النص المفهرس
صفحات 181-200
٣٧- (كِتَبُ قَسْم الفَيْءِ) - حديث ٤١٤٩ ١٨١ == لتخصيص الخمس لله تعالى، وإنما فائدة ذكره الاستفتاح باسمه تعالى تبرّكًا (وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا اسْتَفْتَحَ الْكَلَامَ، فِي الْفَيْءِ وَالْخُمُسِ بِذِكْرِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّا أَشْرَفُ الْكَسْبِ) أي لكون الغنيمة أفضل مكاسب المسلم، فناسب ذكره تعالى معها (وَلَمْ يَنْسِبِ الصَّدَقَّةَ إِلَى نَفْسِهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي في آية الصدقة، فإنه ذكر المستحقّين لها، دون أن يستفتح بذكر اسمه عزّ وجلّ، حيث قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠] (لِأَنََّا أَوْسَاغُ النَّاسِ) كما بيّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم فيما أخرجه مسلم، وأبو داود، والمصنّف: ((إن هذه الصدقة لا تنبغي لمحمّد، ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس)) (وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ). (وَقَدْ قِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٍ، فَيُجْعَلُ فِي الْكَعْبَةِ) أي في مصالحها (وَهُوَ السَّهْمُ الَّذِي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) وهذا القول مرويّ عن أبي العالية، فقد أخرج ابن جرير في ((تفسيره)) من طريق الربيع بن أنس، عنه، قال: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم يُؤتى بالغنيمة، فيقسمها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس، فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفّه، فيجعله في الكعبة، وهو سهم اللّه، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. انتهى(١). (وَسَهْمُ النَّبِيِّ نَّهِ إِلَى الْإِمَامِ، يَشْتَرِي الْكُرَاعَ) بالضمّ: أي الخيل (مِنْهُ وَالسِّلَاحَ، وَيُعْطِي مِنْهُ مَنْ رَأَى) أي من علَم أنه مستحقّ للعطاء بسبب نفعه لعموم المسلمين، كما أوضحه بقوله (مِمَّن رَأَى فِيهِ غَنَاءً) بالفتح، والمدّ: الكفايةُ: أي ممن كان في وجوده كفاية للمسلمين، يكفيهم بشجاعته في الحرب مثلً (وَمَنْفَعَةً) بفتح الميم، والفاء: أي نفعًا (لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ) وقوله (وَمِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالْقُرْآنِ) من عطف الخاصّ على العامّ. (وَسَهْمٌ لِذِي الْقُرْبَى، وَهُمْ بَتُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبٍ، بَيْتَهُمْ الْغَنِيُّ مِنْهُمْ وَالْفَقِيرُ) يعني أنه لا يختصّ به الفقير، بل يشترك فيه الغني والفقير (وَقَدْ قِيلَ: إِنّةً لِلْفَقِيرِ مِنْهُمْ دُونَ الْغَنِيٌّ، كَالْيَتَامَى، وَابْنِ السَّبِيلِ) يعني أن بعضهم خصّ به الفقير، دون الغنيّ، وهذا القول هو الذي ماله إليه المصنّف رحمه اللّه تعالى، حيث قال (وَهُوَ أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي -وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ-) لكن ظاهر النص العموم، فيحتاج تخصيصه بالفقير إلى دليل، فالظاهر حمله على عمومه. والله تعالى أعلم. (١) ((تفسير ابن جرير)) ٥٥٠/١٣-٥٥١ . ١٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ (وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ) يعني أنه يستوي في سهم ذي القربى صغيرهم، وكبيرهم، وذكرهم، وأنثاهم، ثم استدلّ على ذلك بثلاثة أدلّة، أولها ما أشار إليه بقوله (لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، جَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ) يعني أن الله سبحانه وتعالى جعل سهم ذي القربى لهم من غير تخصيصٍ لبعضهم. والثاني ما أشار إليه بقوله (وَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ فِيهِمْ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) والثالث ما أشار إليه بقوله (وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فِي رَجُلٍ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِبَنِي فُلَانٍ، أَنَّهُ بَيْتَهُمْ، وَأَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ، إِذَا كَانُوا يُخْصَوْنَ) بالبناء للمفعول (فَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ صُيْرَ) بتشديد الياء التحتانيّة، مبنيًّا للمفعول: أي جُعل (لِبَنِي فُلَانٍ، أَنَّهُ بَيْتَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ الْآَمِرُ بِهِ) يعني أنه إذا بيّن ذلك الموصي أن يفضّل بين الذكر والأنثى، فيُنفّذ ذلك على ما ما قاله (وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ) وحاصل ما أشار إليه رحمه الله تعالى من الأدلّة أن الله تعالى جعل سهم ذوي القربى بينهم من غير تفضيل بعضهم على بعض، ثم إن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم قسم ذلك بينهم بالسوية، وأن العلماء اتفقوا على أنه إذا أوصى شخص لبني فلان، أنه يقسم المال بينهم بالسوية، من غير تفضيل الذكور على الإناث، إلا إذا فضّلهم الموصي، فعند ذلك يُعمل به. والله تعالى أعلم. (وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَسَهْمٌ لِاِبْنِ السَّبِيلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْطَّى أَحَدٌّ مِنْهُمْ سَهْمُ مِسْكِينٍ وَسَهْمُ ابْنِ السَّبِيلِ، وَقِيلَ لَهُ: خُذَّ أَيُهُمَا شِئْتَ) يعني أنه لا يُعطى الشخص الواحد إذا كان مسكينًا، وابن سبيل سهمين بهما، وإنما يُخيّر أن يأخذ أحد السهمين فقط (وَالْأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ) ولفظ ((الكبرى)): ((والأربعة الأخماس)) بتعريف الجزأين، وهو الجاري على القاعدة. (يَقْسِمُهَا الْإِمَامُ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ) فيه أنه لا يستحقّ الغنيمة من غاب عنها، وسيأتي تحقيق ذلك، في مسائل الحديث التالي، إن شاء الله تعالى (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) خرج الكافر، فلو حضر بإذن الإمام، وقاتل مع المسلمين، ففي الإسهام له خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه أيضًا، إن شاء الله تعالى. (الْبَالِغِينَ) وأما الصبيان، فلا يسهم لهم بل يرضخ لهم على الصحيح، وقيل: يسهم لهم، وقيل: إن قاتلوا يسهم لهم، وإلا فلا، وسيأتي تمام البحث في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤١٥٠- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ بْنِ الْحَدَثَانِ، قَالَ: جَاءَ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٍّ، ١٨٣ ٣٧- (كِتَبُ قَسْم الفَيْءِ) - حديث ٤١٥٠ إِلَى عُمَرَ، يَخْتَصِمَانِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: اقْضٍ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا، فَقَالَ النَّاسُ: افْصِلْ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، قَدْ عَلِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ))، قَالَ: فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ، فَأَخَذَ مِنْهَا قُوتَ أَهْلِهِ، وَجَعَلَ سَائِرَهُ سَبِيلَهُ سَبِيلَ الْمَالِ، ثُمَّ وَلِيَهَا أَبُو بِكْرٍ بَعْدَهُ، ثُمَّ وُلِّيْتُهَا بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، فَصَنَعْتَ فِيهَا الَّذِي كَانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ أَتَانِي، فَسَأَلَانِي أَنْ أَذْفَعَهَا إِلَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَلِيَاهَا، بِالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ وَالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَالَّذِي وُلِيتُهَا بِهِ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا، وَأَخَذْتُ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَهُمَا، ثُمَّ أَتَانِ يَقُولُ هَذَا: اِقْسِمْ لِي بِتَصِيِي مِنْ ابْنِ أَخِي، وَيَقُولُ هَذَا: اقْسِمْ لِي بِنَصِبِيِي مِنْ امْرَأَتِي، وَإِنْ شَاءَا أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْهِمَا عَلَّى أَنْ يَلِيَاهَا، بِالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ، وَالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَالَّذِي وُلِّيْتُهَا بِهِ، دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا، وَإِنْ أَبَيَا كُفِيَا ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنَ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ, وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، هَذَا لِهَؤُلَاءِ، ﴿إِنََّا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِي الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِلِ﴾ [التوبة: ٦٠] هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَا رِكَاب﴾ [الحشر: ٦]، قَالَ الزُّهْرِيُّ: هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ نَّهِ خَاصَّةً، قُرَى عَرَبِيَّةً، فَذْكُ كَذَاَ وَكَذًا، ذَهَّا أَقَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْبَتَى وَاَلْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، وَ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، ﴿وَلَّذِينَ تَبَؤَّهُو الذَّارَ وَاَلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، ﴿وَلَّذِينَ جَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، فَاسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ النَّاسَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ، أَوْ قَالَ: حَظّ، إِلَّا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ، وَلَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَيَأْتِيَنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقُّهُ، أَوْ قَالَ: حَظُهُ(١)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عليّ بن حُجْر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٢/١٣. ٢- (إسماعيل بن إبراهيم) ابن عليّة، أبوبشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٩/١٨. ٣- (أيوب) بن أبي تميمة كيسان، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت حجة [٥] ٤٨/٤٢. ٤- (عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشيّ، المخزوميّ المكيّ، ثقة [٣] ٣٧ /٩٤٠. ٥- (مالك بن أوس بن الْحَدَثَان) -بفتح المهملتين والمثلثة - النصريّ -بفتح النون، (١) يوجد هنا في النسخة الهنديّة ص١٧٩: ما نصّه: ((آخر كتاب قسم الفيء)). ١٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وسكون الصاد المهملة- أبو سعيد المدنيّ، له رؤية، مات سنة (٩٢)، وقيل: (٩١). ٦ - (عمر) بن الخطّاب بن نوفل العدويّ الخلفية الراشد رضي الله تعالى عنه٦٠ / ٧٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أيوب، عن عكرمة، عن مالك بن أوس. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشرين بالجنّة، جمّ المناقب رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِد) المخزومي القرشيّ رحمه الله تعالى. [تَشْبِيه]: هذه الرواية تردّ على من زعمِ أَنَّ الزّهْرِيَّ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةٍ هَذَا الْحَدِيثِ، عن مالك بن أوس، قَالَ أَبُو عَلِيَ الْكَرَابِيسِيّ: أَنْكَرَهُ قَوْمٌ، وَقَالُوا: هَذَا مِنْ مُسْتَنْكَرٍ مَا رَوَاهُ ابْنِ شِهَاب، قَالَ: فَإِنْ كَانُوا عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْدٍ، فَهَيْهَاتَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَهُوَ جَهْل، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ مَالِك بْن أَوْسِ عِكْرِمَةُ بْنِ خَالِد، وَأَيُّوب بْن خَالِد، وَمُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء، وَغَيْرِهمْ. أفاده في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم. (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍِ بْنِ الْحَدَثَانِ) بفتحتات النصريّ رحمه اللَّه تعالى، أنه (قَالَ: جَاءَ الْعَبَّاسُ) بن عبد المطّلب، عمّ رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، رضي اللّه تعالى عنه (وَعَلِيّ) بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه (إِلَى عُمَرَ) بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه (يَخْتَصِمَانِ) حديث هذه القصّة، قد ساقها البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) مطوّلة، فقال: ٣٠٩٤- حدثنا إسحاق بن محمد الفَزوي، حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، وکان محمد بن جبير ذکر لي ذِكْرًا من حديثه ذلك، فانطلقت حتى أدخلَ على مالك بن أوس، فسألته عن ذلك الحديث؟ فقال مالك: بينا أنا جالس في أهلي، حين مَتَعَ النهار(٢) إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فانطلقت معه، حتى أدخلَ على عمر، فإذا هو جالس على رِمَال سرير، (١) ((فتح)) ٣٢٥/٦. (٢) أي ارتفع. ١٨٥ == ٣٧- (كِتَبُ قَسْم الفَيْءِ) - حديث ٤١٥٠ ليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أَدَم، فسلمت عليه، ثم جلست، فقال: يا مال، إنه قَدِمَ علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برَضْخ، فاقبضه، فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو أمرت به غيري، قال: اقبضهً أيها المرء، فبينا أنا جالس عنده، أتاه حاجبه يَرْفًا، فقال: هل لك في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، يستأذنون؟، قال: نعم، فأذن لهم، فدخلوا، فسلموا، وجلسوا، ثم جلس يرفا يسيرًا، ثم قال: هل لك في علي وعباس؟ قال: نعم، فأذن لهما، فدخلا، فسلما، فجلسا، فقال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله -وَ ليه- من مال بني النضير، فقال الرهط: عثمان، وأصحابه: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر، قال عمر: تَيدَكُمْ (١) أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول اللَّهِ وَله، قال: ((لا نورث، ما تركنا صدقة))؟، يريد رسولُ اللَّه وَ ل نفسه، قال: الرهط: قد قال ذلك، فأقبل عمر على علي وعباس، فقال: أنشدكما اللّه، أتعلمان أن رسول اللَّه وَله، قد قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، قال عمر: فإني أحدّثكم عن هذا الأمر، إن اللَّه قد خَصَّ رسوله بَّر، في هذا الفيء بشيء، لم يعطه أحدا غيره، ثم قرأ: ﴿وَمَّ أَقَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فكانت هذه خالصة لرسول اللّه وَ ﴿، والله ما احتازها (٢) دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموها، وبَثّها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول اللّه وَلّره ينفق على أهله نفقة سنتهم، من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي، فيجعله مَجْعَلَ مال اللَّه، فعمل رسول اللّه وَلِّل بذلك حياته، أنشدكم بالله، هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي وعباس: أنشدكما بالله، هل تعلمان ذلك؟ قال عمر: ثم تَوَفَّى اللَّهُ نبيه وَّل، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول اللَّه وَله، فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول اللَّه وَّل، والله يعلم إنه فيها لصادق باز راشد تابع للحق، ثم توفى اللَّه أبا بكر، فكنت أنا ولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول اللّه وَّر، وما عمل فيها أبو بكر، والله يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني، وكلمتكما واحدة، وأمركما واحد، جئتني يا عباس، تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا يريد عليا- يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول اللَّه وَليل، قال: ((لا نورث، ما تركنا صدقةٌ))، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما، قلت: إن شئتما دفعتها إليكما (١) أي اصبروا، وتمهّلوا. (٢) أي ما استأثر، وانفرد بها. ١٨٦ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ على أن عليكما عهد الله وميثاقه، لَتَعمَلان فيها بما عمل فيها رسول اللَّه وَلَّه وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عملت فيها منذ وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فأنشدكم بالله، هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم، ثم أقبل على علي وعباس، فقال: أنشدكما بالله، هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم، قال: فتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي فيها قضاءً غير ذلك، فإن عجزتما عنها، فادفعاها إلي، فإني أكفيكماها. انتهى(١). (فَقَالَ الْعَبَّاسُ) رضي اللَّه تعالى عنه (اقْضِ بَئِنِي وَبَيْنَ هَذَا) زاد شعيب، ويونس عن ابن شهاب عند البخاريّ: ((فاستبّ عليّ وعبّاسٌ))، وفي رواية عقيل، عن ابن شهاب عنده: ((اقض بيني، وبين هذا الظالم، استبّا)»، وفي رواية جويرية: ((وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن)). قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولم أر في شيء من الطرق أنه صدر من عليّ في حقّ العبّاس شيءٍ، بخلاف ما يُفهم من قوله في رواية عقيل: (استبًا)). واستصوب المازريّ صنيع من حذف هذه الألفاظ من هذا الحديث، وقال: لعلّ بعض الرواة وَهِمَ فيها، وإن كانت محفوظة، فأجود ما تُحمل عليه أن العبّاس قالها، دلالًا على عليّ؛ لأنه كان عنده بمنزلة الولد، فأراد رَذعه عما يعتقد أنه يُخطىء فيه، وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل عن عمد، قال: ولا بدّ من هذا التأويل لوقوع ذلك بمحضر الخليفة، ومن ذُكر معه، ولم يصدر منهم إنكارٌ لذلك، مع ما عُلم من تشدّدهم في إنكار المنكر. انتهى (٢). (فَقَّالَ النَّاسُ) المراد عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم. وفي رواية معمر، عن الزهريّ في ((مسند ابن أبي عمر)): ((فقال الزبير بن العوام: اقض بينهما»، فيحتمل أنه باشر السؤال، ورضي الباقون به، فُنُسب إليهم، والله تعالى أعلم (افْصِالْ بَيْتَهُمَا) وزاد في رواية مسلم: ((فقال مالك بن أوس: يُخيّل إليّ أنهم قد كانوا قدّموهم لذلك)) (فَقَالَ عُمَرُ) رضي اللَّه تعالى عنه (لَا أَفْصِلُ بَيْنَهُمَا) أي لا أقض بينهما على ما يريدانه، من قسمة مال بني النضير، ولس المراد أنه يتركهما يتخاصمان دائمًا (قَدْ عَلِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَالَ: ((لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ))) تقدّم شرحه في شرح حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها السابق في هذا الباب (قَالَ) الراوي، وهو عكرمة بن خالد (فَقَالَ الزّهرِيُّ) ظاهر هذا أن الكلام الآتي لم يروه أيوب عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس، وإنما رواه عن الزهريّ، عن مالك بن أوس، (١) راجع ((صحيح البخاريّ)) بنسخة ((الفتح)) ٣١٦/٦-٣١٧. (٢) راجع ((الفتح)) ٣٢٧/٦. ((كتاب فرض الخمس)). ٣٧- (كِتَابُ قَسْم الفَيْءِ) - حديث ٤١٥٠ ١٨٧ ==== فلذلك صرّح بنسبته إليه. لكنه ثبت من رواية أيوب، عن خالد أيضًا، فقد أخرجه ابن جرير الطبريّ في تفيسره بإسناد صحيح، من طريق معمر، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس ابن الحدثان، قال: قال عمر بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ حتى بلغ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قال: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْنَ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، ثم قال: هذه الآية لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿مَّ أَقَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلغ ﴿لِلْفُقَرَآءَ﴾، ﴿وَاَلَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ﴾، ﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٧-١٠]، ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامّةً، فليس أحدٌ إلا له حقّ، ثم قال: لئن عشتُ ليأتينّ الراعي، وهو بسَرْو حِمْيرَ (١) نصيبه، لم يعرّق فيها جبينه. انتھی(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بهذا يتبيّن أن الحديث ثابت بالطريقين: طريق أيوب، عن الزهريّ، عن مالك بن أوس، وطريق أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك، وليس كما يوهمه ظاهر صنيع المصنّف، من كونه عن طريق الزهريّ فقط. والله تعالى أعلم. وأما رواية الزهريّ، فقد أخرجها أبو داود في ((سننه))، فقال: حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا أيوب، عن الزهري، قال: قال عمر: ﴿وَمَآ أَفَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، قال الزهري: قال عمر: هذه لرسول اللَّه ◌َ ل ل خاصة، قرى عرينة، وفدك، وكذا وكذا، ﴿َّا أَقَآءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾، و﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، ﴿وَأَلَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٧-١٠]، فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق، قال أيوب: أو قال: حظ، إلا بعض من تملكون من أرقائكم. انتهى. (١) وقع في أصل تفسير ابن جرير: ((وهو يسير حمره))، وما هنا من تفسير ابن كثير، وتفسير القرطبيّ، والظاهر أن ما في ابن جرير تصحيفٌ، وما هنا هو الصواب، كما يدلّ له كلام ابن الأثير في ((النهاية)) -٣٦٣/٢ - فقد ذكره بلفظ: ((لئن بقيت إلى قابل ليأتينّ الراعي بسَرْو حِمْير حقّه، لم يعرق جبينه فيه))، وقال: السَّرْوُ: ما انحدر من الجبل، وارتفع عن الوادي في الأصل، والسّزو أيضًا: محلّة حِمْير. انتهى. (٢) ((تفسير ابن جرير) ٢٧٦/٢٣. ١٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْم الْفَيْءِ قال المنذريّ: وهذا منقطع، الزهريّ لم يسمع من عمر. انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لكن تقدّم عند ابن جرير متصلًا من رواية عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس، فهو صحيح. والله تعالى أعلم. (وَلِيَهَا) بفتح الواو، وكسر اللام، أي تولّى شأنها، ويحتمل أن يكون بتشديد اللام، مبنيّا للمفعول، أي ولّاه اللَّه، وأعطاه إياها، والضمير المنصوب للأموال التي كانا يختصمان فيها، وهي أموال بني النضير، ففي رواية البخاريّ السابقة: ((وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من مال بني النضير)) (رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، فَأَخَذَ مِنْهَا قُوتَ أَهْلِهِ) وفي رواية عمرو بن دينار، عن ابن شهاب عند البخاريّ في ((التفسير)): كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، فكانت خالصةٌ، وكان يُنفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يَجعل ما بقي في السلاح، والكراع، عُدّةً في سبيل اللَّه)). وفي رواية سفيان، عن معمر، عن الزهريّ عنده في ((النفقات)): ((كان النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم يبيع نخل بني النضير، ويَحبس لأهله قوت سنتهم)). أي ثمر النخل. وفي رواية أبي داود من طريق أسامة بن زيد، عن ابن شهاب: ((كانت لرسول الله صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ثلاث صَفَايَا: بنو النضير، وخيبر، وفَدَك، فأما بنو النضير، فكانت حَبْسًا لنوائبه، وأما فَدَك، فكانت حبسًا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزّأها بين المسلمين، ثم قسم جزءًا لنفقة أهله، وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين)). قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولا تعارض بينهما؛ لاحتمال أن يقسم في فقراء المهاجرين، وفي مشترى السلاح والكراع، وذلك مفسّرٌ لرواية معمر عند مسلم: ((ويجعل ما بقي منه مَجْعل مال الله)). وزاد أبو داود في رواية أبي البختريّ: ((وكان يُنفق على أهله، ويتصدّق بفضله))، وهذا لا يعارض حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ((أنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم توفّي، ودرعه مرهونة على شعير))؛ لأنه يُجمع بينهما بأنه كان يدّخر لأهله قوت سنتهم، ثم في طول السنة يحتاج لمن يطرُقه إلى إخراج شيء منه، فيُخرجه، فيحتاج إلى أن يعوّض من يأخذ منها عوضه، فلذلك استدان. انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى(١). وهو كلام نفيسٌ. (وَجَعَلَ سَائِرَهُ) أي ما بقي منه (سَبِيلَهُ) بالنصب بدل مما قبله، أي طريقه (سَبِيلَ الْمَالِ) بالنصب أيضًا على أنه مفعولٌ ثان ل((جعل))، يعني أنه يجعل ما فضل عن قوت أهله كسائر مال الصدقة، يصرفه في مصالح المسلمين، وهو بمعنى رواية مسلم (١) ((فتح)) ٣٢٧/٦-٣٢٨. ((كتاب فرض الخمس)). ١٨٩ ٣٧- (كِتَابُ قَسْم الفَيْءِ) - حديث ٤١٥٠ المذكورة: ((ويجعل ما بقي منه مَجْعَلَ مال اللَّه)) (ثُمَّ وَلِيَهَا) تقدّم ضبطه (أَبُو بَكْرٍ) الصديق رضي اللَّه تعالى عنه (بَعْدَهُ) أي فعمل بما عمل به النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم، ففيه اختصارٌ، ففي رواية البخاريّ المذكورة: «ثم توفّی الله نبيه صلّى الله تعالی علیه وسلم، فقال أبو بكر: أنا وليّ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، فقبضها أبو بكر، فعمِل فيها بما عمل رسول الله صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم)) (ثُمَّ وَلِيتُهَا) تقدّم ضبطه (بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (فَصَنَعْتَ فِيهَا الَّذِي كَانَ يَصْنَعُ) أي يفعله أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه (ثُمَّ أَتَيَانِيٍ) أي عبّاس، وعليّ رضي اللَّه تعالى عنهما (فَسَأَلَانِي أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَلِيَاهَا، بِالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ ليز) أي على أن يعملا بمثل الذي عمل به رسول الله صلّى الله تعالی علیه وسلم (وَالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ أَبُو بَكْرٍ) أي ويلياها بمثل ولايته، ويعملا بمثل عمله (وَالَّذِي وُلِيتُهَا بِهِ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا، وَأَخَذْتُ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَهُمَا) أي أيمانهما (ثُمَّ أَتَانِي يَقُولُ هَذَا) أي العباس رضي اللَّه تعالى عنه (اقْسِمْ لِي بِنَصِيبِي مِنْ ابْنِ أَخِي) يريد النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (وَيَقُولُ هَذَا) أي عليّ رضي اللَّه تعالى عنه (اقْسِمْ لِي بِتَصِبِي مِنْ امْرَأَتِي) أي فاطمة رضي اللَّه تعالى عنها. وفي رواية مسلم: ((فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((لا نورث، ما تركنا صدقة))، فرأيتماه كاذبًا آئمًا، غادرًا، خائنًا)) . قال في ((الفتح)): وكأن الزهريّ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةٌ، فَيُصَرِّحُ، وَتَارَةً فَيُّكَنِّي، وَكَذَلِكَ مَالِك، وَقَدْ حُذِفَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْن عُمَر عَنْهُ، عِنْدَ الإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِ الْعَبَّاسِ لِعَلِيِّ. قال في ((الفتح)): وَهَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ عَنْ أَبِي بَكْر، حُذِفَتْ مِنْ رِوَايَةٍ إِسْحَاق الْفَرْوِيّ شَيْخِ الْبُخَارِيّ، وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْن عُمَر عَنْهُ، عِنْدَ أَضْحَابِ (السُّنَّنِ))، وَالإِسْمَاعِيلِيّ، وَعَمْرو بْن مَرْزُوق، وَسَعِيد بْنِ دَاوُد، كِلاهُمَا عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، عَنْ مَالِكِ، عَلَى مَا قَالَ جُوَيْرِيَّة، عَنْ مَالِكِ، وَاجْتِمَاعُ هَؤُلَاءِ عَنْ مَالِكِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ حَفِظُوهُ، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَحْذُوْفُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاق ثَبَتَ مِنْ رِوَايَتِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْحَدِيثِ، لَكِنْ جَعَلَ الْقِصَّةَ فِيهِ لِعُمَّرَ، حَيْثُ قَالَ: ((جِئْتَنِي يَا عَبَّاس، تَسْأَلُنِي نَصِيبك مِنْ ابْنِ أَخِيك))، وَفِيهِ: ((فَقُلْت لَكُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: (لَا نُورَثُ))، فَاشْتَمَلَ هَذَا الْفَصْلُ عَلَى مُخَالَفَةِ إِسْحَاقِ لِيَقِيَّةِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكِ، فِي كَوْنِهِمْ جَعَلُوا الْقِصَّةَ عِنْد أَبِي بَكْر، وَجَعَلُوا الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْر، مِنْ رِوَايَةٍ عُمَر عَنْهُ، وَإِسْحَاق الْفَرْوِيّ جعلَ الْقِصَّةَ عِنْدَ عُمَّرَ، وَجَعَلَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مِنْ رِوَايَتِهِ، عَنْ النَّبِيِّ بَّهِ، بِغَيْرِ ١٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْم الْفَيْءِ وَاسِطَةٍ أَبِي بَكْر، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ ابْنِ شِهَاب نَظِير مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ إِسْحَاقِ الْفَرْوِيّ سَوَاءٌ. وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عِنْدَ عُمَر بْنِ شَبَّة، وَأَمَّا رِوَايَة عُقَيل عند البخاريّ فِي ((الْفَرَائِضِ))، فَاقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ عِنْدَ عُمَرَ، بِغَيْرِ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَرِفُوعِ أَضْلًا. قال الحافظ: وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لِسِيَاق إِسْحَاقِ الْفَرْوِيّ أَضْلا، فَلَعَلَّ الْقِصَّتَيْنِ مَحْفُوظَتَانٍ، وَاقْتَصَرَ بَعْض الرُّوَاةِ عَلَى مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْ الشُّرَّاحِ لِبَيّانِ ذَلِكَ. وَفِي ذَلِكَ إِشْكَال شَدِيد، وَهُوَ أَنَّ أَضْلَ الْقِصَّةِ صَرِيحٍ فِي أَنَّ الْعَبَّاسِ وَعَلِيًّا، قَدْ عَلِمَا بِأَنَّهُ نَِّ، قَالَ: (لَا نُورَثُ))، فَإِنْ كَانَا سَمِعَاهُ مِنْ النَّبِّ ◌ََّ، فَكَيْفَ يَطْلُبَانِهِ مِنْ أَبِي بَكْر؟ وَإِنْ كَانَا إِنَّمَا سَمِعَاهُ مِنْ أَبِي بَكْر، أَوْ فِي زَمَنِهِ، بِحَيْثُ أَفَادَ عِنْدَهُمَا الْعِلْم بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَطْلُبَانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ عُمَّر؟. والجواب وَاللَّه أَعْلَمُ حَمْلُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلا مِنْ عَلِيّ، وَالْعَبَّاس، ومثلهما فاطمة رضي اللَّه تعالى عنهم اغتَقَدُوا أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ: ((لَا نُورَثُ))، مَخْصُوص بِبَعْضِ مَا يَخْلُفُهُ دُونَ بَعْض، وَلِذَلِكَ نَسَبَ عُمَر إِلَى عَلِيّ وَعَبَّاس رضي اللَّه تعالى عنهما أَنُهُمَاَ كَانًا يَعْتَقِدَانِ ظُلْم مَنْ خَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا مُخَاصَمَةُ عَلِيَ وَعَبَّاسِ بَعْدَ ذَلِكَ ثَانِيًا، عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ إِسْمَاعِيلِ الْقَاضِي - فِيمًا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِهِ -: لَمْ يَكُنْ فِي الْمِيرَاثِ، إِنَّمَا تَنَازَعَا فِي وِلَاِيَةِ الصَّدَقَةِ، وَفِي صَرْفِهَا كَيْفَ تُصْرَفُ؟ كَذَا قَالَ، لَكِنّ رِوَايَة النسائيّ هنا، تدُلُّ عَلَى أَنَّهمَا أَرَادَا أَنْ يُقْسِّمَ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ، حيث قال عمر رضي الله تعالى عنه: (( ثُمَّ أتيانِيٍ، يقول هذا: اقسم لي بِنَصِيبِي مِنْ ابْنِ أَخِي، وَيَقُولُ هَذَا: اقسم لي بنَصِيِي مِنْ امْرَأْتِي)). وَفِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُد))، وَغَيْرِهِ: ((أَرَادَا أَنَّ عُمَرَ يُقْسِّمُهَا لِيَنْفَرِدِ كُلّ مِنْهُمَا بِنَظَرِ مَا يَتَوَلَاهُ، فَامْتَنَعَ عُمَر مِنْ ذَلِكَ، وَأَرَادَ أَنْ لا يَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ قَسْمَ، وَلِذَلِكَ أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ))، وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ أَكْثَرِ الشُّرَّاحِ، وَاسْتَخْسَنُوهُ. قال الحافظ: وَفِيهِ مِنْ النَّظَرِ مَا تَقَدَّمُّ، وَأَعْجَب مِنْ ذَلِكَ جَزْم ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ثُمَّ الشّيْخِ مُحِبِي الدِّينِ، بِأَنَّ عَلِيًّا وَعَبَّاسًا، لَمْ يَطْلُبًا مِنْ عُمَرَ إِلَّا ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ السِّيَّاقَ صَرِيحٍ فِي أَنَّمَا جَاءَاهُ مَرَّتَيْنٍ، فِي طَلَبٍ شَيْءٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّ الْعُذْرَ لابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَالنَّوَوِيّ أَنََّمَا شَرَحًا اللَّفْظَ الْوَارِدَ فِي مُسْلِم، دُونَّ اللَّفْظِ الْوَارِدِ فِي الْبُخَارِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُ عَمَرَ: ((جِئْتَنِي يَا عُبَّاس، تَسْأَلُنِي نَصِيبك مِنْ ابْنِ أَخِيك))، فَإِنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ لِبَيَان قِسْمَة الْمِيرَاثِ، كَيْفَ يُقْسَمُ؟ أَنْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مِيرَاث، لَا أَنَّهُ أَرَادَ الْغَضَّ مِنْهُمَا بَهِذَا الْكَلَامِ. ١٩١= ٣٧- (كِتَبُ قَسْمِ الفَيْءٍ) - حديث ٤١٥٠ وزاد عِنْدَ عُمَر بْن شَبَّة فِي آخِرِهِ: ((فَأَصْلِحَا أَمْرَكُمَا، وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ وَاللَّهِ إِلَيْكُمًا، فَقَامَا، وَتَرَكَا الْخُصُومَةِ، وَأَمْضِيَتْ صَدَقَةٍ)). وَزَادِ شُعَيْب فِي آخِرِهِ: ((قَالَ ابْنِ شِهَاب: فَحَدَّثْت بِهِ عُرْوَةٍ، فَقَالَ: صَدَقَ مَالِك بْن أَوْس، أَنَا سَمِعْت عَائِشَةَ تَقُولُ، فَذَكَّرَ حَدِيثًا، قَالَ: ((وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَة بِيَدِ عَلِيّ، مَنَعَهَا عَبَّاسًا، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ كَانَتْ بِيَدِ الْحَسَنِ، ثُمَّ بِيَدِ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ بِيَدٍ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْن، وَالْحَسَن بْن الْحَسَنِ، ثُمَّ بِيَدِ زَيْد بْن الْحَسَنِ، وَهِيَ صَدَقَة رَسُول اللَّهِ وَلِّ حَقًّا)) . وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: قَالَ مَعْمَر: ثُمَّ كَانَتْ بِيَد عَبْد اللَّه بْن حَسَن، حَتَّى وَلِيَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي بَنِي الْعَبَّاسِ فَقَبَضُوهَا. وَزَادَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: أَنَّ إِعْرَاضَ الْعَبَّاسِ عَنْهَا، كَانَ فِي خِلَافَةٍ عُثْمَانِ، قَالَ عُمَر بْنِ شَبَّة: سَمِعْت أَبَا غَسَّان -هُوَ مُحَمَّد بْنِ يَحْيَى الْمَدَنِيُّ - يَقُولُ: إِنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ الْيَوْمَ بِيِّدِ الْخَلِيفَةِ، يَكْتُبُ فِي عَهْدِهِ، يُوَلِّي عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِهِ مَنْ يَقْبِضُهَا، وَيُفَرْقُهَا فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ . قال الحافظ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ، ثُمَّ تَغَيِّرَتْ الْأُمُورُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. انتهى (١). (وَإِنْ شَاءًا أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَلِيَّاهَا، بِالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَالَّذِي وُلَّيْتُهَا بِهِ، دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا، وَإِنْ أَبَيًا) أي امتنعا من أخذها على الوجه المذكور (كُفِيَا ذَلِكَ) ببناء الفعل للمفعول، أي يردّانها إلی من یکفیھما ذلك، وهو وليّ الأمر، وهو عمر رضي الله تعالى عنه. (ثُمَّ قَالَ) عمر رضي اللَّه تعالى عنه في هذه الآية الكريمة (﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، هَذَا) إشارة إلى ما غنموه (لِهَؤُلَاءِ) يعني أن الغنيمة لهؤلاء الذين ذكروا في هذه الآية الكريمة، لا يجوز لأحد ممن ليس منهم أن يُنازعهم فيها ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلِّقَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١] هَذِهِ) أي الصدقة (لِهَؤُلَاءِ) أي مستحَقّة للمذكورين في هذه الآية الكريمة، لا تجوز لغيرهم (﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَقْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَا رِكَابٍ﴾، قَالَ الزُّهْرِيُّ) وهذا أيضا مما لم يروه أيوب عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس، وإنما رواه عن الزهريّ، كما تقدّم في رواية أبي داود. (١) ((فتح)) ٣٢٨/٦-٣٢٩. ((كتاب فرض الخمس)). ١٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ (هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّه ◌َلټ خاصَّةً) منصوب على الحال، أي حال كونها مخصوصة به، لا يشاركه في استحقاقها غيره. وقوله (قُرَى عَرَبِيَّةً) يحتمل النصب على الحال، والرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هي قرى. وقوله: ((عربيّة)) هكذا عند المصنّف في (المجتبى))، و((الكبرى))، وهي نسبة إلى العرب. ووقع في هامش ((الهنديّة)) الإشارة إلى أن في بعض النسخ: ((قرى عُرينة)) بصيغة التصغير، وهو الذي في ((سنن أبي داود))، ولعل قبيلة عُرينة تسكنها. وفي ((عون المعبود)): و(عُرينة)) بالنون بعد الياء التحتانيّة، تصغير عرنة: موضع به قُرّى، كأنه بنواحي الشام. كذا في ((مراصد الاطلاع))(١). وقوله (فَدَكُ) خبر لمحذوف: أي هي فَدَكٌ بفتحتين، بلدة بينها وبين المدينة يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة. قاله الفيّوميّ. وفي رواية أبي داود المذكورة: ((قُرَى عُرينة، فدك، وكذا وكذا)). وقوله (كَذَا وَكَذَا) وفي ((الكبرى)) بالواو في الموضعين، وهو إشارة إلى القرى الأخرى، كخيبر، وبني النضير، وقال ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿َّا أَقَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧]: هي قُريظة، والنضير، وهما بالمدينة، وفَدَك، وهي على ثلاثة أميال من المدينة، وخيبر،، وقُرى عُينة، وينبع(٢). (فَ﴿َمَّ أَفَ اَللَّهُ﴾) هكذا في ((المجتبى)) بالفاء، وفي ((الكبرى)) بدونها، وهو الذي في أبي داود أيضًا، وهو الموافق للتلاوة (﴿عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، وَ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِنَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]) أي فلهم الحقّ في الفيء (﴿وَلَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] أي فلهم الحقّ فيه أيضًا (﴿وَالَّذِينَ جَآَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾) أي فلهم الحقّ فيه أيضًا (فَاسْتَوْعَبَتِ هَذِهِ الْآيَةُ) يعني الآية الأخيرة، أي مع ما تقدّمها من الآيات، أو المراد بالآية الآيات الأربع كلّها، وإنما أفردها، باعتبار جنس الآية. والله أعلم (النَّاسَ) أي جميع المسلمين (فَلَمْ يَيْقَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ، أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ) ولفظ أبي داود: ((قال أيوب))، فتبيّن أن الشكّ من أيوب السختياني الراوي عن الزهري (حَظّ) مكان قوله: ((حقّ)) (إِلَّا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ) بنصب ((بعض)) على الاستثناء، و((الأرقّاء)) بفتح الهمزة جميع رقيق، أي إلا بعض عبيدكم، فإنه لا حقّ لهم في هذا الفيء، لأنهم تحت سيّدهم، وفي ملكم. ثم إن تقييده ببعض، يقتضي أن بعضهم له حقّ، قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: (١) ((عون المعبود)) ١٨٨/٨. (٢) راجع تفسير القرطبيّ ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٢/١٨. ١٩٣ ٣٧- (كِتَبُ قَسْم الفَيْءِ) - حديث ٤١٥٠ قيل: أراد عمر رضي الله تعالى عنه عَبيدًا مخصوصين، وذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يُعطي ثلاثة مماليك لبني غفار، شهدوا بدرًا، لكلّ واحد منهم في كلّ سنة ثلاثة آلاف درهم، فأراد بهذا الاستثناء هؤلاء الثلاثة. وقيل: أراد جميع المماليك، وإنما استثنى من جملة المسلمين بعضًا من كلّ، فكان ذلك منصرفًا إلى جنس المماليك، وقد يوضع البعض موضع الكلّ، حتّى قيل: إنه من الأضداد. انتهى(١). (وَلَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَيَأْتِيَنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقُّهُ، أَوْ قَالَ: حَظّهُ) يعني أن كلّ مسلم يصل إليه حقّه بدون تعب. وفي رواية ابن جرير المتقدّمة: ((ثم قال: لئن عشتُ ليأتينّ الراعي، وهو بِسَرْوٍ حِمْيَر (٢) نصيبه، لم يَعْرَق فيها جبينه)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤١٥٠/١- وفي ((الكبرى)) ٤٤٥٠/٢. وأخرجه (خ) في ((الجهاد)» ٢٩٠٤ و((فرض الخمس)) ٣٠٩٤ و((المغازي)) ٤٠٣٤ و((التفسير)) ٤٨٨٥ و((النفقات)) ٥٣٥٧ و٥٣٥٨ و((الفرائض)) ٦٧٢٨ و((الاعتصام بالكتاب والسنة)) ٧٣٠٥ (م) في (الجهاد)) ١٧٥٧ (د) في ((الخراج)) ٢٩٦٣ و٢٩٦٥ و٢٩٦٦ و٢٩٧٥ (ت) في ((الجهاد)) ١٧١٩ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): الشَّفَاعَة عِنْدَ الحاكم فِي إِنْفَاذ حُكْم، وَتَبْبِينِ الْحَاكِم وَجْه حُكْمِهِ. (ومنها): أن فِيهِ إِقَامَةُ الْإِمَامِ مَنْ يَنْظُرُ عَلَى الْوَقْفِ نِيَابَة عَنْهُ، وَالتَّشْرِيكَ بَيْنَ الإِثْنَيْنِ فِي ذَلِكَ. (ومِنْها): أنه يُؤْخَذُ منه جَوَاز أَكْثَرَ مِن الاثنين بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ. (وَمنها): أن نِهِ جَوَاز الادْخَار، خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ أَنْكَرَهُ، مِنْ مُتَشَدْدِي الْمُتَزَّهْدِينَ، وَأَنَّ ذَلِكَ لا يُنَافِي التَّوَكُلَ. (وَمنها): جَوَازُ التَّاذِ الْعَقَارِ، وَاسْتِغْلَال مَنْفَعَته، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَاز اتَْاذِ غَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا النَّمَاءُ، وَالْمَنْفَعَةُ، مِنْ زِرَاعَةٍ، وَتِجَارَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. (ومنها): أَنَّ الإمَامَ إِذَا قَامَ عِنْدَهُ الدَّلِيلُ صَارَ إِلَيْهِ، وَقَضَى بِمُقْتَضَاهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِهِ. (١) ((النهاية)) ٢٥٢/٢. (٢) سَرْوُ حمير: منازل حمير بأرض اليمن. والسرو من الجبل: ما ارتفع عن مجرى السيل، وانحدر عن غلظ الجبل. ١٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْم الْفَيْءِ (ومنها): أَنْه يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ حُكْم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ وَلَِّ كَانَ لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ الْفَيْءٍ، وَلَا خُمُسَ الْغَنِيمَةِ، إِلا قَدْر حَاجَتِهِ، وَحَاجَة مَنْ يَمُونُهُ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، كَانَ لَهُ فِيهِ التَّصَرُّفِ بِالْقَسْمِ، وَالْعَطِيَّةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لِنَبِّهِ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم مِلْكَ رَقَبَةَ مَا غَنِمَهُ، وَإِنَّمَا مَلَّكَهُ مَنَافِعه، وَجَعَلَ لَهُ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْقَائِم بِالأَمْرِ بَعْدَهُ. وَقَالَ ابْنِ الْبَاقِلَّانِيّ فِي الرَّدْ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيِّ نَّهُ يُورَثُ: اخْتَجُوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، قَالَ: أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ الْعُمُومَ، فَلا اسْتِغْرَاقَ عِنْدَهُ لِكُلِّ مَنْ مَاتَ أَنَّهُ يُورَثُ، وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَهُ، فَلا يُسَلِّمُ دُخُولَ النَّبِّ وَّر فِي ذَلِكَ، وَلَوْ سَلَّمَ دُخُولَهُ لَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ، لِصِحَّةِ الْخَبَرِ، وَخَبَرُ الْآحَادِ يُخَصِّصُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْسَخُ، فَكَيْفَ بِالْخَبَرِ إِذَا جَاءَ مِثْلَ مَجِيءٍ هَذَا الْخَبَرِ، وَهُوَ: ((لا نُورَثُ)). ذكره (١) في ((الفتح))(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول الباقلاني: ((وإن كان لا يَنْسَخ))، فيه أن الحقّ جواز نسخ الكتاب بخبر الآحاد، وانظر ما كتبته على ((الكوكب الساطع)) ص٢٣٢-٢٣٣ . في الأصول. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اخْتَلافَ أهل العلم فِي مَصْرِف الْفَيْء: ذهب مَالِك رحمه الله تعالى إلى أن الْفَيْء وَالْخُمُسِ سَوَاءٌ، يُجْعَلانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَيُعْطِي الإِمَامُ أَقَارِبَ النَّبِيّ ◌َِّهِ بِحَسَبِ اجْتِهَادِه. وذهب الْجُمْهُور إلى الفرق بَيْنَ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَبَيْنَ الْفَيْءٍ، فَقَالُوا: الْخُمُسُ مَوْضُوعٍ فِيمَا عَيَّنَهُ اللَّه فِيهِ، مِنْ الْأَصْنَافِ الْمُسَمَّيْنَ فِي آيَّةِ الْخُمُسِ، مِنْ ((سُورَةِ الْأَنْفَالِ))، لا يُتَعَدَّى بِهِ إِلَى غَيْرِهِمْ. وَأَمَّا الْفَيْءُ، فَهُوَ الَّذِي يَرْجِعُ النَّظَرُ فِي مَصْرِفِهِ إِلَى رَأْيِ الإمَامِ، بِحَسَبِ الْمَصْلَحَة. وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيّ -كَمَا قَالَ ابْنِ الْمُنْذِر وَغَيْرُهُ- بِأَنَّ الْفَيْءَ يُخَمَّسُ، وَأَنَّ أَزْبَعَة أَخْمَاسه لِلنَّبِّ وَّهِ، وَلَهُ خُمُسُ الْخُمُسِ، كَمَا فِي الْغَنِيمَةِ، وَأَرْبَعَة أَخْمَاسِ الْخُمُسِ لِمُسْتَحِقْ نَظِيرِهَا مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَقَالَ الْجُمْهُور: مَصْرِف الْفَيْءِ كُلّه إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّه وَاحْتَجُوا بِقَوْلٍ عُمَرَ: ((فَكَانَتْ هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ خَاصَّة))، وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيّ قَوْل عُمَرَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّهُ يُرِيدُ الأَخْمَاسِ الأَرْبَعَة. قاله في ((الفتح)) (٢). (١) (فتح)) ٣٣٠/٦. ((كتاب فرض الخمس)). (٢) ((فتح)) ٣٣٠/٦. ٣٧- (كِتَبُ قَسْم الفَيْءٍ) - حديث ٤١٥٠ ١٩٥ === وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ((الهدي)): وقد اختلف الفقهاء في الفيء، هل كان ملكًا لرسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، يتصرّف فيه كيف يشاء، أو لم يكن ملكًا له؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. والذي تدلّ عليه سننه، وهديه أنه كان يتصرّف فيه بالأمر، فيضعه حيث أمره الله، ويَقسمه على من أَمر بقسمته عليهم، فلم يكن يتصرّف فيه تصرّف المالك بشهوته، وإرادته، يُعطي من أحبّ، ويمنع من أحبّ، وإنما كان يتصرّف فيه تصرّف العبد المأمور، يُنفّذ ما أمره به سيّده ومولاه، فيُعطي من أمر بإعطائه، ويمنع من أمر بمنعه، وقد صَرَّحَ رسول اللّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بهذا، فقال: ((والله إني لا أعطي أحدًا، ولا أمنعه، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت))، فكان عطاؤه ومنعه وقسمه بمجرّد الأمر، فإن الله سبحانه خيّره بين أن يكون عبدًا رسولًا، وبين أن يكون مَلِكًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا. والفرق بينهما أن العبد الرسول لا يتصرّف إلا بأمر سيّده ومُرسله، والملِك الرسول له أن يُعطي من يشاء، ويَمنع من يشاء، كما قال تعالى للملك الرسول سليمانة السَّلام: ﴿َهَذَا عَطَآؤُنَا فَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩]. أي أعط من شئت، وامنع من شئت، لا نُحاسبك، وهذه المرتبة التي عُرِضت على نبيّنا صلّى الله تعالى عليه وسلم، فرغِب عنها إلى ما هو أعلى منها، وهي مرتبة العبوديّة المحضة التي تصرّف صاحبها فيها مقصورٌ على أمر السيّد في كلّ دقيق وجليل. والمقصود أن تصرّفه في الفيء بهذه المثابة، فهو ملك يُخالف حكم غيره من المالكين، ولهذا كان يُنفق مما أفاء الله عليه، مما لم يوجِف المسلمون عليه بخيل، ولا ركاب على نفسه، وأهله نفقة سنتهم، ويجعل الباقي في الكُرَاعِ والسلاح، عُدّةً في سبيل الله عزّ وجلّ، وهذا النوع من الأموال هو السهم الذي وقع فيه بعده فيه من النزاع ما وقع إلى اليوم. فأما الزكوات، والغنائم، وقسمة المواريث، فإنها مُعيَّنَةٌ لأهلها، لا يَشرَكهم غيرهم فيها، فلم يُشكل على ولاة الأمر بعده من أمرها ما أشكل عليهم من الفيء، ولم يقع فيها من النزاع ما وقع فيه، ولولا إشكال أمره عليهم، لما طَلَبت فاطمة بنت رسول اللَّه صلّى الله تعالى عليه وسلم ميراثها من تركته، وظنّت أنه يورث عنه ما كان ملكًا له كسائر المالكين، وخفي عليها رضي اللّه تعالى عنها حقيقة الملك الذي ليس مما يورث عنه، بل هو صدقةٌ بعده، ولَمّا عَلِم ذلك خليفته الراشد البارّ الصّدّيق، ومن بعده من الخلفاء الراشدين، لم يجعلوا ما خلفه من الفيء ميراثًا يُقسم بين ورثته، بل دفعوه إلى عليّ والعبّاس، يعملان فيه عملَ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، حتى تنازعا ١٩٦ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْم الْفَيْءِ فيه، وترافعا إلى أبي بكر الصّدّيق وعمر رضي اللَّه تعالى عنهم، ولم يَقسِم أحدٌ منهما ذلك ميراثًا، ولا مكّنا منه عبّاسًا وعليّا، وقد قال الله تعالى: ﴿َّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى قوله: ﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٧-١٠]، فأخبر سبحانه أن ما أفاء الله على رسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بجملته لمن ذُكر في هذه الآيات، ولم يخصّ منه خمسه بالمذكورين، بل عمّم، وأطلق، واستوعب، ويُصرف على المصارف الخاصّة، وهم أهل الخمس، ثم على المصارف العامّة، وهم المهاجرون والأنصار، وأتباعهم إلى يوم الدين، فالذي عمل به هو، وخلفاؤه الراشدون هو المراد من هذه الآيات، ولذلك قال عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه فيما رواه أحمد رحمه الله تعالى وغيره عنه: ((ما أحد أحقّ بهذا المال من أحد، وما أنا أحقّ به من أحد، والله ما من المسلمين أحدٌ إلا وله في هذا المال نصيبٌ، إلا عبد مملوك، ولكنّا على منازلنا من كتاب اللَّه، وقسمنا من رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقِدَمه في الإسلام، والرجل وغَنّاؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، ووالله لئن بقيتُ لهم ليأتينّ الراعي بجبل صنعاء حظّه من هذا المال، وهو یرعی مکانه))(١). فهؤلاء المسمّون في آية الفيء هم المسمّون في آية الخمس؛ لأنهم المستحقّون لجملة الفيء، وأهل الخمس لهم استحقاقان: استحقاقْ خاصّ من الخمس، واستحقاق عامّ من جملة الفيء، فإنهم داخلون في النصيبين. وكما أن قسمته من جملة الفيء بين من جعل له ليس قسمةً الأملاك التي يشترك فيما المالكون، كقسمة المواريث، والوصايا، والأملاك المطلقة، بل بحسب الحاجة، والنفع، والغناء في الإسلام، والبلاء فيه، فكذلك قسمة الخمس في أهله، فإن مخرجهما واحد في كتاب اللَّه، والتنصيص على الأصناف الخمسة يُفيد تحقيق إدخالهم، وأنهم لا يخرجون من الفيء بحال، وأن الخمس لا يعدوهم إلى غيرهم، كأصناف الزكاة لا تعدوهم إلى غيرهم، كما أن الفيء العامّ في آية الحشر للمذكورين فيها، لا يتعدّاهم إلى غيرهم، ولهذا أفتى أئمة الإسلام، كمالك، وأحمد، وغيرهما أن الرافضة لا حقّ لهم في الفيء؛ لأنهم ليسوا من المهاجرين، ولا من الأنصار، ولا من الذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ربّنا اغفر لنا، ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وهذا مذهب أهل المدينة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة، وعليه يدلّ القرآن، وفِعلُ رسول الله صلی الله تعالی علیه وسلم، وخلفائه الراشدین. (١) رواه أحمد في ((المسند» - ٢٩٢- وفي سنده محمد بن ميسْر، وهو ضعيف. لكن أخرجه ابن جریر في تفسيره بسند صحيح، مختصرًا، وقد تقدّم. ١٩٧ ٣٧- (كِتَابُ قَسْمُ الفَيْءِ) - حديث ٤١٥٠ وقد اختلف الناس في آية الزكاة، وآية الخمس، فقال الشافعيّ: تجب قسمة الزكاة والخمس على الأصناف كلّها، ويُعطي من كلّ صنف من يُطلق عليه اسم الجمع. وقال مالك، وأهل المدينة: بل يُعطي في الأصناف المذكورة فيهما، ولا يعدوهم إلى غيرهم، ولا تجب قسمة الزكاة، ولا الفيء في جميعهم. وقال أحمد، وأبو حنيفة بقول مالك رحمهم الله تعالى في آية الزكاة، وبقول الشافعيّ رحمه الله تعالى في آية الخمس. ومن تأمّل النصوص، وعَمَلَ رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وخلفائه، وجده يدلّ على قول أهل المدينة، فإن الله سبحانه وتعالى، جعل أهل الخمس هم أهل الفيء، وعيّنهم اهتمامًا بشأنهم، وتقديمًا لهم، ولَمّا كانت الغنائم خاصّةً بأهلها، لا يشركهم فيها سواهم، نصّ على خمسها لأهل الخمس، ولما كان الفيء لا يختصّ بأحد، دون أحد، جعل جملته لهم، وللمهاجرين والأنصار، وتابعيهم، فسوّى بين الخمس، وبين الفيء في المصرف، وكان رسول الله صلَّى اللّه تعالى عليه وسلم يَصرِف سهم اللّه، وسهمه في مصالح الإسلام، وأربعة أخماس الخمس في أهلها، مقدّمًا الأهمّ، فالأهمّ، والأحوج، فالأحوج، فيُزوّج منه عزابهم، ويقضي منه دیونهم، ويُعين ذا الحاجة منهم، ويُعطي عزبهم حظًا، ومتزوّجهم حظّين، ولم يكن هو، ولا أحدٌ من خلفائه يجمعون اليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل، وذوي القربى، ويقسمون أربعة أخماس الفيء بينهم على السويّة، ولا على التفضيل، كما لم يكونوا يفعلون ذلك في الزكاة، فهذا هديه، وسيرته صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهو فصل الخطاب، ومحض الصواب. انتهى كلام ابن القيم رحمه اللّه تعالى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن القيم رحمه اللّه تعالى تحقيقٌ حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: لم يختلف العلماء أن قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ الآية ليس على عمومه، وأنه يدخله التخصيص، فمما خصّصوه بإجماع أن قالوا: سلب المقتول لقاتله، إذا نادى به الإمام، وكذلك الأسارى، الخيرة فيهم إلى الإمام بلا خلاف. ومما خُصّ منه أيضًا الأرض، والمعنى: ما غنمتم من ذهب وفضّة، وسائر الأمتعة، والسبي. وأما الأرض فغير داخلة في عموم هذه الآية؛ لما روى أبو داود عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه أنه (١) (زاد المعاد في هدي خير العباد)) ٨٣/٥-٨٧ . ١٩٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْم الْفَيْءِ قال: لولا آخر الناس ما فتحت قريةً إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم خيبر. ومما يُصحّح هذا المذهب ما رواه مسلم في (صحيحه)) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، قال: ((مَنَعَت العراق قفيزها، ودرهمها، ومَنَعت الشام مُدّها، ودينارها)) الحديث. قال الطحاويّ: ((منعت)) بمعنى ستمنع، فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين؛ لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفیزٌ، ولا درهم، ولو كانت الأرض تُقسم ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء، والله تعالى يقول: ﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] بالعطف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ اَلْمُهَجِينَ﴾ [الحشر: ٨]. قال: وإنما يُقسم ما يُنقل من موضع إلى موضع. وقال الشافعيّ: كلّ ما حصل من الغنائم من أهل الحرب من شيء، قلّ، أو كثر من دار، أو أرض، أو متاع، أو غير ذلك، قُسم، إلا الرجال البالغين، فإن الإمام فيهم مخيّرٌ أن يُمُنّ، أو يقتُل، أو يسبي، وسبيل ما أخذ منهم، وسُبي سبيل الغنيمة، واحتجّ بعموم الآية، قال: والأرض مغنومة، لا مَحالةَ، فوجب أن تُقسم كسائر الغنائم، وقد قسم رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم ما افتتح عَنْوةً من خيبر. قالوا: ولو جاز أن يُدْعى الخصوص في الأرض جاز أن يُدّعى في غير الأرض، فيبطل حكم الآية. وأما آية الحشر، فلا حجة فيها؛ لأن ذلك إنما هو في الفيء، لا في الغنيمة، وقوله: ﴿وَأَلَِّينَ جَآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] استئناف كلام بالدعاء لمن سبقهم بالإيمان، لا لغير ذلك. قالوا: وليس يخلو فعل عمر في توقيفه الأرض من أحد وجهين: إما أن تكون غنيمة استطاب أنفس أهلها، وطابت بذلك، فوقفها، وكذلك روى جرير أن عمر استطاب أنفس أهلها. وكذلك صنع رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم في سبي هَوَازن لَمّا أتوه استطاب أنفس أصحابه عما كان في أيديهم. وإما أن يكون ما وقفه عمر فيئًا، فلم يحتج إلى مُراضاة أحد. وذهب الكوفيّون إلى تخيير الإمام في قسمها، أو إقرارها، وتوظيف الخراج عليها، وتصير ملكًا لهم کأرض الصلح. قال أبو العبّاس القرطبيّ: وكأنّ هذا جمع بين الدلیلین، ووسطً بين المذهبين، وهو الذي فهمه عمر رضي الله تعالى عنه قطعًا، ولذلك قال: ((لولا آخر الناس))، فلم يُخبر بنسخ فعل النبيّ صلّى الله تعالی علیه وسلم، ولا بتخصيصه بهم، غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر، فإنه إنما وقفها على مصالح المسلمين، ولم يملكها لأهل الصلح، وهم قالوا: للإمام أن يملّكها لأهل الصلح. انتهى(١). (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٤/٨-٥. ((تفسير سورة الأنفال)). = ١٩٩ ٣٧- (كِتَبُ قَسْمِ الفَيْءِ) - حديث ٤١٥٠ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح هو القول بأن الرأي للإمام في قسم الأراضي، أو توقيفها، كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في كيفيّة قسم الخمس: اختلفوا في ذلك على ستّة أقوال: [الأول]: ذهبت طائفة إلى أنه يقسم الخمس على ستّة، فيُجعل سدسه للكعبة، وهو الذي لله سبحانه. والثاني: لرسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم. والثالث: لذوي القربى. والرابع: لليتامى. والخامس: للمساكين. والسادس: لابن السبيل. وقال بعض أصحاب هذا القول: يردّ السهم الذي للَّه على ذوي الحاجة. [القول الثاني]: قال أبو العالية، والربيع: تقسم الغنيمة على خمسة، فيُعزل منها سهم واحد، وتقسم الأربعة على الناس، ثم يضرب الإمام بيده على السهم الذي عزله، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، ثم يقسم بقيّة السهم الذي عزله على خمسة: سهم للنبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. [القول الثالث]: قال المنهال بن عمرو: سألت عبد الله بن محمد بن عليّ، وعليّ بن الحسين، عن الخمس؟ فقالا: هو لنا، قلت لعليّ: إن الله تعالى يقول: ﴿وَالْيَتَكَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] فقالا: أيتامنا، ومساكيننا. [القول الرابع]: قال الشافعيّ: يقسم على خمسة، ورأى أن سهم اللَّه ورسوله واحدٌ، وأنه يُصرف في مصالح المسلمين، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية. [الخامس]: قال أبو حنيفة: يقسم على ثلاثة: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وارتفع عنده حكم قرابة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بموته، كما ارتفع حكم سهمه، قالوا: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة والجند. وروي نحو هذا عن الشافعيّ أيضًا. [السادس]: قال مالكٌ: هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه من غير تقدير، ويُعطي منه القرابة باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، وبه قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا، وعليه يدلّ قوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم))، فإنه لم يَقسمه أخماسًا، ولا أثلاثًا، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم؛ لأنهم من أهمّ من يُدفع إليه. == ٢٠٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ قال الزجاج محتجًا لمالك: قال الله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَاَلْتَ وَالْتَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، وللرجل جائز بالإجماع أن يُنفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. وقد تقدّم عند النسائيّ، قول عطاء: خمس الله، وخمس رسوله واحد، كان رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم يَحمل منه، ويُعطي منه، ويضعه حيث شاء، ويصنع به ما شاء. ذكره القرطبيّ في ((تفسيره))(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي هو ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى؛ لأنه الذي كان هدي النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وسيرته عليه، واقتدى به في ذلك الخلفاء الراشدون، كما تقدّم في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)» . ٣٨- (كِتَاب الْبَيْعَةِ) وفي ((الهندية)): ((كتاب البيعة من ((المجتبى)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مناسبة هذا الكتاب لما قبله أن قسم الفيء، يحتاج إلى من يقوم به، وهو الإمام، فيكون نصب إمام يكون مرجع أمور المسلمين، من جهاد، وصلح مع الكفّار، وغير ذلك إليه، واجبًا عليهم، وهذا لا يكون إلا بمبايعة من هو أهل لذلك، ممن يستحقّ أن يكون واليًا على المسلمين. والله تعالى أعلم. و ((البيعة)) بفتح، فسكون -: في الأصل الصَّفقة على إيجاب البيع، وجمعها بَيْعَات بالسكون-، وتُحرّك في لغة هُذَيل، وهو على خلاف القياس؛ لأن القاعدة أن قياس فَعْلَة بفتح الفاء، وسكون العين- على فَعْلات، ساكن العين أيضًا، إن كان معتلّ العين، نحو: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ [الشورى: ٢٢]، و﴿ثَثُ عَوْرَتٍ لَّكُمْ﴾ [النور: ٥٨]، هذا لغة عامة العرب، وتفتحها هُذَيلٌ إتباعًا للفاء (٢). (١) ((الجامع لأحكام القرآن)). (٢) راجع ((المصباح المنير)) وهوامشه. في مادة ((باع)).