النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
٢٩ - (تَحْرِيمُ القتل) - حديث رقم ٤١١٨
صاحبه (فَهُمَا عَلَى جُرُفٍ جَهَنَّمَ) بضم الجيم، والراء، ويجوز تسكين الراء -: هو ما
جَرَفته السيول، وأكلته من الأرض. أفاده في ((المصباح)). وقال السنديّ: هو مُستعارٌ
من جُرُف النهر الطرف، كالسيل، وهو كناية عن قربهما من جهنّم. انتهى.
(فَإِذَا قَتَلَهُ خَرًّا) أي سقط القاتل والمقتول (جميعًا فيها) أي جهنم.
قال في ((الفتح)): قَالَ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى كَوْنِهِمَا فِي النَّارِ، أَنَّمَا يَسْتَحِقَّانِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ
أَمْرهمَا إِلَى اللَّه تَعَالَى، إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُمَا، ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا مِنْ النَّار، كَسَائِرِ الْمُوَحِّدِينَ، وَإِنْ
شَاءَ عَفَا عَنْهُمَا، فَلَمْ يُعَاقِبِهُمَا أَصْلا. وَقِيلَ: هُوَّ مَحْمُول عَلَى مَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، وَلا
حُجَّةٍ فِيهِ لِلْخَوَارِجِ، وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، بِأَنَّ أَهْلِ الْمَعَاصِي مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ؛ لِأَنَّةُ
لَا يَلْزَم مِنْ قَوْله: ((فَهُمَا فِي النَّار))، اسْتِمْرَار بَقَّائِهِمَا فِيهَا. وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ الْقِتَالِ فِي
الْفِتْتَةِ، وَهُمْ كُلّ مَنْ تَرَكَ الْقِتَالِ مَعَ عَلِيٍّ، فِي حُرُوبِهِ، كَسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص، وَعَبْدِ اللّه
ابْنِ عُمَر، وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ، وَأَبِي بَكْرَة، وَغَيْرِهمْ، وَقَالُوا: يَجِبِ الْكَفِّ حَتَّى لَوْ أَرَادَ
أَحَد قَتْله، لَمْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِه: وَمِنْهُمْ: مَنْ قَالَ: لَا يَدْخُلِ فِي الْفِتْنَة، فَإِنْ أَرَادَ أَحَد
قَتْله، دَفَعَ عَنْ نَفْسِه. وَذَهَبَ جُهُورِ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِلَى وُجُوب نَصْر الْحَقْ، وَقِتَال
الْبَاغِينَ، وَحَمَلَ هَؤُلاءِ الأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ، عَلَى مَنْ ضَعُفَ عَنْ الْقِتَالِ، أَوْ قَصَرَ
نَظَرُهُ عَنْ مَعْرِفَة صَاحِب الْحَقْ.
وَاتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّة عَلَى وُجُوبِ مَنْعِ الطَّعْن عَلَى أَحَد مِنْ الصَّحَابَةِ، بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُمْ
مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ عُرِفَ الْمُحِقُّ مِنْهُمْ؛ لأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي تِلْكَ الْحُرُوبِ، إِلا عَنْ اجْتِهَاد،
وَقَدْ عَفَا اللَّه تَعَالَّى عَنْ الْمُخْطِئْ فِي الاجْتِهَادِ، بَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤْجَر أَجْرًا وَاحِدًا، وَأَنَّ
الْمُصِيب يُؤْجَر أَجْرَيْنٍ؛ لما أخرجه الشيخان من حديث عمرو بن العاص، أنه سمع
رسول اللّه وَله، يقول: ((إذا حكم الحاكم، فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم
فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر)». وَحَمَلَ هَؤُلاءِ الْوَعِيد الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيث، عَلَى مَنْ قَاتَلَ
بِغَيْرٍ تَأْوِيلِ سَائِغ، بَلْ بِمُجَرَّدٍ طَلَب الْمُلْك، وَلا يَرِدِ عَلَى ذَلِكَ مَنْعِ أَبِي بَكْرَة الأَخْتَف مِنْ
الْقِتَالِ، مَعَ عَلِيّ؛ لأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَنْ اجْتِهَاد مِنْ أَبِي بَكْرَة، أَدَّاهُ إِلَى الامْتِنَاعِ وَالْمَنْع،
اخْتِيَاطًا لِنَفْسِهِ، وَلِمَنْ نَصَحَهُ.
قَالَ الطََّرِيُّ: لَوْ كَانَ الْوَاجِبِ فِي كُلّ اخْتِلافٍ يَقَعِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْهَرَبِ مِنْهُ، بِلُزُومِ
الْمَنَازِل، وَكَّسْر السُّيُوف، لَمَا أُقِيمَ حَدْ، وَلا أُبْطِلَ بَاطِل، وَلَوَجَدَ أَهْلِ الْفُسُوق سَبِيلاً
إِلَى ارْتِكَاب الْمُحَرَّمَاتِ، مِنْ أَخْذِ الأَمْوَالِ، وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَسَبِي الْحَرِيم، بِأَنْ
يُحَارِبُوهُمْ، وَيَكُفَ الْمُسْلِمُونَ أَيْدِيهِمْ عَنْهُمْ، بِأَنْ يَقُولُوا: هَذِهِ فِتْنَة، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ الْقِتَالِ
فِيهَا، وَهَذَا مُخَالِفِ لِلأَمْرِ بِالأَخْذِ عَلَى أَيْدِي السُّفَهَاءِ. انْتَهَى.

١٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارِ فِي حَدِيث: ((الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُول فِي النَّار)) زِيَادَةً تُبَيِّنَ الْمُرَادِ، وَهِيَ:
((إِذَا اقْتَتَلْتُمْ عَلَى الدُّنْيَا، فَالْقَاتِلِ وَالْمَقْتُول فِي النَّار))، وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: ((لا
تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان، لا يَذْرِي الْقَاتِل فِيمَ قَتَلَ، وَلَّا الْمَقْتُول فِيمَ
قُتِلَ))، فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُون ذَلِكَ؟ قَالَ: ((الْهَرْجِ، الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُول فِي النَّار)».
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: فَبَيِّنَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْقِتَالِ، إِذَا كَانَ عَلَى جَهْلِ مِنْ طَلَب الدُّنْيَا، أَوْ
اتّبَاعِ هَوَى، فَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ((الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُول فِي النَّار)).
قال الحافظ: وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الَّذِينَ تَوَقَّقُوا عَنِ الْقِتَالِ فِي الْجَمَلِ، وَصِفْينَ أَقَلْ عَدَدًا مِنْ
الَّذِينَ قَاتَلُوا، وَكُلّهِمْ مُتَأَوَّل، مَأْجُور إِنْ شَاءَ اللَّه، بِخِلَافٍ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ قَاتَلَ
عَلَى طَلَب الدُّنْيَا. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١١٨/٢٩ و٤١١٩ و٤١٢٢ و٤١٢٣ و٤١٢٤ و٤١٢٥ - وفي
((الكبرى)) ٣٥٨١/٢٩ و٣٥٨٢ و٣٥٨٥ و٣٥٨٦ و٣٥٨٧ و٣٥٨٨ و٣٥٨٩ . وأخرجه
(خ) في ((الإيمان)) ٣١ و((الديات)) ٦٨٧٥ و((الفتن)) ٧٠٨٣ (م) في ((الفتن)» ٢٨٨٨ (د) في
((الفتن)) ٤٢٦٨ (أحمد) في ((مسند البصريين)» ١٩٩٠٨ و١٩٩٢٦ و١٩٩٥٩ و١٩٩٨٠
و ١٩٩٩٥ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم قتل المسلم ظلمًا.
(ومنها): أن قتل المسلم ظلمًا كبيرة، من الكبائر، يستحقّ بها النار. (ومنها): أن العبد
يؤاخذ بالعزم على المعصية، وسيجيء في المسألة التالية أقوال أهل العلم في ذلك، إن
شاء الله تعالى. (ومنها): أن أصحاب الكبائر لا يخرجون بارتكابها عن كونهم مؤمنينٍ؛
لأن الله سماهم مؤمنين، حيث قال: ﴿وَإِن طَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْتَهْمَأَ﴾
الآية [الحجرات: ٩]. وسمّاهم النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم مسلمين في حديث
أبي بكرة، وأبي موسى رضي الله تعالى عنهما، حيث قال: ((إذا تواجه المسلمان
(١) ((فتح)) ١٤/ ٥٣٠-٥٣١. ((كتاب الفتن)).

١٢٣
=
٢٩- (تحَّرِيمُ الْقْتَل) - حديث رقم ٤١١٨
بسيفيهما)) الحديث. وبهذه الآية الكريمة، والحديث المذكور يُردّ على الخوارج،
والمعتزلة. (ومنها): ما قيل: إن لفظ ((في النار)) مشعر بتصويب مذهب المعتزلة، حيث
قالوا بوجوب عقاب العاصي. وأجيب بالمنع؛ لأن معناه أن يدخل النار، إن لم يَعْفُ
الله عنه، وقد يعفو؛ لسبب من الأسباب، كالشفاعة، ونحوها. (ومنها): ما قيل: لم
أدخل الحرص على القتل وهو صغيرة، في سلك القتل، وهو كبيرة؟.
وأجيب بأنه إنما أدخلهما في سلك واحد في مجرّد كونهما سببًا لدخول النار فقط،
وإن تفاوتا صِغَرًا وكِبَرًا، وغير ذلك.
(ومنها): ما قيل: إن ظاهر عموم الحديث يشمل القاتل والمقتول من الصحابة رضي
اللَّه تعالى عنهم. وأجيب بأن عموم الحديث مخصوصٌ بعدم الاجتهاد، وعدم ظنّ أن
فيه الصلاح الدينيّ، فأما إذا كان عن اجتهاد، وظنّ صلاح دينيّ، فالقاتل والمقتول
مأجوران مثابان، من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، وما وقع بين الصحابة فهو
من هذا القسم، فإنهم كلّهم مجتهدون، فلا يعمّهم الحديث. والله تعالى أعلم.
(ومنها): ما قيل: إنما سمّى الله الطائفتين في الآية المذكورة مؤمنين، وسمّاهما النبيّ
صلّى الله تعالى عليه وسلم في هذا الحديث مسلمين، حال الالتقاء، لا حال القتال
وبعده. وأجيب بأن دلالة الآية ظاهرة، فإن في قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ الآية
[الحجرات: ١٠] سماهما الله أخوين، وأمر بالإصلاح بينهما، ولأنهما عاصيان قبل
القتال، وهو من حين سعيا إليه، وقصداه. وأما الحديث، فمحول على معنى الآية.
أفاده العينيّ في ((شرح البخاريّ)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المؤاخذة بالعزم:
وقال في ((الفتح)»: وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ((إِنَةً كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِه)) مَنْ ذَهَبَ إِلَى
الْمُؤَاخَذَةِ بِالْعَزْمِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْفِعْلِ، وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَنَّ فِي هَذَا فِعْلًا، وَهُوَ
الْمُوَاجَهَة بِالسِّلَاحِ، وَوُقُوعِ الْقِتَالِ، وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْقَّاتِلِ وَالْمَقْتُول فِي النَّارِ، أَنْ
يَكُونَا فِي مَرْتَبَة وَأَحِدَة، فَالْقَاتِلِ يُعَذَّبِ عَلَى الْقِتَالِ وَالْقَتْلِ، وَالْمَقْتُول يُعَذَّبِ عَلَى الْقِتَال
فَقَطْ، فَلَمْ يَقَعِ التَّعْذِيبِ عَلَى الْعَزْمِ الْمُجَرَّد.
قال: وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] اخْتِيَار
بَاب الافْتِعَالِ فِي الشَّرّ؛ لِأَنَةً يُشْعِر بِأَنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُعَالَجَة، بِخِلَافِ الْخَيْرِ، فَإِنْهُ يَُاب
(١) ((عمدة القاري)) ٢٤٣/١ ((كتاب الإيمان)).

١٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
عَلَيْهِ بِالنّةِ الْمُجَرَّدَة، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيث: ((إِنَّ اللَّه تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسِهَا، مَا لَمْ
يَتَكَلَّمُوا بِهِ، أَوْ يَعْمَلُوا».
وَالْحَاصِلِ أَنَّ الْمَرَاتِبِ ثَلاث: الْهَمْ الْمُجَرَّد، وَهُوَ يُثَابِ عَلَيْهِ، وَلا يُؤَاخَذْ بِهِ، وَاقْتِرَان
الْفِعْلِ بِالْهَمْ، أَوْ بِالْعَزْمِ، وَلا نِزَاعِ فِي الْمُؤَاخِذَةِ بِهِ، وَالْعَزْمِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْهَمّ، وَفِيهِ
النّزَاعِ. انتهى (١).
وقال في ((كتاب الرقاق)) عِنْدَ الْكَلَام عَلَى حديث: ((وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، فلم يعملها،
كتبها الله عنده حسنة كاملة)):
قَالَ الْمَازِرِيّ: ذَهَبَ ابْنِ الْبَاقِلَّانِيَ -يَعْنِي وَمَنْ تَّبِعَهُ- إِلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَة
بِقَلْبِهِ، وَوَطَّنَ عَلَيْهَا نَفْسَهُ، أَنَّهُ يَأْثَم، وَحَمَلَ الأَحَادِيثُ الْوَارِدَة فِي الْعَفْوِ عَمِّنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ،
وَلَمْ يَعْمَلْهَا عَلَى الْخَاطِرِ الَّذِي يَمُرُّ بِالْقَلْبِ، وَلا يَسْتَقِرْ.
قَالَ الْمَازِرِيّ: وَخَالَفَّهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُحَدِّثِينَ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَنَقَّلَ ذَلِكَ عَنْ
نَصِ الشَّافِعِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة، فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقِ هَمَّام
عَنْهُ، بِلَفْظِ: )) فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا))، فَإِنَّ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمُرَاد بِالْعَمَلِ هُنَا عَمَل
الْجَارِحَة بِالْمَعْصِيَةِ الْمَهْمُومِ بِهِ.
وَتَعَقِّبَهُ عِيَاضِ بِأَنَّ عَامَّة السَّلَفِ، وَأَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا قَالَ ابْنِ الْبَاقِلَّانِيّ؛ لاتَفَاقِهِمْ
عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ، لَكِنْهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْعَزْمِ عَلَى السَّيْئَة، يُكْتَب سَيِّئَة
مُجَرَّدَة، لا السَّيَّة الَّتِي هَمَّ أَنْ يَعْمَلَهَا، كَمَنْ يَأْمُر بِتَحْصِيلِ مَعْصِيَة، ثُمَّ لا يَفْعَلُهَا بَعْد
حُصُولِهَا، فَإِنَةً يَأْثَم بِالأَمْرِ الْمَذْكُور، لا بِالْمَعْصِيَةِ، وَمِمَّا يَّدُلْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث: ((إِذَا
الْتَّقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلِ وَالْمَقْتُول فِي النَّارِ))، قِيلَ: هَذَا الْقَاتِلِ، فَمَا بَالُ
الْمَقْتُول؟ قَالَ: إِنهَ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)).
قال الحافظ: وَالَّذِي يَظْهَرِ أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْجِئْسِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُعَاقَب عَلَى عَزْمه، بِمِقْدَارٍ مَا
يَسْتَحِقْهُ، وَلا يُعَاقَب ◌ِقَاب مَنْ بَاشَرَ الْقَتْلِ حِسًّا.
وَهُنَا قِسْمٍ آخَرُ، وَهُوَ مَنْ فَعَلَ الْمَعْصِيَةِ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا، ثُمَّ هَمْ أَنْ يَعُودِ إِلَيْهَا، فَإِنَّةُ
يُعَاقَب عَلَى الإِصْرَار، كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنِ الْمُبَارَكَ وَغَيْرِهِ، فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَمْ
يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وَيُؤَيِّدَهُ أَنَّ الإِصْرَار مَعْصِيَة اتَّفَاقًا، فَمَنْ عَزَمَ
عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَصَمَّمَ عَلَيْهَا، كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَة، فَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٍ ثَانِيَة.
قَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا ظَاهِرٌ حَسَنٌ، لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوص الشَّرِيعَة
(١) ((فتح)) ١٤/ ٥٣٠-٥٣١. ((كتاب الفتن) حديث رقم ٧٠٨٣.

=
١٢٥
٢٩ - (تحريمُ القتل) - حديث رقم ٤١١٨
بِالْمُؤَاخِذَةِ عَلَى عَزْمِ الْقَلْبِ الْمُسْتَقِرْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ
اَلْفَاحِشَةُ﴾ الْآيَة [النور: ١٩]، وَقَوْله: ﴿أَجْتِبُواْ كَثِيرًا مِنَ اَلَّنِ﴾ [الحجرات: ١٢]، وَغَيْرِ
ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيّ: إِذَا حَدَّثَ نَفْسِه بِالْمَعْصِيَةِ، لَمْ يُؤَاخَذْ، فَإِنْ عَزَمَ، وَصَمَّمَ، زَادَ
عَلَى حَدِيث النَّفْسِ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ. قَالَ: وَالدَّلِيلِ عَلَى الَّفْرِيقِ بَيْن الْهَمّ وَالْعَزْمِ،
أَنَّ مَنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، فَوَقَعَ فِي خَاطِرِهِ أَنْ يَقْطَعَهَا، لَمْ تَنْقَطِعِ، فَإِنْ صَمَّمَ عَلَى قَطْعِهَا
بَطَلَتْ. وَأُجِيبَ عَنْ الْقَوْلِ الأَوَّل، بِأَنَّ الْمُؤَاخَذَة عَلَى أَعْمَالِ الْقُلُوبِ الْمُسْتَقِلَّة
بِالْمَعْصِيَةِ، لا تَسْتَلْزِمِ الْمُؤَاخَذَة عَلَى عَمَلِ الْقَلْبِ، بِقَصْدِ مَعْصِيَة الْجَارِحَة، إِذَا لَمْ يَعْمَل
الْمَقْصُود؛ لِلْفَرْقِ بَيْن مَا هُوَ بِالْقَصْدِ، وَمَا هُوَ بِالْوَسِيلَةِ.
وقَسَمَ بَعْضهمْ مَا يَقَعِ فِي النَّفْس أَقْسَامًا، يَظْهَر مِنْهَا الْجَوَابِ عَنْ الثَّانِي: أَضْعَفُهَا أَنْ
يَخْطُر لَهُ، ثُمَّ يَذْهَب فِي الْحَالِ، وَهَذَا مِنْ الْوَسْوَسَة، وَهُوَ مَعْفُوْ عَنْهُ، وَهُوَ دُونَ التَّرَدُّد.
وَفَوْقَهُ أَنْ يَتَرَدَّدِ فِيهِ، فَيَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يَتْفِرِ عَنْهُ، فَيَتْرُكُهُ، ثُمَّ بُهُمْ بِهِ، ثُمَّ يَتْرُكُ كَذَلِكَ، وَلا يَسْتَمِرُّ
عَلَى قَصْده. وَهَذَا هُوَ الثَّرَدَّد، فَيُعْفَى عَنْهُ أَيْضًا. وَفَوْقِهِ أَنْ يَمِيل إِلَيْهِ، وَلَا يَتْفِرِ عَنْهُ، لَكِنْ لا
يُصَمِّم عَلَى فِعْله، وَهَذَا هُوَ الْهَمّ، فَيُعْفَى عَنْهُ أَيْضًا. وَفَوْقه أَنْ يَمِيلِ إِلَيْهِ، وَلا يَتْفِرِ مِنْهُ، بَلْ
يُصَمِّم عَلَى فِعْلِه، فَهَذَا هُوَ الْعَزْمِ، وَهُوَ مُنْتَهَى الْهَمْ، وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
الْقِسْمِ الأَوَّل: أَنْ يَكُونُ مِنْ أَعْمَال الْقُلُوب صِرْفًا، كَالشَّكُ فِي الْوَحْدَانِيَّة، أَوْ الثُّبُوَّة،
أَوْ الْبَعْثِ، فَهَذَا كُفْرِ، وَيُعَاقَب عَلَيْهِ جَزْمًا. وَدُونِه الْمَعْصِيَة الَّتِي لَا تَصِلِ إِلَى الْكُفْرِ،
كَمَنْ يُحِبّ مَا يُبْغِض اللَّه، وَيُبْغِض مَا يُحِبّهُ اللَّهِ، وَيُحِبّ لِلْمُسْلِمِ الأَذَى بِغَيْرِ مُوجِب
لِذَلِكَ، فَهَذَا يَأْثَم، وَيَلْتَحِقِ بِهِ الْكِبْرِ، وَالْعُجْب، وَالْبَغْي، وَالْمَكْرِ، وَالْحَسَد، وَفِي
بَعْض هَذَا خِلَاف، فَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ أَنَّ سُوء الظّنّ بِالْمُسْلِمِ، وَحَسَدَهُ مَعْفُوْ عَنْهُ،
وَحَمَلُوهُ عَلَى مَا يَقَعِ فِي النَّفْسِ، مِمَّا لا يُقْدَر عَلَى دَفْعه. لَكِنَ مَنْ يَقَع لَهُ ذَلِكَ مَأْمُور
بِمُجَاهَدَتِهِ النَّفْس عَلَّى تَزْكه.
وَالْقِسْمِ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، كَالزْنَا وَالسَّرِقَة فَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ
النَّزَاعِ: فَذَهَبَتْ طَائِفَةٍ إِلَى عَدَم الْمُؤَاخِذَةِ بِذَلِكَ أَصْلًا، ونُقل عَنْ نَصْ الشَّافِعِيّ، وَيُؤَيِّدِهُ
مَا وَقَعَ فِي حَدِيث خُرَيْمَ بْن فَاتِك(١) فَإِنَةً حَيْثُ ذَكَرَ الْهَمْ بِالْحَسَنَةِ، قَالَ: ((عَلِمَ اللَّه أَنَّهُ
(١) حديث خُريم بن فاتك رضي الله تعالى عنه هو ما أخرجه أحمد رحمه الله تعالى في ((مسنده))،
فقال :
١٨٥٥٦ - حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الرُّكين بن الربيع،
عن أبيه، عن عمه فلان بن عَمِيلة، عن خريم بن فاتك الأسدي، أن النبي ◌َّ قال: ((الناس=

١٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
أَشْعَرَهَا قَلْبِه وَحَرَصَ عَلَيْهَا))، وَحَيْثُ ذَكَرَ الْهَمّ بِالسَّيْئَةِ، لَمْ يُقَيِّد بِشَيْءٍ، بَلْ قَالَ فِيهِ:
((وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَب عَلَيْهِ))، وَالْمَقَّام مَّقَام الْفَضْلِ، فَلَا يَلِيقِ التَّحْجِيرِ فِيهِ.
وَذَهَبَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى الْمُؤَاخِذَةِ بِالْعَزْمِ الْمُصَمَّم، وَسَأَلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ سُفْيَان
الثَّوْرِيّ: أَيُؤَّاخَذُ الْعَبْدِ بِمَا يُمُّ بِهِ؟ قَالَ: إِذَا جَزَمَ بِذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ كَثِيرٍ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِّ كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وَحَمَلُوا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الصَّحِيح
الْمَرْفُوعِ: ((إِنَّ اللَّه تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ، أَوْ تَكُلَّمْ)) عَلَى
الْخَطَرَاتِ.
ثُمَّ افْتَرَقَ هَؤُلَاءِ، فَقَالَتْ طَائِفَة: يُعَاقَب عَلَيْهِ صَاحِبُهُ فِي الدُّنْيَا خَاصَّةِ، بِنَحْوِ الْهَمّ
وَالْغَمّ، وَقَالَتْ طَائِفَةٍ: بَلْ يُعَاقَب عَلَيْهِ يَوْمِ الْقِيَامَة، لَكِنْ بِالْعِتَابِ، لا بِالْعَذَابِ، وَهَذَا
قَوْل ابْنِ جُرَيْجِ، وَالرَّبِيعِ بْن أَنَسٍ، وَطَائِفَة، وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ أَيْضًا، وَاسْتَدَلُّوا
بِحَدِيثِ النَّجْوَّى(١).
وَاسْتَثْنَى جَّاعَة، مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى عَدَم مُؤَاخَذَة مَنْ وَقَعَ مِنْهُ الْهَمّ بِالْمَعْصِيَةِ، مَا يَقَع فِي
الْحَرَمِ الْمَكْيّ، وَلَوْ لَمْ يُصَمِّم، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ نُذِقَّهُ مِنْ
عَذَابٍ أَلِيٍ﴾ [الحجّ: ٢٥]، ذَكَرَهُ السُّدِّيّ فِي تَفْسِيرِه عَنْ مُرَّة، عَنْ ابْنٍ مَسْعُود، وَأَخْرَجَهُ
أَحْمَد مِنْ طَرِيقه مَرْفُوعًا. وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَهُ مَوْقُوفًا، وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الْحَرَمِ يَجِبُ اعْتِقَاد
تَعْظِيمِه، فَمَنْ هَمَّ بِالْمَعْصِيَّةِ فِيهِ، خَالَفَ الْوَاجِبَ بِانْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ.
وَتُعُقِّبَ هَذَا الْبَحْث بِأَنَّ تَعْظِيم اللَّه آكَدُ، مِنْ تَعْظِيمِ الْحَرَمِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ
=أربعة، والأعمال ستة، فالناس مُوَسَّع عليه في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا، مقتور عليه في
الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا، موسع عليه في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمالّ
موجبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبع مائة ضعف، فالموجبتان من مات مسلما مؤمنا، لا
يشرك بالله شيئا، فوجبت له الجنة، ومن مات كافرا وجبت له النار، ومن هم بحسنة، فلم يعملها فعلم
الله أنه قد أشعرها قلبه، وحَرَصَ عليها، كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، ومن عملها
كتبت واحدة، ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل
الله، كانت له بسبع مائة ضعف)). وهذا الإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح، و((فلان بن عميلة)):
هو يُسير بن عميلة، ويقال له: أَسير، ثقة من الطبقة الثالثة.
(١) حديث النجوى هو ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه))، بإسناده، عن صفوان بن مُحرِز، قال:
بينا ابن عمر يطوف، إذ عرض رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أو قال: يا ابن عمر، سمعتَ
النبي ◌َّ في النجوى، فقال: سمعت النبي ◌َّ يقول: ((يُدنَى المؤمنُ من ربه، حتى يضع عليه
كَتَفَه، فيُقرّره بذنوبه، تعرف ذنب كذا، يقول: أعرف، يقول: رب أعرف مرتين، فيقول: سترتها
في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الآخرون، أو الكفار، فينادى
على رءوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
.

٢٩ - (تُحْرِيمُ القتل) - حديث رقم ٤١١٨
١٢٧ ===
بِمَعْصِيَتِهِ، لا يُؤَاخِذُهُ، فَكَيْفَ يُؤَاخَذْ بِمَا دُونَهُ؟.
وَيُمْكِن أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا، بِأَنَّ انْتَهَاكُ حُزْمَة الْحَرَم بِالْمَعْصِيَةِ، تَسْتَلْزِمِ انْتَهَاكُ حُزْمَة
اللَّه، لأَنَّ تَعْظِيم الْحَرَم مِنْ تَعْظِيم اللَّه، فَصَارَتْ الْمَعْصِيَة فِي الْحَرَمِ، أَشَدَّ مِنْ الْمَعْصِيَة
فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ اشْتَرَكَ الْجَمِيعِ فِي تَرْكُ تَعْظِيمِ اللَّه تَعَالَى.
نَّعَمْ مَنْ هَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ، قَاصِدًا الاسْتِخْفَاف بِالْحَرَمِ عَصَى، وَمَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةِ اللَّه،
قَاصِدًا الاسْتِخْفَاف بِاللَّهِ كَفَرَ، وَإِنَّمَا الْمَعْفُوْ عَنْهُ مَنَّ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ، ذَاهِلا عَنْ قَصْد
الاسْتِخْفَاف. قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: وَهَذَا تَفْصِيلِ جَيِّد، يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحْضَر عِنْد
شَرْحٍ حَدِيث ((لَا يَزْنِي الزَّانِي، وَهُوَ مُؤْمِن)).
وقَّالَ السُّبْكِيّ الْكَبِير: الْهَاجِس لا يُؤَاخَذْ بِهِ إِجَاعًا، وَالْخَاطِرِ، وَهُوَ جَرَيَانِ ذَلِكَ
الْهَاجِسِ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ، لاَ يُؤَاخَذ بِهِمَا؛ لِلْحَدِيثِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَالْهَمْ، وَهُوَ قَصْد
فِعْلِ الْمَعْصِيَة مَعَ التَّرَدُّد، لا يُؤَاخَذ ◌ِهِ؛ لَحَدِيث الْبَابِ، وَالْعَزْمِ - وَهُوَ قُوَّة ذَلِكَ الْقَصْد أَوْ
الْجَزْم بِهِ، وَرَفَعَ التَّرَدُّد - قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: يُؤَاخَذِ بِهِ، وَقَالَ بَعْضِهِمْ: لا، وَاحْتَجَّ بِقَوْلٍ
أَهْلِ اللَّغَة: هَمَّ بِالشَّيْءٍ، عَزَمَ عَلَيْهِ، وَهَذَا لا يَكْفِيَ. قَالَ: وَمِنْ أَدِلَّةِ الأَوَّل حَدِيثَ ((إِذَا
الْتَّقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا)) الْحَدِيث، وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ، فَعُلَّلَ
بِالْجِزْصِ.
وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَلَا حُجَّة مَعَهُ؛ لِأَنَّا عَلَى قِسْمَيْنِ:
[أَحَدُهُمَا]: لا يَتَعَلَّقِ بِفِعْلِ خَارِجِيٍّ، وَلَيْسَ الْبَحْث فِيهِ.
[وَالثَّانِي]: يَتَعَلَّقِ بِالْمُلْتَقِيَيْنِ، عَزَمَ كُلِّ مِنْهُمَا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ، وَاقْتَرَنَ بِعَزْمِهِ فِعْل
بَعْض مَا عَزَمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَهْرِ السِّلاحِ، وَإِشَارَته بِهِ إِلَى الآخَرِ، فَهَذَا الْفِعْلِ يُؤَاخِذْ بِهِ،
سَوَاء حَصَلَ الْقَتْلِ أَمْ لا . انْتَهَى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا التفصيل الذي قاله السبكيّ رحمه اللّه تعالى
حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدة]: اسْتَثْنَى بَعْض الْعُلَمَاء من حديث: ((فإن همّ بسيئة، فعملها، كُتبت له سيئة
واحدة)) وُقُوعِ الْمَعْصِيَة فِي الْحَرَمِ الْمَكْيُّ. قَالَ إِسْحَاقِ بْن مَنْصُور: قُلْت لِأَحْمَدَ: هَلْ
وَرَدَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَدِيثِ، أَنَّ السَّيْئَة تُكْتَب بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَة؟ قَالَ: لا، مَا سَمِعْت، إِلا
بِمَكّْةَ؛ لِتَعْظِيمِ الْبَلَد.
وَالْجُمْهُورَ عَلَى التَّعْمِيمِ، فِي الأَزْمِنَةِ وَالأَمْكِنَّةِ، لَكِنْ قَدْ يَتَفَاوَتُ بِالْعِظَم.
وَلا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ
(١) ((فتح)) ١٢٢/١٣-١٢٧. ((كتاب الرقاق)). حديث: ٦٤٩١ .

١٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
ضِعْفَيْنٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ لأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ تَعْظِيمًا لِحَقْ النَّبِيِّ وََّ؛ لأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْ
نِسَائِهِ، يَقْتَضِي أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْفَاحِشَةِ، وَهُوَ أَذَى النَّبِيِّ ◌َرِ. أفاده في ((الفتح))(١). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١١٩- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: ((إِذَا حَمَلَ الرَّجُلَانِ الْمُسْلِمَانِ السَّلَاحَ، أَحَدُهُمَا
عَلَى الْآخَرِ، فَهُمَا عَلَى جُرُفِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَهُمَا فِي النَّارِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن سليمان)): هو أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة
الحافظ [١١] من أفراد المصنّف. و((يعلى)): هو ابن عُبيد ابن أَميّة الطنافسيّ، أبو يوسف
الكوفيّ، ثقة، إلا في حديثه عن الثوريّ، ففيه لين، من كبار [٩]١٤٠/١٠٥. و((سفيان)):
هو الثوريّ.
والحديث بهذا السند موقوف، وقفه سفيان، عن منصور، وخالفه شعبة في روايته
التي قبل هذه، فرفعه، وهو الأرجح؛ لموافقة روايته لرواية الأحنف بن قيس عن أبي
بكرة الآتية، ولذا اتفق الشيخان على تخريج الحديث مرفوعًا، فقد أخرجاه من رواية
الأحنف، عن أبي بكرة رضي اللّه تعالى عنه، وأخرجه مسلم من رواية ربعيّ، عن أبي
بكرة رضي الله تعالى عنه.
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٠- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ،
عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ النَِّّ ◌َهَ، قَالَ: (إِذَا تَوَاجَةَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَقَتَلَ
أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَهُمَا فِي الَّارِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟،
قَالَ: (أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((محمد بن إسماعيل)): هو المعروف أبوه بابن عليّة،
البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٤٨٩/٢٢ من أفراد المصنّف. و((يزيد)):
هو ابن هارون الواسطيّ الثقة الثبت العابد [٩] ٢٤٤/١٥٣. و((سليمان التيميّ)): هو
ابن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابدٌ [٤] ١٠٧/٨٧. و((الحسن)): هو ابن أبي
الحسن يسار البصريّ الإمام الثقة الحجة الفقيه [٤] ٣٦/٣٢ .
و((أبو موسى)): هو عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير
(١) ((فتح)) ١٢٧/١٣. ((كتاب الرقاق)).

٢٩ - (تُخْرِيمُ القتل) - حديث رقم ٤١٢١
١٢٩ ==
رضي اللّه تعالى عنه، أمره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الحَكْمَينِ بصِفّين، مات سنة
(٥٠) وقيل: بعدها، وتقدّمت ترجمته في ٣/٣ .
وقوله: ((هذا القاتل)) قال الكرمانيّ: هو مبتدأ وخبر: أي هذا يستحقّ النار؛ لأنه
قاتل، فالمقتول لِمَ يستحقّها؟ وهو مظلوم. قال العينيّ: الأولى أن يقال: ((هذا)) مبتدأ،
و((القاتل)) مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوفٌ، والجملة خبر المبتد! الأوّل، والتقدير: هذا
القاتل يستحقّ النار لكونه ظالمًا، فما بال المقتول؟ وهو مظلوم. ونظيره: هذا زيدٌ
عالمٌ، وقد عُلم أن المبتدأ إذا اتّحد بالخبر لا يَحتاج إلى ضمير، ومنه قوله تعالى:
﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]، وقوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم:
((أفضل ما قلتُ أنا، والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللّه)). انتهى(١).
وقوله: ((أراد قتل صاحبه))، وفي رواية أبي بكرة الآتية: «إنه كان حريصًا على قتل
صاحبه)) .
والمراد أنه كان حريصًا على قتله، مع السعي في أسبابه؛ لأنه توجّه بسيفه، فليس
هذا من باب المؤاخذة بمجرّد نية القلب بدون عمل، كما تقدّم تحقيقه.
والحديث فيه انقطاع، فقد قال ابن المدينيّ: لم يسمع الحسن من أبي موسى، وقال
أبو حاتم، وأبو زرعة: لم يره، انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ٣٩٠/١ -.
والحاصل أن حديث أبي موسى هذا غير صحيح، وإنما الصحيح حديث أبي بكرة
رضي الله تعالى عنه، فقد أخرجه الشيخان، وغيرهما، كما تقدّم، ويأتي أيضًا. والله
تعالى أعلم.
وهذا الحديث أخرجه المصنف رحمه الله تعالى هنا-٤١٢٠/٢٩ و٤١٢١ و٤١٢٦-
وفي ((الكبرى)) ٣٥٨٣/٢٩ و٣٥٨٤ و٣٥٨٩. وأخرجه ابن ماجه في ((الفتن)) ٣٩٦٤
و١٩١٩٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٤١٢١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدْثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ-
قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، عَنْ الشَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ:
(إِذَا تَوَاجَةَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَهُمَا فِي النَّارِ))، مِثْلَهُ سَوَاءٌ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((سعيدٍ)): هو ابن أبي عَرُوبة، و((قتادة)): هو ابن
دعامة .
(١) ((عمدة القاري)) ٢٤٢/١ ((كتاب الإيمان)).
-

=
١٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
وقوله: ((مثله)) منصوب على الحاليّة، أي كون الحديث مثله. يعني أن رواية سعيد،
عن قتادة، عن الحسن، مثلُ رواية سليمان التيميّ، عن الحسن. وقوله: ((سواءً)) حال
مؤكّدة لـ((مثله))، إذ المراد بـ((مثله)) أن لفظ حديث قتادة كلفظ حديث سليمان، لا تفاوت
بينهما، وهذا هو معنى ((سواء)). وقد تقدّم البحث عن قول المحدثین ((مثله))، و «نحوه))،
غير مرّة.
والحديث فيه انقطاعٌ، كما سبق الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٢- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيَّ الْمِصْيصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفْ، عَنْ زَائِدَةً،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ، قَالَ: ((إِذَا تَوَاجَّهَ الْمُسْلِمَانِ
بِسَيْفَيْهِمَاً، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُرِيدُ قَتْلَ صَاحِهِ، فَهُمَا فِي النَّارِ))، قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: ((إِنّهَ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((عليّ بن محمد بن عليّ الْمِصّيصيّ)): هو ابن الْمَضَاء
القاضي، ثقة [١١] من أفراد المصنّف.
و((خَلَف)): هو ابن تميم بن أبي عتّاب، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، نزيل الْمِصيصة،
صدوقٌ، عابدٌ [٩] ٢٤١٥/٨٣.
و((زائدة)): هو ابن قُدامة. و((هشام)): هو ابن حسّان القُرْدُوسيّ البصريّ.
و ((الحسن)): هو البصريّ المتقدّم.
والحديث فيه عنعنة الحسن، وهو مدلّس، وقد اختلف في سماعه من أبي بكرة
رضي اللّه تعالى عنه، فقد أنكر الدار قطنيّ سماعه من أبي بكرة رضي اللّه تعالى عنه،
وقال: بينهما الأحنف، لكن الصحيح أنه ثبت سماعه منه، ففي ((صحيح البخاريّ)) من
طريق إسرائيل بن موسى، عن الحسن، قال: ولقد سمعت أبا بكرة، قال: ((بينا النبيّ
صلّى الله تعالى عليه وسلم يخطب، جاء الحسن، فقال النبيّ وَّ: ابني هذا سيّدٌ،
ولعلّ اللَّه يُصلح به بين فئتين من المسلمين)). (١).
ثم إنَّ الحسن، وإن قلنا بسماعه من أبي بكرة، لكنّه لم يصرّح هنا بالسماع، إلا أن
واسطته، ثقة مشهور، وهو الأحنف، فلا يضرّ، بصحّة الحديث.
والحاصل أن حديث الحسن عن أبي بكرة رضي اللّه تعالى عنه صحيح. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) راجع ((الفتح)) ١٤ / ٥٦٥ - ٥٧٠. ((كتاب الفتن)).

١٣١ ==
٢٩ - (تحريمُ القَّل) - حديث رقم ٤١٢٣
٤١٢٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدْثَتِي قَتَادَةُ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ:
(إِذَا الْتَّقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الخليل بن عُمَر بن إبراهيم)) العبديّ، أبو محمد
البصريّ، صدوقٌ، ربّما خالف [٩].
قال يعقوب بن شيبة: ذكر عليّ بن المدينيّ الخليل يومًا، فقال: هو أحبّ إليّ من
شاذ بن فيّاض. قال يعقوب: وقد كتبت عنهما، وهما ثقتان. وقال غيره عن عليّ بن
المدينيّ: كان من أهل القرآن. وقال العقيليّ: يُخالَفُ في بعض حديثه. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات))، وقال: يُعتبر حديثه من روايته عن غير أبيه؛ لأن أباه كان واهیًا،
والمناكير في أخباره من ناحية أبيه، فإذا سُبر ما روى عن غير أبيه، وُجد أشياء مُستقيمة.
ذكره أبو القاسم بن أبي عبد الله بن منده فيمن مات سنة (٢٢٠) روى له المصنف هذا
الحديث فقط، وأبو داود في ((القدر)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: في قول ابن حبّان: ((لأن أباه كان واهيًا» فيه نظر؛
لأنه ليس واهيًا، كما يتبيّن من ترجمة بعدُ، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و((أبوه)) هو: عمر بن إبراهيم» العبديّ، أبو حفص البصريّ، صاحب الْهَرَويّ بفتح
الهاء، والراء- صدوقٌ، في حديثه عن قتادة ضعف [٧].
قال حربٌ: قلت لأحمد: تعرفه؟ قال: نعم ثقةٌ، لا أعلم إلا خيرًا. وقال يعقوب بن
شيبة: سمعت أحمد سُئل عنه؟ قال: قال عبد الصمد: أخرج إلينا كتابًا في لوح، قال:
وكان عبد الصمد يحمده. قال أحمد: وهو يروي عن قتادة أحاديث مناكير، يُخالف،
قال: وقد روى عبّاد بن العوام عنه حديثًا منكرًا. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن
معين: صالح. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب
حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال أحمد بن الدَّورقيّ، وعليّ بن مسلم، عن عبد الصمد:
حدّثنا عمر بن إبراهيم، وكان ثقة، وفوق الثقة. وقال ابن عديّ: يروي عن قتادة أشياء
لا يُوافق عليها، وحديثه خاصّة عن قتادة مضطرب. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))،
وقال: يُخطىء، ويُخالف. وذكره في ((الضعفاء))، فقال: كان ممن ينفرد عن قتادة بما
لا يُشبه حديثه، فلا يُعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، فأما فيما رَوَى عن الثقات، فإن
اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأسًا. وقال البَزْقَاني، عن الدار قطنيّ: ليّن، يُترك. وقال
أبو بكر البزار: ليس بالحافظ. روى له المصنف هذا الحديث فقط، وأبو داود في
((القدر))، والترمذيّ، وابن ماجه.

١٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
والحديث سبق الكلام فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٤- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
أَيُّوبَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ الْأَحْتَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَ﴿، يَقُولُ: ((إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَقْتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ
فِي النَّارِ)»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنهُ أَرَادَ قَتْلَ
صَاحِبِهِ))(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شیخه،
أحمد ابن فضالة-بفتح الفاء- أبي المنذر النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو صدوقٌ، ربّما
أخطأ [١١] ٢٦ / ٢٦٦٤ .
و((عبد الرزاق)): هو ابن همّام الصنعانيّ. و((معمر)): هو ابن راشد الصنعانيّ.
و ((أيوب)): هو ابن أبي تَمِيمة السختيانيّ.
و((الأحنف)): هو ابن قيس بن معاوية بن حُصين التميميّ السعديّ، اسمه الضحاك،
وقيل: صخر، ثقة مخضرم، وقد رأى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، لكن قبل
إسلامه، وكان رئيس بني تميم في الإسلام، وبه يُضرب المثل في الحلم [٢] ٤٤/
٣١٨٢.
[تنبيه]: للأحنف بن قيس في هذا الحديث قصّة ساقها في ((الصحيحين))، من طريق
حمّاد بن زيد، عن أيوب، ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، قال: ذهبت
لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد ؟ قلت: أنصر هذا الرجل، قال:
ارجع، فإني سمعت رسول اللَّه ◌َلّه يقول: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل
والمقتول في النار))، فقلت: يا رسول اللّه، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: ((إنه
كان حريصا على قتل صاحبه)).
والمراد بقوله: هذا الرجل، عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ففي رواية
لمسلم: ((ذهبت نُصرة ابن عمّ رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم يعني عليًا)).
قال في ((الفتح)): وكان الأحنف أراد أن يخرُج بقومه إلى عليّ رضي الله تعالى عنه
ليقاتل معه يوم الجمل، فنهاه أبو بكرة، فرجع، وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه
في كلّ مسلمين التقيا بسيفيهما؛ حسمًا للمادّة، وإلا فالحقّ أنه محمولٌ على ما إذا كان
(١) ولفظ ((الكبرى)): ((إنه أراد أن يقتُل أخاه)).

٢٩- (تحريمُ القَتَل) - حديث رقم ٤١٢٥
١٣٣=
القتال منهما بغير تأويل سائغ، كما قدّمنا، ويُخصّ ذلك من عموم الحديث المتقدّم
بدليله الخاصّ في قتال أهل البغي، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك،
وشهد مع عليّ باقي حروبه. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(تَشْبِية آخر): وَرَدَ فِ اغْتِزَال الأَخْتَفِ الْقِتَالَ، فِي وَقْعَة الْجَمَلِ سَبَبْ آخَرُ، فَأَخْرَجَ
الطَّبْرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْن عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عَمْرو بْنَ جَاوَان، قَالَ: )) قُلْت
لَهُ: أَرَأَيْتِ اغْتِزَالِ الأَختَف مَا كَانَ؟ قَالَ: سَمِعْتِ الأَخْتَف قَالَ: حَجَجْنَا، فَإِذَا النَّاسِ
مُجْتَمِعُونَ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي النَّبَوِيّ- وَفِيهِمْ عَلِيَ، وَالزُّبَيْرِ، وَطَلْحَة، وَسَعْد، إِذْ
جَاءَ عُثْمَانِ، فَذَكَرَ قِصَّة مُنَاشَدَته لَهُمْ فِي ذِكْرِ مَنَاقِهِ، قَالَ الأَخْتَفِ: فَلَقِيت طَلْحَة،
وَالزُّبَيْرِ، فَقُلْت: إِنِّي لَا أَرَى هَذَا الرَّجُلِ يَعْنِي عُثْمَان- إِلا مَقْتُولًا، فَمَنْ تَأْمُرَانِي بِهِ؟
قَالا: عَلِيَ، فَقَدِمْنَا مَكّْة، فَلَقِيت عَائِشَةِ، وَقَدْ بَلَغَنَا قَتْلِ عُثْمَانِ، فَقُلْت لَهَا: مَنْ تَأْمُرِينِي
بِهِ؟ قَالَتْ: عَلِيَ، قَالَ: فَرَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَة، فَبَايَعْت عَلِيًّا، وَرَجَعْت إِلَى الْبَصْرَة، فَبَيْثَمَا
نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَقَّالَ: هَذِهِ عَائِشَة، وَطَلْحَة، وَالزُّبَيْرِ، نَزَلُوا بِجَانِبِ الْخُرَيْبَةِ،
يَسْتَنْصِرُونَ بِك، فَأَتَيْتِ عَائِشَةِ، فَذَكَّرْتَهَا بِمَا قَالَتْ لِ، ثُمَّ أَتَيْتِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ،
فَذَكَّرْتَهمَا، فَذَكَرَ الْقِصَّةِ وَفِيهَا: قَالَ: فَقُلْتَ: وَاَللَّه لا أُقَاتِلِكُمْ، وَمَعَكُمْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ،
وَحَوَارِيّ رَسُول اللَّهِ وََّ، وَلا أُقَاتِل رَجُلًا أَمَرْتُمُونِي بِبَيْعَتِهِ، فَاعْتَزَّلَ الْقِتَالِ مَعَ
الْفَرِيقَيْنِ .
قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: وَيُمْكِنِ الْجَمْعِ بِأَنَّهُ هَمَّ بِالثَّرْكِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فِي الْقِتَالِ مَعَ
عَلِيّ، ثُمَّ ثَبَّطَهُ عَنْ ذَلِكَ أَبُو بَكْرَة، أَوْ هَمَّ بِالْقِتَالِ مَعَ عَلِيّ، فَتَبْطَهُ أَبُو بَكْرَةِ، وَصَادَفَ
مُرَاسَلَة عَائِشَةٍ لَهُ، فَرَجَحَ عِنْدَهُ التَّرْك.
وَأَخْرَجّ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، قَالَ: نَزَلَ عَلِيَ بِالزَّاوِيَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الأَخْتَف:
إِنْ شِئْت أَتَيْتُك، وَإِنْ شِئْت كَفَفَّت عَنْك أَرْبَعَة آلَافِ سَيْفٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: كُفَّ مَنْ قَدَرْت
عَلَى كَفّه. انتهى(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه أوّل الباب. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٥- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، عَنْ حَمَّدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ، وَالْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ،
عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ الْأَخْتَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا الْتَّقَّى
(١) ((فتح)) ١٢٠/١ ((كتاب الإيمان)) حديث ٣١.
(٢) ((فتح)) ١٤/ ٥٣١. ((كتاب الفتن)) حديث ٧٠٨٣.

=
١٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((أحمد بن عبدة)): هو الضبيّ، أبو عبد الله البصريّ،
ثقة رُمي بالنصب [١٠] ٣/٣.
و((حمّاد)): هو ابن زيد. و((أيوب)): هو السختيانيّ. و((يونس)): هو ابن عُبيد.
و((المعلّى بن زياد)) الْقُرْدوسيّ بقاف أبو الحسين البصريّ، صدوقٌ، قليل الحدیث،
زاهد، اختلف قول ابن معين فيه [٧] .
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وعن أحمد بن سعيد بن
أبي مريم، قال: سألت ابن معين، عن معلّى بن زياد؟ فقال: ليس بشيء، ولا يُكتب
حديثه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن عديّ: هو معدود من زُهَاد أهل
البصرة، ولا أرى بروايته بأسًا، ولا أدري من أين قال ابن معين: لا يُكتب حديثه.
انتهى. وقال أبو بكر البزار: ثقة. استشهد به البخاريّ، وأخرج له الباقون.
[تنبيه]: في هذا السند غلطٌ فاحشٌْ، في جميع نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ، حيث
وقع فيه ((العلاء بن زياد))، بدل ((المعلّى بن زياد)»، وهو تصحيفٌ فاحشٌ، والصواب:
((المعلّى بن زياد)»، كما في ((الكبرى)) ٣١٦/٢- و((تحفة الأشراف)» ٣٦-٣٧ - وهو الذي
في ((الصحيحين)). فتنبه. والله تعالى أعلم.
والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٦- (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ -عَنْ
يُونُسَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((إِذَا تَوَاجَّهَ
الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ))، قَالَ رَجُلٌ : يَا
رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: ((إِنْهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((مجاهد بن موسى)): هو الْخُوَارَزميّ الْخُتَّلَيّ،
أبو عليّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ١٠٢/٨٥.
وایونس)): هو ابن عُبيد.
والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه في ٤١٢٠- فراجعه تستفد. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٧- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدٍ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ، يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيّ
وَِّ، قَالَ: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»).

١٣٥ ==
٢٩- (تُخْرِيمُ القَّل) - حديث رقم ٤١٢٧
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (أحمد بن عبد الله بن الحكم) المعروف بـ((ابن الْكُرْديّ))، أبو الحسين البصريّ،
ثقة [١٠] ٣٩ / ٥٨٣ .
٢- (محمد بن جعفر) المعروف بـ((غندر))، أبو عبد الله البصريّ، ثقة صحيح الكتاب
[٩] ٢٢/٢١ .
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤- (واقد بن محمد بن زيد) بن عبد الله بن عمر العدويّ المدنيّ، ثقة [٦].
قال أحمد، وابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال ابن معين مرّةً أخرى: صالح
الحديث. وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقة، يُحتجّ بحديثه. وذكره ابن حبّان في
((الثقات)). روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط.
٥- (أبوه) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ المدنيّ،
ثقة [٣] .
قال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقة، قال: قلت: يُحتجّ بحديثه؟
قال: نعم. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط.
٦- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي اللّه تعالى عنهما١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات البصريين، والثاني بثقات
المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ.
(ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ وَاقِدٍ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ) العدويّ المدنيّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) محمد بن زيد (يُحَدِّثُ
عَنْ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنْ النَّبِيِّ ◌َّ) أنه (قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا)
أي لا تصيروا، قال ابن مالك: ((رجع)) هنا استُعمل استعمال ((صار)» معنّى، وعملًا: أي
لا تصيروا بعدي كُفّارًا، فعلى هذا «كُفّارًا)) منصوب؛ لأنه خبر ((لا ترجعوا)» (بَعْدِي) أي

= ١٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
بعد موتي، أو بعد مجلسي هذا.
وقال العينيّ رحمه الله تعالى: قال الطبريّ: أي بعد فراقي في موقفي هذا. وقال
غيره: خلافي، أي لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به. ويحتمل أنه صلّى الله
تعالى عليه وسلم عَلِيم أن هذا لا يكون في حياته، فنهاهم عنه بعد وفاته. وقال
المظهريّ: يعني إذا فارقت الدنيا، فاثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى،
ولا تُحاربوا المسلمين، ولا تأخذوا أموالهم بالباطل. وقال محيي السنّة: أي لا تكن
أفعالكم شبيهةً بأفعال الكفّار في ضرب رقاب المسلمين. انتهى كلام العينيّ رحمه الله
تعالى(١) .
وقوله (كُفَّارًا) ذكر في ((الفتح)) جملة ما قيل في معناه، وهي عشرة أقوال:
[أحدها]: قول الخوارج: إنه على ظاهره.
[ثانيها]: هو في المستحلّ.
[ثالثها]: المعنى كُفّارًا بحرمة الدماء، وحرمة المسلمين، وحقوق الدین.
[رابعها]: تفعلون فعل الكفّار في قتل بعضهم بعضًا.
[خامسها]: لابسين السلاح، يقال: كَفَرَ دِزعه: إذا لبس فوقها ثوبا.
[سادسها]: كُفّارًا بنعمة الله.
[سابعها]: المراد الزجر عن الفعل، وليس ظاهره مرادًا.
[ثامنها]: لا يُكَفِّر بعضكم بعضًا، كأن يقول أحد الفريقين للآخر: يا كافر، فَيَكْفُرُ
أحدهما (٢).
[تاسعها]: المراد سَتْرُ الحقّ، والكفر لغةً الستر؛ لأن حقّ المسلم على المسلم أن
ينصره، ويُعينه، فلما قاتله كأنه غطّى على حقّه الثابت له عليه.
[عاشرها]: أن الفعل المذكور يُفضي إلى الكفر؛ لأن من اعتاد الهُجُوم على كبار
المعاصي جرّه شؤم ذلك إلى أشدّ منها، فيُخشى أن لا يُختَّم له بخاتمة الإسلام.
قال: واستشكل بعض الشرّاح غالب هذه الأجوبة بأنّ راوي الخبر، وهو أبو بكرة،
فَهِم خلاف ذلك.
والجواب أن فهمه ذلك إنما يُعرف من توقّفه عن القتال، واحتجاجه بهذا الحديث،
فيحتمل أن يكون توقّفه بطريق الاحتياط؛ لما يحتمله ظاهر اللفظ، ولا يلزم أن يكون
يعتقد حقيقة كفر من باشر ذلك. ويؤيّده أنه لم يمتنع من الصلاة خلفهم، ولا امتثال
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٥/٢ ((كتاب العلم)).
(٢) ((فتح)) ١٧٤/١٤ - ١٧٥. ((كتاب الديات)). حديث ٦٨٧٥ .

٢٩- (تحريمُ القَتَل) - حديث رقم ٤١٢٧
١٣٧ ==
أوامرهم، ولا غير ذلك، مما يدلّ على أنه يعتقد فيهم حقيقته. انتهى (١).
(يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) بجزم ((يضرب)) على أنه جواب النهي، وبرفعه على
الاستئناف، أو يُجعل حالًا، فَعلى الأول يُقوّي الحمل على الكفر الحقيقيّ، ويحتاج
إلى التأويل بالمستحلّ مثلًا، وعلى الثاني لا يكون متعلّقًا بما قبله. ويحتمل أن يكون
متعلّقًا، وجوابه ما تقدّم. قاله في ((الفتح))(٢).
وقال العينيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((يضرب)) برفع الباء (٣)، وهو الصواب، وهو
الرواية التي رواها المتقدّمون والمتأخرون، وفيه وجوه:
[أحدها]: أن يكون صفة لكفّار: أي لا ترجعوا بعدي كُفّارًا، متّصفين بهذه الصفة
القبيحة، يعني ضرب بعضكم رقاب بعض.
[والثاني]: أن يكون حالًا من ضمير ((لا ترجعوا)): أي لا ترجعوا بعدي كُفّارًا حال
ضرب بعضكم رقاب بعض.
[والثالث]: أن يكون جملة استئنافيّةً، كأنه قيل: كيف يكون الرجوع كفّارًا؟ فقال:
يضرب بعضكم رقاب بعض.
فعلى الأول يجوز أن يكون معناه: لا ترجعوا عن الدين بعدي، فتصيروا مرتدین،
مقاتلين، يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقّ على وجه التحقيق، وأن يكون لا
ترجعوا كالكفّار المقاتل بعضكم بعضًا على وجه التشبيه بحذف أداته.
وعلى الثاني يجوز أن يكون معناه: لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر
يَعرِض بينكم؛ لاستحلال القتل بغير حقّ، وأن يكون لا ترجعوا حال المقاتلة لذلك
كالكفّار في الانهماك في تهييج الشرّ، وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض
في ضرب الرقاب.
وعلى الثالث: يجوز أن يكون معناه: لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقّ، فإنه
فعل الكفّار، وأن يكون ((لا يضربُ بعضكم رقاب بعض))، كفعل الكفّار على ما تقدّم.
وجوّز ابن مالك، وأبو البقاء جزم الباء على أنه بدل من ((لا ترجعوا))، وأن يكون
جزاء لشرط مقدّر على مذهب الكسائيّ: أي فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض.
وقيل: يجوز الجزم بأن يكون جواب النهي على مذهب من يُجوّز ((لا تكفر، تدخلٍ
النار)).
(١) ((فتح)" ١٤ / ٥٢١ ((كتاب الفتن)) حديث ٧٠٧٧.
(٢) ((فتح)) ١٤/ ٥٢١. حديث ٧٠٧٧ .
(٣) فيه تسامحٌ، إذ الصواب بالرفع.

١٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
وقال القاضي عياض: رواه من لم يضبط ((يضرب)) بالإسكان، وهو إحالة للمعنى،
والصواب ضمّ الباء، نهاهم عن التشبه بالكفّار، فتشبهوا بهم في حالة قتل بعضهم
بعضًا، ومُحاربة بعضهم لبعضٍ. وهذا أولى ما يتأوّل عليه الحديث. ويؤيّده ما رُوي(١)
مما جرى بين الأنصار بمحاولة يهود، وتذكيرهم أيامهم، ودخولهم في الجاهليّة، حتى
ثار بعضهم إلى بعض في السلاح، فنزلت: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُثْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ﴾
الآية [آل عمران: ١٠١] . أي تفعلون فعل الكفّار، أو نهاهم عن إظهار جحد ما أمرهم
به، من تحريم دمائهم، وكفرهم في ذلك بقتالهم، لا بقولهم، واعتقادهم، أو أن
يَتكَفّروا في السلاح يقتل بعضهم بعضًا، أو عن كفر نعمة الله بتأليف قلوبهم، وتوذدهم،
وتراحمهم الذي به صلاحهم بأن رجعوا إلى ضدّ ذلك.
وعلى سكون الباء فإنها نهي عن الكفر مجرّدًا، ثم يجيء ضرب الرقاب جواب
النهي، ومجازات الكفر، ومساق الخبر، ومفهومه يدلّ على النهي عن ضرب الرقاب،
والنهي عما قبله بسببه. وقال الخطابيّ: معناه: لا يُكفّر بعضكم بعضًا، فتستحلّوا قتال
بعضكم بعضًا.
انتهى كلام القاضي عياض رحمه اللّه تعالى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٢٧/٢٩ و٤١٢٨ وفي ((الكبرى)) ٣٥٩٠/٢٩ و٣٥٩١. وأخرجه
(خ) في ((الأدب)) ٦١٦٦ و((الديات)) ٦٨٦٨ و((الفتن)) ٧٠٧٧ (م) في ((الإيمان)) ٦٥ و٦٦
(د) في ((السنّة ٤٦٨٦ (ق) في ((الفتن)) ٣٩٤٣ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٥٥٥٣
و٥٥٧٢ و٥٧٧٥ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم دم المسلم.
(ومنها): أن فيه تحذير الأمّة من وقوع ما يحذّر منه. (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله
(١) ذكره ابن هشام في ((سيرته)) ١٨٤/٢ والحافظ في ((الإصابة)) ٨٨/١.
(٢) ((إكمال المعلم بفوائد مسلم ٣٢٣/١-٣٢٤. ((كتاب الإيمان)).

١٣٩ =
٢٩ - (تحريمُ القتل) - حديث رقم ٤١٢٨
تعالى: وفيه ما يدلّ على أن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم كان يعلم ما يكون بعده
في أمّته من الفتن، والتقاتل، ويدلّ أيضًا على قرب وقوع ذلك من زمانه، فإنه خاطب
بذلك أصحابه، وظاهره أنه أرادهم؛ لأنه بهم أعنَى، وعليهم أحنَى، ويَحتَمِلُ غير ذلك.
(١)
انتھی(١).
(ومنها): ما قاله المازريّ رحمه الله تعالى: أنه تعلّق بهذا الحديث من أنكر حجيّة
الإجماع، من أهل البدع، قال: لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز اجتماعها
عليه، لما نهاها عنه، وإذا جاز اجتماعها على الكفر، فغيره من الضلالات أولى، وإذا
کان ممنوعًا اجتماعها علیه لم يصح النھي عنه.
وهذا الذي قاله خطأ؛ لأنّا إنما نشترط في التكليف أن يكون ممكنًا متأتّيًا من
المكلّف، هذا أيضًا على رأي من منع تكليف ما لا يُطاق، واجتماع الأمة على الكفر،
وإن كان ممتنعًا، فإنه لم يمتنع من جهة أنه لا يمكن، ولا يتأتّى، ولكن من جهة خبر
الصادق عنه أنه لا يقع، وقد قال الله تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَلُكَ﴾ الآية
[الزمر: ٦٤] والشرك قد عُصم منه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وبعد هذا نزل عليه
مثل هذا، على أن المراد بهذا الخطاب كلّ واحد في عينه، أو جمهور الناس، وهذا لا
يُنكر أحدٌ أن يكون مما يصحّ حمل هذا الخطاب عليه. انتهى المقصود من كلام
القاضي (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٤١٢٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ،
عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ:
(لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجِنَائَةِ أَبِيهِ، وَلَا
چِنَایَةِ أُخِیهِ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأْ، وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أبو أحمد الزبيريّ)): هو محمد بن عبد الله بن الزبير
الكوفيّ، ثقة ثبت، [٩] ٢٢٣٩/٣٤.
[تنبيه]: ((الزبيريّ)) بضمّ الزاي، مصغّرًا: نسبة إلى زبير جدّه، ووقع في ((الكبرى))
(الزُّبيديّ)) بالدل المهملة، بدل الزاي، وهو تصحيف فاحشٌ، فتنبه. والله تعالى أعلم.
و((شريك)): هو ابن عبد الله النخعيّ الكوفيّ القاضي.
(١) ((المفهم)) ٢٥٦/١ ((كتاب الإيمان)).
(٢) ((إكمال المعلم بفوائد مسلم ١/ ٣٢٣. ((كتاب الإيمان)).

١٤٠ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
و((أبو الضّحى)): هو مسلم بن صُبيح الكوفيّ، ثقة فاضلٌ [٤] ١٢٣/٩٦.
والسند مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي
بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروق.
وقوله: ((لا يؤخذ الرجل بجناية أبيه الخ)) يعني أنه لا يجوز أن يؤاخذ أحدٌ بسبب
جناية أبيه، أو أخيه، بأن يجب عليهما القصاص، أو الحدّ، أو يُتلفا شيئًا، فلا يُقتصّ
منه، ولا يقام عليه الحدّ، ولا يضمن ما أتلفا، هذا في العمد، وأما الخطأ، فإن العاقلة
تتحمّل الدية عن الجاني.
ويحتمل أن يكون المراد المؤاخذة في الآخرة، فلا يعاقب أحدٌ بسبب جناية أبيه، أو
أخيه .
[فإن قيل]: إنه قد يُعاقب بسببهما، وذلك إذا تركهما يفعلان الجناية، وهو يقدر على
الأخذ بأيديهما .
[أجيب]: بأن هذه المعاقبة بفعل نفسه، لا فعلهما، حيث ترك واجب الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا من أفراد
المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ٤١٢٩/٢٩ و٤١٣٠ و٤١٣١- وفي ((الكبرى))
٣٥٩١/٢٩ و٣٥٩٢ و٣٥٩٣ و٣٥٩٤ . وهو ضعيف؛ لأن في سنده شريكًا النخعيّ
القاضي، وهو كثير الخطإ، وتغيّر حفظه، وقد خالف في وصله غيره من حفّاظ أصحاب
الأعمش، كما سيشير المصنّف إلى ذلك، في قولِهِ: (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحمَنِ) النسائِيّ
رحمه اللَّه تعالى (هَذَا خَطَأْ، وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ) يعني أنَّ رواية هذا الحديث متصلًا خطأً،
وإنما الصواب فيه الإرسال؛ وذلك لأن شريكًا، وهو كثير الخطإ، خالف فيه أبا
معاوية، وهو أثبت أصحاب الأعمش ما عدا الثوريّ، فقد رواه مرسلًا، وتابعه عليه
أيضًا يعلى بن عبيد.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كان الأولى للمصنّف تأخير هذا الكلام عن الحديث
التالي؛ لأنه متعلّق به أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٩- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّهِ: (لَّا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَلَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ
بِجَرِيرَةٍ أَبِهِ، وَلَا بِجَرِيرَةٍ أَخِيهِ»).