النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ = ٢٦- (مَنْ شَھَرَ سپههُ، ثُمَّ وضعهُ فِي الناس) - حديث رقم ٤١٠٥ حبان في ((الثقات)). وتفرّد به المصنّف، أخرج له هذا الحديث فقط، وقال: ليس بذاك المشهور. و((أبو برزة)): هو نَضْلة بن عُبيد الأسلميّ الصحابيّ المشهور رضي اللّه تعالى عنه، تقدّم قبل سبعة أبواب. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث أبي برزة الأسلميّ رضي اللّه تعالى عنه هذا ضعيف؛ لجهالة شريك بن شهاب؛ إذ لم يرو عنه إلا الأزرق بن قيس، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، وشرحه يُعلم من شرح حديث أبي سعيد، وعليّ رضي الله تعالى عنهما الماضيين. وقوله: ((أُتي)) بالبناء للمفعول. وقوله: ((من عن يمينه)) بفتح ميم (من)) موصولة، ويحتمل أن تكون بكسرها على أنها جازّة، و((عن)) اسم بمعنى الجانب، كما في قول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَرَانِي لِلرَّمَاحِ دَرِيئَةً مِنْ عَنْ يَمِينِي تَارَةً وَأَمَامِي وكذا الحكم في قوله: ((من عن شماله))، وقوله: ((من وراءه)»، وأما قوله: ((فقام رجلٌّ من ورائه))، فبكسر الميم، لا غيرُ؛ لأنها جارّة فقط. وقوله: ((ما عدَلْت)) بتخفيف الدال المهملة: أي ما سوّيت بين المستحقّين. وقوله: ((مطموم الشعر)): أي مجزوز الشعر، أو معقوصه، يقال: طَمّ شعره طَمًّا، وطُمومًا، من باب ردّ: إذا جزّه، أو عَقَصَه. أفاده في ((القاموس)). وقوله: ((سيما هم التحليق)): السِّيما بالكسر -: العلامة، قال النوويّ: فيها ثلاث لغات: القصر، وهو الأفصح، وبه جاء القرآن، والمدّ، والثالثة السِّيمِيَاء بزيادة ياء، مع المدّ، لا غير، والمراد حلق الرأس، واستدلّ به بعض الناس على كراهة حلق الرأس، ولا دلالة فيه، وإنما هو علامة لهم، والعلامة قد تكون بحرام، وقد تكون بمباح، كما قال صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((وآيتهم رجلٌ أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة))، ومعلوم أن هذا ليس بحرام، وقد ثبت في ((سنن أبي داود)) بإسناد على شرط البخاريّ ومسلم أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم رأى صبيًّا، قد حُلق بعض رأسه، فقال: ((احلقوه كلّه، أو اتركوه كلّه))، وهذا صريحٌ في إباحة حلق الرأس، لا يحتمل تأويلاً. قال أصحابنا: حلقُ الرأس جائزٌ بكل حال، لكن إن شقّ عليه تعهّده بالدَّهن والتسريح، استُحبّ حلقُهُ، وإن لم يشقّ استُحِبّ تركه. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(١). (١) (شرح مسلم)) ١٦٧/٢٧ ((كتاب الزكاة)). ١٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((سيماهم التحليق»: أي جعلوا ذلك علامة لهم على رفضهم زينة الدنيا، وشِعارًا ليُعرفوا به، كما يفعل البعض من رُهبان النصارى يفحصون عن أوساط رؤوسهم، وقد جاء في وصفهم، مرفوعًا: ((سيماهم التسبيد))(١) أي الحلق، يقال سيد رأسَهُ: إذا حلقه، وهذا كلّه منهم جهلّ بما يُزهَد فيه، وما لا يُزهد فيه، وابتداعٌ منهم في دين اللَّه تعالى شيئًا، كان النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، والخلفاء الراشدون، وأتباعهم على خلافه، فلم يُزوَ عن أحد منهم أنهم اتسموا بذلك، ولا حلقوا رؤوسهم في غير إحلال، ولا حاجة، وقد كان لرسول اللّه صلّى الله تعالى عليه وسلم شعرٌ، فتارةً فرقه، وتارة صيّره جمةً، وأخرى لِمّة. وقد رُوي عنه صلّى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((من كانت شعرة، أو جمّةٌ، فليُكرمها))(٢) وكره مالكٌ الحلاق في غير إحرام، ولا حاجة ضروريّة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللّه تعالى(٣). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول بكراهة الحلق محلّ نظر؛ بل هو جائزٌ؛ لما تقدّم من حديث: ((احلقوه كلّه، أو اتركوه كلّه))، وإنما الأولى، والمستحب تركه؛ اتّباعًا لهدي النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم، فإنه ما كان يحلقه إلا للنسك، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم. وقوله: ((شرّ الخلق، والخليقة)): ((الخلق)): الناس، و((الخليقة)): البهائم، وقيل: هما بمعنّى واحد، ويريد بهما جميع الخلائق. قاله ابن الأثير (٤). وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ (رَحِمَهُ اللَّهُ: شَرِيكُ بْنُ شِهَابٍ، لَيْسَ بِذَلِكَ الْمَشْهُورِ)) أراد به تضعيف الحديث بجهالة شريك، فإنه مجهول عين؛ لأنه لم يرو عنه غير الأزرق بن قيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». (١) رواه أحمد في ((مسنده)) ٦٤/٣ وأبو داود في ((سننه)) ٤٧٦٦. (٢) حديث صحيح، راوه أبو داود بلفظ: ((من كان له شعر، فليُكرِمه)). (٣) ((المفهم)) ١٢٢/٣. ((كتاب الزكاة)). (٤) (النهاية)) ٢ / ٧٠. ١٠٣ == ٢٧ - (قِتَالُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤١٠٦ ٢٧- (قِتَالُ الْمُسْلِم) ٤١٠٦- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((قِتَالُ الْمُسْلِمِ كُفْرَ، وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢. ٢- (عبد الرزاق) بن همام الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف مشهور، تغير بآخره، وكان يتشيع [٩] ٦١ / ٧٧ . ٣- (معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت [٧] ١٠/١٠. ٤- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الهمدانيّ الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٤٢/٣٨ . ٥- (- (عمر بن سعد) بن أبي وقاص الزهريّ، أبو حفص المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ، لكنه مقته الناس؛ لكونه كان أميرًا على الجيش الذين قَتَّلوا الحسين بن عليّ [٢] . قال العجليّ: كان يروي عن أبيه أحاديث، وروى الناس عنه، وهو تابعيٍّ ثقة، وهو الذي قتل الحسين. وذكر ابن أبي خيثمة بسند له أن ابن زياد بعث عمر بن سعد على جيش لقتال الحسين، وبعث شِمْر بن ذي الْجَوْشن، وقال له: اذهب معه، فإن قتله، وإلا فاقتله، وأنت على الناس. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: كيف يكون من قَتَل الحسين ثقة؟. قال عمرو بن عليّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: حدّثنا إسماعيل، حدّثنا العيزار، عن عمر بن سعد، فقال له موسى رجلٌ من بني ضُبيعة: يا أبا سعيد، هذا قاتل الحسين، فسكت، فقال له: عن قاتل الحسين تُحدّثنا؟ فسكت. وروى ابن خِراش، عن عمرو بن عليّ نحو ذلك، وقال: فقال له رجلٌ: أما تخاف الله، تروي عن عمر بن سعد، فبكى، وقال: لا أعود. وقال الحميديّ: حدّثنا سفيان، عن سالم، قال: قال عمر بن سعد للحسين: إن قومًا من السفهاء يزعمون أني أقتلُك، فقال حسين: ليسوا سفهاء، ثم قال: والله إنك لا تأكل بُرّ العراق بعدي إلا قليلًا. وقال غيره: وُلد في عصر النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم. وأغرب ابن فتحون، فذكره في الصحابة، معتمدًا على ما نقله عن ((الفتوح)) أن أباه ١٠٤ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ أمّره على جيش في فتوح العراق. وقال ابن سعد: كان عبيد الله بن زياد استعمل عمر ابن سعد على الرّيّ، وهَمَذان، فلما قَدِم الحسين العراقَ أمره ابن زياد أن يسير إليه، وندب معه أربعة آلاف من جنده، فأبى عمر ذلك، فقال له: إن لم تفعل عزلتك عن عملك، وهدمت دارك، فأطاعه، وخرج إلى الحسين، فقاتله حتى قُتل الحسين رضي اللَّه تعالى عنه، فلما غلب المختار على الكوفة قتل عمر بن سعد، وابنه حفصًا. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: وُلد عام مات عمر رضي اللّه تعالى عنه، وقُتل سنة سبع وستين. وكذا قال يعقوب بن سُفيان. وقال خليفة: قتله المختار بن أبي عُبيد سنة (٦٦)، وقال في موضع آخر: سنة (٥) . تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٦- (سعد بن أبي وقاص) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب، أبو إسحاق الزهريّ، ذو المناقب الجمّة، مات رضي اللّه تعالى عنه بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور، تقدّم في ١٢١/٩٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمر بن سعد، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو آخر من مات منهم رضي اللّه تعالى عنهم، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان رضي الله تعالى عنه مجاب الدعوة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُمَّرَ بْنِ سَعْدٍ) بن أبي وقاص، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) رضي اللّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((قِتَالُ الْمُسْلِم) هذا هو المشهور في معظم الرواية، وسيأتي في حديث ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه الآتي آخر الباب بلفظ: ((قتال المؤمن» (كُفْرٌ) أي من أعمال أهل الكفر، فإنهم الذين يقصدون قتال المسلم، وأما تأويله بحمله على القتال مستحلّاء فيؤدي إلى عدم صحّة المقابلة؛ لكون السباب مستحلّاً كفرًا أيضًا (وَسِبَابُهُ) بكسر السين المهملة، وتخفيف الموحدة: مصدر سبّ، يقال: سبّه يسبّه سَبًّا، وسِبَابًا: أي شتمه. وقال إبراهيم الحربيّ: السباب أشدّ من السبّ، وهو أن يقول الرجل ما فيه، وما ليس فيه، يريد بذلك عيبه. وقال غيره: السباب مثل القتال، فيقتضي المفاعلة. وهو من السبّ بالتشديد، وأصله القطع، وقيل: مأخوذ من السبّة، وهي حلقة الدبر، سُمّي الفاحش من القول بالفاحش من الجسد، ١٠٥ = ٢٧ - (قِتَالُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤١٠٦ فعلى الأول المراد قطع المسبوب، وعلى الثاني المراد كشف عورته؛ لأن من شأن الساب إبداء عورة المسبوب. قاله في ((الفتح))(١) (فُسُوقٌ) أي خروجٌ عن الذي يجب من احترام المسلم، وحرمة عرضه، وسبّه. أو هو من أعمال أهل الفسوق. و((الفسق)) في اللغة: الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وهو في عرف الشرع أشدّ من العصيان، قال الله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَأَلْمِصْيَانُّ﴾ الآية [الحجرات: ٧]. ولا متمسّك في هذا الحديث للخوارج الذين يُكفّرون بالمعاصي؛ لأن ظاهره غير مراد؛ وإنما عبّر بلفظ الكفر لكون القتال أشدّ من السباب؛ لأنه يفضي إلى إزهاق الروح، ولم يُرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن المّة، بل أطلق عليه الكفر مبالغةً في التحذير، معتمدًا على ما تقرّر من القواعد أن مثل ذلك لا يُخرج عن الملّة، مثلُ حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكِ﴾ الآية [النساء: ٤٨]. أو أطلق عليه الكفر؛ لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر. وقيل: المراد هنا الكفر اللغويّ، وهو التغطية؛ لأن حقّ المسلم على المسلم أن يُعينه، ويَنصره، ويكُفّ عنه أذاه، فلما قاتله كان كأنه غطّى على هذا الحقّ. وقيل: أراد بقوله ((كفر)) أي قد يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر، وهذا بعيد، وأبعد منه حمله على المستحلّ لذلك؛ لأنه يلزم منه أن لا يحصُل التفريق بين السباب والفسوق، فإن مستحلّ لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضًا. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أولى ما قيل في معنى هذا الحديث أنه أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير من ذلك؛ لينزجر السامع عن الإقدام عليه، أو أنه على سبيل التشبيه؛ لأن ذلك من فعل الكفّار(٢). ويأتي هذا في قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدي كُفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض))، كما سيأتي بيان الأقوال التي قيلت في تأويه، وهي عشرة أقوال، في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ الْكِنَبٍ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍٍ﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُم مِّن دِيَرِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٨٥]، فدل على أن بعض الأعمال يُطلق عليه الكفر تغليظًا. وأما قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم فيما رواه مسلم: ((لعن المسلم كقتله)»، فلا يُخالف هذا الحديث؛ لأن المشبّه به فوق المشبّه، والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ (١) راجع ((الفتح)) ١٢١/١? و ١٥٤ - ((كتاب الإيمان)). حديث رقم ٣٠ و٤٨. (٢) راجع ((الفتح)) ١٤/ ٥٢١. ١٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ الغاية في التأثير، هذا في الْعِرْض، وهذا في النفس. أفاده في ((الفتح)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح، إن سلم من عنعنة أبي إسحاق، فإنه مدلّس. [فإن قلت]: فيه عمر بن سعد، وقد عرفت كلام العلماء فيه، فكيف يصح؟. [قلت]: لم ينفرد به عمر، بل تابعه عليه أخوه محمد بن سعد بن أبي وقاص، فقد أخرجه ابن ماجه في ((الفتن)) ٣٩٤١ - من طريق أبي إسحاق، عنه، عن أبيه. وقد عزاه في ((تحفة الأشراف)) ٣٠٦/٣ -٣٠٧ إلى المصنّف أيضًا، لكن لم أجده عنده، فالله تعالى أعلم. [تنبيه]: قد اختلف في هذا الحديث على أبي إسحاق، فرواه شعبة، عنه، عن أبي الأحوص، وغيره، عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، كما في الرواية الآتية بعدُ. ورواه معمر، عنه، عن عمر بن سعد، عن أبيه، كما في هذه الرواية، ورواه إسرائيل، عنه، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، كما هو عند ابن ماجه، وقد ذكر البخاريّ رحمه الله تعالى في ((التاريخ)) ٨٨/١ -: ما حاصله: أن كونه عن أبي إسحاق، عن محمد بن سعد، عن أبيه أصحّ، من كونه عن أبي إسحاق، عن عمر بن سعد، عن أبيه، وساقه من رواية زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن محمد به. [تنبيه آخر]: ذكر في ((الفتح)) أن لهذا الحديث سببًا، وهو ما أخرجه البغويّ، والطبرانيّ من طريق أبي خالد الوالبيّ، عن عمرو بن النعمان بن مقرّن المزنيّ، قال: انتهى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم إلى مجلس من مجالس الأنصار، ورجلٌ من الأنصار كان عُرِف بالبذاء، ومشاتمة الناس، فقال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر))، زاد البغويّ في روايته: ((فقال الرجل: والله لا أُسابٌ رجلًا)). انتهى. (٢). (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤١٠٦/٢٧- وفي ((الكبرى)) ٣٥٦٧/٢٧. وأخرجه (ق) في ((الفتن)) (١) ((فتح)) ١/ ١٥٥ ((كتاب الإيمان)) حديث رقم ٤٨ . (٢) ((فتح)) ٥٢١/١٤ ((كتاب الفتن)) رقم الحديث ٧٠٧٦. ..-- ٢٧ - (قِتَلُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤١٠٧ ١٠٧ = ٣٩٤١ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم قتال المسلم، وهو أنه كفرٌ، على ما تقدّم من بيان المراد بالكفر هنا. (ومنها): أن فيه تعظيم حقّ المسلم، والحكم على سبّه بغير حقّ بالفسق، وعلى من قاتله بالكفر. (ومنها): أن فيه الرد على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ مع الإيمان، وفي ((صحيح البخاريّ)) من طريق شعبة، عن زُبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدثني عبد اللَّه يعني ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه، أن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم قال: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، يعني أن مذهبهم هذا باطلٌ، فكأنه قال: كيف يكون مذهبهم حقًّا، وقد خالف قول النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم هذا، فمراده إبطال رأيهم الفاسد المذكور. [فإن قيل]: هذا، وإن تضمّن الردّ على المرجئة، لكن ظاهره يقوّي مذهب الخوارج الذين يُكفّرون بالمعاصي. [أجيب]: بأن المبالغة في الردّ على المبتدعة اقتضت ذلك، ولا متمسّك للخوارج فيه، لأن ظاهره غير مراد، لكن لَمّا كان القتال أشدّ من السباب؛ لأنه مفض إلى إزهاق الروح، عبّر عنه بلفظ أشدّ من لفظ الفسق، وهو الكفر، ولم يُرِد به الكفر المخرج عن الملّة، وإنما أراد المبالغة في الحديث، معتمدًا على ما تقرّر من القواعد أن مثله لا يُخرج عن الملّة، مثل أحاديث الشفاعة، وغيرها (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ نُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((أبو إسحاق)): هو السبيعيّ المذكور في السند السابق. و((أبو الأحوص)): هو عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشَميّ الكوفي، ثقة [٣] ٨٤٩/٥٠. والحديث موقوفٌ صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٤١٠٧/٢٧ و ٤١٠٨ و٤١٠٩ و٤١١٤- وفي ((الکبری)» ٣٥٦٨/٢٧ و٣٥٦٩ و٣٥٧٠ (١) راجع ((الفتح)) ١٥٥/١. ((كتاب الإيمان)). رقم ٤٨ . ١٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ و٣٥٧٨ . وشرحه، وفوائده تقدّمت في الذي قبله. [تنبيه]: حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب من رواية أبي الأحوص، وأبي وائل، عنه، وقد رواه غيرهما عنه أيضًا، فقد أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) ٤٠٨/٨- رقم ٤٩٩١- من رواية أبي عمرو الشيبانيّ، عن ابن مسعود، مرفوعًا، ولفظه: حدّثنا أبو بكر(١)، حدّثنا معتمرٌ، عن أبيه، حدّثنا أبو عمرو الشيبانيّ، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر)). وهذا إسناد على شرط الشيخين، وأبو بكر هو ابن أبي شيبة. وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٣/٥- من رواية مسروق، عن ابن مسعود، مرفوعًا أيضًا، لكن في إسناده إسماعيل بن أبي عيّاش، وفيه ضَغْفٌ إذا روى عن غير أهل بلده، كما هنا، عن ليث بن أبي سليم، وهو مترك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠٨- (أَخْبَرَنَا يَحْيِى بْنُ حَكِيم، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَخْوَصَِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فِسْقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))، فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَّ، أَمَا سَمِعْتَهُ إِلَّا مِنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، قَلَ: بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْ الْأَسْوَدِ، وَهُبَيْرَةَ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، يحيى ابن حكيم، وهو الْمُقَوْم، أبو سعيد البصريّ، وهو ثقة حافظ، عابدٌ، مصنّفْ [١٠] ٥١ / ٦١٢ . وقوله: ((فقال له أبان الخ)) الظاهر أنه أبان بن تغلب؛ لأنه الذي يروي عن أبي إسحاق، كما تقدّمت روايته عند المصنّف في ((كتاب الحجّ، في ٢٧٥١/٥٤ - ((كيفيّة التلبية)). ثم وجدت الخطيب صرّح به في روايته في ((تاريخ بغداد)) ٨٧/١٠- ولفظه: أخبرنا الْبَزْقانيّ، قال: قرأنا على أبي الحسن الدارقطنيّ، حدثكم محمد بن مخلد بن حفص، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبيدة، حدّثنا عليّ بن المدينيّ، حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن شُعبة، قال: سمعت أبان بن تغلب يقول لأبي إسحاق: ممن سمعت حديث عبد الله: ((سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفرٌ))، فقال: حدّثنيه الأسود، (١) هو ابن أبي شيبة. ١٠٩ = ٢٧ - (قِتَالُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤١٠٨ وأبو الأحوص، وهُبيرةُ عن عبد الله، عن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم. قال الدارقطنيّ: تفرّد به هذا الشيخ، عن عليّ بن المدينيّ، ولم نكتبه إلا عن ابن مخلد. انتهى. قال الجامع: الظاهر أنه أراد بسؤاله هذا الاستزادةَ من شيوخ أبي إسحاق غير أبي الأحوص؛ للتأكيد، فأجابه بأنه سمعه أيضًا من الأسود بن يزيد، ومن هُبيرة بن يَرِيم. والله تعالى أعلم. و((الأسود»: هو ابن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو يزيد الكوفيّ، ثقة مكثر فقيه مخضرم [٢] ٣٣/٢٩ . و ((هُبيرة)) بن يَرِيم بوزن عَظِيم - الشيبانيّ بمعجمة، ثمّ موحدة خفيفة، ويقال: الخارفيّ بمعجمة، وفاء-، أبو الحارث الكوفيّ، لا بأس به، وقد عِيب بالتشيّع [٢]. روى عن عليّ، وطلحة، وابن مسعود، والحسن بن عليّ، وابن عبّاس. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ، وأبو فاختة. قال الأثرم عن أحمد: لا بأس بحديثه، هو أحسن استقامةً من غيره يعني الذين تفرّد أبو إسحاق بالرواية عنهم -. وقال عبد الله بن أحمد: هُبيرة أحبّ إلينا من الحارث. وقال عيسى بن يونس: كان هُبيرة خال العالية زوجة أبي إسحاق السبيعيّ. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى، وقال: كانت منه هفوة أيام المختار، وكان معروفًا، وليس بذاك. وقال الساجيّ: قال يحيى بن معين: هو مجهول. وقال النسائيّ في ((الجرح والتعديل)): أرجو أن لا یکون به بأس، ویحیی، وعبد الرحمن لم یترکا حدیثه، وقد روی غیر حدیث منكر. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: شبيه بالمجهول. وقال الجوزجانيّ: كان مختاريًّا، كان يُجهز على الجرحى يوم الجازر. وقال ابن خراش: ضعيف. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٦٦) . روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث: هذا الحديث، وحديث ابن مسعود في ((كتاب الزينة)) ٥٠٦٥/١٠ ((لقد قرأت على رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة)) الحديث، وفيه ٥١٦٧/٤٣- حديث عليّ رضي الله تعالى عنه ((نهاني رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عن خاتم الذهب)) الحديث، و٥١٦٨ حديثه (( نهى رسول الله صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم عن خاتم الذهب)) الحديث، و٥١٦٩ حديثه ((نهى رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم عن حلقة الذهب)) الحديث. والحديث موقوف صحيح، وقد سبق تخريجه في الذي قبله. والله تعالى أعلم = ١١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠٩- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزَّغْرَاءِ، عَنْ عَمْهِ أَبِي الْأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن حرب)): هو الطَّائِيّ الْمَوْصليّ، ثقة [١٠] ١٣٥/١٠٢ من أفراد المصنّف. و((أبو الزعراء)»: عمرو بن عمرو، أو ابن عامر بن مالك ابن نَضْلة الْجُشَميّ الكوفي، ثقة [٦] ٣٨١٥/١٦. والحديث موقوف صحيحٌ. وقد سبق القول فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١١٠- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِيِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَيْرٍ، يُحَدِّثُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ، قَالَ: ((سِبَابُ الْمَّسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((مَحمود بن غيلان)): هو أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٧/٣٣ . و((وهب بن جرير)): أبو عبد الله الأزديّ البصريّ، ثقة [٩] ١٩٦. و(«أبوه)): هو جرير بن حازم بن زيد، أبو النضر البصريّ، ثقة، إلا في قتادة، ففيه ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] ١٧٢ / ١١٤١. و((عبد الملك بن عُمير)»: اللَّخْميّ الكوفيّ، ويقال له: الْفَرَسيّ، نسبة لفرس له سابق، يقال له: الْقِبْطيّ، ثقة فقيه، تغيّر حفظه، وربّما دلْس [٣] ٩٤٧/٤١. و ((عبد الرحمن بن عبد اللَّه)): هو ولد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهو كوفيّ، ثقة، من صغار [٢] ٣١٩٤/٤٨، وقد سمع من أبيه، لكن شيئًا يسيرًا. والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا-٢٧/ ٤١١٠- وفي ((الكبرى)) ٣٥٧١/٢٧. وأخرجه (ت) في ((الإيمان)) ٢٦٣٤ بلفظ: ((قتال المسلم أخاه كفر، وسبابه فسوق))، ثم قال: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وقد روي عن عبد الله بن مسعود من غير وجه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١١١- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: قُلْتُ لِحَمَّادٍ: سَمِعْتُ مَنْصُورًا، وَسُلَيْمَانَ، وَزُبَيْدًا، يُحَدْثُونَ عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرِ))، مَنْ تَتَّهِمُ؟ أَتَتَّهِمُ مَنْصُورًا؟، أَتَتَّهِمُ زُبَيْدًا؟، أَتَتَّهِمُ سُلَيْمَانَ؟، قَالَ: لَا، وَلَكِنْي أَتِهِمُ أَبَا وَائِلٍ). ١١١ = ٢٧- (قِتَالُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤١١١ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أبو داود)): هو الطيالسيّ. و((منصور)): هو ابن المعتمر. و((سليمان)): هو الأعمش. و((زُبيد)): هو الحارث الياميّ. و((أبو وائل)): هو شقيق بن سلمة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن حمّادًا هنا هو ابن أبي سُليمان، وهو شيخٌ لشعبة، وكان مرجئًا، والظاهر أنه جرى بينه وبين شعبة النقاش في الإرجاء، فذكر له شعبة هذا الحديث محتجًا عليه، ثم قال له: أتتهم هؤلاء الرواة، إنهم حدّثوا بحديث غير ثابت عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم؟، فقال: لا أتهمهم، وإنما أتّهم شيخهم، أبا وائل. وإنما اتّهم أبا وائل؛ لأنه كان يرد على هذا الرأي الباطل، ويذكر حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا احتجاجًا على إبطاله، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق شعبة، عن زبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد الله أن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم قال: ((سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر)). وفي رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن زبيد، قال: لَمّا ظهرت المرجئة، أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له». قال الحافظ رحمه الله تعالى: فظهر من هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبي وائل سنة (٩٩)، وقيل: سنة (٨٢)، ففي ذلك دليلٌ على أن بدعة الإرجاء قديمة انتهى(١). ثمّ إن اتّام حماد لأبي وائل بهذا الحديث اتّام باطلٌ، وذلك لأن أبا وائل من العدول الثقات، الذين شهد لهم أهل عصرهم، ومن بعدهم بالعدالة، والصيانة، وبرّؤوهم من وصمة الاتهامات، فقال الأعمش، عن إبراهيم: عليك بشقيق، فإني أدركت الناس، وهم متوافرون، وإنهم ليعدّونه من خيارهم. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، لا يُسأل عنه. وقال وكيع: كان ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن حبّان: سكن الكوفة، وكان من عُبّادها. وقال العجليّ: رجل صالح. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة(٢). وأيضًا، فلم ينفرد أبو وائل برواية هذا الحديث عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فقد تابعه أبو الأحوص، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، كما تقدّم للمصنّف في هذا الباب، وأبو عمرو الشيبانيّ عند أبي يعلى في ((مسنده)) ٤٩٩١- والأسود، وهُبيرة (١) ((فتح)) ١/ ١٥٤. (٢) راجع ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ١٧٨/٢-١٧٩. وغيره. = ١١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ابن يَريم عند الخطيب البغداديّ في ((تاريخه)) ٨٦/١٠-٨٧- ومسروق عند أبي نعيم في ((الحلية)) ٢٣/٥ ستتهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. والحاصل أن اتهام حماد لأبي وائل في هذا باطلٌ، وإنما حمله عليه هذا المذهب الباطل، والله المستعان على المتّهِمِين أهلَ الحقّ بالباطل زورًا، وبُهتانًا. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في ((الفتح)»: قد تابع أبا وائل في رواية هذا الحديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أخرجه الترمذيّ، مصحّحًا، ولفظه: ((قتال المسلم أخاه كفرٌ، وسبابه فسوقٌ))، ورواه جماعة عن عبد الله بن مسعود، موقوفًا، ومرفوعًا، ورواه النسائيّ ٤١٠٦/٢٧- من حديث سعد بن أبي وقاص أيضًا، مرفوعًا، فانتفت بذلك دعوى من زعم أن أبا وائل تفرّد به. انتهى (١). والحديث متفقٌ عليه، أخرجه المصنف هنا٤١١١/٢٧ و٤١١٢ و٤١١٣ ٤١١٤ و٤١١٥- وفي ((الكبرى)) ٢٧/ ٣٥٧٤ و٣٥٧٥ و٣٥٧٦ و٣٥٧٧ و٣٥٧٨ . وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ٤٨ و((الأدب)) ٦٠٤٤ و((الفتن)) ٧٠٧٦ (مسلم) في ((الإيمان)) ٦٤ (الترمذي) في ((البر والصلة)) ١٩٨٣ و((الإيمان)) ٢٦٣٤ و٢٦٣٥ (ابن ماجه) في ((المقدمة)) ٦٩ و((الفتن)) ٣٩٣٩ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٣٦٣٩ و٣٨٩٣ و٣٩٤٧ و٤١١٥ و٤١٦٧ و٤٢٥٠ و٤٣٣٢ و٤٣٨٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ثم إن المصنف رحمه الله تعالى أورد روايات زُبيد، ومنصور، والأعمش، متتالية، فقال : ٤١١٢- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((سِبَابُ الْمُسْلِم ◌ُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))، قُلْتَ لِأَبِي وَائِلِ: سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((سفيان)): هو الثوريّ. وقوله: ((قلت لأبي وائل الخ)» القائل هو زبيدٌ الياميّ، كما صرّح به في رواية مسلم، ولفظه: ((قال زبيد: فقلت لأبي وائل: أنت سمعته من عبد الله يرويه عن رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم؟ قال: نعم)). انتهى. (١) (فتح)) ١/ ١٥٤ ((كتاب الإيمان)) حديث ٤٨. ١١٣ ٢٧ - (قِتَلُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤١١٥ [تنبيه]: قد روى هذا الحديث شعبة أيضًا عن منصور بن المعتمر، كما عند البخاريّ في ((الأدب))، وعن الأعمش، وهو عند مسلم، وقال ابن منده: لم يُختلف في رفعه عن زُبيد، واختُلف على الآخَرَين. ورواه عن زبيد غيرُ شعبة أيضًا، عند مسلم، وغيره. أفاده في ((الفتح))(١). والحديث متفقٌ عليه، وتقدّم تخريجه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١١٣- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((سِبَابُ الْمُسْلِم فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((معاوية)): هو ابن هشام القصّار، أبو الحسن الكوفيّ، صدوقٌ له أوهامٌ، من صغار [٩] ١٧٠٤/٣٩. والحديث متفقٌ عليه، كما سبق آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١١٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((جرير)): هو ابن عبد الحميد. والحديث موقوف صحيح، وقد سبق قبله مرفوعًا، وهو الأرجح؛ ولذا أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق شعبة، عن منصور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١١٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ((قِتَالُ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ، وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ))). ((أبو معاوية)): هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ. والحديث موقوف صحيح، وقد اقتصر المصنّف رحمه الله تعالى في رواية الأعمش على الموقوف فقط، وقد رواه أيضًا، مرفوعًا، وهو الأرجح، ولذا أخرجه البخاريّ في (صحيحه)) من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش. فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) راجع ((الفتح)) ١٥٤/١ ((كتاب الإيمان)) حديث ٤٨ . ١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ٢٨ - (التَّغْلِيظُ فِيمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَایَةٍ عِمِّيَّةٍ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الْعِمْيَةُ)) بالكسر، والضمّ، مشددتي الميم، والياء: الْكِبْرُ، أو الضلال. قاله في ((القاموس)). وقال ابن منظور في ((اللسان)): العميّة: الدعوة العمياء. وقيل: الفتنة، وقيل: الضلالة. قال: ((ميتة عمّيّة)): أي ميتة فتنة، وجهالة. انتهى باختصار. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤١١٦- (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالِ الصَّوَّافُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ رِيَاحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَرِ: ((مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَمَاتَ مَاتَ مِينَةً جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، لَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدِهَا، فَلَيْسَ مِنِّي، وَمَنْ قَاتَلَ تَحَتَ رَايَةٍ عُمْيَّةٍ، يَدْعُو إِلَى عَصَبِئَةٍ، أَوْ يَغْضَبُ لِعَصَبِئَّةٍ، فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِئَةٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (بشر بن هلال الصّوّاف) أبو محمد النُّمَيريّ البصريّ، ثقة [١٠] ١٦٢/١١٧. ٢- (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] ٦/٦. ٣- (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ البصريّ، ثقة فقيه حجة [٥] ٤٨/٤٢. ٤- (غَيْلان بن جرير) الْمِغوليّ الأزديّ البصريّ، ثقة [٥] ١٠٨٢/١٢٤. ٥- (زياد بن رِيَاح) -بكسر أوّله، ثم مثناة تحتانيّة خفيفة- أبو قيس البصريّ، أو المدنيّ، ثقة [٣] . روى عن أبي هريرة. وعنه الحسن البصريّ، وجرير بن غيلان. قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). أخرج له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه هذا الحديث فقط، وله عند مسلم حديث آخر: ((بادروا بالأعمال سنًّا)) الحديث. [تنبيه]: وقع في معظم نسخ ((المجتبى))، و((الكبرى)) ((زياد رباح)) بالباء الموحدة، وهو خطأ(١)، والصواب ((ابن رياح)) بالياء التحتانيّة، وهو الذي في ((النسخة الهندية))، (١) وذكر النوويّ في شرح مسلم ٤٤١/١٢- أن البخاريّ قاله بالمثناة، وبالموحّدة، وقاله الجماهير بالمثناة، لا غير. انتهى. ١١٥ ٢٨- (التَّغْلِيظُ فِيمَنْ قَتلَ تَحْتَ رَآيَةٍ عِمْيّةٍ) - حديث رقم ٤١١٦ فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أيوب، عن غيلان، عن زياد، ورواية أيوب عن غيلان من رواية الأقران، وفيه أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ) أي من طاعة ولاة الأمور (وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ) أي جماعة المسلمين المجتمعين على إمام واحد، أو إجماع المسلمين على أمر واحد، ففيه تحريم مخالفة الإجماع (فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً) بكسر الميم: فِعلة للهيئة، وهي حالة الموت، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)): وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَجَلْسَهْ وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ حَجِلْسَهْ (جَاهِلِيَةً) بالنصب صفة ل((ميتة)) أي كمِيتة أهل الجاهليّة، من الضلال والفُرقة. قاله القرطبيّ. وقال النوويّ: أي على صفة موتهم من حيث إنهم فوضى، لا إمام لهم. انتھی. ويحتمل أن يكون مجرورًا بإضافة ((ميتة)) إليه (وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا) بفتح الباء، وتشديد الراء: وهو التقيّ (وَفَاجِرَهَا) بالجيم: وهو المسيء (لَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا) من التحاشي، وهو المجانبة. قال النوويّ: معناه: لا يكترث بما يفعله فيها، ولا يخاف وباله، وعُقوبته. انتهى. وفي لفظ عند مسلم: ((ولا ينحاش)) بالنون: أي لا يجانب، يقال: انحاش إلى كذا: أي انضم إليه، ومال. قاله القرطبيّ. والمعنى أنه لا يترك أحدًا من المؤمنين إلا قتله (وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدِهَا) أي لا يوفّي بعهد الذّمَيّين الذين لهم عهد وأمان من المسلمين ذمّتهم، بل ينقضه، ويقتلهم، كما يقتل المسلمين، أو المعنى أنه لا يوفي بعهد البيعة، والولاية (فَلَيْسَ مِنّي) زاد في رواية مسلم: ((ولست منه)). قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا التبزي أنه ليس بمسلم، وهذا صحيحٌ إن كان معتقدًا لحلّيّة ذلك، وإن كان معتقدًا لتحريمه، فهو عاصٍ من العصاة، مرتكب كبيرةً، فأمره إلى الله تعالى، ١١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ويكون معنى التبرّي على هذا: أي ليست له ذمّة، ولا حرمة، بل إن ظُفِر به قُتل، أو عُوقب بحسب حاله، وجريمته. ويحتمل أن يكون معناه: ليس على طريقتي، ولستُ أرضى طريقته، كما تقدّم أمثالُ هذا. وهذا الذي ذكره في هذا الحديث هي أحوال المقاتلين على الملك، والأغراض الفاسدة، والأهواء الركيكة، وحميّة الجاهليّة، وقد أبعد من قال: إنهم الخوارج، فإنهم إنما حملهم على الخروج الْغَيْرة للدين، لا شيء من العصبيّة، والملك؛ لكنّهم أخطؤوا التأويل، وحرّفوا التنزيل. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ رحمه الله تعالى تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم. (وَمَنْ قَاتَلَ تَحَتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ) بضم العين، وكسرها لغتان مشهورتان، والميم مكسورة، مشدّدة،، والياء مشدّدة أيضًا، قالوا: هي الأمر الأعمى الذي لا يستبين وجهه. كذا قاله أحمد بن حنبل، والجمهور. وقال إسحاق بن راهويه: هذا كتقاتل القوم للعَصَبيّة. قاله النوويّ(٢). وقال القرطبيّ: قال بعضهم: العمّيّة: الضلالة. وقال أحمد بن حنبل: هو الأمر الأعمى، كالعصبيّة، لا يستبين ما وجهه؟. وقال إسحاق: هذا في تهارُج القوم، وقتل بعضهم بعضًا، كأنه من التعمية، وهو التلبيس. انتهى (٣). وقال ابن الأثير: العِمِّيّةٌ فِعيلة، من العَمَاء: الضلالة، كالقتال في العَصَبيّة والأهواء. وحكّى بعضهم فيها ضمّ العين. انتهى(٤). (يَذْعُو إِلَى عَصَبِئَةٍ، أَوْ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ) قال في ((النهاية)): العصبيّة، والتعصّبُ: المحاماة، والمدافعة. والعَصَبيّ: من يُعين قومه على الظلم، وقال أيضًا: هو الذي يغضب لعَصَبته، ويُحامي عنهم. انتهى بتصرّف(٥). وقال القرطبيّ في ((المفهم)): قوله: ((يغضب لعصبته، أو ينصر عصبته)) هكذارواية الجمهور بالعين، والصاد المهملتين، من التعصّب. وقد رواه العذريّ بالغين، والضاد المعجمتين، من الغضب، والأول أصح، وأبين، ويَعضِده تأويل أحمد بن حنبل (١) ((المفهم)) ٦٠/٤ ((كتاب الإمارة)). (٢) (شرح مسلم)) للنوويّ ٣٣١/١٢. ((كتاب الإمارة)). (٣) ((المفهم" ٥٩/٤. ((كتاب الإمارة)). (٤) ((النهاية)) ٣٠٤/٣. (٥) (النهاية)) ٢٤٦/٣. ١١٧ ٢٨- (التغلیظُ فِیمن قاتلَ تحتَ رآیة عِمة) - حدیث رقم ٤١١٦ المتقدّم، ولرواية العذريّ وجه، وهو أن يريد به الغضب الذي يحمل عليه التعصّب. (١) انتھی(١). (فَقُتِلَ) بالبناء للمفعول (فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ) بكسر القاف، هو مثل قوله: ((فميتةٌ جاهليّة)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤١١٦/٢٨- وفي ((الكبرى) ٣٥٧٩/٢٨. وأخرجه (م) في ((الإمارة)» ١٨٤٨ (ق) في ((الفتن)) ٣٩٤٨ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٨٨٤ و٨٠٠٠ و ٩٩٦٠ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان التغليظ فيمن قاتل تحت راية عِمّيّة. (ومنها): أن فيه وجوب طاعة الإمام، ولزوم جماعة المسلمين. (ومنها): وجوب نصب الإمام. (ومنها): تحريم مخالفة إجماع المسلمين، وأنه واجب الاتباع. (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: ويَستَدِلّ بظاهره من كفّر بخرق الإجماع مطلقًا، والحقّ التفصيل، فإن كان الإجماع مقطوعًا به، فمخالفته، وإنكاره كفرٌ، وإن كان الإجماع مظنونًا، فإنكاره، ومخالفته معصيةٌ، وفُسوقٌ. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التفصيل الذي ذكره القرطبيّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. وإلى الاختلاف في تكفير منكر الإجماع أشار في ((الكوكب الساطع))، حيث قال: جَاحِدُ مُجْمَع عَلَيْهِ عُلِمَا ضَرُورَةٌ فِي الدِّينِ لَيْسَ مُسْلِمَا وَالْخُلْفُ فِمَا لَمْ يُنَصَّ الْمُشْتَهِزْ قَطْعًا وَفِي الأَظْهَرِ مَنْصُوصْ شُهِرْ أَصَحُهُ تَكْفِيرُهُ خُصُوصَا لَا جَاحِدُ الْخَفِي وَلَوْ مَنْصُوصَا (ومنها): أن من لم يدخل تحت طاعة إمام، فقد شابه أهل الجاهلية في ذلك، فإن مات على تلك الحالة مات على مثل حالتهم، مرتكبًا كبيرةً من الكبائر، ويُخاف عليه (١) ((المفهم)) ٥٩/٤-٦٠ ((كتاب الإمارة)). (٢) (المفهم)) ٥٩/٤ . ١١٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ بسببها أن لا يموت على الإسلام. وهذا فيما إذا كانت للمسلمين جماعة، وإمامٌ، وأمكنه الدخول معهم، فتركه، فإن لم يكن أمرهم منتظمًا، بل كان فوضى، فلا شيء عليه، بل يلزم بيته، ويشتغل بأمر نفسه، ويدع أمر العامة، فقد فضّل النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم هذا الأمر تفصيلاً، لم يبق معه التباس، وذلك في سؤالات حذيفة رضي اللّه تعالى عنه في هذا الأمر، فقد أخرج الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، فقال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، حدثني بسر بن عبيد اللّه الحضرمي، أنه سمع أبا إدريس الخولاني، أنه سمع حذيفة بن اليمان، يقول: كان الناس يسألون رسول اللَّه وَ لؤل عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول اللَّه، إنا كنا في جاهلية وشرّ، فجاءنا اللَّه بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم))، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم، وفيه دَخَنٌ))، قلت: وما دخنه؟ قال: ((قوم يَهْدُون بغير هديي، تَعرِف منهم وتنكر))، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم دُعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها، قذفوه فيها))، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: ((هم من جِلْدتنا، ويتكلمون بألسنتنا»، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم))، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قال: ((فاعتزِل تلك الفِرَق كُلُّها، ولو أن تَعَضَّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك)). فقد أوضح رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم في هذا الحديث كيف يعيش المسلم في أيّ زمان، وفي أيّ مكان، ومع أيّ أناس، فما أشمل هذا النصّ، وأكمله، وأنبله، ﴿وَمَا يَتَطِقُ عَنِ الْمَوَّ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤]. (ومنها): أن فيه أن ارتكاب المعاصي والفجور، لا يُخرج عن الملة، أيا كان نوعه، إلا بالارتداد عن الإسلام صريحًا، أعاذنا الله تعالى من ذلك، ومن كلّ سوء، بمنّه، وكرمه، إنه جواد كريم، رؤوفٌ رحيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١١٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ جُنْدُبٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ قَاتَلَ تَحَتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يُقَاتِلُ عَصَبِئَةً، وَيَغَضَبُ لِعَصَبِئَّةِ، فَقِثْلَتُهُ جَاهِلِيَةٌ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، لَيْسَ بِالْقَوِيّ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و(«عمران القطّان)): ٢٨ - (التَّغْلِيظُ فِيمَنْ قَتلَ تَحْتَ رَآيَةٍ عِمْيةٍ) - حديث رقم ٤١١٧ ١١٩ هو: عمران بن داور -بالراء - البصريّ، صدوقٌ يهم، ورمي برأي الخوارج [٧] ٩/ ٤٦٦. و((أبو مِجْلَز)) بكسر الميم، وسكون الجيم، وفتح اللام، آخره زاي -: هو حُميد بن لا حق السدوسيّ البصريّ، ثقة، من كبار [٣] ٢٩٦/١٨٨. هذا الإسناد مسلسلٌ بالبصريين، كسابقه، ورجاله رجال الصحيح، غير عمران، فعّق له البخاريّ فقط، وأخرج له الأربعة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، قتادة، عن أبي مجلز. والحديث أخرجه مسلم في ((الإمارة)» ١٨٥٠، وأخرجه المصنّف هنا-٤١١٧/٢٨- وفي ((الكبرى)) ٢٨/ ٣٥٨٠. والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ) أشار به إلى تضعيف الحديث بسبب ضعف عمران القطّان، وهذا الذي قاله المصنّف في عمران قاله غيره أيضًا، فقد نقل الدوريّ عن ابن معين: ليس بالقويّ. وقال مرّة: ليس بشيء، لم يرو عنه يحيى بن سعيد. وقال أبو داود مرّة: ضعيف. وقال البخاريّ: صدوق يهم. وقال الدار قطنيّ: كان كثير المخالفة والوهم. وأثنى عليه غيرهم، فعن أحمد، أنه قال: أرجو أن يكون صالح الحديث. وقال ابن عديّ: هو ممن يُكتب حديثه. وقال الساجيّ: صدوقٌ وثقه عفّان. وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وقال الحاكم: صدوق. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))(١). لكن الحديث لم ينفرد به عمران، بل تابعه سليمان بن طَرْخَان، عند مسلم، ولفظه: ١٨٥٠ - حدثنا هريم بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، قال: سمعت أبي يحدث عن أبي مجلز، عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول اللَّه وَ له: ((من قُتِل تحت راية عِمّية، يدعو عصبية، أو ينصر عصبية، فقِثْلة جاهلية)). والحاصل أن حديث جندب بن اللّه رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». (١) راجع ((تهذيب التهذيب)) ٣١٨/٣-٣١٩. ١٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ٢٩- (تُحْرِيمُ الْقَتْلِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المراد تحريم قتل المسلم الذي لم يرتكب ما يستحق به قتله. والله تعالى أعلم. ٤١١٨- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيًّا، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا أَشَارَ الْمُسْلِمُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِم بِالسِّلَاحِ، فَهُمَا عَلَى جُرُفٍ جَهَنَّمَ، فَإِذَا قَتَلَّهُ خَرَّا جَميعًا فِيهَا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، ثقة [١٠] ٣٧/٣٣. ٢- (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣ . ٣- (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٧/٢٤. ٤ - (منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/٢. ٥- (رِبعيّ) - بكسر أوله، وسكون الموحدة -: هو ابن حِرَاش بكسر الحاء المهملة، وآخره شينٌّ معجمةٌ- أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقة مخضرمٌ [٢] ٥٠٨/٨. ٦ - (أبو بكرة) نُفيع بن الحارث بن كُلَّدَة بفتحتين - ابن عمرو الثّقّفيّ، الصحابيّ المشهور بكيته، وقيل: اسمه مَسْرُوح بمهملات- أسلم بالطائف، ثمّ نزل البصرة، ومات رضي الله تعالى عنه بها سنة (٥١) أو (٥٢) تقدّمت ترجمته في ٨٣٦/٤١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من منصور، وشيخه مروزي، ثم بغدادي، والباقيان بصريّان. (ومنها): أن صحابيّه ممن اشتهر بأبي بكرة، وهو لقب بصورة الكنية، كما تقدّم سبب تلقيبه غير مرّة، وكنيته أبو عبد الرحمن. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِذَا أَشَارَ الْمُسْلِمُ عَلَّى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِالسِّلَاحِ) والمراد أن يُشير كلِّ منهما على صاحبه، كما توضّحه الرواية الآتية قريباً بلفظ: (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، كلٌّ منهما يريد قتل