النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
١٨ - (بَيْعَةُ النَّاءِ) - حديث رقم ٤١٨١
قال الحافظ: بَلْ يَرُدْ عَلَيْهِ وُرُود التَّصْرِيحِ بِالنَّاحَةِ، كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَيَرُدّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ
اللَّقَاءِ، وَالْبُكَاءِ الْمُجَرَّد لَمْ يَدْخُلِ فِي النَّهِي، فَلَوْ وَقَعَ الاقْتِصَارِ عَلَيْهِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى
تَأْخِيرِ الْمُبَايَعَة حَتَّى تَفْعَلُهُ.
[وَمِنْهَا]: أنه يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ أَعَادَ ((إِلَّا آلَ فُلَان)) عَلَى سَبِيلِ الإِنْكَارِ، كَمَا قَالَ لِمَنْ
اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: ((مَنْ ذَا؟))، فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: ((أَنَا أَنَا)). فَأَعَادَ عَلَيْهِ كَلَامه مُنكِرًا
عَلَيْهِ .
وتُعقّب بأنه يَرِدُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَلَى الْأَوَّل.
[وَمِنْهَا]: أَنَّ ذَلِكَ خَاصَ بِأُمِّ عَطِيَّةٍ، قَالَ: وَهُوَ فَاسِد، فَإِنَّا لَا تَخْتَصّ بِتَخْلِيلِ شَيْء
مِنْ الْمُحَرَّمَات. انْتَهَى(١) .
قال الحافظ: وَيَقْدَح فِي دَعْوَى تَخْصِيصهَا أَيْضًا ثُبُوت ذَلِكَ لِغَيْرِهَا، وَيُعْرَف مِنْهُ
أَيْضًا الْخَذْشِ فِي الأَجْوِبَةِ الْمَاضِيَةِ. فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيث ابْنِ عَبَّاس،
قَالَ: ((لَمَّا أَخَذَ رَسُول اللَّهِ وَهِ عَلَى النِّسَاءِ، فَبَايَعَهُنَّ ﴿أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِلَّهِ شَيًْ﴾، الآيَة
[الممتحنة: ١٢]، قَالَتْ خَوْلَة بِئْت حَكِيمِ: يَا رَسُول اللَّه كَانَ أَبِي وَأَخِي، مَاتَا فِي
الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّ فُلَانَة أَسْعَدَتْنِي، وَقَدْ مَاتَ أَخُوهَا)) الْحَدِيثِ. وَأَخْرَجَ التِّزْمِذِيّ مِنْ طَرِيق
شَهْرِ بْن حَوْشَبِ، عَنْ أُمَ سَلَّمَة الأَنْصَارِيَّة، وَهِيَ أَسْمَاء بِنْتِ يَزِيد، قَالَتْ: ((قُلْت: يَا
رَسُول اللَّه، إِنَّ بَنِي فُلَانْ أَسْعَدُونِي عَلَى عَمِّي، وَلَا بُدّ مِنْ قَضَائِهِنَّ، فَأَبَى، قَالَتْ:
فَرَاجَعْتَه مِرَارًا، فَأَذِنَ لِي، ثُمَّ لَمْ أَنُحْ بَعْد)). وَأَخْرَجَ أَحْمَد، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَب
ابْن نُوح، قَالَ: ((أَذْرَكْت عَجُوزًا لَنَا، كَانَتْ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُول اللَّهِ وَّهِ، قَالَتْ: فَأَخَذَ
عَلَيْنَا: ((وَلَا يَنُحْنَ))، فَقَالَت عَجُوز: يَا نَبِ اللَّهِ، إِنَّ نَاسًا كَانُوا أَسْعَدُونَا عَلَى مَصَائِب
أَصَابَتْنَا، وَإِنَّهُمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٍ، فَأَنَا أُرِيدِ أَنْ أُسْعِدهُمْ، قَالَ: ((فَاذْهَبِي، فَكَافِيهِمْ))،
قَالَتْ: فَانْطَلَقْت فَكَافَأْتهمْ، ثُمَّ إِنَّا أَتَتْ فَبَايَعَتْهُ.
قال الحافظ: وَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلّه أَنَّ أَقْرَبِ الأَجْوِبَةِ، أَنَّا كَانَتْ مُبَاحَة، ثُمَّ كُرِهَتْ
كَرَاهَة تَنْزِيه، ثُمَّ تَحَرِيم. وَاللَّه أَعْلَم. انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الحافظ أخيرًا حسن، ولكنّ ما تقدّم
عن النوويّ رحمه اللّه تعالى أحسن منه، وخلاصته أنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم
رخّص لهؤلاء النساء: أم عطيّة، وغيرها، من اللاتي طلبن منه استثناء المساعدات
مكافأةً لما مضى، فخصّهنّ بذلك، فهذا جواب لا غبار عليه. وقد مرّ آنفًا أنه صلّى اللَّه
(١) راجع ((المفهم)) ٥٩٠/٢-٥٩١. ((كتاب الجنائز)).
(٢) ((فتح)) ٦٣٠/٩-٦٣١. ((تفسير سورة الممتحنة)).

=
٢٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
تعالى عليه وسلم رخّص لأبي بردة في التضخّية بجذعة، وكذا لعقبة بن عامر، إن كان
محفوظًا، كما سيأتي تحقيقه في ((كتاب الضحايا))، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٨٢- (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمْ عَطِئَةَ، قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَّسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ،
وَسَلَّمَ الْبَيْعَةَ عَلَى أَنْ لَا نَنُوحَ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الحسن بن أحمد)) بن حبيب الكرمانيّ، أبو عليّ،
نزيل طَرَسوس، لا بأس به، إلا في حديث مسدّد، قاله النسائيّ [١٢].
قال ابن المنادي في ((الوفيات)): سمع الناس منه ((مسند مسدّد))، وغير ذلك، ثقة،
صالح، مذکور بالخير. وقال النسائيّ في ((أسماء شيوخه)): لا بأس به إلا في حديث
مسدّد. وقال مسلمة: لا بأس به، يُخطىء في حديث مسدّد. قال ابن عساكر: مات
بطَرَسوس سنة (٢٩١) وكذا أرّخه القرّاب، وأرّخه ابن المنادي في رجب. تفرّد به
المصنّف بحديثين: هذا الحديث، وحديث آخر في ((كتاب آداب القضاء)) ٥٤١٤/٢٣-
حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف ((أن النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم أُتي بامرأة
زنت)) الحدیث.
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى))، و((الكبرى)): ((الحسن بن محمد))، وهو غلط،
والصواب ((الحسن بن أحمد))، كما ترجمناه، راجع ((تحفة الأشراف)) ١٢/ ٥٠٤ - وقد
أشار في هامش الهنديّة إلى أنه موجود في بعض النسخ على الصواب، فتنبّه. والله
تعالى أعلم.
و((أبو الربيع)): هو سليمان بن داود العتكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠]
٢١٤٧/١٩. و((حمّاد)»: هو ابن زيد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٨٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرٍ، عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيقَةَ، أَنَّا قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيِّ نَّهِ فِي نِسْوَةٍ مِنْ
الْأَنْصَارِ ثُبَايِعُهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ،
وَلَا تَزْنِيَ، وَلَا نَأْتِيَ بِيُهْتَانٍ، تَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ، قَالَ:
((فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ، وَأَطَقْتُنَّ))، قَالَثَّ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا، هَلُمَّ نُبَابِعْكَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((إِنِّي لَا أَصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ، كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ

٢٦٣
١٨ - (بَيْعَةُ النِّسَاءِ) - حديث رقم ٤١٨٣
وَاحِدَةٍ))، أَوْ ((مِثْلُ قَوْلِي لِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن بشّار) العبديّ، أبو بكر بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٧/٢٤.
٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ العنبريّ موهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩]
٤٩/٤٢ .
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧ .
٤- (محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الْهُدير التيميّ المدنيّ، ثقة فاضل [٣]
١٣٨/١٠٣ .
٥- (أميمة بنت رُقيقة) -بالتصغير فيهما- واسم أبيها عبد اللَّه بجاد التيميّ،
صحابيّة، لها حديثان، هذا، وحديثها في ((كتاب الطهارة)) ٣٢/٢٨ - ((كان للنبيّ صلّى
الله تعالى عليه وسلم قدحٌ من عَيْدان یبول فيه، ويضعه تحت السرير))، وتقدّمت ترجمتها
هناك، وهي غير أميمة بنت رُقيقة الثقفيّة، تلك تابعيّة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير الصحابيّة، فقد أخرج لها الأربعة .. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة
الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُمَيْمَةَ بِئْتِ رُقَيْقَةَ رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّا قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيِّ نَّهِ، فِي نِسْوَةٍ
مِنْ الْأَنْصَارِ نُبَايِعُهُ) أي نعاهده (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ
شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا تَزْنِيَ، وَلَا نَأْتِيَ بِيُهْتَانٍ، نَفْتَرِيِهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيكَ
فِي مَعْرُوفٍ، قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ، وَأَطَفْتُنَّ) أي بايعوني
على ما قلتنّ في القدر المستطاع لكنّ، لئلا تقعن في الحرج (قَالَتْ: قُلْنَا: اللّهُ وَرَسُولُهُ
أَرْحَمُ بِنَا) أي من أنفسنا؛ حيث أطلقن البيعة، فقيّده هو بالاستطاعة؛ رفقًا بنا؛ لئلا نقع
في الحرج (هَلُمَّ) أي أَقبِل إلينا. قال الفيّوميّ رحمه اللّه تعالى: ((هَلُمْ)) كلمة بمعنى
الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تعالَ، قال الخليل: أصله لُمّ، من الضمّ والجمع، ومنه
لَمَّ اللَّهُ شَعَتَهُ، وكأنّ المنادي أراد لُمَّ نفسك إلينا، و((ها)) للتنبيه، وحُذفت الألف تخفيفًا؛
لكثرة الاستعمال، وجُعلا اسمًا واحدًا. وقيل: أصلها: ((هل أَمّ)): أي قُصِد، فتُقلت
حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعلا كلمة واحدةً للدعاء، وأهل الحجاز يُنادون

٢٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
بها بلفظ واحد للمذكّر والمؤنّث، والمفرد والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَآيِلِينَ
لِإِخْوَفِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وفي لغة نجدٍ تلحقها الضمائر، وتطابق، فيقال:
هلُمّي، وهلُمّا، وهلُمّوا، وهلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها فعلًا، فيُلحقونها الضمائر، كما
يُلحقونها قم، وقوما، وقوموا، وقمن. وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من
لغة عُقيل، وعليه قيسٌ بَعْدُ، وإلحاقُ الضمائر من لغة تميم، وعليه أكثر العرب،
وتُستعمل لازمةً، نحوُ: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنًا﴾: أي أقبِل، ومتعدّيةً، نحو: ﴿هَلُمَ شُهَدَاءَكُمُ﴾
[الأنعام: ١٥٠]: أي أحضروهم. انتهى كلام الفيومي.
(نُبَابِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) بجزم الفعل بالطلب قبله، كما قال ابن مالك في ((خلاصته)):
وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ
ومرادهنّ بذلك أن يبايع كلّ واحدة منّا، مصافحةً باليد، على الانفراد، فإن البيعة
باليد لا يتصوّر فيها بالاجتماع، ولذلك أجابهنّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بنفي
الأمرين، فقال: ((إني لا أصافح النساء))، أي باليد، ((إنما قولي لمائة امرأة الخ))، فلا
حاجة إلى الانفراد في البيعة القوليّة.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنِّي لَا أَصَافِحُ النِّسَاءَ) المصافحة: الإفضاء باليد إلى اليد،
يقال: صافحته مصافحة: إذا أفضيت بيدك إلى يده. قاله الفيّوميّ (إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةٍ
امْرَأَةٍ، كَقَوْلِيٍ لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ)) يعني أنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم إذا أمر امرأة واحدة،
فهو كأمره لمائة امرأة، والمراد بالمائة الكثرة، فليس العدد مرادًا، والحاصل أن أمره
صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم لشخص بأمر يعمّ جميع الأمة، وهذا فيما إذا لم يكن دليلٌ
على الخصوصيّة لذلك الشخص، كما سبق أمره صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم لأبي بردة
بأن يضخّي بالجذعة، قال: ((ولن تجزي عن أحد بعدك)) (أَوْ) للشكّ من الراوي (مِثْلُ
قَوْلِي لِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أُميمة بنت رُقيقة رضي اللَّه تعالى عنها هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٨٣/١٨ ٤١٩٢/٢٤- وفي «الكبرى» ٧٨٠٤/٢٢. وأخرجه (ت)
في ((السير)) ١٥٩٧ (ق) في ((الجهاد)) ٢٨٧٤ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٦٤٦٦
(الموطأ) في ((الجامع)) ١٨٤٢. والله تعالى أعلم.

٢٦٥ =
١٨ - (بَيْعَةُ النَّسَاءِ) - حديث رقم ٤١٨٣
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة بيعة النساء.
(ومنها): أن مبايعة النبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلم لأمته تختلف، فليست مبايعته
للنساء كمبايعة الرجال، فإنه كان يبايعهنّ على ما في الآية الكريمة في ((سورة
الممتحنة))، وكان يبايع الرجال أحيانًا بما يشمل البيعة على الجهاد، وغيرها مما يختصّ
به الرجال، وأحيانًا يبايعهم على مبايعة النساء، كما سبق في حديث عبادة بن الصامت
رضي الله تعالى عنه.
(ومنها): ما كان عليه النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، من كمال الرحمة، وشدّة
الرأفة، فقد قالت أميمة رضي اللَّه تعالى عنها: ((اللَّه، ورسوله أرحم بنا من أنفسنا»،
ورحمته صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم من رحمة الله تعالى، حيث جبله عليها، فهو كما
وصفه الله عزّ وجلّ، بقوله: ﴿لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ
حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقولِهِ عزّ وجلّ: ﴿وَمَآ
أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
(ومنها): أن حكمه صلّى الله تعالى عليه وسلم لامرأة واحدة يعمّ جميع نساء أمته،
وكذا حكم الرجال، ما لم يقترن بما يخصّ ذلك الشخص، على ما أسلفناه.
(ومنها): أنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم كان لا يصافح بيده النساء، ولو في محلّ
الحاجة، كما في البيعة، وإنما يبايعهنّ بالقول فقط، كما بيّنه في هذا الحديث، وأَخْرَجَهُ
الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، من حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: ((وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ
قَطُ، فِي الْمُبَايَعَةِ، مَا يُبَايِعُهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ: ((قَدْ بَايَعْتُك عَلَى ذَلِكَ)).
قَالَ الْحَافِظُ رحمه الله تعالى: قَوْلُهُ: ((قَدْ بَايَعْتُك كَلَامًا)»، أَنْ يَقُولُ ذَلِكَ كَلَامًا فَقَطْ،
لا مُصَافَحَةٌ بِالْيَدِ، كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِمُصَافَحَّةِ الرِّجَالِ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ، وَكَأَنَّ عَائِشَةَ رضي
الله تعالى عنها أَشَارَتْ بِقَوْلِهَا: ((وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ إِلَخْ))، إِلَى الرَّدْ عَلَى مَا جَاءَ عَنْ أَمِّ
عَطِيَّةَ، فَعِنْدَ ابْنٍ خُزَيْمَةً، وَابٍ حِبَّانَ، وَالْبَزَّارِ، وَالطَّبَرِيِّ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ طَرِيقٍ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِمَنِ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمْ عَطِيَّةَ، فِي قِصَّةِ الْمُبَايَعَةِ، قَالَت: ((فَمَدَّ يَدَهُ مِنْ
خَارِجِ الْبَيْتِ، وَمَدَدْنَا أَيْدِيَنَا مِنْ دَاخِلِ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ))، وَكَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي
بَعْدَهُ، حَيْثُ قَالَتْ فِيهِ: قَبَضَتْ مِنَّ أَمْرَأَةٌ يَدَهَا، فَإِنَةً يُشْعِرُ بِأَنَّنَّ كُنَّ يُبَايِعْنَهُ بِأَيْدِيهِنَّ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مَدَّ الْأَيْدِي، مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ
الْمُبَايَعَةِ، وَإِنْ لَمْ تَقَعْ مُصَافَحَةٌ، وَعَنْ الثَّانِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَبْضِ الْيَدِ التََّخِّرُ عَنْ الْقَبُولِ، أَوَّ
كَانَتِ الْمُبَايَعَةُ تَقَّعُ بِحَائِلٍ، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي ((الْمَرَاسِيلِ)) عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َر

٢٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
حِينَ بَايَعَ النِّسَاءَ، أَتِي بِيُرْدٍ قَطَرِيٍّ، فَوَضَعَهُ فِي يَدِهِ، وَقَالَ: ((لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ)). وَعِنْدَ
عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، مُرْسَلًا نَحْوُهُ، وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقٍ
قَيْسِ بْنِ أَبِيٍ حَازِمٍ كَذَلِكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي ((الْمَغَازِي)) مِنْ رِوَايَةِ يُونُسِ بْنِ بُكَيْرِ،
عنه، عَنْ أَبَانُ بْنِّ صَالِحِ، أَنَّهُ وَ لَ كَانَ يَغْمِسُ يَدَهُ فِي إِنَاءٍ، وَتَغْمِسُ الْمَرْأَةُ يَدَهَا فِيهِ،
وَيَحْتَمِلُ النَّعَدُّدَ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِوَاسِطَةٍ عُمَرَ، وَقَدْ جَاءَ فِي أَخْبَارٍ
أُخْرَى: أَثُّنَّ كُنَّ يَأْخُذْنَ بِيَدِهِ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ، مِنْ فَوْقٍ ثَوْبٍ. أَخْرَجَهُ يَحْيَىِ بْنُ سَلَّام فِي
تَفْسِيرِهِ، عَنْ الشَّغْبِيِّ، وَفِي ((الْمَغَازِي)) لابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ، أَنَّهُ كَانَ يَغْمِسُ
يَدَهُ فِي إِنَاءٍ، فَيَغْمِسْنَ أَيْدِيُهُنَّ فِيهِ. انْتَهَى مَا فِي ((الفَتْح)). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى في ((تحفة الأحوذيّ)): (اعلَمْ): أَنَّ
السُّنَّةَ أَنْ تَكُونَ بَيْعَةُ الرِّجَالِ بِالْمُصَافَحَةِ، وَالسُّنَّةُ فِي الْمُصَافَحَّةٍ أَنْ تَكُونَ بِالْيَدِ الْيُمْنَى،
فَقَدْ رَوَى مُسْلِمْ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: أَتَيْتِ النَّبِيَّ وَِّ، فَقُلْت:
أُبْسُطْ يَمِينَك، فَلْأُبَابِعْكِ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ الْحَدِيثَ. قَالَ الْقَارِي فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ: أَيْ
افْتَحْ يَمِينَك، وَمُدَّهَا لِأَضَعَ يَمِينِي عَلَيْهَا، كَمَا هُوَ الْعَادَةُ فِي الْبَيْعَةَ. انْتَهَى. وَفِي هَذَا
الْبَابِ رِوَايَاتٌ أُخْرَى، صَحِيحَةٌ، صَرِيحَةٌ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ الْمُصَافَحَةُ بِالْيَدِ
الْيُمْنَى، عِنْدَ اللَّقَاءِ أَيْضًا. وَأَمَّا الْمُصَافَحَةُ بِالْيَدَيْنِ عِنْدَ اللَّفَاءِ، أَوْ عِنْدَ الْبَيْعَةِ لَمْ تَثْبُتْ
بِحَدِيثٍ، مَرْفُوعٍ صَحِيح صَرِيحٍ. قال: وَقَدْ حَقَّقْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي رِسَالَتِنَا الْمُسَمَّاةِ
بـ(الْمَقَالَةِ الْحُسْنَىِ، فِي ◌َسُنِيَّةِ الْمُّصَافَحَةِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى)). انتهى كلام المباركفوريّ. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
١٩- (بَيْعَةُ مَنْ بِهِ عَاهَةٌ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((العاهة)): إلآفة، وهي في تقدير فَعَلَة بفتح العين-
والجمع عاهات، يقال: عِيةَ الزرع، من باب تَعِبَ: إذا أصابته العاهة، فهو مَعِيةٌ،
ومَعُوهٌ، في لغة من باب الواو، يقال: أعوه القوم، وأعاهَ القومُ: إذا أصابت العاهةُ ما
شيتهم. قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.

١٩- (بَيْعَةُ مَنْ بِهِ عَاهَةٌ) - حديث رقم ٤١٨٤
=
٢٦٧
٤١٨٤- (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ رَجُلٍ
مِنْ آَلِ الشَّرِيدِ، يُقَالُ لَهُ: عَمْرٌو، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ فِي وَقْدِ ثَقِيفِ، رَجُلٌ مَجْذُومٌ،
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ،ِ ارْجِعْ، فَقَدْ بَايَعْتُكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (زياد بن أيوب) البغداديّ المعروف بدلّويه، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢.
٢- (هُشيم) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت كثير
التدليس والإرسال [٧] ١٠٩/٨٨ .
٣- (يعلى بن عطاء) العامريّ، أو الليثيّ الطائفيّ، ثقة [٤] ٤٠/ ٥٨٤.
٤- (عمرو) بن الشَّرِيد بفتح المعجمة- ابن سُويد الثقفيّ، أبو الوليد الطائفيّ، ثقة
[٣] .
قال العجليّ: حجازيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في (الثقات)). روى له الجماعة،
سوى الترمذيّ، فروى له في ((الشمائل)). وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة
أحاديث: هذا، وفي (كتاب الضحايا)) -٤٤٤٨/٤٢- حديث: ((من قتل عصفورًا))
الحديث. وفي ((كتاب البيوع)) ١٠٠/ ٤٦٩١ و٤٦٩٢- حديث: ((ليّ الواجد يُحلّ عرضه
وعقوبته)). و٤٧٠٤/١٠٩ و٤٧٠٥-حديث: ((الجار أحقّ بسقبه)).
٥ - (أبوه) الشريد - بوزن الطويل - ابن سُويد)) مصغّرًا الثقفيّ، صحابيّ، شهِد بيعة
الرضوان، قيل: كان اسمه مالكًا، تقدّم رضي اللَّه تعالى عنه في ٣٦٨٠/٨. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الشَّرِيدِ، يُقَالُ لَهُ: عَمْرٌو) هو عمرو بن الشَّرِيد الثقفيّ الطائفيّ (عَنْ
◌َبِيهِ) الشّريدَ بن سُويد رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: كَانَ فِي وَقْدِ ثَقِيفٍ، رَجُلٌ
مَجْذُومٌ) أي أصابه مرض الجُذام، قال المجد: و((الْجُذَام)) كغُرَاب: عِلَةٌ تَحَدُث من
انتشار السوداء في البدن كلّه، فيَفسُد مِزاجُ الأعضاء، وهيآتُها، وربّما انتهى إلى تأكّل
الأعضاء، وسقوطها عن تقرّح، جُذِمَ كعُنِيَ، فهو مَجذومٌ، ومَجَدَّمٌ، وأجزم، ووهِمَ

=
٢٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
الجوهريّ في منعه. انتهى. وقال الفيّوميّ: الجَذْمُ القطع، وهو مصدرٌ، من باب
ضَرَبَ، ومنه يقال: جُذِمَ الإنسان بالبناء للمفعول: إذا أصابه الْجُذَام؛ لأنه يقطّعُ اللحم،
ويُسقطه، وهو مجزوم، قالوا: ولا يقال فيه من هذا المعنى: أجذم وِزانُ أحمر. انتهى.
قال الجامع: قد عرفت أن المجد خطّأ الجوهريّ في هذا، وأثبت جواز أجذم.
فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَِّيُّ نَّهِ، ارْجِعْ، فَقَدْ بَايَعْتُكَ) ولم يأخذ بيده عند المبايعة، تخفيفًا عن
المجذوم والناس؛ لئلا يشقّ عليه الاقتحام معهم، فيتأذى هو في نفسه، ويتأذّى به
الناس. وقد روى الترمذيّ عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أنه أكل مع مجذوم،
فقال: ((باسم الله، توكّلًا على اللَّه))، وقد جاء عنه صلّى الله تعالى عليه وسلم أنه قال:
((فِرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد)). رواه البخاريّ. وهذا الخطاب إنما هو لمن يجد
في نفسه نفرة طبيعيّة، لا يقدر على الانتزاع منها، فأمره بالفرار؛ لئلا يتشوّش عليه،
ويغلبه وهمه، وليس ذلك خوفًا لعدوى، فقد قال صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((لا
يُعدي شيءٌ شيئًا))، وقال: ((لا عدوى))، وقال للأعرابيّ: ((فمن أعدى الأول؟)). قاله
القرطبيّ(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الشَّرِيد بن سُوَيد رضي اللّه تعالى عنه أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٨٤/١٩- وفي ((الكبرى)) ٧٨٠٥/٢٣. وأخرجه (م) في ((السلام))
٢٢٣١ (ق) في ((الطبّ)) ٣٥٤٤ (أحمد) في ((أول مسند الكوفيين)) ١٨٩٧٤ و١٨٩٨٠.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة بيعة المجذوم،
وأنها تكون بالقول، دون المصافحة باليد. (ومنها): إباحة مباعدة أهل الأسقام الفادحة،
المستكرهة، إذا لم يؤدّ ذلك إلى إضاعتهم، وإهمالهم. (ومنها): ما قاله بعض أهل
العلم: في هذا الحديث، وما في معناه دليلٌ على أنه يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح
(١) ((المفهم" ٤/ ٧٥-٧٦.

٢٦٩
١٩ - (بَيْعَةُ مَنْ بِهِ عَاهَةً) - حديث رقم ٤١٨٤
إذا وجدت زوجها مجزومًا، أو حدث به جُذامٌ. قال النووي: واختلف أصحابنا،
وأصحاب مالك في أن أمته هل لها منع نفسها من استمتاعه إذا أرادها؟. قال القاضي:
قالوا: ويُمنع من المسجد، والاختلاط بالناس. قال: وكذلك اختلفوا في أنهم إذا
كثُرُوا، هل يؤمرون أن يتّخذوا لأنفسهم موضعًا منفردًا، خارجًا عن الناس، ولا يُمنعون
من التصرّف في منافعهم، وعليه أكثر الناس، أم لا يلزمهم التنخي. قال: ولم يختلفوا
في القليل منهم في أنهم لا يُمنعون. قال: ولا يُمنعون من صلاة الجمعة مع الناس،
ويُمنعون من غيرها. قال: ولو استضرّ أهل قرية فيهم جَذْمَى بمخالطتهم في الماء، فإن
قدروا على استنباط ماء بلا ضرر أُمرُوا به، وإلا استنبطه لهم الآخرون، أو أقاموا من
يستقي لهم، وإلا فيُمنعون. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف الآثار الوارة في المجذوم، واختلاف أهل العلم في
الجمع بينها :
قَالَ عِيَاض رحمه الله تعالى: اخْتَلَفَتِ الْآثَارِ فِي الْمَجْذُومِ، فَجَاءَ عَنْ جَابِرِ (( أَنَّ النَّبِيّ
وَ أَكَلَ مَعَ مَجْذُومٍ، وَقَالَ: ((ثِقَة بِاللَّهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ))، قَالَ: فَذَهَبَ عُمَر، وَجَّاعَة مِنْ
السَّلَف إِلَى الْأَكْلِ مَعَهُ، وَرَأَوْا أَنَّ الْأَمْرِ بِاجْتِنَابِهِ مَنْسُوخِ. وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ عِيسَى بْنِ
دِينَار مِنْ الْمَالِكِيَّة، قَالَ: وَالصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرِ، وَيَتَعَيِّنِ الْمَصِيرِ إِلَيْهِ، أَنْ لَا نَسْخ،
بَلْ يَجِب الْجَمْعِ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ، وَحَمْلِ الْأَمْرِ بِاجْتِنَابِهِ، وَالْفِرَار مِنْهُ عَلَى الاسْتِخْبَاب
وَالإِحْتِيَاطِ، وَالْأَكْلِ مَعَهُ عَلَى بَيَان الْجَوَاز انتهى.
هَكَذَا اقْتَصَرَ الْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى حِكْايَة هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَحَكَى غَيْرِهِ قَوْلًا ثَالِثًا،
وَهُوَ التَّرْجِيحِ، وَقَدْ سَلَّكُهُ فَرِيقَانِ :
(أَحَدهمَا): سَلَكَ تَرْجِيحَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّة عَلَى نَفْي الْعَذْوَى، وَتَزْبِفِ الْأَخْبَارِ الدَّالَّة
عَلَى عَكْس ذَلِكَ، مِثْل حَدِيث ((فرّ من المجذوم فرارك من الأسد)»، فَأَعَلُّوهُ بِالشُّذُوذِ،
وَبِأَنَّ عَائِشَة رضي اللَّه تعالى عنها، أَنْكَرَتْ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْهَا: ((أَنَّ امْرَأَةَ سَأَلَتْهَا
عَنْهُ فَقَالَتْ: مَا قَالَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: ((لَا عَذْوَى))، وَقَالَ: ((فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّل؟))،
قَالَتْ: وَكَانَ لِي مَوْلَّى، بِهِ هَذَا الدَّاء، فَكَانَ يَأْكُلِ فِي صِحَافِي، وَيَشْرَب فِي أَقْدَاحِي،
وَيَنَامِ عَلَى فِرَاشِي))، وَبِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة رضي اللّه تعالى عنه، تَرَدَّدَ فِي هَذَا الْحُكْمِ، فَيُؤْخَذ
الْحُكْمِ مِنْ رِوَايَةٍ غَيْرِهِ، وَبِأَنَّ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَة مِنْ رِوَايَةٍ غَيْرِهِ، فِي نَفْي الْعَذْوَى كَثِيرَة
(١) (شرح مسلم للنوويّ)) ٤٤٧/١٤. ((كتاب الطبْ)).

٢٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
شَهِيرَة، بِخِلَافِ الْأَخْبَارِ الْمُرَخْصَة فِي ذَلِكَ، وَمِثْلِ حَدِيث ((لا تُدِيمُوا النَّظَرِ إِلَى
الْمَجْذُومِينَ))، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنِ مَاجَهْ، وَسَنَده ضَعِيف، وَمِثْل حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي
أَوْفَى، رَفَعَهُ: ((كَلِّمْ الْمَجْذُومِ، وَبَيْنك وَبَيْنِه قَيْدِ رُمْحَيْنٍ))، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمِ فِي ((الطِّبّ))
بِسَنَدٍ وَاهِ، وَمِثْل مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيّ، مِنْ طَرِيق مَعْمَرَ، عَنْ الزُّهْرِيّ: ((أَنَّ عُمَّر قَالَ
لِمُعَيْقِيب: اجْلِسْ مِنِّي قَيْدِ رُمْح))، وَمِنْ طَرِيقِ خَارِجَة بْن زَيْد، كَانَ عُمَر يَقُول نَحْوه،
وَهُمَا أَثَرَانِ مُنْقَطِعَانٍ. وَأَمَّا حَدِيثِ الشَّرِيدَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ، فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّ
ذَلِكَ بِسَبَبِ الْجُذَامِ.
وَالْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ طَرِيقِ التَّرْجِيحِ، لَا يُصَارِ إِلَيْهَا إِلَّا مَعَ تَعَذِّر الْجَمْعِ، وَهُوَّ
مُمْكِن، فَهُوَ أَوْلَی.
(الْفَرِيقِ الثَّانِي): سَلَكُوا فِي التَّرْجِيحِ عَكْس ھَذَا الْمَسْلَك، فَرَدُوا حَدِيث ((لَا عَذْوَى))
بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَجَعَ عَنْهُ، إِمَّا لِشَكْهِ فِيهِ، وَإِمَّ لِثُبُوتِ عَكْسِه عِنْده، قَالُوا: وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّة
عَلَى الاجْتِنَاب أَكْثَر مَخَارِجٍ، وَأَكْثَر طُرُقًا، فَالْمَصِيرِ إِلَيْهَا أَوْلَى، قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيث
جَابِرٍ: ((أَنَّ النَّبِيّ ◌ََّ، أَخَذَ بِيَدٍ مَجْذُوم، فَوَضَعَهَا فِي الْقَصْعَة، وَقَالَ: كُلْ ثِقَة بِاللَّهِ،
وَتَوَكُلًا عَلَيْهِ))، فَفِيهِ نَظَرِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ، وَبَيِّنَ الاخْتِلاف فِيهِ عَلَى رَاوِيه، وَرَجِّحَ
وَقْفِه عَلَى عُمَر، وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوتِه، فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ وَّةِ، أَكَلَّ مَعَهُ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ وَضَعَ يَده
فِي الْقَصْعَة، قَالَهُ الْكَلَابَاذِيّ فِي ((مَعَانِي الْأَخْبَار)» .
وَالْجَوَابِ أَنَّ طَرِيقِ الْجَمْعِ أَوْلَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا فَحَدِيث ((لَا عَذْوَى)) ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ
طَرِيق أَبِي هُرَيْرَة، فَصَحَّ عَنْ عَائِشَةٍ، وَابْن عُمَرٍ، وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص، وَجَابِرٍ،
وَغَيْرِهِمْ، فَلا مَعْنَى لِدَغْوَى كَوْنه مَغْلُولًا، وَاَللَّه أَغْلَم.
وَفِي طَرِيقِ الْجَمْعِ مَسَالِك أُخْرَى: (أَحَدِهَا): نَفْي الْعَذْوَى جُلَة، وَحَمْلِ الْأَمْرِ بِالْفِرَارِ
مِنْ الْمَجْذُومِ، عَلَى رِعَايَة خَاطِرِ الْمَجْذُومِ؛ لِأَنَّةُ إِذَا رَأَى الصَّحِيحَ الْبَدَنَ السَّلِيم مِنْ الآفَةِ
تَعْظُم مُصِيبَته، وَتَزْدَاد حَسْرَتِه، وَنَحْوه حَدِيث: ((لا تُدِيمُوا النَّظَرِ إِلَى الْمَجْذُومِينَ)»، فَإِنّةٌ
مَحْمُول عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
(ثَانِيهَا): حَمْلِ الْخِطَاب بِالنَّفْي وَالْإِثْبَات، عَلَى حَالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، فَحَيْثُ جَاءَ ((لا
عَذْوَى)) كَانَ الْمُخَاطَب ◌ِذَلِكَ مَنْ قُوِيَ يَقِينه، وَصَحَّ تَوَكُله، بِحَيْثُ يَسْتَطِيعِ أَنْ يَدْفَعِ عَنْ
نَفْسِه اعْتِقَاد الْعَذْوَى، كَمَا يَسْتَطِيعِ أَنْ يَدْفَعِ النَّطَيُّرِ الَّذِي يَقَعِ فِي نَفْس كُلّ أَحَد، لَكِنْ
الْقَوِيّ الْيَقِين لَا يَتَأَثّر بِهِ، وَهَذَا مِثْلِ مَا تَدْفَعِ قُوَّة الطَّبِيعَة الْعِلَّة، فَتُبْطِلهَا، وَعَلَى هَذَا
يُحْمِّل حَدِيث جَابِرٍ، فِي أَكْلِ الْمَجْذُومِ مِنْ الْقَصْعَةِ، وَسَائِرِ مَا وَرَدَ مِنْ جِنْسِه، وَحَيْثُ
جَاءَ ((فِرَّ مِنْ الْمَجْذُوم))، كَانَ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ مَنْ ضَعُفَ يَقِينه، وَلَمْ يَتَمَكْن مِنْ تَمَّام

٢٧١
١٩- (بَيْعَةُ مَنْ بِهِ عَاهَةٌ) - حديث رقم ٤١٨٤
التَّوَكُّل، فَلا يَكُون لَهُ قُوَّة عَلَى دَفْع اغْتِقَّاد الْعَذْوَى، فَأُرِيدَ بِذَلِكَ سَدُّ بَابِ اعْتِقَّاد الْعَذْوَى
عَنْهُ، بِأَنْ لَا يُبَاشِر مَا يَكُون سَبَبًا لإِثْبَاتِها.
وَقَرِيب مِنْ هَذَا كَرَاهِيَتِهِ نَّهِ الْكَيّ، مَعَ إِذْنه فِيهِ، وَقَدْ فَعَلَ هُوَ بَلَكُلّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ؛
لِيَتَأَسَّى بِهِ كُلّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ.
(ثَالِثِ الْمَسَالِك): قَالَ اَلْقَاضِي أَبُو بَكْرِ الْبَاقِلَّانِيّ: إِثْبَات الْعَدْوَى فِي الْجُذَامِ وَنَحْوه،
مَخْصُوص مِنْ عُمُومِ نَفْي الْعَذْوَى، قَالَ: فَيَكُون مَعَنِي قَوْله: ((لا عَذْوَى)): أَيْ إِلا مِنْ
الْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالْجَرَبِ مَثَلًا، قَالَ: فَكَأَنَّهُ قَالَ: لا يُعْدِي شَيْءٍ شَيْئًا، إِلَّ مَا تَقَّدَّمَ
تَبْسِنِي لَهُ أَنَّ فِيهِ الْعَذْوَى. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ ابْنِ بَطَّال.
(رَابِعِهَا): أَنَّ الْأَمْرِ بِالْفِرَارِ مِنْ الْمَجْذُومِ، لَيْسَ مِنْ بَابِ الْعَذْوَى فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ لأَمْرٍ
طَبِيعِيّ، وَهُوَ انْتِقَال الدَّاء مِنْ جَسَد لِجَسَدٍ، بِوَاسِطَةِ الْمُلَامَسَة، وَالْمُخَالَطَة، وَشَمِّ الرَّائِحَة،
وَلِذَلِكَ يَقَعِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرَاض فِي الْعَادَةِ، انْتِقَال الدَّاء مِنْ الْمَرِيض إِلَى الصَّحِيحِ، بِكَثْرَةِ
الْمُخَالَطَة، وَهَذِهِ طَرِيقَة ابْنِ قُتَيْبَة، فَقَالَ: الْمَجْذُومُ تَشْتَدْ رَائِحَته، حَتَّى يُسْقِمِ مَنْ أَطَالَ
مُجَالَسَتِه، وَمُحَادَثَتِه، وَمُضَاجَعَتِه، وَكَذَا يَقَعِ كَثِيرًا بِالْمَرْأَةِ مِنْ الرَّجُلِ وَعَكْسِه، وَيَنْزِعِ الْوَلَد
إِلَيْهِ، وَلِهَذَا يَأْمُرُ الْأَطِبَّاءِ بِتَرْكِ مُخَالَطَة الْمَجْذُومِ، لَا عَلَى طَرِيقِ الْعَذْوَى، بَلْ عَلَى طَرِيق
الثَّثِّر بِالرَّائِحَةِ؛ لأَنَّا تُسْقِم مَنْ وَاظَبَ اشْتِمَامِهَا، قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلهِ نَّهِ: ((لا يُورِد
مُمْرِض عَلَى مُصِحّ))؛ لأَنَّ الْجَرَبِ الرَّطْب، قَدْ يَكُون بِالْبَعِيرِ، فَإِذَا خَالَطَ الْإِل، أَوْ
حَكْكَهَا، وَأَوَى إِلَى مَبَارِكِهَا، وَصْل إِلَيْهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يَسِيل مِنْهُ، وَكَذَا بِالنَّظَرِّ نَحْوِ مَا بِهِ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْله: ((لا عَذْوَى))، فَلَهُ مَعْنَى آخَرِ، وَهُوَ أَنْ يَقَعِ الْمَرَضِ بِمَكّانٍ، كَالطَّاعُونِ،
فَيَفِرَّ مِنْهُ مَخَافَةٍ أَنْ يُصِيبِهُ، لأَنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنْ الْفِرَارِ، مِنْ قَدَر الله.
(الْمَسْلَكِ الْخَامِس): أَنَّ الْمُرَاد بِنَفْي الْعَذْوَى، أَنَّ شَيْئًا لَا يُعْدِي بِطَبْعِهِ، نَفْيًا لِمَا كَانَت
الْجَاهِلِيَّ تَعْتَقِدهُ، أَنَّ الأَمْرَاض، تُعْدِيَ بِطَبْعِهَا مِنْ غَيْرِ إِضَافَة إِلَى اللَّه، فَأَبْطَلَ النَّبِيّ ◌َِّ،
اعْتِقَادهمْ ذَلِكَ، وَأَكَلَ مَعَ الْمَجْذُومِ؛ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي يُمْرِض، وَيَشْفِي،
وَنَّاهُمْ عَنْ الدُّنُوْ مِنْهُ؛ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَجْرَى اللَّه الْعَادَةِ بِأَنَّا تُفْضِي
إِلَى مُسَبَِّاتَهَا، فَفِي تُبِه ◌ِثْبَات الْأَسْبَابِ، وَفِي فِعْلِه إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّا لَا تَسْتَقِلَ، بَلْ اللَّه هُوَ
الَّذِي إِنْ شَاءَ سَلَبَهَا قُوَاهَا، فَلا تُؤَثِّر شَيْئًا، وَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهَا، فَأَثَّرَتْ، وَيَحْتَمِلِ أَيْضًا أَنْ
يَكُون أَكْلِهِ وَّهِ مَعَ الْمَجْذُومِ، أَنَّهُ كَانَ بِهِ أَمْر يَسِيرٌ، لا يُعْدِي مِثْلِه فِي الْعَادَةِ، إذْ لَيْسَ
الْجَذْمَىِ كُلّهِمْ سَوَاء، وَلَا تَحَصُلِ الْعَذْوَى مِنْ جَمِيعهمْ، بَلْ لا يَحْصُل مِنْهُ فِي الْعَادَةِ
عَذْوَى أَضْلًا، كَالَّذِي أَصَابَهُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَوَقَفَ فَلَمْ يَعُدْ بَقِيَّةِ جِسْمِهِ، فَلا يُعْدِي.
وَعَلَى الاخْتِمَالِ الْأَوَّل جَرَى أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّة، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْد أَنْ أَوْرَدَ قَوْل الشَّافِعِيّ: مَا

٢٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
نَصَّهُ: الْجُذَامِ، وَالْبَرَص، يَزْعُمْ أَهْلِ الْعِلْم بِالطِّبِّ وَالتَّجَارِبِ، أَنَّهُ يُعْدِي الزَّوْجِ كَثِيرًا،
وَهُوَ دَاء مَانِع لِلْجِمَاعِ، لا تَكَاد نَفْس أَحَدٍ تَطِيب بِمُجَامَعَةٍ مَنْ هُوَ بِهِ، وَلا نَفْس امْرَأَةً أَنْ
يُجَامِعِهَا مَنْ هُوَ بِهِ، وَأَمَّا الْوَلَد، فَبَيِّنَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِنْ وَلَده أَجْذَمُ، أَوْ أَبْرَص أَنَّهُ قَلَّمَا
يَسْلَم، وَإِنْ سَلِمَ أَذْرَكَ نَسْلِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَمَّا مَا ثَبَتَ عَنْ النَِّيّ ◌َّرِ أَنَّهُ قَالَ: ((لا
عَذْوَى))، فَهُوَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة، مِنْ إِضَافَة الْفِعْلِ إِلَى غَيْرِ
اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ يَجْعَلِ اللَّه بِمَشِيئَتِهِ، مُخَالَطَة الصَّحِيحِ مَنْ بِهِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوب،
سَبَيّا لِحُدُوثِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ وَّهِ: ((فِرَّ مِنْ الْمَجْذُوم فِرَاركَ مِنْ الْأَسَد))، وَقَالَ: ((لا
يُورِد مُمْرِض عَلَى مُصِحَ))، وَقَالَ فِي الطَّاعُون: ((مَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا يَقْدَم عَلَيْهِ)،
وَكُلّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّه تَعَالَى، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي الْجَمْعِ بَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ،
وَمَنْ بَعْده، وَطَائِفَة مِمَّنْ قَبْله.
(الْمَسْلَكِ السَّادِس): الْعَمَلِ بِنَفْي الْعَذْوَى أَضْلًا، وَرَأْسًا، وَحَمْلِ الْأَمْرِ بِالْمُجَانَبَةِ
عَلَى حَسْمَ الْمَادَّة، وَسَدّ الذَّرِيعَة؛ لِئَلَّ يَخْدُث لِلْمُخَالِطِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَيَظُنّ أَنَّهُ بِسَبَبٍ
الْمُخَالَطَّة، فَيُثْبِتِ الْعَذْوَى الَّتِي نَفَاهَا الشَّارِعِ، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ أَبُو عُبَيْد، وَتَبِعَهُ
جَمَاعَة، فَقَالَ أَبُو عُبَيْد: لَيْسَ فِي قَوْله: (لَا يُورِد مُمْرِض عَلَى مُصِحَ)) إِثْبَات الْعَذْوَى، بَلْ
لأَنَّ الصِّحَاحِ لَوْ مَرِضَتْ بِتَقْدِيرِ اللَّه تَعَالَىِ، رُبَّمَا وَقَعَ فِي نَفْس صَاحِبِهَا، أَنَّ ذَلِكَ مِنْ
الْعَذْوَى، فَيُفْتَتَنِ، وَيَتَشَكَّكَ فِي ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِاجْتِنَابِهِ. قَالَ: وَكَانَ بَعْض النَّاسِ يَذْهَب
إِلَى أَنَّ الْأَمْرِ بِالاخْتِنَابِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمَخَافَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ ذَوَاتِ الْعَاهَةِ، قَالَ: وَهَذَا
شَرّ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْحَدِيث؛ لأَنَّ فِيهِ إِثْبَات الْعَذْوَى، الَّتِي نَفَاهَا الشَّارِعِ، وَلَكِنَّ وَجْه
الْحَدِيث عِنْدِي مَا ذَكّرْته.
وَأَطْنَبَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا، فِي ((كِتَابِ التَّوَكُّل))، فَإِنَةً أَوْرَدَ حَدِيث (لَا عَدْوَى))، عَنْ
عِدَّة مِنْ الصَّحَابَة، وَحَدِيث ((لَا يُورِد مُمْرِض عَلَى مُصِحَ))، مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة،
وَتَرْجَمَ لِلْأَوَّلِ ((التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّه فِي نَفْي الْعَدْوَى))، وَلِلنَّانِي ((ذِكْرِ خَبَر غَلِطَ فِي مَعْنَاهُ
بَعْض الْعُلَمَاءِ، وَأَثْبَتَ الْعَذْوَى الَّتِي نَفَاهَا النَّبِيّ ◌ََّ))، ثُمَّ تَرْجَمَ: ((الدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّبِيّ
وَهِ، لَمْ يُرِدْ إِثْبَات الْعَذْوَى بِهِذَا الْقَوْل))، فَسَاقَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة: ((لَا عَذْوَى))، فَقَالَ
أَعْرَابِيّ: فَمَّا بَالِ الْإِل يُخَالِطَهَا الْأَجْرَبِ فَتَجْرَب؟، قَالَ: ((فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّل))، ثُمَّ ذَكَرَ
طُرُقُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيث ابْنِ مَسْعُودِ، ثُمَّ تَرْجَمَ ((ذِكْر خَبَر، رُوِيَ فِي
الْأَمْرِ بِالْفِرَارِ مِنْ الْمَجْذُومِ، قَدْ يَخْطِرِ لِبَعْضِ النَّاسِ، أَنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ الْعَذْوَى، وَلَيْسَ
كَذَلِكَ))، وَسَاقَ حَدِيث ((فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ، فِرَارك مِنْ الْأَسَد)»، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة،
وَمِنْ حَدِيث عَائِشَة، وَحَدِيث عَمْرو بْنِ الشَّرِيد، عَنْ أَبِيِهِ، فِي أَمْر الْمَجْذُوم بِالرُّجُوعِ،

١٩ - (بَيْعَةُ مَنْ بِهِ عَاهَةً) - حديث رقم ٤١٨٤
=
٢٧٣ =
وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاس ((لَا تُدِيمُوا النَّظَرِ إِلَى الْمَجْذُومِينَ))، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَمَرَهُمْ وَّهِ بِالْفِرَارِ
مِنْ الْمَجْذُومِ، كَمَا نَّاهُمْ أَنْ يُورِدِ الْمُمْرِض عَلَى الْمُصِحّ، شَفَقَة عَلَيْهِمْ، وَخَشْيَة أَنْ
يُصِيب بَعْضَ مَنْ يُخَالِطُهُ الْمَجْذُومِ الْجُذَامُ، وَالصَّحِيحِ مِنْ الْمَاشِيَةِ الْجَرَبِ، فَيَسْبِقِ إِلَى
بَعْض الْمُسْلِمِينَ، أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْعَذْوَى، فَيُثْبِتِ الْعَذْوَى الَّتِي نَفَاهَا وَهِ، فَأَمَرَهُمْ بِتَجَنُّبٍ
ذَلِكَ شَفَقَةٍ مِنْهُ، وَرَحْمَةً؛ لِيَسْلَمُوا مِنْ التَّصْدِيقِ بِإِثْبَاتِ الْعَذْوَى، وَبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لا يُعْدِي
شَيْءٍ شَيْئًا. قَالَ: وَيُؤَيِّد هَذَا أَكْلِهِ بِّهِ، مَعَ الْمَجْذُومِ ثِقَة بِاللَّهِ، وَتَوَكُلًا عَلَيْهِ، وَسَاقَ
حَدِيث جَابِرٍ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا غُّبِيه عَنْ إِدَامَة النَّظَرِ إِلَى الْمَجْذُومِ، فَيَحْتَمِل أَنْ
يَكُون لأَنَّ الْمَجْذُومِ يَغْتَمْ، وَيَكْرَه إِذْمَان الصَّحِيحِ نَظَرَه إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَلَّ مَنْ يَكُون بِهِ دَاء،
إِلَّا وَهُوَ يَكْرَه أَنْ يُطَّلَعِ عَلَيْهِ. انتهى.
قال الحافظ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ احْتِمَالًا، سَبَقَهُ إِلَيْهِ مَالِك، فَإِنَةً سُئِلَ عَنْ هَذَا
الْحَدِيثِ، فَقَالَ: مَا سَمِعْت فِيهِ بِكْرَاهِيَةٍ، وَمَا أَذْرِي مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّ مَخَافَة أَنْ يَقَّع
فِي نَفْس الْمُؤْمِن شَيْءٍ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الصَّوَابِ عِنْدِنَا الْقَوْل بِمَا صَحَّ بِهِ الْخَبْرِ، وَأَنْ لَا عَذْوَى، وَأَنَّهُ لَا
يُصِيب نَفْسًا، إِلَّا مَا كُتِبَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا دُنُوّ عَلِيل مِنْ صَحِيحِ، فَغَيْرِ مُوجِب انْتِقَال الْعِلَّة
لِلصَّحِيحِ، إِلّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِذِي صِحَّة الدُّنُوْ مِنْ صَاحِب الْعَاهَة، الَّتِي يَكْرَههَا النَّاس، لا
لِتَخْرِيمِ ذَلِكَ، بَلْ لِخَشْيَةِ أَنْ يَظُنّ الصَّحِيحِ، أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ بِهِ ذَلِكَ الدَّاءِ، أَنَّهُ مِنْ جِهَة دُنُوْهُ
مِنْ الْغَّلِيلِ، فَقَعِ فِيمَا أَبْطَلَهُ النَّبِيِّهِ مِنْ الْعَذْوَى. قَالَ: وَلَيْسَ فِي أَمْرِهِ بِالْفِرَارِ مِنْ
الْمَجْذُومِ مُعَارَضَّة لِأَكْلِهِ مَعَهُ؛ لأَنّةً كَانَ يَأْمُر بِالْأَمْرِ عَلَى سَبِيل الإرشَاد أَخْيَانًا، وَعَلَى
سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ الْأَوَامِر عَلَى الْإِلْزَامِ، إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلِ مَا نَّى عَنْهُ
أَخْيَانًا؛ لِبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَرَامًا .
وَقَدْ سَلَكَ الطَّحَاوِيُّ فِي ((مَعَانِي الْآثَار)) مَسْلَكَ ابْنِ خُزَيْمَةً فِيمَا ذَكَرَهُ، فَأَوْرَدَ حَدِيث
(لا يُورِدِ مُمْرِضٍ عَلَى مُصِحّ))، ثُمَّ قَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُصِحّ قَدْ يُصِيبِهُ ذَلِكَ الْمَرَضِ، فَيَقُول
الَّذِي أَوْرَدَهُ، لَوْ أَنِّي مَا أَوْرَدْتَه عَلَيْهِ لَمْ يُصِبْهُ، مِنْ هَذَا الْمَرَضِ شَيْءٍ، وَالْوَاقِعِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ
يُورِدُهُ لأَصَابَهُ؛ لِكَوْنِ اللَّه تَعَالَى قَدَّرَهُ، فَنُهِي عَنْ إِيرَاده؛ لِهَذِهِ الْعِلَّة الَّتِي لَا يُؤْمَن غَالِيًا
مِنْ وُقُوعِهَا فِي قَلْبِ الْمَرْءِ، ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ، فَأَطْنَبَ، وَجَمعَ بَيْنِهَا بِنَحْوِ مَا
جَّعَ بِهِ ابْن خُزَيْمَةً .
وَلِذَلِكَ قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي ((الْمُفْهِم)): إِنَّمَا نَّى رَسُول اللَّه ◌َ عَنْ إِيرَاد الْمُمْرِض عَلَى
الْمُصِحّ، مَخَافَة الْوُقُوعِ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، مِنْ اعْتِقَاد الْعَذْوَى، أَوْ مَخَافَة
تَشْوِيش النُّفُوس، وَتَأْثِيرِ الْأَوْهَامِ، وَهُوَ نَحْو قَوْله: ((فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارك مِنْ الْأَسَد)»،

٢٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِدٍ أَنَّ الْجُذَامِ لَا يُعْدِي، لَكِنَّا نَجِدٍ فِي أَنْفُسِنَا نُفْرَة، وَكَرَاهِيَة لِمُخَالَطَتِهِ، حَتَّى
لَوْ أَكْرَهَ إِنْسَان نَفْسِه عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ، وَعَلَى مُجَالٌسَته لَتَأَذَّتْ نَفْسِه بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ فَالْأَوْلَى
لِلْمُؤْمِنٍ أَنْ لَا يَتَعَرَّضِ إِلَى مَا يَحْتَاجِ فِيهِ إِلَى مُجَاهَدَة، فَيَجْتَنِب طُرُق الْأَوْهَامِ، وَيُبَاعِد
أَسْبَابَ الْآَلَامِ، مَعَ أَنَّهُ يَعْتَقِدِ أَنَّهُ لَا يُنَجِي حَذَر مِنْ قَدْر، وَاَللَّه أَعْلَم.
قَالَ الشَّيْخِ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي ◌ْرَة: الْأَمْرِ بِالْفِرَارِ مِنْ الْأَسَد، لَيْسَ لِلْوُجُوبِ، بَلْ لِلشّفَقَةِ؛
لِأَنْهُ مَِّ كَانَ يَنْهَى أُمَّته، عَنْ كُلِّ مَا فِيهِ ضَرَرٍ ، بِأَيِّ وَجْهِ كَانَ، وَيَدُلّهُمْ عَلَى كُلّ مَا فِيهِ خَيْر.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْض أَهْلِ الطّبْ، أَنَّ الرَّوَائِحِ تُحدِثْ فِي الْأَبْدَانِ خَلَلًا، فَكَانَ هَذَا وَجْهِ الْأَمْر
بِالْمُجَانَبَةِ، وَقَدْ أَكَلَ هُوَ مَعَ الْمَجْذُومِ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرِ بِمُجَانَتِهِ عَلَى الْوُجُوبِ لِمَا فَعَلَهُ.
قَالَ: وَيُمْكِن الْجَمْعِ بَيْن فِعْلِه وَقَوْله، بِأَنَّ الْقَوْلِ هُوَ الْمَشْرُوعِ مِنْ أَجْلِ ضَعْف الْمُخَاطَبِينَ،
وَفِعْلِه حَقِيقَة الْإِيمَانِ، فَمَنْ فَعَلَ الْأَوَّلِ أَصَابَ السُّنَّة، وَهِيَ أَثَر الْحِكْمَة، وَمَنْ فَعَلَ الثَّانِي
كَانَ أَقْوَى يَقِينَا؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلّهَا، لَا تَأْثِيرِ لَهَا، إِلَّا بِمُقْتَضَى إِرَادَة اللَّه تَعَالَى وَتَقْدِيرِه، كَمَا
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فَمَنْ كَانَ قَوِيّ
الْيَّقِينِ، فَلَهُ أَنْ يُتَابِعُهُ بَّهَفِي فِعْلِهِ، وَلَا يَضُرّهُ شَيْءٍ، وَمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ ضَعْفًا، فَلْيَتْبَعْ أَمْرَهُ
فِي الْفِرَار؛ لِئَلَّا يَدْخُل بِفِعْلِهِ فِي إِلْقَاء نَفْسِه إِلَى التَّهْلُكَة.
فَالْحَاصِلِ أَنَّ الْأُمُورِ الَّتِي يُتَوَقَّع مِنْهَا الضَّرَرِ، وَقَدْ أَبَاحَتْ الْحِكْمَةِ الرَّبَّانِيَّة الْحَذَر
مِنْهَا، فَلَا يَتْبَغِي لِلضُّعَفَاءِ أَنْ يَقْرَبُوهَا، وَأَمَّا أَصْحَابِ الصِّدْق وَالْيَقِينِ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ
بِالْخِيَارِ. قَالَ: وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْحُكْم لِلْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِب مِنْ النَّاسِ هُوَ الضَّعْف،
فَجَاءَ الْأَمْرِ بِالْفِرَارِ بِحَسَبٍ ذَلِكَ. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجحُ من هذه الأقوال هو الذي حققه
أصحاب المسلك السادس، وهو الذي تقدم عن أبي عبيد، وابن خزيمة، والطبري،
والطحاوي، والقرطبي، ولخصه الشيخ ابن أبي جمرة في كلامه الأخير. وخلاصته أن
حديث ((لا عدوى)) على ظاهره، وأن الأمر بالفرار من المجذوم محمول على
الاستحباب؛ خشية أن يتفق له المرض، فيقع في سوء الظنّ بأنه إنما حدث له بمخالطته
للمريض، وأما من كان قويّ اليقين، وأنه لا يُصيبه إلا ما كتبه الله تعالى عليه، وأنه لا
عدوى، فلا بأس بمخالطته، للمرضى، من المجذومين، وغيرهم، فبهذا تجتمع الآثار
المختلفة في هذا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) ((فتح)) ٣٠٨/١١-٣١٢. ((كتاب الطبّ». حديث: ٥٧٠٧ .

٢٠- (بَيْعَةُ الْغُلَام) - حديث رقم ٤١٨٥
٢٧٥ -
٢٠- (بَيْعَةُ الْغُلَام)
٤١٨٥- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ سَلَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ
عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: مَدَذَّتُ يَدِي إِلَى النَِّيِّ وَِّ، وَأَنَا غُلَامٌ؛
لِيُبَابِعَنِي، فَلَمْ يُبَابِغْنِي).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عبد الرحمن بن محمد بن سلّام)) بتشديد اللام -:
هو أبو القاسم البغداديّ، ثم الطَّرَسُوسيّ، لا بأس به [١١] ١١٤١/١٧٢. و((عمر بن
يونس)): هو الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ الْجُرَشيّ، ثقة [٩] ١٦٢٥/١٢. و((عكرمة بن
عَمّار)): هو العجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، صدوقٌ، يَغْلَط [٥] ٥٧٪
١٢٩٩ .
و((الْهِرْمَاس بن زياد)) بن مالك بن عبد العزى بن عامر بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن
أعصر، الباهليّ، أبو حُدير بمهملتين، مصغّرًا- البصريّ، صحابيّ، سكن اليمامة، وهو
آخر من مات بها من الصحابة بعد المائة.
روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وعنه ابنه القعقاع، وحنبل بن عبد الله،
وعكرمة بن عمّار. وقال أبو زكريا بن منده: هو آخر من مات من الصحابة باليمامة.
وقال العسكريّ: هو وأبوه من ساكني اليمامة. وقال عكرمة بن عمّار: لقيته سنة
(١٠٢).
روی له المصنّف حدیث الباب فقط، وأبو داود فرد حدیث.
[تنبيه]: هذا السند من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٩٢) من
رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((فلم يبايعني)) أي لما فيه من العهد، والإلزام، والصغير ليس أهلاً لذلك، بل
لا يلزمه شيء إن ألزمه نفسه، فأيّ فائدة في البيعة معه؟. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث الْهِرْمَاس بن زياد رضي الله تعالى عنه هذا
صحيح، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-٢٠/ ٤١٨٥ - وفي ((الكبرى)) ٢٤ / ٧٨٠٦ .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

٢٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
٢١- (بَيْعَةُ الْمَمَالِيكِ)
بفتح الميم: جمع مملوك، وهو العبد.
٤١٨٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ
عَبْدٌ، فَبَايَعَ النَِّيَّ نَّهِ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَا يَشْعُرُ النَّبِيِّنَِّ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ
الَّبِيُّ ◌َِّ: (بِعْنِيهِ، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا، حَتَّى يَسْأَلَهُ، أَعَبْدٌ
هُوَ؟))).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١ .
٢- (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الفقيه الحجة [٧] ٣٥/٣١.
٣- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يدلّس [٤] ٣٥/٣١.
٤- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى
عنهما ٣١/ ٣٥ .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٩٣) من رباعيّات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مصريين، وقتيبة
دخل مصر، ومكيين، وجابر ممن سكن مكة. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي اللَّه تعالى
عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ، فَبَايَعَ النَّبِيَّ وَّهِ عَلَى الْهِجْرَةِ)
أي على أن يهاجر من بلده إلى المدينة (وَلَا يَشْعُرُ) بضم العين المهملة، من باب نصر،
أي لا يعلم (الشِّيُّ وَِّ أَنَّهُ عَبْدٌ) إذ لو علم لم يبايعه إلا بإذن سيّده (فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ) أي
يريد أخذ ذلك العبد (فَقَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: ((بِعْنِيهِ) إنما طلب صلَّى اللّه تعالى عليه وسلم بيعه
له؛ كراهة أن يُرُدّ العبد خائبًا عما قصده من الهجرة، وملازمة الصحبة، فاشتراه ليتمّ له
ما أراد (فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ) قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا إنما
فعله النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم على مقتضى مكارم أخلاقه، ورغبةً في تحصيل
ثواب العتق، وكراهية أن يفسخ له عقد الهجرة، فحصل له العتق، وثبت له الولاء، فهذا

٢١- (بَيْعَةُ الْمَمَالِیكِ) - حديث رقم ٤١٨٦
٢٧٧ ===
المُعتَقُ مولى للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، غير أنه لا يُعرف اسمه. انتهى (١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا محمول على أن سيّده كان مسلمًا، ولهذا باعه
بعبدين أسودين، والظاهر أنهما كانا مسليمن؛ إذ لا يجوز بيع العبد المسلم لكافر.
ويحتمل أنه كان كافرًا، أوأنهما كانا كافرين، ولا بدّ من ثبوت ملكه للعبد الذي بايع على
الهجرة، إما ببينة، وإما بتصديق العبد قبل إقراره بالحرّيّة. انتهى (٢).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: لم يرد في شيء من طرقه أنه صلّى الله
تعالى عليه وسلم طالب سيّده بإقامة بيّنة، فيحتمل أن يكون النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه
وسلم علِم صحّة ملكه له حين عرّف سيّده. ويحتمل أن يكون اكتفى بدعواه، وتصديق
العبد له، فإن العبد بالغّ عاقلٌ، يُقبل إقراره على نفسه، ولم يكن للسيّد من يُنازعه، ولا
يُستحلّف السيّد، كما إذا ادّعى اللقطة، وعرَف عفاصها، ووِكاءها، أخذها، ولم
يُستحلَّف؛ لعدم المنازع فيها. انتهى(٣).
(ثُمَّ لَمْ يُبَايع) النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (أَحَدًا، حَتَّى يَسْأَلَهُ، أَعَبْدٌ هُوَ؟)))
يعني أنه لَمّا وقعت له هذه الواقعة أخذ بالحزم، والحذر، فكان يسأل من يرتاب فيها.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٨٦/٢١/٢١ وفي ((البيوع)) ٤٦٢٣/٦٦- وفي ((الكبرى)) ٢٥/
٧٨٠٧ و ((البيوع)) ٦٢١٣/٦٦. وأخرجه (م) في ((المساقاة)) ١٦٠٢ (د) في ((البيوع))
٣٣٥٨ (ت) في ((البيوع)) ١٢٣٩ و((السير)) ١٥٩٦ (ق) في ((الجهاد)) ٢٨٦٩ (أحمد) في
(باقي مسند المكثرين)) ١٤٣٥٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيعة المماليك، وهو
لا يجوز إلا أن يأذن له سيّده. (ومنها): ما كان عليه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم
(١) ((المفهم) ٥١١/٤. (كتاب البيوع)).
(٢) (شرح مسلم)) ٤٠/١١ ((كتاب البيوع. حديث: ٤٠٨٩.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ٥١١ (كتاب البيوع)) .

٢٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
من مكارم الأخلاق، والإحسان العامّ، فإنه كره أن يُرُدّ العبد خائبًا عما قصده، من
الهجرة، ومصاحبته صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، فاشتراه ليُتمّ له غرضه. (ومنها):
جواز بيع عبد بعبدين، سواء كانت القيمة متّفقةً، أو مختلفةً، وهذا مجمع عليه، إذا بيع
نقدًا، وكذا حكم سائر الحيوانات، فإن باع عبدًا بعبدين، أو بعيرًا ببعيرين إلى أجل،
فمذهب الجمهور جوازه. وقال أبو حنيفة، والكوفيّون: لا يجوز، وفيه مذاهب
لغيرهم، سيأتي تحقيقها، مع أدلّتها في محلّها، من ((كتاب البيوع)»، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: فيه دليلٌ على أن الأصل في الناس
الحرّيّة، ولذلك لم يسأله النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم إذ حمله على ذلك الأصل،
حيث لم يَظهر له ما يُخرجه عن ذلك، ولو لم يكن الأمر كذلك لتعيّن أن يسأله. وهذا
أصل مالك في الباب، فكلُّ من ادّعى ملك أحد من بني آدم كان مدفوعًا إلى بيان ذلك،
لكن إذا ناکره المدعی رقه، وادعى الحزیّة، وسواء كان ذلك المدعى رقّه ممن كثُر ملك
نوعه، أو لم يكن، فإن كان في حوز المدّعِي لرقّه كان القول قولَه، إذا كان حَوْزَ رقّ،
فإن لم يكن، فالقول قول المدّعَى عليه مع يمينه. انتهى(١). (ومنها): أنه وَّر لا يعلم
من الغيب إلا ما أعلمه الله تعالى، حيث إنه بايع هذا العبد، ولم يعلم بحاله. (ومنها):
الأخذ بالأحوط؛ لأنه صلّى الله تعالى عليه وسلم كان بعد ذلك لا يبايع أحدًا حتى يسأل
أهو عبدٌ؟. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
٢٢- (اسْتِقَالَةُ الْبَيْعَةِ)
٤١٨٧- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكّدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،
أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَجَاءَ
الْأَعْرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبِى، ثُمَّ جَاءَهُ،
فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبِى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ،
تَنْفِي خَبَثَهَا، وَتَنْصَعُ طِيبَهَا»).
(١) ((المفهم)» ٤/ ٥١٠-٥١١.

٢٧٩
٢٢ - (اسْتِقَالَةُ الْبَيْعَةِ) - حديث رقم ٤١٨٧
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
و((مالك)): هو ابن أنس إمام دار الهجرة. و((محمد بن المنكدر)) المدنيّ الثقة [٣]
تقدم قريبًا. والسند من رباعيّات المصنّف، كسابقيه، وهو (١٩٤) من رباعيّات
الكتاب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حَرَام رضي اللَّه تعالى عنهما. ووقع عند
البخاريّ في ((الأحكام)) تصريح محمد بن المنكدر بالسماع من جابر، ولفظه: ((سمعت
جابرًا)) (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، إلا أن الزمخشريّ ذكر في ((ربيع
الأبرار)) أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكلٌ؛ لأنه تابعيّ كبير مشهورٌ، صرّحوا بأنه
هاجر، فوجد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم قد مات، فإن كان محفوظًا، فلعلّه آخر،
وافق اسمه، واسم أبيه، وفي الذيل لأبي موسى في الصحابة: قيس بن أبي حازم
المنقريّ، فيحتمل أن يكون هو هذا. انتهى(١).
(بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَه عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَصَابَ الْأَغْرَابِيَّ وَغْكٌ) بفتح الواو، وسكون
المهملة، وقد تُفتح، بعدها كاف: الْحُمّى، وقيل: ألمها، وقيل: إرعادها. وقال
الأصمعيّ: أصله شدّة الحرّ، فأطلق على حرّ الحمّى، وشدّتها (بِالْمَدِينَةِ، فَجَاءَ الْأَغْرَابِيُّ
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِلْنِي بَيْعَتِي) بفتح الهمزة، من الإقالة، أي
ارفع عنّي البيعة التي بايعتنيها، يقال: أقال اللَّه عَثْرته: إذا رفعه من سقوطه، ومنه الإقالة
في البيع؛ لأنها رفع العقد، وقاله قَيْلًا، من باب باع لغةً. قاله الفيّوميّ. وهذا من
الأعرابيّ سوء ظنّ ؛ حيث توهّم أن ما أصابه من الوعك إنما هو بسبب ما فَعَل من
البيعة، فتوهم أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم لو أقاله لَذَهب ما لحِقه من الوعك.
ثم إنّ ظاهره أنه سأل الإقالة من الإسلام، وبه جزم القاضي عياض. وقال غيره: إنما
استقاله من الهجرة، وإلا لكان قتله على الرّدّة.
(فَأَبَى) قال ابن التين: إنما امتنع النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم من إقالته؛ لأنه لا
يُعين على معصية؛ لأن البيعة في أول الأمر كانت على أن لا يخرُج من المدينة إلا
بإذنه، فخروجه عصيان، قال: وكانت الهجرة إلى المدينة فرضًا قبل فتح مكة على كلّ
من أسلم، ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين موالاةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُوا
وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢]، فلمّا فُتحت مكة، قال
(١) (فتح)) ٥٨٤/٤ ((كتاب فضائل المدينة)) حديث: ١٨٨٣.

٢٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
صلّى الله تعالى عليه وسلم: ((لا هجرة بعد الفتح))، ففي هذا إشعارٌ بأن مبايعة الأعرابيّ
المذكور كانت قبل الفتح.
(ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَغْرَابِيُّ) أي من المدينة قصدًا لإقالة
أثر البيعة (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرٍ) بكسر الكاف: زِقّ الْحَدّاد الذي
يَنْفُخ به، ويكون أيضًا من جِلْد غليظ، وله حافاتٌ، وجمعه كِيَرَةٌ، مثلُ عِنَبَة، وأَکیارٌ.
وقال ابن السّكّيت: سمعتُ أبا عمرو يقول: الْكُورُ بالواو: المبنيّ من الطين، والكِير
بالياء: الزِّقْ، والجمع أكيارٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحمالٍ. قاله الفيّوميّ.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا تشبيه واقعٌ؛ لأن الكير لشدّة نفخه
ينفي عن النار السُّخَام(١)، والدخان، والرماد، حتى لا يبقى إلا خالص الجمر والنار.
هذا إن أراد بالكير المِنفَخ الذي تُنفِخ به النار، وإن أراد به الموضع المشتمل على النار،
وهو المعروف عند أهل اللغة، فيكون معناه: أن ذلك الموضع لشدّة حرارته ينزع خَبَثَ
الحديد، والذهب، والفضّة، ويُخرج خلاصة ذلك، والمدينة كذلك؛ لما فيها من شدّة
العيش، وضيق الحال تخلّص النفس من شهواتها، وشرّهها، ومَيلها إلى اللذّات،
والمستحسنات، فتتزكّى النفس عن أدرانها، وتبقى خلاصتها، فيظهر سرّ جوهرها،
وتعُمّ بركاتها. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((لما فيها من شدّة العيش الخ)) فيه نظر؛ إذ لو
كان لذلك لكان كلّ بلد فيه شدّة عيش، وخشونة حال أن يكون كذلك، فلايكون
للمدينة فضلٌ أصلًا، بل الحقّ أن ذلك لخصوصيّة المدينة، وما جعل الله تعالى فيها من
السرّ العظيم، حيث كانت مُهاجَرَ رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، ومهبط
وحيه، فتنفي الأشرار، وتبقي الأخيار. والله تعالى أعلم.
(تَنْفِي) بفتح أوله: أي تُخْرج (خَبَثَهَا) بمعجمة، وموحدة، مفتوحتين (وَتَنْصَعُ) بفتح
أوله، وسكون النون، وبالمهملتين، من النُّصُوع، وهو الخلوص، والمعنى أنها إذا نفت
الخبت تميّز الطيب، واستقرّ فيها (طِيبَهَا) قال في ((الفتح)): ضبطه الأكثر بالنصب على
المفعوليّة، وفي رواية الكشميهني بالتحتانيّة أوله، ورفع ((طيبها)) على الفاعليّة، و((طَيّبها))
للجميع بالتشديد. وضبطه القزاز بكسر أوله، والتخفيف، ثم استشكله، فقال: لم أر
للنصوع في الطيب ذكرًا، وإنما الكلام يتضوّع بالضاد المعجمة، وزيادة الواو الثقيلة،
قال: ويروى ((وتنضخ)) بمعجمتين. وأغرب الزمخشريّ في ((الفائق))، فضبطه بموحّدة،
(١) ((السُّخام)) كالغُراب: الفحم، وسواد القدر. اهـ ق.