النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٢ - (اسْتِقَالَةُ الْبَيْعَةِ) - حديث رقم ٤١٨٧
=
٢٨١
وضاد معجمة، وعين، وقال: هو من أبضعه بضاعة: إذا دفعها إليه، يعني المدينة تُعطي
طيبها لمن سكنها. وتعقّبه الصغانيّ بأنه خالف جميع الرواة في ذلك. وقال ابن الأثير:
المشهور بالنون، والصاد المهملة. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: قوله: ((وينصح طيبها)) أي يصفو، ويخلُص، يقال: طيبٌ ناصعٌ: إذا
خلصت رائحته، وصَفَت مما ينقصها. وروينا ((طيبها)) هنا يعني ((صحيح مسلم)) بفتح
الطاء، وتشديد الياء، وكسرها. وقد رويناه في ((الموطًا)) هكذا، وبكسر الطاء، وتسكين
الياء، وهو أليق بقوله: وينصع؛ لأنه يقال: نصع الطيب: إذا قويت رائحته. انتهى(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي رأيته في كتب اللغة التي بين يديّ أن ((نصع))
لازم، ففي نصب ((طيبها)) به نظر لا يخفى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٨٧/٢٢- وفي ((الكبرى)) ٧٨٠٨/٢٦. وأخرجه (خ) في ((الحجّ
١٨٨٣ و((الأحكام)) ٧٢٠٩ (م) في ((الحجّ)) ١٣٨٣ (ت) في ((المناقب)) ٣٩٢٠ (أحمد)
في ((باقي مسند المكثرين)) ١٣٨٨٢ و١٣٨٨٨ و١٤٥٢٠ و١٤٧٩٥ (الموطأ) في
((الجامع)) ١٦٣٩ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو حكم استقالة البيعة، وهو
التحريم، فلا يجوز لمن بايع على الإسلام أن يترك الإسلام، ولا لمن بايع على الهجرة
إلى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يترك الهجرة. (ومنها): بيان فضل المدينة،
وهو أن الله سبحانه وتعالى جعلها كالكير تنفي أشرار الناس، وتخلّص أخيارها.
(ومنها): ما قاله ابن المنيّر رحمه اللّه تعالى: ظاهر الحديث ذمّ من خرج من
المدينة، وهو مشكلٌ، فقد خرج منها جمعٌ كثيرٌ، من الصحابة، وسكنوا غيرها من
البلاد، وكذا من بعدهم من الفضلاء.
(١) (فتح)) ٥٨٥/٤. ((كتاب فضائل المدينة)).
(٢) ((المفهم)) ٤٩٨/٤-٤٩٩ .

٢٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
والجواب أن المذموم من خرج عنها كراهةً لها، ورغبةً عنها، كما فعل الأعرابيّ
المذكور، وأما المشار إليهم، فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة، كنشر العلم، وفتح بلاد
الشرك، والمرابطة في الثُّغُور، وجهاد الأعداء، وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة،
وفضل سكناها. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٣- (الْمُرْتَدُّ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ)
أي الذي يصير أعرابيّا، ساكنا بالبادية بعد أن يهاجر.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الظاهر من هذه الترجمة أن المصنف رحمه الله تعالى
يرى تحريم الرجوع إلى البادية بعد الهجرة؛ لأنه سيأتي له في ((كتاب الزينة)) ٢٥/
٥١٠٤- بإسناد صحيح، من طريق الحارث بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود، قال:
((آكل الربا، وموكله، وكاتبه، إذا علموا ذلك، والواشمة، والموشومة للحسن، ولاوي
الصدقة، والمرتد أعرابيا بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد ويلتر، يوم القيامة)).
فترجمته هنا بلفظ الحديث يدلّ على عدم الجواز، وأيضًا تعنيف الحجّاج لسلمة بن
الأكوع رضي اللّه تعالى عنه في حديث الباب، إلى أن أعلمه بأنه صلَّى اللَّه تعالى عليه
وسلم أذن له في ذلك، يرشد إلى ذلك، وعلى هذا، فيُستثنى من أذن له النبيّ صلّى اللَّه
تعالى عليه وسلم.
ويحتمل أيضًا أن يكون هذا مقيّدًا بما إذا لم يكن هناك ضرر، وإلا فلا تحريم؛
لحديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه تعالى عنه، مرفوعًا: ((يوشك أن يكون خير مال
المسلم غنمًا يتبع بها شَعَف الجبال، ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن)). أخرجه
البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وسيأتي في ((كتاب الإيمان)) ٥٠٣٨/٣٠ - وابن
ماجه .
ولهذا ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((كتاب الفتن)) من ((صحيحه)) بقوله:
(بَابِ التَّعَرُّب فِي الْفِتْنَة)). ثم أورد فيه حديث سلمة بن الأكوع المذكور في الباب،
وحديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه هذا.
(١) راجع ((الفتح)) ١١٢/١٥ ((كتاب الأحكام)) حديث: ٧٢١٠ .

٢٣- (الْمُرْتَدُ أَعْرَابِيًا بَعْدَ الهِجْرَةِ) - حديث رقم ٤١٨٨
٢٨٣
قال في ((الفتح)): ((التعرّب)): بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة، وَالرَّاء الثَّقِيلَة: أَيْ السُّكْنَى مَعَ
الْأَعْرَابِ، بِفَتْحِ الْأَلِف، وَهُوَ أَنْ يَنْتَقِلِ الْمُهَاجِر مِنْ الْبَلَدِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، فَيَسْكُنْ
الْبَدْو، فَيَرْجِعِ بَّعْدَ هِجْرَته أَعْرَابِيًّا، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مُحَرَّمًا، إِلا إِنْ أَذِنَ لَهُ الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ.
وَقَيَّدَهُ بِالْفِتْنَةِ، إِشَارَةً إِلَى مَا وَرَدَ مِنْ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ، عِنْدَ حُلُول الْفِتَنِ. وَقِيلَ: بِمَنْعِهِ
فِي زَمَنِ الْفِتْنَة؛ لِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ خِذْلَان أَهْلِ الْحَقّ، وَلَكِنَّ نَظَرِ السَّلَّفِ اخْتَلَفَ فِي
ذَلِكَ: فَمِنْهُمْ مَنْ آثَرَ السَّلَامَةِ، وَاعْتَزَّلَ الْفِتَنْ، كَسَعْدٍ، وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ، وَابْنِ عُمَر،
فِي طَائِفَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ بَاشَرَ الْقِتَالِ، وَهُمْ الْجُمْهُور.
قال: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ كَرِيمَةَ ((التَّعَزُّبِ)) بِالزَّيِ، وَبَيْنَهُمَّا عُمُومٍ وَخُصُوص، وَقَالَ
صَاحِب ((الْمَطَالِعِ)): وَجَدْته بِخَطْي فِي الْبُخَارِيّ بِالزَّايِ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُون وَهْمًا، فَإِنْ
صَحَّ فَمَعْنَاهُ: الْبُعْد، وَالاعْتِزَال. انتهى (١). واللَّه تعالَى أعلم بالصواب.
٤١٨٨- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَنْدٍ، عَنْ
سَلَمَّةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الْأَْوَعِ، اَرْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ،
وَذَكَرَ كَلِمَةٌ، مَغَّنَاهَا: وَبَدَوْتَ، قَالَ: لََّ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، أَذِنَ لِي فِي الْبُدُوِّ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (قتيبة) بن سعيد القفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (حاتم بن إسماعيل) الحارثيّ، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ تِهِم، صحيح
الكتاب [٨] ٥٤٣/٢٤ .
٣- (يزيد بن أبي عُبيد) الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع المدنيّ، ثقة [٤] ٦٧/
١٩٦١ .
٤- (سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، نُسب لجدّه الصحابيّ
المشهور رضي الله تعالى عنه٧٦٥/١٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، كأحاديث الأبواب الثلاثة
الماضية، وهو (١٩٥). (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه
مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والظاهر أنه دخلها. (ومنها): أن هذا الإسناد مما وافق
فيه المصنّف الشيخين، فقد أخرجا هذا الحديث في ((صحيحيهما)) بنفس هذا الإسناد.
والله تعالى أعلم.
(١) (فتح)) ١٤/ ٥٣٩ ((كتاب الفتن)) حديث: ٧٠٨٧.

٢٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
شرح الحديث
(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الحَجَّاجِ) هو ابن يوسف
الثقفيّ الأمير المشهور، وكان ذلك لَمّا ولي الحجاج إمرأة الحجاز بعد قتل ابن الزبير،
فسار من مكة إلى المدينة، وذلك في سنة أربع وسبعين. قاله في ((الفتح)) (فَقَالَ) أي
الحجّاج (يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ) كأنه أشار إلى ما جاء من الحديث في
ذلك، كما تقدّم عند عدِّ الكبائر، فإن من جملة ما ذُكر في ذلك: ((من رجع بعد هجرته
أعرابيًّا))، وسيأتي للمصنّف في ((كتاب الزينة)) ٥١٠٤/٢٥- من حديث ابن مسعود،
رفعه: ((لعن اللَّه آكل الربا، وموكله)) الحديث، وفيه: ((والمرتدّ أعرابيّا بعد الهجرة)).
قال ابن الأثير في ((النهاية)): كان من رجع بعد هجرته إلى موضعه من غير عذر يعدّونه
كالمرتدّ. وقال غيره: كان ذلك من جفاء الحجّاج، حيث يُخاطب هذا الصحابيّ الجليل
بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشف عن عذره، ويقال: إنه أراد قتله، فبيّن الجهة
التي يُريد أن يجعله مستحقًا للقتل بها. وقد أخرج الطبرانيّ من حديث جابر بن سمرة
رضي اللّه تعالى عنهما، رفعه: ((لعن الله من بدا بعد هجرته، إلا في الفتنة، فإن البدو
خير من المقام في الفتنة)) (وَذَكَرَ كَلِمَةٌ، مَعْنَاهَا: وَبَدَوْتَ) أي سكنت البادية. ولفظ
البخاريّ: ((ارتددت على عقبيك، تعرّبت)) (قَالَ) سلمة رضي اللّه تعالى عنه (لَا) أي لم
أسكن البادية رجوعًا عن هجرتي (وَلَكِنَّ) بتشديد النون، وتخفيفها (رَسُولَ اللَّهِ وَلِ)
بنصب ((رسول)) على أنه اسم ((لكنّ))، ورفعه على الابتداء (أَذِنَ) بكسر الذال المعجمة،
من باب علم (لي فِي الْبَذو) بفتح، فسكون: أي الخروج إلى البادية، فلا ينافي الخروجُ
إليها الهجرة. وفي رواية حمّاد بن سلمة، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة أنه استأذن
رسول الله صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم في البداوة، فأذن له. أَخْرَجَهُ الإسْمَاعِيلِيّ. وَفِي
لَفْظ لَهُ: ((اسْتَأْذَنْت النَّبَِِّ)).
[تنبيه]: ذكر في ((الفتح)) أنه وَقَعَ لِسَلَمّةَ فِي ذَلِكَ قِصَّةٍ أُخْرَى، مَعَ غَيْرِ الْحَجَّاجِ، فَقد
أَخْرَجَ أَحْمَد، مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن إِيّاس بْنِ سَلَمَة، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: ((قَدِمَ سَلَمَة
الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَهُ بُرَيْدَةُ بْنِ الْحُصِيب، فَقَالَ: ارْتَدَدْتَ عَنْ هِجْرَتك، فَقَالَ: مَعَاذ اللَّه، إِنِّي
فِي إِذْن مِنْ رَسُول اللَّهِ نَّهِ، سَمِعْتِه يَقُول: ((ابْدُوا، يَا أَسْلَم)) - أَيْ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة الَّتِي
مِنْهَا سَلَمَةٍ، وَأَبُو بَرْزَة، وَبُرَيْدَة الْمَذْكُور- قَالُوا: إِنَّا نَخَاف أَنْ يَقْدَحِ ذَلِكَ فِي هِجْرَتنَا،
قَالَ: أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ)). وَلَهُ شَاهِد مِنْ رِوَايَة عَمْرو بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن جَرْهَد،
قَالَ: ((سَمِعْتِ رَجُلًا، يَقُول لِجَابِرٍ: مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ وَِّ؟، قَالَ: أَنَس
ابْنِ مَالِك، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، فَقَّالَ رَجُلٍ: أَمَّا سَلَمَّة، فَقَدْ ارْتَدَّ عَنْ هِجْرَته، فَقَالَ: لَا

٢٣- (الْمُرْتَدُّ أَعْرَابِيًا بَعْدَ الهجرة) - حديث رقم ٤١٨٨
٢٨٥
تَقُلْ ذَلِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتِ رَسُول اللَّهِ وَّهِ يَقُول ◌ِأَسْلَمَ: ((ابْدُوا)) قَالُوا: إِنَّا نَخَاف أَنْ نَرْتَدْ
بَعْدَ هِجْرَتْنَا، قَالَ: أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ)). وَسَنَدَ كُلّ مِنْهُمَا حَسَن. قاله في
((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سلمة بن الأكوع رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٨٨/٢٣- وفي ((الكبرى)) ٧٨٠٩/٢٧. وأخرجه (خ) في ((الفتن))
٧٠٨٧ (م) في ((الإمارة)) ١٨٦٢ (أحمد) في ((أول مسند المدنيين)) ١٦٠٧٣. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان حكم المرتدّ أعرابيّا بعد
الهجرة، وهو عدم الجواز إلا بإذن النبي صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رحمه اللَّه تعالى: أَجَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَحْرِيم تَرْك الْمُهَاجِر هِجْرَته،
وَرُجُوعه إِلَى وَطَنِه، وَعَلَى أَنَّ ارْتِدَاد الْمُهَاجِر أَغْرَابِيًّا مِنْ الْكَبَائِرِ، قَالَ: لِهَذَا أَشَارَ
الْحَجَّاجِ إِلَى أَنْ أَعْلَمَهُ سَلَمَة أَنَّ خُرُوجِه إِلَى الْبَادِيَةِ، إِنَّمَا هُوَ بِإِذْنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: وَلَعَلَّهُ
رَجَعَ إِلَى غَيْرِ وَطَنِهِ، أَوْ لِأَنَّ الْغَرَض فِي مُلَازَمَةِ الْمُهَاجِر، أَرْضِه الَّتِي هَاجَرَ إِلَيْهَا،
وَفَرْضَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيّ ◌َةِ؛ لِنُصْرَتِهِ، أَوْ لِيَكُونَ مَعَهُ، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ
إِنَّمَا كَانَ قَبْل فَتْحِ مَكّة، فَلَمَّا كَانَ الْفَتْحِ، وَأَظْهَرَ اللَّه الْإِسْلَامِ عَلَى الدِّينِ كُلّه، وَأَذَلَّ
الْكُفْرِ، وَأَعَزَّ الْمُسْلِمِينَ، سَقَطَ فَرْض الْهِجْرَة، فَقَالَ النَّبِيّ ◌َِّ: ((لا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح))،
وَقَالَ: ((مَضَتْ الْهِجْرَةِ لِأَهْلِهَا))، أَيْ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ دِيَارِهمْ، وَأَمْوَالهمْ، قَبْل فَتْح
مَكّة؛ لِمُوَاسَاةِ النَّبِيِّ نَّهِ، وَمُؤَازَرَته، وَنُصْرَة دِينه، وَضَبْطِ شَرِيعَته.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ الْهِجْرَة عَلَى أَهْلِ مَكّة، قَبْلِ الْفَتْح،
وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمْ، فَقِيلَ: لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةٍ عَلَى غَيْرِهمْ، بَلْ كَانَتْ نَذْبًا، ذَكَّرَهُ أَبُو عُبَيْد
فِي ((كِتَابِ الْأَمْوَال))؛ لِأَنَّ ◌َ لَمْ يَأْمُرِ الْوُفُودِ عَلَيْهِ، قَبْل الْفَتْحِ بِالْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا
(١) ((فتح)) ٥٣٨/١٤-٥٣٩. ((كتاب الفتن)).

٢٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
كَانَتْ وَاجِبَة عَلَى مَنْ لَمْ يُسْلِمِ كُلّ أَهْلِ بَلَده؛ لِئَلَّا يَبْقَى فِي طَوْعِ أَحْكَامِ الْكُفَّار.
(١)
انتھی
(ومنها): ما كان عليه سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه من الصبر، والتحمّل
على ما لقيه من الحجاج من الجراءة، والازدراء به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): زاد في رواية البخاريّ بالسند المذكور: قَوْله: ((وعن يزيد بن أبي
عبيد، قال: لما قُتل عثمان بن عفان خرج سلمة بن الأكوع، إلى الرَّبذة، وتزوج هناك
امرأة، وولدت له أولادا، فلم يزل بها، حتى قبل أن يموت بليال، فنزل المدينة)).
و((الرَّبَذَةُ)) - بِفَتْحِ الرَّاء، وَالْمُؤَخَّدَة، بَعْدَهَا مُعْجَمَة -: مَوْضِع بِالْبَادِيَةِ، بَيْنَ مَكّة
وَالْمَدِينَةِ .
قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، مُدَّة سُكْنَى سَلَمَة الْبَادِيَةِ،
وَهِيَ نَحْوِ الْأَرْبَعِينَ سَنَّة؛ لِأَنَّ قَتْلِ عُثْمَان كَانَ فِي ذِي الْحِجَّة، سَنَّة خَمْس وَثَلَاثِينَ،
وَمَوْت سَلَمَة سَنَّة أَرْبَعِ وَسَبْعِينَ، عَلَى الصَّحِيحِ.
قال: وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ سَلَمَة لَمْ يَمُثْ بِالْبَادِيَةِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ يَحْيَى بْن عَبْد الْوَهَّاب بْنِ
مَنْدَهْ، فِي الْجُزْءِ الَّذِي جَمعَهُ، فِي آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ، بَلْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، كَمَا
تَقْتَضِيه رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد هَذِهِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَبْد اللَّه بْن مَنْدَهْ، فِي ((مَعْرِفَة
الصَّحَابَة)).
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا، رَدّ عَلَى مَنْ أَرَّخَ وَفَاة سَلَمَة، سَنَّةٍ أَرْبَعِ وَسِتِّينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ
فِي آخِرِ خِلافَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ الْحَجَّاجِ يَوْمَئِذٍ أَمِيرًا، وَلَا ذَا أَمْرِ، وَلَا نُهِي،
وَكَذَا فِيهِ رَدْ عَلَى الْهَيْئَمِ بْن عَدِيّ، حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ مَاتَ فِي آخِرِ خِلَافَة مُعَاوِيَةٍ، وَهُوَ أَشَدّ
غَلَطًا مِنْ الْأَوَّل، إِنْ أَرَادَ مُعَاوِيَةِ بْن أَبِي سُفْيَان، وَإِنْ أَرَادَ مُعَاوِيَة بْن يَزِيد بْن مُعَاوِيَّة،
فَهُوَ عَيْنِ الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَدْ مَشَىِ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَقَالَ: مَاتَ سَنَة سِتِينَ،
وَهِيَ السَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَانَ. كَذَا جَزَمَ بِهِ، وَالصَّوَابِ خِلَافه. وَقَدْ
اغْتَرَضَ الذَّهَبِيّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَاشَ ثَمَانِينَ سَنَة، وَمَاتَ سَنَةٍ أَرْبَع وَسَبْعِينَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَم
مِنْهُ أَنْ يَكُون لَهُ فِي الْحُدَيْنِيَةِ اثْنَتَا عَشْرَة سَنَّةً، وَهُوَ بَاطِل؛ لِأَنَّةً ثَبَتَ أَنَّهُ قَاتَلَ يَوْمَئِذٍ،
وَبَایعَ .
قال الحافظ: وَهُوَ اعْتِرَاض مُتَّجِه، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى سَنَّة وَفَاته، لَا إِلَى
(١) ((شرح مسلم للنوويّ)) ١٠/١٣. ((كتاب الإمارة)).

٢٤- (الْبَيْعَةُ فِيمَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ) - حديث رقم ٤١٨٩
٢٨٧
مَبْلَغْ عُمْرِهِ، فَلَا يَلْزَم مِنْهُ رُجْحَان قَوْل مَنْ قَالَ: مَاتَ سَنَةٍ أَرْبَعِ وَسِتِينَ، فَإِنَّ حَدِیث جَابِر
يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ تَأَخَّرَ عَنْهَا؛ لِقَوْلِهِ: لَمْ يَبْقَ مِنْ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَس، وَسَلَمَة، وَذَلِكَ لَائِقِ بِسَنَّةٍ
أَرْبَعِ وَسَبْعِينَ، فَقَدْ عَاشَ جَابِرِ بْن عَبْدِ اللَّه بَعْدَ ذَلِكَ، إِلَى سَنَة سَبْعٍ وَسَبْعِينَ، عَلَى
الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: مَاتَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ. انتهى كلام الحافظ رحمه الله
تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
٢٤- (الْبَيْعَةُ فِيمَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ)
٤١٨٩- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ح و أَخْبَرَنِ عَلِيُّ
ابْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا نُبَايِعُ رَسُولَ
اللَّهِ وَهَ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: ((فِيمَا اسْتَطَعْتَ)).
وَقَالَ عَلِيٍّ: ((فِيمَاَ اسْتَطَعْتُمْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((إسماعيل)): هو ابن جعفر بن أبي كثير المدنيّ.
[تنبيه]: هذا السند من رباعيّات المصنّف، كأسانيد الأبواب الأربعة الماضية، وهو
(١٩٦) من رباعيّات الكتاب. وشرح الحديث، وفوائده تقدّمت في شرح حديث جرير
رضي الله تعالى عنه قبل أبواب.
وقوله: ((وقال عليّ)): يعني أن عليّ بن حجر ذكره في روايته بلفظ: ((فيما
استطعتم))، بدل ذكر قتيبة بلفظ: ((فيما استطعت)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
(١) ((فتح) + ٥٣٩/١-٥٤٠. ((كتاب الفتن)) حديث: ٧٠٨٧.

٢٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
أخرجه هنا- ٤١٨٩/٢٤ و٤١٩٠- وفي («الكبرى» ٧٨١٠/٢٨ و٧٨١١. وأخرجه
(خ) في ((الأحكام)) ٧٢٠٢ (م) في ((الإمارة)) ١٨٦٧ (د) في ((الخراج)) ٢٩٤٠ (ت) في
((السير)» ١٥٩٣ (أحمد) في مسند المكثرين)) ٤٥٥١ و٥٢٦٠ و٥٥٠٦ و٥٧٣٧ و٦٢٠٧
(الموطأ) في ((الجامع)) ١٨٤١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٩٠- (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجِ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا حِينَ نُبَايِعُ
رَسُولَ اللّهِ وَهِ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، يَقُولُ لَنَا: ((فِيمَا اَسْتَطَعْتُمْ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم من رجال الصحيح،
وتقدّموا غير مرّة. و((الحسن بن محمد)): هو الزعفرانيّ البغداديّ. و((حجّاجٌ)): هو ابن
محمد الأعور المصّيصيّ. والسند أنزل من سابقه بدرجتين.
والحديث متّفقٌ عليه، كما تقدّم الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٩٢- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، عَنْ
الشَّعْبِيّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَايَعْتُ النَِّيَّ ◌َِّ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّتَنِي:
(فِيمَا اسْتَطَعْتَ، وَالتُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يعقوب بن إبراهيم)): هو الدَّوْرَقيّ البغداديّ
الحافظ، أحد مشايخ الستّة. و((هُشيم)): هو ابن بشير. و((سيّار)): هو ابن أبي سيّار
ورد. و((الشعبيّ)): هو عامر بن شَرَّاحيل.
وقوله: ((والنصح لكلّ مسلم)): قال السنديّ رحمه الله تعالى: الظاهر أنه بالنصب
عطف على ((فيما استطعت)): أي فلقّنني هذين اللفظين. ويحتمل الجرّ على العطف
على الموصول، وفيه بُعْدٌ، فإن النصح مما وقع عليه البيعة، كالسمع، والطاعة، وليس
المراد السمع، والطاعة في المستطاع، وفي النصح، فليُتأمّل. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الوجه الذي ذكره للجر غير صحيح، بل الصواب أنه
في حالة الجرّ عطف على السمع، والطاعة، والمعنى: بايعت رسول اللَّه صلّى الله
تعالى عليه وسلم على السمع، والطاعة، والنصح لكلّ مسلم، ثم إنه صلَّى اللَّه تعالى
عليه وسلم رفقًا به لقّنه أن يقيّد التزامه للسمع والطاعة باستطاعته؛ لئلا يقع في الحرج،
(١) (شرح السنديّ)) ٧/ ١٥٢- ١٥٣.

٢۵- (ذکرُ ما علی مَن بايعَ الإمام، ... - حديث رقم ٤١٩٤
٢٨٩ =
هذا وجه العطف في حالة الجرّ، وأما عطفه على الموصول، فمما لا شكّ في بطلانه،
فتبصّر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في ٤١٥٨/٦ -. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٩٣- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَذَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَّدِرِ، عَنْ أُمَيْمَةَ بِئْتِ
رُقَيْقَةَ، قَالَتْ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لَه فِي نِسْوَةٍ، فَقَالَ لَنَا: ((فَيَمَا اسْتَطَعْتُنَّ، وَأَطَقْتُرَّ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، و((سفيان)): هو
ابن عيينة .
[تنبيه]: هذا السند من رباعيّات المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو (١٩٧) من
رباعيات الكتاب، والحديث صحيح، وتقدّم بأتمّ من هذا في ٤١٨٣/١٨- وتقدّم
شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٥- (ذِكْرُ مَا عَلَى مَنْ بَايَعَ الإِمَامَ،
وَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ)
٤١٩٤- (أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَغْبَةِ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ جَالِسٌ فِي
ظِلُ الْكَعْبَةِ، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ مُجْتَمِعُونَ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ێے فِي
سَفَرٍ، إِذْ نَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشْرَتِهِ، إِذْ
نَادَى مُنَادِي الشَّيِّ وَِّ: ((الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ))، فَاجْتَمَعْنَا، فَقَامَ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَخَطَبَنَا، فَقَّالَ: ((إِنَّ
لَمْ يَكُنْ نَبِيِّ قَبْلِي، إِلَّا كَانَ حَقَّ عَلَيْهِ، أَنْ يَدُلَّ أُمّتَهُ عَلَى مَا تَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ مَا
يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ، وَإِنَّ أُمّتَكُمْ هَذِهِ، جُعِلَتْ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَإِنَّ آخِرَهَا سَيُصِيبُهُمْ بَلَاءُ،
وَأُمُورٌ يُنْكِرُونَهَا، نَجِيءُ فِتَنْ، فَيُدَقْقُ بَعْضُهَا لِيَعْضِ، فَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ
مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، ثُمَّ تَجِيءُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ مُهْلِّكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ

=
٢٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكُهُ مَوْتَتُهُ، وَهُوَ مُؤْمِنْ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ
إِلَى النَّاسِ، مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَّى إِلَيْهِ، وَمَنْ بَابَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَّرَةَ قَلْبِهِ،
فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُتَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الْآخَرِ))، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ:
سَمِعْتَ رَسُولَ اللّهِ وَّه يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (هنّاد بن السريّ) بن مصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠]٢٥/٢٣.
٢- (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير البصريّ، ثقة، أثبت الناس في الأعمش،
وقد يهم في حديث غيره، من كبار [٩] ٣٠/٢٦.
٣- (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفيّ، ثقة ثبت ورعٌ، لكنه يدلّس [٥]١٨/١٧.
٤ - (زيد بن وهب) الجهنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، مخضرم ثقة جليل [٢]٣٠/٢٦.
٥- (عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة) العائذيّ بمهملة، وتحتانيّة- وقيل: الصائديّ -
بالصاد المهملة- كوفيّ ثقة [٣].
روى عن ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو. وعنه زيد بن وهب، والشعبيّ، وعون
ابن أبي شدّاد الْعُقَيليّ. قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له
الجماعة، سوى البخاريّ، والترمذيّ، وله عندهم حديث الباب فقط.
٦- (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله تعالى
أعلم. لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين،
يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن زيد، عن عبد الرحمن. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ) العائذيّ، أنه (قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَمْرٍو) ابن العاص، وفي رواية مسلم: دخلت المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو بن
العاص جالس في ظلّ الكعبة)) (وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ) جملة في محل نصب على
الحال، وكذا قوله (وَالنَّاسُ عَلَيْهِ مُجْتَمِعُونَ) فهما حالان متدخلان، أو مترادفان (قَالَ)
عبد الرحمن (فَسَمِعْتُهُ) أي عبد الله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما (يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿ِ فِي سَفَرٍ، إِذْ نَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُ خِبَاءَهُ) وفي رواية مسلم:
«فمنا من يُصلح خباءه)» (وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ) أي يرمي بالسهام تدرّبًا، ومدامةً، والمناضلة:

٢٩١ =
.. - حديث رقم ٤١٩٤
٢٥- (ذِكْرُ مَا عَلَى مَنْ بَأَيَعَ الإِمَامَ،
المراماة بالسهام. قاله القرطبيّ (وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشْرَتِهِ) هكذا وقع في النسخ المطبوعة،
بإضافة ((جشرة)) إلى ضمير الغائب، وقال السنديّ في ((شرحه)): أي في إخراج الدواب
إلى المرعى. ووقع في النسخة الهندية: ((جشرة)) بغير إضافة، ولفظ مسلم: ((في
جشره)) بإضافة ((جشر)) إلى ضمير الغائب. قال النوويّ في ((شرحه)): هو بفتح الجيم
والشين: وهي الذّوات التي ترعى، وتبيت مكانها. انتهى.
وقال في ((اللسان)): وجَشّرُوا الخيلَ، وجَشَّرُوها: أرسلوها في الْجَشْر، والْجَشْرُ: أن
يخرجوا بخيلهم، فيَرْعَوها أمام بيوتهم، وأصبحوا جَشْرًا أي بالسكون- وجَشّرًا أي
بفتحتين -: إذا كانوا يبيتون مكانهم، لا يرجعون إلى أهليهم. وقال أيضًاوجَشّرنا دوابنا:
أخرجناها إلى المرعى نَجشُرُها جَشْرًا بالإسكان. قال: وفي حديث عثمان رضي اللَّه
تعالى عنه، أنه قال: ((لا يغُرّنّكم جَشّرُكم من صلاتكم، فإنما يقصر الصلاة من كان
شاخصًا، أو يحضره عدوّ. قال أبو عبيد: الجشر القوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى،
ويبيتون مكانهم، ولا يأوون إلى البيوت، وربّما رأوه سفرًا، فقصروا الصلاة، فنهاهم
عن ذلك؛ لأن المقام في المرعَى، وإن طال فليس بسفر. انتهى المقصود من ((اللسان))
باختصار، وتصرّف.
وقال في ((القاموس)): ((الْجَشْرُ) أي بالسكون -: إخراج الدواب للرعي، كالتجشير.
قال: وبالتحريك: المال الذي يَرعى في مكانه، لا يرجع إلى أهله بالليل، والقوم يبيتون
مع الإبل. انتهى باختصار.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أفاد ما ذُكر أن الجشر إذا كان مصدرًا بمعنى إخراج
الدواب للرعي يُضبط بسكون الشين، وأما الجشّر بالتحريك، فهي الإبل التي ترعى في
مكانها، والمعنيان مناسبان هنا، ولعل التاء في ((الجشرة)) في رواية المصنّف للمرّة.
والله تعالى أعلم.
(إِذْ نَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ نَِّ: ((الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ))) قال النوويّ: هو بنصب ((الصلاة)) على
الإغراء، و((جامعةً)) على الحال.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذه الجملة تحتمل أربعة أوجه: رفع الجزءين على
الابتداء والخبر، ونصبهما على ما قاله النوويّ، ورفع الأول، ونصب الثاني، على أن
الأول مبتدأ، حُذِف خبره، أي الصلاة محضورةٌ، والثاني منصوب على الحال، ونصب
الأول على الإغراء، ورفع الثاني على تقدير مبتدإ، أي هي جامعةٌ. والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ: ((الصلاة جامعة)) خبر بمعنى الأمر، كأنه قال: اجتمعوا للصلاة،
وكأنه كان وقت صلاة، فلما جاؤوا صلَّوا معه، وسكت الراوي عن ذلك، وإلا فمن

٢٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
المحال أن ينادي منادي الصادق بالصلاة، ولا صلاة. انتهى(١).
(فَاجْتَمَعْنَا، فَقَامَ النَِّيُّ نَّهِ، فَخَطَبَنَا، فَقَالَ: ((إِنةُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي
تفسّره الجملة بعده، وهي هنا قوله (لَمْ يَكُنْ نَبِيِّ قَبْلِي، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ) أي واجبًا
عليه؛ لأن ذلك من طريق النصيحة، والاجتهاد في التبليغ، والبيان (أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا
يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ) قال السنديّ: من العلم: أي على شيء يعلم النبيّ ذلك الشيء خيرًا
لهم انتهى (وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ، جُعِلَتْ عَافِيَتُهَا) أي خلاصها
عما يضرّ في الدين (فِي أَوَّلِهَا، وَإِنَّ آخِرَهَا سَيُصِيبُهُمْ بَلَاةَ، وَأُمُورٌ يُنكِرُونَها) قال القرطبيّ
رحمه الله تعالى: يعني بأول الأمة زمانه، وزمان الخلفاء الثلاثة إلى قتل عثمان، فهذه
الأزمنة كانت أزمنة اتّفاق هذه الأمّة، واستقامة أمرها، وعافية دينها، فلمّا قُتل عثمان
رضي الله تعالى عنه ماجت الفتن، كموج البحر، وتتابعت كقطع الليل المظلم، ثم لم
تزل، ولا تزال متواليةً إلى يوم القيامة. وعلى هذا فأول آخر هذه الأمة المعنيّ في هذا
الحديث مقتل عثمان رضي اللَّه تعالى عنه، وهو آخرٌ بالنسبة إلى ما قبله، من زمان
الاستقامة والعافية. وقد دلّ على هذا قوله: ((وأمورٌ تنكرونها))، والخطاب لأصحابه،
فدلّ على أن منهم من يُدرك أوّل ما سمّاه آخرًا، وكذلك كان. انتهى كلام القرطبيّ(٢).
(تَجِيءُ) وفي رواية مسلم: ((وتجيء)) بالواو (فِتَنَّ، فَيُدَقُقُ بَعْضُهَا لِيَغْضِ) هكذا في
معظم النسخ: ((فيدقق)) بالدال المهملة، فقافين، الأولى مشدّدة مكسورة: أي يجعل
بعضها بعضًا دقيقًا: أي خفيفًا. والظاهر أن اللام في ((لبعض)) زائدة. وفي بعض النسخ:
((فِيَدْفِقُ)) بالفاء بدل القاف الأولى: أي يدفع، ويصبّ، قال القرطبيّ: يعني أنها كموج
البحر الذي يَذْفِقِ بعضه بعضًا.
وقال السنديّ: وفي بعض النسخ براء مهملة، موضع الدال: أي يُصَيِّرُ بعضها بعضًا
رقيقًا خفيًا، والحاصل أن المتأخّرة من الفتن أعظم من المتقدّمة، فتصير المتقدّمة عندها
دقیقةً رفيقةً. انتهى.
وفي رواية مسلم: ((فيرَقّق بعضها بعضًا)). قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: هذه اللفظة
رُویت على أوجه:
[أحدها]: وهو الذي نقله القاضي عن جمهور الرواة، يُرفّق بضمّ الياء، وفتح الراء،
وبقافين أن يَصِير بعضها رقيقًا: أي خفيفًا؛ لعظم ما بعده، فالثاني يَجعل الأول رقيقًا.
وقيل: معناه: يشبه بعضها بعضًا. وقيل: يدور بعضها في بعض، ويذهب، ويجيء.
(١) ((المفهم)) ٤ / ٥٠-٥١.
(٢) ((المفهم)) ٥١/٤. ((كتاب الإمارة)).

٢٥- (ذِكْرُ مَا عَلَى مَنْ بَايَعَ الإِمَامَ، ... - حديث رقم ٤١٩٤
٢٩٣=
وقيل: معناه: يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها، وتسويلها. [والوجه الثاني]: فَيَرْفُقُ
بفتح الياء، وإسكان الراء، وبعدها فاء مضمومة. [والثالث]: فيَدْفِقُ بالدال المهملة
الساكنة، وبالفاء المسكورة: أي يدفع، ويصبّ، والدفق: الصبّ. انتهى كلام
النوويّ(١).
(فَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي) يحتمل أن يكون بضم الميم، وكسر
اللام، بصيغة اسم الفاعل، وأن يكون بفتح الميم، واللام، ظرفًا: أي هذه الفتنة محلّ
هلاكي، أو زمانه (ثُمَّ تَنْكَشِفُ) أي تزول تلكِ الفتنة (ثُمَّ تَجِيءُ) أي فتنة أخرى (فَيَقُولُ:
هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ) ببناء الفعل للمفعول:
أي يُنحَى عنها، ويُؤخّر منها (وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ) ببناء الفعل للمفعول أيضًا (فَلْتُدْرِكُهُ مَوْتَتُهُ،
وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ، مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَّى إِلَيْهِ) أي ليؤدّ
إليهم، ويفعل بهم ما يُحَبّ أن يُفْعَل به. وقال القرطبيّ: أي يجيء إلى الناس بحقوقهم
من النصح، والنيّة الحسنة بمثل الذي يُحب أن يُجاء إليه به، وهذا مثلُ قوله صلّى اللَّه
تعالى عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه)). متفقٌ عليه.
والناس هنا: الأئمة، والأمراء، فيجب عليه لهم من السمع، والطاعة، والنصرة،
والنصيحة، مثل ما لو كان هو الأمير لكان يُحبّ أن يُجاء له به. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((والناس هنا الأئمة الخ)) فيه نظرٌ لا يخفى، بل
الأولى كونه على عمومه، فالمراد بالناس جميع المسلمين، ومما يردّ عليه دعوى
الخصوص هذا الحديث الذي مثّل هو به، فإنه صريح في العموم، فتبصّر. والله تعالى
أعلم.
(وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةً يَدِهِ) أي ضرب يده على يده عند المبايعة، وأصل
الصفقة: الضرب بالكفّ على الكفّ، أو بأصبعين على الكفّ، وهو التصفيق (وَثَمَرَةَ
قَلْبِهِ) أي خالص عهده، أو محبّته بقلبه (فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُتَازِعُهُ،
فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الْآخَرِ) قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: معناه: ادفعوا الثاني، فإنه خارجٌ
على الإمام، فإن لم يندفع إلا بحرب، وقتال، فقاتِلُوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز
قتله، ولا ضمان فيه؛ لأنه ظالم مُعتدٍ في قتاله.
قال عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة (فَدَتَوْتُ مِنْهُ) أي قرُبتُ من عبد الله بن عمرو
رضي اللّه تعالى عنهما (فَقُلْتُ) زاد في رواية مسلم: ((له)) (سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ،
(١) (شرح النوويّ)) ٤٣٦/١٢. ((كتاب الإمارة)).
(٢) ((المفهم)) ٥٢/٤. ((كتاب الإمارة)).

٢٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
يَقُولُ هَذَا؟) وفي رواية مسلم: ((أنشدك اللَّه آنت سمعت هذا من رسول اللَّه صلّى اللَّه
تعالى عليه وسلم ؟)) (قَالَ) عبد اللَّه (نَعَمْ) وفي رواية مسلم: ((فأهوى إلى أُذنيه، وقلبه
بيديه، وقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي)). وقوله (وَذَكَرَ الْحَدِيثَ) أشار به إلى أن
الحديث مختصرٌ، وقد ساقه الإمام مسلم رحمه الله تعالى بتمامه، في ((صحیحه))،
ولفظه: ((فقلت له: هذا ابنُ عمّك معاوية، يأمرُنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتُل
أنفسنا، واللَّهُ يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ
تَكُونَ تِجَرَةٌ عَن تَرَاضِ مِّنَكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:
٢٩]، قال: فسكت ساعةً، ثم قال: أطعه في طاعة اللَّه، واعصه في معصية اللّه)).
قال القرطبيّ: رحمه الله تعالى: واستحلاف عبد الرحمن زيادةٌ في الاستيثاق، لا أنه
كذّبه، ولا اتّهمه. وما ذكره عبد الرحمن عن معاوية رضي اللّه تعالى عنه إغياء في
الكلام على حسب ظنّه، وتأويله، وإلا فمعاوية رضي اللّه تعالى عنه لم يُعرف من
حاله، ولا من سيرته شيء مما قال له، وإنما هذا كما قالت طائفة من الأعراب: إن ناسًا
من المصدّقين يظلموننا، فسَمَّوا أخذ الصدقة ظلمًا؛ حسب ما وقع لهم. انتهى(١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: المقصود بهذا الكلام أن هذا القائل لَمّا سمع كلام
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما، وذكر الحديث في تحريم منازعة
الخليفة الأول، وأن الثاني يُقتل، فاعتقد هذا القائل هذا الوصف في معاوية؛ لمنازعته
عليّا رضي اللّه تعالى عنهما، وكانت قد سبقت بيعة عليّ، فرأى هذا أن نفقة معاوية على
أجناده، وأتباعه في حرب عليّ، ومنازعته، ومقاتلته إياه، من أكل المال بالباطل، ومن
قتل النفس؛ لأنه قتال بغير حقّ، فلا يستحقّ أحد مالًا في مقاتلته. انتهى (٢). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٩٤/٢٥- وفي ((الكبرى)) ٧٨١٤/٢٩. وأخرجه (م) في ((الإمارة)»
١٨٤٤ (د) في ((الفتن والملاحم)) ٤٢٤٨ (ق) في ((الفتن)) ٣٩٥٦ (أحمد) في ((مسند
(١) «المفهم)» ٤ / ٥٣.
(٢) ((شرح مسلم)) ١٢/ ٤٣٧. ((كتاب الإمارة)).

٢٩٥
٢٥- (ذِكْرُ مَا عَلَى مَنْ بَايَعَ الإِمَامَ، ... - حديث رقم ٤١٩٤
المكثرين)» ٦٤٦٥ و٦٧٥٤ و٦٧٧٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان ما يجب على من بايع
الإمام، وأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، وذلك أن يوفّي بما التزمه من الطاعة ما
استطاع، وإن جاء من ينازعه في خلافته، فليقاتله معه. (ومنها): بيان ما أوجب الله
تعالى على أنبيائه تجاه أممهم، وهو إخلاص النصيحة لهم، فيدلّونهم، على ما هو خير
لهم في معاشهم، ومعادهم، وينذرونهم عما هو شرّ لهم في دينهم، ودنياهم. (ومنها):
ما كان عليه النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم من الأسوة بمن قبله من الأنبياء، في بيان
الخير والشر لأمته، فلم يبق شيء منهما إلا بيّنه لها، ومن ذلك ما ذكره في هذا
الحديث، مما سيحدث بعده من الفتن المتتابعة، والبلايا المتناسقة، بحيث تدع الحليم
حيران، والعاقل سكران. (ومنها): أن سبب النجاة من النار، ودخول الجنّة التمسّك
بالإيمان بالله، وباليوم الآخر إلى أن يأتيه الأجل. (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله
تعالى، عند قوله: ((وليأت إلى الناس الخ)): ما نصّه: هذا من جوامع كلمه صلّى الله
تعالى عليه وسلم، وبديع حِكَمه، وهذه قاعدةٌ مهمّةٌ، فينبغي الاعتناء بها، وأن الإنسان
يلزمه أن لا يفعل مع الناس، إلا ما يُحبّ أن يفعلوه معه.
(ومنها): ما قاله القرطبيّ: إن قوله: ((ومن بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده، وثمرة
فؤاده)) يدلّ على أن البيعة لا يُكتفى فيها بمجرد عقد اللسان فقط، بل لا بدّ من الضرب
باليد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[الفتح: ١٠]، ولكن ذلك للرجال فقط، ولا بد من التزام البيعة بالقلب، وترك الغشّ،
والخديعة، فإنها من أعظم العبادات، فلا بدّ فيها من النيّة والنصيحة. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((بل لا بدّ من الضرب باليد))، فيه نظرٌ، لا
يخفى، فإن الحديث لا يدلّ على هذا، بل غاية ما فيه إيجاب الطاعة لمن بايع على هذه
الصفة، وهذا لا ينفي جواز البيعة باللسان فقط، دون الضرب باليد، فتبصّر. والله تعالى
أعلم.
(ومنها): أن في قول عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما: ((أطعه في طاعة الله
الخ)» دليلٌ على وجوب طاعة المتولّين للإمامة بالقهر، من غير إجماع، ولا عهد. قاله
النوويّ .
(١) ((المفهم)) ٤/ ٥٢-٥٣.

٢٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الاستدلال المذكور محلّ بحث، فليُتأمّل. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
٢٦- (الْحَضُّ عَلَى طَاعَةِ الإِمَام)
٤١٩٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدْ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
يَخْتِى بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي تَقُولُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، يَقُولُ فِي حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ: ((وَلَوْ اَسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٍّ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ،
وَأَطِيعُوا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥ .
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة [٧] ٢٤ /٢٧ .
٤- (يحيى بن حصين) الأحمسيّ، ثقة [٤] ٢٢ /٣٠٦٠.
٥- (جدّته) أمّ الحصين بنت إسحاق، الأحمسيّة، صحابيّة، شهدت حجة الوداع،
وروت خطبتها عن النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وغير ذلك، وروى عنها ابن ابنها
يحيى بن الحصين، والعيزار بن حُريث، تقدّمت في ٢٢/ ٣٠٦٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن
جدّته. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن يَخْتِى بْنِ حُصَيْنٍ) الأحمسيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي) رضي اللّه تعالى عنها
(تَقُولُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) وفي رواية لمسلم: ((أنها سمعت
رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بمنى، أو بعرفَت)» (وَلَوْ اسْتُعْمِلَ) بالبناء للمفعول

٢٩٧ =
٢٦- (الْحَضُّ عَلَى طَاعَةِ الإِمام) - حديث رقم ٤١٩٥
(عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٍّ) زاد في رواية لمسلم: ((مجدّع)): أي مقطوع الأطراف، يقال:
جدعت الأنف جدعًا، من باب نفع: قطعته، وكذا الأذنُ، واليدُ، والشفة. قاله
الفيّوميّ. (يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ) فيه إشارةٌ إلى أنه لا طاعة له فيما يُخالف حكم الله تعالى
(فَاسْمَعُوا لَهُ، وَأَطِيعُوا))) وقال النوويّ رحمه الله تعالى: المراد أخس العبيد: أي
اسمعوا، وأطيعوا للأمير، وإن كان دنيء النسب، حتى لو كان عبدًا أسود، مقطوع
الأطراف، فطاعته واجبة. وتتصوّر إمارة العبد إذا ولّاه بعض الأئمة، أو إذا تغلّب على
البلاد بشوكته، وأتباعه، ولا يجوز ابتداءً عقد الولاية له، مع الاختيار، بل شرطها
الحرّيّة . انتهى(١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا مبالغة في وصف العبد بالضّعَةِ والخسّة، وذلك
أن العبد إنما تنقطع أطرافه من كثرة العمل، والمشي حافيًا. وهذا منه صلّى اللَّه تعالى
عليه وسلم على جهة الإغياء على عادة العرب في تمكينهم المعاني، وتأكيدها، كما قال
النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم: ((من بنى لله مسجدًا، ولو مثلَ مَفْحص قطاة، بنى
الله تعالى له بيتًا في الجنّة))(٢). ومفحص القطاة لا يصلح لمسجد، وإنما هو تمثيلٌ
للتصغير على جهة الإغياء، فكأنه قال: أصغر ما يكون من المساجد، وعلى هذا التأويل
لا يكون حجةٌ لمن استدلّ على جواز تأمير العبد فيما دون الإمامة الكبرى، وهم بعض
أهل الظاهر فيما أحسب، فإنه قد اتّفق على أن الإمام الأعظم لا بدّ أن يكون حرّا، على
ما نصّ أصحاب مالك أن القاضي لا بدّ أن يكون حرّا. قال: وأمير الجيش والحرب في
معناه، فإنها مناصب دينيّةٌ، يتعلّق بها تنفيذ أحكام شرعيّة، فلا يصلح لها العبد؛ لأنه
ناقص بالرقّ، محجور عليه، لا يستقلّ بنفسه، ومسلوب أهليّة الشهادة والتنفيذ، فلا
يصلح للقضاء، ولا للإمارة، وأظنّ أن جمهور علماء المسلمين على ذلك. انتهى كلام
القرطبيّ(٣).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: فيما قاله القرطبيّ من نفيه تولية العبد على الإطلاق،
نظر لا يخفى، فإن التعليل الذي علّل به عدم الجواز غير لازم، فلو أذن له سيده، أو
كان السيد هو الإمام الأعظم، فولّاه زالت الموانع، فما عزاه إلى بعض أهل الظاهر إن
صحّ عنهم هو الظاهر، فليُتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) (شرح مسلم)) ٤٢٨/١٢-٤٢٩.
(٢) رأه ابن حبّان في ((صحيحه)) (١٦١١) والبيهقيّ في ((سننه)) ٤٣٧/٢.
(٣) ((البمفهم)) ٤/ ٣٧-٣٨.

٢٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم الحصين رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٩٥/٢٦- وفي ((الكبرى)) ٧٨١٥/٣٠. وأخرجه (م) في ((الإمارة))
١٢٩٨ (ت) في ((الجهاد)) ١٧٠٦ (ق) في ((الجهاد)) ٢٨٦١ (أحمد) في ((أول مسند
المدنيين)) ٢٨٦١ و((مسند القبائل)) ٢٦٧١٥ و٢٦٧٢٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الحضّ على طاعة الإمام.
(ومنها): أن الإمام لا يشترط أن يكون حرا، فقد يتولّى العبد بإذن مولاه، فتجب
طاعته. (ومنها): أن شرط وجوب طاعة الأمير أن يقود بكتاب الله تعالى، وأما إذا أمر
بهواه، مخالفًا للكتاب والسنّة، فلا طاعة له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢٧- (التَّرْغِيبُ فِي طَاعَةِ الإِمَام)
٤١٩٦- (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْج، أَنَّ زِيَادَ بْنَ
سَعْدٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ
أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (يوسف بن سعيد) بن مسلم المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١] ١٩٨/١٣١ .
٢- (حجاج) بن محمد الأعور المصيصيّ، ثقة ثبت، تغير في آخره [٩] ٣٢/٢٨.
٣- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فاضل
يدلس ويرسل [٦] ٣٢/٢٨.

٢٩٩ ==
٢٧ - (التَّرْغِيبُ فِي طَاعَةِ الإِمام) - حديث رقم ٤١٩٦
٤- (زياد بن سعد) بن عبد الرحمن الخراسانيّ، بزيل مكة، ثم اليمن، ثقة ثبت، من
أثبت الناس في الزهريّ [٦] ٦٤/٥١.
٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١.
٦- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/١.
٧- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة من الفقهاء السبعة على بعض
الأقوال، وفيه أبو هريرة تَّه أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي سلمة رحمه اللَّه تعالى (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) قال في ((الفتح)): هذه الجملة منتزعة من
قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ الآية [النساء: ٨٠]. أي لأني لا آمر إلا
بما أمر الله تعالى به، فمن فعل ما آمره به، فإنما أطاع من أمرني أن آمره.
ويحتمل أن يكون المعنى لأن اللَّه تعالى أمر بطاعتي، فمن أطاعني، فقد أطاع أمر
الله له بطاعتي، وفي المعصية كذلك. والطاعة هي الإتيان بالمأمور به، والانتهاء عن
المنهيّ عنه، والعصيان بخلافه. انتهى(١).
(وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي) قال القرطبيّ رحمه الله
تعالى: ووجهه أن أمير رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم إنما هو منفّذ أمره، ولا
يتصرّف إلا بأمره، فمن أطاعه فقد أطاع أمر رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وعلى
هذا فكلّ من أطاع أمير رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، فقد أطاع الرسول، ومن
أطاع الرسول، فقد أطاع الله، فيُنتج أن من أطاع أمير رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه
وسلم، فقد أطاع الله، وهو حقّ، صحيحٌ، وليس هذا الأمر خاصًا بمن باشره رسول الله
صلّى الله تعالى عليه وسلم بتولية الإمارة، بل هو عامّ في كلّ أمير للمسلمين عدل، ويلزم
منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
(١) ((فتح)) ٤/١٥-٥. ((كتاب الأحكام. حديث: ٧١٣٧ .
(٢) ((المفهم)) ٣٦/٤. ((كتاب الإمارة)).

٣٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
وقال في ((الفتح)): وقع في رواية همّام، والأعرج، وغيرهما عند مسلم: ((ومن أطاع
الأمير)). ويمكن ردّ اللفظين لمعنى واحد، فإن كلّ من يأمر بحقّ، وكان عادلًا، فهو
أمير الشارع؛ لأنه تولّى بأمره، وبشريعته. ويؤيّده توحيد الجواب في الأمرين، وهو
قوله: ((فقد أطاعني)): أي عمِل بما شرعته، وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر أنه
المراد وقت الخطاب، ولأنه سبب ورود الحديث، وأما الحكم فالعبرة بعموم اللفظ، لا
بخصوص السبب.
ووقع في رواية همّام أيضًا: ((ومن يُطع الأمير، فقد أطاعني)) بصيغة المضارعة،
وكذا: ((ومن يعص الأمير، فقد عصاني))، وهو أدخل في إرادة تعميم من خوطب، ومن
جاء من بعد ذلك.
وذكر الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى في ((الأم)) في بيان سبب نزول الآية الكريمة:
كانت قُريشٌ، ومن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون على الأمراء،
فقال هذا القول يحثّهم على طاعة من يُؤمّرهم عليهم، والانقياد لهم إذا بَعَثهم في
السرايا، وإذا ولّاهم البلاد، فلا يخرجون عليهم؛ لئلا تفترق الكلمة.
ووقع عند أحمد، وأبي يعلى، والطبرانيّ من حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى
عنهما: قال: كان رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم في نفر من أصحابه، فقال:
((ألستم تعلمون أن من أطاعني، فقد أطاع الله، وأن من طاعة الله طاعتي؟))، قالوا: بلى
نشهد، قال: ((فإن من طاعتي أن تطيعوا أُمراءكم))، وفي لفظ: ((أئمّتكم)).
(وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي) تقدّم إيضاحه آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٩٦/٢٧- وفي ((الكبرى)) ٧٨١٦/٣١. وأخرجه (خ) في ((الأحكام))
٧١٣٧ (م) في ((الإمارة)» ٤٧٢٦ و٤٧٢٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الترغيب في طاعة الإمام.
(ومنها): أن وجوب طاعة الإمام مقيّد بما إذا أمر بغير المعصية، وإلا فلا طاعة له؛ لأنه
لا عة لمخلوق في معصية الخالق. (ومنها): أن طاعة الأمراء طاعة لله تعالى، وطاعة