة))(٢).
وقد ذكر الحافظ أبو الحجاج المزيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)» ٩٩/١٣-
١٠٠- اختلافًا أكثر مما ذُكر، فراجعه تستفد.
روى لها الأربعة، ولها عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرّره أربع
مرّات.
وقوله: ((عن الغلام شاتان)) أي تجزىء في عقيقة الغلام شاتان. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
(١) هكذا عزاه في ((الإصابة)) إلى النسائيّ، ولعله في ((الكبرى))، فليُبحث.
(٢) ((الإصابة)) ٢٧٤/١٣-٢٧٥.

٣٦٤
-
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْعَقِيقَةِ
حديث أم كُرز رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٢١٧/٢ و٤٢١٨/٣ و٤٢١٩/٤ و٤٢٢٠- وفي ((الكبرى)) ٤٥٤١/٣
و ٤/ ٤٥٤٢ و٤٥٤٣/٥ و٤٥٤٤. وأخرجه (د) في ((الضحايا)) ٢٨٣٤ و٢٨٣٥ و٢٨٣٦
(ت) في (الأضاحي)) ١٥١٦ (ق) في ((الذبائح)) ٣١٦٢ (الدارمي) في ((الأضاحي))
١٩٦٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنیب)).
٣- (الْعَقِيقَةُ عَنِ الْجَارِبَةِ)
٤٢١٨- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ عَمْرٌو، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتٍ مَيْسَرَةَ، عَنْ أُمَّ كُرْزٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ قَالَ: ((عَنْ الْغُلاَمِ شَاتَانِ
مُكَافَأَتَانٍ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاٌ)).
((حبيبة بنت ميسرة)) بن أبي خُثيم، أم حَبيب، الفهريّة، من موالي بني فهر مقبولة
[٤] .
روت عن أم كرز. وعنها مولاها عطاء بن أبي رباح، وروى عن أم حبيب بنت
ميسرة، عن أم كرز. ذكرها ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد بها المصنّف، وأبو داود، ولها
عندهما هذا الحديث فقط.
وباقي رجال الإسناد رجال الصحيح. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عمرو)): هو ابن
دينار. واعطاء)): هو ابن أبي رباح. والحديث صحيح، وتقدّم تخريجه في الباب
الماضي، ودلالته على الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنیب)).

٣٦٥
٤- (كَمْ يُعَقُّ عَنِ الْجَارِيةِ) - حديث رقم ٤٢١٩
٤- (كَمْ يُعَقُّ عَنِ الْجَارِيَةِ)
٤٢١٩- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي يَزِيدَ- عَنْ
سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ، قَالَتْ: أَتَيْتُ النَِّيِّ وَّهِ بِالْحُدَنِيَةِ، أَسْأَلُهُ عَنْ لُحُومَ الْهَذيِ،
فَسَمِعْتُهُ، يَقُولُ: عَلَى الْغُلَّامِ شَاتَانٍ، وَعَلَى الْجَارِيَةِ شَاةٌ، لا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَاتَاَ كُنَّ، أَمْ
إِنَاثًا؟))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عُبيد الله بن أبي يزيد)):
هو المكيّ مولى آل قارظ بن شيبة، ثقة كثير الحديث [٤] ٢٣٧٠/٧٠ .
و((سِبَاع)) -بكسر أوله، ثم موحّدة-ابن ثابت)) حليف بني زُهرة، قال أدركت
الجاهليّة، وعدّه البغويّ، وغيره في الصحابة، وابن حبّان في ثقات التابعين. وقال ابن
سعد: کان قلیل الحدیث. روی له الأربعة حديث الباب، وله عند ابن ماجه حدیث
آخر .
وقوله: ((عن لحوم الهدي)). الظاهر أنها سألته صلّى اللّه تعالى عليه وسلم أن يعطيها
من لحوم الهدي، حتى تأكله، أو نحو ذلك، كما تدلّ عليه رواية أحمد، ولفظه:
(وذهبت أطلب من اللحم)).
وقوله: ((على الغلام)) كلمة ((على)) بمعنى ((في))، كما تقدّم في الروايات الماضة،
ويحتمل أن يكون المراد على أبي الغلام، أو لَمّا كان الغلام سببًا لوجوب العقيقة جُعل
كأن العقيقة واجبة عليه، وعلى الوجهين يستقيم إلا على مذهب من يقول بوجوب
العقيقة، بل بوجوب الشاتين في عقيقة الغلام، والجمهور على خلافه. قاله السنديّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لا يلزم منه الوجوب، فإن ((على)) تستعمل للمندوب
إذا كان مؤكّدًا، كما لا يخفى ذلك على من تتبّع نصوص الشرع. فتنبّه. والله تعالى
أعلم.
وقوله: ((ذُكرانًا كُنّ الخ)) أي شياه العقيقة، وفيه دليلٌ على أنه لا فرق في العقيقة بين
ذکور الشیاہ وإناثها .
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٢٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَمِّ كُرْزٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ،

٣٦٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْعَقِيقَةِ
قَالَ: (عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانٍ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، لَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانَا كُنَّ أَمْ إِنَاثًا)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((يحيى)): هو ابن
سعيد القطّان. والحديث صحيح، وقد سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٢١- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي
إِبْرَاهِيمُ -هُوَ ابْنُ طَهْمَانَ- عَنْ الْحَجَّاجِ بَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةً، عَنْ ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: ((عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ وَه عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- بِكَبْشَيْنِ
گنْشَیْنِ)).
قال الجاع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و ((الحجّاج بن الحجاج)): هو الباهليّ البصريّ الأحول، ثقة [٦]. ٦١٤/٥٣.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا
صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٤٢٢١/٤- وفي
((الکبری)) ٤٥٤٥/٥ .
وكان الأولى للمصنّف أن يورده قبل باب، تحت ترجمة [العقيقة عن الغلام] ؛ لأنه لا
مطابقة بينه وبين هذه الترجمة [كم يُعقّ عن الجارية] ، فتأمل.
[فإن قلت] : أخرج هذ الحديث أبو داود في سننه بإسناد صحيح، من طريق أيوب،
عن عكرمة، بلفظ: ((عَقَّ عن الحسن والحسين، كبشًا كبشًا))، فكيف التوفيق بينهما؟.
[قلت] : ترجّح رواية الكبشين بأمرين: [أحدهما]: تضمّنها زيادة، وزيادة الثقة
مقبولة، ولا سيّما إذ جاءت من طرق مختلفة المخارج، كما هو الشأن هنا، كما حقّقه،
وطوّل البحث فيه الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى في كتابه ((إرواء الغليل)) ٣٧٩/٤-،
فراجعه تستفد.
[والثاني] : موافقتها للأحاديث الأخرى التي نص النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم
فيها بشاتين، حيث يقول: ((عن الغلام شاتان مكافئتان)). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنیب».

٥- (مَتَّى يُعَقُّ؟) - حديث رقم ٤٢٢٢
٣٦٧ ==
٥- (مَتَى يُعَقُّ؟)
٤٢٢٢- (أَخْبَرَنَا عَمْرُوِ بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ
ابْنُ زُرَنِع - عَنْ سَعِيدٍ، أَنْبَنَا قَتَادَةُ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
وَرِ، قَالَ: ((كُلُّ غُلَامِ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (عمرو بن علي) الفلّاس البصري، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤.
٢- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] ٥/٥ز
٣- (يزيد بن زريع) العيشي، أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨] ٥/٥.
٤- (سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري، أبو النضر البصري، ثقة حافظ، اثبت
الناس في قتادة، لكنه يدلس، واختلط بآخره [٦] ٣٨/٣٤.
٥- (قتادة) بن دعامة تقدم قريبًا.
٦- (الحسن) بن أبي الحسن/ يسار البصريّ الإمام الحجة، يدلس [٣] ٣٦/٣٢.
٧- (سَمُرَةُ بْنُ جُنْذُب) بن هلال الفزاريّ، حليف الأنصار، صحابيّ مشهورٌ، له
أحاديث، مات رضي الله تعالى عنه بالبصرة، سنة (٥٨)، وتقدّمت ترجمته في ٣٩٣/٢٥ .
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُب) رضي اللّه تعالى عنه (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ) أنه (قَالَ: ((كُلُّ
غُلَام) أراد به مطلق المولود، ذكرًا كان، أو أنثى (رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ) ((رَهِين)): فَعِيل بمعنى
مفعول: أي مرهون بها، وللناس فيه كلام، فعن أحمد: هذا في الشفاعة، يريد أنه إذا
لم يُعقّ عنه، فمات طفلًا، لم يشفع في والديه. وفي ((النهاية)): أن العقيقة لازمة له، لا
بدّ منها، فشبّه المولود في لزومها له، وعدم انفكاكه منهابالرهن في يد المرتهن. وقال
التورشتيّ: أي إنه كالشيء المرهون، لا يتمّ الانتفاع به، دون فكّه، والنعمة إنما تتمّ

٣٦٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْعَقِيقَةِ
على المنعم عليه بقيامه بالشكر، ووظيفته، والشكر في هذه النعمة ماسنّه النبيّ صلّى اللَّه
تعالى عليه وسلم، وهو أن يُعقّ عن المولود، شكرًا لله تعالى، وطلبًا لسلامة المولود.
ويحتمل أنه أراد بذلك أن سلامة المولود، ونشوه على النعت المحمود رهينة بالعقيقة.
انتھی .
وقال في ((الفتح)): قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسِ فِي هَذَا، وَأَجْوَد مَا قِيلَ فِيهِ، مَا
ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: هَذَا فِي الشَّفَاعَةِ، يُرِيد ◌َنَّهُ إِذَا لَمْ يُعَقْ عَنْهُ، فَمَاتَ
طِفْلًا، لَمْ يَشْفَعِ فِي أَبَوَيْهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَقِيقَة لَازِمَةٍ، لَا بُدَّ مِنْهَا، فَشَبَّهَ الْمَوْلُود فِي
لُزُومِهَا، وَعَدَم انْفِكَاكِه مِنْهَا، بِالرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُرْتِن، وَهَذَا يُقَوِّي قَوْل مَنْ قَالَ
بِالْوُجُوبِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ مَرْهُون بِأَذَى شَعْرِهِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ: ((فَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى))
انتهى. وَاَلَّذِي نُقِلَ عَنْ أَحْمَد، قَالَهُ عَطَّاء الْخُرَاسَانِيّ، أَسْنَدَهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَخْرَجَ ابْنِ
حَزْم، عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيّ، قَالَ: ((إِنَّ النَّاس يُعْرَضُونَ يَوْمِ الْقِيَامَة عَلَى الْعَقِيقَةِ، كَمَّا
يُعْرَضُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ))، وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ قَوْلًا آخَرِ، يَتَمَسَّك بِهِ مَنْ قَالَ
بِوُجُوبِ الْعَقِيقَة، قَالَ ابْنِ حَزْمٍ: وَمِثْلِه عَنْ فَاطِمَة بِنْتِ الْحُسَيْن. قاله في ((الفتح))(١).
(تُذْبَحُ) بالبناء للمفعول، وفيه دليلٌ على أنه لا يتعيّن الذابح، وفيه خلاف، سيأتي
تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى (عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ) أَيْ مِنْ يَوْم الْوِلَادَة، وَهَلْ يُخْسَب يَوْمِ
الْوِلَادَةِ؟ قَالَ ابْنِ عَبْد الْبَرّ نَصَّ مَالِك عَلَى أَنَّ أَوَّل السَّبْعَة الْيَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْم الْوِلَادَة، إِلَّ
إِنْ وُلِدَ قَبْلِ طُلُّوعِ الْفَجْرِ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْبُوَيْطِيَّ عَنْ الشَّافِعِيّ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ وَجْهَيْنِ،
وَرَجِّحَ الْحُسْبَانِ، وَاخْتَلَفَ تَرْجِيح النَّوَوِيّ. قاله في ((الفتح))(٢) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن يوم الولادة محسوب في السبعة.
والله تعالى أعلم.
(وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى) ببناء الفعلين للمفعول. و((يُسمّى)) بالسين المهملة، من
التسمية، وسيأتي الاختلاف في هذه اللفظة، هل هي ((يسمى)) بالسين، أو ((يُدَمّى))
بالدال مفضلًا في المسألة الخامسة، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
(١) ((فتح) ١٢/١١-١٣.
(٢) ((فتح)) ١٤/١١.

٠
٥- (مَتَّى يُعَقُّ؟) - حديث رقم ٤٢٢٢
٣٦٩ =
حديث سمرة بن جندب رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٢٢٢/٥ و ٤٢٢٣- وفي ((الكبرى)» ٤٥٤٦/٦ و٤٥٤٧. وأخرجه (د)
في ((الضحايا)) ٢٨٣٧ و٢٨٣٨ (ت) في ((الأضاحي)) ١٥٢٢ (ق) في ((الذبائح)) ٣١٦٥
(أحمد) في ((أول مسند البصريين)) ١٩٥٧٩ و٢٧٧٠٩ و١٩٦٧٦ و١٩٧٤٣ (الدارمي)
في ((الأضاحي)) ١٩٦٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان وقت العقيقة، وأنه اليوم
السابع، وسيأتي اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها):
تأكّد مشروعيّة العقيقة، وأنها لازمة لكل مولود، كلزوم المرتهن الرهن في يده، لا ينفك
عنه إلا بأداء الدين. (ومنها): استحباب حلق رأس المولود عند ذبح العقيقة. (ومنها):
استحباب تسميته عند الذبح أيضًا. (ومنها): أنه تَمَسَّكَ بِهذا الحديث مَنْ قَالَ: إِنَّ
الْعَقِيقَة مُؤَقِّتَة بِالْيَوْمِ السَّابِعِ، وَأَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلهِ، لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعِ، وَأَنَّا تَفُوت بَعْده، وَهُوَ
قَوْل مَالِك. وذهبتَ الشافعيّة إلى أن اعتبار الأسابيع للاختيار، لا للتعيين، وللحنابلة في
ذلك روايتان، وسيأتي تحقيق الاختلاف في ذلك قريبًا، إن شاء اللّه تعالى.
(ومنها): أن قوله: ((يُذْبَح)) بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ، فيه دلالة على أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنْ
الذَّابِحِ، وَعِنْد الشَّافِعِيَّة يَتَعَيِّنُ مَنْ تَلْزَمَهُ نَفَقَّةِ الْمَوْلُودِ، وَعَنْ الْحَنَّابِلَة يَتَعَيَّنُ الْأَب، إِلَّا إِنْ
تَعَذَّرَ بِمَوْتٍ، أَوْ امْتِنَاعِ. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَكَأَنَّ الْحَدِيثِ، أَنَّهُ وَّهِ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ
مُؤَوَّلِ. قَالَ النَّوَوِيّ: يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونُ أَبَوَاهُ حِينَئِذٍ كَانَا مُعْسِرَيْنٍ، أَوْ تَبَرَّعَ بِإِذْنَ الْأَبِ، أَوْ
قَوْله: ((عَقَّ)): أَيْ أَمَرَ، أَوْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِه ◌َِ، كَمَا ضَخَّىَ عَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّته،
وَقَدْ عَدَّهُ بَعْضِهِمْ مِنْ خَصَائِصِه، وَنَصَّ مَالِك عَلَى أَنَّهُ يُعَقْ عَنْ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ، وَمَنَعَهُ
الشَّافِعِيَّة. قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن عدم تعيّن الذابح هو الأظهر؛ عملًا بظاهر
قوله: ((تُذبح عنه))، حيث لم يُعيّن أباه، ولا غيره، وأيضًا أنه صلّى اللَّه تعالى عليه
وسلم عقّ عن الحسن، والحسين، ودعوى الخصوصيّة تحتاج إلى دليل. والله تعالى
أعلم.
(ومنها): أن قوله: ((تَذْبَح، وَيُحْلَق رأسه، وَيُسَمَّى)) بِالْوَاوِ يدلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط
التَّرْتِيب فِي ذَلِكَ، قال الحافظ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي الشَّيْخِ، فِي حَدِيثِ سَمُرَة:
(يُذْبَح يَوْمِ سَابِعه، ثُمَّ يُخْلَقِ))، وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق، عَنْ ابْنٍ مُرَيْجٍ: يَبْدَأ بِالذَّبْحِ قَبْل

=
٣٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْعَقِيقَةِ
الْحَلْقِ. وَحَكَى عَنْ عَطَاء عَكْسِه، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيّ عَنْ نَصْ الشَّافِعِيّ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي
(التَّهْذِيب)): يُسْتَحَبّ الذَّبْح قَبْل الْحَلْقِ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيّ فِي ((شَرْحِ الْمُهَذَّب)). وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. قاله في ((الفتحِ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: إن صحّ ما في رواية أبي الشيخ، تعيّن الترتيب، وإلا
فلا دليل على الترتيب، بل يفعل كيف تيسّر. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن قَوْله: ((وَيُحْلَقَ رَأْسه)) يدلُّ على أنه يُحلق جميعه، لا بعضه؛ لِثُبُوتِ النَّهي
عَنْ الْقَزَعِ. وَحَكَى الْمَاوَزْدِيّ كْرَاهَة حَلْقِ رَأْس الْجَارِيَةِ. وَعَنْ بَعْض الْحَنَابِلَة : يُخْلَق.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول بكراهة حلق رأس الجارية ضعيفٌ؛ لمخالفته
عموم النصّ، فقوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((كلُّ مولود رَهِينٌ بعقيقته، تُذبح عنه
يوم سابعه، ويُحلق رأسه، ويُسمّى)) عامّ في كلّ مولود، ذكرًا كان أو أنثى، دون استثناء
شيء، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وَفِي حَدِيثٌ عَلِيّ رضي اللَّه تعالى عنه، عِنْد التِّزْمِذِيّ، وَالْحَاكِمِ فِي حَدِيث الْعَقِيقَة،
عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: ((يَا فَاطِمَة احْلِقِي رَأْسِه، وَتَصَدَّقِي بِزِنَةٍ شَعْرِهِ، قَالَ: فَوَزَنَّاهُ،
فَكَانَ دِرْهَمًّا، أَوْ بَعْض دِرْهَم.)). وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، مِنْ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ: ((لَمَّا وَلَدَتْ
فَاطِمَة حَسَنَا، قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّه، أَلَا أَعُقَّ عَنْ ابْنِي بِدَم؟، قَالَ: ((لَاَ، وَلَكِنْ احْلِقِي
رَأْسِه، وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّة، فَفَعَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ حُسَيْنَا، فَعَلَتْ مِثْلِ ذَلِكَ)). قَالَّ
الحافظ العراقيّ: فِي ((شَرْح التّزْمِذِيّ)): يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ وَِّ، كَانَ عَقَّ عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ
فَاطِمَة أَنْ تَعُقْ هِيَ عَنْهُ أَيْضًا، فَمَنَعَهَا. قال الحافظ : : وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون مَنَعَهَا؛ لَضِيق
مَا عِنْدهمْ حِينَئِذٍ، فَأَرْشَدَهَا إِلَى نَوْعِ مِنْ الصَّدَقَة أَخَفْ، ثُمَّ تَيَسَّرَ لَهُ عَنْ قُرْبِ مَا عَقَّ بِهِ
عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُقَال: يَخْتَصَ ذَلِكَ بِمَنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ، لَكِنْ أَخْرَجَ سَعِيد بْنِ مَنْصُور،
مِنْ مُرْسَل أَبِي جَعْفَر الْبَاقِرِ صَحِيحًا: ((إِنَّ فَاطِمَة كَانَتْ إِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا، حَلَقَتْ شَعْرِهِ،
وَتَصَدَّقَتْ بِزِنَتِهِ وَرِقًا)).
ذكره في ((الفتح))(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث: ((يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدّقي الخ)»
ضعيف؛ لانقطاعه، كما بينه الترمذيّ، وله شاهد من حديث عبد الله بن محمد بن
عقيل، وفيه ضعف، وقد حسنّه الشيخ الألبانيّ لأجل الشاهد؛ انظر ((إرواءه)) ٤/ ٤٠٢-
٤٠٦ .
(١) ((فتح)) ١٤/١١.

٣٧١ =
٥- (مَتَى يُعَقُ؟) - حديث رقم ٤٢٢٢
والحاصل أن مثل هذا يصلح للعمل به في مثل هذه الفضائل، فينبغي أن يحلق رأس
المولود، ويُتصدّق بوزنه درهمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت العقيقة:
قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: السنّة أن تُذبح يوم السابع،
فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي أحد وعشرين، ويُروى هذا عن عائشة رضي
الله تعالى عنها، وبه قال إسحاق. وعن مالك في الرجل يريد أن يَعُقّ عن ولده، فقال:
ما علمت هذا من أمر الناس، وما يُعجبني. ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم القائلين
بمشروعيّتها في استحباب ذبحها يوم السابع. والأصل فيه حديث سمرة، عن النبيّ
صلّى الله تعالى عليه وسلم - يعني حديث الباب- وأما كونه في أربع عشرة، ثم في أحد
وعشرين، فالحجة فيه قول عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذا تقدير، والظاهر أنها لا
تقوله إلا توقيفًا. وإن ذبح قبل ذلك، أو بعده أجزأه؛ لأن المقصود يحصل، وإن تجاوز
أحدًا وعشرين، احتمل أن يُستحبّ في كلّ سابع، فيجعله في ثمانية وعشرين، فإن لم
يكن ففي خمسة وثلاثين، وعلى هذا، قياسًا على ما قبله. واحتمل أن يكون في كلّ
وقت؛ لأن هذا قضاء فائت، فلم يتوقّف، كقضاء الأضحية وغيرها، وإن لم يعُقّ
أصلًا، فبلغ الغلام، وكسَبَ، فلا عقيقة عليه؛ لأنها مشروعة في حقّ الوالد، فلا يفعلها
غيره، كالأجنبيّ، وكصدقة الفطر. وسُئل أحمد عن هذه المسألة، فقال: ذلك على
الوالد. يعني لا يعُقّ عن نفسه؛ لأن السنّة في حقّ غيره. وقال عطاء، والحسن: يُعُقّ
عن نفسه؛ لأنها مشروعة عنه، ولأنه مرتَّنْ بها، فينبغي أن يُشرَع له فَكَاك نفسه. انتهى
كلام ابن قُدامة ببعض تغيير(١).
وقال في ((الفتح)): ما حاصله: تَمَسَّكَ بِقوله: ((تُذبح عنه يوم السابع)) مَنْ قَالَ: إِنَّ
الْعَقِيقَة مُؤَقََّة بِالْيَوْمِ السَّابِعِ، وَأَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلِه لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعِ، وَأَنَّا تَفُوت بَعْده، وَهُوَ
قَوْل مَالِك. وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّ مَنْ مَاتَ قَبْلِ السَّابِعِ سَقَطَتْ الْعَقِيقَة. وَفِي رِوَايَة ابْنٍ وَهْب،
عَنْ مَالِك: أَنَّ مَنْ لَمْ يُعَقِّ عَنْهُ فِي السَّابِعِ الْأَوَّل، عُقَّ عَنْهُ فِي السَّابِعِ الثَّانِ، قَالَ اِبْن
وَهْبٍ: وَلَّا بَأْس أَنْ يُعَقْ عَنْهُ فِي السَّابِعِ الثَّالِثِ. وَنَقَلَ التِّزْمِذِيّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُمْ
يَسْتَحِبُّونَ أَنْ تُذْبَح الْعَقِيقَة يَوْمِ السَّابِعِ، فَإِنْ لَمْ يَتَهَيَّ فَيَوْمِ الرَّابع عَشَرِ، فَإِنْ لَمْ يَتَهَيَّ عَقَّ
عَنْهُ يَوْمِ أَحَد وَعِشْرِينَ. قال الحافظ: وَلَمْ أَرَ هَذَا صَرِيحًا إِلَّ عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه
الْبُوشَنْجِيّ، وَنَقَلَّهُ صَالِحِ بْن أَحْمَد، عَنْ أَبِهِ. وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيث، أَخْرَجَهُ الطََّرَانِيُّ مِنْ
(١) ((المغني)) ٣٩٦/١٣-٣٩٧.

٣٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْعَقِيقَةِ
رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِهِ، وَإِسْمَاعِيل ضَعِيف، وَذَكَّرَ
الطََّرَانِيُّ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ .
وَعِنْدِ الْحَنَابِلَةِ فِي اعْتِبَارِ الْأَسَابِيعِ بَعْدِ ذَلِكَ رِوَايَتَانٍ، وَعِنْدِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ ذِكْر الْأَسَابِيع
لِلاخْتِيَّارِ، لَا لِلتَّعْيِينِ، فَنَقَّلَ الرَّافِعِيّ، أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتَهَا بِالْوِلَادَةِ، قَالَ: وَذِكْرُ السَّابِعِ فِي
الْخَبّر بِمَعْنَى أَنْ لَا تُؤَخَّرِ عَنْهُ اخْتِيَارًا، ثُمَّ قَالَ: وَالاخْتِيَارَ أَنْ لَا تُؤَخَّرِ عَنْ الْبُلُوغِ، فَإِنْ
أُخْرَتْ عَنْ الْبُلُوغ سَقَطَتْ، عَمَّنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعُقْ عَنْهُ، لَكِنْ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَعُقْ عَنْ نَفْسه
فَعَلَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةٍ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَمْ يُعَقِّ عَنِّي،
لَعَقَّقْتُ عَنْ نَفْسِي. وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالِ. وَنَقَلَ عَنْ نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي الْبُوَيْطِيّ، أَنَّهُ لَا يُعَقّ عَنْ
كَبِير، وَلَيْسَ هَذَا نَصَّا فِي مَنْعِ أَنْ يَعُقْ الشَّخْص عَنْ نَفْسه، بَلْ يَحْتَمِلِ أَنْ يُرِيد أَنْ لَا يَعُقْ
عَنْ غَيْرِهِ إِذَا كَبِرَ .
وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَِّه عَقَّ عَنْ نَفْسِه بَعْد النُّبُوَّة،
لَا يَثْبُت، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارِ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن مُحَرَّر -وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ-
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ الْبَزَّار: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد اللَّه، وَهُوَ ضَعِيف. انتهى. وَأَخْرَجَهُ أَبُو
الشَّيْخِ مِنْ وَجْهَيْنٍ آخَرَیْنِ :
أَحَدُهُمَا مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَإِسْمَاعِيلٍ ضَعِيف أَيْضًا، وَقَدْ قَالَ
عَبْد الرَّزَّاق: إنَّهِمْ تَرَكُوا حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُحَرَّر، مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيث، فَلَعَلَّ
إِسْمَاعِيل سَرَقَهُ مِنْهُ.
ثَانِيهِمَا مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر الْمُسْتَمْلِي، عَنْ الْهَيْثَم بْن جميل، وَدَاوُد بْنِ الْمُحَبِّ، قَالَا:
حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمَثْتَى، عَنْ ثُمَامَة، عَنْ أَنَسٍ، وَدَاوُدٍ ضَعِيف، لَكِنَّ الْهَيْثَمِ ثِقَّة، وَعَبْد
اللَّه مِنْ رِجَال الْبُخَارِيّ، فَالْحَدِيثِ قَوِيّ الْإِسْتَّادِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك بْن
أَيْمَن، عَنْ إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق السَّرَّاجِ، عَنْ عَمْرو النَّاقِد، وَأَخْرَجَهُ الطََّرَانِيُّ فِي
((الْأَوْسَط))، عَنْ أَحْمَذْ بْن مَسْعُود، كِلَاهُمَا عَنْ الْهَيْثَم بْن جَميل، وَحْده بِهِ، فَلَوْلًا مَا فِي
عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى مِنْ الْمَقَال، لَكَانَ هَذَا الْحَدِيثِ صَحِيحًا، لَكِنْ قَدْ قَالَ ابْنُ مَعِين:
لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَا أُخْرِجُ حَدِيثه، وَقَالَ
السَّاجِيُّ: فِيهِ ضَعْف لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، رَوَى مَتَاكِير، وَقَالَ الْعُقَيْلِيّ: لَا يُتَبَعِ
عَلَى أَكْثَرِ حَدِيثه، قَالَ ابْنِ حِبَّنَ فِي ((الثّقَات)): رُبَّمَا أَخْطَأَ، وَوَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ، وَالتِّرْمِذِيّ،
وَغَيْرِهَمَا، فَهَذَا مِنْ الشُّيُوخِ الَّذِينَ إِذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمْ بِالْحَدِيثِ، لَمْ يَكُنْ حُجَّة، وَقَدْ مَشَى
الْحَافِظ الضِّيَاءِ عَلَى ظَاهِرِ الْإِسْنَادِ، فَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثِ، فِي ((الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَارَةِ، مِمَّا

٣٧٣
٥- (مَتَى يُعَقُّ؟) - حديث رقم ٤٢٢٢
لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ)). وَيَحْتَمِلِ أَنْ يُقَالِ: إِنْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرِ، كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ وَِّ،
كَمَا قَالُوا فِي تَضْحِيَتَهِ عَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّته. وَعِنْدٍ عَبْد الرَّزَّاق، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ:
((مَنْ لَمْ يَعُقْ عَنْهُ أَجْزَأْتُه أُضْحِيَّتِهِ))، وَعِنْد ابْنٍ أَبِي شَيْبَة، عَنْ مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ،
وَالْحَسَنِ: ((يُجْزِئ عَنْ الْغُلام الْأُضْحِيَّة مِنْ الْعَقِيقَة)). انتهى (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد اتّضح بما ذكر أن الأرجح تقييد العقيقة باليوم
السابع، کما هو نصّ الشارع، فلا تشرع قبله، وتفوت بفواته، فإن قضاها بعد ذلك كان
حسنًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف الحفّاظ في قوله: ((وَيُسَمَّى))، هل هو بالسين، أم
بالدال المهملة؟ :
قال الحافظ رحمه الله تعالى: قَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَاب قَتَادَةَ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ:
(يُسَمَّى) بِالسِّينِ، وَقَالَ هَمَّام، عَنْ قَتَادَةَ: ((يُدَمَّى)) بِالدَّالِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: خُولِفَ هَمَّام،
وَهُوَ وَهَمْ مِنْهُ، وَلَا يُؤْخَذْ بِهِ، قَالَ: ((وَيُسَمَّى)) أَصَحّْ. ثُمَّ ذَكَرَهُ مِنْ رِوَايَةٍ غَيْرِ قَتَادَةَ بِلَفْظٍ:
(وَيُسَمَّى))، وَاسْتُشْكِلَ مَا قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَا فِي بَقِيَّة رِوَايَةٍ هَمَّام عِنْدِهِ، أَنَهمْ سَأَلُوا قَتَادَةَ عَنْ
الدَّمِ، كَيْف يُصْنَعِ بِهِ؟، فَقَالَ: إِذَا ذُبِحَتِ الْعَقِيقَة، أُخِذَتْ مِنْهَا صُوفَةٌ، وَاسْتُقْبِلْت بِهِ
أَوْدَاجُهَا، ثُمَّ تُوضَع عَلَى يَافُوخِ الصَّبِيّ، حَتَّى يَسِيل عَلَى رَأْسِه، مِثْل الْخَيْطِ، ثُمَّ يَغْسِل
رَأْسِه بَعْدُ، وَيُحْلَقُ. فَيَبْعُدُ مَعَ هَذَا الضَّبْطِ، أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَمَّامًا وَهِمَ عَنْ قَتَادَةً، فِي
قَوْله: ((وَيُدَمَّى))، إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّ أَضْلِ الْحَدِيث: ((وَيُسَمَّى))، وَأَنَّ قَتَادَةَ ذَكَرَ الدَّم حَاكِيًا
عَمَّا كَانَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّة يَصْنَعُونَهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ عَبْد الْبَرّ: لا يُخْتَمَلُ هَمَّامٌ فِي هَذَا
الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ، فَهُوَ مَنْسُوخ. انتهى. وَقَدْ رَجِّحَ ابْنِ حَزْمِ رِوَايَةِ هَمَّامِ،
وَحَمَلَ بَعْض الْمُتَأَخّرِينَ قَوْله: ((وَيُسَمَّى)) عَلَى النَّسْمِيَة عِنْد الذَّبْحِ، لِمَا أَخْرَجَ ابْن أَبِي
شَيْبَة، مِنْ طَرِيق هِشَام، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: يُسَمَّى عَلَى الْعَقِيقَةِ، كَمَا يُسَمَّى عَلَى
الْأُضْحِيَّة: ((بِسْم اللَّه عَقِيقَة فُلان))، وَمِنْ طَرِيق سَعِيد، عَنْ قَتَادَةً نَحْوه، وَزَادَ: ((اللَّهُمَّ
مِنْك، وَلَك، عَّقِيقَة فُلَان، بِسْم اللَّه وَاَللَّه أَكْبَرِ، ثُمَّ ذَبَحَ)). وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق، عَنْ
مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: يُسَمَّى يَوْم يُعَّقّ عَنْهُ، ثُمَّ يُحْلَقِ، وَكَانَ يَقُولِ: يُطْلَى رَأْسه بِالدَّم.
وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلْ عَلَى النَّسْخِ فِي عِدَّةٍ أَحَادِيثِ، مِنْهَا: مَا أَخْرَجَهُ ابْنِ حِبَّنَ،َ فِي
((صَحِيحه)) عَنْ عَائِشَة، قَالَتْ: ((كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا عَقُوا عَنْ الصَّبِيّ، خَضَّبُوا قُطْنَة
بِدَمِ الْعَقِيقَة، فَإِذَا حَلَقُوا رَأْس الصَّبِيّ، وَضَعُوهَا عَلَى رَأْسِه، فَقَالَ النَّبِيّ ◌َّ: ((اجْعَلُوا
(١) ((فتح)) ١٣/١١-١٤.

٣٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْعَقِيقَةِ
مَكَانِ الدَّمِ خَلُوقًا))، زَادَ أَبُو الشَّيْخِ: ((وَنَِّى أَنْ يُمَسّ رَأْس الْمَوْلُود بِدَم)).
وَأَخْرَجَ ابْنٍ مَاجَهْ، مِنْ رِوَايَةٍ أَيُّوب بْن مُوسَى، عَنْ يَزِيد بْنِ عَبْدِ اللَّه الْمُزَنِيِّ، أَنَّ
النَّبِيِّ نَ، قَالَ: ((يُعَقْ عَنْ الْغُلَامِ، وَلَا يُمَسْ رَأْسِه بِدَم))، وَهَذَّا مُرْسَلٍ، فَإِنَّ يَزِيدَ لَا
صُحْبَة لَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَقَالَ: ((عَنَّ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيِّ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيّ وََّ))، وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَالُوا إِنّةً مُرْسَل. وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالْحَاكِم، مِنْ حَدِيث
عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ((كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ))، فَذَكَرَ نَحْو حَدِيثِ عَائِشَةِ، وَلَمْ
يُصَرِّحِ بِرَفْعِهِ، قَالَ: ((فَلَمَّا جَاءَ اللَّه بِالْإِسْلَامِ، كُنَّا نَذْبَح شَاة، وَنَحْلِقِ رَأْسِه، وَنُلَطُّخْهُ
بِزَعْفَرَانٍ))، وَهَذَا شَاهِدٌ لِحَدِيثِ عَائِشَة، وَلِهَّذَا كَرِهَ الْجُمْهُورِ التَّدْمِيَة. وَنَقَلَ ابْنِ حَزْم
اسْتِخْبَابِ التَّدْمِيَة، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاء، وَلَمْ يَنْقُل ابْنِ الْمُنْذِرِ اسْتِخْبَابَهَا، إِلَّا عَنْ
الْحَسَنِ، وَقَتَادَة، بَلْ عِنْد ابْنِ أَبِي شَيْبَة، بِسَنَدٍ صَحِيحِ، عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَرِهَ التَّدْمِيَّة.
ذكره في ((الفتح))(١) .
وقال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: حجة من كره التدمية قول
رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم في حديث سلمان بن عامر الضبّيّ رضي الله
تعالى عنه: ((وأميطوا عنه الأذى))، قال: فكيف يجوز أن يؤمر بإماطة الأذى عنه، وأن
يُحمل على رأسه الأذى. قال: وقوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((أميطوا عنه الأذى
ناسخ لما كان عليه أهل الجاهليّة من تخضيب رأس الصبيّ بدم العقيقة. انتهى(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه الجمهور من كراهة
تدمية رأس الصبيّ هو الأرجح؛ لأن الراجح أن رواية ((ويُدمّى)) من وَهَم همّام بن یحیی
العوذيّ، وإنما المحفوظ: ((ويُسمّى))، كما هو رواية الجمهور، وعلى تقدير صحة
روايته، فإنها منسوخة بحديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها المذكور آنفًا، وهو صحيح،
وبحديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه، رضي اللّه تعالى عنه، قال: ((كنا في الجاهليّة إذا
وُلد لأحدنا غلام ذبح شاةً، ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء اللَّه بالإسلام، كنا نذبح شاةً،
ونحلق رأسه، ونلطّخه بزعفران)). رواه أبو داود، والطحاويّ، والحاكم، والبيهقيّ،
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ، وهو صحيح كما قال،
لكنه على شرط مسلم، لأن الحسين بن واقد لم يخرج له البخاريّ إلا تعليقًا. وعن يزيد
ابن عبد المزنيّ، عن أبيه: أن رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم قال: ((يُعقّ عن
الغلام، ولا يُمسّ رأسه بدم)). أخرجه الطبرانيّ، والطحاويّ، ورجاله ثقات، غیر یزید
(١) ((فتح) ١٢/١١-١٣. رقم ٥٤٧٢ .
(٢) ((التمهيد)» ٣١٨/٤.

٥- (مَتَى يُعَقُّ؟) - حديث رقم ٤٢٢٣
٣٧٥ ===
ابن عبد، فلم يرو عنه غير أيوب بن موسى، ولم يوثّقه غير ابن حبّان(١).
وأيضًا أنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أمر بأن يُماط عنه الأذى، والدم من الأذى،
فكيف يأمر بالتدمية.
والحاصل أنه لا يُشرع التدمية أصلًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٢٣- (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ حَبِيبٍ بِنِ
الشَّهِيدِ، قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: سَلِ الْحَسَنَ، مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَهُ فِي الْعَقِيقَةِ، فَسَأَلْتُهُ
عَنْ ذَلِكَ؟، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ سَمُرَةَ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا،
غير :
١- (قُريش بن أنس) الأنصاريّ، ويقال: الأمويّ مولاهم، أبو أنس البصريّ،
صدوقٌ تغيّر بآخره، قدر ستّ سنين [٩].
قال ابن المدينيّ: كان ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به، إلا أنه تغيّر. وقال النسائيّ:
ثقة. وقال أبو داود: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد يقول: إنه تغيّر.
وكذا ذكر البخاريّ عن إسحاق الشهيديّ، وزاد: إنه اختلط ست سنين في البيت، ومات
سنة (٢٠٩). وقال أبو داود، عن محمد بن عمر الْمُقَدَّمَيّ: مات في رمضان سنة
(٢٠٨) قبل سعيد بن عامر بثمانية أيام. قال الحافظ: سماع المتأخرين عنه بعد
اختلاطه، مثل ابن أبي الْعَوّام، ويزيد بن سنان البصريّ، وبكّار القاضي، وأبي قلابة،
والكديميّ. وقال ابن حبّان: اختلط، فظهر في حديثه مناكير، فلم يجز الاحتجاج
بأفراده. وقال أبو حاتم الرازيّ يقال: إنه تغيّر عقله، وكان سنة (٢٠٣) صحيح العقل،
ومات سنة (٢٠٨).
وقال الحافظ في ((الفتح)): قُرَيْش بْن أَنَس، بَصْرِيّ ثِقَة، يُكَنَّى أَبَا أَنَس، كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ
سَنَّة ثَلَاث وَمِائَتَيْنٍ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ سِتْ سِنِينَ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْل ذَلِكَ فَسَمَاعه
صَحِیح.
قال: وَقَدْ تَوَقَّفَ الْبَرْزَنْجِيّ فِي صِحَّة هَذَا الْحَدِيثِ، مِنْ أَجْلِ اخْتِلَاط قُرَيْشٍ، وَزَعَمَ
أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ، وَأَنَّهُ وَهِمَ، وَكَأَنَّهُ تَبَعَ فِي ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْأَثْرَمِ، عَنْ أَحْمَد، أَنَّهُ ضَعَّفَ
حَدِيث قُرَيْش هَذَا، وَقَالَ: مَا أَرَاهُ بِشَيْءٍ.
(١) راجع ((إرواء الغليل)) ٣٨٨/٤-٣٨٩.

٣٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْعَقِيقَةِ
لَكِنْ وَجَدْنَا لَهُ مُتَابِعًا، أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ، وَالْبَزَّار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، وَأَيْضًا فَسَمَاعٍ عَلِيّ
ابْنِ الْمَدِينِيّ، وَأَقْرَانِه مِنْ قُرَيْش، كَانَ قَبْلِ اخْتِلَاطِه، فَلَعَلَّ أَحْمَدِ إِنَّمَا ضَعَّفَهُ؛ لِأَنْهُ ظَنَّ
أَنَّهُ إِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ بَعْد الاخْتِلَاط. انتهى ما في ((الفتح)).
روى له الجماعة، سوى ابن ماجه. له عند البخاريّ، والترمذيّ، والمصنّف حديث
الباب، وعند مسلم، والمصنّف حديث عمران بن حصين: ((عضّ رجل يد رجل ... ))
الحديث، وسيأتي للمصنّف في ((كتاب القسامة)) ٤٧٦٠/١٨- إن شاء الله تعالى.
و((هارون بن عبد الله)): هو أبو موسى الحمّال البغداديّ الحافظ [١٠]. و((حبيب بن
الشهید» تقدّم قبل بابین.
وقوله: ((سل الحسن ممن سمع حديثه في العقيقة))، إنما أمر ابن سرين رحمه الله
تعالى بسؤال الحسن عمن سمعه؛ تثبيتًا، وتأكيدًا؛ لأنه روى هذا الحديث عن أبي هريرة
رضي اللّه تعالى عنه، فقد أَخْرَج الْبَزَّار، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي ((كِتَابِ الْعَقِيقَة)) مِنْ رِوَايَةِ
إِسْرَائِيل، عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُخْتَارِ، عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله
تعالى عنه، مثل رواية الحسن، عن سمرة.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وَرِجَاله ثِقَات، فَكَأَنَّ ابْنِ سِيرِينَ، لَمَّا كَانَ الْحَدِيث
عِنْده، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، وَبَلَغَهُ أَنَّ الْحَسَنِ يُحَدِّث بِهِ، احْتَمَلَ عِنْده، أَنْ يَكُون يَرْوِيِهِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا، وَعَنْ غَيْرِهِ، فَسَأَلَ، فَأَخْبَرَ الْحَسَن أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ سَمُرَة، فَقَوِي الْحَدِيث
بِوَايَةِ هَذَيْنِ التَّابِعِيَّيْنِ الْجَلِيلَيْنِ، عَنْ الصَّحَابِّيْنِ. انتهى(١).
[تنبيه] : هذا الرواية صريحة في سماع الحسن البصريّ عن سمرة بن جندب رضي
الله تعالى عنه، وقد اختلف فيه، قال في ((تهذيب التهذيب)): وأما رواية الحسن عن
سمرة، ففي ((صحيح البخاريّ))، سماعه منه لحديث العقيقة، وقد روى عنه نسخة
كبيرة، غالبها في ((السنن الأربعة))، وعند عليّ بن المدينيّ أن كلّها سماع، وكذا حكى
الترمذيّ عن البخاريّ. وقال يحيى القطّان، وآخرون: هي كتاب، وذلك لا يقتضي
الانقطاع. وفي ((مسند أحمد)): حدثنا هُشيم، عن حميد الطويل، وقال: جاء رجلٌ إلى
الحسن، فقال: إن عبدا له أَبَقَ، وأنه نذر إن يقدر عليه أن يقطع يده، فقال الحسن:
حدثنا سمرة، قال: قلّما خطبنا رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم خُطبةً إلا أمر فيها
بالصدقة، ونهى عن المثلة. وهذا يقتضي سماعه منه لغير حديث العقيقة. وقال أبو داود
عقب حديث سليمان بن سمرة، عن أبيه في الصلاة: دلّت هذه الصحيفة على أن
(١) ((فتح)) ١١/ ١٢.

٤٠- (كِتَبُ الفَرَع، والْعَتِيرة) - حديث رقم ٤٢٢٤
٣٧٧ ==
الحسن سمع من سمرة. قال الحافظ: ولم يظهر لي وجه الدلالة بعدُ. انتهى (١). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنیب)).
٤٠- (كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الْفَرَع، والْفَرَعَةُ -بفتح الراء -: أولُ نِتَاج الإبل
والغنم، وكان أهل الجاهلية يذبحون لآلهتهم يتبرّكون بذلك، فنُهي عنه المسلمون،
وجمعُ الفرَعِ فَرُعُ -أي بضمّتين - أنشد ثعلبٌ [من الرمل]:
كَغَرِيّ(٢) أَجْسَدَتْ رَأْسَهُ فَرُعْ بَيْنَ رِئَاسٍ وَحَامٍ
رئاسٌ وحَامٌ: فحلان. وفي الحديث: ((لا فَرَعَ، ولا عَتِيرَةً، تقول: أفرع القومُ: إذا
ذبحوا أوّلَ ولد تُنتَجُهُ الناقةُ(٣) لآلهتهم، وأفرعوا: نُتِجُوا. والفرّعُ والْفَرَعَةُ: ذِبْحَ كان
يُذْبح، إذا بلغت الإبل ما يتمنّه صاحبها، وجمعها فِرَاعْ. والفرَعُ: بعيرٌ كان يُذبح في
الجاهليّة، إذا كان للإنسان مائة بعير، نَحَر منها بَعيرًا كلّ عام، فأطعم الناسَ، ولا يذوقه
هو، ولا أهله. وقيل: إنه كان إذا تمّت له إبله مائةً قدّم بَكْرًا، فنحره لصنمه، وهو
الفرَعُ، قال الشاعر [من البسيط]:
إِذْ لَا يَزَالُ قَتِيلٌ تَحَتَ رَايَتِنَا كَمَا تَشَخَّطَ سَقْبُ النَّاسِكِ الْفَرَعُ
وقيل: الْفَرَعُ طعامٌ يُصنَع لنتاج الإبل، كالْخَرْسِ لولادة المرأة. قاله في ((اللسان))(٤).
و((الْعَتِيرَةُ)) - بفتح العين الهملة، وكسر التاء -: هي الشّاة تُذْبَحِ عَنْ أَهْلِ بَيْت فِي
رَجَب. وَقَالَ أَبُو عُبَيْد: الْعَتِيرَة: هِيَ الرَّجَبِيَّة، ذَبِيحَة كَانُوا يَذْبَحُونَها فِي الْجَاهِلِيّة فِي
رَجَب، يَتَقَرَّبُونَ بِهَا لِأَصْنَامِهِمْ. وَقَالَ غَيْرِهِ: الْعَتِيرَة نَذْر كَانُوا يُنْذَّرُونَهُ، مَنْ بَلَغَ مَاله
(١) (تهذيب التهذيب)) ٣٩٠/١-٣٩١ .
(٢) الغَرِيّ: صنمٌ، كان طُلِيٍ رأسه بدم. اهـ لسان.
(٣) قَوْلَه (تُنْتَجُهُ الناقة) بِضَمْ أَوَّله وَفَتْحِ ثَالِثِه: يُقَال: نُتِجَتْ النَّاقَّة، بِضَمِ النُّون، وَكَسْرِ الْمُثَنَّة: إِذَا
وَلَدَتْ، وَلَا يُسْتَعْمَلِ هَذَا الْفِعْلِ إِلَّ هَكَذَا، وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. أفاده في ((الفتح)).
(٤) ((لسان العرب)) باختصار. ٢٤٨/٨-٢٤٩.

٣٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَثِيرَةِ
كَذَا، أَنْ يَذْبَح مِنْ كُلّ عَشَّرَة مِنْهَا رَأْسًا فِ رَجَب. وَذَكَرَ ابْنِ سِيدَهْ: أَنَّ الْعَتِيرَة أَنَّ الرَّجُل
كَانَ يَقُول في الْجَاهِلِيَّة: إِنْ بَلَغَ إِلِي مِائَة عَتَرَتُ مِنْهَا عَتِيرَة، زَادَ فِي ((الصِّحَاح)): فِي
رَجَب. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَّ تَقِْيدهَا بِالْعَشْرِ الْأَوَّل مِنْ رَجَب، وَنَقَلَ النَّوَوِيّ الاتِّفَاقِ عَلَيْهِ. قال
الحافظ: وَفِيهِ نَظَرٌ(١).
وذكر ابن منظور في ((اللسان)): أن العرب في الجاهليّة كانت إذا طلب أحدهم أمرًا
نذر، لئن ظَفِر به ليذبحنّ من غنمه في رجب كذا وكذا، وهي العتائر أيضًا، فإذا ظفر به،
فربّما ضاقت نفسه عن ذلك، وضنّ بغنمه، وهي الرَّبِيض، فيأخذ عددها ظباء، فيذبحها
في رجب مكان تلك الغنم، فكأن تلك عتائره. انتهى باختصار.
وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): الْفَرَعِ: أَوَّل النَّتَاجِ كَانَ يُنْتَجِ لَهُمْ فَيَذْبَحُونَهُ. قَالَ أَهْل
اللُّغَة وَغَيْرِهمْ: الْفَرَعْ بِفَاءٍ، ثُمَّ رَاءِ مَفْتُوحَتَيْنِ، ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَة، وَيُقَال فِيهِ: الْفَرَعَة
بِالْهَاءِ. وَالْعَتِيرَة - بِعَيْنِ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة، ثُمَّ تَاءَ مُثَنّة مِنْ فَوْق، قَالُوا: وَالْعَتِيرَة: ذَبِيحَة
كَانُوا يَذْبَحُونَها فِي الْعَشْرِ الْأُوَل مِنْ رَجَب، وَيُسَمُّونَّهَا الرَّجَبِيَّة أَيْضًا، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى
تَفْسِيرِ الْعَتِيرَة بِهَذَا.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تقدّم في كلام الحافظ أن دعواه الاتفاق فيه نظر.
قال: وَأَّمَّا الْفَرَعِ، فَقَدْ فَسَّرَهُ هُنَا بِأَنَّهُ أَوَّل النَّاجِ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ، قَالَ الشَّافِعِيّ،
وَأَصْحَابِهِ، وَآخَرُونَ: هُوَ أَوَّل نِتَاجِ الْبَهِيمَة، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ، وَلَا يَمْلِكُونَهُ، رَجَاء الْبَرَكَة
فِي الْأُمَ، وَكَثْرَة نَسْلهَا، وَهَكَذَا فَسَّرَهُ كَثِيرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَة وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ كَثِيرُونَ
مِنْهُمْ: هُوَ أَوَّل النَّتَاجِ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ، وَهِيَ طَوَاغِيتِهِمْ، وَكَذَا جَاءَ هَذَا التَّفْسِير
فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيّ))، و((سُنِّنْ أَبِي دَاوُدَ)). وَقِيلَ: هُوَ أَوَّل النَّاجِ لِمَنْ بَلَغَتْ إِبِله مِائَة،
يَذْبَحُونَهُ. وَقَالَ شَمِر: قَالَ أَبُو مَالِك: كَانَ الرَّجُلِ، إِذَا بَلَغَتْ إِله مِائَة، قَدَّمَ بَكْرًا،
فَتَحَرَهُ لِصَنَمِهِ، وَيُسَمُّونَهُ الْفَرَع. انتهى كلام النوويّ(٢). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٢٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ترجم المصنف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) قبل
هذا الحديث بقوله: ((باب ((لا فرَعَ، ولا عتيرة)).
(١) (فتح)) ١٧/١١.
(٢) ((شرح مسلم)) ١٣٥/١٣-١٣٦.

٣٧٩
٤٠ - (كِتَبُ الفَرَع، والْغِيرة) - حديث رقم ٤٢٢٤
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن رهويه الإمام الحجة [١٠] ٢/٢.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/١ .
٣- (الزهريّ) محمد بن مسلم المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١.
٤ - (سعيد) بن المسيب الإمام الفقيه الحجة الثبت، من كبار [٣]٩/٩.
٥- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه سعيدًا أحد الفقهاء
السبعة، وفيه أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((لَا فَرَعَ)
بفتحين، وقع تفسير الفرّع، والعتيرة في رواية الشيخين، ولفظه: ((والفرّع أوّل النتاج،
كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب)). قيل: ظَاهِرهُ الرَّفْع، لكن وقع في رواية
أَبِي دَاوُدَ، مِنْ طريق عَبْد الرَّزَّاق، عَنْ مَعْمَر، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب،
قَالَ: ((الْفَرَعِ أَوَّل النَّاجِ ... )) الْحَدِيث، جَعَلَهُ مَوْقُوفًا عَلَّى سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب. وَقَالَ
الْخَطَّابِيُّ: أَحْسَب التَّفْسِيرِ فِيهِ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ. قال الحافظ :: قَدْ أَخْرَجَ أَبُو قُرَّة فِي
(السُّنَنْ)) الْحَدِيثَ عَنْ عَبْد الْمَجِيد بْن أَبِي دَاوُدَ (١)، عَنْ مَعْمَر، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَتِه، أَنَّ
تَفْسِيرِ الْفَرَعِ وَالْعَتِيرَة، مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَم. انتهى.
وقال فِي ((الْمُحْكَم)»: الْفَرَعُ أَوَّلَ نِتَاجِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، كَانَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَذْبَحُونَهُ
لِأَضْنَامِهِمْ، وَالْفَرَعَ ذِبْحُ كَانُوا، إِذَا بَلَغَتْ الْإِلِ مَا تَمَنَّهُ صَاحِبِهَا ذَبَحُوهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا
بَلَغَتْ الْإِلِ مِائَة، يَعْتِرِ مِنْهَا بَعِيرًا كُلّ عَامِ، وَلَا يَأْكُل مِنْهُ هُوَ، وَلَا أَهْلِ بَيْتِه. وَالْفَرَع
أَيْضًا: طَعَام يُصْنَع ◌ِنْتَاجِ الْإِل، كَالْخَرَسِ(٢) لِلْوِلَادَةِ. انتهى(٣).
(وَلَّا عَتِيرَة) - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة، وَكَسْرِ الْمُثَنَّةِ، بِوَزْنِ عَظِيمَة: هي شاة تُذبح في رجب.
قَالَ الْقَزَّاز: سُمِّيَتْ غَتِيرَة بِمَا يُفْعَل مِنْ الذَّبْحِ، وَهُوَ الْعَثْرُ،، فَهِيَ فَعَيْلَة، بِمَعْنَى مَفْعُولَة.
(١) لعله ابن أبي روّاد، فليُحرّر.
(٢) ((الْخُرْسُ)) -بضم، فسكون- وزان قُفل: طعام يُصنع للولادة. اهـ المصباح.
(٣) ((فتح)) ١٥/١١.

٣٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَثِيرَةِ
وتقدّم في أول الباب أقوال أهل اللغة فيها.
وقوله: ((لا فرَّع، ولا عَتِيرة)»: هَكَذَا جَاءَ بِلَفْظِ النَّفْي، وَالْمُرَاد بِهِ النَّهي، كما جاء
بِصِيغَةِ النَّهِي فِي رِوَايَة المصنّف التالية: (تَّى رَسُول اللَّهُ وَ). وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِأَحْمَد:
((لَا فَرَع، وَلَا عَتِيرَة فِي الْإِسْلَام)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٢٢٤/١ و٤٢٢٥- وفي ((الكبرى)) ٤٥٤٨/١ و٤٥٤٩. وأخرجه (خ)
في ((العقيقة)) ٥٤٧٣ و٥٤٧٤ (م) في ((الأضاحي)) ٣٦٥٢ (د) في ((الضحايا)) ٢٨٣١ (ت)
في ((الأضاحي)) ١٥١٢ (ق) في ((الذبائح)) ٣١٦٨ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))
٧٠٩٥ و٧٢١٥ و٧٦٩٣ و٩٩٨٣ (الدارمي) في ((الأضاحي)) ١٩٦٤. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين (( لا فرّعَ، ولا عَتِيرة))، وبين
حديث: ((الفَرَع حقّ)):
قال النوويّ في ((شرح مسلم): قَالَ الشّافِعِيّ رحمه اللّه تعالى: الْفَرَعِ شَيْءٍ كَانَ أَهْل
الْجَاهِلِيَّةِ، يَطْلُبُونَ بِهِ الْبَرَكَة فِي أَمْوَالهِمْ، فَكَانَ أَحَدِهمْ يَذْبَح بِكْرِ نَاقَته، أَوْ شَاته، فَلَا
يَغْذُوهُ رَجَاء الْبَرَكَة فِيمَا يَأْتِي بَعْدِهِ، فَسَأَلُوا النَّبِيّ ◌َِّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: ((فَرْعُوا، إِنْ شِئْتُمْ، أَنْ
اذْبَحُوا إِنْ شِئْتُمْ))، وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَمَّا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة، خَوْفًا أَنْ يُكْرَه فِي
الْإِسْلَامِ، فَأَعْلَمُهُمْ أَنَّهُ لَا كَرَاهَة عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَأَمَرَهُمْ اسْتِخْبَابًا أَنْ يُغْذُوهُ، ثُمَّ يُحْمَلِ عَلَيْهِ
فِي سَبِيلِ اللَّه. قَالَ الشَّافِعِيّ: وَقَوْله ◌ِهِ: ((الْفَرَعِ حَقٌ)): مَعْنَاهُ: لَيْسَ بِبَاطِلِ، وَهُوَ كَلام
عَرَبِيّ، خَرَجَ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ. قَالَ: وَقَوْلِهِوَّهِ: ((لَا فَرَعْ، وَلَا عَتِيرَة))َ، أَيْ لَّا فَرَع
وَاجِب، وَلَا عَتِيرَةٍ وَاجِبَةٍ، قَالَ: وَالْحَدِيث الْآخَرِ يَدُلْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَةً أَبَاحَ لَّهُ
الذَّبْحِ، وَاخْتَارَ لَهُ أَنْ يُعْطِيهِ أَزْمَلَة، أَوْ يَحْمِل عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّه، قَالَ: وَقَوْله وَلَّ فِي
الْعَتِيرَة: ((اذْبَحُوا لِلَّهِ، فِي أَيْ شَهْر كَانَ))، أَيْ اذْبَحُوا إِنْ شِئْتُمْ، وَاجْعَلُوا الذَّبْح لِلَّهِ فِي
أَيِّ شَهْر كَانَ، لَا أَنَّا فِي رَجَب، دُون غَيْرِه مِنْ الشُّهُور. وَالصَّحِيحِ عِنْد أَصْحَابًا، وَهُوَ
نَصّ الشَّافِعِيّ: اسْتِخْبَابِ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَة، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث: ((لَا فَرَع، وَلَا عَبِيرَة)»
بِثَلَاثَةٍ أَوْجُه: