النص المفهرس

صفحات 361-380

٩- (ذِكْرُ اخْتِلَافِ طَلْحَةٍ بْن مُصَرفٍ، ... - حديث رقم ٤٠٤٧
٣٦١
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مذهب الجمهور في هذه المسألة هو الحقّ؛ لوضوح
أدلّته، وسيأتي تمام البحث في ذلك في ((كتاب القصاص))، إن شاء الله تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٦- (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدْفَنَا حَجَّاجْ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ جَارِيَّةً مِنْ الْأَنْصَارِ،
عَلَى حُلِيٍّ لَهَا، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيبٍ، وَرَضَخَ رَأْسَهَاَ بِالْحِجَارَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيِّ نَّهِ، أَنْ يُرْجَمَ
حَتَّى يَمُوتَ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((يوسف بن سعيد)): هو المصّيصيّ الثقة الحافظ
[١١] ١٩٨/١٣١، من أفراد المصنف.
و ((حجاج)): هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ. و((معمر)): هو ابن راشد.
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٧- (أَخْبَرَنَا زَكْرِيًّا بْنُ يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنِي عَلِيُّ
ابْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ
ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآَيَّةَ
[المائدة: ٣٣]، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ، قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ
عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، فَمَنْ قَتَلَ، وَأَفْسَدَ فِي
الْأَرْضِ، وَحَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ، قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَمْتَعْهُ ذَلِكَ، أَنْ
يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (زكريا بن يحيى) الحافظ المعروف بخيّاط السنّة، ثقة [١٢] ١١٦١/١٨٩، من
أفراد المصنّف.
٢- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠]
٠٢/٢
[تنبيه]: إسحاق هذا من شيوخ المصنّف، يروي عنه كثيرًا بلا واسطة، وقليلاً ما
يروي عنه بواسطة، كهذا الحديث، فتنبه.
٣- (عليّ بن الحسين) المروزيّ، صدوق تِهِم [١٠] ٣٥٢٦/٥٤.
٤- (أبوه) الحسين بن واقد، أبو عبد الله المروزيّ القاضي، ثقة له أوهام [٧] ٥٪
٤٦٣ .

٣٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
٥- (يزيد النحويّ) بن أبي سعيد، أبو الحسن المروزيّ، ثقة عابد [٦] ٣٥٢٦/٥٤،
[تنبيه]: ((النحويّ)) -بفتح، فسكون -: نسبة إلى نحو بطنٌ من الأزد، وليس نسبةً إلى
علم النحو المعروف، فتنبه. والله تعالى أعلم.
٦- (عكرمة) مولى ابن عباس البربريّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/
٣٢٥ .
٧- (ابن عباس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله کلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة إلى يزيد، والباقيان
مدنيان. (ومنها): أن فيه ابن عباس من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبّاس (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما (فِي) بيان
معنى (قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا جَزَُّؤْاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ أَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]) المحاربة
هي: المضادّة، والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة
السبيل، وكذا الإفساد في الأرض. قاله ابن كثير (١) (الْآيَةَ) يجوز فيها أوجه الإعراب:
الرفع على تقدير تُقرأ الآية بتمامها، والنصب على تقدير اقرأ الآية بتمامها، والجرّ على
تقدير إلى آخر الآية، وهذا الوجه ضعيف؛ لأن حذف الجارّ، وإبقاء عمله شاذّ (قَالَ)
ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما (نَزَّلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ) أي
من المشركين (قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ) أي طريق إلى
معاقبته (وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِم) أي لم تنزل في شأن محاربة المسلم، فإن
عقوبته لا تسقط بتوبته، كما بيّنه بقوله (َفَمَنْ قَتَلَ) من المسلمين (وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ)
بأخذ أموال الناس، ظلمهم (وَحَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) بقطع الطريق، وإخافة المسلمين (َثُمَّ
لَحِقَ بِالْكُفَّارِ، قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول (لَمْ يَمْتَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي
أَصَابَ) أي إذا جاء تائبًا بعد ذلك كلّه قبل أن يُقدر عليه.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هَذَا الذي قاله ابْن عَبَّاس، رضي اللّه تعالى عنهما،
(١) راجع ((تفسير ابن كثير) ٢/ ٥٠ .

٩- (ذِكْرُ اخْتِلاَفِ طَلْحَةٍ بْن مُصَرَفٍ، ... - حديث رقم ٤٠٤٧
٣٦٣
هو أحد الأقوال التي ذُكرت في معنى: هذه الآية الكريمة، وقد استوفى تلك الأقول
الإمام ابن جرير الطبريّ رحمه اللّه تعالى في ((تفسيره))، أحببت تلخيصه فيما يلي:
[القول الأول]: أن المعنى: إلا الذين تابوا من شركهم، ومناصبتهم الحرب لله،
ولرسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، والسعي في الأرض بالفساد بالإسلام، والدخول
في الإيمان من قبل قدرة المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من
العقوبات التي جعلها اللَّه جزاء لمن حاربه ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، من
قتل، أو صلب، أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفي من الأرض، فلا تِباعة قِبَله لأحد
فيما كان أصاب في حال كفره، وحربه المؤمنين في مال، ولا دم، ولا حرمة، قالوا:
فأما المسلم إذا حارب المسلمين، أو المعاهدين، وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة،
فلا تَضَعُ توبته عنه عقوبةً ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين اللَّه، وعلى الإمام إقامة الحدّ
الذي أوجبه الله عليه، وأخذه بحقوق الناس.
[القول الثاني]: أن هذه الآية الكريمة معنيّ بالحكم بها المحاربون الله ورسوله
الْحُرّاب من أهل الإسلام من قطع منهم الطريق، وهو مقيم على إسلامِهِ، ثم استأمن،
فأومن على جناياته التي جناها، وهو للمسلمين حرب، ومن فعل ذلك منهم مرتدا عن
الإسلام، ثم لحق بدار الحرب، ثم استأمن، فأومن، قالوا: فإذا أمنه الإمام على جناياته
التي سلفت لم يكن قِيَله لأحد تَبِعة في دم، ولا مال أصابه قبل توبته، وقبل أمان الإمام
إياه .
ثم أخرج بسنده، عَنْ الشَّغْبِيّ، أن حَارِثَة بْن بَذْر حارب في عهد عليّ بن أبي طالب،
فأتى الحسن بن علي، رضي اللَّه تعالى عنهما، فطلب إليه أن يستأمن له من عليّ،
فأبى، ثم أتى ابن جعفر، فأبى عليه، فَأَتَى سَعِيد بْن قَيْس الْهَمْدَانِيَّ، فأمنه، وضمّه
إليه،، وقال له: استأمن لي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال: فلما صلّى عليّ
الغداةَ أتاه سعيد بن قيس، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، ما جزاء الذين يحاربون الله
وَرَسُولِه؟ قَالَ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَعَ أَبْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ
مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، قال: ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ
عَلَهِمْ﴾، فَقَالَ سَعِيد: وَإِنْ كَانَ حَارِثَة بْنِ بَدْر؟، قال: وإن كان حارثة بن بدر، قَالَ:
فَهَذَا حَارِثَة بْنِ بَدْر، قَدْ جَاءَ تَائِيّا، فَهُوَ آمِنُ؟، قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَجَاءَ بِهِ إِلَيْهِ، فَبَايَعَهُ،
وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا .
فقال حارثة [من الطويل]:
أَلَا أَبْلِغَا هَمْدَانِ إِمَّا لَقِيتَهَا عَلَى النَّأْيِ لَا يَسْلَمْ عَدُوِّ يَعِيبُهَا

٣٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
لَعَمْرُ أَبِيهَا إِنَّ هَمْدَانَ تَثَّقِي الْب إِلَهَ وَيَقْضِي بِالْكِتَابِ خَطِيبُهَا
[القول الثالث]: أن معنى ذلك كلُّ من جاء تائبًا من الْحُرّاب قبل القدرة عليه،
استأمن الإمام، فأمّنه، أو لم يستأمنه بعد أن يجيء مستسلمًا تاركًا للحرب.
ثم أَخْرَجَ بسنده من طريق الْأَشْعَث، عن عامر الشعبيّ، قال: جاء رَجُل من مراد إلى
أَبِي مُوسَى، وهو على الكوفة، في إمرة عثمان رضي الله تعالى عنه بعد ما صلّى
المكتوبة، فقال: يا أبا موسى: هَذَا مَقَام الْعَائِذ بك، أَنَا فُلَان بْن فُلان المراديّ، وإني
كُنْتِ حَارَبَت اللَّه وَرَسُوله، وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت مِنْ قَبْل أَنْ يُقْدَر
عَلَيَّ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِنَّ هذا فُلَان بْنِ فُلَان، وإنه كَانَ مِمَّنْ حَارَبَ اللَّه وَرَسُوله،
وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب مِنْ قَبْل أَنْ يُقْدَر عَلَيْهِ، فمن لقيه فَلَا يَغْرِض لَهُ أَحَد
إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنْ يَكُ صَادِقًا، فَسَبِيلٍ من صدق، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا، تدركه ذنوبه، فأقام الرجل
ما شاء الله، ثم إنه خرج، فأدركه الله تعالى بذنوبه، فقتله.
[القول الرابع]: أن المستثنى في الآية هو التائب من حربه لله ورسوله، وسعيه في
الأرض بالفساد بعد لحاقه بدار الكفر، فأما إذا كانت حرابته، وحربه وهو مقيم في دار
الإسلام، وداخلٌ في غمارة الأمة، فليست توبته واضعةً عنه شيئًا من حدود الله عزّ
وجلّ، ولا من حقوق المسلمين والمعاهدين، بل يؤخذ بذلك.
[القول الخامس]: أنه إن كانت حرابته وحربه في دار الإسلام، وهو في غير مَنْعَة من
فئة يلجأ إليها، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته لا تضع عنه شيئًا من عقوبته، ولا
من حقوق الناس، وإن كانت حرابته، وحَزْبه في دار الإسلام، أو هو لاحقٌّ بدار الكفر،
غير أن في كلّ ذلك كان يلجأ إلى فئة تمنعه ممن أراده من سلطان المسلمين، ثم جاء
تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته تضع عنه كلّ ما كان من أحداثه في أيام حرابته تلك، إلا
أن يكون أصاب حدًّا، أو أمر الرُّفْقة بما فيه عقوبة، أو غُرْمٌ لمسلم، أو مُعاهد، وهو غير
ملتجىء إلى فئة تمنعه، فإنه يؤخذ بما أصاب من ذلك، وهو كذلك، ولا يضع ذلك عنه
توبته .
[القول السادس]: أن توبته تضع عنه حدّ اللَّه الذي وجب عليه بمحاربته، ولا يسقط
عنه حقوق بني آدم، وممن قال بذلك الشافعيّ، كما رواه عنه الربيع.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول
من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه، أو بجماعة معه قبل القدرة عليه تضع عنه تَبِعات
الدنيا التي كانت لزمته في أيام حَرْبه، وحرابته، من حدود اللَّه، وغُزْم لازم، وقَوَد،
وقصاص، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين، والمعاهدين بعينه، فيُردّ على

٩- (ذِكْرُ اخْتِلاَفِ طَلْحَةٍ بْن مُصَرفٍ، ... - حديث رقم ٤٠٤٧
٣٦٥ =
أهله؛ لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة لله ولرسوله الساعية
في الأرض فسادًا، جماعةً كانوا أو واحدًا.
فأما المستخفي بسرقته، والمتلَصْص على وجه اغتفال مَنْ سرقَهُ، والشاهر في خلاء
على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع، فإن حكم الله عليه، تاب،
أو لم يتُب ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله أو أصاب وليّه بدم، أو خَتْلِ مأخوذٌ، وتوبته
فيما بينه وبين الله جلّ وعزّ، قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك،
وهو للمسلمين سِلْمٌ، ثم صار لهم حَرْبًا أن حربه إياهم لن يضع عنه حقًّا لله عزّ وجلّ،
ولا لآدميّ، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء، أو باستخفاء، وهو غير ممتنع من
السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئةٌ يَلجأ إليها مانعةٌ منه.
وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَهِمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] دليلٌ
واضحّ لمن وُفَق لفهمه أن الحكم الذي ذكره اللَّه تعالى في المحاربين يجري في
المسلمين والمعاهدين، دون المشركين الذين قد نصبوا للمسلمين حربًا، وذلك أن ذلك
لو كان حكما في أهل الحرب من المشركين، دون المسلمين، ودون ذمّتهم لوجب أن
لا يُسقِط إسلامهم عنهم إذا أسلموا، أو تابوا بعد قدرتنا عليهم ما كان لهم قبل
إسلامهم، وتوبتهم، من القتل، وما للمسلمين في أهل الحرب من المشركين، وفي
إجماع المسلمين أن إسلام المشرك الحربيّ يضع عنه بعد قدرة المسلمين عليه ما كان
واضعه عنه إسلامه قبل القدرة عليه ما يدلّ على أن الصحيح من القول في ذلك قول من
قال: عُنِي بآية المحاربين في هذا الموضع حُرّابُ أهل الملّة، أو الذمّة، دون من سواهم
من مشركي أهل الحرب. انتهى كلام ابن جرير رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي رجّحه الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى في
تأويل هذه الآية هو الأرجح عندي؛ لقوّة مُتمسّكه، كما بيّنه هو. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
(١) ((تفسير ابن جرير الطبري)) ٢٧٧/١٠-٢٨٩. ((تفسير سورة المائدة)).

٣٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
١٠- (النَّهْيُ عَنِ الْمُثْلَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ظاهر صنيع المصنّف رحمه اللّه تعالى عنه في عقد
هذه الترجمة عقب الباب الماضي، كأنه يرجّح قول من قال: إن حديث العرنيين منسوخٌ
بحديث النهي عن المثلة، لكن تقدّم أن الراجح أنه ليس بمنسوخ، وأنه صلّى اللَّه تعالى
عليه وسلم إنما فعل بأولئك النفر ذلك قصاصًا، حيث فعلوا بالراعي ذلك، كما بيّنه
أنس رضي اللّه تعالى عنه في قوله السابق: ((إنما سَمَل النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم
أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة)). والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَتَا هِشَامٌ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ يَحُثُّ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّدَقَّةِ، وَيَنْهَى عَنِ
الْمُثْلَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (محمد بن المثنى) العنزيّ، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٦٤ /٨٠.
٢- (عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد التُّّوريّ، أبو سهل البصريّ، صدوق [٩]
١٧٤/١٢٢ .
٣- (هشام) بن أبي عبد الله سَتْبَر الدستوائيّ البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٣٠/
٣٤ .
٤- (قتادة) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت مدلّس [٤]٣٤/٣٠.
٥- (أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه٦/٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة.
(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ، يَحُثُ) من
باب نصر: أي يحرّض (فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّدَقَةِ) يعني أنه صلَّى اللّه تعالى عليه وسلم إذا
خطب كان يأمر الناس بأن يتصدّقوا، وفي حديث سمرة بن جندب، وعمران بن حصين

١٠ - (النَّهْيُ عَنِ المُثلَةِ) - حديث رقم ٤٠٤٨
٣٦٧ ==
رضي الله تعالی عنهم عند أحمد في «مسنده» - ٤٣٦/٤- بإسناد جيّد: ما خطبنا رسول
الله صلّى الله تعالى عليه وسلم خطبة، إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة)) (وَيَنْهَى عَنْ
الْمُثْلَةِ))) بضمّ الميم، وسكون المثلثة، وزان غُرفة -: قطع بعض أطراف الحيوان، وهو
حيّ. قال الفيّوميّ: مَثَلتُ بالقتيل مَثْلًا، من بابي قتل، وضرب: إذا جَدعته، وظهرتْ
آثار فعلك عليه تنكيلًا، والتشديد مبالغةٌ، والاسم: الْمُثْلة، وزان غُرفة. انتهى.
وقال ابن الأثير: يقال: مثلتُ بالحيوان أمثُلُ به مَثْلًا: إذا قطعت أطرافه، وشَوَّهتَ
به، ومَثَلْتُ بالقتيل: إذا جَدَعتَ أنفه، أو أُذنه، أو مذاكيره، أو شيئًا من أطرافه، والاسم
الْمُثْلة، فأمّا مثّل بالتشديد، فهو للمبالغة. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح، وإن كان في إسناده علّة، كما سيتضح
في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى عنه، أخرجه هنا-٤٠٤٨/١٠- وفي
(الكبرى)) ٣٥١٠/١٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): أعلّ الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) رواية المصنف هذه بان
فيها إدراجًا، فقال عند قول البخاريّ: ((قَالَ قَتَادَةُ: وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيِّ وَّ بَعْدِ ذَلِكَ كَانَ
يَحْثُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ)). فقال: ما ملخّصه:
هَذَا الْمَثْنُ جَاءَ مِنْ حَدِيثٍ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، عَنْ هَيَّاجِ بْن عِمْرَان، عَنْ
عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ، وَعَنْ سَمُرَةِ بْن ◌ُنْدُبِ، قَالَ: ((كَانَ رَسُول اللَّهِ وَهِ يَحُثُّنَا عَلَى
الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ
قَتَادَةَ، بِهذَا الْإِسْنَادِ وَاللَّفْظِ، وَفِيهِ قِصَّةَ(٢). وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ سَعِيد، عَنْ قَتَادَةَ،
بَهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى عِمْرَان بْنِ حُصَيْنٍ، وَفِيهِ الْقِصَّة، وَلَّفْظه: ((كَانَ يَحُثَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى
الصَّدَقَّةِ، وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ)). وَعَنْ سَمُرَة مِثْلِ ذَلِكَ. وَإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ قَوِيّ، فَإِنَّ
هَيَّاجًا - بِتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ وَآخِرُهُ جِيمٌ - هُوَ ابْنِ عِمْرَان الْبَصْرِيّ، وَثَّقَّهُ ابْنِ سَعْد، وَابْن
حِبَّانَ، وَبَقِيَّ رِجَاله مِنْ رِجَال الصَّحِيحِ. قال: وروي أيضًا مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن يَزِيد
الْأَنْصَارِيّ، قَالَ: (نَّى رَسُول اللَّهِ وَّهِ عَنْ الْمُثْلَة، وَالنُّهْبَى).
(١) ((النهاية)) ٢٩٤/٤.
(٢) سيأتي قريبًا ذكر القصّة، إن شاء الله تعالى.

٣٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
قال: وَقَدْ تَبَيِّنَ بِهَذَا أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَد بْنِ
عَبْد الْوَارِثِ، عَنْ هِشَام، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس، قَالَ: ((تََّى رَسُول اللَّهِ بَّهِ عَنْ الْمُثْلَة))،
إِذْرَاجًا، وَأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْحَدِيثِ، لَمْ يُسْنِدْهُ قَتَادَةُ، عَنْ أَنَس، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَلَاغًا،
وَلَمَّا نَشِطِ لِذِكْرِ إِسْنَادِهِ سَاقَهُ بِوَسَائِطَ إِلَى النَّبِّ ◌َّهِ. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى
عنه باالاختصار(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن الحديث، وإن كان في إسناده العلّةُ المذكورة،
صحيح، لأنه قد أخرجه البخاريّ في ((صحيحه))، من حديث عبد الله بن زيد
الأنصاري، فقال:
حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة،. حدثنا عدي بن ثابت، سمعت عبد الله ابن
يزيد الأنصاري -وهو جده أبو أمه- قال: ((نهى النبي ◌َّر، عن النهبى والمثلة)).
ومن حديث سمرة بن جندب، وعمران بن حصين، عند أبي داود، وأحمد، ولفظ أبي
داود من طريق قتادة، عن الحسن، عن الْهَيَّاج بن عمران، أن عمران أبق له غلام، فجعل لله
عليه، لئن قدر عليه ليقطعن يده، فأرسلني لأسأل له، فأتيت سمرة بن جندب، فسألته،
فقال: كان نبي اللَّه ◌َ ل ل يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة، فأتيت عمران بن حصين،
فسألته، فقال: كان رسول اللَّه وَ له يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة.
والحاصل أن حديث الباب صحيح من حديث هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى
عنهم، وأما من حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه، فقد عرفت أنه معلّ، فتبصّر. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١- (الصَّلْبُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الصَّلْب)) -بفتح الصاد المهملة، وسكون اللام -:
مصدر صَلَبَ، يقال: صلبت القاتل صَلْبًا، من باب ضرب: إذا شددت أطرافه وعلّقته
على شيء، فهو مصلوب، وصلّبته بالتشديد مبالغة. والله تعالى أعل بالصواب.
٤٠٤٩- (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ، عَنْ
(١) (فتح)) ٢٣١/٨-٢٣٢. (كتاب المغازي)). رقم الحديث ٤١٩٢.

-
١٢- (الْعَبْدُ يَأْبِقُ إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ، ... - حديث رقم ٤٠٥٠
٣٦٩ =
إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيِعٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَ لِّ، قَالَ: ((لَا يَجِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم، إِلَّا بِإِخْدَى ثَلَاثِ خِصَالِ: زَانٍ مُخْصَنْ يُرْجُمُ،
أَوْ رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا مُتَعَمِّدًا، فَيُقْتَلُ، أَوْ رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلاَمِ، يُحَارِبُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنْ الْأَرْضِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
العبّاس ابن محمد، فإنه من رجال الأربعة، وهو بغدادي ثقة حافظ.
و((أبو عامر العَقَديّ)): هو عبد الملك بن عمرو البصريّ. و((عبد العزيز بن رُفیع)): هو
أبو عبد الله المكيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤] ٢٩٩٧/١٩٠. و((عُبيد بن عُمير)): هو
أبو عاصم الليثيّ المكيّ، وُلد في عهد النبيّ صلّى الله تعالی علیه وسلم، وکان قاصّ
أهل مكة، مجمع على توثيقه.
والحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في ٤٠١٨/٥- فراجعه تستفد.
واستدلال المصنف رحمه الله تعالى به على ما ترجم له واضح، حيث إنه يدلّ على
مشروعيّة العقوبة بالصلب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
١٢- (الْعَبْدُ يَأْبِقُ إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ،
وَذِكْرِ اخْتِلَافٍ أَلْفَاظِ الْنَّاتِلِينَ لِخَبَرِ
جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مناسبة هذا الباب ((كتاب المحاربين)) أن العبد إذا أبق
إلى أرض الشرك، فهو في حكم المحارب، يقام عليه الحدّ، كما فعل جرير بن عبد الله
رضي اللّه تعالى عنه في قصته الآتية.
وقوله: ((يأبق)) بفتح الباء الموحدة، وكسرها، وسيأتي الكلام في ضبطه قريبًا، إن
شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
(الاخْتِلَافُ عَلَى الشَّغِيّ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن منصورًا رواه عن

٣٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
الشعبيّ، عن جرير، عن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، مرفوعًا، بلفظ: ((إذا أبق
العبد، لم تُقبل صلاة))، وتابعه مُغيرة في رواية جرير بن عبد الحميد عنه، وزاد: ((وإن
مات مات كافرًا))، وقصّةً إباق غلام جرير. وخالف جريرًا إسرائيلُ، فرواه عن مغيرة،
عن الشعبيّ بلفظ: ((إذا أبق العبد إلى أرض الشرك، فلا ذمّة له))، موقوفًا على جرير،
لكن الرفع هنا أرجح؛ لاتفاق منصور، ومغيرة في رواية عليه؛ ولذا أخرج مسلم في
((صحيحه)) رواية جرير، عن مغيرة. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٥٠- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ الشّعْبِيّ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ :
((إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ، لَّمْ تُقْبَلْ لَهُ صِّلَاةٌ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة
[١٠] ٣٧/٣٣ .
٢- (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ الحافظ، ثقة [٩] ١٣/
٣٤٣ .
٣- (شعبة) بن الحجّاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤.
٤- (منصور) بن عبد الرحمن الغُدانيّ بضم الغين المعجمة، وتخفيف الدال المهملة-
الأشلّ البصريّ، صدوقٌ بِهِم [٦].
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صالحٌ، روى عنه شعبة، قلت: ثقة؟ قال: حدّث
عنه شعبة، وإسماعيل، إلا أنه يُخالف في أحاديث، وهو ثقة، ليس به بأس. وقال ابن
معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به.
وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له مسلم، وأبو داود،
والمصنّف .
قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)): وفي الرواة خمسة، يقال لكلّ واحد
منهم: منصور بن عبد الرحمن، هذا أحدهم. انتهى (١).
[تنبيه]: كون منصور في هذا السند، هو ابن عبد الرحمن المترجم آنفًا هو الذي
يظهر لي؛ لأن مسلمًا أخرج الحديث في ((صحيحه)) عن عليّ بن حجر السعديّ، عن
إسماعيل ابن عليّة، عن منصور بن عبد الرحمن المذكور، عن الشعبيّ، عن جرير رضي
(١) (شرح مسلم)) ٥٩/٢. (كتاب الإيمان)).

١٢- (الْعَبْدُ يَأْبِقُ إِلَى أَرْض الشِّرْكِ، ... - حديث رقم ٤٠٥٠
٣٧١
الله تعالى عنه، فالظاهر أنه المراد في سند المصنّف أيضًا. ويحتمل أن يكون هو ابن
المعتمر؛ وهو الذي يؤيّده صنیع أصحاب كتب الرجال، ك(تهذيب الكمال))، وتهذيب
التهذيب))، و((التقريب))؛ حيث إنهم لم يرمزوا للمصنّف في ترجمة منصور بن
عبد الرحمن المذكور، بل رمزوا لمسلم، وأبي داود فقط. فيتأمّل. والله تعالى أعلم.
٥- (الشعبيّ) عامر بن شراحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣]
٦٦ /٨٢ .
٦- (جرير) بن عبد الله بن جابر البجليّ الأحمسيّ الصحابيّ المشهور، مات رضي
الله تعالى عنه سنة (٥١) وقيل: بعدها، تقدّم في ٥١/٤٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير شيخه، فبغداديّ، والشعبيّ،
وجرير، فكوفیان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَرِيرٍ) بن عبد اللَّه رَّثِ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ) بفتح
الباء الموحّدة، وكسرها، قال الفيّوميّ: أَبق العبدُ أبقًا، من بابي تَعِبَ، وقَتَلَ في لغة،
والأكثر من باب ضَرَب: إذا هرب من سيّده، من غير خوفٍ، ولا كدّ عملٍ، هكذا قيّده
في ((العين))، وقال الأزهريّ: الأَبْقُ: هُرُوب العبدِ من سيّده، والإباق بالكسر -: اسم
منه، فهو آبقٌ، والجمعُ أَبَاقٌ، مثلُ كافر وكُفّار. انتهى. وقال النوويّ: ويقال: أبق
العبد، وأبِقَ بفتح الباء، وكسرها لغتان مشهورتان، الفتح أفصح، وبه جاء القرآن: ﴿إِذّ
أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. انتهى(١).
وفي رواية مغيرة الآتية: ((إذا أبق العبد إلى أرض الشرك، فلا ذمّة له))، وفي رواية
أبي إسحاق الآتية: ((أيما عبد أبق إلى أرض الشرك، فقد حلّ دمه))، وفي رواية له: ((أيما
عبد أبق من مواليه، ولَحِقَ بالعدوّ، فقد أحلّ بنفسه)).
(لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ) قيل: القبول أخصّ من الإجزاء، فإن القبول هو أن يكون العملُ
سببًا لحصول الأجر، والرضا، والقرب من الله تعالى، والإجزاء كونه سببًا لسقوط
التكليف عن الذّمّة، فصلاة العبد الآبق صحيحة مجزئة لسقوط التكليف عنه بها، لكن لا
(١) (شرح صحيح مسلم)) ٥٩/٢. (كتاب الإيمان)).

٣٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
أجر له عليها، لكن باقي روايات الحديث تدلّ على أن المراد إذا أبق بقصد اللحاق بدار
الحرب؛ إيثارًا لدينهم، ولا يخفى أنه حينئذ، يصير كافرًا، فلا تُقبل له صلاة، ولا
تصحّ، لو فُرض أنها صلّاها. قاله السنديّ رحمه اللَّه تعالى(١).
وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): أول الإمام المازريّ، وتبعه القاضي عياض رحمهما
الله تعالى هذا الحديث على أن ذلك محمول على المستحلّ للإباق، فيكفر، ولا تُقبل
له صلاة، ولا غيرها، ونبه بالصلاة على غيرها. وأنكر الشيخ أبو عمرو يعني ابن
الصلاح- هذا التأويل، وقال: بل ذلك جارٍ في غير المستحلّ، ولا يلزم من عدم القبول
عدم الصحّة، فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة، فعدم قبولها لهذا الحديث، وذلك
لاقترانها بمعصية، وأما صحتها، فلوجود شروطها، وأركانها المستلزمة صحّتها، ولا
تناقض في ذلك، ويظهر أثر عدم القبول في سقوط الثواب، وأثر الصّحّة في سقوط
القضاء، وفي أنه لا يُعاقب عقوبة تارك الصلاة. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو رحمه
الله تعالى. قال النوويّ: وهو ظاهر لا شكّ في حسنه، وقد قال جماهير أصحابنا: إن
الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة، لا ثواب فيها، ورأيت في ((فتاوى أبي نصر بن
الصّاغ» من أصحابنا التي نقلها عنه ابن أخيه الْقَاضِي أَبُو مَنْصُورَ، قَالَ: الْمَحْفُوظُ مِنْ
كَلَامِ أَصْحَابنَا بِالْعِرَاقِ، أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ صَحِيحَة، يَسْقُطْ بِهَا الْفَرْضِ، وَلَا
ثَوَابِ فِيهَا. قَالَ أَبُو مَنْصُور: وَرَأَيْت أَصْحَابَنَا بِخُرَاسَانِ اخْتَلَفُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا
تَصِحُ الصَّلَاة. قَالَ: وَذَكَرَ شَيْخُنَا فِي ((الْكَامِلِ)) أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ، وَيَحْصُلِ الثَّوَابِ عَلَى
الْفِعْلِ، فَيَكُون مُثَابًا عَلَى فِعْله، عَاصِيًا بِالْمُقَامِ فِي الْمَغْصُوبِ، فَإِذَا لَمْ نَمْنَع مِنْ صِحَّتهَا،
لَمْ نَمْنَع مِنْ حُصُول الثَّوَابِ. قَالَ أَبُو مَنْصُور: وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى طَرِيق مَنْ
صَحَّحَهَا. وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي نقله النوويّ هذا من الشيخ أبي عمرو،
واستظهره، وحسّنه فيه نظر لا يخفى، بل تأويل المازريّ، والقاضي عياض هو
الواضح؛ لأن روايات حديث الباب تدلّ عليه، كقوله: ((إلى أرض الشرك))، وقوله:
((ولحق بالعدو))، فإن هذا ظاهر في كونه ارتد عن الإسلام، وهو رأي المصنف رحمه
اللَّه تعالى، حيث أورده في ((كتاب المحاربين))، وترجم له بقوله: ((العبد إلى أبق إلى
أرض الشرك))، فالحقّ أن المراد بالآبق في حديث الباب هو الذي هرب إلى المشركين،
ولحق بدار الحرب، فلو فرضنا أنه صلى الصلوات في تلك الحالة، فإنها لا تصخ.
(١) ((شرح السنديّ)) ٧/ ١٠٢ - ١٠٣ .
-

١٢- (الْعَبْدُ يَأْبِقُ إِلَى أَرْض الشركِ،
٠٠ . - حديث رقم ٤٠٥٠
٣٧٣ =
وما ذكره من أن الصلاة في الدار المغصوبة تصحّ، مما لا دليل عليه، وقد خالف
الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فقال: إنها لا تصحّ، ولا يسقط بها الطلب، وهو
الأصحّ، كما ذكرته في ((شرح الكوكب الساطع)) في الأصول، عند قوله:
كُرْهَا فِفِي الْوَقْتِ الصَّلَاةُ تَبْطُلُ
مُطْلَقُ الأَمْرِ عِنْدَنَا لَا يَشْمَلُ
أَمَّا الَّذِي جِهَاتُهُ تَعَدَّدَا
مِثْلُ الصَّلَاةِ فِي مَكَّانِ اعْتَدَى
وَلَا ثَوَابَ عِنْدَهُمْ فِي الأَشْهَرِ
فَإِنَّا تَصِحُ عِنْدَ الأَكْثَرِ
وَقِيلَ لَاتَصِحُ لَكِنْ حَصَلَا سُقُوطُهُ وَالْحَتْبَلِيُّ لَا وَلَا
وقوله: ((والحنبلي لا لا)) أي قال الإمام أحمد ◌ّْلهُ: لا تصح الصلاة، ولا ثواب
فيها، وهو الحقّ. والله تعالى أعلم.
(حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِیهِ) أي إلى يرجع إلى مواليه تائبًا، فإذا رجع تائبًا قُبلت توبته؛
لحديث ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، مرفوعًا: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب
له))، أخرجه ابن ماجه(١).
[تنبيه]: زاد مسلم في روايته بعد تخريج طريق منصور بن عبد الرحمن، موقوفة على
جرير -: ما نصه: ((قَالَ مَنْصُور: قَدْ وَاَللَّه، رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ وَه وَلَكِنِّي أَكْرَه أَنْ يُرْوَى
عَنِّي هَاهُنَا بِالْبَصْرَةِ)).
قال النوويّ في ((شرحه)): مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْصُورًا، رَوَى هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ الشَّغْبِيِّ، عَنْ
جَرِيرٍ، مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ مَنْصُورٌ - بَعْد رِوَايَته إِيَّهُ مَوْقُوِفًا: وَاَللَّه إِنهَ مَرْفُوعْ إِلَى النَّبِيِّ
وَهِ، فَاعْلَمُوهُ أَيَّا الْخَوَاصُّ الْحَاضِرُونَ، فَإِنِّي أَكْرَه أَنْ أَصَرِّحَ بِرَفْعِهِ فِي لَفْظِ رِوَايَتِي،
فَيَشِيعِ عَنِّي فِي الْبَصْرَةِ، الَّتِي هِيَ مَمْلُوءَة مِنْ الْمُعْتَزِلَة، وَالْخَوّارِجِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِتَخْلِيدِ
أَهْلِ الْمَعَاصِي فِي النَّار، وَالْخَوَارِجُ يَزِيدُونَ عَلَى التَّخْلِيدِ، فَيَحْكُمُونَ بِكُفْرِهِ، وَلَهُمْ شُبْهَةٌ
فِي التَّعَلَّق بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا تَأْوِيلَهُ، وَبُطْلَانَ مَذَاهِبِهِمْ، بِالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَةِ
الْوَاضِحَةِ، الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي مَوَاضِع مِنْ هَذَا الْكِتَاب. وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ(٢).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
(١) حديث حسنٌ، أخرجه ابن ماجه، وفيه أبو عبيدة بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه، وهو منقطع،
لکن له شواهد.
(٢) (شرح مسلم)) ٥٦/٢. (كتاب الإيمان)).

٣٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
حديث جرير بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢/ ٤٠٥١ و ٤٠٥٢ و ٤٠٥٣ و ٤٠٥٤/١٣ و ٤٠٥٥ و٤٠٥٦ و ٤٠٥٧
و٤٠٥٨- وفي ((الكبرى)) ٣٥١٢/١٢ و٣٥١٣ و٣٥١٤ و٣٥١٥/١٣ و٣٥١٦ و٣٥١٧
و٣٥١٨ و٣٥١٩. وأخرجه (م) في ((الإيمان)) ٦٨ و٦٩ و٧٠ (د) في ((الحدود)) ٤٣٦٠.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان أن العبد إذا أبق إلى أرض
الشرك، فهو في حكم المحارب، فيُقتل، كما فعله جرير رضي اللَّه تعالى عنه.
(ومنها): أن صلاة الآبق غير مقبولة، إلى أن يرجع إلى مواليه. (ومنها): أن الرضى
بالكفر كفر؛ لأن العبد الآبق لما هرب إلى دار الكفر راضيًا به، صار مرتدًا. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ الشَّغْبِيِّ، قَالَ: كَانَ
جَرِيرٌ يُحَدِّثُ، عَنْ النَِّيِّ نَّهِ: ((إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ، لَمَّ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ، وَإِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا»،
وَأَبَقَ غُلَامٌ لِجَرِيرٍ فَأَخَذَّهُ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد
تفرّد به هو وأبو داود، وهو مِصّيصيّ ثقة. و((جرير)): هو ابن عبد الحميد. و((مُغيرة)): هو
ابن مِقْسم الضبّيّ الكوفيّ.
وقوله: ((وإن مات مات كافرًا)): أي لارتداده باللحوق بأرض الشرك راضيًا بالشرك،
والله أعلم.
والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٣- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَنْبَنَا
إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ((إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إِلَى أَرْضٍ
الشّرْكِ، فَلَا ذِمَّةً لَهُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه
من أفراده، وهو ثقة حافظ. و((عبيد الله بن موسى)): هو العبسيّ الكوفيّ، من كبار
شيوخ البخاريّ. و((إسرائيل)): هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ.
وقوله: ((فلا ذمّة له))، وفي رواية مسلم: ((فقد برئت منه الذمّة)). قال القرطبيّ: أي

١٣- (الاختلافُ علی ابِي إِسْحَاقَ) - حديث رقم ٤٠٥٤
٣٧٥ ===
ذمّة الإيمان وعهده، وخَفَارته، إن كان مستحلّاً للإباق، فيجب قتله بعد الاستتابة؛ لأنه
مرتدّ، وإن لم يكن كذلك، فقد خرج عن حُرمة المؤمنين وذمّتهم، فإنه تجوز عقوبته
على إباقه، وليس لأحد أن يحول بين سيّده وبين عقوبته الجائزة، إذا شاءها السيّد.
(١)
انتھی(١).
وقال النوويّ: قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: الذمة هنا يجوز أن تكون هي
الذّمّة المفسّرة بالدمام، وهي الحرمة. ويجوز أن يكون من قبيل ما جاء في قوله: ((ذمّة
الله تعالى، وذمَّةُ رسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم)): أي ضمانه، وأمانته، ورعايته،
ومن ذلك أن الآبق كان مصونًا عن عقوبة السيّد له، وحبسه، فزال ذلك بإباقه.
انتھی(٢).
والحديث صحيح مرفوعًا، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أُنیب)».
١٣ - (الاخْتِلَافُ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن عبد الرحمن بن حُميد
رواه عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن الشعبيّ، عن جرير بن عبد الله، عن النبيّ صلّى الله
تعالى عليه وسلم، مرفوعًا، وتابعه إسرائيل في رواية قاسم بن يزيد، وخالفه في رواية
خالد بن عبد الرحمن الخراسانيّ، وأحمد بن خالد الوهبيّ، عنه، فجعله موقوفًا على
جرير، وتابعه شريك بن عبد الله النخعيّ.
لكن تقدّم في الباب الماضي أن الرفع هو الأرجح. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٥٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنْ الشَّغْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَهِ: ((إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إِلَى أَرْضٍ
الشّرْكِ، فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ))).
(١) ((المفهم)) ٢٥٦/١. (كتاب الإيمان)).
(٢) (شرح مسلم)) ٥٨/٢. ((كتاب الإيمان)).

٣٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا.
و ((حميد بن عبد الرحمن)): هو الرُّؤاسيّ، أبو عوف الكوفيّ، ثقة [٨] ٤٩٧/٢.
و((أبو حميد)): هو عبد الرحمن بن حُميد بن عبد الرحمن الرؤاسيّ الكوفيّ، ثقة [٧]
٧٩٨/١٧ .
والحديث صحيح.
[فإن قيل]: كيف يصحّ، وفيه عنعنة أبي إسحاق؟.
[أجيب]: بأنه لم يتفرّد بروايته، بل تابعه المغيرة عن الشعبيّ، كما سبق في الباب
الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٥- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنْ الشَّعْبِيّ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ النَِّيِّ بَّهِ: ((قَالَ إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إِلَى أَرْضِ الشَّرْكَ،
فَقَّدْ خَلَّ دَمُهُ»).
((أحمد بن حرب)): هو الطائيّ الموصليّ، صدوقٌ [١٠] ١٣٥/١٠٢ من أفراد
المصنّف .
و((قاسم)): هو ابن يزيد الْجَزْميّ، أبو يزيد الْمَوصِليّ، ثقة عابد [٩] ١٣٥/١٠٢ من
أفراد المصنّف أيضًا.
[تنبيه]: سقط عن هذا السند من نسخ ((المجتبى)) قوله: ((عن الشعبيّ))، وهو غلطٌ
فاحشٌ، والصواب إثباته، كما هو في ((الكبرى)) ٢/ ٣٠٠، و((تحفة الأشراف)) ٤٢٤/٢-
٤٢٥. فتنبه. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٦- (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ
إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الشَّعْبِيّ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: ((أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ إِلَى أَرْضٍ
الشّرْكِ، فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ»).
((الربيع بن سليمان)): هو المراديّ المؤذِّن، صاحب الشافعيّ، أبو محمد المصريّ،
ثقة [١٠] ١٩٥/ ٣١١ .
و((خالد بن عبد الرحمن))، الْخُرَاسانيّ، أبو الْهَيْئم، ويقال: أبو محمد الْمُرُّوذيّ،
سكن ساحل دمشق، صدوقٌ، له أوهام [٩] .
قال يزيد بن عبد الصمد، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن صاعد: حدّثنا بحر بن
نصر، ومحمد بن عبد الله بن الحكم، قالا: حدّثنا خالد، وكان ثقة. وقال أبو رزعة،

١٣- (الاختلافُ علی ابِي إِسْحَاقَ) - حديث رقم ٤٠٥٨
٣٧٧
وأبو حاتم: لا بأس به، زاد أبو حاتم: كان ابن معين يُثني عليه خيرًا. وقال ابن عديّ:
ليس بذاك. وقال العقيليّ: في حفظه شيء، ثم ذكر له حديثًا مُعلّلًا، رُوي على وجوه.
قال الحافظ: ولعلّ الخطأ من غيره. تفرّد به المصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط،
وأبو داود، وله عنده حدیث واحد.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)): ((خالد عن عبد الرحمن))، وهو
تصحيف فاحشٌ، تصحّفت على الناسخ كلمة ((ابن)) إلى ((عن))، والصواب: ((خالد بن
عبد الرحمن))، وهو الذي في ((النسخة الهندية)) ١٦٨/٢، و((الكبرى)) ٣٠٠/٢، و((تحفة
الأشراف)) ٢/ ٤٢٥. فتنبه. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح مرفوعًا، كما تقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٧- (أَخْبَرَنِي (١) صَفْوَانُ بْنُ عَمْرِو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: ((أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ إِلَى أَرْضٍ
الشّرْكِ، فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((صفوان بن عمرو)): هو الحمصيّ الصغير (٢)،
صدوق [١١] ٢٣٣٠/٦٧ من أفراد المصنف. و((أحمد بن خالد)): هو الوهبيّ
الكنديّ، أبو سعيد، صدوقٌ [٩] ٢٣٠٠/٥٦.
والحديث صحيح، مرفوعًا، كما مرّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٨- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرٍ،
عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: ((أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ، وَلَحِقَ بِالْعَدُوِّ، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((شريك)): هو ابن عبد الله النخعيّ الكوفيّ القاضي.
و((عامر)): هو الشعبيّ المذكور قبلُ.
وقوله: ((لحِق)) بكسر الحاء المهملة، من باب تَعِب -: أي أدرك الكفّارَ، والتجأ إليهم.
وقوله: ((فقد أحلّ بنفسه)): أي قد أنزل على نفسه ما يستحقّ به العقوبة. والله تعالى
أعلم.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) أما الكبير فهو صفوان بن عمرو بن هِرَم السكسكيّ، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة [٥] تقدم في ١١٢/
٢٠٥٣ .

٣٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنيب)».
١٤ - (الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدْ)
٤٠٥٩- (أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ، أَخْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مَطَرِ الْوَرَّاقِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ ابْنِ
عُمَرَ، أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلَّ
بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَائِهِ، فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ، أَوْ قَتَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، أَوْ ارْتَدَّ
بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو الأزهر، أحمد بن الأزهر النيسابوريّ)): هو
العبديّ، صدوق، كان يحفظ، ثم كبر، فصار كتابه أثبت من حفظه [١١] ١٨٠٢/٦٦
من أفراد المصنّف، وابن ماجه.
و((إسحاق بن سليمان الرّازيّ)): هو أبو يحيى كوفيّ الأصل، ثقة فاضل [٩] ١١/
١٦٢٣ .
و ((المغيرة بن مسلم)) الْقَسْمليّ بقاف، وميم، مفتوحتين، بينهما سين مهملة ساكنة-
أبو سلمة السّرّاج بتشديد الراء - المدائنيّ، مروزيّ الأصل، صدوق [٦].
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما أرى به بأسًا. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن
معين: صالح. وقال الغلّابيّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث،
صدوقٌ. وقال العجليّ: ثقة. وقال الدارقطنيّ: لا بأس به. وقال يونس بن حبيب:
حدّثنا أبو داود الطيالسيّ، حدّثنا المغيرة بن مسلم، وكان صدوقًا مسلمًا. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات)).
روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والترمذي، وابن ماجه، وله عند
المصنّف ثلاثة أحاديث: حديث الباب، وحديث جابر رضي الله تعالى عنه في ((كتاب قطع
السارق)» ٤٩٧٧/١٣ وحديث معاوية رضي الله تعالى عنه في ((كتاب الزينة)) ٤٠/ ٥١٥٤.
و((مطر)): هو ابن طهمان السلميّ مولاهم، أبو رجاء الخراسانيّ، سكن البصرة،
صدوقٌ كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦] ٣٢٧٦/٣٨ . و(نافعٌ)): هو مولى
ابن عمر. و((ابن عمر)): هو عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنهما.

=
٣٧٩
١٤- (الْحُكْمُ فِي المُرْتَدَ) - حديث رقم ٤٠٦١
وقوله: إلا بإحدى ثلاث)): أي بسبب خصال ثلاث. وقوله: ((رجل)) يجوز جرّه
على البدليّة، وقطعه إلى الرفع بتقدير مبتدإ: أي إحداها رجل، وهو على حذف
مضاف، أي خصلة رجل الخ، أو النصب بتقدير فعل، ولا يمنع كونه بصورة المرفوع؛
لإمكان جعله على لغة ربيعة: أي أعني رجلًا. وقوله: ((أو قتل الخ)) صفة لرجل
محذوف دلّ عليه ما قبله، أو رجل قتل الخ، وكذا قوله: ((أو ارتد الخ)).
والحديث صحيح، وهو بهذا السند من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، وقد سبق
شرحه، وبيان مسائله في ٥/ ٤٠٢٠- فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٠- (أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنِ ابْنُ
جُرَيْج، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ وَّهِ، يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلَّا بِثَلَاثٍ: أَنْ يَزْنِيَ بَعْدَ مَا أُخْصِنَ، أَوْ يَقْتُلَ
إِنْسَانًا فَيُقْتَلَ، أَوْ يَكْفُرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ فَيَقْتَلُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((مؤمّل بن إهاب)): هو الرَّبَعيّ العجليّ،
أبو عبد الرحمن الكوفيّ، نزيل الرَّمْلَة، أصله من كرمان، صدوقٌ له أوهام [١١] ٤٥/
٥٩٣. و((عبد الرزاق)): هو ابن همّام الصنعانيّ. و((أبو النضر)): هو سالم بن أبي أُميّة،
مولى عمر بن عبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ١٢١/٩٨. و«بسر بن سعيد)»:
هو العابد المدنيّ، مولى ابن الحضرميّ، ثقة جليلٌ [٢] ١١/ ٥١٧ .
والحديث في سنده انقطاعٌ على ما قيل، قال ابن أبي حاتم في ((العلل)): سمعت أبي
يقول: بسر بن سعيد، عن عثمان مرسل. انتهى. ذكره الحافظ في ((النكت الظراف)) ٧/
٢٤٧ .
لكنه صحيح بشواهده، فإن الحديث الذي قبله يشهد له، وكذا ما تقدّم في ٤٠١٨/٥ .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦١- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمران
ابن موسى القزّاز الليثيّ، أبي عمرو البصريّ، وقد وثّقه هو وغيره. والسند مسلسلٌ
بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب السختيانيّ، عن عكرمة، وفيه ابن
عبّاس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وتقدّموا
غير مرّة. والله تعالى أعلم.

٣٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
شرح الحديث
(عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبّاس، أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِنَّهِ: ((مَنْ
بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) ((من)) شرطية مبتدأ، وجوابها: ((فاقتلوه))، وهو الخبر على الراجح.
وهو عامّ يُخصّ منه من بدل دينه في الباطن، ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر، فإنه تجرى
عليه أحكام الظاهر، ويُستثنى منه أيضًا من بدّل دينه في الظاهر، مكرهًا. أفاده في
((الفتح))(١).
وعمومه أيضًا يشمل الأنثى، ومنهم من خصّ الذكر؛ لما جاء من النهي عن قتل
النساء في الحرب، والصحيح الأول، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة، إن شاء الله
تعالی .
والمراد بالدين هو الدين الإسلام الذي هو الدين الحقّ الذي رضيه اللّه تعالى لعباده،
حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ
اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ الآية، فلا يشمل عموم هذا الحديث كلّ الأديان، فمن انتقل من اليهوديّة،
إلى النصرانيّة، أو غيرها من ملل الكفر، أو بالعكس، لا يقتل بذلك، وهذا الراجح،
وفيه خلافٌ، سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٤ / ٤٠٦١ و٤٠٦٢ و٤٠٦٣ و ٤٠٦٤ و٤٠٦٥ و٤٠٦٧ - وفي
((الكبرى)) ٣٥٢٢/١٤ و٣٥٢٣ و٣٥٢٤ و٣٥٢٥ و٣٥٢٦ و٣٥٦٧ و٣٦٥٨ . وأخرجه
(خ) في ((الجهاد والسير)) ٣٠١٧ و((استتابة المرتدين)) ٦٩٢٢ (د) في ((الحدود)) ٤٣٥١
(ت) في ((الحدود)» ١٤٥٨ (ق) في ((الحدود)) ٢٥٣٥ (أحمد) في ((مسند بني هاشم))
١٨٧٤ و٢٥٤٧ و٢٩٦٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم المرتدّة:
قَالَ ابْنِ الْمُنْذِر: قَالَ الْجُمْهُور: تُقْتَل الْمُرْتَدَّة، وَقَالَ عَلِيّ: تُسْتَرَقْ، وَقَالَ عُمَر بْنَ
(١) (فتح)) ١٤ / ٢٧٢-٢٧٣ ((كتاب استتابة المرتدين) رقم الحديث ٦٩٢٢.