النص المفهرس
صفحات 21-40
١٦- (الْحُكْمُ فِيمَنْ سَبَّ النَّيِّ و18َ) - حديث رقم ٤٠٧٢ ٢١ = قال ابن معين، وأبو زرعة، وصالح بن محمد: ثقة. وقال ابن معين مرّةً: ليس به بأس. وقال الدارقطنيّ: صدوق. وقال ابن قانع: صالح. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زُرعة: ثقة. قال أحمد بن عليّ الأَبّار، وغيره: مات بطَرَسُوس سنة (٢٢٧) . وقال ابن حبّان في ((الثقات)): مات سنة (٣٠). وقال ابن قانع: مات سنة (٢٩)، وقيل: سنة (٣٠) وهو أصحّ عندي. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وفي ((كتاب الزينة)) ٥١٩٩/٤٧- حديث أنس رضي الله تعالى عنه: ((كان لرسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم خاتم فضّة)) الحديث. ٣- (إسماعيل بن جعفر) بن كثير: هو الأنصاريّ الزُّرقيّ المدنيّ القارىء، ثقة ثبت [٨] ١٦ / ١٧ . ٤- (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، ثقة [٧] ١٤١٠/٧٥. ٥- (عثمان الشَّخام) الْعَدَويّ، أبو سلمة البصريّ، يقال: اسم أبيه ميمون، أو عبد الله، لا بأس به [٦] ٩٠/ ١٣٤٧، والباقيان ترجما قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُثْمَانَ الشَّخَّام) بتشديد الحاء المهملة: هو كما في ((لبّ اللباب)) نسبة إلى بيع الشحم، أنه (قَالَ: كُثَّتُ أَقُودُ رَجُلًا أَعْمَى، فَانْتَهَيْتُ) أي بلغت (إِلَى عِكْرِمَةَ) أي إلى موضع عكرمة مولى ابن عبّاس (فَأَنْشَأَ) أي شرع، وأخذ (يُحَدِّثُنَا، قَالَ) عكرمة (حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ أَعْمَى) لم أعرف اسمه (كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، وَكَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ) أي غير مسلمة، ولذلك كانت تجرىء على ذلك الأمر الشنيع (وَكَانَ لَهُ مِنْهَا ابْنَانٍ، وَكَانَتْ تُكْثِرُ الْوَقِيعَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَ لغير) ((الوقيعة)) -بفتح الواو، وكسر القاف: الذّمّ، والعيب، يقال: وقع فلانٌ في فلان وُقُوعًا، ووَقِيعة : : إذا سبّه، وثَلَبَه. قاله الفيّوميّ (وَتَسُبُّهُ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وهو من باب قتل (فَيَزْجُرُهَا) من باب قتل أيضًا: أي يمنعها من ذلك (فَلَا تَنْزَجِرُ) أي لا تمتنع، ولا تترك ذلك، وقوله (وَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي) مؤكّد لما قبله (فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ) وقال السنديّ رحمه الله تعالی: يمكن ٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ رفعه على أنه اسم ((كان))، ونصبه على أنه خبرها: أي كان الزمان، أو الوقت ذات ليلة. وقيل: يجوز نصبه على الظرفيّة: أي كان الأمر في ذات ليلة، ثم ((ذات ليلة)) قيل: معناه: ساعة من ليلة. وقيل: معناه: ليلة من الليالي، و((ذات)) مقحمة. انتهى (١) (ذَكّرْتُ) بضم التاء، فهو ضمير المتكلّم، والكلام من قوله: ((فلما كان ذات ليلة الخ)» لذلك الأعمى (النّبِيِّ) بالنصب مفعول ((ذكرت)) (وََّ، فَوَقَعَتْ فِيهِ) قال السنديّ: قيل: تعدّى بـ((في)) لتضمينه معنى الطعن، يقال: وقع فيه: إذا عابه، وذمّه انتهى (فَلَمْ أَضْبِرْ) بكسر الباء (أَنْ قُمْتُ) الفعل في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، كما قال ابن مالك في «خلاصته)): وَعَدْ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُتْجَرْ مَعْ أَمْنٍ لَبْسِ كَ«عَجِبْتُ أَنْ يَدُو)) نَقْلًا وَفِي ((أَنَّ) و((أَنْ)) يَطْرِدُ والتقدير هنا: فلم أصبر عن القيام (إِلَى الْمِغْوَلِ) متعلّقٌ بـ«قمتُ))، و((الْمِغْول)) بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة -: شبه سيف قصير، يشتمل به الرجل تحت ثيابه، فيغطّيه. وقيل: حديدة دقيقة، لها حدٍّ ماض، وقَفًا. وقيل: هو سَوْطً في جوفه سيف دقيقٌ يَشُدّه الفاتك على وسطه؛ ليغتال به الناس. قاله في ((النهاية))(٢). (فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا، فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهِ) أي اعتمدت على ذلك الْمِغْوَل (فَقَتَلْتُهَا، فَأَصْبَحَتْ قَتِيلًا) إنما لم يقل: قتيلة؛ لأن فعيلًا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكّر والمؤنّث. وفي رواية أبي داود: ((فقتلها، فوقع بين رجليها طفلٌ، فَلَطَخَت ما هُناك بالدم)). (فَذُكِرَ) بالبناء للمفعول (ذَلِكَ) أي كونها مقتولة (لِلنَّبِيِّ وَّ) وفي رواية أبي داود: ((فَلَمّا أصبح ذُكر ذلك للنبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (فَجَمَعَ النَّاسَ، وَقَالَ: ((أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا) أي أسأل رجلًا مُقسمًا بالله تعالى، يقال: نشدتك اللَّهَ، وبالله، أنشُدُك، من باب نصر: ذكْرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مُقسمًا عليه. أفاده الفيوميّ. والمناسب هنا المعنى الأخير. وقوله (لي عَلَيْهِ حَقّ) جملة من مبتدأ وخبر، في محلّ نصب صفة ((رجلًا))، والمعنى: أسال باللَّه تعالى رجلًا مسلمًا تجب عليه طاعتي، وإجابة دعوتي، وإنما ناشد بهذا الأسلوب تأكيدًا؛ لعظم الأمر. وقوله (فَعَلَ مَا فَعَالَ) (ما)) اسم موصول: أي الفعل الذي فعله، من قتل هذه الجارية، والجملة صفة ل((رجلًا)) بعد صفة، أو حال منه (إِلّ قَامَ) أي من مجلسه حتى يعترف بأنه القاتل لها (فَأَقْبَلَ (١) ((شرح السنديّ)) ١٠٨/٧. (٢) ((النهاية)) ٣٩٧/٣. ١٦- (الْحُكْمُ فِيمَنْ سَبَّ النَّيَّ ◌َ﴾) - حديث رقم ٤٠٧٢ ٢٣ = = الْأَعْمَى يَتَدَلْدَلُ) بدالين مهملين، ولامين: أي يضطرب في مشيه. وفي رواية أبي داود: ((فقام الأعمى يتخطَّ رقاب الناس، وهو يتزلزل، حتّى قعد بين يدي النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم)) (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا صَاحِبُهَا) أي صاحب تلك الجارية المقتولة (كَانَتْ أُمَّ وَلَدِي، وَكَانَتْ بِي لَطِيفَةً) فعلية بمعنى فاعلة، كـ(رَفِيقَةً) وزنًا ومعنّى (وَلِي مِنْهَا ابْتَانِ، مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ) أي في الحسن، والبهاء، وصفاء اللون (وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُكْثِرُ الْوَقِيعَةَ فِيكَ، وَتَشْتُمُكَ) من بابي ضرب، وقتل كما في ((القاموس)) (فَأََّاهَا فَلَاتَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتْ الْبَارِحَةُ) ((كانت)) هنا تامّة، و((البارحة)) فاعلها، أي جاءت البارحة، ويحتمل أن تكون ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى الوقت المفهوم، و((البارحة)) بالنصب على أنه خبرها و((البارحة)) هي الليلة الماضية، تقول العرب قبل الزوال: فعلنا الليلة كذا؛ لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحة، مشتقّ من بَرَحَ الشيءُ يبرَحُ، من باب تَعِبَ بَرَاحًا: إذا زال من مكانه. أفاده الفيوميّ (ذَكَرْتُكَ، فَوَقَعَتْ فِيكَ، فَقُمْتُ إِلَى الْمِغْوَلِ، فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا، فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا، حَتَّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((أَلا) بالتخفيف: أداة استفتاح وتنبيه (اشْهَدُوا، أَنَّ دَمَهَا هَذَرٌ) بفتحين: أي باطلٌ، لا قصاص فيه، يقال: هَدَرَ الدمُ هَذْرًا، من بابي ضرب، وقتل: بَطَلَ، وأَهدَرَ بالألف لغةٌ، وهَدَرتُهُ، من باب قتل، وأهدرته: أبطلته، يُستعملان متعدّيين أيضًا، والْهَدَرُ بفتحتين- اسم منه، وذهب دمه هَذْرًا بالسكون، والتحريك: أي باطلًا، لا قود فيه. قاله الفيوميّ. والظاهر أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم علم بالوحي صدقه، فأهدر دمها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٠٧٢/١٦- وفي ((الكبرى)) ٣٥٣٣/١٦. وأخرجه (د) في ((الحدود)» ٤٣٦١ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان حكم من سب النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وهو قتله. (ومنها): أن الذميّ إذا لم يكفّ لسانه عن اللّه تعالى، أو عن رسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، ينتقض عهده، فلا ذمّة له. (ومنها): أن من ٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ سبّ النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم يُقتلُ، وقد قيل: لا خلاف في أن سابّه من المسلمين يجب قتله، وإنما الخلاف إذا كان ذميًا، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم كان أحيانًا لا يطلب البيّنة، بل يحكم بقول المدّعي؛ لثبوت صدقه لديه وحيًا، وهذا لا يسع أحدًا غيره، كما سيأتي قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في الباب التالي: ((ماكان لأحد بعد محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من سبّ النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم: نَّقَلَ ابْنِ الْمُنْذِر رحمه اللَّه تعالى الاتْفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النّبِيّ ◌َّهِ صَرِيحًا، وَجَبَ قَتْله. وَنَقَلَ أَبُو بَكْر الْفَارِسِيْ أَحَد أَئِمَّة الشَّافِعِيَّةِ، فِي ((كِتَابِ الْإِجْمَاعِ)) أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيّ وَِّ، مِمَّا هُوَ قَذْفٌ صَرِيحٍ، كَفَرَ بِاتَّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَلَوْ تَابَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَتْلِ؛ لأَنَّ حَدَّ قَذْفِه الْقَتْلِ، وَحَدّ الْقَذْفَ لا يَسْقُطْ بِالثَّوْبَةِ. وَخَالَفَهُ الْقَفَّالِ، فَقَالَ: كَفَرَ بِالسَّبِّ، فَيَسْقُطْ الْقَتْلِ بِالْإِسْلامِ. وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيّ: يَزُول الْقَتْلِ، وَيَجِب حَدّ الْقَذْفِ. وَضَعَّفَهُ الإِمَامِ. فَإِنْ عَرَّضَ، فَقَالَ الْخَطَّابِيّ: لَا أَعْلَمُ خِلافًا فِي وُجُوب قَتْله، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا. وقال ابن بطّال رحمه الله تعالى: اختلف العلماء فيمن سبّ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، فأما أهل العهد والذمّة، كاليهود، فقال ابن القاسم، عن مالك: يُقتل من سبّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم منهم، إلا أن يُسلم، وأما المسلم، فيُقتل بغير استتابة. ونقل ابن المنذر عن الليث، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق مثله في حقّ اليهوديّ ونحوه. وروي عن الأوزاعيّ، ومالك في المسلم أنها رذة، يُستتاب منها. وعن الكوفيين: إن كان ذِمِّيَّا عُزّرَ، وإن كان مسلمًا فهي رذةٌ. وحكى عياضٌ خلافًا، هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح، أو لمصلحة التأليف. ونقل عن بعض المالكية أنه إنما لم يقتل اليهود الذين كانوا يقولون: السام عليك؛ لأنهم لم تقُم عليهم البيّنة بذلك، ولا أقرّوا به، فلم يَقض فيهم بعلمه. وقيل: إنهم لَمّا لم يُظهروه، وَلَوَوْه بألسنتهم ترك قتلهم. وقيل: إنه لم يحمل ذلك منهم على السبّ، بل على الدعاء بالموت الذي لا بد منه، ولذلك قال في الردّ عليهم: ((وعليكم))، أي الموت نازلٌ علينا وعليكم، فلا معنى للدعاء به. أشار إلى ذلك القاضي عياض. وكذا من قال السأم بالهمز بمعنى السآمة، هو دعاء بأن يملّوا الدين، وليس بصريح في السب. وعلى القول بوجوب قتل من وقع منه ذلك، من ذميّ، أو معاهد، فترك لمصلحة التأليف، هل ينتقض بذلك عهده؟ محلّ تأمّل. واحتجّ الطحاويّ لأصحابه بحديث أنس رضي الله تعالى عنه، قال: مرّ يهودي ١٦- (الْحُكْمُ فِيمَنْ سَبَّ النَّيِّ ◌َّد) - حديث رقم ٤٠٧٢ ٢٥ برسول اللّه وَله، فقال: السامُ عليك، فقال رسول اللَّه وَ له: ((وعليك))، فقال رسول الله حَلغير: ((أتدرون ما يقول؟))، قال: ((السام عليك))، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟، قال: ((لا، إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم)). رواه البخاريّ. وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَامِ لَوْ صَدَرَ مِنْ مُسْلِمٍ، لَكَانَ رِدَّة، وَأَمَّا صُدُورِه مِنْ الْيَهُودِ، فَالَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ، أَشَدُ مِنْهُ، فَلِذَلِكَ لَبْ يَقْتُلُهُمْ التَّبِيّ ◌َ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ دِمَاءَهُمْ لَمْ تُحُقَنْ إِلا بِالْعَهْدِ، وَلَيْسَ فِي الْعَهْدِ أَنَّهُمْ يَسُبُونَ النَِّيّ ◌َِِّ، فَمَنْ سَبَّهُ مِنْهُمْ، تَعَدَّى الْعَهْد، فَيَنْتَقِض، فَيَصِيرِ كَافِرًا بِلا عَهْد، فَيُهْدَر دَمه، إِلا أَنْ يُسْلِم. قال في ((الفتح): وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلّ مَا يَعْتَقِدُونَهُ، لا يُؤَاخَذُونَ بِهِ، لَكَانُوا لَوْ قَتَلُوا مُسْلِمَا، لَمْ يُقْتَلُوا؛ لأَنَّ مِنْ مُعْتَقَّدهمْ حِلَّ دِمَاء الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مُسْلِمًا قُتِلَ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يُقْتَل بِالْمُسْلِمِ قِصَاصًا، بِدَلِيلٍ أَنَّهُ يُقْتَل بِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ، وَلَوْ سَبَّ، ثُمّ أَسْلَمَ، لَمْ يُقْتَل. قُلْنَا: الْفَرْقِ بَيْنِهِمَا أَنَّ قَتْلِ الْمُسْلِمِ، يَتَعَلَّق بِحَقْ آدَمِيٍّ، فَلَا يُهْدَر، وَأَمَّا السَّبَ فَإِنَّ وُجُوبِ الْقَتْلِ بِهِ، يَرْجِع إِلَى حَقّ الدِّينِ، فَيَهْدِمهُ الإِسْلامِ. وَلَّذِي يَظْهَرِ، أَنَّ تَرْكَ قَتْلِ الْيَّهُودِ إِنَّمَا كَانَ لِمَصْلَحَةِ التَّْلِيفِ، أَوْ لِكَوْنِمْ لَمْ يُعْلِنُوا بِهِ، أَوْ لَهُمَا جَميعًا، وَهُوَ أَوْلَى، وَاَللَّه أَعْلَمُ. انتهى. ما في (الفتح))(١). وقال الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى: ثبت عنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أنه قضى بإهدار دم أم ولد الأعمى، لَمّا قتلها مولاها على السبّ. وقَتَلَ جماعةً من اليهود على سبه وأذاه، وأمّن الناس يوم الفتح إلا نفرًا ممن كان يؤذيه، ويهجوه، وهم أربعة رجال، وامرأتان. وقال: ((مَن لكعب بن الأشرف؟، فإنه قد آذى الله ورسوله))، وأهدر دمه، ودم أبي رافع. وقال أبو بكر الصديق رضي اللَّه تعالى عنه لأبي برزة الأسلميّ رضي الله تعالى عنه، وقد أراد قتل من سبّه: ليس لأحد بعد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، فهذا قضاؤه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وقضاء خلفائه من بعده، ولا مخالف لهم من الصحابة، وقد أعاذهم الله تعالى من مخالفة هذا الحكم. وقد روى أبو داود في «سنته)) عن علي رضي الله تعالى عنه أن یهودیة کانت تشتم النبي صلی الله تعالی علیه وسلم، وتقع فيه، فخنقها رجلٌ حتى ماتت، فأبطل رسول الله صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم دمها (٢). (١) (فتح)) ١٤/ ٢٨٣-٢٨٥. (كتاب استتابة المرتدين)) رقم ٦٩٢٦. (٢) رجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا؛ لأن الشعبيّ الراوي له عن عليّ رضي اللّه تعالى عنه لم يسمع منه . == ٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وذكر أصحاب السير والمغازي عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما قال: هَجَت امرأة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، فقال: ((من لي بها؟)) فقال رجلٌ من قومها: أنا، فنهض، فقتلها، فأخبر النبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلم، فقال: ((لا ينتطح فيها عنزان)). وفي ذلك بضعة عشر حديثًا ما بين صحاح، وحسان، ومشاهير، وهو إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقد ذكر حربٌ في ((مسائله)) عن مجاهد، قال: أَتي عمر رضي اللَّه تعالى عنه برجل سبّ النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، فقتله، ثم قال عمر رضي الله تعالى عنه: من سبّ الله ورسوله، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، فاقتلوه. ثم قال مجاهد عن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما: أيّما مسلم سبّ اللَّه ورسوله، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، فقد كذّب برسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وهي ردّةٌ، يُستتاب منها، فإن رجع، وإلا قُتل، وأيّما معاهد عاند، فسبّ اللّه، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، أو جهر به، فقد نقض العهد، فاقتلوه. وذكر أحمد عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما أنه مرّ به راهبٌ، فقيل له: هذا يسبّ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: لو سمعته لقتلته، إنا لم نُعطهم الذمّة على أن يسبّوا نبينا. والآثار عن الصحابة بذلك كثيرة. وحكى غير واحد من الأئمة الإجماع على قتله. قال شيخنا يعني ابن تيميّة رحمه الله تعالى -: وهو محمول على إجماع الصدر الأول، من الصحابة، والتابعين. قال: وأما تركه صلّى الله تعالى عليه وسلم قتل من قدح في عدله بقوله: ((اعدل، فإنك لم تعدل)). أخرجه مسلم. وفي حكمه بقوله: ((أن كان ابن عمّتك؟))، متفق عليه. وفي قصده بقوله: ((إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله))، أو في خلوته بقوله: ((يقولون: إنك تنهى عن الغيّ، وتستخلي به(١)). وغير ذلك، فذلك أن الحقّ له، فله أن يستوفيه، (١) هو ما أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده»، فقال: ١٩٥٣٨- حدثنا إسماعيل، أخبرنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن أخاه، أو عمه قام إلى النبي ◌َّ، فقال: جيراني بما أخذوا؟، فأعرض عنه، قال: جيراني بما أخذوا؟، فأعرض عنه، ثم قال: جيراني بما أخذوا؟، فأعرض عنه، قال: لئن قلت ذاك، لقد زعم الناس، أن محمدا يَنهَى عن الغي، ويستخلي به، فقال النبي ◌َّه: ((ما قال؟، فقام أخوه، أو ابن أخيه، فقال: يا رسول اللّه إنه إنه، فقال: ((أما لقد قلتموها))، أو ((قال قائلكم، ولئن كنت أفعل ذلك، إنه لعليّ، وما هو عليكم، خلوا له عن جيرانه)) . وسنده حسنٌ، ومعنى ((يستخلي به)) أي يستقلّ به، وينفرد. وسيأتي الحديث للمصنّف رحمه الله تعالى في ((تاب قطع السارق)) برقم ٤٨٧٥ مختصرًا، إن شاء الله تعالى. ١٦- (الْحُكْمُ فِيمَنْ سَبَّ النَّيِّ ◌َّ) - حديث رقم ٤٠٧٣ ٢٧ وله أن يتركه، وليس لأمته ترك استيفاء حقّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم. وأيضًا فإن هذا كان في أوّل الأمر، حيث كان صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم مأمورًا بالعفو والصفح. وأيضًا فإنه كان يعفو عن حقّه لمصلحة التأليف، وجمع الكلمة، ولئلا يُنفّر الناس عنه، ولئلا يتحدّثوا أنه يقتل أصحابه، وكلّ هذا مختصّ بحياته صلّى الله تعالى عليه وسلم. انتھی کلام ابن القيم رحمه الله تعالی. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن القيم رحمه الله تعالى هو الحقّ عندي. وحاصله وجوب قتل من سبّه صلّى الله تعالى عليه وسلم مطلقًا، سواء كان مسلمًا، أو ذميًّا؛ لحديث الباب، وغيره من الأدلّة المتقدّمة، ولأنه إجماع الصدر الأول، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٧٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُدَامَةَ بْنٍ عَنَزَةَ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيّ، قَالَ: أَغْلَظَ رَجُلٌ لِأَبِي بَكْرِ الصِّدِيقِ، فَقُلْتُ: أَقْتُلُهُ، فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤. ٢- (معاذ بن معاذ) العنبريّ، أبو المثنى البصريّ الثقة الثبت، من كبار [٩] ٣٨/٣٤. ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤. ٤ - (توبة) بن أبي الأسد كيسان بن راشد، أبو الْمُورِّع البصريّ، ثقة [٤] ٢١٧٦/٣٣. ٥- (عبد الله بن قُدامة) بن عَنَزَة بفتح المهملة، والنون، والزاي- أبي السّوَّار العنبريّ البصريّ، والد سَوَّار القاضي الأكبر، ثقة [٤]. روى عن أبي برزة. وعنه توبة العنبريّ. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٦- (أبو برزة الأسلميّ) نَضْلة بن عُبيد الصحابيّ المشهور، أسلم رضي اللّه تعالى عنه قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خُراسان، ومات بها سنة (٦٥) على الصحيح، تقدّم في ٢/ ٤٩٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد الله بن قُدامة، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل ٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيْ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَغْلَظَ رَجُلٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصُّدِيقِ) يقال: أغلظ له في القول إغلاظًا: إذا عنّفه، والمعنى أن رجلًا عنّف أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه على أمر، إما على قسمة شيء، كما قال ذلك المنافق للنبيّ صلَّى الله تعالى عليه وسلم حينما قسم الغنيمة: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه، أو على أمر آخر. والله تعالى أعلم. قال أبو برزة رضي الله تعالى عنه (فَقُلْتُ: أَقْتُلُهُ) وفي الرواية الآتية: ((ألا أضرب عنقه؟))، وفي رواية: ((قال: غضب أبوبكر على رجل غضبًا شديدًا، حتى تغيّر لونه، قلت: يا خليفة رسول الله، والله لو أمرتني لأضربنّ عنقه، فكأنما صُبّ عليه ماء بارد، فذهب غضبه عن الرجل)) (فَانْتَهَرَنِي) أي زجرني عن قتله (وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا) أي قتل من أساء إلى وليّ الأمر، وأغضبه (لِأَحَدٍ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَل*) قال الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى مفسّرًا كلام أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه هذا: أي لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلًا إلا بإحدى ثلاث التي قالها رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((كُفرّ بعد إيمان، أو زنًا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس))، وكان للنّبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يقتل. انتهى. ذكره أبو داود في ((سنته))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٤٠٧٣/١٦ و١٧/ ٤٠٧٤ و٤٠٧٥ و٤٠٧٦ و ٤٠٧٧ و ٤٠٧٨ و٤٠٧٩ - وفي («الكبرى» ٣٥٣٤/١٦ و٣٥٣٥/١٧ و٣٥٣٦ و٣٥٣٧ و٣٥٣٨ و٣٥٣٩و٣٥٤٠. وأخرجه (د) في ((الحدود)) ٤٣٦١ (أحمد) في ((مسند العشرة))، وصححه الحاكم في ((مستدركه)). والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة) في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم من سبّ النبيّ صلَّى الله تعالى عليه وسلم، وهو القتل، ووجه الاستدلال أنّ قول أبي بكر رضي الله تعالى (١) راجع ((سنن أبي داود)) في ((كتاب الحدود)) ١٩/١٢ -٢٠. بنسخة ((عون المعبود)). ١٧ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الأَعْمَش ... - حديث رقم ٤٠٧٤ ٢٩ عنه هذا يدل على أنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم مختصّ بقتل من أغضبه، ومعلوم أن من سبّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم يُغضبه؛ لأن ذلك يعود إلى الطعن في رسالته، وذلك كفر بالله تعالى؛ لكونه اتهامًا في عصمته إياه مما يوجب سبّه، وعيبه. (ومنها): أن غيره صلّى الله تعالى عليه وسلم من الولاة ونحوهم، ليس له أن يقتُل من أغضبه، وإن بلغ به الغضب ما بلغ؛ لأن سبّه لا يبلغ الطعن في اللّه تعالى، كما كان في شأن النبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلم، وإنما لهم القتل فيما شرع الله تعالى لهم به، كما في حديث: ((لا يحلّ دم امرىء مسلم، إلا بإحدى ثلاث)) كما سبق في كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى. (ومنها): ما كان عليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه من التحمّل والعفو فيمن اعتدى عليه. (ومنها): ما كان عليه أبو برزة رضي اللّه تعالى عنه من طاعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وحبّه له، حيث غضب لغضبه، وطلب منه أن يؤذّب الذي أساء إليه الأدب، وينكل به، حتى لا يجترىء عليه أحد بعده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٧ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الأَعْمَش فِي هَذَا الْحَدِيثِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن أبا معاوية رواه عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي برْزَة، وخالفه يعلى بن عُبيد، فرواه عن الأعمش، عن أبي الْبَخْتَريّ، عن أبي برزة، وتابعه عليه أبو عوانة. والذي يظهر لي أن هذا الاختلاف، لا يضرّ؛ لإمكان حمله على أن الأعمش رواه عن كلّ من سالم بن أبي الجعد، وأبي البَخْتَّريّ. وكان الأصل ترجيح رواية أبي معاوية على رواية يعلى وأبي عوانة؛ لأنه هو المقدّم من أصحاب الأعمش في الأعمش بعد سفيان الثوريّ، لكن اتفاقهما يقوّي حفظهما للحديث، فيكون الحديث ثابتًا بالطريقين. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ٤٠٧٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرٍو ابْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: تَفَتَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ، فَقُلَّتُ: مَنْ هُوَ؟ يَأَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لِأَضْرِبَ عُنْقَهُ، إِنْ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ، قَالَ: أَفَكُنْتَ فَاعِلًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ، لَأَذْهَبَ عِظَمُ كَلِمَتِيَ الَّتِي قُلْتُ غَضَبَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَ لِأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ وََّ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((محمد بن العلاء)): هو أبو كريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الأئمة السّة، ثقة حافظ [١٠] ٩٥ / ١١٧ . و ((أبو معاوية)): هو محمد بن خازم الضرير. و((عمرو بن مُرّة)): هو الْجَمَليّ المراديّ الكوفيّ، ثقة عابد [٥] ١٧١/ ٢٦٥. و((سالم بن أبي الجعد رافع الْغَطّفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٣] ٦١ / ٧٧ . وقوله: ((فوالله لأذهب الخ)) هذا من قول أبي برزة رضي الله تعالى عنه، أي أن كلامي قد عظُم عند أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه حتى زال بسبب عظمته غضبه. وقوله: ثُمّ قال الخ)) أي ثم قال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه بعد أن ذهب غضبه بسبب كلامي الذي عظُمَ عنده. والحديث صحيح، وقد سبق شرحه وما يتعلّق به من المسائل في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٧٥- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ مُتَغَيّظُ عَلَىِ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، مَنْ هَذَا الَّذِي تَغَيِّظُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: وَلِمَ تَسْأَلُ؟ قُلْتُ: أَضْرِبُ عُنُقَهُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ، لَأَذْهَبَ عِظَمُ كَلِمَتِي غَضَبَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ وَهِ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود سليمان بن سيف الْحَرَّانيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ [١١] ١٣٦/١٠٣. و ((يعلى)): هو ابن عُبيد بن أميّة الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [٩] ١٤٠/١٠٥. و((أبو الْبَخْتَريّ)) بفتح الموحدة، والمثناة، بينهما معجمة ساكنة -: سعيد بن فيروز الطائيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، فيه تشيّع قليل، كثير الإرسال [٣] ٢٤٨٦/٣٤. والحديث صحيح، وقد سبق الكلام عليه في الباب الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١ ١٧ - (ذِكْرُ الاخْتِلَفِ عَلَى الأَعْمَش ... - حديث رقم ٤٠٧٧ ٤٠٧٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ يَخْتِى بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنَ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: تَفَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ: لَوْ أَمَرْتَنِي لَفَعَلْتُ، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ، مَا كَانَتْ لِيَشَرِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ وَّ). قَال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((يحيى بن حمّاد)»: هو الشيبانيّ البصريّ، خَتَنُ أبي عوانة، ثقة عابد، من صغار [٩] ٢٢٢٥/٤٣. و((أبو عوانة)): هو الوضّاح بن عبد الله اليَشْكُريّ الواسطيّ، ثقة ثبت [٧] ٤٦/٤١. و(سليمان)): هو الأعمش المذكور قبله. والحديث صحيح، سبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٧٧- (أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ الْأَشْعَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي بَرْزَةٌ، قَالَ: غَضِبَ أَبُوِ بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ، غَضَبَا شَدِيدًا، حَتَّى تَغَيَّرَ لَوْتُهُ، قُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرْتَنِّي لَأَضْرِبَنَّ عُنْقَهُ، فَكَأَنَّمَا صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ بَارِدٌ، فَذَهَبَ غَضَبُهُ عَنْ الرَّجُلِ، قَالَ: ثَكِلَتْكَ أَمْكَ أَبَاَ بَرْزَةَ، وَإِنَّا لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأْ، وَالصَّوَابُ أَبُو نَصْرٍ، وَاسْمُهُ حُمَّيْدُ بْنُ هِلَالٍ، خَالَفَهُ شَعْبَةُ). قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ((معاوية بن صالح الأشعريّ)): هو أبو عبيد الله الدمشقيّ، صدوقٌ [١١] ٢٧٢٥/٤٩ من أفراد المصنّف. و((عبد الله بن جعفر)): هو القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الرّقْي، ثقة، لكنه تغيّر بآخره، فلم يفحُش اختلاطه [١٠] ١٧٧/ ٢٨٠. و((عبيد الله)): هو ابن عمرو الرّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقة فقيه، ربّما وَهِمَ [٨] ١٧٧/ ٢٨٠ . و((زيد)): هو ابن أبي أنيسة واسمه زيد الجزّريّ، أبو أسامة، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقة، له أفراد [٦] ٣٠٦/١٩١. وقوله: ((عن أبي نضرة)) خطأ، والصواب: ((عن أبي نصر))، كما بيّنه المصنف رحمه اللَّه تعالى، حيث قال (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللَّه تعالىٍ (هَذَا خَطَأْ) أي قوله: ((عن أبي نضرة)) - بالضاد المعجمة، وآخره تاء التأنيث- خطأ (وَالصَّوَابُ أَبُو نَصْرٍ) بالصاد المهملة، بدون تاء التأنيث (وَاسْمُهُ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) الْعَدَويّ البصريّ، ثقة عالمٌّ، توقّف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان [٣] ٤/٤. وإنما حكم المصنف رحمه اللَّه تعالى بالخطإ على هذا السند؛ لمخالفة شعبة، لزيد ٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ابن أبي أُنيسة وهو أحفظ منه، وأتقن، فرواه عن عمرو بن مرّة، عن أبي نصر، وتؤيّده رواية يونس بن عبيد، حيث قال: ((عن حُميد بن هلال)»، وهو اسم أبي نصر. والحديث صحيح بالطرق الماضية، والآتية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ثم أشار رحمه الله تعالى إلى صواب الرواية، فقال (خَالَفَهُ شُعْبَةُ) أي خالف زيدَ بنَ أبي أنيسة في روايته عن عمرو بن مرّة، قائلًا عن أبي نضرة بالضاد المعجمة، وهاء التأنيث، شعبةُ بنُ الحجّاج، فرواه عن عمرو، وقال: ((عن أبي نصر)) بالصاد المهملة، بدون التاء، كما بيّنه بقوله: ٤٠٧٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ أَغْلَظَّ لِرَجُلٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: أَلَا أَضْرِبُ عُثْقَهُ، فَانْتَهَرَنِي، فَقَالَ: إِنََّاَ لَيْسَثَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو نَصْرٍ حُمَّيْدُ بْنُ هِلَالٍ، وَرَوَاهُ عَنْهُ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، فَأَسْتَدَهُ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو داود)): هو سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ، غلِطَ في أحاديث [٩] ٣٤٣/١٣. وقوله: ((يُحدّث عن أبي برزة الخ)) ظاهره يدلّ على أنه رواه عنه مباشرة، وليس كذلك؛ لما سيأتي أن بينهما واسطةً، وهو عبد الله بن مطرّف بن الشّخَير، كما سيبيّنه المصنف رحمه الله تعالى في كلامه الآتي قريبًا، إن شاء الله تعالى، وعليه فيكون معنى قول عمرو بن مرّة: (سمعت أبا نصر يُحدّث عن أبي برزة)) سمعته يحدّث عن حديث أبي برزة، ولا يستلزم هذا أن يسمع من أبي برزة، كما لا يخفى. والحديث صحيح، كما سبق بيانه. وقوله (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو نَصْرٍ: حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) بيّن به أن أبا نصر الذي روى عنه عمرو بن مرّة في هذا الإسناد هو حُميد بن هلال الذي روى عنه يونس بن عُبيد في السند التالي. وقوله (وَرَوَاهُ عَنْهُ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ فَأَسْتَدَهُ) أشار به أن يونس بن عُبيد خالف عمرو بن مرّة في هذا الإسناد، وذلك أن عمرًا رواه منقطعًا، حيث لم يذكر الواسطة بين حميد بن هلال، وأبي برزة رضي اللّه تعالى عنه، وخالفه يونس بن عُبيد، فأسنده، أي رواه متصلًا بذكر الواسطة بين حميد بن هلال، وأبي برزة الأسلميّ، وهو عبد الله بن مطرّف ابن الشخّير. والله تعالى أعلم. ٣٣ ١٧ - (ذِكْرُ الاخْتِلَفِ عَلَى الأَعْمَش ... - حديث رقم ٤٠٧٩ [تنبيه]: أراد المصنف رحمه الله تعالى بقوله: ((فأسنده)) الإسنادَ بمعنى الاتصال، وهو إطلاقْ صحيح. وقد اختلف العلماء في معنى المسند، على أقوال، ذكرها في ((التقريب))، مع شرحه ((التدريب)) فقال: قال الخطيب أبوبكر البغداديّ في ((الكفاية)): المسند عند أهل الحديث ما اتّصل سنده، من راويه إلى منتهاه، فشمل المرفوع، والموقوف، والمقطوع، وتبعه ابن الصبّاغ في ((الْعُدّة))، والمراد اتّصال السند ظاهرًا، فيدخل ما فيه انقطاع خفيّ، كعنعنة المدلّس، والمعاصر الذي لم يثبت لُقيّه؛ لإطباق من خرّج المسانيد على ذلك. قال النوويّ كابن الصلاح: ولكن أكثر ما يُستعمل فيما جاء عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم دون غيره. وقال ابن عبد البرّ في ((التمهيد)): هو ما جاء عن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم خاصّةٌ، متّصلًا كان، كما لك، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم، أو منقطعًا، كمالك، عن الزهريّ، عن ابن عبّاس، عن رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، قال: فهذا مسندٌ؛ لأنه قد أُسند إلى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهو منقطعٌ؛ لأن الزهريّ لم يسمع من ابن عبّاس. وعلى هذا القول يستوي المسند والمرفوع. وقال الحافظ: يلزم عليه أن يصدُق على المرسل، والمعضل، والمنقطع، إذا كان مرفوعًا، ولا قائل به . وقال الحاكم وغيره: لا يُستعمل إلا في المرفوع المتّصل، بخلاف الموقوف، والمرسل، والمعضل، والمدلَّس. وحكاه ابن عبد البرّ عن قوم من أهل الحديث، وهو الأصخ، وليس ببعيد من كلام الخطيب، وبه جزم الحافظ في ((النخبة))، فيكون أخصّ من المرفوع. قال الحاكم: من شرط المسند أن لا يكون في إسناده أُخبِرتُ عن فلان، ولا حُدّثتُ عن فلان، ولا بلغني عن فلان، ولا أظنّه مرفوعًا، ولا رفعه فلان. انتھی ما في ((التقريب)) مع ((التدريب)) بتصرّف يسير(١). وإلى هذه الأقوال أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الأثر)) بقوله: الْمُسْتَدُ الْمَرْفُوعُ ذَا اتْصَالٍ وَقِيلَ أَوَّلِّ وَقِيلَ الثَّالِيِ ثم ساق المصنف رحمه الله تعالى رواية يونس بن عُبيد التي أشار إليها، فقال: ٤٠٧٩- (أَخْبَرَنِ أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطَرِّفِ بْنِ الشّخِيرِ،َ عَنْ أَبِي (١) ((التقريب)) مع ((التدريب)) ١٨٢/١-١٨٣. ٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي بَكْرِ الصُّدِيقِ، فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِ جِدًّا، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، قُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَلَمَّا ذَكَرْتُ الْقَتْلَ، أَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَجَمعَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ النَّحْوِ، فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا، أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَرْزَةَ، مَا قُلْتَ؟، وَنَسِيتُ الَّذِي قُلْتُ، قُلْتُ: ذَّكْرْنِيهِ، قَالَ: أَمَا تَذْكُرُ مَا قُلْتَ؟، قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ حِينَ رَأَيْتَنِي غَضِبْتُ عَلَى رَجُلٍ، فَقُلْتَ: أَضْرِبُ عُثْقَهُ، يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَا تَذْكُرُ ذَلِكَ؟، أَوَ كُنْتَ فَاعِلًا ذَلِكٌّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَاللَّهِ، وَالْآَنَ إِنْ أَمَرْتَنِي فَعَلْتُ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا هِيَ لِأَحَدٍ، بَعْدَ مُحَمَّدٍ إِلهـ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنُ الْأَحَادِيثِ، وَأَجْوَدُهَا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود، سليمان بن سيف الحرّاني، وهو ثقة، وقد تقدم قبل ثلاثة أحاديث. و((عفّان)): هو ابن مسلم الصفّار البصريّ الثقة الثبت، من كبار [١٠] ٤٢٧/٢١. و((يزيد بن زُيع)): هو أبو معاوية البصريّ، كان يُقال له: ريحانة البصرة ثقة ثبت [٨] ٥/٥ . و((يونس بن عُبيد)): هو العبديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضلٌ ورِعٌ [٥] ١٠٩/٨٨ . و((عبد الله بن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشّخْير)) بكسر المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم راء- العامريّ، أبو جَزْء بفتح الجيم، وسكون الزاي، بعدها همزة- البصريّ، صدوقٌ [٣]. روى عن أبي برزة. وعنه حُميد بن هلال، وكاتبه عطيّة السّرّاج. وقتادة. مات قبل أبيه. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط. وقوله: ((أضرب عن ذلك الحديث)): أي أعرض عنه، يقال: ضربت عن الأمر، وأضربت بالألف: أعرضت تركًا، أو إهمالًا. قاله الفيوميّ. وقوله: ((أجمع)) توكيد ((ذلك الحديث)). قال الفيوميّ: وجاءوا بأجمعهم بفتح الميم، وقد تُضمّ، حكاه ابن السّكْيت، وقبضتُ المالَ أجمعَهُ، وجميعه، فتؤكّد به كلّ ما يصح افتراقه حِسًا، أو حُكمًا. انتهى. وقوله: ((إلى غير ذلك)) متعلّق بحال محذوف، أي حال كونه منتقلًا إلى غير ذلك الحديث. وقوله: ((من النحو)): قال في ((القاموس)): النحو أي بفتح، فسكون -: الطريق، والجِهة، جمعه أنحاء، ونُحُوِّ. انتهى. والمعنى هنا أنه أعرض عن ذلك الكلام الذي غضب من أجله، منتقلا إلى غير ذلك من جهة الكلام. وقوله: ((أَوَ كنت فاعلًا)) بفتح الواو، لا بسكونها: هي همزة الاستفهام، وواو العطف . ٣٥ = ١٨ - (السّخرُ) - حديث رقم ٤٠٨٠ وقوله: ((قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث أحسن الأحاديث، وأجودها)). الظاهر أنه أراد به أن الحديث بسند يونس بن عُبيد أجود منه بإسنادي عمرو بن مرّة، فإن رواية زيد بن أبي أنيسة فيها غلط، وذلك قوله: ((عن أبي نضرة))؛ لأن الصواب ((عن أبي نصر»، ورواية شعبة عنه فيها انقطاع؛ لأنه لم يذكر عبد الله بن مطرّف، وأما رواية يونس بن عُبيد فخالية عما ذُكر كلّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ١٨ - (السِّخْرُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هو - بكسر السين، وسكون الحاء المهملتين- قال ابن فارس: هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخَدِيعة، وسَحَرَه بكلامه يسحَرُهُ، بفتح عين المضارع فيهما: استماله برقّته، وحسن تركيبه. وقال الفخر الرازيّ: ولفظ السحر في عرف الشرع مُختصّ بكلّ أمر يَخفَى سببه، ويُتخيّل على غير حقيقته، ويَجري مَجرَى التمويه والخِدَاعِ، قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وإذا أُطلق ذُمَّ فاعله، وقد يُستعمل مقيّدًا فيما يُمدَح، ويُحمّد، نحو قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: ((إن من البيان لسحرًا))، رواه البخاريّ، أي إن بعض البيان سحرٌ؛ لأن صاحبه يُوضّح الشيء المشكل، ويَكشِف عن حقيقته بحسن بيانه، فيستميل القلوب، كما تُستَمالُ بالسحر. وقال بعضهم: لَمّا كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف ما يَجذِب السامعَ، ويُخرجه إلى حدّ يكاد يَشغله عن غيره شُبِّه بالسحر الحقيقيّ، وقيل: هو السحر الحلال. قاله الفيّوميّ(١). وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسائل الآتية آخر الباب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٠٨٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ ابْنِ إِذْرِيسَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عُسَّالٍ، قَالَ: قَالَ يُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَِّيّ، قَالَ لَّهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ: نَبِيٍّ، لَوْ سَمِعَكَ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ، فَأَتْيَا رَسُوَلَ (١) ((المصباح المنير" ٢٦٧/١-٢٦٨. ٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ اللَّهِ وَهِ، وَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيْنَاتٍ، فَقَالَ لَهُمْ: ((لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُواْ الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا الْمُخْصَنَةَ، وَلَا تَوَلَّوْا يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يُودُ، أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّيْتِ))، فَقَبَّلُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيِّ، قَالَ: ((فَمَا يَمْتَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟، قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ، دَعَا بِأَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرْيَتِهِ نَبِيٍّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ اتْبَعْنَاكَ، أَنْ تَقْتُلَنَا يُودُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن العلاء) الهمدانيّ، أبو كريب الكوفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١١٧/٩٥. ٢- (ابن إدريس) هو عبد الله الأوديّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٨] ١٠٢/٨٥. ٣- (شعبة) بن الحجاج المذكور قريبًا. ٤- (عمرو بن مرّة) بن عبد الله بن طارق الْجَمّليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد، ورمي بالإرجاء [٥] ١٧١ / ٢٦٥. ٥- (عبد الله بن سلمة) بكسر اللام- المراديّ الكوفيّ، صدوق، تغيّر حفظه [٢] ١٧١ /٢٦٥ . ٦- (صفوان بن عسّال) -بفتح العين وتشديد السين المهملتين- المراديّ الصحابيّ المشهور رضي الله تعالى عنه، نزل الكوفة، وتقدّم في ((كتاب الطهارة)) ١٢٦/٩٨. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد الله بن سَلِمة، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شعبة، فإنه بصريّ. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ يُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ) أي ليهوديّ مثله (اذْهَبْ بِنَا) الباء للمصاحة، أو التعدية. قاله السنديّ (إِلَى هَذَا النَِّيّ) یرید نبيّنا محمدًا صلّى الله تعالى عليه وسلم (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ) اليهوديّ (لَا تَقُلْ: نَبِيِّ، لَوْ سَمِعَكَ) أي لو سمع قولك: إلى هذا النبيّ، وظهر له أنك تعتقده نبيًّا (كَانَ لَّهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ) كناية عن زيادة الفرح، وفرط السرور؛ إذ الفرح يوجب قوّة الأعضاء، وتضاعفُ ٣٧ ١٨ - (السّخْرُ) - حديث رقم ٤٠٨٠ = القُوَى يشبه تضاعف الأعضاء الحاملة لها (فَأَتَا رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، وَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ) جمع آية، وهي العلامة الظاهرة، تُستعمل في المحسوسات، كعلامة الطريق، وغيرها، كالحكم الواضح، والمراد بها في الحديث: إِما المعجزات التسع، كما هو المراد في قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِ جَمْبِكَ تَخْرُجْ بَضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٌ فِ قِشْع ◌َتٍ﴾ الآية [النمل: ١٢]، وعلى هذا فالجواب في الحديث متروك، ترك ذكره الراوي، وقوله: ((لا تُشركوا بالله شيئًا الخ)) كلام مستأنف، ذُكر عقب الجواب. وإِمّا الأحكام العامة الشاملة للملل كلّها، كما جُوّز ذالك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا مُوسَىْ تِسْعَ ءَايَتِ بَيِّنَتِّ﴾ الآية [الإسراء: ١٠١]، وعلى هذا فالمذكور في الحديث هو الجواب، لكن زيد فيه ذِكرُ: ((وعليكم خاصّةً يهود الخ))؛ لزيادة الإفادة. قاله السنديّ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد وقع التصريح في رواية أحمد بأن هذه الآيات التسع هي المذكورة في هذا الحديث، ولفظه من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة: ((قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبيّ حتى نسأله عن هذه الآيات: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ◌َيَتٍِ بَيْنَتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١])) الحديث. فهذا صريح في كون المراد بها ما في الآية. وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في ((تفسيره)» بعد إيراد حديث الباب: ما نصّه: وهو حديث مشكلٌ، وعبد الله بن سَلِمَة في حفظه شيءٍ، وقد تكلّموا فيه، ولعلّه اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة، لا تعلّق لها بقيام الحجة على فرعون. والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر أن قوله في هذا الحديث: ((عن تسع آيات)) خطأ أخطأ فيه عبد الله بن سلمة لسوء حفظه، فلعلّه اشتبه عليه عشر كلمات بستع آيات كما قاله ابن كثير رحمه اللَّه تعالى آنفًا، فالظاهر أنهما سألاه عن عشر كلمات، وهي التي ذُكرت في الحديث، وعاشرها قوله: ((وعليكم خاصّةً يهود الخ)). وأما التسع الآيات المذكورة في الآيتين الكريمتين، وهي التي أوتيها موسى عليه السلام فغير العشر الكلمات التي ذُكرت في هذا الحديث، وهي أيضًا مذكورة في التوراة. والله تعالى أعلم بالصواب. وقال ابن كثير أيضًا في بيان المراد بتسع آيات في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ وَيَتٍِ بَيْنٍَ﴾ الآية [الإسراء: ١٠١]: ما حاصله: وهي العصا، واليد، والسنين، والبحر، والطوفان، والجراد، والقُمّل، والضفادع، والدم آيات مفصّلات. قاله ابن (١) (شرح السنديّ)) ٧/ ١١١. (٢) ((تفسير، بن كثير) ٧٠/٣-٧١. ((تفسير سورة الإسراء)). = ٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ عبّاس. وقال محمد بن كعب: هي اليد، والعصا، والخمس في ((الأعراف))، والطمس، والحجر. وقال ابن عبّاس أيضًا، ومجاهد، وعكرمة، والشعبيّ، وقتادة: هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم. وهذا القول ظاهر جليّ، حسنْ قويّ. وجعل الحسن البصريّ السنين ونقص الثمرات واحدةً، وعنده التاسعة هي تلقّف العصا ما يأفكون. قال: فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة، هي المرادة ههنا، وهي المعنيّة في قوله تعالى: ﴿فِ تِسْعِ مَتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِةٍ﴾ الآية [النمل: ١٢]. قال: وقد أوتي موسى عليه السلام آيات أخر كثيرة، منها: ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك مما أوتيه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر ههنا التسع آيات التي شاهدها فرعون وقومه، من أهل مصر، فكانت حجّة عليهم، فخالفوها، وعاندوها، كفرًا وجُحُودًا. انتهى المقصود من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وقوله (بَيْنَاتٍ) صفة لـ((آيات))، أي واضحة قاطعة على صحة النبوة، وصدق الرسالة (فَقَالَ لَهُمْ) النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، مجيبًا عن سؤالهم (لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا) نكّره للتعميم، فالإشراك محرّم مطلقًا، سواء أشرك كثيرًا، أو قليلًا، كبيرًا، أو حقیرًا (وَلَا تَسْرِقُوا) بفتح أوله، من باب ضرب (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، إِلَّ بِالْحَقْ) أي إلا إذا ارتكبت ما يوجب قتلها، كأن تقتل نفسًا بغير حق، أو تزني محصنة (وَلَا تَمْشُوا بِيَرِيءٍ) الباء للتعدية (إِلَى ذِي سُلْطَانٍ) بضمّ، فسكون- يطلق على الشخص، وعلى الحجة والبرهان، وعلى الولاية، وهي المرادة هنا. قال الفيوميّ رحمه الله تعالى: السلطان إذا أريد به الشخص مذكّرٌ، والسلطان: الحجة والبرهان، والسلطان: الولاية، والسَّلْطَنة، والتذكير أغلب عند الْحُذَاق، وقد يؤنّث، فيقال: قضتْ به السلطان: أي السَّلْطَنة. قاله ابن الأنباريّ، والزجّاج، وجماعةٌ. وقال أبو زيد: سمعتُ من أثق بفصاحته يقول: أتتنا سلْطَانٌ جائرة. والسُّلْطانُ بضمّ اللام للإتباع لُغةٌ، ولا نظير له. وقد يُطلق على الجمع، قال [من الرجز]: عَرَقْتُ وَالْعَقْلُ مِنَ الْعِزْقَانِ أَنَّ الْغِنَى قَدْ سُدَّ بِالْحِيطَانِ إِنْ لَمْ يُغِثْنِي سَيْدُ السُّلْطَانِ أي سيّد السلاطين، وهو الخليفة. ويقال: إنه ههنا جمع سَلِيطٍ، مثلُ رَغِيفٍ ورُغْفان. انتهى كلام الفيوميّ. والمعنى هنا: لا تتكلّموا بسوء فيمن ليس له ذنب عند ذي السلطنة، والحكم؛ ٣٩ ١٨ - (السّخْرُ) - حديث رقم ٤٠٨٠ = ليقتله، أو يؤذيه (وَلَا تَسْحَرُوا) بفتح الحاء المهملة، من باب قطع -: أي لا تفعلوا السّحر (وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا) أي لا تتعاملوا بالربا، ولا تأخذوه (وَلَا تَقْذِفُوا) بكسر الذال المعجمة، من باب ضرب: أي لا ترموا بالزنا (الْمُخْصَنَةَ) بفتح الصاد المهملة، وكسرها -: أي المرأة العفيفة عن الزنا (وَلَا تَوَلَّؤا) - بفتح المثناة الفوقيّة- أصله: تتولّوا، فحُذفت منه إحدى التاءين: أي لا تفرّوا (يَوْمَ الزَّخْفِ) بفتح الزاي، وسكون الحاء المهملة: أي يوم لقاء الجيش الكثير من العدو. (وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يُودُ) بحذف حرف النداء: أي يا يهود (أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) أي لا تتجاوزوا حدّ اللَّه تعالى فيه بالاصطياد (فَقَبَلُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ) أي قبل اليهوديّان، ومن معهم يدي النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، ورجليه، تعظيمًا، وإكرامًا له؛ لما ظهر لهم من دلائل نبوّته، وصِدق رسالته (وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٍّ، قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (فَمَا يَمْتَعُكُمْ أَنْ تَتَبِعُونِي؟) أي فإذا علمتم، وتحقّق لديكم نبوّتي، فما الذي يمنعكمٍ أن تدخلوا في دين الإسلام الذي تبيّن جئت به (قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ) عليه السلام (دَعَا بِأَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٍّ) أي فنحن ننتظر ذلك النبيّ، لنتبعه. وهذا من أكاذيبهم، وأباطيلهم، فإن داود عليه السلام يعلم بما أوحي إليه أن محمدًا صلَّى اللّه تعالى عليه وسلم سيكون خاتم الأنبياء، ولا يكون معه، ولا بعده نبيّ، وهو ليس من ذرّيّته، فلا يمكن أن يدعو بما زعموه، وعلى تقدير ثبوت ذلك منه، يُحمل على أنه دعا أن تكون النبوة في ذريته في الزمان الذي قبل نبيّنا صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم. وقال السنديّ رحمه اللّه تعالى: وهذا منهم تكذيب لقولهم: نشهد أنك نبيٍّ، وأنهم ما قالوه عن صدق اعتقاد، ضرورة أنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم كان يدعي ختم النبوة به صلّى الله تعالى عليه وسلم، فالقول بأنه نبيّ يستلزم صدقه فيه، وانتظار نبيّ آخر ینافیه، فانظر إلى تناقضھم و کذبهم. انتهى. (وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ اتَّبَعْنَاكَ، أَنْ تَقْتُلَنَا يُهُودُ) وهذا اعتذار آخر لتركهم الإيمان به صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وهو أيضًا اعتذارٌ باطلٌ؛ لأنهم لو أسلموا لكانوا معه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، ومع أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم، ولا تستطيع اليهود أن تقتلهم، كما لم يستطيعوا قتل عبد الله بن سلام رضي اللّه تعالى عنه حينما أسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث صفوان بن عسّال رضي اللّه تعالى عنه هذا ضعيف، لسوء حفظ عبد الله بن سَلِمَة . ٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٨/ ٤٠٨٠- وفي ((الكبرى)) ٣٥٤١/١٨. وأخرجه (ت) في ((الاستئذان)) ٢٧٣٣ و((التفسير)) ٣١٤٤ (ق) في ((الأدب)) ٣٧٠٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: زاد في ((الكبرى)) بعد إخراج هذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: وهذا حديث منكر. قال أبو عبد الرحمن: حُكي عن شعبة قال: سألت عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سَلِمة؟ فقال: تَعرِف، وتُنكر. قال أبو عبد الرحمن: وعبد الله بن سلمة الأفطس متروك الحديث. قال أبو عبد الرحمن: كان هذا الأفطس يطلُبُ الحديث مع يحيى بن سعيد القطّان، وكان من أسنانه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عبد الله بن سَلِمَة الأفطس هذا ليس من رجال الكتب الستّة، وإنما ذكره المصنف رحمه الله تعالى تمييزًا بينه وبين عبد الله بن سَلِمَة المذكور في هذا السند، وقد أشار للفرق بينهما بشيئين: [أحدهما]: أن الذي في السند تَعرِف، وتُنكِر، وأما الأفطس، فمترك الحديث. [والثاني]: أن الذي في السند متقدّم يروي عن صفوان بن عسّال، وغيره من الصحابة، والأفطس متأخر، كان من أقران يحيى القطّان، وزملائه في طلب الحديث. ثم هذا الذي قاله المصنّف من تضعيف الأفطس، قاله غيره، فقال يحيى القطّان: ليس بثقة. وقال الفلاس: كان وقّاعًا في الناس. وقال أحمد: ترك الناس حديثه، كان يجلس إلى أزهر، فيُحدّث أزهر، فيكتب على الأرض: كذب، كذب، وكان خبيث اللسان. وقال ابن المدينيّ: ذهب حديثه. وقال الفلاس: سمعته يقول: حدثني موسى ابن عُقبة، فذكرته ليحيى بن سعيد، فقال: لم يسمع منه، قدِم معنا المدينةَ، وقد مات موسى قبل ذلك. قال الفلاس: وهو متروك الحديث. وقال أبو حاتم: متروك. وقال الساجيّ: كان يحيى ينسبه إلى الكذب. وقال أبو أحمد: سكتوا عنه. وقال سعيد بن عمرو الْبَزْدعيّ، عن أبي زرعة: كان صدوقًا، ولكنه كان يقع في يحيى بن سعيد القطّان، وعبد الواحد بن زياد. وقال ابن عديّ: مع ضعفه يُكتب حديثه. ذكر هذا كلّه في ((لسان الميزان))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في بيان أقسام السحر: قال في ((الفتح)): قَال الرَّاغِب وَغَيْرِه: السِّخْرِ يُطْلَق عَلَى مَعَانٍ: (١) راجع ((الكبرى)) ٣٠٧/٢ رقم ٣٥٤١/١٨ . (٢) راجع ((لسان الميزان)) ٣٤٦/٣.