النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١= ٣٧- (كِتَبُ قَسْم الفَيْءِ) - حديث ٤١٣٨ في ((فرض الخمس)) ٣١٤٠ و((المناقب)) ٣٥٠٣ و((الغازي)) ٤٢٢٩ (د) في ((الخراج والإمارة والفيء)) ٢٩٧٨ و٢٩٧٩ و٢٩٨٠ (ق) في ((الجهاد)) ٢٨٨١ (أحمد) في ((أول مسند المدنيين)) ١٦٢٩٩ و١٦٣٢٧ و١٦٣٤١ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان أن قسم الفيء، حيث قسم النبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلم خمس الخمس على بني هاشم والمطّلب، عملًا بما في الآية الكريمة. (ومنها): أن في الحديث حجة للشافعيّ، ومن وافقه أن سهم ذوي القربى لبني هاشم، والمطّلب، دون بقية قرابة رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم من قريش. وعن عمر بن عبد العزيز: هم بنو هاشم خاصّة، وبه قال زيد بن أرقم، وطائفة من الكوفيين، وهذا الحديث يدلّ لإلحاق بني المطّلب بهم. وقيل: هو قريش كلّها، لكن يُعطي الإمام منهم من يراه، وبهذا قال أصبغ، وهذا الحديث حجة عليه. (ومنها): أن فيه توهين قول من قال: إن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم إنما أعطاهم بعّة الحاجة، إذ لو أعطاهم بعلة الحاجة لم يخصّ قومًا دون قوم، والحديث ظاهر في أنه أعطاهم بسبب النصرة، وما أصابهم بسبب الإسلام من بقيّة قومهم الذين لم يُسلموا، والملخّص أن الآية نصت على استحقاق قربى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهي متحقّقة في بني عبد شمس؛ لأنه شقيق، وفي بني نوفل، إذا لم تُعتبر قرابة الأمّ. واختلف الشافعيّة في سبب إخراجهم، فقيل: العلّة القرابة مع النصرة، فلذلك دخل بنو هاشم، وبنو المطّلب، ولم يدخل بنو عبد شمس، وبنو نوفل؛ لفقدان جزء العلة، أو شرطها. وقيل: الاستحقاق بالقرابة، ووُجد ببني عبد شمس، ونوفل مانع؛ لكونهم انحازوا عن بني هاشم، وحاربوهم. (ومنها): ما قاله ابن بطال: وفيه ردّ لقول الشافعيّ: إن خمس الخمس يُقسم بين ذوي القربى، لا يُفضّل غنيّ على فقير، وإنه يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وتعقّبه الحافظ بأنه لا حجة فيه لما ذُكر، لا إثباتًا، ولا نفيًا: أما الأول، فليس في الحديث إلا أنه قسم خمس الخمس بين بني هاشم والمطّلب، ولم يتعرّض لتفضيل، ولا عدمه، وإذا لم يتعرّض، فالأصل في القسمة إذا أُطلقت التسوية والتعميم، فالحديث إذًا حجة للشافعي، لا عليه. ويمكن التوصّل إلى التعميم بأن يأمر الإمام نائبه في كلّ إقليم بضبط من فيه، ويجوز النقل من مكان إلى مكان للحاجة. وقيل: لا، بل يختصّ کلّ ناحية بمن فيها. ١٦٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وأما الثاني فليس فيه تعرّض لكيفيّة القسم، لكن ظاهره التسوية، وبها قال المزنيّ، وطائفة، فیحتاج من جعل سبیله المیراث إلی دلیل. وذهب الأكثر إلى تعميم ذوي القربى في قسمة سهمهم عليهم، بخلاف اليتامى، فيخصّ الفقراء منهم عند الشافعيّ، وأحمد. وعن مالك يعمّهم في الإعطاء. وعن أبي حنيفة يخصّ الفقراء من الصنفين. وحجة الشافعيّ أنهم لمّا منعوا الزكاة عُمّوا بالسهم، ولأنهم أُعطوا بجهة القرابة، إكرامًا لهم، بخلاف اليتامى، فإنهم أعطوا لسدّ الخلّة. ذكر هذا كلّه في ((الفتح)) (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالتعميم هو الذي يرجّحه المصنّف رحمه الله تعالى في كلامه الآتي، لكنه يخصّه بالفقراء، وسيأتي البحث في ذلك عند ذكر المصنّف له، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، فإن ذوي القربى لفظً عامّ، خُصّ ببني هاشم، والمطّلب. قال ابن الحاجب: ولم يُنقل اقتران إجماليّ، مع أن الأصل عدمه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٣٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى، بَيْنَ بَنِي هَاشِم وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، أَتَيْتُهُ أَنَا، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ بَنُو هَاشِمٍ، لَّا تُنْكِرُ فَضْلَهُمْ؛ لِمَكَانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ، أَرَأَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ، أَعْطَيْتَهُمْ وَّمَتَعْتَنَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهُ: ((إِنََّمْ لَمْ يُفَارِقُونِيٍ فِي جَاهِلِيَّةٍ، وَلَا إِسْلَامٍ، إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ))، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وقوله: ((لمكانك)) أي لمكانتك، وفضلك، أي لا ننكر فضلهم بسبب فضلك الذي جعلك الله مقرونًا به، أي بذلك الفضل، حال كونك منهم، فحصل لهم بذلك فضلٌ أَيْ شرفٌ . وقوله: ((بمنزلة)) أي بدرجة واحدة في النسب والفضل. (١) ((فتح)) ٣٧٦/٦. (كتاب فرض الخمس)) حديث: ٣١٤٠. ١٦٣= ٣٧- (كِتَبُ قَسْم الفَيْءِ) - حديث ٤١٤٠ والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْتَى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْبُوبٌ -تَعْنِي ابْنَ مُوسَى- قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ -وَهُوَ الْقَزَارِيُّ- عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ، يَوْمَ حُنَيْنِ وَبَرَةٌ، مِنْ جَنْبٍ بَعِيرٍ، فَقَالَ: ((يَا أََّا النَّاسُ، إِنَّةٌ لَا يَحِلُّ لِي، مِمَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَدْرٌ هَذِهِ، إِلَّ الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : اِسْمُ أَبِي سَلَّامٍ: مَمْطُورٌ، وَهُوَ حَبَشِيٍّ، وَاسْمُ أَبِي أَمَامَةٌ، صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ، وَاللَّهُ تَعَالَّى أَعْلَمُ). رجال هذا الإسناد: تسعة : ١- (عبد الرحمن بن عيّاش) بتحتانيّة ثقيلة، ومعجمة -: هو عبد الرحمن بن الحارث ابن عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة، واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزوميّ، أبو الحارث المدنيّ، نُسب إلى جدّه الأعلى، صدوق، له أوهام [٧] . قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال العجليّ: مدنيّ ثقة. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال أحمد: متروك. وضعّفه عليّ بن المدينيّ. وقال ابن نمير: لا أقدم على ترك حديثه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: كان من أهل العلم. وقال ابن سعد: كان ثقة، وتوفّي في أول خلافة أبي جعفر. وقال غيره: وُلد في عام الْجُحَاف(١) سنة (٨٠)، ومات سنة (١٤٣). روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢- (سليمان بن موسى) الأمويّ الدمشقيّ الأشدق، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل [٥] ٥٠٤/٧ . ٣- (مكحول) أبو عبد الله الشاميّ، ثقة فقية، كثير الإرسال، مشهور [٥] ٦٣٠/٤. ٤- (أبو سلّام) ممطور الأسود الحبشيّ، ثقة، يرسل [٣] ٢/ ١٣٧٠ . ٥- (أبو أمامة الباهليّ) صُديّ بصيغة التصغير - ابن عجلان الصحابيّ المشهور، سكن الشام، ومات بها رضي الله تعالى عنه سنة (٨٦) تقدّمت ترجمته في ١٤٧/١٠٨. (١) ((الْجُحَاف)) كغراب: الموت، ومَشيُ البطن عن تُخُمة. قاله في ((القاموس)). ١٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْم الْفَيْءِ ٦- (عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الوليد المدنيّ، أحد النقباء، البدريّ المشهور، مات رضي الله تعالى عنه بالرملة، سنة (٣٤)، وله (٧٢) سنة، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية، تقدّمت ترجمته في- ٦/ ٤٦١، والباقون ترجموا قبل حديثين. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من تساعيات المصنف رحمه الله تعالى، فهو من أنزل الأسانيد له، فإن أعلاها الرباعيّات، وأنزلها الْعُشاريّات، كما مرّ بيانه في مقدّمة هذا الشرح. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين من عبد الرحمن بن عيّاش. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم، عن بعض: سليمان، عن مكحول، عن أبي سلّام. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، يَوْمَ حُتَيْنٍ) أي يوم قسمه الغنائم التي حصلت للمسلمين في غزوة حنين، وقد تقدّم بيانها قبل حديث (وَبَرَةً) بفتحات -: واحدة الْوَبَر، كقَصَبَة وقَصَب، وهو للبعير كالصوف للغنم، وهو في الأصل مصدرٌ، من باب تَعِبَ، وبعيرٌ وَبِرٌ بالكسر: كثير الوَبَر، وناقةٌ وَبِرَةٌ، والجمع أوبار، مثلُ سبب وأسباب. قاله الفيّوميّ (مِنْ جَنْبٍ بَعِيرِ، فَقَالَ: ((يَا أَّها النَّاسُ، إِنّهُ لَا يَحِلُّ لِي، مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) أي رجعه اللَّه من أموال الكفّار على المسلمين، ورزقهم إياه، وفيه تنبيه على أنهم هو المستحقّون للأموال أصالة، وإن الكفّار متغلّبون على حقوق المسلمين (قَدْرُ هَذِهِ) برفع ((قدرُ)) على الفاعليّة ((لا يحلّ)) (إِلَّ الْخُمُسُ) بالرفع على أنه بدل من ((قدر))؛ إذ الاستثناء مفرّغ (وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ) أي مصروف في مصالحكم، وذلك أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم كان يقسم الغنائم على خمسة أقسام، فأربعة أخماسه بين الغانمين، لا يشاركهم فيه أحد غيرهم، ثم يقسم الخمس خمسة أقسام، له خمسه، ومثله لذوي القربى، ولكلّ من اليتامى، والمساكين، وابن السبيل مثل ذلك، على ما في آية الغنيمة، ثم يصرف ما فضل عن أهله في مصالح المسلمين، وسيأتي تمام البحث في هذا عند ذكر المصنّف له، إن شاء الله تعالى. (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللّه تعالى (اسْمُ أَبِي سَلَّام) بتشديد اللام (مَمْطُورٌ) بصيغة اسم مفعول ((مَطَرَ)) (وَهُوَ حَبَشِيٍّ) أي منسوب إلىّ الحبشة الجيل ١٦٥ = ٣٧- (كِتَابُ قَسْم الفَيْءٍ) - حديث ٤١٤٢ المعروف (وَاسْمُ أَبِي أَمَامَةَ) بضمّ الهمزة (صُدَيُّ) بضمّ الصاد، وفتح الدال المهملتين بصيغة التصغير (ابْنُ عَجْلَانَ) بفتح العين المهملة، وسكون الجيم. ودلالة الحديث على الترجمة من حيث إن الخمس حقّ للنبيّ أنه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم، فكان يعطيه مستحقيه، وما بقي منه كان يصرف الخمس في مصالح المسلمين، فلا يستأثر به دونهم. والله تعالى أعلم . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبادة بن الصامت رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-١/ ٤١٤٠- وفي ((الكبرى)) ٤٤٤٠/١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثْنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَتَى بَعِيرًا، فَأَخَذَ مِنْ سَنَامِهِ وَبَرَةً بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَةً لَيْسَ لِي مِنْ الْغَيْءٍ شَيْءٌ، وَلَا هَذِهِ، إِلَّ الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَزْدُودٌ فِيكُمْ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((ابن أبي عديّ)): هو محمد بن إبراهيم. وقوله: ((من سنامه)) بفتح السين المهملة: هو ما ارتفع من ظهر الجمل. وقوله: إصبيعيه)) بكسر الهمزة أفصح، وفيها عشر لغات: تثليث الهمزة، مع تثليث الباء، والعاشرة: أُصبوع، بوزن أُسبوع. والحديث صحيح، وقد تقدم مطوّلًا في ((كتاب الهبة)) ٣٧١٥/١ - وقد سبق شرحه، وتخريجه هناك، وقد سبق وجه استدلال المصنّف به في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٢- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو - يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ - عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ بْنِ الْحَدَثَانِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي التَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، بِخَيْلٍ، وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَ يُثْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا قُوتَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ، وَالسَّلَاحِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((عبيد الله ابن سعيد)): هو أبو قُدامة السرخسيّ. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((مالك بن أوس بن الحدثان)) بفتح المهملتين، والمثلّثة- ابن سعد بن يَرْبُوع النَّصْريّ بالنون-، أبو سعيد المدنيّ، مختلف في صحبته. رَوَى عن النبيّ صلّى اللَّه ١٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْم الْقَيْءِ تعالى عليه وسلم مرسلًا. وقيل: إنه رأى أبا بكر. ذكره ابن سعد في طبقة من أدرك النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، ورآه، ولم يحفظ عنه شيئًا، قال: ويقولون: إنه ركب الخيل في الجاهليّة. قال: وكان قديمًا، ولكنه تأخّر إسلامه. وقال البخاريّ: قال بعضهم: له صحبة، ولا تصحّ. وقال أبو حاتم، وابن معين: لا تصحّ له صحبة. وقال عُقيل، عن الزهريّ: ذكرت لعروة حديث مالك بن أوس، فقال: صدق. وقال ابن خراش: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: من زعم أن له صحبة فقد وهم. وأثبت له الصحبة أحمد بن صالح المصريّ. وذكره ابن عبد البرّ، وقال: إنه روى عن العشرة. وقال أنس بن عياض، عن سلمة بن وردان، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: كنّا عند النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، فقال: ((وجبت، وجبت)) الحديث. ولكن سلمة ضعيف. وقال ابن منده: إن الصواب عن سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك. وقال أبو القاسم البغويّ: يقال: إنه رأى النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، ولم تثبت له عنه رواية. قال الواقديّ، وآخرون: مات سنة (٩٢). وقال يحيى بن بكير مرّة أخرى: مات سنة (٩١) . روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: أحدهما: هذا، وسيعيده مطوّلًا آخر هذا الباب، والثاني: في ((كتاب البيوع)) ٣٥٦٠/٤١- حديث عمر رضي الله تعالى عنه، مرفوعًا: ((الذهب بالذهب ربًا، إلا هاء وهاء)) الحديث. وقوله: ((مما أفاء الله على رسوله)) أي ردّها اللَّه إليه، وكانت في ملكه بعد أن خرجت عنه بوضع يد الكفرة عليها ظلما وعدوانا، كما دلّ عليه التعبير بالفيء الذي هو عود الظلّ إلى الناحية التي كان ابتدأ منها. ومعنى ذلك - كما قال بعضهم - أنّ هذا المال الذي استولى عليه الكفّار كان حقيقًا بأن يكون له صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم؛ لأن اللَّه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق لهم ليتوصّلوا به إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمطيعين، وهو صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم رأسهم ورئيسهم، وبه أطاع من أطاع، فكان أحقّ به. انتهى(١). وقوله: ((مما لم يوجف عليه المسلمون)): أي لم يُسرع، ولم يُجْرِ، أي بلا حرب. وفي ((المصباح)): وَجَفَ الفرس والبعير وَجِيفًا: عدا، وأو جفته بالألف: أعديته، وهو الْعَنَقُ في السير، وقولهم: ما حصل بإيجاف: أي بإعمال الخيل والركاب في تحصيله انتھی . (١) راجع ((حاشية الجمل على الجلالين)) ٣١٢/٤. في ((تفسير سورة الحشر). ٣٧- (كِتَابُ قَسْم الفَيْءِ) - حديث ٤١٤٣ ١٦٧= وقوله: ((ولا ركاب)): هي ما يركب من الإبل، غلب ذلك عليها من بين المركوبات، واحدها راحلةٌ، ولا واحد لها من لفظها. وقوله: ((في الكراع)) بضم الكاف: جماعة الخيل. وقوله: ((عُدّة)) بضم العين، وتشديد الدال المهملتين، جمعه عُدَدّ، مثلُ غرفة وغُرَف: هو ما أعددته من مال، أو سلاح، أو غير ذلك،. قاله الفيّوميّ. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام شرحه، وتخريجه آخر الباب، حيث يذكره المصنّف هناك مطوّلًا، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَخْتِى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ -يَعْنِي ابْنَ مُوسَى- قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - هُوَ الْفَزَارِيُّ - عَنْ شُعَيْبٍ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ، أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ النَّبِيِّ نَّهُ، مِنْ صَدَقَتِهِ، وَمِمَّا تَرَكَ مِنْ خُمُسٍ خَيْبَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((لَا نُورَثُ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (عمرو بن بن يحيى الحارث) الحمصيّ ثقة [١٢] ٢٣٢٩/٦٧، من أفراد المصنّف . ٢- (محبوب بن موسى) أبو صالح الأنطاكيّ الفرّاء، صدوق [١٠] ٣٥٨٩/١ من أفراد المصنّف، وأبي داود. ٣- (أبو إسحاق الفزاريّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث الكوفيّ، ثم المصّيصيّ، ثقة حافظ ثبت [٨] ٨٦٣/٥٨ . ٤- (شُعيب بن أبي حمزة) دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقة ثبت [٧] ٨٥/٦٩ ٠ ٥- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة الثبت [٤] ١/١ . ٦- (عروة بن الزبير) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠ /٤٤ . ٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، ومحبوب، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من ١٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْم الْفَيْءِ الفقهاء السبعة، وعائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت(٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ فَاطِمَةَ) بنت رسول اللَّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم (أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق رضي اللّه تعالى عنه، وذلك في خلافته. وزاد في رواية للبخاريّ العبّاس رضي اللّه تعالى عنه، ولفظه من طريق معمر، عن الزهريّ: أن فاطمة والعباس -عليهما السلام- أتيا أبا بكر، يلتمسان ميراثهما من رسول اللّه وَلته، وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك، وسهمهما من خيبر)) الحديث (تَسْأَلُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل ((أرسلت)) (مِيرَاثَهَا مِنْ النَّبِيِّ بَّهِ) أي مما تركه من المال، كما بيّنه بقوله (مِنْ صَدَقَتِهِ، وَمِمَّا تَرَكَ مِنْ خُمُسٍ خَيْبَرَ) وفي رواية البخاريّ: ((وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم من خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة)). وهذا كما قال في ((الفتح)) - يدلّ على أنها لم تطلب من جميع ما خلف، وإنما طلبت شيئًا مخصوصًا. فأما خيبر، ففي رواية معمر: ((وسهمه من خیبر)). وقد روى أبو داود بإسناد صحيح إلى سهل بن أبي حثمة، قال: قسم رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم خيبر نصفين: نصفها لنوائبه، وحاجته، ونصفها بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا))، ورواه بمعناه من طرُق أخرى عن بَشِير بن يسار، مرسلًا، ليس فيه سهل. وأما فَدَك وهي بفتح الفاء، والمهملة، بعدها كاف -: بلد بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، وكان من شأنها ما ذكر أصحاب المغازي قاطبة أن أهل فدك كانوا من يهود، فلما فُتحت خيبر أرسل أهل فدك يطلبون من النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم الأمان على أن يَتركوا البلد، ويرحلوا. وروى أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ وغيره، قالوا: ((بقيت بقيّةٌ من خيبر تحصّنوا، فسألوا النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يَحقِن دماءهم، ويُسيرهم، ففعل، فسمع بذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك. وكانت لرسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم خاصّة)). ولأبي داود أيضًا من طريق معمر، عن ابن شهاب: ((صالح النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أهل فدَك، وقرى سمّاها، وهو يُحاصر قوما آخرين))، يعني بقيّة أهل خيبر. وأما صدقته بالمدينة، فروى أبو داود من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبيّ صلّى الله تعالی علیه وسلم، فذكر قصّة بني النضير، فقال في آخره: ((وكانت نخل بني النضير لرسول الله صلّى الله ١٦٩ = ٣٧- (كِتَبُ قَسْم الفَيْءٍ) - حديث ٤١٤٣ تعالى عليه وسلم خاصّةً أعطاها إياه، فقال: ﴿وَمَآ أَقَآءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ الآية [الحشر: ٦]. قال: فأعطى أكثرها للمهاجرين، وبقي منها صدقة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم التي في أيدي بني فاطمة)). وروى عمر بن شبّة من طريق أبي عون، عن الزهريّ، قال: ((كانت صدقة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة أموالًا لمُخَيريق بالمعجمة، والقاف، مصغرًا- وكان يهوديًّا، من بقايا بني قينقاع، نازلاً بيني النضير، فشهد أحدًا، فقتل به، فقال النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: «مُخَيرِيقٌ سابق يهود، وأوصى مخيريقٌ بأمواله للنبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم)). ومن طريق الواقديّ بسنده عن عبد الله بن كعب، قال: ((قال مخيريقٌ إن أُصبتُ فأموالي لمحمد، يضعها حيث أراه اللَّه))، فهي عامّة صدقة رسول اللّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، قال: وكانت أموال مخيريق في بني النضير. أفاده في ((الفتح)(١). (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: ((لَا نُورَثُ) هكذا الرواية في نسخ ((المجتبى)) مختصرة، وزاد في ((الكبرى)) -وهي رواية الشيخين، وغيرهما -: ((ما تركنا صدقة))، ولعلها سقطت من بعض نساخ ((المجتبى))، فإن الإسناد في الكتابين واحد. والله تعالى أعلم. فقوله: ((لا نورث)) بفتح الراء في الرواية، ولو رُوي بالكسر لصحّ المعنى أيضًا. قاله في ((الفتح))(٢). وقال السنديّ: «لا نورث» أي نحن، يريد معاشر الأنبياء، وهذا الخبر قد رواه غیر أبي بكر أيضًا، وتكفي رواية أبي بكر لوجوب العمل به، ولا يرد أن خبر الآحاد كيف يُخصّص عموم القرآن؛ لأن ذلك بالنظر إلى من بلغه الحديث بواسطة، وأما من أخذه بلا واسطة، فالحديث بالنظر إليه كالقرآن في وجوب العمل، فيصحّ به التخصيص، على أن كثيرًا من العلماء جوز التخصيص بأخبار الآحاد، فلا غبار أصلًا. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن القول بجواز التخصيص بخبر الآحاد هو الصواب، وهو قول الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، فيما حكاه ابن الحاجب، وقد أُجيب عن قول المانعين بأنه إن جاز يلزم ترك القطعيّ بالظنّي، بأن محل التخصيص دلالة العامّ، وهي ظنيّة، والعمل بالظننين أولى من إلغاء أحدهما. وإلى الأقوال في مسألة نسخ الكتاب بالسنّة وعكسه أشار في ((الكوكب الساطع)) حيث قال: (١) راجع ((الفتح)) ٣٢٣/٦-٣٢٤ (كتاب فرض الخمس)) حديث: ٣٠٩٢. (٢) (فتح)) ٤٩٠/١٣ ((كتاب الفرائض)) حديث ٦٧٢٨ . (٣) (شرح السنديّ)) ٧/ ١٣٢. === ١٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ سُنَّتُهُ بِهَا وَبِالْكِتَابِ وَجَازَ أَنْ يُخَصَّ فِي الصَّوَابِ وَخَبّرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِ وَهُوَ بِهِ وَخَبَرِ التَّوَاتُرِ وَعَكْسُهُ وَقِيلَ بِالْمُنْفَصِلِ وَقِيلَ إِنْ خُصَّ بِقَاطِعٍ جَلِي انظر ما كتبته على هذه الأبيات في ((الجليس الصالح النافع، شرح الكوكب الساطع)) ص١٩٤ - ١٩٦ . وقوله: ((ما تركنا صدقة)) برفع ((صدقةٌ)): أي المتروك عنّا صدقة. وادّعى الشيعة أنه بالنصب على أن ((ما)) نافيةٌ. ورُدّ عليهم بأن الرواية ثابتة بالرفع، وعلى التنزّل، فيجوز النصب على تقدير محذوف: أي ما تركنه مبذولٌ صدقةً. قاله ابن مالك. قال الحافظ : وينبغي الإضراب عنه، والوقوف مع ما ثبتت به الرواية. انتهى(١). (تنبيه): قال في ((الفتح)): وَأَمَّا مَا اشْتَهَرَ فِي كُتُبٍ أَهْلِ الأُصُولِ وَغَيْرِهِمْ، بِلَفْظِ: (نَحْنُ مُعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُورَث))، فَقَدْ أَنْكَرَهُ جَّاعَة مِنْ الْأَئِمَّة، وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِخُصُوصِ لَفْظ: (نَحْنُ))، لَكِنْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، بِلَفْظِ: ((إِنَّا مُعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُورَث)) الْحَدِيث، أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّد بْن مَنْصُور، عَنْ ابْنِ عُبَيْنَةَ، عَنْهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي ((مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ))، عَنْ ابْنِ عُنَيْنَةً، وَهُوَ مِنْ أَتْقَنَ أَصْحَاب ابْن عُبَيْنَةً فِيهِ. وَأَوْرَدَهُ الْهَيْثَم بْن كُلَيْبٍ فِي ((مُسْنَده))، مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الأَوْسَط)) بِنَحْوِ اللَّفْظ الْمَذْكُورِ. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي (الْعِلَل)) مِنْ رِوَايَة أُمَّ هَانِئٍ، عَنْ فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلامِ، عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيقِ، بِلَفْظِ: ((إِنَّ الأَنْبِيَاءِ لا يُورَثُونَ)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤١٤٣/١- وفي ((الكبرى)) ٤٤٤٣/١. وأخرجه (خ) في ((فرض الخمس)) ٣٠٩٣ و((المناقب)) ٣٧١٢ و((المغازي)) ٤٠٣٦ و٤٢٤١ و((الفرائض)) ٦٧٢٥ (١) المصدر السابق. ١٧١ ٣٧- (كِتَبُ قَسْم الفَيْءِ) - حديث ٤١٤٣ (م) في ((الجهاد والسير)) ١٧٥٩ (د) في ((الخراج والإمارة والفيء)) ٢٩٦٨ و٢٩٧٦ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٢٦ (الموطأ) في ((الجامع)) ١٨٧٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): بيان أن الأنبياء عليه الصلاة والسلام لا يورثون. (ومنها): أن الحكمة في كون الأنبياء عليهم السلام لا يورثون -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللَّه بَعَثَهُمْ مُبَلْغِينَ رِسَالَتَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لا يَأْخُذُوا عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، وَقَالَ نُوحٌ، وَهُودٌ، وَغَيْرُهُمَا نَحْوَ ذَلِكَ، فَكَانَتْ الْحِكْمَةِ فِي أَنْ لا يُورَثُوا؛ لِئَلا يُظَنَّ أَنَّهِمْ جَّعُوا الْمَالَ لِوَارِثِهِمْ. وَقِيلَ: الْحِكْمَة فِي كَوْن النبيّ لا يُورَثُ، حَسْمُ الْمَادَّةِ فِي تَمَنِّي الْوَارِث مَوْتَ الْمُوَرّثِ، مِنْ أَجْلِ الْمَالِ. وَقِيلَ: لِكَوْنِ النَّبِيّ كَالأَبٍ لأُمَّتِهِ، فَيَكُون مِيرَاثه لِلْجَمِيعِ، وَهَذَا مَعْنَى الصَّدَقَّةِ الْعَامَّة. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن الراجح أن المراد بالإرث الذي ذكره الله تعالى، حكاية عن زكريا عليه السلام، بقوله: ﴿يَرِثُنِى وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِ﴾ الآية [مريم: ٦] هو إرث النبوّة والحكمة، لا إرث المال. وَقَدْ حَكَى ابْنِ عَبْد الْبَرّ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: وَأَنَّ الأَكْثَرِ عَلَى أَنَّ الأَنْبِيَاءِ لا يُورَثُونَ. وقيل: إنهم يورثون، وممن ذُكِرَ أنه قَالَ بِذَلِكَ مِنْ الْفُقَهَاءِ، إِبْرَاهِيمِ بْنِ إِسْمَاعِيل ابْنِ عُلَيَّةً، وَنَقَلَهُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عِيَاضِ فِي ((شَرْحِ مُسْلِمٍ))، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد، عَنْ أَبِي صَالِحِ، فِي قُوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنْ زَكَرِيًّا: ﴿وَإِ خِفْتُ اٌلْمَوَلِىَ﴾ [مريم: ٥] قَالَ: الْعَصَبَة. وَمِنْ قَوْله: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثْنِى﴾ [مريم: ٥-٦] قَالَ: يَرِث مَالِي، وَيَرِث مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ. وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَن نَحْوِهِ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُر الْمَالِ. وَمِنْ طَرِيقِ مُبَارَكُ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، رَفَعَهُ مُرْسَلًا: ((رَحِمَ اللَّه أَخِي زَكَرِيًّا، مَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ)) . قال الحافظ: وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيم الْقَوْل الْمَذْكُورِ، فَلا مُعَارِضَ مِنْ الْقُرْآن لِقَوْلِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: ((لا نُورَث، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ))، فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه، الَّتِي أَكْرِمَ بِهَا. وَأَمَّا عُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿يُصِيكُمُ اللَّهُ فِىْ أَوْلَدِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١]، فَأُجِيبَ عَنْهَا بِأَنَّا عَامَّةٌ، فِيمَنْ تَرَكَ شَيْئًا كَانَ يَمْلِكُهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ وَقَفَهُ قَبْلِ مَوْتِهِ، فَلَمْ يُخَلْفِ مَا يُورَث عَنْهُ، فَلَمْ يُورَث. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ خَلَّفَ شَيْئًا، مِمَّا كَانَ يَمْلِكُهُ، فَدُخُولُهُ فِي الْخِطَابِ قَابِلٌ لِلتَّخْصِيصِ؛ لِمَا عُرِفَ مِنْ كَثْرَةِ خَصَائِصِهِ نَّهِ. وَقَدْ اشْتَهَرَ عَنْهُ أَنَّهُ لا ١٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْم الْقَيْءِ يُورَث، فَظَهَرَ تَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ دُون النَّاس. أفاده في ((الفتح)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ(٢)، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ﴾ [الأنفال: ٤١]، قَالَ: خُمُسُ اللَّهِ، وَخُمُسُ رَسُولِهِ وَاحِدٌ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، يَحْمِلُ مِنْهُ، وَيُعْطِي مِنْهُ، وَيَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ، وَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (زائدة) بن قدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبت، صاحب سنّة [٧] ٧٤/ ٩١ . ٢- (عبد الملك بن أبي سُليمان) واسمه ميسرة الْعَرْزَميّ الكوفيّ، صدوق، له أوهام [٥] ٧ /٤٠٦ . ٣- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد الفقيه المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، مات سنة (١١٤) على المشهور، وقيل: إنه تغيّر بآخره، ولم يكن ذلك منه، وتقدّم في ١١٢/ ١٥٤ . والباقون ترجموا في السند الماضي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَطَاءٍ) بن أبي رَباح رحمه اللّه تعالى (فِي) معنى (قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ الغنيمة في اللغة: ما يناله الرجل، أو الجماعة بسعي، ومن ذلك قول الشاعر [من الوافر]: وَقَدْ طَوَّفْتُ فِي الآَفَاقِ حَتَّى رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالإِيَابِ وقال آخر [من البسيط]: وَمَطْعَمُ الْغُنْمِ يَوْمَ الْغُنْمِ مَطْعَمُهُ أَنَّى تَوَجَّهَ وَالْمَخْرُومُ مَخْرُومُ والمغنم، والغنيمة بمعنّى، يقال: غَنِمَ الشيءِ يغَمه، من باب تَعِب غُثْمًا بالضمّ، وغَنِيمة، ومَغْنَمًا: إذا فاز به. وقال في ((اللسان)): الغُنم بالضمّ: الاسم، وبالفتح المصدر. (١) راجع ((الفتح)) ٤٩١/١٣-٤٩٢. ((كتاب الفرائض)). (٢) هو إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاريّ. = ١٧٣ ٣٧- (كِتَبُ قَسْم الفَيْءِ) - حديث ٤١٤٥ قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] مال الكفّار، إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيّاه، ولكن عُرف الشرع قيّد اللفظ بهذا النوع. وسَمّى الشرع الواصل من الكفّار إلينا من الأموال باسمين: غنيمةً، وفيئًا، فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوّهم بالسعي، وإيجاف الخيل والركاب، يُسمّى غَنيمةً، ولزم الاسم هذا المعنى حتى صار عُزْفًا. والفيء مأخوذ من فاء يفيء: إذا رجع، وهو كلّ مال دخل على المسلمين من غير حرب، ولا إيجاف، كخراج الأرَضِين، وجزية الجماجم(١)، وخمس الغنائم، ونحو هذا. قاله سفيان الثوريّ، وعطاء بن السائب. وقيل: إنهما واحدٌ، وفيهما الخمس. قاله قتادة. وقيل: الفيء عبارة عن كلّ ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر، والمعنى متقارب. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى(٢). (﴿فَأَنَّ ◌ِلَِّ خُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ﴾، قَالَ) عطاء (خُمُسُ اللَّهِ، وَخُمُسُ رَسُولِهِ وَاحِدٌ) يريد أن ذكر اللَّه تعالى في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ للتبرّك والتعظيم (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهه يَحْمِلُ مِنْهُ) أي يحمل من ذلك الخمس الفقراء الذين لا يجدون ما يغزون عليه من الدوابّ (وَيُعْطِي مِنْهُ) أي يعطي من ذلك الخمس للمحتاجين وقوله (وَيَضَعُهُ حَيْثُ شَاءً) تعميم بعد تخصيص. وقوله (وَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ) من عطف التأكيد لما قبله. وحاصل تفسير عطاء رحمه الله تعالى أن المراد بذكر الله تعالى في الآية الكريمة للتبرّك، وأن الخمس الذي جعله الله تعالى له فيها للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلم، يضمّ إلى خمسه، فيصنع به ما ذُكر. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عطاء رحمه الله تعالى هذا مرسلٌ صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٤١٤٤/١- وفي ((الكبرى)) ٤٤٤٤/١. وأخرجه ابن جرير في ((تفسير سورة الأنفال)) ٥٤٨/١٣ رقم ١٦٠٩٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَخْتِى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ -يَعْنِي ابْنَ مُوسَى - قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ -هُوَ الْفَزَارِيُّ - عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ (١) لعله أراد بالجماجم الناس. والله أعلم. (٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١/٨-٢. ١٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْقَيْءِ ◌َُهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، قَالَ: هَذَا مَفَاتِحُ كَلَامِ اللَّهِ، الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ لِلَّهِ، قَالَ: اخْتَلَفُوا فِي هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ، بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ بِّهَ سَهْمِ الرَّسُولِ، وَسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى، فَقَالَ قَائِلٌ: سَهْمُ الرَّسُولِ وَّهِ لِلْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَقَالَ قَئِلٌ: سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى لِقَرَابَةِ الرَّسُولِ وَّهِ، وَقَالَ قَائِلٌ: سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى لِقَرَابَةِ الْخَلِيفَةِ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُمْ عَلَى أَنْ جَعَلُوا هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ، فِي الْخَيْلِ وَالْعُدَّةِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَانَا فِي ذَلِكَ، خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت الكوفيّ [٧] ٣٧/٣٣ . ٢- (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِم) الْجَدَليّ بفتح الجيم - أبي عمرو الكوفيّ، ثقة، رُمي بالإرجاء [٦] ٢٧٣٨/٥٠ . ٣- (الحسن بن محمد) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، وأبوه هو المعروف بابن الحنفيّة، ثقة فقيه، يقال: إنه أول من تكلّم في الإرجاء [٣] مات سنة مائة، أو قبلها [٣] ٣٣٦٦/٧١، والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَيْسٍ بْنِ مُسْلِم) الْجَدَليّ رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ) الهاشميّ رحمه الله تعالى (عَنْ) معنى (قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، قَالَ) الحسن (هَذَا) أي قوله تعالى: ﴿فأن لله خمسه﴾ (مَفَاتِحُ كَلَام اللَّهِ) أي ابتداء كلام اللَّه تعالى باسمه تبرّكًا (الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ لِلَّهِ) مبتدأ وخبر، ولفظ ((الكبرى)): للَّه الدنيا والآخرة)). يعني أن الأشياء كلّها لله سبحانه وتعالى، لا خصوص الخمس، ففائدة ذكره هنا هو التبرّك (قَالَ) الحسن (اخْتَلَفُوا) ولفظ ابن جرير: (ثم اختلف الناس)) (فِي هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ، بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، سَهْمِ الرَّسُولِ) بالجرّ على أنه بدل تفصيل للسهمين، ويجوز قطعه إلى الرفع، والنصب، بتقدير مبتدإ، أي هو، وتقدير فعل، أي أعني، وكذا إعراب قوله (وَسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى، فَقَالَ قَائِلٌ: سَهْمُ الرَّسُولِ وَّهِ لِلْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ) أي لمن كان خليفة للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلم بعد وفاته. هكذا في رواية المصنّف، والذي عند ابن جرير في ((تفسيره)) من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان: ((سهم النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم لقرابة النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم)) (وَقَالَ قَائِلٌ: سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى لِقَرَابَةِ الرَّسُولِ وَه وَقَالَّ قَائِلٌ: سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى لِقَرَابَةِ الْخَلِيفَةِ) يعني أنه يصرفه الخليفة لأقاربه، فمعنى ((وذي القربى)) في الآية الكريمة على هذا أقارب الخليفة، لا أقارب الرسول صلّى الله ١٧٥ ٣٧- (كِتَابُ قَسْم الفَيْءٍ) - حديث ٤١٤٧ تعالى عليه وسلم، لكن الأرجح حمل القربى في الآية على أقاربه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وهو الذي رجّحه ابن جرير الطبريّ في ((تفسيره))، والمصنّف رحمه الله تعالى في كلامه الآتي قريبًا، إن شاء اللّه تعالى (فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ، عَلَى أَنْ جَعَلُوا هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ) أي سهم الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وسهم ذي القربى (فِي الْخَيْلِ) أي في شراء الخيل (وَالْعُدَّةِ) بالضمّ: هو ما يُعدّ، ويُهُيّا، من آلات الحرب، كالسلاح، ونحوه (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي للجهاد لإعلاء كلمة اللَّه تعالى (فَكَانَا فِي ذَلِكَ) أي كان السهمان مصروفين في ذلك الأمر المذكور، من الخيل، والعُدّة. ولفظ ((الكبرى)): ((فكان في ذلك))، ولفظ ابن جرير: ((فكانا على ذلك)) (خِلَافَةً أَبِي بَكْرٍ وَهُمَرَ) ((خلافة)) منصوب على الظرفية، على حذف مضاف، أي مُدّة خلافتهما رضي اللّه تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث الحسن بن محمد هذا مرسلٌ صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٤١٤٥/١- وفي ((الكبرى)) ١/ ٤٤٤٥. وأخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) ٥٥٧/١٣ رقم ١٦١٢١ - في ((تفسير سورة الأنفال)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٤١٤٦- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْتِى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ (١)، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ يَحْتِى بْنَ الْجَزَّارِ، عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ ◌ِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِرَّسُولِ﴾ قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانَ لِلنَّبِيِّ نَّهِ مِنْ الْخُمُسِ؟ قَالَ: خُمُسُ الْخُمُسِ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((موسى بن أبي عائشة)): هو الْهَمْدانيّ مولاهم، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٥] ٤٠ /٨٣٤. و ((يحيى بن الْجَزّار)): هو الْعُرَنيّ الكوفيّ، قيل: اسم أبيه زَبّان بزاي، ثم نون- وقيل: بل لقبه هو، صدوقٌ، رمي بالغلوّ في التشيّع [٣] ١٧٠٧/٢٩ . والحديث مرسلٌ صحيح الإسناد، من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٤١٤٦/١- وفي ((الكبرى)) ١/ ٤٤٤٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٤٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْتِى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ(١)، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: سُئِلَ الشَّعْبِيُّ، عَنْ سَهْمِ النَِّيِّ ◌ِّهِ، وَصَفِيَّهِ؟ فَقَالَ: أَمَّا (١) هو إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري. ١٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْم الْفَيْءِ سَهْمُ النَِّّ وَّةِ، فَكَسَهْم رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا سَهْمُ الصَّفِيِّ، فَغُرَّةٌ تُخْتَارُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ شاء). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((مطرّف)) بضم الميم، وتشديد الراء المكسورة -: هو ابن طريف الكوفيّ، ثقة فاضلٌ، من صغار [٦] ٣٢٧/٢. و((الشعبيّ)): هو عامر بن شراحيل الْهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه [٣] ٦٦ / ٨٢. وقوله: ((وصفيّه)): هو ما يأخذه رئيس الجيش، ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة. قاله ابن الأثير (١). وقال الفيّوميّ: والصَّفيّ، والصّفيّة: ما يصطفيه الرئيس لنفسه من المغنم قبل القسمة: أي يختاره، وجمع الصَّفِيّة صَفَايَا، مثلُ عطيّة وعَطَايَا، قال الشاعر(٢) [من الوافر]: لَكَ الْمِزْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا وَحُكْمُكَ وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ وقال ابن السِّكْيت: قال الأصمعيّ: الصَّفَايَا: جمعُ صَفِيّ، وهو ما يَصطفيه الرئيس لنفسه دون أصحابه، مثلُ الفرس، وما لا يستقيم أن يُقسم على الجيش. والْمِزْباع: رُبع الغنيمة. والْفُضُولُ: بقايا تبقى من الغنيمة، فلا تستقيم قسمته على الجيش؛ لقلّته، وكثرة الجيش. والنّشِيطة: ما يغنَمُه القوم في طريقهم التي يمرّون بها، وذلك غير ما يقصدونه بالغزو. وقال أبو عُبيدة: كان رئيس القوم في الجاهلية إذا غزا بهم، فغَنِم أخذ الْمِرباع من الغنيمة، ومن الأسرى، ومن السبي قبل القسمة على أصحابه، فصار هذا الربع خمسًا في الإسلام، قال: والصَّفِيُّ: أن يصطفي لنفسه بعد الربع شيئًا، كالناقة، والفرس، والسيف، والجارية، والصَّفيّ في الإسلام على تلك الحال، وقد اصطفى رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم سيف مُنَبِّه بن الحجّاج يوم بدر، وهو ذو الفَقَّار، واصطفى صفيّة بنت حُيّيّ. انتهى كلام الفيّوميّ. وقوله: ((فغُرّة)) بضم الغين المعجمة، وتشديد الراء -: هي خيار الشيء، ونفيسه. [تنبيه]: وقع في ((الكبرى)): ((فغده)) بالدال بدل الراء، وهو تصحيف، فليُتَنبه. والله تعالى أعلم. وقوله: ((تُختار من أيّ شيء شاء)) ببناء الفعل للمفعول، أي تختار له صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم من أيّ نوع أراد أن يُختار له من الغنيمة. والحديث مرسل صحيح، أخرجه المصنّف هنا-٤١٤٧/١- وفي ((الكبرى)) ١/ (١) ((النهاية)) ٤٠/٣. (٢) هو عبد الله بن عَنّمَة يُخاطب بِسْطام بن قيس. قاله في ((اللسان)) ١٤ / ٤٦٢. ٣٧- (كِتَابُ قَسْم الفَيْءٍ) - حديث ٤١٤٨ = ١٧٧ ٤٤٤٧. وأخرجه أبو داود في ((الخراج والإمارة والفيء)) ٢٩٩١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٨- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ، قَالَ: أَنْبَأْنَا أَبُو إِسْحَاقَ(١)، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الشِّخِيرِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ مُطَرِّفٍ بِالْمِرْبَدِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مَعَهُ قِطْعَةُ أُدَمِ، قَالَ: كَتَبَ لِي هَذِهِ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، فَهَلْ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَقْرَأُ، قَالَ: قُلْتُ: أَنَا أَقْرَأُ، فَإِذَا فِيهَا: (مِنْ مُحَمَّدِ النَّبِيِّ ◌َِّ، لِبَنِي زُهَيْرِ بْنِ أَقَيْشٍٍ أَنُهُمْ إِنْ شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَفَارَقُواْ الْمُشْرِكِينَ، وَأَقَرُوا بِالْخُمُسِ فِي غَنَّائِمِهِمْ، وَسَهْمِ النَّبِيِّ نَّهِ، وَصَفِيَّهِ، فَإِنَّهُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (سعيد الجريريّ) -بضم الجيم- ابن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة، تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٥] ٣٢ / ٦٧٢ . ٢- (يزيد بن الشّخِير) -بكسر الشين المعجمة، وكسر الخاء المشددة المعجمة- هو يزيد ابن عبد الله بن الشّخِير - نُسب لجدّه- العامريّ، أبو العلاء البصريّ، ثقة، مات سنة (١١١) أو قبلها، وكان مولده في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، فوهم من زعم أن له رؤية [٢] ٦٧٢/٣٢، والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَزِيدَ بْنِ الشِّخِّيرِ) العامريّ، أنه (قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ مُطَرِّفٍ) هو أخوه، أكبر منه، وهو ابن عبد الله بن الشّخِير العامريّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة عابدٌ فاضل، مات سنة (٩٥) [٢] ٦٧/٥٣ (بِالْمِزْبَدِ) بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الموحّدة- وزان مِنبر: المحبسُ، والْجَرِينُ، وموضع بالبصرة. قاله في ((القاموس))، وفي ((المصباح)): ((الْمِرْبد)) وزان مِقْوَد، وهو موقف الإبل، ومِزبد النعم: موضع بالمدينة، يقال: على نحو من ميل. والمربد أيضًا: موضع التمر، ويقال له: أيضًا: مِسْطَح. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالمربد هنا كما قال المنذريّ- محلّة بالبصرة، من أشهر محالّها، وأطيبها . (إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مَعَهُ قِطْعَةُ) بكسر القاف، وسكون الطاء المهملة (أَدَم) بفتحتين، وبضمّتين، وهو القياس، مثلُ بَرِيد وبُرُد: هو الجلد المدبوغ. قاله في ((المصباح))، وفي (١) هو الفزاري. ١٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ ((القاموس)): والأَدِيم)) الجلد، أو أحمره، أو مدبوغه، جمعه آدِمةٌ أي بالمدّ-، وأُدُمْ أي بضمّتين- وآدام أي بالمدّ- و (الأَدَمُ)) أي بالتحريك- اسم للجمع. انتهى. وفي رواية أبي داود من طريق قُرّة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخّير، قال: ((كنّا بالمربد، فجاء رجل، أشعث الرأس، بيده قطعة أديم أحمر، فقلنا: كأنك من أهل البادية؟ قال: أجل، قلنا: ناولنا هذه القطعة الأديم التي في يدك، فناولناها، فقرأنا ما فيها، فإذا فيها: ((من محمد رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم إلى بني زُهير بن أقيش)) الحديث. قال الحافظ المنذريّ: ورواه بعضهم عن يزيد بن عبد الله، وسمّى الرجل النَّمِر بن تَوْلَب، الشاعر، صاحب رسول الله صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم، ويقال: إنه ما مدح أحدًا، ولا هجا أحدًا، وكان جوادًا، لا يكاد يُمسك شيئًا، وأدرك الإسلام، وهو كبير. (قَالَ: كَتَبَ) أي أمر بكتابه (لي هَذِهِ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ، فَهَلْ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَقْرَأْ، قَالَ) يزيد (قُلْتُ: أَنَا أَقْرَأْ، فَإِذَا فِيهَا) أي في تلك القطعة (مِنْ مُحَمَّدِ النَّبِيِّ) بالجرّ على البدليّة ﴿َّهِ، لِبَنِي زُهَيْرِ بْنِ أَقَيْشٍ) بضم الهمزة، مصغّرًا: حيّ من عُكل (أَنَّهُمْ إِنْ شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) ولفظ أبي داود في الرواية المذكورة: ((إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول اللّه، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهمَ النبي ◌ِّرِ الصَّفِيّ، أنتم آمنون بأمان اللَّه ورسوله)) الحدیث . (وَفَارَقُوا الْمُشْرِكِينَ) أي فارقوا دينهم، وعاداتهم (وَأَقَرُوا بِالْخُمُسِ فِي غَنَائِمِهِمْ، وَسَهْمِ النَّبِيِّ ◌ََّ﴾ قال السنديّ: ظاهره أن سهمه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم زائدٌ على الخمس. انتهى. وقال المنذريّ رحمه الله تعالى: قوله: ((وسهم النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم)): السهم في الأصل واحد السهام التي يُضرب بها في الميسر، وهي القداحِ، ثم سُمّي ما يفوز به الفالج(١) سهمًا، ثم كثُر حتى سُمّي كلّ نصيب سهمًا. انتهى (٢). (وَصَفِيَّهِ) أي ما يختاره صلّى الله تعالى عليه وسلم من الغنيمة قبل القسمة، وقد تقدّم البحث عنه قريبًا . وقال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: أما سهم النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، فإنه كان كسهم رجل ممن يشهد الوقعة، حضرها رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، أو (١) أي الفائز. (٢) ((مختصر المنذريّ)) ٢٣١/٤. ١٧٩ ٣٧- (كِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ) - حديث ٤١٤٩ غاب عنها. وأما الصفيّ، فهو ما يصطفيه من عُرْض الغنيمة، من شيء قبل أن يخمس، عبد، أو جارية، أو فرس، أو سيف، أو غيرها، كان النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم مخصوصًا بذلك مع الخمس الذي له خاصّة. انتهى (١). وقال المنذريّ: قيل: كان للنبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم سهم رجل، شهد الوقعة، أو غاب عنها. والصفيّ: هو ما اصطفاه من عرض المغنم قبل القسمة، من فرس، أو غلام، أو سيف، أو ما أحبّ، وخمس الخمس، خُصّ بهذه الثلاثة، عوضًا من الصدقة التي حِرّمت عليه. انتهى (٢). (فَإِثُهُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي بسبب إعطاء اللَّه تعالى، ورسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم الأمان لهم، فأما أمان اللَّه، فبقوله سبحانه وتعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم﴾ الآية [التوبة: ١١]، وقوله عزّ وجلّ: ﴿فَإِن تَابُواْ وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينُ﴾ الآية. وأما أمانه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، فبكتابته لهم الكتاب المذكور؛ عملًا بما أمره الله تعالى في كلامه المذكور. والله تعالى أعلم . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث يزيد بن الشّخِير، عن رجل من بني زُهير بن أقيش هذا صحيح، أخرجه المصنّف رحمه الله تعالى هنا-٤١٤٨/١- وفي ((الكبرى)) ٤٤٤٨/١. وأخرجه (د) في ((الخراج، والإمارات، والفيء)) ٢٩٩٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْتِى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَحْبُوبٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ شَرِيكِ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: الْخُمُسُ الَّذِي لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، كَانَ لِلنَِّّ وَّهِ وَقَّرَابَتِهِ، لَا يَأْكُلُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ شَيْئًا، فَكَانَ لِلنَّبِيِّ نَّهِ، خُمُسُ الْخُمُسِ، وَلِذِي قَرَابَتِهِ خُمُسُ الْخُمُسِ، وَلِلْيَتَامَى مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِلْمَسَاكِينِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِابْنِ السَّبِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو إسحاق)): هو إبراهيم بن محمد الفَزّاريّ المذكور في الأسانيد الماضية. و((شريك)»: هو ابن عبد الله النخعيّ القاضي الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء كثيرًا، وتغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة [٨] ٢٩/٢٥. و((خُصيف)) بالخاء المعجمة، والصاد المهملة -: هو ابن عبد الرحمن الجزريّ، صدوقٌ سيء الحفظ، وخلط بآخره [٥] ١٣٥٣/٩٥. و((مجاهد)): هو ابن جبر الإمام الحجة (١) ((معالم السنن» ٢٣٠/٤. (٢) ((مختصر السنن)) ٤/ ٢٣١. = ١٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْقَيْءِ المشهور. والله تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث مرسل ضعيف الإسناد؛ لضعف شريك، وخُصيف، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٤١٤٩/١- وفي «الكبرى» ٤٤٤٩/١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ. وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَبِيلِ﴾، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لِلَّهِ﴾ ابْتِدَاءُ كَلَام؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا اسْتَفْتَحَ الْكَلَامَ، فِي الْفَيْءٍ وَالْخُمُسِ بِذِكْرٍ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّا أَشْرَفُ الْكَسْبِ، وَلَمْ يَنْسِبِ الصَّدَقَةَ إِلَى نَفْسِهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِأَنَّا أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَدْ قِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٍ، فَيُجْعَلُ فِي الْكَعْبَةِ، وَهُوَ السَّهْمُ الَّذِي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَسَهْمُ النَّبِّ ◌َّهِ إِلَى الْإِمَامِ، يَشْتَرِي الْكُرَاعَ مِنْهُ وَالسِّلَاحَ، وَيُعْطِي مِنْهُ مَنْ رَأَى، مِمَّنْ رَأَى فِيهِ غَنَاءٌ، وَمَنْفَعَةً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالْقُرْآنِ . وَسَهْمٌ لِذِي الْقُرْبَى، وَهُمَّ بَنُو هَاشِم وَبَتُو الْمُطَّلِبٍ، بَيْتَهُمْ الْغَنِّيُّ مِنْهُمْ وَالْفَقِيرُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَةٌ لِلْفَقِيرِ مِنْهُمْ دُونَ الْغَنِيِّ، كَالْيَتَامَى، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَهُوَ أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي -وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالذَّكَرُ وَالْأَنْثَى سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، جَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِفِيهِمْ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ بَيْنَ الْعُلَّمَاءِ، فِي رَجُلٍ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِيَنِي فُلَانٍ، أَنَّهُ بَيْتَهُمْ، وَأَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ، إِذَا كَانُوا يُخْصَوْنَ، فَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ صُيِّرَ لِبَنِي فُلَانٍ، أَنَّهُ بَيْتَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ الْآَمِرُ بِهِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. وَسَهْمْ لِلْيَتَامَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ سَهْمُ مِسْكِينٍ وَسَهْمُ ابْنِ السَّبِيلِ، وَقِيلَ لَهُ: خُذّ أَيُمَا شِئْتَ، وَالْأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ، يَقْسِمُهَا الْإِمَامُ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْبَالِغِينَ). قوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه الله تعالى، مفسّرًا الآيةَ الكريمةَ، ومبيّا مُختاره فيما يتعلّق في تأويلها (قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِعْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَكَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ اُلْتَبِيلِ﴾، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لِلَّهِ﴾ُ ابْتِدَاءُ كَلَام) أي استفتاح كلام (لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي فلا مفهوم