النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
٢٩ - (تُحْرِيمُ القتل) - حديث رقم ٤١٣٠
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إبراهيم بن يعقوب)): هو الْجُوزجانيّ الحافظ.
و ((أحمد بن يونس)): هو ابن عبد الله بن يونس التميميّ اليربوعيّ الكوفيّ، نُسب لجدّه.
و ((مسلم): هو ابن صُبيح، أبو الضُّحى المذكور في السند الماضي. و((عبد الله)): هو
ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه.
وقوله: ((بجريرة أبيه)) - بفتح الجيم، وكسر الراء الأولى -: هو ما يجرّه الإنسان من
ذنب، فَعِيلة بمعنى مفعولة. أفاده في ((المصباح)). وقال في ((اللسان)): الْجَرِيرَة:
الذنب، والجناية يَجنيها الرجلُ، وقد جرّ على نفسه، وغيره جريرةٌ يجُرّها جَرًّا: أي
جَنَى عليهم جنايةً، قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا جَرَّ مَوْلَانَا عَلَيْنَا جَرِيرَةٌ صَبَرْنَا لَهَا إِنَّا كِرَامٌ دَعَائِمُ(١)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا
من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، وهو ضعيف أيضًا؛ لمخالفة أبي بكر بن عيّاش
بوصله، لأبي معاوية، وهو أثبت في الأعمش، حيث أرسله، وقد تابعه يعلى بن عُبيد
عليه، كما سيأتي قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم،
عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا أَلْفِيَنَّكُمْ تَرْجِعُونَ بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ
بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةٍ أَبِهِ، وَلَّا بِجَرِيرَةٍ أَخِيهِ)). هَذَا الصَّوَابُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن العلاء)): هو أبو كريب. والسند مسلسل
بالكوفيين.
وقوله: ((لا أُلفينكم)) بضم الهمزة، من ألفيته: إذا وجدتّه، أي لا أجدنكم. قال
السنديّ رحمه الله تعالى: والنهي ظاهرًا يتوجّه إلى المتكلّم، والمراد توجيهه إلى
المخاطب: أي لا تکونوا بعدي كذلك، فإنهم إذا كانوا كذلك یجدهم كذلك.
[فإن قلت]: كيف يجدهم بعده؟ .
[قلت]: بعد موتهم، أو تُعرض حالهم عليه، أو يوم القيامة. والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٢٩/
٤١٣٠ و٤١٣١- وفي ((الكبرى)) ٢٩٣٥٩٣ و٣٥٩٤.
(١) ((لسان العرب)) ١٢٩/٤.
(٢) ((شرح السنديّ)) ٧/ ١٢٧-١٢٨.

١٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
[فإن قلت]: كيف يصح، وهو مرسلٌ، كما صوّبه المصنّف رحمه الله تعالى،
والمرسل من قسم الضعيف؟.
[قلت]: إنما صح بشواهده، فيشهد لجزئه الأول حديث ابن عمر رضي الله تعالى
عنهما المتقدّم، وحديث جرير بن عبد الله الآتي، ولجزئه الأخير ما يأتي للمصنّف في
((القسامة)) من حديث أبي رِمئة ٤٨٣٥/٤١-رضي الله تعالى عنه، عن النبيّ صلّى اللَّه
تعالى عليه وسلم: ((أما إنك لا تجني عليه، ولا يجني عليك)). و٤٨٣٦/٤١- من
حديث ثعلبة بن زهدم اليربوعيّ رضي اللّه تعالى عنه، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه
وسلم: ((ألا لا تجني نفس على أخرى)).
وما أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) من طريق شَبِيب بن غَرْقدة، عن سليمان بن عمرو
ابن الأحوص، عن أبيه، قال: سمعت رسول اللَّه وَالله يقول في حجة الوداع: ((ألا لا
يجني جان إلا على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده». ورجاله
رجال الصحيح، غير سليمان بن عمرو، وقد وُثْق، وقال عنه في ((التقريب)»: مقبول.
فمثله يصلح للاستشهاد.
وأخرج أيضًا من طريق عمران القطّان، عن محمد بن جُحَادة، عن زياد بن عِلاقة،
عن أسامة بن شريك، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول اللَّه وَّر: ((لا تجني نفس
على أخرى)). ورجاله رجال الصحيح، غير عمران القطان، فقد تُكلّم فيه من جهة
حفظه، إلا أنه لا بأس به في المتابعة .
والحاصل أن الحديث صحيح بهذه الشواهد. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((هذا الصواب)): يعني أن كونه مرسلًا هو الصواب من كونه موصولًا؛ لأن
أبا معاوية مُقدّم في الأعمش على غيره؛ لكونه أحفظ، ولا سيّما مثل شريك سيىء
الحفظ، وأبي بكر بن عيّاش، وقد ساء حفظه في آخره، وأيضًا فقد تابعه يعلى بن عبيد،
كما في الرواية التالية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣١- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ
أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا»،
مُرْسَلٌ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يعلى)): هو ابن عُبيد بن أميّة الطنافسيّ، أبو يوسف
الكوفيّ، ثقة، إلا في حديثه عن الثوريّ، ففيه لينّ، من كبار [٩] ١٤٠/١٠٥.
وقوله: ((مرسل)) خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مرسل، حيث إن مسروقًا تابعيّ،

١٤٣=
٢٩ - (تَحْرِيمُ القَل) - حديث رقم ٤١٣٣
وهو مرسل صحيح الإسناد، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٢- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
سِيرِينَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ النَّبِيْ بَِّ، قَالَ: ((لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ
رِقَابَ بَعْضٍ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((عمرو بن
زُرارة)): هو أبو محمد النيسابوريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] ٣٦٨/٧. و((إسماعيل)): هو ابن
عُليّة. و((أيوب)): هو السختيانيّ.
وقوله: ((ضُلّالًا)) بضمّ المعجمة- جمع ضالّ، وهو بمعنى قوله: ((لا ترجعوا بعدي
كفّارًا))، وقد سبق البحث فيه مستوفى قريبًا، فارجع إليه تزدد علمًا.
والحديث صحيح، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٤١٣٢/٢٩-
وفي ((الكبرى)) ٣٥٩٥/٢٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَذَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيَّ بْنِ مُذْرِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((اسْتَنْصَتَ النَّاسَ، قَالَّ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا،
يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((محمد)) شيخ ابن بشّار: هو ابن جعفر، غندر. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((عليّ
ابن مُدرك)): هو النخعيّ، أبو مدرك الكوفي، ثقة [٤] ٢٦١/١٦٨. و((أبو زرعة بن عمرو
ابن جرير»: هو البجليّ، حفيد جرير بن عبد الله الصحابي رضي الله تعالى عنه، راوي
الحديث، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقة [٣]
٥٠/٤٣. و((جرير)): هو ابن عبد الله بن جابر البجليّ الصحابيّ الشهير، مات رضي الله
تعالى عنه سنة (٥١) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٤٣/ ٥١ .
وقوله: ((في حجة الوداع)) سمّيت بذلك؛ لأن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم وزع
الناس فيها، وعلّمهم في خطبته فيها أمر دينهم، وأوصاهم بتبليغ الشرع فيها إلى من
غاب عنها، فقال صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((ليُبلّغ الشاهد منكم الغائب)). والمعروف
في الرواية ((حَجّةُ الوداع» بفتح الحاء، وقال الهرويّ وغيره، من أهل اللغة: المسموع
من العرب في واحدة الْحِجَج حِجّة بكسر الحاء، قالوا: والقياس فتحها؛ لكونها اسمًا

١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
للمرّة الواحدة، وليست عبارةً عن الهيئة حتّى تُكسر، قالوا: فيجوز الكسر بالسماع،
والفتح بالقياس. ذكره النوويّ(١).
وقوله: ((اسْتَنْصَتَ الناسَ)) بصيغة الماضي: أي طلب منهم الإنصات، وهو
السكوت، ليمكنهم الاستماع لخطبته. ولفظ الشيخين: ((اسْتَنْصِتِ الناسَ)) بصيغة
الأمر، وهي الرواية التالية للمصنّف، وهو أمر لجرير رضي اللّه تعالى عنه أن يأمر الناس
بالإنصات.
قال النوويّ في ((شرح مسلم)): معناه: مُرْهُمْ بالإنصات؛ ليسمعوا هذه الأمور
المهمّة، والقواعد التي سأقرّرها لكم، وأُحمّلكموها. انتهى (٢).
وقال العينيّ في ((شرح البخاريّ)): أَمْرٌ من الاستنصات، استفعال من الإنصات،
ومثله قليلٌ، إذ الغالب أن الاستفعال يُبنَى من الثلاثيّ، ومعناه طلب السكوت، وهو
متعدّ، والإنصات جاء لازمًا، ومتعدّيا. قال: يعني استُعمِل أنصتوه، وأنصتوا له، لا أنه
جاء بمعنى الإسكات. انتهى(٣).
وفيه أن الإنصات للعلماء لازم للمتعلّمين؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، وقوله صلّى
الله تعالى عليه وسلم هذا لجرير كان في حجة الوداع، وذلك أنه أراد أن يخطب الناس،
وكان الجمع كثيرًا جدًّا، وكان اجتماعهم لرمي الجمار، وغير ذلك من أمور الحجّ، وقد
قال لهم: (خُذُوا عنّي مناسككم))، كما ثبت في ((صحيح مسلم))، فلما خطبهم ليعلّمهم
ناسب أن يأمرهم بالإنصات.
وقد وقع التفريق بين الإنصات والاستماع في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِكَ الْقُرْءَانُ
فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ومعناهما مختلفٌ، فالإنصات هو السكوت، وهو
يحصل ممن يستمع، وممن لا يستمع، كأن يكون مفكّرًا في أمر آخر، وكذلك الاستماع
قد يكون مع السكوت، وقد يكون مع النطق بكلام آخر، لا يشغل الناطق به عن فهم ما
يقول الذي يستمع منه.
وقد قال سفيان الثوريّ وغيره: أوّل العلم الاستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم
العمل، ثم النشر. وعن الأصمعيّ تقديم الإنصات على الاستماع. وقد ذكر عليّ بن
المدينيّ أنه قال لابن عُيينة: أخبرني معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن مُطرّف، قال:
الإنصات من العينين. فقال ابن عيينة: وما ندري كيف ذلك؟، قال: إذا حدثت رجلًا،
(١) ((شرح مسلم) ٥٦/٢ ((كتاب الإيمان)».
(٢) (شرح مسلم)) ٥٦/٢. ((كتاب الإيمان)).
(٣) ((عمدة القاري)) ١٥٥/٢ ((كتاب العلم)).

١٤٥ ==
٢٩- (تحريمُ القَتَل) - حديث رقم ٤١٣٤
فلم ينظر إليك لم يكن منصتا. انتهى. وهذا محمول على الغالب. ذكره في
((الفتح))(١).
والحديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا٤١٣٣/٢٩ و٤١٣٤ - وفي ((الكبرى))
٣٥٩٦/٢٩ و٣٥٩٧. وأخرجه (خ) في ((العلم)) ١٢١ و((المغازي)) ٤٤٠٥ و((الديات))
٦٨٦٩ و((الفتن)) ٧٠٨٠ (م) في ((الإيمان)) ٦٥ (ق) في ((الفتن)) ٣٩٤٢ (أحمد) في
((مسند الكوفيين)) ١٨٦٨٦ و١٨٧٣٢ و١٨٧٧٤ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٩٢١.
وشرحه، وفوائده تقدّمت قريبًا، فارجع إليها تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٤- (أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثْنَا
إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ إِلّهِ:
(اسْتَنْصِتِ النَّاسَ))، ثُمَّ قَالَ: ((لَا أَلْفِيَتَكُمْ بَعْدَ مَا أَرَى، تَرْجِعُونَ بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ
بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أبو عبيدة بن أبي السّفَر)): هو أحمد بن عبد الله بن
محمد بن عبد الله بن أبي السّفَر بفتح الفاء - سعيد بن يُحْمِد بضمّ التحتانيّة، وكسر
الميم - الْهَمْدَانيّ الكوفيّ، صدوق ◌ِهِم [١١].
قال أبو حاتم: شيخٌ. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
قال مطيّن: مات سنة (٢٥٨) . روى عنه المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند
المصنّف حديثان فقط: هذا الحديث، وفي «کتاب الزينة)) ٥١١٨/٣١- حديث محمد
ابن عليّ، سألت عائشة رضي الله تعالى عنها، أكان رسول الله صلّى الله تعالى عليه
وسلم يتطيّب؟ قالت: نعم، بذِكارة الطيب: المسك، والعنبر)).
وباقي رجال الإسناد رجال الصحيح، وقد تقدموا غير مرّة، وهو مسلسل بثقات
الكوفيين. و((إسما عيل)): هو ابن أبي خالد. و((قيس)): هو ابن أبي حازم.
وقوله: ((أن جرير بن عبد الله، قال: قال لي رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم
الخ)) قال في ((الفتح)): فيه دليلٌ على وهم من زعم أن إسلام جرير كان قبل موت النبيّ
صلّى الله تعالى عليه وسلم بأربعين يومًا؛ لأن حجة الوداع كانت قبل وفاته صلّى الله
تعالى عليه وسلم بأكثر من أربعين يومًا، وقد ذكر جرير أنه حجّ مع النبيّ صلَّى اللَّه تعالى
عليه وسلم حجة الوداع (٢).
(١) (فتح)) ٢٩٣/١-٤٩٤. ((كتاب العلم)». حديث ١٢١.
(٢) ((فتح)) ٤٤٥/٨. (كتاب المغازي)) حديث ٤٤٠٥ .

=
=
١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ
وقال قبل ذلك في ((كتاب العلم)): ادّعى بعضهم أن لفظ ((له)) يعني في قوله: ((أن
النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم قال له)) - زيادة؛ لأن جريرًا إنما أسلم بعد حجة الوداع
بنحو من شهرين، فقد جزم ابن عبد البرّ بأنه أسلم قبل موت النبيّ صلّى الله تعالى عليه
وسلم بأربعين يومًا. وما جزم به يعارضه قول البغويّ، وابن حبّان: إنه أسلم في
رمضان، سنة عشر. قال: ووقع في رواية البخاريّ لهذا الحديث في ((باب حجة الوداع»
بلفظ أن النبيّ صلَّى اللّه تعالى عليه وسلم قال لجرير وهذا لا يحتمل التأويل، فيقوَى ما
(١)
قال البغويّ. انتھی
وقوله: ((لا أُلفينكم)) بضم الهمزة: أي لا أجدنكم. وقوله: ((بعد ما أرى)) أي بعد
الذي أراه منكم، وهو كونهم متحابّين، متصافين، غير متخالفين، ولا متخاذلين.
والحديث فيه انقطاع؛ لقول قيس: بلغني، لكنه صحيح بما قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب))(٢).
٣٧- (كِتَابُ قَسْم الْقَيْءٍ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أراد رحمه الله تعالى بالفيء هنا الخمس، كما صرّح
به في ترجمة ((الكبرى)).
ثم إنه كان الأولى له أن يقدم هذا الكتاب، فيذكره عقب ((كتاب الجهاد))؛ للمناسبة
الواضحة بينهما، وهو الذي صنعه في ((الكبرى)) حيث ذكر عقب ((كتاب الجهاد)) ((كتابَ
الخيل))، ثم أتبعه بهذا الكتاب، وترجم له بـ«كتاب الخمس))، فكان ترتيبه فيه على ما يليق.
و((القسم)) بفتح، فسكون- مصدر قَسَم الشيءَ قَسْمًا، من باب ضرب: إذا فَرَزَه،
وجعله أجزاءً، والفاعل قاسم، والقَسّام مبالغة فيه، والموضع مَقْسِم، مثلُ مَسْجِدٍ،
والاسم الْقِسْم بالكسر، ثم أطلق على الحصة والنَّصيب، فيقال: هذا قِسْمي: أي
حظّي، والجمع أقسامٌ، مثلُ حِمْلٍ وأحمالٍ، واقتسموا المالَ بينهم، والاسم القِسْمة،
(١) ((فتح)) ٢٩٣/١ ((كتاب العلم)). حديث ١٢١.
(٢) يوجد في النسخة الهنديّة هنا: ما نصه: ((آخر كتاب المحاربة))، وأوّل ((كتاب قسم الفيء)).

١٤٧ =
٣٧- (كِتَبُ قَسْمِ الفَيْءِ) - حديث ٤١٣٥
وأُطلقت على النصيب أيضًا، وجمعها قِسَم، مثلُ سِذْرة وسِدَرٍ. أفاده في ((المصباح
المنير))(١).
و((الْفَيْءُ)) بفتح الفاء، وسكون التحتانيّة -: الْخَرَاج، والغنيمة، وهو بالهمز، ولا
يجوز الإبدال والإدغام، وباب ذلك الزائد، مثلُ الخطيئة، ولا يكون في الأصليّ على
الأكثر، إلا في الشعر. قاله الفيوميّ رحمه الله تعالى.
وفي ((المغرب)): ((الفيء: هو ما نِيل من الكفّار بعد ما تضع الحرب أوزارها، وتصير
الدار دار الإسلام، وذكروا في حكمه أنه لعامّة المسلمين، ولا يُخمس، ولا يُقسم
كالغنيمة، والمراد هنا ما يعمّ الغنيمة، أو الغنيمةُ. ذكره السنديّ(٢).
وقال ابن الأثير رحمه اللّه تعالى: قد تكرّر ذكر ((الفيء)) في الحديث على اختلاف
تصرّفه، وهو ما حصل للمسلمين من أموال الكفّار، من غير حرب، ولا جهاد، وأصل
الفيء: الرجوع، يقال: فاء يَفِيء فِئَةً، وفُيُوءًا، كأنه كان في الأصل لهم، فرجع إليهم،
ومنه قيل للظلّ الذي يكون بعد الزوال: فَيْءٌ؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب
(٣)
الشرق. انتهى(٣).
وقال في ((اللسان)) نقلًا عن ((تهذيب الأزهريّ)): الْفَيْءُ: ما رد اللَّه تعالى على أهل
دينه من أموال من خالف دينه، بلا قتال، إمّا بأن يُجْلَوْا عن أوطانهم، ويُخَلُّوها
للمسلمين، أو يُصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم، أو مالٍ غيرِ الجزية، يقتدون
به من سَفْك دمائهم، فهذا المال هو الفيءُ في كتاب اللَّه، قال الله تعالى: ﴿فَمَّاً
أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]: أي لم تُوجفوا عليه خيلًا، ولا ركابًا،
نزلت في أموال بني النضير، حين نقضوا العهد، وجُلُوا (٤) عن أوطانهم إلى الشام،
فقسم رسول الله صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم أموالهم، من النخيل، وغيرها في الوجوه
التي أراده الله تعالى أن يقسمها فيه. وقسمة الفيء غير قسمة الغنيمة التي أوجف الله
عليها بالخيل والرجاب. وأصل الفيء: الرجوع؛ سمّي هذا المال فيئًا؛ لأنه رجع إلى
المسلمين من أموال الكفّار عَفْوًا، بلا قتال. وكذلك قوله تعالى في قتال أهل البغي:
﴿وَحَّ نَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩]: أي ترجع إلى طاعة الله تعالى. انتهى(٥
(١) ((٢ /٥٠٢ .
(٢) راجع ((شرح السنديّ)) ١٢٨/٧.
(٣) ((النهاية)) ٣/ ٤٨٢.
(٤) بضم الجيم، مبنيا للمفعول، من جلا ثلاثيا، كأجلى رباعيا.
(٥) ((لسان العرب)) ١٢٦/١-١٢٧.

١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْقَيْءِ
والله تعالى أعلم. بالصواب.
٤١٣٥- (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ
ابْنِ يَزِيدَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، أَنَّ نَجْدَةَ الْحَرُورِيَّ، حِينَ خَرَجَ فِي فِتْتَةِ ابْنِ
الزُّبَيْرِ، أَرْسَلَ إِلَى أَبْنِ عَبَّاسٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبِى، لِمَنْ تَرَاهُ؟ قَالَ: هُوَ لَنَا،
لِقُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ وََّ، قَسَمَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ لَّهُمْ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ عَرَضَ عَلَيْنَا شَيْئًا،
رَأَيْنَاهُ دُونَ حَقْنَا، فَأَبَيْنَا أَنْ نَقْبَلَهُ، وَكَانَ الَّذِي عَرَضَ عَلَيْهِمْ، أَنْ يُعِينَ نَاكِحَهُمْ، وَيَقْضِيَ
عَنْ غَارِمِهِمْ، وَيُعْطِيَ فَقِيرَهُمْ، وَأَبَّى أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (هارون بن عبد اللَّه الحمّال) أبو موسى البغداديّ، ثقة [١٠] ٦٢/٥٠.
٢- (عثمان بن عمر) العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة [٩] ١١١٨/١٥١.
٣- (يونس بن يزيد) الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة [٧] ٩/٩.
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الشهير المدنيّ [٤] ١/١ .
٥- (يزيد بن هرمز) المدنيّ، والد عبد الله، مولى بني ليث، وقيل: عفّان، وقيل:
آل ذئاب، وقيل: إنه يزيد الفارسيّ، والصحيح أنه غيره، ثقة [٣].
قال ابن سعد: كان على الموالي يوم الحرّة، ومات بعد ذلك، وكان ثقة، إن شاء
اللّه تعالى. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال محمد بن إسحاق، عن الزهريّ:
حدّثني يزيد بن هُرْمُز، وكان من الثقات. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. وقال ابن أبي
حاتم: اختلفوا، هل هو يزيد الفارسيّ، أو غيره، فقال ابن مهديّ، وأحمد: هو ابن
هرمز. وأنكر يحيى بن سعيد القطّان أن يكونا واحدًا. وسمعت أبي يقول: يزيد بن
هرمز هذا ليس بيزيد الفارسيّ، هو سواه، فأما ابن هرمز فهو والد عبد الله بن يزيد بن
هرمز، وكان من أبناء الفرس الذين جالسوا أبا هريرة، وليس بحديثه بأس. انتهى.
وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. روى له
مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب
فقط .
٦- (ابن عبّاس) عبد الله البحر رضي اللَّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من العبادلة

١٤٩
٣٧- (كِتَبُ قَسْمِ الفَيْءِ) - حديث ٤١٣٥
الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، ومن المشهورين بالفتيا. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُزْمُزَ) المدنيّ (أَنَّ نَجْدَةً) -بفتح النون، وسكون الجيم، بعدها دالٌ
مهملة، ثم هاء- ابن عامر الحنفيّ، من بني حنيفة، خارجيّ من اليمامة، وأصحابه
النجَدَات، محرّكةً، وهم قومٌ من الحروريّة، ويقال لهم أيضًا: النّجديّة. قاله في
((القاموس))، و((شرحه))(١).
(الْحَرُورِيَّ) بفتح الحاء المهملة، نسبة إلى حَرُوراء، وهي موضع بقرب الكوفة،
خرج منه الخوارج على عليّ رضي اللَّه تعالى عنه، وفيها قُتلوا، وكان نجدة هذا منهم،
وعلى رأيهم؛ لذلك استثقل ابن عبّاس مجاوبته، وكرهها، لكنه أجابه مخافة جهل يَقَع
له، فيُقتي، ويعمل به. قاله القرطبيّ(٢).
(حِينَ خَرَجَ فِي فِتْنَةٍ) عبد اللَّه (بْنِ الزُّبَيْرِ) رضي اللَّه تعالى عنهما، وسبب فتنته رضي
الله تعالى عنه أنه لما أراد أن يبايع معاوية رضي الله تعالى عنه لولده يزيد بن معاوية
امتنع ابن الزبير، وتحوّل إلى مكة، وعاذ بالحرم، فأرسل إليه يزيدُ سليمانَ أن يُبايع له،
فأبى، ولقّب نفسه عائذ اللَّه، فلما كانت وقعة الحرّة، وفَتَك أهل الشام بأهل المدينة،
ثم تحوّلوا إلى مكة، فقاتلوا ابن الزبير، واحترقت الكعبة أيام ذلك الحصار، ففجعهم
الخبر بموت يزيد بن معاوية، فتوادعوا، ورجع أهل الشام، وبايع الناس عبد الله بن
الزبير بالخلافة، وأرسل إلى أهل الأمصار يُبايعهم إلا بعض أهل الشام، فسار مروان،
فغلب على بقيّة الشام، ثم على مصر، ثم مات، فقام عبد الملك بن مروان، فغلب على
العراق، وقَتل مصعب بن الزبير، ثم جهّز الْحَجّاجَ بن يوسف إلى ابن الزبير، فقاتله إلى
أن قَتَلَ ابن الزبير في جمادى الأولى، سنة (٧٣) من الهجرة، وهذا هو المحفوظ، وهو
قول الجمهور. وقيل: غير ذلك في سنة قتله. ذكره في ((الإصابة))(٣).
(أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى) اختصر
المصنف رحمه الله تعالى من مسائل نجدة الحروريّ لابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما
على مسألة واحدة، وهي خمس مسائل، وقد ساق مسلم رحمه اللّه تعالى في
(١) (تاج العروس في شرح القاموس)) ٢/ ٥١١.
(٢) ((المفهم)" ٦٨٧/٣ ((كتاب الجهاد والسير)).
(٣) راجع الإصابة)) ٨٨/٦.

=
١٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْم الْقَيْءِ
((صحيحه)) الحديث بطوله، فذكرها، فقد أخرجه من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس، يسأله عن خمس خلال، فقال ابن
عباس: لولا أن أكتم علما، ما كتبت إليه(١)، كتب إليه نجدة: أما بعدُ فأخبرني هل كان
رسول اللَّه ◌َلم يغزو بالنساء؟، وهل كان يضرب لهن بسهم؟، وهل كان يقتل
الصبيان؟، ومتى ينقضي يُتمُ اليتيم؟، وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس،
كتبت تسألني هل كان رسول اللّه وَلهره يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن، فيداوين
الجرحى، ويُحذَين(٢) من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن، وإن رسول اللّه وَتِه
لم يكن يقتل الصبيان، فلا تقتل الصبيان، وكتبت تسألني متى ينقضي يُتْمُ اليتيم،
فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته، وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف العطاء منها، فإذا
أخذ لنفسه، من صالح ما يأخذ الناس، فقد ذهب عنه اليتم، وكتبت تسألني عن الخمس
لمن هو؟ وإنا كنا نقول هو لنا، فأبى علينا قومنا ذاك.
وأخرجه من طريق قيس بن سعد، عن يزيد بن هرمز، قال: كتب نجدة بن عامر إلى
ابن عباس، قال: فشهدت ابن عباس حين قرأ كتابه، وحين كتب جوابه، وقال ابن
عباس: والله لولا أن أرده عن نَثْنِ يقع فيه(٣)، ما كتبت إليه، ولا نُعْمَّةً عينٍ، قال:
فكتب إليه: إنك سألت عن سهم ذي القربى، الذي ذكر الله، من هم؟ وإنا كنا نَرَى أن
قرابة رسول اللّه ◌َلير هم نحن، فأبى ذلك علينا قومنا، وسألت عن اليتيم متى ينقضي
يتمه؟، وإنه إذا بلغ النكاح، وأُونس منه رشد، ودُفع إليه ماله، فقد انقضى يتمه،
وسألت هل كان رسول اللّه ◌َ ل يقتل من صبيان المشركين أحدا؟ فإن رسول الله بێے، لم
يكن يقتل منهم أحدا، وأنت فلا تقتل منهم أحدا، إلا أن تكون تعلم منهم ما علم
الخضر من الغلام، حين قتله، وسألت عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم، إذا
حضروا البأس؟ فإنهم لم يكن لهم سهم معلوم، إلا أن يُحذَيا من غنائم القوم.
فقوله (عَنْ سَهْم ذِي الْقُرْبَى) -بضم، فسكون، فُعْلَى، أي القرابة، وهو مصدر
قَرُبَ، كَكَرُمَ، يقالَ: قَرُب الشيء منّا قُرْبًا، وقَرَابةٌ، وقُرْبَةٌ، وقُرْبَى، ويقال: القُرْب في
المكان، والقُربة في المنزلة، والقُرْبَى، والقَرَابة في الرَّحِم. قاله الفيوميّ.
وأراد بالسهم السهمَ الذي ذكره الله تعالى في كتابه في آية الغنيمة: ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا
غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَِّ حُسَهُ, وَلِلَرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْكَ﴾ الآية [الأنفال: ٤١].
(١) أي لكونه من الخوارج.
(٢) بضم أوله مبنيا للمفعول: أي يعطين تلك العطيّة، وتسمى الرضخ.
(٣) يعني بالنتن الفعل القبيح.

١٥١ =
٣٧- (كِتَبُ قَسْمِ الفَيْءِ) - حديث ٤١٣٥
وفي رواية مسلم المذكورة: ((كتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟، فأبى علينا
قومنا)).
قال القرطبيّ: هذا الخمس المسؤول عنه هو خمس الخمس، لا خمس الغنيمة، ولا
يقول ابن عبّاس، ولا غيره: إن خمس الغنيمة يُصرف في القرابة، وإنما يُصرف إليهم
خمس الخمس، على قول من يقسم الغنيمة على خمسة أخماس، وهو مذهب
الشافعيّ، وأحمد بن حنبل. انتهى ببعض تصرّف(١).
وقال النوويّ: قوله: ((أبى علينا قومنا ذاك)): أي رأوا أنه لا يتعيّن صرفه إلينا، بل
يصرفونه في المصالح، وأراد بقومه ولاة الأمر من بني أميّة، قال: وقد قال الشافعيّ
رحمه الله تعالى: يجوز أن ابن عباس أراد بقوله: ((أبي ذاك علينا قومنا)) من بعد
الصحابة، وهم يزيد بن معاوية. والله أعلم. انتهى(٢).
(لِمَنْ تَرَاهُ؟) أي لمن تعتقده، لقربى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، أم
يصرف الإمام في مصالح المسلمين؟. وقال السندي: وكأنه تردّد أنه القربى الإمام، أو
القربى الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، فبيّن له ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما أن
المراد الثاني، لكن الدليل الذي استدلّ به على ذلك، لا يتمّ؛ لجواز أن النبيّ صلّى الله
تعالى عليه وسلم قسم لهم ذلك؛ لكونه هو الإمام، فقرابته قرابة الإمام، لا لكون المراد
قرابة الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، إلا أن يُقال: المراد قسم لهم مع قطع النظر
عن كونه إمامًا، والمتبادر من نظم القرآن، هو قرابة الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه
وسلم، مع قطع النظر عن هذا الدليل، فليتأمّل. والله تعالى أعلم. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره السنديّ، من جواز أنه
صلّى الله تعالى عليه وسلم إنما قسم لهم لكونه هو الإمام الخ، بعيدٌ جدًّا عن سياق
الآية، كما اعترف به هو في آخر كلامه، حيث قال: والمتبادر من نظم القرآن الخ،
ودعواه عدم استدلال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما على ما قاله بقسم رسول الله
صلّى الله تعالى عليه وسلم لهم، غير صحيح، فإن رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه
وسلم إنما قسم لهم عملًا بما في الآية، وقد اعترف نفسه بأن المتبادر نظم الآية هو
المعنى الثاني، وهو المتبادر أيضًا من فعله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، فاستدلال ابن
عباس رضي اللّه تعالى عنهما تام، فتبصر، ولا تتحيّر، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٦٨٨/٣-٦٨٩.
(٢) ((شرح مسلم)» ٣٩٧/١٢.
(٣) (شرح السندي)) ١٢٨/٧-١٢٩.

١٥٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ
(قَالَ) ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما (هُوَ لَنَا، لِقُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ) ((القربى))
بدل من «لنا)). وقوله (قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ لَهُمْ) جملة تعليلية؛ أي لأنه صلّى الله تعالى
عليه وسلم قسمه لذوي القربى، فنحن أحقّ به (وَقَدْ كَانَ عُمَرُ) بن الخطّاب رضي الله
تعالى عنه (عَرَضَ) بفتح الراء، من باب ضرب (عَلَيْنَا شَيْئًا) أي أنه كان يُعطينا شيئًا من
الخمس (رَأَيْنَاهُ دُونَ حَقْنَا) قال السنديّ: لعله مبنيّ على أن عمر رضي اللَّه تعالى عنه
رآهم مصارف، فجوَّز الصرف إلى بعض كما في الزكاة عند الجمهور، وهو مذهب
مالك ههنا، والمختار من مذهب الحنفيّة أنّ الخیار للإمام، إن شاء قسم بینھم بما یری،
وإن شاء أعطى بعضًا، دون بعض، حسبما تقتضيه المصلحة، وابن عباس رضي الله
تعالى عنهما رآهم مستحقّين لخمس الخمس، كما يقول الشافعيّ ههنا وفي الزكاة، فقال
ابن عبّاس بناء على ذلك: إنه عرض عليهم دون حقّهم. والله تعالى أعلم. انتهى(١).
(فَأَبَيْنَا أَنْ تَقْبَلَهُ) أي امتنعنا من قبوله. ثم بيّن الذي عرضه عليهم عمر رضي الله
تعالى عنه بقوله (وَكَانَ الَّذِي عَرَضَ عَلَيْهِمْ، أَنْ يُعِينَ) بضمّ أوّله، من الإعانة (نَاكِحَهُمْ)
أي في مؤن النكاح، من المهر وغيره (وَيَقْضِيَ) بفتح أوّله من القضاء، أي يؤدي (عَنْ
غَارِمِهِمْ) أي مَدِينهم (وَيُعْطِيَ) بضم أوله، من الإعطاء (فَقِيرَهُمْ، وَأَبَّى أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى
ذَلِكَ) أي امتنع عمر رضي اللَّه تعالى عنه أن يعطيهم أكثر مما يسد حاجتهم؛ لأنه لا
يراهم مستحقين أكثر من ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٣٥/١ و٤١٣٦- وفي ((الكبرى)) ٤٤٣٥/١ و٤٤٣٦. وأخرجه (م)
في ((الجهاد والسير)) ١٨١٢ (د) في ((الخراج)) ٢٩٨٢ (أحمد) في ((مسند بني هاشم))
١٩٦٨ و٢٨٠٧ و٢٩٣٥ (الدارمي) («في ((السير)) ٢٤٧١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان قسم الفيء. (ومنها): جواز
(١) (شرح السنديّ)) ١٢٩/٧.

١٥٣
٣٧- (كِتَبُ قَسْم الفَيْءِ) - حديث ٤١٣٦
أخذ العلم بالمكاتبة، والمراسلة. (ومنها): إفتاء العالم لأهل البدع إذا كان فيه مصلحة، أو
خاف مفسدة، لو لم يُفتِهِم، فإن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: ((فلو لا أن يقع في
أُحموقة ما كتبت إليه)) (ومنها): حلّ الغنائم. (ومنها): أن لقربى رسول الله صلّى الله تعالى
عليه وسلم سهمًا خاصًا بهم، يستحقّونه، وهو خمس الخمس، كما قال ابن عبّاس رضي
اللَّه تعالى عنهما هنا، وبهذا قال الشافعيّ رحمه اللّه تعالى، وسيأتي تحقيق الخلاف في
ذلك، إن شاء الله تعالى. وذوو القربى هم عند الشافعيّ، والأكثرين بنو هاشم، وبنو
المطّلب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
٤١٣٦- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُزْمُزَ، قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ
إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَىَ، لِمَنْ هُوَ؟ قَالَ يَزِيدُ بْنُ هُزْمُزَ: وَأَنَا كَتَبْتُ
كِتَابَ أَبْنِ عَبَّاسِ إِلَى نَجْدَةَ، كَتَبَّتُ إِلَيْهِ، كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى، لِمَنْ هُوَ؟
وَهُوَ لَنَا،َ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ، دَعَانَا إِلَى أَنْ يُنْكِحَ مِنْهُ أَيْمَّنَا، وَيُحْذِيَ مِنْهُ عَائِلَنَا،
وَيَقْضِيَ مِنْهُ عَنْ غَارِمِنَا، فَأَبَيْنَا إِلَّا أَنْ يُسَلْمَهُ لَنَا، وَأَبَى ذَلِكَ، فَتَرَكْنَاهُ عَلَيْهِ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير
مرّة. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس البصريّ الحافظ الثبت [١٠]. و((يزيد بن
هارون)): هو أبو خالد الواسطيّ الثقة الحافظ العابد [٩]. و((محمد بن إسحاق)): هو
أبو بكر المطلبيّ مولاهم المدنيّ، إمام المغازي، صدوقٌ يُدلّس، من صغار [٥] .
و((محمد بن عليّ)): هو أبو جعفر الباقر المدنيّ، ثقة فاضل [٤] .
وقوله: ((ومحمد بن علي)) بالجرّ عطفًا على ((الزهري))، فابن إسحاق يروي عن كلِّ
من الزهري ومحمد بن عليّ. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((كتبت إليه كتبت الخ)) الأول بضم التاء؛ لأنه ضمير للمتكلّم، وهو يزيد،
والثاني بفتحها؛ لأنه ضمير للمخاطب، وهو نجدة، والمعنى أن يزيد بن هُرمز كتب إلى
نجدة بأمر ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما كتابًا، نصُّهُ: ((كتبت تسألني الخ)).
وقوله: ((أن يُنكح)) بضم أوله، من الإنكاح. وقوله: ((أيمنا)) - بفتح الهمزة، وتشديد
التحتانيّاللَّهُمَّ: قال الفيّوميّ: الأَيَّم: الْعَزَبُ، رجلًا كان، أو امرأةً، قال الصغانيّ: وسواءٌ
تزوّجٍ من قبلُ، أو لم يتزوّج، فيُقال: رجلٌ أيّمٌ، وامرأةٌ أَيّمٌ، قال الشاعر [من الطويل]:
فَأَبْنَا وَقَدْ آبَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ وَنِسَاءُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ
وقال ابن السّكّيت أيضًا: فلانةٌ أَيّمٌ، إذا لم يكن لها زوجٌ، بكرًا كانت، أو ثيبًا،
ويقال أيضًا أَيِّمَةٌ للأنثى. انتهى.

١٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْقَيْءِ
وقوله: ((ويُخذي)) بضمّ أوّله، يقال: أحذيته أُحذِيه إِحذاءً: إذا أعطيته، وهي
الْحُذْيَا، والْحَذِيَّةُ. أفاده ابن الأثير(١). وقوله: ((عائلنا)): أي فقيرنا. وقوله: ((عن
غارمنا)): أي مدیوننا.
وقوله: ((إلا أن يسلّمه لنا) من التسليم: أي يدفع سهم ذوي القربى لنا. والمراد أنهم
أرادوا أن يدفعه كلّه لهم، وعمر رضي اللَّه تعالى عنه لم ير ذلك، بل حقّهم بحسب
حاجتهم فقط .
والحديث أخرجه مسلم مطوّلًا من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه، كما سبق بيانه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَخْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ - يَعْنِي ابْنَ مُوسَى - قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو
إِسْحَاقَ - وَهُوَ الْفَزَارِيُّ - عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِلَى عُمَرَ بْنِ الْوَلِيدِ
كِتَابًا، فِيهِ: وَقَسْمُ أَبِيكَ لَكَ الْخُمُسُ كُلُّهُ، وَإِنَّمَا سَهْمُ أَبِكَ، كَسَهُم رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ،
وَفِيهِ حَقُّ اللَّهِ، وَحَقُّ الرَّسُولِ، وَذِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، فَمَا أَكْثَرَ
خُصَمَاءَ أَبِيكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكَيْفَ يَنْجُو مَنْ كَثُرَتْ خُصَمَاؤُهُ، وَإِظْهَارُكَ الْمَعَازِفَ، وَالْمِزْمَارَ
بِذْعَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبْعَثَ إِلَيْكَ مَنْ يَجُزُّ جَمْتَكَ، جَّةَ السَّوْءِ).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (عمرو بن يحيى) الحمصيّ، ثقة [١٢] ٢٣٢٩/٦٧ من أفراد المصنّف.
٢- (محبوب بن موسى) أبو موسى الأَنطاكيّ الفرّاء، صدوقٌ [١٠] ٣٥٨٩/١.
٣- (أبو إسحاق الفزاريّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث الإمام الحافظ الثقة،
صاحب التصانيف [٨] ٨٦٣/٥٨ .
٤- (الأوزاعيّ) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو، الدمشقيّ، الإمام الحجة الفقيه
الثبت (٧] ٤٥ / ٥٦ .
٥- (عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ الخليفة
الراشد، والإمام الزاهد، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطّاب، ولي إمرة
المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فعُدّ مع الخلفاء
الراشدين، مات في رجب سنة (١٠١)، وله (٤٠) سنة، ومدّة خلافته سنتان ونصفٌ
[٤] ١٢٢/ ١٧١. والله تعالى أعلم.
(١) ((النهاية)) ٣٥٨/١.

٣٧- (كِتَابُ قَسْم الفَيْءٍ) - حديث ٤١٣٧
١٥٥ ===
شرح الحديث
(عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ) أنه (قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الخليفة الراشد (إِلَى عُمَرَ بْنِ
الْوَلِيدِ) الظاهر أنه ولد الوليد بن عبد الملك بن مروان. ولم أجد ترجمته (كِتَابًا فِيهِ) أي
في ذلك الكتاب (وَقَسْمُ أَبِيكَ لَكَ الْخُمُسُ كُلُّهُ) الظاهر أن (قسم)) مبتدأُ، مضاف إلى
((أبيك))، وخبره قوله: ((لك)): أي وَحَظُّ أبيك كائن لك، وقوله: ((الخمس كلّه)) خبر
المحذوف: أي وهو الخمس كله، والظاهر أنه أراد توبيخه على أخذه الخمس كلّه،
راضيًا بفعل أبيه، مع أنه يتعلّق به حقوق غيره، كما بيّنه في قوله: ((وفيه حقّ اللّه الخ)).
وقال السنديّ: قوله: ((وقسم أبيك)) هكذا في نسختنا ((أبيك)) بالياء، والظاهر أن
الجملة فعليّةٌ، فالأظهر ((أبوك)) بالواو، إلا أن يُجعل (أُبَيِّكَ)) تصغير ((أَبِ))، إما لأن
المقام يُناسب التحقير، أو لأن اسم (الوليد)) يُنبىء عن الصغر، فصغّره لذلك.
ويحتمل أن يكون (قسم)) بفتح، فسكون، مصدر ((قَسَمَ))، مبتدأ، والخبر مقدّرٌ، أي
((غير مستقيم))، أو ((غير لائق))، أو نحو ذلك، أو ((الخمس كلّه))، على أن القسم بمعنى
المقسوم. انتهى كلام السنديّ رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لا حاجة لجعله جملة فعليّة؛ لأنه تكلّف لا يُساعده
تركيب الجملة، وإنما الأقرب عندي أن يكون جملة اسميّة، على الوجه الذي قدّمته.
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في ((الكبرى)) بلفظ: ((وقسم أباك لك الخ)) فيحتمل أن يكون على لغة
من يستعمل الأسماء الستّة بالألف مقصورة. والله تعالى أعلم.
(وَإِنَّمَا سَهْمُ أَبِيكَ، كَسَهْم رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) يعني أنه لا يستحقّ من الفيء أكثر من
سهم رجل من المسلمين، فَضلًا عن أن يستأثر بالخمس كلّه، ففيه ذمّه على أخذه ما لا
يستحقّه؛ لأن الخمس قد بيّن اللَّه تعالى من يستحقّه في كتابه، حيث قال: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا
غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد
العزيز رحمه اللّه تعالى بقوله (وَفِيهِ) أي في الخمس الذي أخذه عبد الملك، واستأثر به
(حَقُّ اللَّهِ) تعالى (وَحَقُّ الرَّسُولِ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (وَذِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَ
الْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ) أي كما بيّنته الآية المذكورة (فَمَا) تعجّبية (أَكْثَرَ خُصَمَاءَ أَبِيكَ)
هكذا نسخ ((المجتبى)) بلفظ ((أبيك))، وهو الصواب، ووقع في ((الكبرى)): فما أكثر
خصماء ابنك)) بلفظ ((ابنك))، وهو تصحيف. والله تعالى أعلم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) حيث منع
(١) ((شرح السنديّ)) ١٢٩/٧ - ١٣٠.

١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ
المستحقّين من حقوقهم، مستأثرًا بها (فَكَيْفَ يَنْجُو مَنْ كَثُرَتْ خُصَمَاؤُهُ) أي لأنهم
یستوفون حقوقهم من حسناته، فإن لم تف حسناته، حُمِّلَ خطاياهم، فدخل النار، كما
أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، أن رسول الله
وَلير قال: ((أتدرون ما المفلس؟))، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، فقال:
((إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا،
وقَذَف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته،
وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقْضَى ما عليه، أخذ من خطاياهم،
فطُرِ حت عليه، ثم طرح في النار)).
وقال السنديّ: قوله: ((من كثرت خصماؤه)) الظاهر من جهة الخطّ والسَّوْق أن ((من))
بفتح الميم، موصولة، فاعل (ينجو)). ويحتمل على بُعد أن فاعل ((ينجو)) ضمير أبيه،
و((من)) جازّة، فيتأمّل. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره السندي بعيد عن سياق
الحديث، فلا ينبغي ارتكابه. والله تعالى أعلم.
(وَإِظْهَارُكَ الْمَعَازِفَ) بعين مهملة، وزاي معجمة، وفاء: أي آلات اللَّهو. قال المجد:
و((المعازف)): الملاهي، كالعُود، والطَّنبور، الواحد عَزْفٌ، أو مِعْزَفٌ، كمِنبر، ومِكْنسة.
انتهى. وقال الفيّوميّ: عَزَفَ عَزْفًا، من باب ضرب، وعَزِيفًا: لَعِبَ بالْمَعازف، وهي آلات
يُضرب بها، الواحد عَزْفٌ، مثلُ فلس، على غير قياس. قالِ الأزهريّ: وهو نَقْلٌ عن
العرب، قال: وإذا قيل: الْمِعْزَفُ بكسر الميم - فهو نوع من الطَّابير، يتخذه أهل اليمن،
قال: وغير الليث يجعل الْعُود مِعْزفًا. وقال الجوهريّ: المعازف: الملاهي. انتهى.
(وَالْمِزْمَارَ) بكسر الميم: آلة الزَّمْرِ، أي الغناء، يقال: زمر يزمر، من بابي نصر،
وضرب، زمرًا، وزَمِيرًا، وزَمَّرَ تزميرًا: إذا غَنّى في القصب. قاله في ((القاموس)) (بِذْعَةٌ
فِي الْإِسْلَام) أي مُحدث فيه، حيث إن الشارع ذمّه، بل نهى عنه، فقد أخرج البخاريّ في
((صحيحه)) من طريق الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدثني أبو عامر، أو أبو مالك
الأشعري، والله ما كذبني، سمع النبي ◌َّه يقول: ((ليكوننّ من أمتي أقوام، يستحلون
الجِرَ، والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلنّ أقوام إلى جنب علم، يَرُوح عليهم
بسارحة لهم، يأتيهم -يعني الفقير لحاجة- فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيُبَيِّتُهم الله،
ويضع العلم، ويَمسَخ آخرين قردة وخنازير، إلى يوم القيامة)).
(وَلَقَدْ هَمَّمْتُ) بفتح الميم: أي قصِدتِ، يقال: هممتُ بالشيء همّا، من باب قتل:
إذا أردته، ولم تفعله. قإِله الفيّوميّ (أَنْ أَبْعَثَ إِلَيْكَ مَنْ يَجُزُّ) بجيم، وزاي مشدّدة، من
باب نصر: أي يقطع (ُمْتَكَ) بضم الجيم، وتشديد الميم: مُجتَمَّع شعر الرأس، قاله
المجد. وقال الفيّوميّ: والْجُمّة من الإنسان: مُجتَمَع شعر ناصيته، يقال: هي التي تبلُغ

١٥٧
٣٧- (كِتَابُ قَسْم الفيءِ) - حديث ٤١٣٨
المنكبين، والجمع ◌ُّم، مثلُ غُرفة وغُرَف. انتهى. وقوله (جمّةَ السَّوءِ) بالنصب بدل من
((جَمّك)). و((السَّوْءُ)) بالفتح، ويُضَمُّ، قال الفيوميّ: هو رَجُلُ سَوْءٍ بالفتح والإضافةِ،
وعَمَلُ سَوْءٍ، فإن عرّفتَ الأول قلت: الرجلُ السَّوْءُ، والعملُ السَّوْءُ على النعت. انتهى
وقال في ((القاموس)): سَاءَهُ سَوْءًا وسَوَاءٌ وسَوَاءَةً وسَوَايَةً وسَوَائِيَة ومَسَاءَةً ومَسَائِيَةٌ: فَعَلَ
به ما يَكْرَهُ، فاسْتَاءَ هو، والسُّوءُ بالضم الاسم منه، ويقال: ((لا خير في قَوْلِ السَوْءِ)) بالفتح
والضم، إذا فتحتَ فمعناه: في قولٍ قبيح، وإذا ضممتَ فمعناه: في أن تقول سُوءًا، وقُرِئ
((عليهم دائرة السوء)) بالوجهين: أي الهزيمةُ، والشرُّ، والرَّدَى، والفسادُ، وكذا ((أُمطِرَت
مَطَرَ السَّوْءِ»، أو المضموم الضرر، والمفتوح الفساد. انتهى باختصار. فأفادت عبارة
((القاموس)) أن ((السوء)) في قوله: ((جمة السّوء)) يجوز فتح سينه وضمها. والله تعالى أعلم.
قال السنديّ رحمه اللَّه تعالى: ولا كراهة في اتّخاذ الْجُمّة، فلعله كرهها؛ لأنه يتبختر
بها، فلذلك أضافها إلى السوء. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أثر عمر بن عبد العزيز هذا مقطوعٌ صحيح الإسناد، وهو
من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-١/ ٤١٣٧- وفي ((الكبرى)) ٤٤٣٧.
ومناسبته للباب واضحة، حيث إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يرى أن الخمس
يقسّم على من ذكرهم اللّه تعالى في كتابه، من الأصناف، ولا حقّ فيه لغيرهم، فما يفعله
بعض الملوك، والأمراء من الاستبداد به، فإنه ظلم، وأكل بالباطل لأموال الناس. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٨- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَم، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ
يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
سَعِيدُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ جَاءَ هُوَ، وَغَّثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، رَسُولٌ
اللَّهِ وَّهِ، يُكَلْمَانِهِ فِيمَا قَسَمَ مِنْ خُمُسَ حُنَيْنٍ، بَيْنَ بَنِيٍ هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَلِبٍ بْنِ عَبْدِ
مَنَافٍ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَسَمْتَ لِإِخْوَانِتَا بَنِي الْمُطَّلِبٍ بِنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَمْ تُعْطِئَا
شَيْئًا، وَقَرَابَتْنَا مِثْلُ قَرَابَتِهِمْ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنَّمَا أَرَى هَاشِمًا وَالْمُطَّلِبَ شَيْئًا
وَاحِدًا))، قَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: وَلَمْ يَقْسِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَاهِ لِيَتِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَلَا لِيَنِي
تَوْفَلِ، مِنْ ذَلِكَ الْخُمُسِ شَيْئًّا، كَمَا قَسَمَ لِيَّبِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطْلِبٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم) أبو القاسم المصريّ، ثقة [١١] ١٥٢/
(١) ((شرح السنديّ)) ١٣٠/٧.

١٥٨ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ
٢٩٤٤ من أفراد المصنّف.
٢- (شُعيب بن يحيى) بن السائب التُّجِيبيّ العبّاديّ، أبو يحيى المصريّ، صدوقٌ
عابدٌ [١٠].
قال أبو حاتم: شيخٌ، ليس بالمعروف. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: إنه مستقيم
الحديث. واحتج به ابن خُزيمة في ((صحيحه)). وقال ابن يونس: كان رجلاً صالحًا، غَلَبت
عليه العبادة، توفّي سنة (١١)، وقيل: (٢١٥) . تفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٣- (نافع بن يزيد) الْكَلَاعيّ، أبو يزيد المصريّ، ثقة عابد [٧] ٢٠٩٨/٣.
٤- (يونس) بن يزيد الأيليّ المذكور أول الباب.
٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام المذكور أول الباب أيضًا.
٦- (سعيد بن المسيب) بن حزن المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت
فاضل، من كبار [٣] ٩/٩.
٧- (جُبير بن مطعم) بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ، الصحابيّ،
مات سنة ثمان، أو تسع وخمسين، وتقدّمت ترجمته في ١٥٨/ ٢٥٠ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين إلى
يونس، فإنه سكن مصر أيضًا، وبعده بثقات المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن المسيب من الفقهاء السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن ابن المسيّب رحمه الله تعالى (أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِم) رضي اللَّه تعالى عنه أنه
(حَدَّثَهُ) أي حدّث سعيدًا (أَنَّهُ جَاءَ هُوَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أميّة بن عبد
شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، وأحد الخلفاء الأربعة، والمبشرين بالجنة، استُشهد
رضي الله تعالى عنه في ذي الحجة، بعد عيد الأضحى سنة (٣٥)، وكانت خلافته اثنتي
عشرة سنة، وعمره ثمانون، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، وتقدّمت ترجمته في ٦٨ / ٨٤ .
وإنما اختصّ جبير، وعثمان بالمجيء؛ لأن عثمان من بني عبد شمس، وجبير بن
مطعم من بني نوفل، وعبدُ شمس، ونوفلٌ، وهاشم، والمطّلب سواء، الجميعُ بنو
عبد مناف، وهذا معنى قولهما: ((وقرابتنا مثل قرابتهم)).
(رَسُولَ اللّهِ وَ لَهَ) بنصب ((رسول)) على المفعوليّة [((جاء)) (يُكَلْمَانِهِ فِيمَا قَسَمَ مِنْ

١٥٩
٣٧- (كِتَبُ قَسْمِ الفَيْءٍ) - حديث ٤١٣٨
◌ُمُسٍ حُنَيْنِ) أي خُمُسٍ الغنيمة التي حصلت من غزوة حُنين، بصيغة التصغير: واد بين
مكة والطائف، وهو مذكّر منصرفٌ، وقد يؤنّث على معنى البقعة.
وقصّة حُنين أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم فتح مكة في رمضان سنة ثمان، ثم
خرج منها لقتال هَوَازن، وثَقِيف، وقد بقيت أيام من رمضان، فسار إلى حنين، فلما
التقى الجمعان، انكشف المسلمون، ثم أمدّهم الله بنصره، فعطفوا، وقاتلوا
المشركين، فهزموهم، وغَنِموا أموالهم، وعيالهم، ثم صار المشركون إلى أوطاس،
فمنهم من سار على نَخلَّةَ اليمانيّة، ومنهم من سلك الثنايا، وتبعت خيلُ رسول الله
صلّى الله تعالى عليه وسلم من سلك نخلة. ويقال: إنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أقام
عليها يومًا وليلةً، ثم صار إلى أوطاس، فاقتتلوا، وانهزم المشركون إلى الطائف، وغنم
المسلمون منها أيضًا أموالهم وعيالهم، ثم صار إلى الطائف، فقاتلهم بقيّة شوّال، فلما
أهلّ ذو القعدة ترك القتال؛ لأنه شهرٌ حرامٌ، ورحل راجعًا، فنزل الجعرانة، وقسم بها
غنائم أوطاس، وحُنين، ويقال: كانت ستة آلاف سبيّ. والله تعالى أعلم.
(بَيْنٍ بَنِي هَاشِم، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَسَمْتَ لِإِخْوَانِتَا
بَنِي الْمُطْلِبِ بْنِ عَبّدِ مَنَافٍ، وَلَمْ تُعْطِنَا شَيْئًا، وَقَرَابَتْنَا مِثْلُ قَرَابَتِهِمْ) حيث إنهم كلهم أولاد
عبد مناف . وفي الرواية التالية: ((فقلنا: يا رسول اللَّه هؤلاء بنو هاشم، لا ننكر
فضلهم، لمكانك الذي جعلك الله به منهم، أرأيت بني المطّلبِ أعطيتهم، ومنعتنا،
فإنما نحن وهم منك بمنزلة)) (فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِنَّمَا أَرَى هَاشِمًا وَالْمُطَّلِبَ
شَيْئًا وَاحِدًا))) وفي نسخة: ((كشيء واحد)». والمراد بهاشم، والمطّلب أولادهما، أي هم
الكمال الاتحاد بينهم في الجاهلية والإسلام كشيء واحد، كما أوضحه في الرواية التالية،
حيث قال: ((إنهم لم يفارقوني في جاهليّة، ولا إسلام، إنما بنو هاشم، وبنو المطّلب
شيء واحد، وشبك بين أصابعه)).
[تنبيه]: قوله: ((إنما أرى الخ)) هكذا نسخ ((المجتبى))، ووقع في ((الكبرى)) بدله:
((إنما أبناء هاشم والمطّلب واحد)). ووقع عند أكثر رواه البخاريّ: ((إنما بنو المطّلب،
وبنو هاشم شيء واحد))، بالشين المعجمة المفتوحة، والهمزة. قال الحافظ: ووقع في
رواية الحمويّ ((سِيٍّ (١) واحدٌ)) بكسر المهملة، وتشديد التحتانيّة، وكذلك كان يرويه
يحيى بن معين وحده. قال الخطابيّ: هو أجود في المعنى. ووقع في رواية أبي زيد
المروزيّ: ((شيء أحدٌ)) بغير واو، وبهمز الألف، فقيل: هما بمعنى. وقيل: الأحد
الذي ينفرد بشيء لا يشاركه فيه غيره، والواحد أول العدد. وقيل: الأحد المنفرد
بالمعنى، والواحد المنفرد بالذات. وقيل: الأحد لنفي ما يُذكر معه من العدد، والواحد
(١) ((السِّيّ)) بكسر السين المهملة وتشديد الياء التحتانيّة: المثل، فمعناه هنا: مثلٌ واحدٌ، فيكون وحد
مؤكدًا لسيّ. والله تعالى أعلم.

١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ
اسم لمفتاح العدد من جنسه. وقيل: لا يقال: أحد إلا لله تعالى. حكى جميع هذا
عياض. ونقله في ((الفتح)).
(قَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: وَلَمْ يَقْسِمْ) بفتح أوّله (رَسُولُ اللَّهِ وَلِ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَلَا
لِبَنِي نَوْفَلٍ، مِنْ ذَلِكَ الْخُمُسِ شَيْئًا، كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمِ، وَبَتِي الْمُطْلِبٍ) زاد في رواية
أبي داود: ((وكان أبو بكر يَقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه
وسلم، غير أنه لم يكن يُعطي قربى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، وكان عمر
يُعطیهم منه، وعثمان بعده)).
قال في ((الفتح)): وهذه الزيادة بيّن الذهليّ في ((جمع حديث الزهريّ)) أنها مدرجة من
كلام الزهريّ، وأخرج ذلك مفصّلًا من رواية الليث، عن يونس، وكأنّ هذا هو السرّ في
حذف البخاريّ هذه الزيادة، مع ذكره لرواية يونس. انتهى(١).
[فائدة]: ذكر البخاريّ رحمه الله تعالى عقب الحديث المذكور: ما نصّه: وقال ابن
إسحاق: عبد شمس، وهاشم، والمطّلب إخوة لأمّ، وأمّهم عاتكة بنت مرّة، وكان
نوفل أخاهم لأبيهم. انتهى. قال في ((الفتح)): وصله في ((التاريخ)). وقوله: عاتكة بنت
مرّة)) أي ابن هلال، من بني سليم. وقوله: ((وكان نوفلٌ أخاهم لأبيهم)) لم يُسمّ أمه،
وهي واقدة بالقاف- بنت عديّ، واسمه نوفل بن عُبادة، من بني مازن بن صعصعة.
وذكر الزبير بن بكّار في ((النسب)) أنه كان يقال لهاشم والمطّلب: البدران، ولعبد شمس
ونوفل: الأبهران. وهذا يدلّ على أن بني هاشم والمطّلب ائتلافًا، سرى في أولادهما
من بعدهما، ولهذا لَمّا كتبت قريش الصحيفة بينهم وبين بني هاشم، وحصروهم في
الشّعب، دخل بنو المطّلب مع بني هاشم، ولم تدخل بنو نوفل، وبنو عبد شمس.
انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جبير بن مطعم رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٣٨/١ و٤١٣٩- وفي ((الكبرى)) ٤٤٣٨/١ و٤٤٣٩. وأخرجه (خ)
(١) ((فتح)) ٦/ ٣٧٥ (كتاب فرض الخمس)) حديث: ٣١٤٠.
(٢) ((فتح)» ٣٧٥/٦-٣٧٦.