النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ ٢٦ - (مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي الناس) - حديث رقم ٤٠٩٩ ٢٦- (مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي النَّاسِ) ٤٠٩٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرْ، عَنْ ابْنٍ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ، قَدَّمُهُ هَدَرْ))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢. ٢- (الفضل بن موسى) السّينَانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة ثبت ربما أغرب، من كبار [٩] ١٠٠/٨٣. ٣- (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧] ١٠/١٠ . ٤- (ابن طاوس) هو عبد الله اليمانيّ، أبو محمد، ثقة فاضل عابدٌ [٦] ١١ / ٥١٤. ٥- (أبوه) طاوس بن كيسان الحميريّ موهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل [٣] ٣١/٢٧. ٦- (ابن الزبير) هو عبد الله بن الزبير بن العوام القرشيّ الأسديّ، أبوبكر، وأبو خُبيب، ولي الخلافة تسع سنين، وقُتل في ذي الحجة سنة (٧٣)، تقدّم في ١٨٩/ ١١٦١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ) عبد اللَّه (بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ) أنه (قَالَ: ((مَنْ) شرطيّة مبتدأ، وجوابها قوله: ((قدمه هدرٌ)) (شَهَرَ سَيْفَهُ) بتخفيف الهاء، وتشديدها: أي من أخرجه من غِمْده للقتال. قال الفيوميّ: شَهَرَ الرجلُ سيفَهُ شَهْرًا، من باب نَفَعَ: إذا سلّه. وقال المجد: وشَهَرَ سيفه، كمَنَعَ، وشَهَّره يعني بالتضعيف -: انتضاه، فرفعه على الناس. انتهى. وفي الرواية الآتية: ((من رَفَعَ السلاح))، وهو بمعناه، ٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ((من حَمَلَ علينا السلاح)) (ثُمَّ وَضَعَهُ) أي في الناس، يعني أنه ضربهم به (فَدَمُهُ هَدَرٌ) بفتحتين: أي باطل، يعني أنه لا دية له، ولا قصاص بقتله. قال الفيّوميّ: هَدَرَ الدُ هَذْرًا، من بابي ضرب، وقَتَل: بطل، وأَهدَرَ بالألف لغة، وهَدَرتَهُ، من باب قتل، وأهدرته: أبطلته، يستعملان متعدّيين أيضًا، والْهَدَرُ بفتحتين اسم منه، وذهب دمُهُ هَذْرًا بالسكون، وبالتحريك: أي باطلًا، لا قَوَدَ فيه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبد الله بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما هذا ضعيف؛ لمخالفة الفضل بن موسى لعبد الرزاق، وقد تابعه أبو عاصم، عن ابن جريج، فرووه موقوفًا، وهو الأصح، وهو من أفراد المصنف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا- ٤٠٩٩/٢٦ و٤١٠٠ و٤١٠١ وفي ((الكبرى)) ٢٦/ ٣٥٦٠ و٣٥٦١ و٣٥٦٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠٠- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، بَهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((ولم يرفعه)) يعني أن عبد الرزاق بن همام الصنعانيّ رواه عن معمر موقوفًا، فخالف فيه الفضل بن موسى، وتابعه علیه أبو عاصم، عن ابن جريج، كما في الرواية التالية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠١- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَذَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، عَنْ ابْنِ جُرَیْجِ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: ((مَنْ رَفَعَ السِّلَاحَ، ثُمَّ وَضَعَهُ، فَدَمُّهُ هَدَرٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود/ سليمان بن سيف الحرّانيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و((أبو عاصم)): هو الضّحاك بن مَخْلَد النبيلُ. و((ابن جُريج)): هو عبد العزيز بن عبد الملك بن جُرَيج. والحديث موقوف صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠٢- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ، وَأُسَامَةُ بَنُ زَيَّدٍ، وَيُوَنُسُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَِّيَّ نَِّ، قَالَ: (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السَّلَّاحَ، فَلَيْسَ مِنَّ))). رجال هذا الإسناد : ثمانية : ١- (أحمد بن عمرو بن السرح) هو أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن ٢٦- (مَنْ شَهَرَ سَيَْهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي النَأس) - حديث رقم ٤١٠٢ ٨٣ السرح، أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٩/٣٥. ٢- (ابن وهب) هو عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩ . ٣- (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧. ٤- (عبد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن العمريّ المدنيّ، ضعيف [٧] ٤٠٢٩/٨. ٥- (أسامة بن زيد) الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوق يهم [٧] ٢١٧٧/٣٣. ٦ - (يونس بن يزيد) الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، سكن مصر، ثقة [٧] ٩/٩. ٧- (نافع) العدويّ مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/١٢ . ٨- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي الله تعالى عنهما١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه، وابن وهب، ويونس مصريون، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا) أي المسلمين، وترك ذكر الذميين، والمستأمنين للمقايسة، أو المراد بـ((علينا)) كلُّ من كان أهل أمن، أو حرام الدم بالإيمان، أو الذمّة، أو الاستثمان. قاله السنديّ(١) (السّلَاحَ) وفي حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم: ((من سلّ علينا السيف)). قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بذلك النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم نفسه وغيره من المسلمين، ولا شكّ في كفر من حارب النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وعلى هذا فيكون قوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((فليس منّا)) أي ليس بمسلم، بل هو كافر، وأما من حارب غيره من المسلمين، متعمّدًا، مستحلّاً من غير تأويل، فهو أيضًا کافر کالأول، وأما من لم یکن کذلك، فهو صاحب كبيرة إن لم یکون (١) ((شرح السنديّ)) ١١٧/٧. ٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ متأولًا تأويلًا مسوّغًا بوجه. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): معنى الحديث حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حقّ؛ لما في ذلك من تخويفهم، وإدخال الرعب عليهم، لا من حَمّله لحراستهم مثلاً، فإنه يحمله لهم، لا عليهم(٢). قال: وكأنه كنى بالحمل عن المقاتلة، أو القتل للملازمة الغالبة. قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: يحتمل أن يراد بالحمل ما يُضادّ الوضع، ويكون كنايةً عن القتال به. ويحتمل أن يُراد بالحمل حملها؛ إرادة القتال به لقرينة قوله: ((علينا)). ويحتمل أن يكون المراد حمله للضرب به، وعلى كلّ حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين، والتشديد فيه. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: جاء الحديث بلفظ: ((من حمل علينا السلاح))، أخرجه البزّار، من حديث أبي بكرة، ومن حديث سمُرة، ومن حديث عمرو ابن عوف، وفي سند كلّ منها لينّ، لكنّها يَعضد بعضها بعضًا. وعند أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ: ((من رمانا بالنبل، فليس منّا))))، وهو عند الطبرانيّ في ((الأوسط))، بلفظ: ((الليل)) بدل ((النبل))، وعند البزار من حديث بريدة مثله. انتهى (٣). (فَلَيْسَ مِنَّا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: مذهب أهل الحقّ أنه لا يُكفّر أحدٌ من المسلمين بارتكاب كبيرة ما عدا الشرك، وعلى هذا فيُحمل قوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((ليس منّا)) في حقٌّ مِثلٍ هذا على معنى: ليس على طريقتنا، ولا على شريعتنا، إذ سنّة المسلمين، وشريعتهم التواصل، والتراحم، لا التقاطع، والتقاتل، ويجري هذا مَجرى قوله صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((من غشّنا، فليس منّا))، ونظائره، وتكون فائدته الردع، والزجر عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الوالد لولده إذا سلك غير سبيله: لستُ منك، ولستَ منّي، كما قال الشاعر: إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورًا فِإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنّي انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللّه تعالى(٤). وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)): مذهب أهل السنّة والفقهاء أن من حمل السلاح على المسلمين بغير حقّ، ولا تأويل، ولم يستحلّه، فهو عاص، ولا يكفر بذلك، فإن استحلّه كفر. فأما تأويل الحديث، فقيل: هو محمولٌ على المستحلّ بغير (١) ((المفهم)) ٢٩٩/١. ((كتاب الإيمان)). (٢) ((فتح)) ١٧٨/١٤ ((كتاب الديات)) حديث رقم ٦٨٧٤. (٣) ((فتح)) ١٤ / ٥١٧-٥١٨ ((كتاب الفتن)) حديث رقم ٧٠٧٠. (٤) ((المفهم)) ١/ ٣٠٠ ((كتاب الإيمان)). ٨٥ ٢٦ - (مَنْ شَهَرَ سَيَْهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي الناس) - حديث رقم ٤١٠٢ تأويل، فيكفر، ويخرُج من الملّة. وقيل: معناه ليس على سيرتنا الكاملة، وهدينا. وكان سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى يَكرَه قول من يُفسّره بـ((ليس على هدينا))، ويقول: بئس هذا القول، يعني بل يُمسّك عن تأويله؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في (١) الزجر. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قوله: «فليس منّا)): أي ليس على طريقتنا، أو ليس متّبعًا لطريقتنا؛ لأن من حقّ المسلم على المسلم أن ينصُره، ويُقاتل دونه، لا أن يُرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله، أو قتله، ونظيره: ((من غشّنا فليس منّا))، و((ليس منّا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب)))). وهذا في حقّ من لا يستحلّ ذلك، فأما من يستحلّه، فإنه يكفر باستحلال المحرّم بشرطه، لا مُجرّد حمل السلاح. والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرّض لتأويله؛ ليكون أبلغ في الزجر. وكان سفيان بن عيينة يُنكر على من يَصرفه عن ظاهره، فيقول: معناه ليس على طريقتنا، ويرى أن الإمساك عن تأويله أولى لما ذكرناه. والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحقّ، فيُحمل على البغاة، وعلى من بدأ بالقتال ظالمًا. قاله في ((الفتح))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٦/ ٤١٠٢- وفي ((الكبرى)) ٣٥٦٣/٢٦. وأخرجه (خ) في ((الديات)) ٦٨٧٤ و(الفتن)) ٧٠٧٠ (م) في ((الإيمان)) ٩٨ (ق) في ((الحدود)) ٢٥٧٦ (أحمد) (( في مسند المكثرين» ٤٤٥٣ و٤٦٣٥ و٥١٢٧ و٦٢٤١ و٦٣٤٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم من شهر سيفه على المسلمين، وهو أنه ليس له حرمتهم، بل يقتل. (ومنها): تحريم حمل السلاح على المسلمين من غير حقّ؛ لما فيه من ترويعهم، وتخويفهم، بغير سبب شرعيّ. (ومنها): عظم حرمة المسلمين عند الله تعالى، فلا يحلّ لأحد أن يتعرّض لهم بأذى؛ إلا بما (١) (شرح مسلم)) ١٠٨/٢ ((كتاب الإيمان)). (٢) (فتح) ٥١٨/١٤. (كتاب الفتن)) حديث رقم ٧٠٧٠ . شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ شرعه الله تعالى عليهم، من الحدود. (ومنها): خطر حمل السلاح على من لا يستحقّه، فقد حكم الشارع عليه بأنه ليس من المسلمين، وهذا وإن كان فيه التفصيل السابق، إلا أنه خطر عظيم، أعاذنا الله من شرور أنفسنا، ومن سيّت أعمالنا، إنه جواد كريم، رؤوفٌ رحيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠٣- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنٍ أَبِي نُعْمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيَّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، وَهُوَ بِالْيَمَنِ، بِذُهَيْيَةٍ فِي تُرْبَتَّهَا، فَقَسّمَهَا بَيْنَ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسِ الْحَنْظَلِيّ، ثُمَّ أَحَدٍ بَنِي مُجَاشِعٍ، وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرِ الْفَزَارِيِّ، وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَّائَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدٍ بَنِي كِلَابِ، وَبَيْنَ زَيْدِ الْخَيْلِ الطَّائِيّ، ثُمَّ أَحَدٍ بَنِي نَيْهَانَ، قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌٌ، وَالْأَنْصَارُ، وَقَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ، وَيَدَهُنَا، فَقَالَ: (إِنَّمَا أَتَلَّفُهُمْ))، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ، غَائِرَ الْعَيْتَيْنِ، نَاتِئَّ الْوَجْئَتَيْنِ، كَثَّ اللَّحْيَةِ، مَخْلُوقَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اتَّقِ اللَّهَ، قَالَ: (مَنْ يُطِعْ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ، أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَا تَأْمَنُونِي))، فَسَأَلَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ: ((إِنَّ مِنْ ضِفَضِيٍ هَذَا، قَوْمًا يَخْرُجُونَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ، مِنِ الدِّينِ مُرُوِقَ السَّهم مِنْ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأُوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ، لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و ((والد سفيان)): هو سعيد بن مسروق الثوريّ الكوفيّ، ثقة [٦] ١١٢١/١٥٦. و((ابن أبي نُعْم)) بضمّ النون، وسكون المهملة -: هو عبد الرحمن بن أبي نُعم البجليّ، أبو الحكم الكوفيّ، صدوق عابد [٣] ٢٥٧٨/٧٩. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الزكاة))، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله، وإنما أتكلّم على إيضاح بعض الغرائب من ألفاظه. فقوله: ((وهو باليمن)) أي واليًا على اليمن. وقوله: ((بذُهيبة)) تصغير ذَهَبٍ، وأُلحقت بها هاء التأنيث؛ لأن الذهب يؤنث، والمؤنّث الثلاثيّ إذا صُغْر أَلحق تاء التأنيث، كعُيينة، تصغير عين، وأذينة تصغير أذن. وقيل: هو تصغير ذهبة على معنى قِطعة من الذهب، فصغّروها على لفظها. وقوله: ((في تُربتها)) أي مخلوطة بترابها، بمعنى أنها لم تُميّز من تراب معدنها. وقوله: ((صناديد قُريش)) جمع صنديد، وهو الرئيس. وقوله: ((غائر العينين)) أي داخلهما إلى القعر. وقوله: ((ناتىء الوجنتين بالهمز -: أي مرتفعهما، والوجنتان، تثنية ٨٧ ٢٦- (مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي الناس) - حديث رقم ٤١٠٣ وجنة، وهو ما ارتفع من الخدّ. وقوله: ((كثّ اللحية)) بفتح الكاف، وتشديد المثلّثة: أي کبیرهما، و کثیفهما. وقوله: ((من يُطع اللَّه إذا عصيته)): قال السنديّ رحمه الله تعالى: إذ الخلقُ مأمورون باتّباعه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، فإذا عصى يتّبعونه فيه، فمن يُطيعه؟. و((من)) في ((من يطع)) استفهاميّةٌ، لا شرطيّةٌ، فالوجه إثبات الياء، أي من يطيعُ الله؟، كما في ((الکبری)). انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون ((من)) استفهاميةٌ هو الصواب، لأن كونها شرطية لا يستقيم به المعنى، وعلى هذا فـايُطيع)) مرفوعٌ، لا مجزومٌ، لكن الموجود في نسخ ((المجتبى)) هنا محذوف الياء التي هي عين الكلمة بصيغة المجزوم، وما ذكره السنديّ من أنه في ((الكبرى)) بإثبات الياء، فلعله وجد نسخة منه كما ذكره، وإلا فنسخة ((الكبرى)) التي بين يديّ مثل نسخ ((المجتبى))، محذوفة الياء. فليُحرّر. وقد تقدّم في ((كتاب الزكاة)) مرفوعًا، ولفظه: ((فمن يُطيع اللَّه عزّ وجلّ، إن عصيته الخ)). والله تعالى أعلم. وقوله: ((أيأمنني)) أي اللَّه تعالى، فالفاعل ضمير الله تعالى. وقوله: ((على أهل الأرض)) أي على تبليغ الوحي، وأداء الرسالة إليهم. وقوله: ((فسأل رجل من القوم قتله)) هو خالد بن الوليد، وقيل: عمر بن الخطّاب، ويحتمل أن كلّا منهما طلب قتله. وقوله: ((فلما ولّى)) أي أدبر الرجل القائل له صلّى الله تعالى عليه وسلم: يا محمد اتّق اللَّه. وقوله: ((قال: إن من ضِئضىء هذا)) بكسر الضادين، وسكون الهمزة الأولى: أي قال صلّى الله تعالى عليه وسلم: إن من نسل وعقب هذا الرجل. وقوله: «یخرجون»: أي يظهرون. وقوله: ((لا يُجاوز حناجرهم)) جمع حنجرة، وهي رأس الْغَلْصَمة، حيث تراه ناتئًا من خارج. قيل: معناه: لا تفهمه قلوبهم، ولا ينتفعون بما يتلون. وقيل: لا يصعد لهم عمل، ولا تلاوة، ولا يُتقبّل منهم. وقوله: ((يمرقون من الدين)) من باب قعد: أي يخرجون منه. وقوله: ((كما يمرق السهم من الرَّميّة»: أي كما يخرج السهم من الصيد المرميّ، شبه مروقهم من الإسلام بالسهم الذي يُصيب الصيد، فيدخل فيه، ويخرج منه، ومن شدّة سرعة خروجه لقوة (١) ((شرح السنديّ)) ١١٨/٧. ٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ الرامي، لا يَعْلَق به من جسد الشي شيءٍ. قاله في ((الفتح)) (١). وقوله: ((قتل عاد)) أي قتلًا عامًّا، مستأصلًا، كما قال الله تعالى في شأن هلاك عاد: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]. وقد تقدّم شرح هذا الحديث مستوفّى في (كتاب الزكاة)) ٢٥٧٨/٧٩- فراجعه تستفد. وبالله تعالى التوفيق. [فائدة]: ذكر في ((الفتح)) أنه جَاءَ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُذْرِيْ قِصَّة أُخْرَى، تَتَعَلَّق بِالْخَوَارِجِ، فِيهَا مَا يُخَالِفِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيْد، عَنْ أَبِي سَعِيد، قَّالَ: ((جَاءَ أَبُو بَكْر إِلَى رَسُول اللَّهِ هِ، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه، إِنِّي مَرَرْت بِوَادِي كَذَا، فَإِذَا رَجُل حَسَنِ الْهَيْئَة، مُتَخَشْع، يُصَلّىِ فِيهِ، فَقَالَ: ((اذْهَبْ إِلَيْهِ، فَاقْتُلْهُ». قَالَ: فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْر، فَلَمَّا رَآهُ يُصَلِّي، كَرِهَ أَنْ يَقْتُلُهُ، فَرَجَعَ، فَقَالَ النَِّيِّ نَّهِ لِعُمَر: ((اذْهَبْ إِلَيْهِ، فَاقْتُلْهُ))، فَذَهَبَ، فَرَآهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، فَرَجَعَ، فَقَالَ: ((يَا عَلِيّ، اذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ))، فَذَهَبَ عَلِيّ، فَلَمْ يَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيّ ◌َهِ: ((إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابِهِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنِ، لَا يُجَاوِزِ تَرَاقِيهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، فَاقْتُلُوهُمْ، هُمْ شَرّ الْبَرِيَّة)). وَلَّهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث جَابِرٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَرِجَاله ثِقَات. قال الحافظ: وَيُمْكِنِ الْجَمْعِ، بِأَنْ يَكُونِ هَذَا الرَّجُلِ هُوَ الْأَوَّل، وَكَانَتْ قِصَّتِه هَذِهِ الثَّانِيَة، مُتَرَاخِيَةٍ عَنْ الْأُولَى، وَأَذِنَ بَّهَ فِي قَتْله، بَعْد أَنْ مَنَعَ مِنْهُ، لِزَوَالٍ عِلَّة الْمَنْعِ، وَهِيَ التَّأَلُّف، فَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهُ، بَعْد انْتِشَارِ الْإِسْلامِ كَمَا نُهِي عَنْ الصَّلَاةِ عَلَّى مَنْ يُنْسَبِ إِلَى النَّفَاقِ، بَعْد أَنْ كَانَ يُجْرِى عَلَيْهِمْ أَحْكَامِ الْإِسْلامِ قَبْل ذَلِكَ، وَكَأَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَرَ، تَمَسَّكَا بِالنَّهِي الأَوَّل عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِينَ، وَحَمَلَا الْأَمْرَ هُنَا عَلَى قَيْد أَنْ لا يَكُون لا يُصَلِّي، فَلِذَلِكَ عَلَّلاً عَدَمِ الْقَتْلِ بِوُجُودِ الصَّلاة، أَوْ غَلََّا جَانِب النَّهْيِ. ثُمَّ وَجَدْتِ فِي (( مَغَازِي الأُمَوِيّ))، مِنْ مُرْسَل الشَّعْبِيّ، فِي نَحْو أَصْلِ الْقِصَّة: ((ثُمَّ دَعَا رِجَالا، فَأَعْطَاهُمْ، فَقَامَ رَجُلٍ، فَقَالَ: إِنَّك لَتَّقْسِم، وَمَا نَرَى عَدْلا، قَالَ: إِذَنْ لا يَعْدِلِ أَحَدٌ بَعْدِي. ثُمَّ دَعَا أَبَا بَكْر، فَقَالَ: اذْهَبْ، فَاقْتُلْهُ، فَذَهَبَ، فَلَمْ يَجِدُهُ، فَقَالَ: (لَوْ قَتَلْتَه لَرَجَوْت أَنْ يَكُون أَوَّلِهِمْ وَآخِرِهمْ)). فَهَذَا يُؤَيِّد الْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرْته، لِمَا يَدُلْ عَلَيْهِ، (ثُمَّ)) مِنْ التَّرَاخِي، وَاَللَّه أَعْلَمُ. انتهى (٢) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الحافظ من وجه الجمع حسنٌ، وقد تقدّمت المسائل المتعلّقة بهذا الحديث في ((كتاب الزكاة))، فراجعها تستفد. والله تعالى (١) ((فتح)) ٣٢٥/٨. (٢) ((فتح)) ١٤ / ٣٠٥-٣٠٦. ((كتاب استتابة المرتدين)). ٢٦ - (مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي النَأس) - حديث رقم ٤١٠٤ ٨٩= أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِّهِ، يَقُولُ: يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أَخْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَخْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرٍ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَتَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ، كَمَّا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَِّيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَّهُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ))). رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (محمد بن بشّار) العبدي، أبو بكر البصريّ، بُندار، ثقة حافظ [١٠] ٢٧/٢٤. ٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤٩/٤٢. ٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الثبت الحجة [٧] ٣٧/٣٣. ٤- (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل، يدلّس [٥] ١٨/١٧. ٥- (خيثمة) بفتح الخاء المعجمة، والمثلثة، بينهما تحتانيّةٌ ساكنة - ابن عبد الرحمن ابن أبي سَبْرَة بفتح المهملة، وسكون الموحّدة- الجعفيّ الكوفيّ، ثقة، وكان يرسل، ولأبيه، وجدّه صحبة [٣]١١٤/ ٢٠٥٦. ٦- (سُويد بن غَفَلَة) بفتح المعجمة، والفاء -: هو أبو أَميّة الجعفيّ، ثقة مخضرم، من كبار التابعين، قَدِم المدينة يوم دُفن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات بها سنة (٨٠)، وله (١٣٠) سنة تقدّم ١٦٨٦/٦٣. [فائدة]: قال الدار قطنيّ رحمه اللّه تعالى: لم يصحّ لسُويد بن غَفَلَة عن عليّ رضي الله تعالى عنه مرفوعٌ إلا هذا الحديث. وقال الحافظ: رحمه الله تعالى: وما له في الكتب الستّة، ولا عند أحمد غيره، وله في ((المستدرك)) من طريق الشعبيّ عنه، قال: ((خطب عليّ بنت أبي جهل))، أخرجه من طريق أحمد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن زكريا، عن الشعبيّ، وسنده جيّد، لكنه مرسلّ، لم يقل فيه: ((عن عليّ)). انتهى(١). ٧- (عليّ) بن أبي طالب الهاشميّ الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنهما٧٤ / ٩١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (١) ((فتح)) ١٤/ ٢٩٠-٢٩١. ٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين الثقات يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن خيثمة، عن سُويد. (ومنها): أن صحابيّه رَيش أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشرين بالجنة، صاحب المناقب الجمّة رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلِيّ) بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ) في رواية الشيخين، وغيرهما: ((قال عليّ رضي اللّه تعالى عنه: إذا حدثتكم عن رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم حديثًا، فو اللَّه لأن أخرّ من السماء أحبّ إليّ من أن أكذب عليه، وإذا حدّثتكم فيما بيني وبينكم، فإن الحرب خُدْعةٌ)) (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، يَقُولُ: يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) كذا وقع في هذه الرواية، وفي حديث أبي برزة الآتي بعد هذا: ((يخرج في آخر الزمان قومٌ))، وهذا قد يُخالف حديث أبي سعيد المذكور قبل هذا، فإن فيه عند الشيخين وغيرهما: ((يخرجون على حين فُرقة من الناس))، ومقتضى هذا أنهم خرجوا في خلافة عليّ، وكذا أكثر الأحاديث الواردة في أمرهم. وأجاب ابن التين بأن المراد زمان الصحابة. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن آخر زمان الصحابة كان على رأس المائة، وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة. ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة، فإن في حديث سفينة رضي الله تعالى عنه المخرّج في ((السنن))، و((صحيح ابن حبّان))، وغيره، مرفوعًا: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تصير مُلْكًا))، وكانت قصّة الخوارج، وقتلهم بالنهروان في أواخر خلافة عليّ رضي اللّه تعالى عنه سنة ثمان وعشرين بعد موت النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بدون الثلاثين بنحو سنتين. (أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ) -بفتح الهمزة- جمع حدَثٍ بفتحتين، وهو الصغير السنّ، و((الأسنان)) بفتح الهمزة أيضًا: جمع سنّ، والمراد به العمر، وهو كناية عن كونهم شبابًا (سُفَهَاءُ الْأَخْلَام) بفتح الهمزة: جمع حِلْم بكسر، فسكون، والمراد العقل، والمعنى أن عقولهم رديئة . قال النوويّ: يُستفاد منه أن التثبت، وقوّة البصيرة تكون عند كمال السنّ، وكثرة التجارب، وقوّة العقل. وتعقّبه الحافظ بأنه لم يظهر له وجه الأخذ منه، فإن هذا معلوم بالعادة، لا من خصوص کون هؤلاء كانوا بهذه الصفة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي لا وجه لتعقّب الحافظ لكلام النوويّ، فإن استنباطه -فيما يظهر - صحيح، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. ٩١ ٢٦- (مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي الناس) - حديث رقم ٤١٠٤ (يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ) أي يتكلّمون ببعض الأقوال التي هي من خيار أقوال الناس. قال النوويّ: أي في الظاهر، مثلُ ((إن الحكم إلا للَّه))، ونظائره، كدعائهم إلى كتاب الله. انتهى. وقال في ((الفتح)): هو من المقلوب، والمراد من ((قول خير البريّة))، أي من القرآن. قال: ويحتمل أن يكون على ظاهره، والمراد القول الحسن في الظاهر، وباطنه على خلاف ذلك، كقولهم: ((لا حكم إلا لله)) في جواب عليّ رضي اللَّه تعالى عنه. وقد وقع في رواية طارق بن زياد عند الطبريّ، قال: ((خرجنا مع عليّ فذكر الحديث، وفيه- ((يخرج قوم يتكلّمون كلمة الحقّ، لا تُجاوز حلقهم))، وفي حديث أنس، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنهما، عند أبي داود، والطبرانيّ: ((يُحسنون القول، ويُسيئون الفعل)»، ونحوه في حديث عبد الله بن عمر، عند أحمد، وفي حديث مسلم عن عليّ: ((يقولون الحقّ، لا يُجاوز هذا، وأشار إلى حلقه))(١). (لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُمْ حَتَاجِرَهُمْ) وفي رواية عند البخاريّ: (( لا يجوز»، والحناجر بالحاء المهملة، والنون، ثم الجيم- جمع حنجرة، بوزن قَسْوَرَة، وهي الحلقوم، والبلعوم، وكلّه يُطلق على مجرى النفَسِ، وهو طرف المريء، مما يلي الفم. ووقع في رواية مسلم من رواية زيد بن وهب، عن عليّ رضي الله تعالى عنه: ((لا تُجاوز صلاتهم تراقيهم))، فكأنه أطلق الإيمان على الصلاة. وله في حديث أبي ذرّ رضي اللَّه تعالى عنه: ((لا يُجاوز إيمانهم حلاقيمهم))، والمراد أنهم يؤمنون بالنطق، لا بالقلب (يَمْرُقُونَ) بضمّ الراء، من باب قعَدَ: أي يخرجون (مِنْ الدِّينِ) وتقدّم في حديث أبي سعيد بلفظ: ((من الإسلام)) (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء، وتشديد الياء التحتانيّة: أي الصيد المرميّ. شبّه مروقهم من الدين بالسهم الذي يُصيب الصيد، فيدخل فيه، ويخرُج منه، ومن شدّة سُرعة خروجه لقوّة الرامي لا يَعلَق به من جسد الصيد شيء (فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فَاقْتُلُوهُمْ) هذا تصريح بوجوب قتال الخوارج، والبغاة، وهو إجماع العلماء، كما سيأتي البحث عنه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ) أي ذو أجر وثواب، فهو على حذف مضاف، وفي رواية للبخاريّ: ((فإن في قتلهم أجرًا)) لِمَنْ قَتَلَّهُم، يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف متعلّق بـ((أجر))؛ لكونه مصدرًا يعمل عمل فعله. وفي رواية زيد بن وهب عند البخاريّ: ((لو يعلم الجيش الذين يُصيبونهم ما قُضي لهم على لسان نبيهم صلّى اللّه تعالى عليه وسلم لنَكُلُوا عن العمل))، ولمسلم في رواية عَبِيدة بن عمرو، عن عليّ رضي اللَّه تعالى عنه: ((لولا أن تَبْطَرُوا لحدثتكم بما وعد الله - (١) ((فتح)) ١٤ / ٢٩٢. ((كتاب استتابة المرتدين رقم ٦٩٣٠. ٩٢ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ الذين يقتلونهم على لسان محمد صلّى الله تعالى عليه وسلم، قال عبيدة: قلت لعليّ: أنت سعته؟ قال: إي وربّ الكعبة ثلاثًا))، وله في رواية زيد بن وهب قصّة قتل الخوارج: ((أن عليًّا لَمّا قتلهم، قال: صدق اللَّه، وبلغ رسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، فقام إليه عَبِيدة، فقال: يا أمير المؤمنين اللَّه الذي لا إله إلا هو، لقد سمعتَ هذا من رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، حتّى استحلفه ثلاثًا». قال النوويّ: إنما استحلفه ليؤكّد الأمر عند السامعين، ولتظهر معجزة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وأن عليًّا، ومن معه على الحقّ. وقال الحافظ: وليطمئن قلب المستحلف لإزالة توهم ما أشار إليه عليّ أن الحرب خدعة، فخشي أن يكون لم يسمع في ذلك شيئًا منصوصًا، وإلى ذلك يُشير قول عائشة رضي الله تعالى عنها لعبد الله بن شدّاد: ((ما قال عليّ حينئذ؟، قال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله، قالت: رحم الله عليًّا، إنه كان لا يرى شيئًا يُعجبه، إلا قال: صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق، فيكذبون عليه، ويزيدونه)). فمن هذا أراد عبيدة بن عمرو التثبت في هذه القصّة بخصوصها، وأن فيها نقلًا منصوصًا، مرفوعًا. وأخرج أحمد نحو هذا الحديث عن عليّ رضي اللّه تعالى عنه، وزاد في آخره: ((قتالهم حقّ على كلّ مسلم)). ووقع سبب تحديث عليّ رضي الله تعالى عنه بهذا الحديث في رواية عُبيد الله بن أبي رافع، فيما أخرجه مسلم من رواية بُسْر بن سعيد، عنه، قال: ((أن الحروريّة لَمّا خرجت، وهو مع عليّ، قالوا: لا حكم إلا للَّه تعالى، فقال عليّ: كلمة حقّ أريد بها باطلٌ، إن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم وَصَفَ ناسًا، إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحقّ بألسنتهم، ولا يُجاوز هذا منهم، وأشار إلى حلقه، من أبغض خلق الله إليه)). الحديث(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤١٠٤/٢٦- وفي ((الكبرى)) ٣٥٦٣/٢٦. وأخرجه (خ) في ((المناقب)) (١) راجع ((الفتح)) ٢٩٢/١٤-٢٩٣. ((كتاب استتابة المرتدين)). ٩٣ ٢٦- (مَنْ شَهَرَ سَيْهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي النَّاس) - حديث رقم ٤١٠٤ ٣٦١١ و((فضائل القرآن)) ٥٠٥٧ و(استتابة المرتدّين)) ٦٩٣٠ (م) في ((الزكاة)) ١٠٦٦ (د) في ((السنّة)) ٤٧٦٧ و٤٧٦٨ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٦١٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١): (فمنها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالی هنا، وهو بیان حکم من شهر سیفه، ووضعه على المسلمين ظلمًا، وهو قتله، وذلك لأن الخوارج الذين ذُكروا في هذا الحديث قد وُصفوا بأنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، وقد أمر النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بقتلهم لذلك. قال النوويّ عند قوله: ((فإذا لقيتهم، فاقتلوهم الخ: هذا تصريح بوجوب قتل الخوارج، والبغاة، وهو إجماع العلماء، قال القاضي: أجمع أهل العلم على أن الخوارج، وأشباههم من أهل البدع، والبغي، متى خرجوا على الإمام، وخالفوا رأي الجماعة، وشقّوا العصا، وجب قتالهم، بعد إنذارهم، والإعذار إليهم، قال الله تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَّبْغِى حَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللّهِ﴾ الآية [الحجرات: ٩]، لكن لا يُجهّز على جريحهم، ولا يتّبع منهزمهم، ولا يُقتل أسيرهم، ولا تباح أموالهم، وما لم يخرجوا عن الطاعة، وينتصبوا للحرب لا يُقاتلون، بل يُوعظون، ويُستتابون من بدعتهم، (١) المراد الفوائد التي اشتملت عليها أحاديث قصّة الخوارج، سواء كان من حديث عليّ، أو من حديث أبي سعيد رضي اللَّه تعالى عنهما، وسواء كان من سياق المصنّف، أو سياق غيره كرواية البخاريّ لحديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه تعالى عنه، من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: بينما نحن عند رسول اللّه وََّ، وهو يَقْسِمُ قَسْمًا، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال: ((ويلك، ومن يَعدِل إذا لم أعدل، قد خبتُ وخسرت، إن لم أكن أعدل)) ، فقال عمر: يا رسول اللّه، ائذن لي فیه، فأضرب عنقه، فقال: ((دعه، فإن له أصحابا، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرُقون من الدين، كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، يَنظُر إلى نَصْله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رِصَافه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيَّه - وهو قدحه- فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قُذَذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة، تَدَردَر، ويخرجون على حين فرقة من الناس))، قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول اللّه وَّر، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم، وأنا معه، فأَمَرّ بذلك الرجل، فالتُمِس، فأتي به حتى نظرت إليه، على نعت النبي ◌َّر الذي نعته. و ((النصل)): حديدة السهم. والرِّصاف بالكسر: عصبه الذي يكون فوق مدخل النصل. و((النَّضِيّ بفتح النون، وضمها، وكسر المعجمة، وتشديد التحتانيّة: القدح بالكسر، وهو عُود السِهم قبل أن يراش، ويُنصّل. و((القُذّة)) بضمّ القاف، وتشديد الذال المعجمة: رِيش السهم. واللَّه تعالى أعلم . ٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وباطلهم، وهذا كلّه ما لم يُكفّروا ببدعتهم، فإن كانت بدعة مما يُكفّرون بها، جرت عليهم أحكام المرتدين. وأما البغاة الذين لا يُكفّرون، فيرثون، ويورثون، ودمهم في حال القتال هدَرٌ، وكذا أموالهم التي تتلّف في القتال، والأصحَ أنهم لا يُضَمَّنون أيضًا ما أتلفوا على أهل العدل في حال القتال، من نفس، ومال، وما أتلفوا في غير حال القتال، من نفس، ومال، ضمنوه، ولا يحلّ الانتفاع بشيء من دوابهم، وسلاحهم في حال الحرب عند الجمهور، وجوّزه أبو حنيفة. انتهى كلام النوويّ رحمه اللّه تعالى(١). (ومنها): أن فِيهِ الْكَفَّ عَنْ قَتْل مَنْ يَعْتَقِد الْخُرُوجِ عَلَى الإمَامِ، مَا لَمْ يَنْصِبِ لِذَلِكَ حَرْبًا، أَوْ يَسْتَعِدّ لِذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ في بعض طرقه: ((فَإِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ)). وَحَكَىِ الطَّبَرِيُّ الإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ فِي حَقْ مَنْ لاَ يُكَفَّرَ بِاغْتِقَادِهِ، وَأَسْنَدَ عَنْ عُمَّرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ فِي الْخَوَارِجِ بِالْكَفُ عَنْهُمْ، مَا لَمْ يَسْفِكُوا دَمَا حَرَامًا، أَوْ يَأْخُذُوا مَالا، فَإِنْ فَعَلُوا فَقَاتِلُوهُمْ، وَلَوْ كَانُوا وُلْدِي. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْج: قُلْت لِعَطَاءٍ: مَا يَجِلْ فِي قِتَال الْخَوَارِج؟ قال: إِذَا قَطَعُوا السَّبِيل، وَأَخَافُوا الأَمْنِ. وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ، كَانَ يَرَى رَأْي الْخَوَارِجِ، وَلَمْ يَخْرُجِ؟ فَقَالَ: الْعَمَلِ أَمْلَكُ بِالنَّاسِ مِنْ الرَّأْيِ. قَالَ الطَّرِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّبِيّ ◌َ، وَصَفَ الْخَوَارِجِ بِأَنَّهِمْ يَقُولُونَ الْحَقّ بِأَلْسِنَتِهِمْ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ قَوْلهمْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا مِنْ جِهَة الْقَوْلِ، فَإِنَةً قَوْل، لا يُجَاوِز حُلُوقَهُمْ. وَمِنْهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُمْ﴾ [فاطر: ١٠]، أَخْبَرَ أَنَّ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْمُوَافِقِ لِلْقَوْلِ الطَّيْب، هُوَ الَّذِي يَرْفَعِ الْقَوْل الطَّيْب، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوز قِتَال الْخَوَارِجِ، وَقَتْلهمْ، إِلا بَعْد ◌ِقَامَة الْحُجَّة عَلَيْهِمْ، بِدُعَائِهِمْ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقْ، وَالإِعذَارِ إِلَيْهِمْ. (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لعليّ رضي اللّه تعالى عنه، وأنه كان الإمام الحقّ، وأنه كان على الصواب في قتال من قاتله في حروبه، في الجَمَلِ، وصِفّين، وغيرهما؛ لقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: («تمرق مارقةٌ عند فُرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق))، فقد قتلهم عليّ رضي اللّه تعالى عنه. (ومنها): أن الحصر الآتي في ((كتاب القسامة)) في قول عليّ رضي الله تعالى عنه عند ما سأله أبو جحيفة رضي الله تعالى عنه: هل عهد إليك نبيّ اللَّه صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم شيئًا، لم يَعهَده إلى الناس عامّة؟، قال: لا، إلا ما كان في كتابي هذا الخ، (١) (شرح مسلم) ٧/ ١٧٠. ((كتاب الزكاة)). ٩٥ ٢٦ - (مَنْ شَهَرَ سَيَْهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِى الناس) - حديث رقم ٤١٠٤ محمول على المقيّد بالكتابة، لا أنه ليس عنده عن النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم شيء، مما أطلعه اللّه عليه من الأحوال الآتية، إلا ما في كتابه، فقد اشتملت طرق هذا الحديث على أشياء كثيرة، كان عنده عن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم علم بها، مما يتعلّق بقتال الخوارج، وغير ذلك، وقد ثبت عنه أنه كان يُخبر بأنه سيقتله أشقى القوم، فكان ذلك، في أشياء كثيرة. ويحتمل أن يكون النفي مقيّدًا باختصاصه بذلك، فلا يرد حديث الباب؛ لأنه شاركه فيه جماعة، وإن كان عنده زيادة عليهم؛ لأنه صاحب القصّة، فكان أشدّ عناية بها من غيره. أفاده في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الثاني هو الأقرب؛ لدلالة قول أبي ◌ُحيفة رضي الله تعالى عنه عليه، حيث قال: «هل عهد إليك نبيّ اللَّه صلّى الله تعالى عليه وسلم شيئًا، لم يَعهَده إلى الناس عامّة؟، فإنه ظاهر في أن السؤال عما خصّه به النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم، دون غيره من الناس. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن فيه عَلَمْا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّة، حَيْثُ أَخْبَرَ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بِمَا وَقَعَ قَبْلِ أَنْ يَقَعِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَوَارِجِ لَمَّا حَكَمُوا بِكُفْرٍ مَنْ خَالَفَهُمْ، اسْتَبَاحُوا دِمَاءَهُمْ، وَتَرَكُوا أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالُوا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَتَرَكُوا قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَاشْتَغَلُوا بِقِتَالٍ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا كُلّه مِنْ آثَارِ عِبَادَة الْجُهَّال، الَّذِينَ لَمْ تَنْشَرِحِ صُدُورهمْ بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَتَمَسَّكُوا بِحَبْلِ وَثِيقٍ مِنْ الْعِلْمِ، وَكَفَى أَنَّ رَأْسَهُمْ رَدَّ عَلَى رَسُول اللّهِ وَّهِ أَمْرَهُ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْجَوْرِ، تَسْأَل اللَّهِ السَّلَامَةَ. (ومنها): أن فيه أَنَّ قِتَال الْخَوَارِجِ أَوْلَى مِنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَالْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ فِي قِتَالِهِمْ، حِفْظ رَأْس مَال الإسْلامِ، وَفِي قِتَال أَهْلِ الشّرْك طَلَب الرّبْحِ، وَحِفْظ رَأْس الْمَالِ أَوْلَى من طلب الربح. (ومنها): أن فِيهِ الزَّجْرَ عَنْ الأَخْذ بِظَوَاهِرِ جَميعِ الْآيَاتِ الْقَابِلَة لِلتَّأْوِيلِ، الَّتِي يُفْضِي الْقَوْل بِظَوَاهِرِهَا، إِلَى مُخَالَفَة إِجَاعِ السَّلَف. (ومنها): التَّحْذِيرُ مِنْ الْغُلُوَ فِي الدِّيَانَة، وَالتََّطْعِ فِي الْعِبَادَةِ، بِالْحَمْلِ عَلَى النّفْسِ فِيمَا لَمْ يَأْذَن فِيهِ الشَّرْعِ، وَقَدْ وَصَفَ الشَّارِعِ الشَّرِيعَةَ بِأَنَّا سَهْلَة سَمْحَة، وَإِنَّمَا نَدَبَ إِلَى الشّدَّة عَلَى الْكُفَّارِ، وَإِلَى الرَّأْفَة بِالْمُؤْمِنِينَ، فَعَكَسَ ذَلِكَ الْخَوَارِجُ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه. (ومنها): جَوَازُ قِتَال مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ الْعَادِل، وَمَنْ نَصَبَ الْحَرْبِ، فَقَاتَلَ (١) راجع ((الفتح)) ١٤/ ٣٠٦. ٩٦ === شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ عَلَى اعْتِقَادٍ فَاسِد، وَمَنْ خَرَجَ يَقْطَع الطُّرُقَ، وَيُخِيفِ السَّبِيل، وَيَسْعَى فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ. وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَة إِمَامٍ جَائِرٍ، أَرَادَ الْغَلَبَةِ عَلَى مَاله، أَوْ نَفْسِهِ، أَوْ أَهْلِهِ، فَهُوَ مَعْذُور، وَلا يَحِلّ قِتَاله، وَلَهُ أَنْ يَدْفَع عَنْ نَفْسِه، وَمَاله، وَأَهْلِه بِقَدْرٍ طَاقَته. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي نَضْر، عَنْ عَلِيّ، وَذَكَرَ الْخَوَارِجِ، فَقَالَ: إِنْ خَالَفُوا إِمَامًا عَدْلا، فَقَاتِلُوهُمْ، وَإِنْ خَالَفُوا إِمَامًا جَائِرًا، فَلا تُقَاتِلُوهُمْ، فَإِنَّ لَهُمْ مَّقَالا . قال الحافظ: وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلِ مَا وَقَعَ لِلْحُسَيْنِ بْن عَلِيّ، ثُمَّ لأَهْلِ الْمَدِينَة فِي الْحَرَّة، ثُمَّ لِعَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ لِلْقُرَّاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى الْحَجَّاجِ، فِي قِصَّة عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْنِ الأَشْعَث. وَاَللَّه أَعْلَمُ. (ومنها): ما قيل: إن فيه ذَّمَّ اسْتِثْصَال شَعْرِ الرَّأْس، قال الحافظ: وَفِيهِ نَظَرٌ لاحْتِمَالٍ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بَيَان صِفَتهمْ الْوَاقِعَة، لا لإِرَادَةِ ذَمْهَا، وَتَرْجَمَ أَبُو عَوَانَة فِي ((صَحِيحه)) لِهَذِهِ الأَحَادِيثِ: ((بَيَان أَنَّ سَبَب خُرُوجِ الْخَوَارِجِ، كَانَ بِسَبَبِ الأَثَرَةِ فِي الْقِسْمَةِ، مَعَ كَوْنَهَا كَانَتْ صَوَابًا، فَخَفِيَ عَنْهُمْ ذَلِكَ)). (ومنها): أن فيه إِبَاحَةً قِتَال الْخَوَارِجِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدْمَة، وَقَّتْلهمْ فِي الْحَرْب، وَثُبُوت الأَجْر لِمَنْ قَتَلَهُمْ. (ومنها): أن فِيهِ أَنَّ مِن الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَخْرُج مِنْ الدِّينِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِد الْخُرُوج مِنْهُ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَارِ دِينًا، عَلَى دِينِ الإِسْلَام. (ومنها): ما قيل: أَنَّ الْخَوَارِجِ شَرّ الْفِرَقِ الْمُبْتَدِعَةِ، مِنْ الأُمّة الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَمِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. قال الحافظ: وَالأَخِيرِ مَبْنِيّ عَلَى الْقَوْل بِتَكْفِيرِهِمْ مُطْلَقًا. (ومنها): أنه فِيهِ مَنْقَبَةً عَظِيمَةً لِعُمَّرَ بن الخطّاب، وخالد بن الوليد رضي اللَّه تعالى عنهما، حيث طلبا قتل ذلك الرجل، كما بيّن في حديث أبي سعيد رضي اللَّه تعالى عنه؛ وذلك لِشِدَّة غيرتهما على الدِّین. (ومنها): أن فِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي التَّعْدِيلِ بِظَاهِرِ الْحَالِ، وَلَوْ بَلَغَ الْمَشْهُودُ بِتَعْدِيلِهِ الْغَايَةَ فِي الْعِبَادَةِ، وَالتَّقَشُّف، وَالْوَرَعِ، حَتَّى يُخْتَبَرِ بَاطِن حَاله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في تكفير الخوارج: قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)): وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ دَلِيل لِمَنْ يُكَفِّرُ الْخَوَارِجَ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: قَالَ الْمَازِرِيّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ، قَالَ: وَقَدْ كَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة تَكُون أَشَدْ إِشْكَالا مِنْ سَائِرِ الْمَسَائِل، ٩٧ = ٢٦ - (مَنْ شَهَرَ سَيَْهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِى الناس) - حديث رقم ٤١٠٤ وَلَقَدْ رَأَيْتِ أَبَا الْمَعَالِي، وَقَدْ رَغِبَ إِلَيْهِ الْفَقِيهِ عَبْد الْحَقْ رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى فِي الْكَلامِ عَلَيْهَا، فَرَهبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ الْغَلَطِ فِيهَا يَضْعُبُ مَوْقِعُهُ؛ لأَنَّ إِذخَال كافِرٍ فِي الْمِلَّة، وَإِخْرَاجِ مُسْلِمٍ مِنْهَا عَظِيمٍ فِي الدِّينِ، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهَا قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْر الْبَاقِلَانِيّ، وَنَاهِيك بِهِ فِي عِلْمِ الأُصُولِ، وَأَشَارَ ابْنِ الْبَاقِلَانِيَ إِلَى أَنَّا مِنْ الْمُعَوِّصَات، لأَنَّ الْقَوْمِ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا قَالُوا أَقْوَالا تُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَأَنَا أَكْشِف لَك نُكْتَة الْخِلاف، وَسَبَب الإِشْكَال، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ مَثَلا يَقُول: إِنَّ اللَّه تَعَالَى عَالِم، وَلَكِنْ لا عِلْمَ لَهُ، وَحَيٍّ وَلا حَيَاةً لَهُ، يُوقِع الالْتِبَاس فِي تَكْفِيره، لأَنَّا عَلِمْنَا مِنْ دِيْنِ الأُمّة ضَرُورَةً، أَنَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَيْسَ بِحَيِّ، وَلا عَالِم كَانَ كَافِرًا، وَقَامَتْ الْحُجَّة عَلَى اسْتِحَالَة كَوْن الْعَالِم، لا عِلْم لَهُ، فَهَلْ نَقُول: إِنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ، إِذَا نَفَى الْعِلْمِ، نَفَى أَنْ يَكُون اللَّه تَعَالَى عَالِمًا، وَذَلِكَ كُفْرِ بِالإِجَاعِ، وَلَا يَنْفَعُهُ اعْتِرَافُهُ بِأَنَّهُ عَالِم، مَعَ نَفْسِهِ أَضْل الْعِلْمِ، أَوْ نَقُولُ: قَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ اللَّه تَعَالَّى عَالِم، وَإِنْكَارِه الْعِلْم لا يُكَفِّرُهُ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِي إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعَالِم، فَهَذَّا مَوْضِعِ الإِشْكَالِ. هَذَا كَلام الْمَازِرِيّ. وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ، وَجَّاهِيرِ أَصْحَابِه الْعُلَمَاءِ، أَنَّ الْخَوَارِجِ لا يَكْفُرُونَ، وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةِ، وَجَاهِيرِ الْمُعْتَزِلَة، وَسَائِرِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ. قَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: أَقْبَلُ شَهَادَة أَهْلِ الأَهْوَاء إِلاَّ الْخَطَّابِيَّةِ، وَهُمْ طَائِفَة مِنْ الرَّافِضَةِ، يَشْهَدُونَ لِمُوَافِقِيهِمْ فِي الْمَذْهَبِ بِمُجَرَّدٍ قَوْلهمْ، فَرَدَّ شَهَادَتُهُمْ لِهَذَا، لا لِبِذْعَتِهِمْ. وَاَللَّه تعالى أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(١). وقال في ((الفتح)): اسْتُدِلَّ بِهذا الحديث لِمَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ. وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيّ، حَيْثُ قَرَنُهمْ بِالْمُلْحِدِينَ، وَأَفْرَدَ عَنْهُمْ الْمُتَأَوَّلِينَ بِتَرََّْةٍ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ، فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: الصَّحِيحِ أَهمْ كُفَّار؛ لِقَوْلِهِ وَّ: (يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسْلَام))، وَلِقَوْلِهِ: ((لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْل عَاد)»، وَفِي لَفْظُ: ((ثَمُود)»، وَكُلّ مِنْهُمَا إِنَّمَا هَلَكَ بِالْكُفْرِ، وَبِقَوْلِهِ: (هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ))، وَلا يُوصَفَ بِذَلِكَ إِلَّ الْكُفَّارِ، وَلِقَوْلِهِ: ((إِنََّمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّه تَعَالَى)»، وَلِحُكْمِهِمْ عَلَى كُلّ مَنْ خَالَفَ مُعْتَقَدِهمْ بِالْكُفْرِ، وَالتَّخْلِيدِ فِي النَّار، فَكَانُوا هُمْ أَحَقَّ بِالاِسْمِ مِنْهُمْ. وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى بَعْضِ هَذَا الْبَحْثِ الطَّبَرِيُّ، فِي ((تُهَذِيبِه))، فَقَالَ - بَعْد أَنْ سَرَدَ أَحَادِيث الْبَابِ -: فِيهِ الرَّدّ عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ: لَا يَخْرُجُ أَحَد مِنْ الإِسْلامِ مِنْ أَهْلِ الْقِيْلَة بَعْد اسْتِحْقَاقِه حُكْمَهُ، إِلا بِقَصْدِ الْخُرُوجِ مِنْهُ عَالِمًا، فَإِنهَ مُبْطِل لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث: (يَقُولُونَ (١) (شرح مسلم)) ٧/ ١٦٠. ((كتاب الزكاة)). ٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ الْحَقّ، وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآن، وَيَمْرُقُونَ مِنْ الإِسْلامِ، وَلَا يَتَعَلَّقُونَ مِنْهُ بِشَيْءٍ»، وَمِنْ الْمَعْلُوم أَثُّهُمْ لَمْ يَرْتَكِبُوا اسْتِحْلال دِمَاء الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالهمْ، إِلا بِخَطَأٍ مِنْهُمْ، فِيمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ آيٍ الْقُرْآن، عَلَى غَيْرِ الْمُرَاد مِنْهُ. ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ ابْن عَبَّاس، وَذُكرَ عِنْدَه الْخَوَارِجِ، وَمَا يَلْقَوْنَ عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآنِ، فَقَالَ: يُؤْمِنُونَ بِمُحْكَمِهِ، وَيُهْلِكُونَ عِنْد مُتَشَابِهِ. قال الحافظ: وَيُؤَيِّدِ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ؛ الأَمْرُ بِقَتْلِهِمْ، مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث ابْنِ مَسْعُود: ((لا يَحِلْ قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلا بِإِحْدَى ثَلَاث)) - وَفِيهِ ((التَّارِك لِدِينِهِ، الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ)). قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي ((الْمُفْهِمِ»: يُؤَيِّد الْقَوْل بِتَكْفِيرِهِمْ التَّمْثِيلِ الْمَذْكُور فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد، فَإِنَّ ظَاهِر مَقْصُوده أَنَهُمْ خَرَجُوا مِنْ الإِسْلامِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ، كَمَا خَرَجَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّة؛ لِسُرْعَتِهِ، وَقُوَّة رَامِيه، بِحَيْثُ لَمْ يَتَعَلَّقِ مِنْ الرَّمِيَّة بِشَيْءٍ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ)) . وَقَالَ صَاحِب ((الشِّفَاء)) فِيهِ: وَكَذَا نَقْطَعِ بِكُفْرٍ كُلّ مَنْ قَالَ قَوْلًا، يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى تَضْلِيل الأُمّة، أَوْ تَكْفِيرِ الصَّحَابَة، وَحَكَاهُ صَاحِبِ ((الرَّوْضَة)) فِي ((كِتَابِ الرِّدَّة)) عَنْهُ، وَأَقَرَّهُ. وَمِمِّنْ جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ، مِنْ أَئِمَّة الْمُتَأَخْرِينَ، الشَّيْخِ تَقِيّ الدِّينِ السُّبْكِيّ، فَقَالَ فِي فَتَاوِيه: احْتَجَّ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِجِ، وَغُلاة الرَّوَافِض، بِتَكْفِيرِهِمْ أَعْلامِ الصَّحَابَة؛ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيب النَّبِيّ وََّ، فِي شَهَادَتِهِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي احْتِجَاج صَحِيحٍ، قَالَ: وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُكَفْرَهُمْ، بِأَنَّ الْحُكْمِ بِتَكْفِيرِهِمْ، يَسْتَدْعِي تَقَدُّم عِلْمِهِمْ بِالشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَة، عِلْمًا قَطْعِيًّا، وَفِيهِ نَظَر؛ لأَنَّا نَعْلَم تَزْكِيَة مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا، إِلَّى حِين مَوْتِه، وَذَلِكَ كَافٍ فِي اعْتِقَادِنَا تَكْفِيرَ مَنْ كَفَّرَهُمْ، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث: ((مَنْ قَالَ لأَخِيهِ: كَافِرِ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدهمَا))، وَفِي لَفْظ مُسْلِم: ((مَنْ رَمَِّ مُسْلِمًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوْ اللَّه، إِلَّ حَارَ عَلَيْهِ))، قَالَ: وَهَؤُلَاءٍ قَدْ تَحَتَّقَ مِنْهُمْ، أَنَّهِمْ يَرْمُونَ جَاعَة بِالْكُفْرِ، مِمَّنْ حَصَلَ عِنْدِنَا الْقَطْعِ بِإِيمَانِمْ، فَيَجِب أَنْ يُخْكُم بِكُفْرِهِمْ، بِمُتْقَضَى خَبَرِ الشَّارِعِ، وَهُوَ نَحْو مَا قَالُوهُ، فِيمَنْ سَجَدَ لِلصَّنَم وَنَحْوِهِ، مِمَّنْ لا تَصْرِيحِ بِالْجُحُودِ فِيهِ، بَعْد أَنْ فَسَّرُوا الْكُفْرِ بِالْجُحُودِ، فَإِنْ احْتَجُوا بِقِيَّامِ الإِجَمَاعِ عَلَى تَكْفِير فَاعِلَ ذَلِكَ، قُلْنَا: وَهَذِهِ الأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي حَقّ هَؤُلَاءِ، تَقْتَضِي كُفْرَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدُوا تَزْكِيَة مَنْ كَفَّرُوهُ، عِلْمًا قَطْعِيًّا، وَلا يُنَجِيهِمْ اعْتِقَادُ الإِسْلامِ إِجَالا، وَالْعَمَل بِالْوَاجِبَاتٍ عَنْ الْحُكْم بِكُفْرِهِمْ، كَمَا لَا يُنَجِّي السَّاجِدَ لِلصَّنَمِ ذَلِكَ. والله تعالى أعلم. وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الأُصُول، مِنْ أَهْلِ السُّنَّة، إِلَى أَنَّ الْخَوَارِجِ فُسَّاق، وَأَنَّ حُكُم الإِسْلام يَجْرِي عَلَيْهِمْ؛ لِتَلَّفُّظِهِمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَمُوَاظَتِهِمْ عَلَى أَزْكَان الإِسْلامِ، وَإِنَّمَا فُسْقُوا بِتَكْفِيرِهِمْ الْمُسْلِمِينَ، مُسْتَنِدِينَ إِلَى تَأْوِيل فَاسِد، وَجَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى اسْتِبَاحَة دِمَاء ٩٩ ٢٦- (مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي النَّاس) - حديث رقم ٤١٠٤ مُخَالِفِيهِمْ، وَأَمْوَالهِمْ، وَالشَّهَادَة عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالشّرك. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ: أَجَّعَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَّى أَنَّ الْخَوَارِجِ مَعَ ضَلالَتْهِمْ فِرْقَة مِنْ فِرَقٍ الْمُسْلِمِينَ، وَأَجَازُوا مُنَاكَحَتهمْ، وَأَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لا يُكَفَّرُونَ مَا دَامُوا مُتّمَسُكِينَ بِأَضْلِ الإِسْلامِ. وَقَالَ عِيَاض: كَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَكُونَ أَشَدَّ إِشْكَالا عِنْد الْمُتَكُلْمِينَ مِنْ غَيْرِهَاَ، حَتَّى سَأَلَ الْفَقِيهُ عَبْد الْحَقّ الإِمَامَ أَبَا الْمَعَالِي عَنْهَا، فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ إِذْخَال کَافِرٍ فِي الْمِلَّة، وَإِخْرَاجِ مُسْلِمٍ عَنْهَا عَظِيم فِي الدِّين، قَالَ: وَقَدْ تَوَقَّفَ قَبْلِه الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْبَاقِلَانِيّ وَقَالَ: لَمْ يُصَرْحْ الْقَوْم بِالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا قَالُوا أَقْوَالا تُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ. وَقَالَ الْغَزَالِيَّ فِي كِتَابِ ((التَّفْرِقَة بَيْنِ الْإِيمَان وَالزَّنْدَقَة)): وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الاخْتِرَاز عَنْ التَّكْفِيرِ، مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِنَّ اسْتِبَاحَة دِمَاء الْمُصَلِّينَ الْمُقِرِينَ بِالتَّوْحِيدِ خَطَأْ، وَالْخَطَأْ فِي تَرْك أَلْف كَافِرِ فِي الْحَيَاةِ، أَهْوَنُ مِنْ الْخَطَأ فِي سَفْكِ دَم لِمُسْلِمٍ وَاحِد. وَمِمَّا اخْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرُهُمْ، قَوْله فِي الحَدِيثِ بَعْد وَصْفُهِمْ بِالْمُرُوقِ مِنْ الدِّين: ((كَمُرُوقِ السَّهْم، فَيَنْظُرِ الرَّامِي إِلَى سَهْمه))، إِلَى أَنْ قَالَ: ((فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَة، هَلْ عَلِقٌ هَا شَيْءٍ)). قَالَّ ابْنِ بَطَّل: ذَهَبَ جُهُور الْعُلَمَاءِ، إِلَى أَنَّ الْخَوَارِجِ غَيْرِ خَارِجِينَ، عَنْ جُملَة الْمُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ: ((يَتَمَارَى فِي الْفُوق))؛ لأَنَّ التَّمَارِي مِنْ الشَّكّ، وَإِذا وَقَعَ الشَّكّ فِي ذَلِكَ، لَمْ يُقْطَعِ عَلَيْهِمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ الإِسْلامِ؛ لأَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَّهُ عَقْد الإسْلامِ بِبَقِينٍ، لَمْ يَخْرُج مِنْهُ، إِلا بِيَقِينٍ، قَالَ: وَقَّدْ سُئِلَ عَلِيّ عَنْ أَهْلِ النَّهْر، هَلْ كَفَرُوا؟ فَقَّالَ: مِنْ الْكُفْرِ فَرُّوا. قال الحافظ: وَهَذَا إِنْ ثَبَتَّ عَنْ عَلِيْ، حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الطَّلَعَ عَلَى مُعْتَقَدِهمْ، الَّذِي أَوْجَبَ تَكْفِيرهمْ عِنْد مَنْ كَفَّرَهُمْ، وَفِي اخْتِجَاجِه بِقَوْلِهِ: ((يَتَمَارَى فِي الْقُوق)) نَظَرِ، فَإِنَّ فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث الْمَذْكُور: ((لَمْ يَعْلَقَ مِنْهُ بِشَيٍْ»، وَفِي بَعْضِهَا ((سِبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّم))، وَطَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنِهِمَا، أَنَّهُ تَرَدَّدَ هَلْ فِي الْفُوقِ شَيْءٍ، أَوْ لا؟ ثُمَّ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَق بِالسَّهْم، وَلا بِشَيْءٍ مِنْهُ مِنْ الرَّمِيِّ بِشَيْءٍ. وَيُمْكِن أَنْ يُخْمَلِ الاخْتِلاف فِيهِ، عَلَى اخْتِلَاف أَشْخَاص مِنْهُمْ، وَيَكُون فِي قَوْله: ((يَتَمَارَى) إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ بَعْضِهِمْ، قَدْ يَبْقَى مَعَهُ مِنْ الإِسْلامِ شَيْءٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي ((الْمُفْهِم)): وَالْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهِمْ أَظْهَرُ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهِمْ يُقَاتِلُونَ، وَيُقْتَلُونَ، وَتُسْبَى أَمْوَالُهُمَّ، وَهُوَ قَوْل طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيث فِي أَمْوَالِ الْخَوَارِجِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَم تَكْفِيرهمْ، يُسْلَك بِهِمْ مَسْلَك أَهْلِ الْبَغْي، إِذَا شَقُوا الْعَصّا، وَنَصَبُوا الْحَرْبِ، فَأَمَّا مَنَْ اسْتَسَرَّ مِنْهُمْ بِبِدْعَةٍ، فَإِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِ، هَلْ يُقْتَل بَعْد ٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ الاسْتِتَابَة، أَوْ لا يُقْتَل، بَلْ يُجْتَهَد فِي رَدْ بِدْعَته؟ اخْتُلِفَ فِيهِ، بِحَسَبِ الاخْتِلاف فِي تَكْفِيرهمْ، قَالَ: وَبَابِ التَّكْفِيرِ بَاب خَطِرِ، وَلَا نَعْدِل بِالسَّلامَةِ شَيْئًا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي قول من قال بتكفير الخوارج أرجح؛ لقوّة أدلّته، ووُضوحها، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ الْبَصْرِيُّ الْبَحَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ الْأَزْرَقِ بْنٍ قَيْسٍٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَلْقَى رَجُلًا، مِنْ أَصْحَابِ النَِّيِّ ◌َِّ، أَسَّأَلُهُ عَنْ الْخَوَارِجِ، فَلَقِيتُ أَبَا بَرْزَةً، فِي يَوْمِ عِيدٍ، فِي نَفَرِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ لَّهُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ ، فَقَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ بِأُذُنِي، وَرَأَيْتُهُ بِعَيْنِي، أُتِّيَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ بِمَالٍ، فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، وَمَنْ عَنْ شِمَالِهِ، وَلَمْ يُعْطِ مَنْ وَرَاءَهُ شَيْئًا، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ، رَجُلٌ أَسْوَدُ، مَطْمُومُ الشَّعْرِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْتَضَانٍ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ غَضَبَا شَدِيدًا، وَقَالَ: ((وَاللَّهِ لَا تَجِدُونَ بَعْدِي، رَجُلًا هُوَ أَعْدَلُ مِنِّي))، ثُمَّ قَالَ: ((يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، كَأَنَّ هَذَا مِنْهُمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ، كَمَّا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الزَّمِيَّةِ، سِيمَاهُمْ التَّخْلِيقُ، لَا يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ، حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ، مَعَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَحِمَهُ اللَّهُ: شَرِيكُ بْنُ شِهَابٍ، لَيْسَ بِذَلِكَ الْمَشْهُورِ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن معمر البصريّ البحرانيّ)): هو القيسيّ، صدوق، من كبار [١١] ١٨٢٩/٥ من مشايخ الأئمة الستّة، دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. [تنبيه]: وقع في معظم نسخ ((المجتبى))، و((الكبرى)) ((((الحرّانيّ)) بدل ((البحراني»، والصواب كما في النسخة ((الهندية)) -: ((البحرانيّ)) بفتح الموحدة، وسكون الحاء المهملة، وتخفيف الراء: نسبة إلى البحرين، إقليم بين البصرة، وعُمان. قاله في ((لبّ اللباب)) ١٠٦/١ . و ((أبو داود الطيالسيّ)): هو سليمان بن داود البصريّ. و((الأزرق بن قيس)): هو الحارثيّ البصريّ، ثقة [٣]٤٦٧/٩. و((شريك بن شهاب)) الحازميّ البصريّ، مقبول [٤] . روى عن أبي برزة الأسلميّ رضي الله تعالى عنه، وعنه الأزرق بن قيس. ذكره ابن