النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ ١٨ - (السِّخْرُ) - حديث رقم ٤٠٨٠ [أَحَدِهَا]: مَا لَطْفَ وَدَقَّ، وَمِنْهُ سحَرْتُ الصَّبِيَّ: خَادَعْته، وَاسْتَمَلْتِهِ، وَكُلّ مَن اسْتَمَالَ شَيْئًا فَقَدْ سَحَرَهُ، وَمِنْهُ إِطْلَاق الشُّعَرَاءِ سِحْرِ الْعُيُونِ، لِاسْتِمَالَتِهَا النُّفُوسِ، وَمِنْهُ قَوْل الْأَطِبَّاءِ: الطَّبِيعَة سَاحِرَة، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥]: أَيْ مَصْرُوفُونَ عَنْ الْمَعْرِفَة، وَمِنْهُ حَدِيث: ((إِنَّ مِنْ الْبَيَان لَسِخْرًا)). [الثَّانِي]: مَا يَقَع بِخِدَاعٍ، وَتَخْبِيلَات، لَا حَقِيقَة لَهَا، نَحْوِهَا مَا يَفْعَلُهُ الْمُشَعْوِذ مِنْ صَرْف الْأَبْصَار، عَمَّا يَتَعَاطَاهُ بِخِفَّةٍ يَده، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَّهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّا تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وَقَوْله تَعَالَى: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وَمِنْ هُنَاكَ سَمَّوْا مُوسَى سَاحِرًا. وَقَدْ يَسْتَعِينِ فِي ذَلِكَ بِمَا يَكُون فِيهِ خَاصِيَّة، كَالْحَجْرِ الَّذِي يَجْذِبُ الْحَدِيد الْمُسَمَّى الْمِغْتَطِيس. [الثَّالِث]: مَا يَحْصُلِ بِمُعَاوَنَةِ الشَّيَاطِين، بِضَرْبٍ مِنْ النَّقَرُّبِ إِلَيْهِمْ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السَّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. [الرَّابع]: مَا يَحْصُل بِمُخَاطَبَةِ الْكَوَاكِب، وَاسْتِنْزَال رُوحَانِيَّاتَهَا بِزَعْمِهِمْ. قَالَ ابْنِ حَزْمٍ: وَمِنْهُ مَا يُوجَد مِنْ الطَّلْسَمَات، كَالطَّابع الْمَنْقُوش فِيهِ صُورَةٍ عَقْرَب، فِي وَقْت كَوْن الْقَمَرِ فِي الْعَقْرَبِ، فَيَنْفَعِ إِمْسَاكه مِنْ لَذْغَةَ الْعَقْرَب. وَكَالْمُشَاهَدٍ بِبَعْضِ بِلَاد الْغَرْب -وَهِيَ سَرْ قَسْطَةِ - فَإِنَّا لَا يَدْخُلُهَا ثُعْبَان قَطُ، إِلَّ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِرَادَته. وَقَدْ يَجْمَعِ بَعْضِهِمْ بَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْأَخِرَيْنِ، كَالِاسْتِعَانَةٍ بِالشَّيَاطِينِ، وَمُخَاطَبَةِ الْكْوَاكِبِ، فَيَكُون ذَلِكَ أَقْوَى پِزعمِهِمْ. قَالَ أَبُو بَكْر الرَّازِيُّ فِي (الْأَحْكَام)) لَهُ: كَانَ أَهْلِ بَابِلِ، قَوْمًا صَائِئِينَ، يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِب السَّبْعَة، وَيُسَمُّونَها آلِهَةِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّا الْفَعَّلَةَ لِكُلِّ مَا فِي الْعَالَم، وَعَمِلُوا أَوْثَانًا عَلَى أَسْمَائِهَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ هَيْكَل، فِيهِ صَنَمِه، يَتَقَرَّب إِلَيْهِ بِمَا يُوَافِقْهُ بِزَعْمِهِمْ، مِنْ أَدْعِيَّة، وَبَخُور، وَهُمْ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامِ، وَكَانَتْ عُلُومهمْ أَحْكَام النُّجُومِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ السَّحَرَةِ مِنْهُمْ، يَسْتَعْمِلُونَ سَائِرِ وُجُوه السّخْرِ، وَيَتْسُبُونَّا إِلَى فِعْل الْكَوَاكِب؛ لِئَلَّا يُبْحَثِ عَنْهَا، وَيَنْكَشِفَ تَمْوِيُهُمْ. انْتَهَى. ثُمَّ السّخْر يُطْلَقِ، وَيُرَادِ بِهِ الْآلَةِ الَّتِي يُسْحَر بِهَا، وَيُطْلَقَ وَيُرَاد بِهِ فِعْلِ السَّاحِرِ، وَالْآلَةِ تَارَة تَكُون مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي فَقَطْ، كَالرُّقَى، وَالنَّفْثِ فِي الْعُقَدِ. وَتَارَة تَكُون بِالْمَحْسُوسَاتِ، كَتَصْوِيرِ الصُّورَة عَلَى صُورَة الْمَسْحُور. وَتَّارَة بِجَمْع الْأَمْرَيْنِ: الْحِسْيّ، وَالْمَعْنَوِيّ، وَهُوَ أَبْلَغ. انتهى ما في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه (١) ((فتح) ٣٨٤/١١-٣٨٥. ٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أن السحر، هل له حقيقة، أم لا؟: ذهبت طائفة إلى أن السحر تَخَبِيل، وَلَا حَقِيقَة لَهُ، وَهَذَا اخْتِيَّارِ أَبِيٍ جَعْفَر الْإِسْتِرَبَاذِيّ، مِنْ الشّافِعِيَّة، وَأَبِي بَكْرِ الرَّازِيِّ، مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَابْنِ حَزْمِ الظّاهِرِيّ، وَطَائِفَة . وذهبت طائفة إلى أَنَّ لَهُ حَقِيقَةٌ، قَالَ النَّوَوِيّ: وَهو الصَّحِيحِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُور، وَعَلَيْهِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّة الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة. انْتَهَى. قال الحافظ في ((الفتح)): لَكِنْ مَحَلّ النّزَاعِ، هَلْ يَقَعِ بِالسّخْرِ انْقِلَابِ عَيْنِ، أَوْ لَا؟، فَمَنْ قَالَ: إِنَةً تَخِيلِ فَقَطْ، مَنَعَ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ لَّهُ حَقِيقَةِ، اخْتَلَفُوا، هَلْ لَهُ تَأْثِير فَقَطْ، بِحَيْثُ يُغَيِّرِ الْمِزَاجِ، فَيَكُون نَوْعًا مِنْ الْأَمْرَاضِ، أَوْ يَنْتَهِي إِلَى الإِحَالَة، بِحَيْثُ يَصِير الْجَمَاد حَيَوَانًا مَثَلًا، وَعَكْسه؟: فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورِ هُوَ الْأَوَّل. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٍ قَلِيلَة إِلَى الثَّانِي. فَإِنْ كَانَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْقُدْرَةِ الإِلَهِيَّة، فَمُسَلَّم، وَإِنْ كَانَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْوَاقِعِ، فَهُوَ مَحَلّ الْخِلافِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَدَّعِي ذَلِكَ، لَا يَسْتَطِيعِ إِقَامَةِ الْبُرْهَانَ عَلَيْهِ. وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ قَوْمًا أَنْكَرُوا السُّخْرِ مُطْلَقًا، وَكَأَنَّهُ عَنَى الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ تَخَبِيلِ فَقَطْ، وَإِلَّا فَهِيَ مُكَابَرَةً. وَقَالَ الْمَازِرِيّ: جُهُور الْعُلَمَاءِ عَلَى إِثْبَات السِّخْر، وَأَنَّ لَهُ حَقِيقَةٍ، وَنَفَى بَعْضهمْ حَقِيقَته، وَأَضَافَ مَا يَقَع مِنْهُ إِلَى خَيَالَات بَاطِلَة، وَهُوَ مَرْدُود؛ لِوُرُودِ النَّقْلِ بِإِثْبَاتِ السّحْرِ، وَلِأَنَّ الْعَقْلِ لا يُنْكِرِ أَنَّ اللَّه قَدْ يَخْرِقِ الْعَادَةِ عِنْد نُطْقِ السَّاحِرِ بِكَلَام مُلَفَّقْ، أَوْ تَرْكِيب أَجْسَامِ، أَوْ مَزْجِ بَيْن قُوّى عَلَى تَرْتِيب مَخْصُوص، وَنَظِيرِ ذَلِكَ مَا يَقَعَ مِنْ حُذَّاقِ الأَطِبَّاءِ، مِنْ مَزْجِ بَعْض الْعَقَّاقِير بِبَعْضِ، حَتَّى يَنْقَلِب الضَّارْ مِنْهَا بِمُفْرَدِهِ بِالتَّرْكِيبِ نَافِعًا. وَقِيلَ: لا يَزِيد تَأْثِيرِ السِّخْر عَلَى مّا ذَكَّرَ اللَّه تَعَالَى فِي قَوْله: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه٤ِ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]؛ لِكَوْنِ الْمَقَامِ مَقَام تُهْوِيل، فَلَوْ جَازَ أَنْ يَقَع بِهِ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ لَذَكَرَهُ. قَالَ الْمَازِرِيّ: وَالصَّحِيح مِنْ جِهَة الْعَقْلِ، أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَقَع بِهِ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَالَآيَةِ لَيْسَتْ نَصَّا فِي مَنْع الزِّيَادَةِ، وَلَوْ قُلْنَا: إِنَّهَا ظَاهِرَةٍ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: وَالْفَرْقِ بَيْنِ السِّخْرِ، وَالْمُعْجِزَة، وَالْكَرَامَة، أَنَّ السّخْرِ يَكُون بِمُعَانَاةٍ أَقْوَال وَأَفْعَالِ، حَتَّى يَتِمَ لِلسَّاحِرِ مَا يُرِيد، وَالْكَرَامَة لا تَتَاجِ إِلَى ذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا تَقَعِ غَالِبًا اَتْفَاقًا، وَأَمَّا الْمُعْجِزَة، فَتَمْتَازَ عَنْ الْكَرَامَة بِالتَّحَدِي. وَنَقَلَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْإِجَمَاعِ عَلَى أَنَّ السِّخر، لا يَظْهَر إِلا مِنْ فَاسِقٍ، وَأَنَّ الْكَرَامَة لا تَظْهَر عَلَى فَاسِقٌ. وَنَقَّلَ النَّوَوِيّ في زِيَادَات ((الرَّوْضَة)) عَنْ الْمُتَوَلِّي نَحْو ذَلِكَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَر بِحَالٍ مَنْ يَقَّعِ الْخَارِقِ مِنْهُ، = = ٤٣ ١٨ - (السّخر) - حديث رقم ٤٠٨٠ فَإِنْ كَانَ مُتَمَسْكًا بِالشَّرِيعَةِ، مُتَجَنَّبًا لِلْمُوبِقَاتِ، فَلَّذِي يَظْهَر عَلَى يَده، مِنْ الْخَوَارِق كَرَامَة، وَإِلَّا فَهُوَ سِخْرَ؛ لِأَنْهُ يَنْشَأ عَنْ أَحَد أَنْوَاعِه، كَإِعَانَةِ الشَّيَاطِين. وَقَالَ الْقُرْطُبِيْ: السّخْرِ حِيلَ صِنَاعِيَّة، يُتَوَصَّل إِلَيْهَا بِالاكْتِسَابِ، غَيْرِ أَنَّا لِدِقَتِهَا، لَا يُتَوَصَّل إِلَيْهَا إِلا أَحَادِ النَّاسِ، وَمَاذَّته الْوُقُوف عَلَى خَوَاصَ الأَشْيَاءِ، وَالْعِلْم بِوُجُوهِ تَرْكِيِبهَا، وَأَوْقَاتِه، وَأَكْثَرِهَا تَخَبِيلَاتِ بِغَيْرِ حَقِيقَة، وَإِيَهَامَات بِغَيْرِ ثُبُوت، فَيَعْظُم ◌ِنْد مَنْ لا يَعْرِفِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى عَنْ سَجَرَة فِرْعَوْن: ﴿وَجَُّو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، مَعَ أَنَّ حِبَالِهِمْ وَعِصِيْهِمْ، لَمْ تُخْرُجِ عَنْ كَوْنَها حِبَالًا وَعِصِيًّا. ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقْ أَنَّ لِبَعْضِ أَصْنَافِ السِّخْرِ تَأْثِيرًا فِي الْقُلُوبِ، كَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ، وَإِلْقَاء الْخَيْرِ وَالشَّ، وَفِي الأَبَدَانِ بِالأَلَم وَالسَّقَمِ، وَإِنَّمَا الْمَنْكُورِ، أَنَّ الْجَمَاد يَنْقَلِب حَيَوَانًا، أَوْ عَكْسه بِسِخْرِ السَّاحِر، أَوْ نَخَو ذَلِكَ. انتهى ما ((الفتح)) (١). وهو بحث نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم السحر: قال في ((الفتح)): ما حاصله: اسْتُدِلَّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُوا﴾ الآية [البقرة: ١٠٢] - عَلَى أَنَّ السَّخْرِ كُفْر، وَمُتَعَلِّمه كَافِرِ، وَهُوَ وَاضِحٍ فِي بَعْض أَنْوَاعه الَّتِي قَدَّمْتَهَا، وَهُوَ التَّعَبُّد لِلشَّيَاطِينِ، أَوْ لِلْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا النَّوْعِ الآخَرِ الَّذِي هُوَ مِنْ بَابِ الشَّعْوَذَة، فَلَا يَكْفُر بِهِ مَنْ تَعَلَّمَهُ أَضْلًا. قَالَ النَّوَوِيّ: عَمَل السِّخْرِ حَرَامِ، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ عَدَّهُ النَّبِيِّ نَّهِ مِنْ السَّبْعِ الْمُوبِقَات، وَمِنْهُ مَا يَكُون كُفْرًا، وَمِنْهُ ما لا يَكُون كُفْرًا، بَلْ مَعْصِيَّةٍ كَبِيرَة، فَإِنْ كَانَ فِيهِ قَوْل، أَوْ فِعْل يَقْتَضِي الْكُفْرِ، فَهُوَ كُفْرِ، وَإِلا فَلا. وَأَمَّا تَعَلُّمِهِ، وَتَعْلِيمِه فَحَرَامِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرِ كَفَرَ، وَاسْتُِيبَ مِنْهُ، وَلَا يُقْتَلِ، فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتِه، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرِ عُزْرَ. وَعَنْ مَالِك: السَّاحِر كَافِر، يُقْتَل بِالسِّخْرِ، وَلا يُسْتَتَابِ، بَلْ يَتَحَتَّم قَتْله، كَالزِّنْدِيقِ. قَالَ عِيَاض: وَبِقَوْلِ مَالِك قَالَ أَحْمَد، وَجَّاعَةَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ. وَقَدْ أَجَازَ بَعْض الْعُلَمَاءِ، تَعَلُم السِّخْر لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا لِتَمِْيزِ مَا فِيهِ كُفْرٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِمَّا لِإِزَالَتِهِ عَمَّنْ وَقَعَ فِيهِ : فَأَمَّا الْأَوَّلِ: فَلَا مَحْذُور فِيهِ، إِلا مِنْ جِهَةَ الاعْتِقَادِ، فَإِذَا سلِمَ الاعْتِقَادِ، فَمَعْرِفَة الشَّيْء بِمُجَرَّدِهِ، لَا تَسْتَلْزِمِ مَنْعًا، كَمَنْ يَعْرِف كَيْفِيَّة عِبَادَة أَهْلِ الأَوْثَان لِلأَوْثَانِ؛ لِأَنَّ (١) ((فتح)) ٣٨٥/١١-٣٨٦. ٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ كَيْفِيَّ مَا يَعْمَلُهُ السَّاحِرِ، إِنَّمَا هِيَ حِكَايَةٍ قَوْل، أَوْ فِعْل، بِخِلافٍ تَعَاطِيه، وَالْعَمَل بِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنْ كَانَ لا يَتِمَ كَمَا زَعَمَ بَعْضِهِمْ، إِلَّا بِنَوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ، أَوْ الْفِسْقَ، فَلا يَجِلّ أَصْلًا، وَإِلَا جَازَ؛ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ. وَهَذَا فَصَلُ الْخِطَّابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ما حاصله: وَفِي إِيرَاد البخاريّ، قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّبَطِينَ كَغَرُوا﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]، إِشَارَةُ إِلَى اخْتِيَارِهِ الْحُكْم بِكُفْرِ السَّاحِر؛ لِقَوْلِهِ فِيهَا: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فَإِنَّ ظَاهِرِهَا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِذَلِكَ، وَلَا يَكْفر بِتَعْلِيمِ الشَّيْءِ، إِلا وَذَلِكَ الشَّيْء كُفْر، وَكَذَا قَوْله فِي الْآيَة عَلَى لِسَان الْمَلَكَيْنِ: ﴿إِنَّمَا غَّحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ تَعَلُّم السّخْرِ كُفْرِ، فَيَكُونِ الْعَمَلُ بِهِ كُفْرًا، وَهَذَا كُلّهِ وَاضِحٍ عَلَى مَا قَرَّرْتِه مِنْ الْعَمَلِ بِبَعْضِ أَنْوَاعه. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضِهِمْ أَنَّ السَّخْرِ، لَا يَصِحّ إِلَّا بِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَتَسْمِيَّة مَا عَدَا ذَلِكَ سِخْرًا مَجَاز، كَإِطْلاقِ السّخْر عَلَى الْقَوْل الْبَلِيغ. انتهى المقصود من كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الحافظ رحمه اللّه تعالى، وقرره بحثّ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في قتل الساحر: قال الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى في ((زاد المعاد)): أخرج الترمذيّ عنه صلّى الله تعالى عليه وسلم: ((حدّ الساحر ضربةٌ بالسيف))، والصحيح أنه موقوف على جندب بن عبد الله. وصح عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أمر بقتله، وصح عن حفصة رضي الله تعالى عنها أنها قتلت مُدبّرةً سحرتها، فأنکر علیها عثمان، إذ فعلته دون أمره. وروي عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أيضًا أنها قتلت مدبرة سحرتها. وروي أنها باعتها. ذكره ابن المنذر وغيره. وقد صح أن رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم لم يقتل من سحره من اليهود، فأخذ بهذا الشافعيّ، وأبو حنيفة رحمهما اللَّه تعالى، وأما مالك، وأحمد رحمهما الله تعالى فإنهما يقتلانه، ولكن منصوص أحمد رحمه الله تعالى أن ساحر أهل الذمّة لا يُقتل، واحتجّ بأن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم لم يقتل لبيد بن الأعصم اليهوديّ حين سحره. ومن قال بقتل ساحرهم يُجيب عن هذا بأنه لم يُقرّ، ولم تقم عليه بيّنة، وبأنه خشي صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يُثير على الناس شرًّا بترك إخراج السحر من (١) راجع ((الفتح)) ٣٨٣/١١-٣٨٨. ((كتاب الطبّ)) رقم ٥٧٦٣. ٤٥ ١٨ - (السِّخْرُ) - حديث رقم ٤٠٨٠ البئر، فكيف لو قتله. انتهى كلام ابن القيّم رحمه اللَّه تعالى(١). وقال في ((الفتح)): ما حاصله: اسْتُدِلَّ بِقصّة عائشة في سحر اليهوديّ له صلّى الله تعالى عليه وسلم، عَلَى أَنَّ السَّاحِر لا يُقْتَلِ حَدًّا، إِذَا كَانَ لَهُ عَهْد، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التّزْمِذِيّ مِنْ حَدِيث جُنْدُبِ، رَفَعَهُ، قَالَ: ((حَدّ السَّاحِرِ ضَرْبه بِالسَّيْفِ»، فَفِي سَنَدِهِ ضَعْف، فَلَوْ ثَبَتَ لَخُصّ مِنْهُ مَنْ لَهُ عَهْد، وَتَقَّدَّمَ فِي ((الْجِزْيَة)) مِنْ رِوَايَة بَجَالَةٍ(٢): (أَنَّ عُمَّر كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ أُقْتُلُوا كُلّ سَاحِر وَسَاحِرَةٍ))، وَزَادَ عَبْدِ الرَّزَّاق، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرو بْن دِينَار، فِي رِوَايَتِه عَنْ بَجَالَة: ((فَقَتَلْنَا ثَلاث سَوَاحِر))، أَخْرَجَ الْبُخَارِيِّ أَصْل الْحَدِيث، دُون قِصَّة قَتَلَ السَّوَاحِر. قَالَ ابْنِ بَطَّال: لا يُقْتَلِ سَاحِرٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، عِنْد مَالِكِ، وَالزُّهْرِيّ، إِلا أَنْ يَقْتُل بِسِخْرِهِ فَيُقْتَلِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة، وَالشَّافِعِيّ، وَعَنْ مَالِك إِنْ أَدْخَلَ بِسِخْرِهِ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِم، لَمْ يُعَاهَد عَلَيْهِ، نَقَضَ الْعَهْدَ بِذَلِكَ، فَيَحِلّ قَتْله. وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ النَِّيّ ◌َلَبِيد بْنِ الْأَعْصَم؛ لأَنَّةً كَانَ لا يَنْتَقِمِ لِنَفْسِهِ، وَلَأَنْهُ خَشِيَ إِذَا قَتَلَهُ أَنْ تَثُورِ بِذَلِكَ فِتْنَة، بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْن حُلَفَائِهِ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ مِنْ نَمَطِ مَا رَاعَاهُ، مِنْ تَرْكُ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ، سَوَاء كَانَ لَبِيد يُودِيًّا، أَوْ مُنَافِقًا، عَلَى مَا سيأتي مِنْ الإِخْتِلَاف فِيهِ. قَالَ: وَعِنْد مَالِك أَنَّ حُكْم السَّاحِر، حُكْمِ الزّنْدِيقِ، فَلا تُقْبَل تَوْبَته، وَيُقْتَلِ حَدًّا، إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد. وَقَالَ الشَّافِعِيّ: لا يُقْتَل إِلا إِنْ اعْتَرَفَ بِسِخْرِهِ، فَيُقْتَل بِهِ، فَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّ سِخْرَهُ قَدْ يَقْتُل، وَقَدْ لا يَقْتُل، وَأَنَّهُ سَحَرَهُ، وَأَنَّهُ مَاتَ لَمْ يَجِب عَلَيْهِ الْقِصَاصِ، وَوَجَبَتْ الدِّيَّةِ فِي مَاله، لا عَلَى عَاقِلَته، وَلا يُتَصَوَّرِ الْقَتْلِ بِالسِّخْرِ بِالْبَيْنَةِ، وَادْعَى أَبُو بَكْرِ الرَّازِيُّ فِي ((الْأَحْكَامِ)) أَنَّ الشَّافِعِيّ تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ السَّاحِرِ يُقْتَلِ قِصَاصًا، إِذَا اغْتَرَفَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسِخْرِهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ النَّوَوِيّ: إِنْ كَانَ السِّخْرِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا يَقْتَضِي الْكُفْرِ، كَفَرَ السَّاحِرِ، وَتُقْبَل تَوْبَته إِذَا تَابَ عِنْدَنَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي سِخْرِهِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرِ، عُزْرَ، وَاسْتُتِيبَ. انتهى ما في (الفتح))(٣). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن قتل الساحر مطلقًا هو الحقّ، إلا إذا ترتّب على تركه مصلحة، كما ترك النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم لبيد بن الأعصم، كما سيأتي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في حكم النُّشرة، وهي بضمّ النون، وسكون المعجمة -: حَلّ (١) ((زاد المعاد)) ٦٣/٦٢/٥. (٢) بفتح الباء الموحدة. وتخفيف الجيم. (٣) ((فتح)) ٤٠١/١١-٤٠٢. ((كتاب الطبّ)) رقم ٥٧٦٧ . ٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ السّخْر عَنْ الْمَسْحُور. وقيل: هي ضرب من العلاج، يُعالج به من يُظنّ أن به سحرًا، أو مسًا من الجنّ، سمّيت بذلك لأَنَّةً يُكْشَف بِهَا عَنْهُ مَا خَالَطَهُ مِنْ الدَّاء. قال الإمام البخاريّ رحمه اللَّه تعالى في ((صحيحه)): [باب هل يُستخرج السحر)). وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجلٌ به طبٍّ، أو يؤخذ عن امرأته(١)، أيُحلّ عنه، أو يُنشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع، فلم يُنه عنه. انتھی . فقال في ((الفتح)): قَوْله: ((بَاب هَلْ يُسْتَخْرَجِ السِّخْرِ؟)) كَذَا أَوْرَدَ التَّرْجَّة بِالاسْتِفْهَامِ، إِشَارَةٍ إِلَى الاخْتِلَافِ، وَصَدَّرَ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب مِنْ الْجَوَازِ، إِشَارَةٍ إِلَّى تزچیحه. قَوْله: ((وَقَالَ قَتَادَة: قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إِلَخْ)) وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ الأَثْرَمِ فِي ((كِتَاب السُّئَن)) مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ الْعَطَّارِ، عَنْ قَتَادَة، وَمِثْله مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ الدَّسْتُوَائِيّ، عَنْ قَتَادَة، بِلَفْظِ: (يَلْتَمِس مَنْ يُدَاوِيِه، فَقَالَ: إِنَّمَا نَّى اللَّه عَمَّا يَضُرّ، وَلَمْ يَنْهَ عَمَّا يَنْفَع)). وَأَخْرَجَهُ الطََّرِيُّ فِي ((التَّهْذِيب)) مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن زُرَيْعٍ، عَنْ قَتَادَةِ، عَنْ سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب، أَنَّهُ كَانَ لا يَرَى بَأْسًا، إِذَا كَانَ بِالرَّجُلِ سِخْرِ، أَنْ يَمْشِي إِلَى مَنْ يُطْلِقِ عَنْهُ، فَقَالَ: هُوَ صلاح. وَيُوَافِقِ قَوْل سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب هذا، ما في حَدِيث جَابِرٍ رضي اللَّه تعالى عنه، عِنْد مُسْلِم، مَرْفُوعًا: ((مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعِ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ)). قَالَ قَتَادَة: وَكَانَ الْحَسَن يَكْرَهِ ذَلِكَ، يَقُول: لا يَعْلَمْ ذَلِكَ إِلا سَاحِرٍ، قَالَ: فَقَالَ سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّبِ: إِنَّمَا نَى اللَّه عَمَّا يَضُرّ، وَلَمْ يَتْهَ عَمَّا يَنْفَع. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُوِ دَاوُدَّ فِي ((الْمَرَاسِيل)) عَنْ الْحَسَنِ، رَفَعَهُ ((النُّشْرَةِ مِنْ عَمَل الشَّيْطَان))، وَوَصَلَهُ أَحْمَد، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَّدٍ حَسَنِ، عَنْ جَابِرِ . قَالَ ابْنِ الْجَوْزِيّ: النّشْرَةِ حَلّ السّخر عَنْ الْمَسْحُورِ، وَلا يَكَاد يَقْدِر عَلَيْهِ إِلا مَنْ يَعْرِف السِّخر. وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَد عَمَّنْ يُطْلِقِ السِّخْرِ عَنْ الْمَسْحُورِ؟ فَقَالَ: لا بَأْس بِهِ. وَهَذَا هُوّ الْمُعْتَمَد. وَيُجَابِ عَنْ الْحَدِيث، وَالأَثَرَ بِأَنَّ قَوْله: ((النُّشْرَة مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان)) إِشَارَة إِلَّى أَصْلِهَا، وَيَخْتَلِفِ الْحُكْم بِالْقَصْدِ، فَمَنْ قَصَدَ بِهَا خَيْرًا، كَانَ خَيْرًا، وَإِلا فَهُوَ شَرْ. (١) قوله: ((به طبّ)) بكسر الطاء: أي سحر. وقوله: ((أو يؤخذ)) أي يُحبس عن امرأته، ولا يصل إلى جماعها، والأخذة بالضمّ هي الكلام الذي يقوله الساحر. وقيل: حرزة يُرقَى عليها، أو هي الرُّقية نفسها . ٤٧ ١٨ - (السّخْرُ) - حديث رقم ٤٠٨٠ ثُمَّ الْحَضْرِ الْمَنْقُول عَنْ الْحَسَنِ، لَيْسَ عَلَى ظَاهِره؛ لأَنْهُ قَدْ يَنْحَلَ بِالرُّقَى، وَالأَدْعِيَةِ، وَالتَّعْوِيذِ، وَلَكِنْ يَحتَمِلِ أَنْ تَكُون النُّشْرَةِ نَوْعَيْنٍ. انتهى. وَيُؤَيِّد مَشْرُوعِيَّة النشرة مَا ثبت فِي (الصحيح)) في حَدِيث: ((الْعَيْنُ حَقٌ)) من الأمر باغْتِسَال الْعَائِن لمن أصابه بعينه. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيّ قَالَ: لا بَأْس بِالنُّشْرَةِ الْعَرَبِيَّة، الَّتِي إِذَا وُطِئَتْ لا تَضُرّهُ، وَهِيَ أَنْ يَخْرُجُ الإنْسَانِ فِي مَوْضِع ◌ِضَاهٍ، فَيَأْخُذْ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَاله، مِنْ كُلِّ، ثُمَّ يِّدُقْهُ، وَيَقْرَأْ فِيهِ، ثُمَّ يَغْتَسِل بِهِ. وَذَكَرَ ابْنِ بَطَّالٍ: أَنَّ فِي كُتُب وَهْبِ بْن مُتَبْهِ، أَنْ يَأْخُذُ سَبْعِ وَرَقَات، مِنْ سِذْر أَخْضَر، فَيَدُقْهُ بَيْنِ حَجَرَيْنِ، ثُمَّ يَضْرِبِهُ بِالْمَاءٍ، وَيَقْرَأْ فِيهِ آيَةِ الْكُرْسِيّ، وَالْقَوَاقِلِ، ثُمَّ يَحْسُو مِنْهُ، ثَلَاث حَسَوَاتَ، ثُمَّ يَغْتَسِلْ بِهِ، فَإِنَةً يَذْهِب عَنْهُ كُلُّ مَا بِهِ، وَهُوَ جَيْد لِلرَّجُلِ، إِذَا حُبِسَ عَنْ أَهْله. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِجَوَازِ النُّشْرَةِ الْمُزَنِيُّ، صَاحِب الشّافِعِيّ، وَأَبُو جَعْفَرِ الطََّرِيُّ، وَغَيْرِهمَا. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ثُمَّ وَقَفْت عَلَى صِفَة النُّشْرَة، فِي ((كِتَاب الطِّبّ النَّبَوِيّ))، لِجَعْفَرِ الْمُسْتَغْفِرِيّ، قَالَ: وَجَدْتِ فِي خَطّ نَصُوح بْنِ وَاصِل، عَلَى ظَهْرِ جُزْء مِنْ (تَفْسِير قُتَيِّبَةَ بْنِ أَحْمَدَ الْبُخَارِيّ))، قَالَ: قَالَ قَتَادَة لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب : رَجُل بِهِ طِبّ، أُخِذَ عَنْ امْرَأَتِه، أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنَشَّرِ؟ قَالَ: لا بَأْس، وَإِنَّمَا يُرِيدِ بِهِ الإصْلَاحِ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعِ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ. قَالَ نَصُوحٍ: فَسَأَلَنِي حَمَّد بْن شَاكِرٍ: مَآَ الْحَلِ؟ وَمَا النُّشْرَةِ؟ فَلَمْ أَعْرِفهُمَا، فَقَالَ: هُوَ الرَّجُلِ، إِذَا لَمْ يَقْدِر عَلَى مُجَامَعَة أَهْلِه، وَأَطَاقَ مَا سِوَاهَا، فَإِنَّ الْمُبْتَلَى بِذَلِكَ، يَأْخُذْ حُزْمَةٍ قُضْبَان، وَفَأْسًا ذَا قِطَارَيْنِ، وَيَضَعَهُ فِي وَسَطِ تِلْكَ الْحُزْمَةِ، ثُمَّ يُؤَجِّجَ نَارًا،ٍ فِي تِلْكَ الْحُزْمَة، حَتَّى إِذَا مَا حَمِيَ الْفَأْس، اسْتَخْرَجَهُ مِنْ النَّارِ، وَبَالَ عَلَّى حَرّهِ، فَإِنَةً يَبْرَأِ بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى. وَأَمَّا النُّشْرَة، فَإِنَةً يَجْمَعِ أَيَّامِ الرَّبِيع، مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ وَزْد الْمُفَارَة، وَوَرْد الْبَسَاتِينِ، ثُمَّ يُلْقِيهَا فِي إِنَّاء نَظِيف، وَيَجْعَلِ فِيهِمَا مَاء عَذْبًا، ثُمَّ يُغْلِي ذَلِكَ الْوَرْدِ، فِي الْمَاءِ غَلْيًا يَسِيرًا، ثُمَّ يُمْهِلِ، حَتَّى إِذَا فَتَرَ الْمَاءِ، أَفَاضَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَةً يَبْرَأْ بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى. قَالَ حَاشِد: تَعَلَّمْتِ هَاتَيْنِ الْفَائِدَتَّيْنِ بِالشَّامِ. قال الحافظ: وَحَاشِد هَذَا مِنْ رُوَاةَ ((الصَّحِيح)) عَنْ الْبُخَارِيّ. انتهى المقصود من عبارة ((الفتح))(١). (١) (فتح)) ٣٩٨/١١-٣٩٩. ((كتاب الطبّ)). ٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين مما سبق أن الأرجح جواز النشرة بالأشياء المباحات، التي لا تؤدي إلى الشرك؛ ومن أقوى أدلّته ما أخرجه مسلم رحمه الله تعالى في (صحيحه)) من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، مرفوعًا: ((من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنیب)). ١٩- (الْحُكْمُ فِي السَّحَرَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحكم الذي دلّ عليه حديث الباب، وإن كان في صحته مقال، هو الشرك، وظاهره أن المصنف رحمه الله تعالى يرى كفر الساحر، وهو ظاهر اختيار البخاريّ رحمه الله تعالى، حيث استدلّ على الترجمة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ اَلسّحْرَ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]، فإن ظاهره أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء، إلا وذلك الشيء كفر، وكذا قوله على لسان الملكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرّ﴾، فإن فيه إشارةً إلى أن تعلّم السحر كفرٌ، فيكون العمل به كفرًا، وقد تقدّم في المسائل المذكورة في الباب الماضي أن السحر أنواع، فمنه ما يكون كفرًا، ومنه ما لا يكون كفرًا، فالأولى تنزيل رأي البخاريّ، والمصنف رحمهما الله تعالى على ذلك التفصيل. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٠٨١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْمَنْقَرِيُّ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ عَقَدَ عُقْدَةٌ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا، فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عمرو بن عليّ) الفلاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤. ٢- (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣ . ٣- (عبّاد بن ميسرة الْمِنْقَريّ) البصريّ المعلّم، ليْن الحديث، عابد [٧]. ٤٩ ١٩- (الْحُكْمُ فِي السَّحَرَةِ) - حديث رقم ٤٠٨١ = قال الأثرم: ضعفه أحمد. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: عبّاد بن ميسرة، وعبّاد بن راشد، وعبّاد بن كثير، وعبّاد ابن منصور، كلّهم حديثهم ليس بالقويّ، ولكنه يُكتب. وقال أبو داود: عبّاد بن ميسرة ليس بالقويّ. وقال إبراهيم بن بكر الشيبانيّ، عن الهيثم بن حبيب: شَهِد عبّاد بن ميسرة عند عبّاد بن منصور، فردّ شهادته، قال: لم رددتَ شهادتي؟ قال: لأنك تضرب اليتيم، وتأكل مال الأرملة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: كان من العبّاد. وقال ابن عديّ: هو ممن يُكتب حديثه. روى المصنّف له حديث الباب فقط، وعلّق له الترمذيّ حديثًا في ((العلم))، وأخرج له ابن ماجه في ((التفسير)). ٤- (الحسن) بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصريّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلس، ويرسل كثيرًا [٣] ٣٦/٣٢. ٥- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى عباد، كما مرّ آنفًا، وفيه انقطاع على رأي الجمهور؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ◌َّ عندهم، وقد تقدّم تحقيق ذلك، وأن الأصح أنه سمع منه. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً) قال الفيّوميّ: عقدتُ الحبلَ عقدًا، من باب ضرب، فانعقد، والعُقْدة- أي بضم، فسکون -: ما یُمسکه، ويُوثقه. انتھی. وقال السنديّ: دأب أهل السحر أن أحدهم يأخذ خيطًا، فَيَعقد عليه عُقْدةً، ويتكلّم عليه بالسحر بنفث، فمن أتى بذلك، فقد أتى بعمل من أعمال أهل السحر. انتهى. (ثُمَّ تَفَثَ فِيهَا) أي بزق في تلك العقدة، قال الفيّوميّ: نفئه من فيه نَفْئًا، من باب ضرب: رمى به. ونفَثَ: إذا بزَقَ. ومنهم من يقول: إذا بزَقَ، ولا ريق معه. ونفث في الْعُقدة عند الرُّقَى، وهو البُصاق اليسير، ونفثه نَفْئًا أيضًا: سحره، والفاعل نافثٌ، ونفّاتٌ مبالغة، والمرأة نافئةٌ، ونفّائةٌ. انتهى(١). (١) ((المصباح المنير" ٦١٥/٢ - ٦١٦. ٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وقال ابن الأثير: ما معناه: النفْثُ شبيه بالنفخ، وهو أقلّ من التفل؛ لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الريق. انتهى(١). (فَقَدْ سَحَرَ) أي عمل بأعمال أهل السحر (وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ) أي فقد أتى بفعل من أفعال المشركين، أو لأنه قد يُفضي إلى الشرك، إذا اعتقد أن له تأثيرًا حقيقةً. وقيل: المراد الشرك الخفيّ بترك التوكّل، والاعتماد على اللّه سبحانه وتعالى. قاله السنديّ(٢). وقد تقدّم تحقيق البحث في السحر، وأنواعه، وأحكامه في المسائل المذكورة في الباب الماضي، بتوفيق الله تعالى، وله الحمد والمنّة، والثناء الحسن. (وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا) أي علّق شيئًا بعنقه، أو عنق صغير، من التعلّق بمعنى التعليق، يقال: تَعَلّقَ الشيءَ تعلُّقًا، وعلّقه تعليقًا: جعله مُعلَّقًا. أفاده في ((القاموس)) (وُكِلَ إِلَيْهِ) بالبناء للمفعول، يقال: وَكَلتُهُ إلى نفسه، من باب وَعَدَ وُكُولًا: لم أقم بأمره، ولم أُعِنه. قاله الفيّوميّ. وهو هنا كناية عن عدم عون الله سبحانه وتعالى له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا ضعيف؛ للانقطاع، فإن الجمهور على أن الحسن البصريّ لم يسمع من أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقد تقدّم البحث في ذلك؛ وأن الراجح ثبوت سماعه منه في الجملة، لكنه مدلّس، وقد عنعنه هنا، ولأن في إسناده عبّاد بن ميسرة، وهو متكلّم فيه، كما سبق في ترجمته قريبًا. والله تعالى أعلم. وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-١٩/ ٤٠٨١- وفي ((الكبرى)) ٣٥٤٢/١٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)). ٢٠- (سَحَرَةُ أَهْلِ الْكِتَاب) ٤٠٨٢- (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيْ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ ابْنِ حَيَّانَ - يَعْنِي يَزِيدَ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: سَحَرَ النَّبِيَّ ◌َّهِ، رَجُلٌ مِنْ الْيَّهُودِ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ (١) ((النهاية)) ٨٨/٥. (٢) ((شرح السنديّ) ١١٢/٧. ٥١ == ٢٠ - (سَحَرَةُ أهل الكتاب) - حديث رقم ٤٠٨٢ أَيَّامًا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ، فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ سَحَرَكَ، عَقَدَ لَكَ عُقَدًا، فِي بِثِرِ كَذَا وَكَذَا، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ فَاسْتَخْرَجُوهَا، فَجِيءَ بِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّه كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْتَهُودِيِّ، وَلَّا رَآهُ فِي وَجْهِهِ قَطُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (هنّاد بن السريّ) بن مصعب، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٥/٢٣. ٢- (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره [٧] ٣٠/٢٦. ٣- (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلس [٥]١٨/١٧. ٤- (يزيد بن حيّان) التيميّ، أبو حيّان الكوفيّ، عمّ أبي حيّان التيميّ، من قُدماء أهل الكوفة، ثقة [٤] . قال النسائيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له مسلم، وله عنده حديث واحد، وأبو داود، وله عنده حديث واحد أيضًا، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط . ٥- (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجيّ الصحابيّ المشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تعالى تصديقه في ((سورة المنافقين))، مات سنة (٦) أو (٦٨)، تقدّم في ١٣/١٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: سَحَرَ النَّبِيِّ وَهِ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ) هو لبيد بن الأعصم، فقد أخرج البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) من حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها، قالت: سحر رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم رجلٌ من بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم)). و((لبيد)) بفتح اللام، وكسر الموحدة، بعدها تحتانيّة ساكنةٌ، ثم مهملة. و((الأعصم)) بمهملتين، بوزن الأحمر. و ((زُريق)) بزاي قبل الراء، مصغّر. وفي رواية للبخاريّ: ((رجلٌ من بني زريق، حَليف اليهود، وكان منافقًا)). وفي رواية لمسلم: ((سحر النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ يهوديّ، من يهود بني زريق)). قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: ويجمع بينهما بأن من أطلق عليه أنه يهوديّ نظر إلى ما في نفس الأمر، ومن أطلق عليه منافقًا نظر إلى ما في ظاهر أمره. وقال ابن الجوزيّ: هذا يدلّ على أنه كان أسلم نفاقًا، وهو واضح. وقد حكى عياضّ في ((الشفا)) أنه كان أسلم. ويحتمل أن يكون قيل له: يهوديّ لكونه كان من حُلفائهم، لا أنه کان علی دینھم. وبنو زُريق بطنّ من الأنصار، مشهور من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار، وبين كثير من اليهود قبل الإسلام حِلْفٌ، وإخاءً، ووُدّ، فلما جاء الإسلام، ودخل الأنصار فيه تبزّءوا منهم. وقد بيّن الواقديّ السنة التي وقع فيها السحر، أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر ابن الحكم، مرسلٌ، قال: ((لَمّا رجع رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم من الحديبية، في ذي الحجة، ودخل المحرّم، من سنة سبع، جاءت رؤساء اليهود إلى ◌َبيد ابن الأعصم وكان حليفًا في بني زريق، وكان ساحرًا- فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمدًا، فلم نصنع شيئًا، ونحن نجعل لك جُعْلًا على أن تسحره لنا سحرًا ینکؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانیر)). (فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا) قال في ((الفتح)): وقع في رواية أبي ضمرة، عند الإسماعيليّ: ((فأقام أربعين ليلة))، وفي رواية وُهيب، عن هشام، عند أحمد: ((ستّة أشهر)). ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغيّر مزاجه، والأربعين يومًا من استحكامه. وقال السُّهَيليّ: لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدّة التي مكث النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم فيها في السحر، حتّى ظفرت به في ((جامع معمر))، عن الزهريّ أنه لبث ستّة أشهر. قال الحافظ: كذا قال، وقد وجدناه موصولًا بالإسناد الصحیح، فهو المعتمد. انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أراد الحافظ ما سبق في رواية أحمد أنه ((ستّة أشهر))، فإنه بسند البخاريّ، وهو موصول بذكر عائشة رضي الله تعالى عنها، بخلاف ما في ((جامع معمر))، فإنه من مرسل الزهريّ. والله تعالى أعلم. زاد حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند الشيخين: ((حتى كان رسول الله صلّی الله تعالى عليه وسلم يُخيَّل إليه أنه كان يفعل الشيء، وما فعله)). قَالَ الْمَازِرِيّ: أَنْكَرَ الْمُبْتَدِعَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَزْعَمُوا أَنَّهُ يَحُطْ مَنْصِب النُّبُوَّة، وَيُشَكِّك (١) ((فتح) ٣٨٩/١١-٣٩٠. ((كتاب الطبّ)). رقم ٥٧٦٣ . ٥٣ ٢٠- (سَحَرَةُ أَهْل الكتاب) - حديث رقم ٤٠٨٢ فِيهَا، قَالُوا: وَكُلّ مَا أَدَّى إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِل، وَزَعَمُوا أَنَّ تَجوِيزِ هَذَا يُعْدِمِ الثّقَةَ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الشَّرَائِعِ، إِذْ يُحْتَمَلِ عَلَى هَذَا أَنْ يُخَيَّل إِلَيْهِ، أَنَّهُ يَرَى جِبْرِیل، وَلَيْسَ هُوَ ثَمَّ، وَأَنَّهُ يُوجِي إِلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ. قَالَ الْمَازِرِيّ: وَهَذَّا كُلّه مَرْدُود، لأَنَّ الدَّلِيل قَدْ قَامَ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ نَّه فِيمَا يُبَلْغُهُ عَنْ اللَّه تَعَالَى، وَعَلَى عِصْمَتِه فِي التَّبليغ، وَالْمُعْجِزَات شَاهِدَاتٍ بِتَصْدِيقِهِ، فَتَجْوِيزِ مَا قَامَ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِهِ بَاطِل. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقِ بِبَعْضِ أُمُور الدُّنْيَا، الَّتِي لَمْ يُبْعَثِ لأَجْلِهَا، وَلَا كَانَتْ الرَّسَالَة مِنْ أَجْلِهَا، فَهُوَ فِي ذَلِكَ عُرْضَة لِمَا يَعْتَرِض الْبَشَر كَالأَمْرَاضِ، فَغَيْرِ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيّل إِلَيْهِ فِي أَمْرِ مِنْ أُمُور الدُّنْيَا، مَا لَا حَقِيقَة لَهُ، مَعَ عِصْمَتَه عَنْ مِثَل ذَلِكَ فِي أُمُور الدِّين. قَالَ: وَقَدْ قَالَ بَعْضِ النَّاس: إِنَّ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ، أَنَّهُ كَانَ وََّ، يُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئ زَوْجَاته، وَلَمْ يَكُنْ وَطِأَهُنَّ، وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَقَع تَخَيُّله، لِلإِنْسَانِ فِي الْمَنَامِ، فَلا يَبْعُد أَنْ يُخَيِّل إِلَيْهِ فِي الْيَقِظَة. قال الحافظ: وَهَذَا قَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة ابْنِ عُيَيْنَةً عند البخارِيّ، وَلَفْظُه: ((حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءِ، وَلا يَأْتِيهِنَّ)». وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيّ: ((أَنَّهُ يَأْتِي أَهْله، وَلا یأتیھم». وَفِي مُرْسَل يَخْيَى بْن يَعْمُر، عِنْد عَبْد الرَّزَّاق: ((سُحِرَ النَّبِيِّنَّ عَنْ عَائِشَة، حَتَّى أَنْكَرَ بَصَرَه)). وَعِنْده فِي مُرْسَل سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب: ((حَتَّى كَادَ يُنْكِرِ بَصْرِه)). قَالَ عِيَاض: فَظَهَرَ بِهِذَا أَنَّ السّخْرِ، إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى جَسَده، وَظَوَاهِرِ جَوَارِحه، لا عَلَى تَمْيِيزِه وَمُعْتَقَده. وَوَقَعَ فِي مُرْسَل عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْب، عِنْد ابْنِ سَعْد: ((فَقَالَتْ أُخْت لَبِيد بْنِ الْأَعْصَمِ: إِنْ يَكُنْ نَبِيًّا فَسَيُخْبَرُ، وَإِلَّا فَسَيُذْهِلُهُ هَذَا السِّخْرِ، حَتَّى يَذْهَب عَقْله)). قال الحافظ: فَوَقَعَ الشِّقَ الْأَوَّل، كَمَّا فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيحِ. وَقَدْ قَالَ بَعْض الْعُلَّمَاءِ: لا يَلْزَم مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَظُنّ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءِ، وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ، أَنْ يَجْزِم بِفِعْلِهِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا يَكُون مِنْ جِنْس الْخَاطِرِ يَخْطُرِ، وَلَا يَثْبُت، فَلَا يَبْقَى عَلَى هَذَا لِلْمُلْحِدِ حُجَّة . وَقَالَ عِيَاض: يخْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الْمُرَاد بِالنَّخْبِيلِ الْمَذْكُورِ، أَنَّهُ يَظْهَر لَهُ مِنْ نَشَاطِه، مَا أَلِفَهُ مِنْ سَابِقٍ عَادَته، مِنْ الاقْتِدَار عَلَى الْوَطْءِ، فَإِذَا دَنَا مِنْ الْمَرْأَّةِ، فَتَرَ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ شَأْنِ الْمَعْقُودِ، وَيَكُونِ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَىِ: «حَتَّى كَادَ يُتْكِرِ بَصَرِهِ)): أَيْ صَارَ كَالَّذِي أَنْكَرَ بَصَره، بِحَيْثُ إِنّهَ إِذَا رَأَى الشَّيْءِ يُخَيَّلِ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ، فَإِذَا تَأَمَّلَهُ عَرَفَ حَقِيقَتِهِ. وَيُؤَيِّد جميع مَا تَقَّدَّمَ، أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْهُ، فِي خَبَر مِنْ الأَخْبَارِ، أَنَّهُ قَالَ قَوْلًا: ٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ فَكَانَ بِخِلافٍ مَا أَخْبَرَ بِهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّب: صَوْنِ النَّبِيّ وََّ مِنْ الشَّيَاطِين، لا يَمْنَعِ إِرَادَتهمْ كَيَدَهُ، فَقَدْ مَضَى فِي ((الصَّحِيح))، أَنَّ شَيْطَانًا أَرَادَ أَنْ يُفْسِد عَلَيْهِ صَلاته، فَأَمْكَنَّهُ اللَّه مِنْهُ، فَكَذَلِكَ السِّخْرِ مَا نَالَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، مَا يُدْخِلِ نَقْصًا عَلَى مَا يَتَعَلَّقِ بِالتَّبْلِيغ، بَلْ هُوَ مِنْ جِنْس مَا كَانَ يَتَالُهُ، مِنْ ضَرَر سَائِرِ الأَمْرَاض، مِنْ ضَعْف عَنْ الْكَلَامِ، أَوْ عَجْزِ عَنْ بَعْض الْفِعْلِ، أَوْ حُدُوث تَخَيُّل لَا يَسْتَمِزْ، بَلْ يَزُول، وَيُبْطِلِ اللَّه كَيْدِ الشَّيَاطِين. وَاسْتَدَلَّ ابْنِ الْقَصَّارِ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ، كَانَ مِنْ جِئْسِ الْمَرَضِ، بِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث: ((فَأَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّه)). وَفِي الاسْتِدْلال بِذَلِكَ نَظَرَ، لَكِنْ يُؤَيِّدِ الْمُدْعَى أَنَّ فِي رِوَايَة عَمْرَة، عَنْ عَائِشَةِ، عِنْد الْبَيْهَقِيَّ فِي ((الدَّلَائِلِ)): ((فَكَانَ يَدُورِ وَلا يَدْرِي مَا وَجَعه)). وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، عِنْد ابْنِ سَعْد: ((مَرِضَ النَّبِّ بِّهَ، وَأَخِذَ عَنْ النِّسَاءِ، وَالطَّعَامِ، وَالشَّرَاب، فَهَبَطَ عَلَيْهِ مَلَكَانٍ ... )) الْحَدِيث. انتهى(١). (فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام) وفي حديث عائشة المذكور: ((حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، وهو عندي، لكنه دعا، ودعا، ثم قال: ((يا عائشة أشَعَرتِ أن اللَّه أفتاني فيما استفتيته فيه؟، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وَجَع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أيّ شيءٍ؟ قال: في مُشْط ومشاطة، وجُفْ طَلْع نخلةٍ ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذَرْوَان، فأتاها رسول اللَّه بََّ، في ناس من أصحابه، فجاء، فقال: ((يا عائشة، كأن ماءها نُقَاعة الْحِنّاء، أو كأن رءوس نخلها، رءوس الشياطين))، قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته؟ قال: قد عافاني اللَّه، فكرهت أن أثير على الناس فيه شرا» فأمر بها فدفنت. قال الحافظ: وقع في رواية معمر عند أحمد، ومرجًا بن رجاء عند الطبرانيّ، كلاهما عن هشام: ((أتاني ملكان))، وسمّاهما ابن سعد في رواية منقطعة: جبريل، وميكائيل. انتھی . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا تنافي بين حديث عائشة، وحديث زيد بن أرقم رضي اللّه تعالى عنهما، حيث أَفرد جبريلَ بالذكر؛ لإمكان الجمع بأن جبريل لَمّا كان هو المسؤول، ومكائيل هو السائل، أفرده بالذكر؛ لفضله. والله تعالى أعلم. (١) ((فتح)) ٣٩٠/١١-٣٩١. ((كتاب الطبّ)). رقم ٥٧٦٣ . = ٥٥ ٢٠- (سَحَرَةُ أَهْل الكتاب) - حديث رقم ٤٠٨٢ (فَقَّالَ) جبريل غَلَِّ (إِنَّ رَجُلا مِنْ الْيَهُودِ سَحَرَكَ) تقدّم أنه لَبيد بن الأعصم، ثمّ بيّن كيفيّة، فقال (عَقَدَ لَكَ عُقَدًا) بضمّ المهملة، وسكون القاف جمع عُقْدة، بضمّ، فسكون، وسيأتي أنها إحدى عشرة عُقْدةً (فِي بِثِرِ كَذَا وَكَذَا) أي ثمّ وضعه فيها، وفي رواية للبخاريّ من حديث عائشة: ((قال: أين هي؟ قال: هو في بئر ذَرْوَان)»، وفي رواية: ((تحت راعوفةٍ في بئر ذَروان)). و ((الرَّاعُوفة)): حجر يوضع على رأس البئر، لا يُستطاع قلعه، يقوم عليه المستقي، وقد يكون في أسفل البئر. قال أبو عُبيد: هي صخرة تنزل في أسفل البئر إذا حُفرت، يجلس عليها الذي يُنظّف البئر، وهو حجر يوجد صلبًا، لا يُستطاع نزعه، فيُترك. و((ذَرْوان)) بفتح المعجمة، وسكون الراء، وحكى ابن التين فتحها، وأنه قرأه كذلك، ولكنّه بالسكون أشبه. وفي رواية عند مسلم: ((في بئر ذي أروان))، وهو اسم البئر. (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له) وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ((فأتاها رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم في ناس من أصحابه)). وفي حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، عند ابن سعد: ((فبعث إلى عليّ، وعمّار، فأمرهما أن يأتيا البئر))، وعنده في مرسل عمر بن الحكم: «فدعا جُبير بن إياس الزّرَقَيّ، وهو ممن شَهِدَ على موضعه في بئر ذروان، فاستخرجه))، قال: ويقال: الذي استخرجه قيس بن محصن الزرقيّ. قال الحافظ: ويُجمع بأنه أعان جبيرًا على ذلك، وباشر بنفسه، فنُسب إليه. وعند ابن سعد أيضًا: أن الحارث بن قيس قال: يا رسول الله، ألا يهور البئر. فيمكن تفسير من أبهم بهؤلاء، أو بعضهم، وأن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم وجهه أوّلًا، ثم توجّه، فشاهدها بنفسه. انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحاصل أنه لا تنافي بين حديث زيد بن أرقم، وحديث عائشة رضي اللّه تعالى عنهما؛ لإمكان الجمع بأنه صلّى الله تعالى عليه وسلم أرسل أوّلًا بعض أصحابه، ثم توجّه إليهم، فشاهدها بنفسه. والله تعالى أعلم. (فَاسْتَخْرَجُوهَا) أي أخرجوا تلك الْعُقَد من البئر (فَجِيءَ بِها) وفي بعض نسخ ((الكبرى)): فجيء بها إليه، فحلّلها)). وفي حديث عائشة المذكور: ((فأتى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم البئر، حتى استخرجه، فقال: هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نُقاعة الحنّاء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين، قال: فاستخرج)). قال في ((الفتح)): كذا وقع في رواية ابن عُيينة، وفي رواية عيسى بن يونس: ((قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته؟)). وفي رواية وُهيب: «قلت: يا رسول الله، فأخرجه للناس)). وفي رواية ابن نُمير: ((أفلا أخرجته؟ قال: لا)). قال ابن بطال: ذكر المهلّب أن ٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ الرواة اختلفوا على هشام في إخراج السحر المذكور، فأثبته سفيان، وجعل سؤال عائشة عن النُّشرة، ونفاه عيسى بن يونس، وجعل سؤالها عن الاستخراج، ولم يذكر الجواب، وصرّح به أبو أسامة، قال: والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان؛ لتقدّمه في الضبط. ويؤيّده أن النُّشْرة لم تقع في رواية أبي أسامة، والزيادة من سفيان مقبولة؛ لأنه أثبتهم، ولا سيّما أنه كرّر استخراج السحر في روايته مرّتين، فيبعد من الوهم، وزاد ذكر النشرة، وجعل جوابه صلّى الله تعالى عليه وسلم عنها بـ((لا)) بدلًا عن الاستخراج. قال: ويحتمل وجهًا آخر، فذكر ما مُحصَّله: أن الاستخراج المنفيّ في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان، فالمثبت هو استخراج الْجُفّ، والمنفيّ استخراج ما حواه. قال: وكأنّ السرّ في ذلك أن لا يراه الناس، فيتعلّمه من أراد استعمال السحر. قال الحافظ: وقع في رواية عمرة: ((فاستخرج جُفّ طلعة، من تحت راعوفة))، وفي حديث زيد بن أرقم: ((فأخرجوه، فرموا به))، وفي مرسل عمر بن الحكم أن الذي استخرج السحر قيس بن محصن. كلُّ هذا لا يُخالف الحمل المذكور، لكن في آخر رواية عمرة، وفي حديث ابن عبّاس: أنهم وجدوا وَتَرًا، فيه عُقَدٌ، وأنها انحلّت عند قراءة المعوذتين، ففيه إشعار باستكشاف ما كان داخل الْجُفّ، فلو كان ثابتًا لقدَح في الجمع المذكور، لكن لا يخلو إسناد كلّ منهما من الضعف. انتهى (١). (فَقَّامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿) أي برىء من مرضه. وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، من رواية عمرة عنها: أنه وجد في الطلعة تمثالًا من شمع، تمثال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، وإذا فيه إِبَرٌ مغروزة، وإذا وَتَرٌ فيه إحدى عشر عُقدةً، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلّما قرأ آيةً انحلّت عُقْدة، وكلّما نزع إبرة وجد لها ألمًا، ثم يجد بعدها راحةً)). وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نحوه. وفي حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه عند عبد بن حُميد وغيره: ((فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين))، وفيه: ((فأمره أن يحُلّ العقد، ويقرأ آية، فجعل يقرأ، ويحُلّ، حتى قام كأنّما نشط من عقال)). وعند ابن سعد من طريق عمر مولى غُفْرة، معضلًا: ((فاستخرج السحر من الجفّ من تحت البئر، ثم نزعه، فحلّه،، فكُشِف عن رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم. ذكره في ((الفتح))(٢). (كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ) ببناء الفعل للمفعول: أي حُلّ من رِبَاطه. قال ابن الأثير في (١) ((فتح)) ٤٠٠/١١ (كتاب الطبّ)) رقم ٥٧٦٥ . (٢) ((فتح)) ٣٩٤/١١. ٥٧ ٢٠- (سَحَرَةُ أَهْل الكتاب) - حديث رقم ٤٠٨٢ ((النهاية)): «كأنما أُنشط من عقال)): أي حُلّ، قال: وكثيرًا ما يجيء في الرواية: ((نشط))، وليس بصحيح، يقال: نَشَطتُ الْعُقْدة: إذا عَقَدتها، وأنشطتها، وانتشطتها: إذا (١) حلّلتها. انتهى (١). وقال الفيّوميّ: نَشَطتُ الحبلَ نَشْطًا، من باب ضرب: عقدتُه بأُنشوطة، والأُنْشُوطة بضم الهمزة -: رَبْطٌ، دون الْعُقْدة، إذا مُدّت بأحد طرفيها، انفتحت، وأنشطتُ الأَنْشُوطةَ بالألف: حللتُها، وأنشطتُ العِقالَ: حللتُهُ، وأنشطت البعير من عِقَاله: أطلقتُهُ. انتهى. ونحوه في ((اللسان))، و((القاموس)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أهل اللغة أن صواب الرواية: ((كأنما أَنْشِطَ من عِقَال)) رباعيًا مبنيًا للمفعول؛ لأن نَشَطَ ثلاثيًا للربط، وأَنْشَطَ رباعيًّا للحلّ، فلا يقال: ((كأنما نُشِط من عقاله))، وإنما يقال: ((أُنشِط من عقاله))، كما قاله ابن الأثير في كلامه السابق. والله تعالى أعلم. و((العِقَال)) بكسر المهملة، وتخفيف القاف: الْحَبْلُ، وجمعه عَقُلٌ، مثلُ كتاب وكُتُب. ((فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْتَهُودِيِّ) وفي رواية: ((فما ذكر رسول الله صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم لذلك اليهوديّ شيئًا مما صنع به، ولا آه في وجهه)). أي لم يذكر النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم لليهوديّ الساحر سحره الذي شاهده، والظاهر أنه أراد لم يعاتبه على ذلك، بل عفا عنه، كما هو هديه صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم في العفو والصفح عمن اعتدى عليه، فلا يُنافي ما ورد أنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أخذه، فاعترف، فعفا عنه. وفي مرسل عمر بن الحكم: ((فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حبّ الدنانير)». وقوله (وَلَا رَآهُ فِي وَجْهِهِ قَطُّ) أي لم ير ذلك اليهوديّ الساحر في وجهه صلّى الله تعالى عليه وسلم أثر فعله السيء، من الكراهية، والغضب، وإرادة الانتقام منه، بل عامله بالبشر واللطف كغيره من المنافقين. وفي حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ((قلت: يا رسول اللّه، أفلا استخرجته؟ قال: قد عافاني اللّه، فكرهت أن أثير على الناس فيه شرًّا)). والمراد بالناس التعميم في الموجودين. قال النوويّ: خشي من إخراجه، وإشاعته ضررًا على المسلمين، من تذكر السجر، وتعلّمه، ونحو ذلك، وهو من باب ترك المصلحة خوفَ المفسدة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويحتمل أن يكون معنى إثارة الشرّ هو أن الصحابة إذا انتشر بينهم هذا الأمر، ربّما يقوم بعضهم، فينتقم لرسول الله صلّى اللّه تعالى عليه (١) ((النهاية)) ٥٧/٥ . - ٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وسلم، فيقتل لبيد بن الأعصم، فتكون هناك فتنة. والله تعالى أعلم. ووقع في رواية بلفظ: ((على أمّتي)) فقال الحافظ: وهو قابلٌ أيضًا للتعميم؛ لأن الأمة تُطلق على أمة الإجابة، وأُمّة الدعوة على ما هو أعمّ، وهو يردّ على من زعم أن المراد بالناس هنا لَبِيد بن الأعصم؛ لأنه كان منافقًا، فأراد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أن لا يُثير عليه شرًّا؛ لأنه كان يؤثر الإغضاء عمن يُظهر الإسلام، ولو صدر منه ما صدر. وفي حديث عمرة، عن عائشة: ((فقلت: يا رسول اللَّه لو قتلته، قال: ما وراءه من عذاب الله أشدّ)). وأخرج ابن سعد من مرسل عكرمة أنه لم يقتله. ونقل الواقديّ أن ذلك أصحّ من رواية من قال: إنه قتله. ومن ثمّ حكى عياضٌ في ((الشفا)) قولين: هل قُتل، أم لم يُقتَل؟. قال القرطبيّ: لا حُجّة على مالك من هذه القصّة؛ لأن ترك قتل لبيد بن الأعصم كان لخشية أن يُثير قتله فتنةً، أو لئلا يُنَفْرَ الناس عن الدخول في الإسلام، وهو من جنس ما راعاه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم من منع قتل المنافقين، حيث قال: ((لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)). انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم أن الأرجح قتل الساحر مطلقًا، ما لم يترتّب على تركه مصلحة راجحة، كالأمثلة التي ذكرها القرطبي في كلامه آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه] حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٢٠/ ٤٠٨٢- وفي ((الكبرى)) ٣٥٤٣/٢٠. وأخرجه (أحمد) في ((أول مسند الكوفيين)) ١٨٧٨١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنیب». ٢١- (مَا يَفْعَلُ مَنْ تُعُرِّضَ لِمَالِهِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((ما)) يحتمل أن تكون موصولة: أي هذا باب بيان الفعل الذي يفعله الشخص الذي تُعُرّض لأخذ ماله. ويحتمل أن تكون استفهاميّة، مفعولًا مقدمًا ل((يفعل)): أي هذا باب أيَّ شيء يفعل الشخص الذي تُعُرّض لماله. ٢١- (مَا يَفْعَلُ مَنْ تُعُرِّضَ لِمَالِهِ) - حديث رقم ٤٠٨٣ ٥٩ و((يفعل)) مبنيّ للفاعل، و((من)) فاعله، و((تُعُرِّض)) مبنيّ للمفعول، ونائب فاعله الجارّ والمجرور. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٠٨٣- (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيْ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِوَحِ وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَّفُ بْنُ تَمِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ مُخَارِقٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَسَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يُحَدِّثُ بَهَذَا الْحَدِيثَِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نََّ، فَقَالَ: الرَّجُلُ يَأْتِينِي، فَيُرِيدُ مَالِي؟، قَالَ: ((ذَكَّرْهُ بِاللَّهِ)، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَذَّكَّرْ؟، قَالَ: ((فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَنْ حَوْلَكَ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ))، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلِي أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟، قَالَ: ((فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِالسُّلْطَانِ)»، قَالَ: فَإِنْ نَأَى السُّلْطَانُ عَنْي؟، قَالَ: ((قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ، حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ، أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ))). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (هنّاد بن السريّ) المذكور في الباب الماضي. ٢- (أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقنّ [٧] ٩٦/٧٩. ٣- (عليّ بن محمد بن عليّ) المِصْيصيّ القاضي، ثقة [١١] ٢٤١٥/٨٣ من أفراد المصنّف . ٤- (خلف بن تَمِيم) أبو عبد الرحمن الكوفيّ، نزيل المِصْيصة، صدوقٌ عابدٌ [٩] ٢٤١٥/٨٣ . ٥- (سماك بن حرب) الذُّهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] ٣٢٥/٢. ٦- (قابوس بن مُخارق) بضمّ الميم، بعدها معجمة خفيفةٌ - ابن سُليم، ويقال: ابن أبي المخارق الشيبانيّ الكوفي، لا بأس به [٣]. روى عن أبيه، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وعن أمّ الفضل بنت الحارث، وقيل: عن أبيه، عنها. وروى عنه سماك بن حرب. وذكر الذهبيّ أنه لم يرو عنه غيره. قال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكره ابن يونس فيمن قَدِمَ مع محمد بن أبي بكر مصر في خلافة عليّ رضي الله تعالى عنه، فهو على هذا قدیم، لا يمتنع إدراكه لأمّ الفضل، وحديثه عنها في ((صحيح ابن خزيمة)). روى له المصنّف هذا الحديث فقط، وروى له أبو داود، وابن ماجه حديثًا واحدًا، حديث النّضح من بول الغلام. ٧- (أبوه) مخارق بن سُليم، أبو قابوس الشيبانيّ. روى عن النبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلم، وعن ابن مسعود، وعمّار بن ياسر، وعليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى س٦ ٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ عنهم. وعنه ابناه قابوس، وعبد الله. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. ويقال: أبو المخارق بن سُليم، كذا وقع عند أبي نُعيم في الكنى من ((الصحابة))، وقد ذكر له روايةً عن أم الفضل. قال ابن عبد البرّ: فيه اختلافٌ؛ لأن من أهل الحديث طائفةٌ يروون حديثه عن أبي قابوس بن مُخارق، عن أبيه، عن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أنْ أمّ الفضل جاءت بالحسين، ومنهم من يرويه عن قابوس، عن أم الفضل، لا يذكر مُخارقًا، وقد اختلف فيه على سماك اختلافًا كثيرًا. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن سداسياته بالنسبة للثاني، فالثاني أنزل من الأول؛ لأن المصنّف وصل إلى أبي الأحوص في الأول بواسطة، بخلاف الثاني، فإنه وصل إليه بواسطتين. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف فقط. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَابُوسَ بن مُخارق) الشيبانيّ (عَنْ أَبِيهِ) مخارق بن سُليم الشيباني (قَالَ: وَسَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يُحَدِّثُ بَهَذَا الْحَدِيثِ) هذا من كلام خلف بن تَميم، كما نبه عليه في ((تُحفة الأشراف)) -٣٦٧/٨- ومعنى الكلام أن خلفًا روى هذا الحديث أوّلًا، عن أبي الأحوص، ثم بيّن أنه سمعه أيضًا عن سفيان الثوريّ، وكلاهما يرويه عن سماك ابن حرب (قَالَ) مخارق (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَّالَ) فاعله ضمير الرجل: أي قال الرجل الجائي إليه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (الرَّجُلُ) مبتدأ، وخبره جملة قوله (يَأْتِينِي) وقوله (فَيُرِيدُ مَالِي؟) أي ظلمًا، عطف على جملة الخبر، والجملة مقول القول، والمراد به السؤال عن حكم إعطائه ماله، فكأنه يقول: إذا أتاني الرجل مريدًا أخذ مالي ظلمًا، فهل أُدافع، أم ماذا؟ (قَالَ) صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم مبيّنًا الطريق الأسلم، والأسهل (ذَكَّرْهُ بِاللَّهِ) فعل أمر من التذكير: أي عظه بذكر وعيد اللّه تعالى لمن أخذ أموال الناس ظلمًا، فإنه إن كان له وازعٌ دينيّ، سيرتدع بذلك (قَالَ) الرِجل السائل (فَإِنْ لَمْ يَذْكَّرْ؟) بتشديد الذال المعجمة، أصله يتذكّر، فأبدلت التاء ذالًا، وأدغمت في الذال (قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ) يقال: استعان به، واستعانه، فيتعدّى بالباء،