النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ = ٥- (ذِكْرُ مَا يَحِلُّ بِهِ دَمُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤٠٢٠ الدار. أفاده في ((القاموس)) (فَدَخَلَ عُثْمَانُ يَوْمًا) أي دخل ذلك المكان، ففي رواية أحمد: ((فدخل ذلك المدخل)) (ثُمَّ خَرَجَ) ولفظ أحمد: ((وخرج إلينا)) (فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَتَوَاعَدُونِي بِالْقَتْلِ) من المواعدة، ولفظ أحمد: ((إنهم يتوعدوني بالقتل آنفًا))، من التوعّد: أي يتهدّدوني، يقال: توعّدته: تهدّدته، والمعنى أنهم يهدّدونه بأن يقتلوه، والقاتلون هم أهل مصر. وسبب قتله - كما ذكره في ((الإصابة)) أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلّها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد الله بن سعيد بن أبي سَرْح، وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان من حجّ منهم يشكو من أميره، وكان عثمان ليّن الْعَرِيكة(١)، كثير الإحسان والحلم، وكان يستبدل ببعض أمرائه، فيُرضيهم، ثم يُعيده بعدُ، إلى أن دخل أهل مصر يشكون من ابن أبي سَرْح، فعزله، وكتب لهم كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصّديق، فرضُوا بذلك، فلما كانواً في أثناء الطريق، رأوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سَرْح، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب، ورجعوا، وواجهوه به، فحلف أنه ما كتب، ولا أذن، فقالوا: سَلْمْنا كاتبك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمّه، فغضبوا، وحصَرُوه في داره، واجتمع جماعةٌ، يحمونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال، إلى أن تسوّروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه، فقتلوه، فعظُم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، فكان ما كان، وبالله تعالى (٢) . المستعان. انتهى (قُلْنَا: يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، قَالَ: فَلِمَ يَقْتُلُونْي؟، سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ) وفي رواية للإمام أحمد رحمه الله تعالى في ((مسنده)) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن مجبر، عن أبيه، عن جده، أن عثمان رضي الله عنه، أشرف على الذين حصروه، فسلم عليهم، فلم يردّوا عليه، فقال عثمان رضي الله عنه: أفي القوم طلحة؟ قال طلحة: نعم، قال: فإنا لله وإنا إليه راجعون، أُسَلْم على قوم، أنت فيهم، فلا ترُدُّون؟ قال: قد رددتُ، قال: ما هكذا الردُّ، أسمعك ولا تسمعني، يا طلحة أَنشُدُك اللَّهَ، أسمعت النبيَّ وَلَه يقول: ((لا يُحِلُّ دمَ المسلم، إلا واحدة من ثلاث، أن يكفر بعد إيمانه، أو يزني بعد إحصانه، أو يَقتُل نفسا فيقتل بها)»، قال: اللَّهم نعم، فكبّر عثمان، فقال: والله ما أنكرت الله منذ عرفته، ولا زنيت، في جاهلية ولا إسلام، وقد تركته في (١) يقال: رجلٌ لَيْنُ العَرِيكة: سَلِسُ الخُلُق. اهـ ق. (٢) ((الإصابة)) ٣٩٢/٦-٣٩٣. ٣٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ الجاهلية تَكَرُّهَا، وفي الإسلام تَعَفّفًا، وما قتلت نفسًا، يحل بها قتلي. (لا یحلّ دمُ امْرِئٍ مُسْلِم) المراد قتلہ إلّا پإخدی ثَلاث) أي إلا بسبب إحدی ثلاث خصال (رَجُلٌ) يجوز جرّه عَلى البدليّة، ورفعه على أنه خبر لمحذوف، وهو على حذف مضاف: أي إحداها خصلة رجل (كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ) أي ارتد عن الإسلام، وهو بمعنى الحديث الآتي: ((من بدل دينه، فاقتلوه)» (أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ) المراد بالإحصان هنا أن يتزوّج نكاحًا صحيحًا، ويدخل بالمرأة (أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ) أي بغير قتل نفس معصومة الدم (فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ، وَلَا إِسْلَام) زاد في رواية أحمد السابقة: ((وقد تركته في الجاهلية تَكَرُّهَا، وفي الإسلام تَعَفَّفًا)) (وَلَا تَمَنَّيْتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلًا، مُنْذُ هَدَانِيَ اللَّهُ) وفي رواية أحمد المذكورة: ((والله ما أنكرت اللَّهَ منذ عرفته)) (وَلَّا قَتَلْتُ نَفْسًا) وما قتلت نفسًا، يحل بها قتلي (فَلِمَ يَقْتُلُونَنِي؟) على لفظ الاستفهام الإنكاريّ، يعني أن أسباب القتل هي المذكورة في هذا الحديث، وعثمان رضي اللّه تعالى عنه ما ارتكب شيئًا منها يوجب قتله، فلذلك استنكر عليهم تجمعهم لقتله، ولكنّهم ما انكفّوا عنه، بل قتلوه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥/ ٤٠٢٠ و٤٠٥٩/١٤ و٤٠٦٠ - وأخرجه (د) في ((الديات)) ٤٥٠٢ (ت) في ((الفتن)) ٢١٥٨ (ق) في ((الحدود)) ٢٥٣٣ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٤٣٩ و٤٥٤ و١٤١١ و١٤٠٥ (الدارمي) في ((الحدود)» ٢٢٩٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يحلّ به دم المسلم. (ومنها): أن فيه منقبةً عظيمة لعثمان رضي اللَّه تعالى عنه، حيث كان مجبولًا على مكارم الأخلاق جاهليّةً، وإسلامًا، فكان مبتعدًا عن الفواحش، فرضي اللّه تعالى عنه، وأرضاه. (ومنها): أن الذين اعتدوا عليه، وقتلوه بغاةٌ، ظالمون له، حيث إنه لم يرتكب ما يوجب قتله. (ومنها): أن في قتله علمًا من أعلام النبوة، حيث كان صلّى اللّه تعالى عليه وسلم، أخبره بذلك، فقد أخرج الشيخان، من طريق شريك بن أبي نمر، عن سعيد بن المسيب، قال: أخبرني أبو موسى الأشعري، أنه توضأ في بيته، ثم خرج، ٥- (ذِكْرُ مَا يَحِلُّ بِهِ دَمُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤٠٢٠ ٣٢٣ = فقلت: لألزمنّ رسول اللَّه وَّلتر، ولأكوننّ معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد، فسأل عن النبي ێر، فقالوا: خرج، ووجّه ها هنا، فخرجت على إثره، أسأل عنه حتى دخل بئر أرِیس، فجلست عند الباب، وبابها من جريد، حتى قضى رسول اللّه ێ حاجته، فتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس، وتوسط قُفَّها، وكشف عن ساقيه، ودلَّاهما في البئر، فسلمت عليه، ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت: لأكوننّ بواب رسول اللّه وَ لتر اليوم، فجاء أبو بكر، فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رِسْلِك، ثم ذهبت، فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ((ائذن له، وبشره بالجنة))، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل، ورسول اللّه وَليل يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول اللّه بَّهِ معه في القُفْ، ودَلىَّ رجليه في البئر، كما صنع النبي ◌َّر، وكشف عن ساقيه، ثم رجعت، فجلست، وقد تركت أخي يتوضأ، ويَلحقُني، فقلت: إن يرد اللَّه بفلان خيرا يريد أخاه- يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول اللَّه وَالر، فسلمت عليه، فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: ((ائذن له، وبشره بالجنة))، فجئت، فقلت: ادخل، وبشرك رسول اللّه وَالهيل بالجنة، فدخل، فجلس مع رسول اللّه ◌َ ل# في القف، عن يساره، ودلئ رجليه في البئر، ثم رجعت، فجلست، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا، يأت به، فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت إلى رسول اللَّه وَ ل ◌ّ فأخبرته، فقال: ((ائذن له، وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه))، فجئته، فقلت له: ادخل، وبشرك رسول اللّه ◌َله بالجنة، على بلوى تصيبك، فدخل، فوجد القُفَّ قد ملئ، فجلس وجاهه من الشق الآخر. قال شريك بن عبد الله: قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٣٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ٦- (قَتْلُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ عَرْفَجَةً فِیهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد قتله إذا لم يندفع شرّه إلا به، وإلا فيكون الدفع بالأسهل، فالأسهل. ووجه الاختلاف المذكور أن زيد بن عطاء بن السائب خالف الحفّاظ من أصحاب زياد بن علاقة، وهم يزيد بن مَزْدَانبة، وأبو حمزة السّكّريّ، وشعبة، عند المصنّف، وأبو عوانة، وشيبان النحويّ، وإسرائيل، وعبد الله بن المختار، عند مسلم في ((صحيحه)، حيث رووه كلّهم، عن زياد بن عِلاقة، عن عرفجة بن شُريح، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، فخالفهم زيد بن عطاء، فرواه عن زياد بن عِلاقة، عن أسامة بن شَرِيك رضي اللّه تعالى عنه، والمحفوظ رواية الجماعة، فإن زيد بن عطاء رجل مجهول، لا يُقبل تفرّده، فكيف إذا خالف سبعة من الحفّاظ المتقنين، فروايته شاذّة منكرة. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في ((تحفة الأشراف)) ٢٩٣/٧ -: رواه زيد بن عطاء بن السائب، وأبو شيبة إبراهيم بن عثمان، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك. ورواه شريك ابن عبد الله القاضي، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، أو عرفجة. ورواه صدقة بن الفضل المروزيّ، عن أبي حمزة السّكْريّ، عن ليث بن أبي سُليم، قال: حدّثني زياد رجل قد أدرك ابن مسعود- عن عرفجة. وكذلك رواه عبد الحميد بن أبي طالب، عن حمّاد، عن ليث، عن زياد، عن عرفجة. انتهى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذه الطرق التي أشار إليها في ((التحفة)) كلها ضعيفة، والصحيح ما تقدّم، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٠٢١- (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْتِى الصُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: حَدْثَنَا يَزِيدُ بْنُ مَرْدَانِيَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ عَزِفَجَةَ بْنِ شُرَيْحِ الْأَشْجَعِيْ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيِّ وَهِ، عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَِ، فَقَالَ: ((إِنّهُ سَيَكُونُ بَعْدِيّ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، أَوْ يُرِيدُ يُفَرْقُ أَمْرَ أُمَِّ مُحَمَّدٍ وَهِ، كَائِنَا مَنْ كَانَ، فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى (١) ((تحفة الأشراف)) ٢٩٣/٧. ٦ - (قَتَلُ مَنْ فَرَقَ الْجَمَاعَةَ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٤٠٢١ ٣٢٥ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أحمد بن يحيى الصوفيّ) أبو جعفر الأوديّ الكوفيّ العابد، ثقة [١١]١٦٧٤/٢٦. ٢ - (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين، واسم دُكين عمرو بن حماد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول الْمُلائيّ، ثقة ثبت [٩] ٥١٦/١١. ٣- (يزيد بن مُزدائبة) بنون، ثم موحّدة- القرشيّ، مولی عمرو بن حُریث الکوفيّ، أصله من أصبهان، صدوقٌ [٥] . قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: قال وکیعّ: حدّثنا يزيد ابن مردانُبة، وكان ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٤- (زياد بن عِلَاقة)- بكسر المهملة -: هو أبو مالك الثعلبيّ الكوفيّ، ثقة رُمي بالنصب [٣] ٤٣ / ٩٥٠ . ٥- (عَزْفَجة بن شُريح) ويقال: ضُريح، ويقال: ابن شَرِيك، ويقال: ابن شَرَاحيل الأشجعيّ، له صحبة. روى عن النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم هذا الحديث. وعنه زياد بن عِلاقة، وسَلْمَان بن حازم الأشجعيّ، ووقدان أبو يَعفور العبديّ. وقيل: عن أبي عون الثقفيّ، عن عرفجة السلميّ، عن أبي بكر الصّدّيق رضي اللّه تعالى عنه. وصحح ابن حبّان أنه ابن شُريح. وفرّق ابن أبي خيثمة بين عرفجة الأشجعيّ، راوي الحديث المذكور، وبين عرفجة الكنديّ. وأما البخاريّ، فجعلهما واحدًا، وهو الصواب. وحكى ابن عبد البرّ في اسم أبيه أيضًا: دُرَيح، وقال: لا أعلم له غير هذين الحديثين انتهى. وقد أورد له العسكريّ في ((الصحابة)) حديثين غيرهما (١). أخرج له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرّره ثلاث مرّات برقم ٤٠٢١ و٤٠٢٢ و٤٠٢٣ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا حديث الباب عند مسلم، والمصنّف، وأبي داود. راجع ((تحفة الأشراف)) ٧/ ٢٩٢-٢٩٣. والله تعالى أعلم. (١) (تهذيب التهذيب)) ٩٠/٣-٩١ . ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ شرح الحديث (عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحِ الْأَشْجَعِيْ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيِّ وَِّ، عَلَى الْمِثْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَّ) جملة حالية (فَقَالَ: ((إِنَةٌ) الضمير للشأن: أي إن الأمر والشأن (سَيَكُونُ) وفي رواية مسلم: ((ستكون)) بالتاء (بَعْدِي) أي بعد وفاتي (هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ) وكرّره في الرواية التالية ثلاث مرّات: أي شرورٌ، وإفسادات متتابعة، خارجة، والمراد بها الفتن المتوالية، والمعنى أنه سيظهر في الأرض أنواع الفساد، والفتن؛ لطلب الإمارة من كلّ جهة، وإنما الإمام من انعقدت له البيعة أوّلًا. أفاده القاري(١). وقال القرطبيّ: الهنات: جمع هَنَّة، وهي كناية عن نكرةٍ أيَّ شيء كان، ويعني به أنه سيكون أمور منكرة، وفتنٌ عظيمةٌ، كما قد ظهر، ووُجِد. انتهى(٢). وقال النوويّ: الهنات جمع هَنَّةٍ، وتُطلق على كلّ شيءٍ، والمراد بها هنا الفتن، والأمور الحادثة. انتهى(٣) (فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ فَارَقَ الْجَمَّاعَةَ) أي خرج منهم، وبغى عليهم. وقال السنديّ: أي خالف ما اتفق عليه المسلمون، تفريقًا بين المسلمين، وإيقاعًا للخلاف بينهم. انتهى (أَوْ) للشكّ من الراوي. قاله السنديّ. قال الجامع: ويحتمل أن تكون للتنويع، وأن الأول هو الذي وقع منه الشقاق بالفعل، والثاني هو الذي أراد ذلك، وظهرت منه أماراته، فيؤخذ على يديه قبل أن يحدُث منه شيء. والله تعالى أعلم (يُرِيدُ يُفَرِّقُ) بتشديد الراء بالرفع، وتقدير ((أن)) المصدريّة، مفعول ((يُريد)): أي يريد أن يفرّق (أَمْرَ أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ وَهِ، كَائِنَا مَنْ كَانَ) أي شخص كان، شريفًا، أو وضيعًا، عالمًا، أو جاهلا، أو غير ذلك. وقال القرطبيّ: أي لا يُحترم لشرفه، ونسبه، ولا يُهاب لعشيرته، ونَشَبه(٤)، بل يُبادر بقتله قبل شرارة شرّه، واستحكام فساده، وعدوى عُرّه(٥). انتهى(٦). وقال القاري: ((كائنًا من كان)) أي سواء كان من أقاربي، أو من غيرهم، بشرط أن يكون الأول أهلًا للإمامة، وهي الخلافة. وفي نسخة: ((كانئًا ما كان))، ومشى عليه (١) ((المرقاة» ٢٥٨/٧-٢٥٩. (٢) ((المفهم)) ٤ / ٦٢ - ٦٣. (٣) (شرح مسلم)) ١٢ /٤٤٤. (٤) ((النَّشَب)) -بفتحتين -: قيل: العقار، وقيل: المال والعقار. انتهى ((المصباح)). والمراد أنه لا یہاب لكثرة ماله. (٥) ((الْعُرُّ»: الجَرَبُ. (٦) ((المفهم)) ٤ / ٦٣. ٦- (قَتَلُ مَنْ فَرَقَ الْجَمَاعَةَ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٤٠٢١ ٣٢٧ = الطيبيّ، حيث قال: إنه حالٌ فيه معنى الشرط، أي ادفعوا من خرج على الإمام بالسيف، وإن كان أشرف، وأعلم، وترون أنه أحقّ وأولى، وهذا المعنى أظهر في لفظه مما في المتن؛ لأنه يجري حينئذ على صفة ذوي العلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا﴾ [الشمس: ٧]، أي عظيم القدرة على الشأن. انتهى(١). (فَاقْتُلُوهُ) أي إن لم يندفع شرّه إلا بالقتل، وإلا فإن الواجب في حقّه أن يُنهَى أوّلًا عن ذلك، فإن انتھی فذاك، وإلا قُوتل، وإن لم يندفع شرّه إلا بقتله، فقُتل، کان دمه هدرًا (فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ) قال في ((النهاية)): يد اللَّه كناية عن الحفظ، أي إن الجماعة المتفقة من أهل الإسلام في كنف اللّه، ووقايته فوقهم، وهو يُعيذهم من الأذى والخوف. انتهى. وقال السنديّ: أي حفظه تعالى، ونصره مع المسلمين، إذا اتفقوا، فمن أراد التفريق بينهم، فقد أراد صرف النصر عنهم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله في ((النهاية))، ونحوه للسنديّ، إن كان الغرض منه نفي صفة اليد عن اللّه تعالى، وتأويلها بالحفظ، فغير صحيح، وإن كان المراد التفسير باللازم مع إثبات أصل المعنى، أي أن اليد صفة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، فالخطب سهل. والله تعالى أعلم. (فَإِنَّ) وفي ((الكبرى)): ((وإن)) بالواو (الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ) من باب قتل: أي يَعْدُو، ويُسرع. قال في ((القاموس)): الرَّكضُ تحريك الرِّجْل، ومنه: ﴿أَرَّكُضْ بِيْلِكٌ﴾ [سورة ص: ٤٢]، والدفعُ، واستحثاث الفرس للعَذْوِ، وتَحَرُّكُ الْجَنَاحِ، والْعَذْوُ. انتهى. والمراد هنا: أنه يتغلغل بينهم، ويحثّهم بأن يعادي بعضهم بعضًا، ويُسرع في الإفساد بينهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عَرْفجة بن شُريح الأشجعيّ رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٠٢١/٦ و٤٠٢٢ و٤٠٢٣ وفي ((الكبرى)) ٣٤٨٣/٦ و٣٤٨٤ و ٣٤٨٥ . (١) ((المرقاة)) ٢٥٩/٧. ٣٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وأخرجه (م) في ((الإمارة)) ١٨٥٢ (د) في ((السنّة)) ٤٨٦٢ (أحمد) في ((أول مسند الكوفيين)) ١٧٨٣٠ و١٨٥٢٠ و((أول مسند البصريين)) ١٩٧٦٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب قتل من فارق الجماعة. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوة، فإن هذا وقع كما أخبر به النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. (ومنها): إثبات اليد للَّه سبحانه وتعالى، على ما يليق بجلاله. (ومنها): أن فيه فضل الجماعة، وبركتهم، وأن عون اللّه تعالى، ونصره لا يفارقهم. (ومنها): بيان مضرّة التفرّق، واختلاف الكلمة، وأنه سبب لاستيلاء الشيطان على المسلمين، فإنه يحبّ ذلك، حيث إن الجماعة، واتفاق الكلمة يصحبها عون الله تعالى، ونصره، فهو يحبّ ضدّ ذلك، فيركُض مع من فارق جماعة المسلمين، ويكون أولياءهم، ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِمًا فَسَآءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٢٢- (أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٌّ مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى الْمَزْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ زِيَادٍ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، قَالَ: قَالَ الشَِّيُّ ◌َلِ: ((إِنَّا سَتَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَمَّنْ رَأَيْتُمُوهُ يُرِيدُ تَفْرِيقَ أُمْرِ أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ وََّ، وَهُمْ جَمِيعٌ، فَاقْتُلُوهُ كَائِنَا مَنْ كَانَ مِنْ النَّاسِ»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أبو عليّ، محمد يحيى المروزيّ)): هو الصائغ اليشكريّ، ثقة [١١] ٣٥٢٤/٥٣. و((عبد الله بن عثمان)) بن جَبَلَّةَ بفتح الجيم، والموحّدة- ابن أبي رَوّاد بفتح الراء، وتشديد الواو- واسمه ميمون. وقيل: أيمن الأزديّ الْعَتَكيّ بفتح المهملة، والمثنّة- مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ الملقّب عبدان، ثقة حافظً [١٠]. قال أحمد بن عَبْدة: تصدّق عبدان في حياته بألف ألف درهم، وكتب كُتُب ابن المبارك بقلم واحد. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): قال أحمد بن حنبل: ما بقي الرحلة إلا إلى عبدان بخراسان، مات سنة (٢٢٠). وقد قيل: سنة (٢٢٢) . وقال البخاريّ وغيره: سنة (٢٢١) زاد غيره: وهو ابن (٧٦) سنة. وفيها أرّخه الحاكم، والقرّاب، وزاد: في العشر الأواخر من شعبان. وقال الكلاباذيّ: وُلد سنة (١٤٠). وقال ابن عديّ في ((شيوخ البخاريّ)): حدّث عن شعبة أحاديث تفرّد بها. وقال أبو رجاء محمد بن حمدويه: رأيته يَخضِبُ، وهو ثقة مأمون. وقال الحاكم: كان إمام أهل الحديث بیلده، ولاء عبد الله بن طاهر قضاء جُوزَجَان، فاحتال حتى اعتفى. وفي ((الزهرة)) روى عنه ٣٢٩ ٦- (قَتَلُ مَنْ فَرَقَ الْجَمَاعَةَ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٤٠٢٤ البخاريّ (١١٠) أحاديث. روى له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث: هذا الحديث، وفي ((كتاب قطع السارق)) حديث ١/ ٤٨٧٢ و ٤٨٧٣- حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن)) الحديث. وفي ((كتاب الزينة)» ٥١٠٨/٢٦ - حديث ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه: ((سمعت رسول الله صلّی الله تعالى عليه وسلم يلعن المتنمّصات)) الحديث. وفي ((كتاب الاستعاذة)) ٤٠ / ٥٦٥٦- حديث بريدة رضي اللَّه تعالى عنه ((أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بينا هو يسير)) الحديث. و((أبو حمزة)): هو السُّكْريّ، محمد بن ميمون المروزيّ، ثقة فاضلٌ [٧] ٢٢/ ٢٠٦ . وقوله: ((وهم جميع)): أي مجتمعون على إمام واحد، كما فسّرته رواية مسلم من طريق يونس بن أبي يعفور، عن أبيه، عن عرفجة، ولفظه: ((من أتاكم، وأمركم جميعً على رجل واحد، يريد شقّ عصاكم، أو يفرّق جماعتكم، فاقتلوه)). والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٢٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ، عَنْ عَرْفَجَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((سَتَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ أُمَِّ مُحَمَّدٍ بِهَ، وَهُمْ جْمَعْ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عَمْرُو بْنُ عَلِيّ)): هو الفلاس. و((يحيى)): هو القطان . والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه قبل حديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٢٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ يُفَرِّقُ بَيْنَ أُمَّتِي، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ)): هو المصْيصيّ، ثقة [١٠] ١٩/ ٥٢٨. و((جرير)): هو ابن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ المصيصيّ، ثقة [٨] ٢/٢. و((زيد بن عطاء بن السائب)) الكوفيّ الثقفيّ، مقبول [٧]. روى عن زياد بن عِلاقة، وابن المنكدر، وجعفر الصادق، وعمرو بن يحيى بن ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ عُمارة. وعنه إسرائيل، وجرير بن عبد الحميد، وحُصين بن مُخارق، وعبد الغفّار بن القاسم. قال أبو حاتم: شيخٌ ليس بالمعروف. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنف بهذا الحديث فقط، والترمذيّ بحديث آخر. و((أسامة بن شريك)) الثعلبيّ- بالثاء المثلثة، والمهملة- من بني ثعلبة بن سعد، صحابيّ تفرّد بالرواية عنه زياد بن علاقة على الصحيح. وقيل: روى عنه أيضًا عليّ بن الأقمر. روى له الأربعة، وله عند المصنف هذا الحديث فقط. والحديث صحيح بالسند المتقدّم، وأما هذا فضعيف، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ ◌َ: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَتَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَبُوَاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَبْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنْفَوْأْ مِنَ اُلْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، وَفِيمَ نَزَّلَتْ، وَذِكْرُ اخْتِلَافٍ أَلْفَاظِ النَّاتِلِينَ رَوالَّهُ فِيهِ) لِخَبَرِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في هذه الآية الكرية مسائل: (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في سبب نزولها: (اعلم): أَنَّ ظاهر صنيع المصنّف رحمه الله تعالى أن الآية الكريمة نزلت في أهل الردّة، ومثله صنيع الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، قال ابن بطال رحمه الله تعالى: ذهب البخاري إلى أن آية المحاربة نزلت في أهل الكفر والردة، وساق حديث العرنیین، وليس فيه تصريح بذلك، ولكن أخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة حديث ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ عَته: ﴿ ... إِنَّمَا - حديث رقم ٤٠٢٥ = ٣٣١ العرنيين، وفي آخره: قال: بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. ووقع مثله في حديث أبي هريرة تني، وممن قال ذلك الحسن، وعطاء، والضحاك، والزهري. قال: وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين، يسعى في الأرض بالفساد، ويقطع الطريق، وهو قول مالك، والشافعي، والكوفيين، ثم قال: وليس هذا منافيا للقول الأول؛ لأنها وإن نزلت في العرنيين بأعيانهم، لكن لفظها عام يدخل في معناه كل من فعل مثل فعلهم، من المحاربة والفساد. قال الحافظ: بل هما متغايران، والمرجع إلى تفسير المراد بالمحاربة، فمن حملها على الكفر خص الآية بأهل الكفر، ومن حملها على المعصية عمم، ثم نقل ابن بطال عن إسماعيل القاضي، أن ظاهر القرآن، وما مضى عليه عمل المسلمين، يدل على أن الحدود المذكورة في هذه الآية، نزلت في المسلمين، وأما الكفار فقد نزل فيهم: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ﴾ إلى آخر الآية [سورة محمد بَلّ: ٤]، فكان حكمهم خارجا عن ذلك. وقال تعالى في آية المحاربة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ﴾ الآية [المائدة: ٣٤]، وهي دالة على أن من تاب من المحاربين يسقط عنه الطلب بما ذكر بما جناه فيها، ولو كانت الآية في الكافر لنفعته المحاربة، ولكن إذا أحدث الحرابة مع كفره اكتفينا بما ذكر في الآية، وسلم من القتل، فتكون الحرابة خففت عنه القتل . وأجيب عن هذا الإشكال بأنه لا يلزم من إقامة هذه الحدود على المحارب المرتد مثلا، أن تسقط عنه المطالبة بالعود إلى الإسلام، أو القتل. وقد نقل البخاريّ في تفسير (سورة المائدة))، عن سعيد بن جبير أن معنى المحاربة لله الكفر به. وأخرج الطبري من طريق روح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنسٍ في آخر قصة العرنيين، قال: فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، وأخرج نحوه من وجه آخر عن أنس. وأخرج الإسماعيلي هناك من طريق مروان بن معاوية، عن معاوية بن أبي العباس، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ◌َّ، عن النبي وَّرَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] قال: هم من عكل. قال الحافظ رحمه الله تعالى: والمعتمد أن الآية نزلت أولا فيهم، وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق، لكن عقوبة الفريقين مختلفة، فإن كانوا كفارا يخير الإمام فيهم إذا ظفر بهم، وإن كانوا مسلمين فعلى قولين: أحدهما: وهو ٣٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ قول الشافعي، والكوفيين ينظر في الجناية، فمن قَتل قُتل، ومن أخذ المال قُطع، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالا نُفي، وجعلوا ((أو)) للتنويع. وقال مالك: بل هي للتخيير، فيتخير الإمام في المحارب المسلم بين الأمور الثلاثة، ورجح الطبري الأول. ذكره في ((الفتح))(١). وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية، فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين، روى الأئمة، واللفظ لأبي داود، عن أنس بن مالك: ((أن قوما من عكل، أو قال: من عرينة، قدموا إلى رسول اللّه وَالتِ، فاجتووا المدينة، فأمر لهم رسول اللّه وَلتر بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صَحُوا قتلوا راعي النبي وَّرَ، واستاقوا النعم، فبلغ النبي ◌َّل خبرهم من أول النهار، فأرسل في آثارهم، فما ارتفع النهار حتى جيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون، قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله، وفي رواية: فأمر بمسامير، فأحميت وكحلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وما حسمهم، وفي رواية: بعث رسول اللَّه وَالتر في طلبهم قافة، فأتي بهم، قال: فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، وفي رواية: قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يَكْدِم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا، وفي البخاري(٢) قال جرير بن عبد الله في حديثه: فبعثني رسول اللّه وَّل في نفر من المسلمين، حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم، فجئنا بهم إلى رسول اللَّه وَّل، قال جرير: فكانوا يقولون: الماء، ويقول رسول اللّه وَالر: ((النار)). وقد حكى أهل التواريخ والسير، أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه، وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأدخل المدينة ميتا، وكان اسمه يسار، وكان نوبيا، وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ست من الهجرة، وفي بعض الروايات عن أنس: أن رسول الله وَالر أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم. وروي عن ابن عباس، والضحاك، أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب، كان بينهم وبين رسول اللَّه ◌َ لّ عهد، فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض. وفي مصنف أبي داود، عن ابن عباس قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) راجع ((الفتح)) ٦٦/١٤ -٦٧. (٢) هكذا نسخة تفسير القرطبيّ، والظاهر أنه تصحيف من ((الطبري))؛ لأن هذه الرواية ليست في البخاري، بل في تفسير الطبريّ، وإسنادها ضعيف، كما قاله في ((الفتح)) ٤٥٢/١ فتنبه. ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَهِّ ◌َته: ﴿ ... إِنَّمَا - حديث رقم ٤٠٢٥ ٣٣٣ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] نزلت هذه الآية في المشركين، فمن أُخذ منهم قبل أن يُقدَر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه، وممن قال: إن الآية نزلت في المشركين عكرمة، والحسن، وهذا ضعيف، يرده قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]، وقوله وَّ: ((الإسلام يهدم ما قبله))، أخرجه مسلم. والصحيح الأول؛ لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك، وقال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد، قال ابن المنذر: قول مالك صحيح، قال أبو ثور محتجًا لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك، وهو قوله جل ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ﴾ الآية [المائدة: ٣٤]، وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا، أن دماءهم تحرم، فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام. وحكى الطبري عن بعض أهل العلم أن هذه الآية نَسخت فعل النبي وَّ في العرنيين، فوقف الأمر على هذه الحدود. ورَوى محمد بن سيرين قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، يعني حديث أنس، ذكره أبو داود. وقال قوم: منهم الليث بن سعد: ما فعله النبي وَّر بوفد عرينة نُسخ، إذ لا يجوز التمثيل بالمرتد. قال أبو الزناد: إن رسول اللّه وَ ير لما قطع الذين سرقوا لقاحه، وسمل أعينهم بالنار، عاتبه اللَّه عز وجل في ذلك، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، أخرجه أبو داود، قال أبو الزناد: فلما وُعظ، ونُهي عن المثلة لم يعد. وحُكي عن جماعة أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل؛ لأن ذلك وقع في مرتدین، لاسيما وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) وكتاب النسائي، وغيرهما قال: ((إنما سمل النبي وَالتر أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة، فَكَانَ هذا قصاصا»، وهذه الآية في المحارب المؤمن. قال القرطبيّ: وهذا قول حسن، وهو معنى ما ذهب إليه مالك، والشافعي، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، ومعلوم أن الكفار لاتختلف أحكامهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة، كما تسقط قبل القدرة، والمرتد يستحق القتل بنفس الردة، دون المحاربة، ولا يُنفَى، ولا تُقطع يده ولا رجله، ولا يُخَلَّى سبيله، بل يُقتل إن لم يسلم، ولا يُصَلّب أيضا، فدل أن ما ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ اشتملت عليها الآية ما عُني به المرتد، وقال تعالى في حق الكفار: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوَا إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقال في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ الآية، وهذا بَيْنٌ، وعلى ما قررناه في أول الباب لا إشكال، ولا لوم، ولا عتاب، إذ هو مقتضى الكتاب، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، فمَثَلُوا فُمُثِل بهم، إلا أنه يحتمل أن يكون العتاب إن صح على الزيادة في القتل، وذلك تكحيلهم بمسامير محماة، وتركهم عَطَاشَى حتى ماتوا، والله أعلم. وحكى الطبري عن السدي، أن النبي وَلّه لم يسمل أعين العرنيين، وإنما أراد ذلك، فنزلت الآية ناهية عن ذلك، وهذا ضعيف جدا، فإن الأخبار الثابتة وردت بالسمل، ففي ((صحيح البخاري)): ((فأمر بمسامير فأحميت، فكحلهم))، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام، وإن كانت نزلت في المرتدين، أو اليهود. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما ذهب إليه الجمهور، وهو مذهب البخاريّ، والمصنّف أن الآية الكريمة نزلت في العرنيين المرتدين، ولكنها تشمل بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق، وسيأتي تحقيق الخلاف في حكم معاقبتهم في المسألة الثالثة، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): أنه اختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة، فقال مالك: المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر، أو في برية، وكابرهم على أنفسهم وأموالهم، دون نائرة(٢) ولا ذحل(٣) ولا عداوة، قال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسألة، فأثبت المحاربة في المصر مرة، ونفى ذلك مرة. وقالت طائفة: حكم ذلك في المصر، أو في المنازل والطرق، وديار أهل البادية والقرى سواء، وحدودهم واحدة، وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، قال ابن المنذر: كذلك هو؛ لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يُخرِج من جملة الآية قوما بغير حجة. وقالت طائفة: لا تكون المحاربة في المصر، وإنما تكون خارجا عن المصر، هذا قول سفيان الثوري، وإسحق، والنعمان، والمغتال كالمحارب، وهو الذي يحتال (١) راجع ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٤٨/٦ - ١٥٠. (٢) يقال: نارت نائرة في الناس: هاجت هائجة. (٣) الذحل: الثأر. ٣٣٥ ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ عَتِهِ: ﴿ ... إِنَّمَا - حديث رقم ٤٠٢٥ في قتل إنسان على أخذ ماله، وإن لم يَشھَر السلاح، لكن دخل عليه بيته، أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله، فيقتل حدًا، لا قودا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما ذهب إليه الشافعيّ، وأبو ثور، ورجحه ابن المنذر، من أن المحارب يعم كل من حمل السلاح على المسلمين مطلقًا، في المصر، أو المنازل، والطرق، أو البرية؛ لعموم الآية الكريمة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): اختلفوا في حكم المحارب، فقالت طائفة: يقام عليه بقدر فعله، فمن أخاف السبيل، وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، وإن أخذ المال، وقتل قطعت يده ورجله، ثم صلب، فإذا قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن هو لم يأخذ المال، ولم يقتل نفي، قاله ابن عباس، وروي عن أبي مجلز، والنخعي، وعطاء الخراساني، وغيرهم. وقال أبو يوسف: إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل على الخشبة، قال الليث: بالحربة مصلوبا. وقال أبو حنيفة: إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخیر فیه، إن شاء قطع يده ورجله، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه، قال أبو يوسف: القتل يأتي على كل شيء، ونحوه قول الأوزاعي. وقال الشافعي: إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت، وخُلي؛ لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة، وإذا قتل قتل، وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب، وروي عنه أنه قال: يصلب ثلاثة أيام، قال: وإن حَضّرَ وكَثّر وهِيب، وكان رِذًا للعدوخُبس، وقال أحمد: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله، كقول الشافعي، وقال قوم: لا ينبغي أن يصلب قبل القتل، فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب. وحُكي عن الشافعي أكره أن يقتل مصلوبا؛ لنهي رسول الله وَ* عن المثلة. وقال أبو ثور: الإمام مخير على ظاهر الآية، وكذلك قال مالك، وهو مروي عن ابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي، كلهم قال: الإمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها اللّه تعالى، من القتل والصلب، أو القطع، أو النفي بظاهر الآية، قال ابن عباس: ما كان في القرآن ((أو)) فصاحبه بالخيار. قال القرطبيّ: وهذا القول أسعد بظاهر الآية، فإن أهل القول الأول الذين قالوا: إن ((أو)) للترتيب، وإن اختلفوا، فإنك تجد أقوالهم أنهم يجمعون عليه حدين، فيقولون: يقتل ويصلب، ويقول بعضهم: يصلب ويقتل، ويقول بعضهم: تقطع يده ورجله ٣٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وينفى، وليس كذلك الآية، ولا معنى ((أو)) في اللغة، قاله النحاس. واحتج الأولون بما ذكره الطبري عن أنس بن مالك، أنه قال: سأل رسول اللّه وَله جبريل عليه السلام، عن الحكم في المحارب؟ فقال: ((من أخاف السبيل وأخذ المال، فاقطع يده للأخذ ورجله للإخافة، ومن قتل فاقتله، ومن جمع ذلك فاصلبه))، قال ابن عطية: وبقي النفي للمخيف فقط، والمخيف في حكم القاتل، ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العذاب و العقاب استحسانا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بتخيير الإمام أرجح؛ لظاهر الآية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]: فقال السدي: هو أن يطلب أبدا بالخيل والرجل حتى يؤخذ، فيقام عليه حد اللَّه، أو يخرج من دار الإسلام هربا ممن يطلبه، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، ومالك بن أنس، والحسن، والسدي، والضحاك، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس، والزهري، حكاه الرماني في كتابه. وحكي عن الشافعي أنهم يُخرجون من بلد إلى بلد، ويطلبون لتقام عليهم الحدود، وقاله الليث بن سعد، والزهري أيضا، وقال مالك أيضا: ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره، ويحبس فيه كالزاني، وقال مالك أيضا، و الكوفيون: نفيهم سجنهم، فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه إذا سُجن فقد نفي من الأرض، إلا من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك : خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَاوَنَحْنُ مِنْ أَهْلِهَا فَلَسْنَا مِنَ الأَمْوَاتِ فِيهَا وَلَا الأَخْيَا إِذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا حكى مكحول أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أول من حبس في السجون، وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه من بلده إلى بلد، فيؤذيهم، والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة، وقد تجنب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب، ومنه حديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة(١). وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب مخوف الجانب، يُظن أنه يعود إلى حرابة، أو إفساد أن يسجنه في البلد الذي يُغَرَّب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب، فظن أنه لا يعود إلى جناية سرح. قال ابن عطية: وهذا صريح مذهب مالك أن يغرب، ويسجن حيث يغرب، وهذا على (١) هو الرجل الذي قتل تسعا وتسعين نفسًا، ثم جاء تائبًا، وقصته مشهور في ((الصحيح)). ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ فَتِهِ: ﴿ ... إِنَّمَا - حديث رقم ٤٠٢٥ ٣٣٧ = الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري، وهو الواضح؛ لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية، وسجنه بعدُ بحسب الخوف منه، فإن تاب وفُهمت حاله سرح. انتهى (١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه اللّه تعالى، وهو التغريب والسجن أرجح، كما رجحه الطبريّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختلفوا، هل يشترط في قطع المحارب أخذ النصاب، أم لا؟: قال ابن خويزمنداد: ولا يراعى المال الذي يأخذه المحارب نصابا كما يراعى في السارق، وقد قيل: يراعى في ذلك النصاب، ربع دينار، قال ابن العربي: قال الشافعي، وأصحاب الرأي: لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق، وقال مالك: يحكم عليه بحكم المحارب، وهو الصحيح، فإن الله تعالى وَقّت على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام القطع في السرقة في ربع دينار، ولم يُوَقّت في الحرابة شيئا، بل ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حبة، ثم إن هذا قياس أصل على أصل، وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى، والأدنى بالأسفل، وذلك عكس القياس، وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال، فإن شُعر به فرّ، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح یطلب المال، فإن منع منه، أو صیح علیه وحارب علیه فهو محارب، یحکم عليه بحكم المحارب، قال القاضي ابن العربي: كنت في أيام حكمي بين الناس، إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين، يحبسه على قلب صاحب الدار، وهو نائم وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين، فافهموا هذا من أصل الدين، وارتفعوا إلى يَفَاعِ(٢) العلم عن حضيض الجاهلين. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم اشتراط النصاب في قطع المحارب هو الأرجح عندي؛ لعدم اشتراطه في النص. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أنه لا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قَتل، وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل، وللشافعي قولان: أحدهما: أنها تعتبر المكافأة؛ لأنه قتل، فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص، وهذا ضعيف؛ لأن القتل هنا ليس على مجرد القتل، (١) ((الجامع لأحكام القرآن)» ٦/ ١٥٢-١٥٣. (٢) اليفع: أعلى الجبل، ومنه غلام يَفَعَةٌ، إذا ارتفع إلى البلوغ، والحضيض: الحفرة في أسفل الوادي، كذلك قال أهل اللغة. انتهى ((تفسير القرطبيّ)» ١٥٤/٦. ٣٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وإنما هو على الفساد العام، من التخويف، وسلب المال، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، فأمر تعالى بإقامة الحدود على المحارب، إذا جمع شيئين: محاربة، وسعيا في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفا من وضيع، ولا رفيعا من دنيء. قاله القرطبيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): إذا أخاف المحاربون السبيل، وقطعوا الطريق، وجب على الإمام قتالهم، من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم، وكفهم عن أذى المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع منهم مُدبرا، إلا أن يكون قد قَتل وأخذ مالا، فإن كان كذلك اتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته، ولا يُدَفَّف(١) منهم على جريح، إلا أن یکون قد قتل، فإن أخذوا ووجد في أيديهم مال لأحد بعينه، رد إلیه أو إلی ورثته، وإن لم يوجد له صاحب جعل في بيت المال، وما أتلفوه من مال لأحد غَرِموه، ولا دية لمن قتلوا إذا قُدر عليهم قبل التوبة، فإن تابوا وجاءوا تائبين لم يكن للإمام عليهم سبيل، وسقط عنهم ما كان حدا لله، وأخذوا بحقوق الآدميين، فاقتُصَّ منهم النفس والجراح، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك، ويجوز لهم العفو، والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وإنما أخذ ما بأيديهم من الأموال، وضمنوا قيمة ما استهلكوا؛ لأن ذلك غصب فلا يجوز ملكه لهم، ويُصرف إلى أربابه، أو يوقفه الإمام عنده حتى يعلم صاحبه . وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده، وأما ما استهلكه فلا يطلب به، وذكر الطبري ذلك عن مالك، من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بحارثة بن بدر الْغُدَاني، فإنه كان محاربا، ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه كتابا منشورا، قال ابن خويز منداد: واختلفت الرواية عن مالك في المحارب، إذا أقيم عليه الحد، ولم يوجد له مال، هل يتبع دينا بما أخذ، أو يسقط عنه كما يسقط عن السارق، والمسلم والذمي في ذلك سواء. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) يقال: دفْف على الجريح: أجهز عليه. ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ لَته: ﴿ ... إِنَّمَا - حديث رقم ٤٠٢٥ ٣٣٩ (المسألة الثامنة): أجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب، فإن قَتَل محارب أخا امريء أو أباه في حالة المحاربة، فليس إلى طالب الدّم من أمر المحارب شيء، ولا يجوز عفو ولي الدم، وإنما القائم بذلك هو الإمام، جعلوا ذلك بمنزلة حد من حدود الله تعالى. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): قوله عز وجل: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الذُّنْيَا﴾ الآية بيان لشناعة المحاربة، وعظم ضررها، وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر؛ لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس؛ لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وركنها وعمادها الضرب في الأرض، كما قال عز وجل: ﴿وَءَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ الآية [المزمل: ٢٠]، فإذا أُخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسد باب التجارة عليهم، وانقطعت أكسابهم، فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة، وذلك الخزي في الدنيا؛ ردعا لهم عن سوء فعلهم، وفتحا لباب التجارة التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم، ووعد فيها بالعذاب العظيم في الآخرة، وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي، ومستثناة من حديث عبادة رَمّه في قول النبي ◌َّ: ((فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة))، والله أعلم. ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجري هذا الذنب مجرى غيره، ولا خلود لمؤمن في النار، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب، ثم يخرج إما بالشفاعة، وإما بالقبضة، ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] استثنى الله عزّ وجل التائبين قبل أن يُقدَر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله: ﴿فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، أما القصاص، وحقوف الآدميين فلا تسقط، ومن تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع، وتقام الحدود علیه، كما تقدم، وللشافعي قول أنه يسقط كل حد بالتوبة، والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصا كان أو غيره، فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه، وقيل: أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب، وآمن قبل القدرة عليه، فإنه تسقط عنه الحدود، وهذا ضعيف؛ لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضا بالإجماع، وقيل: إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم- والله أعلم- لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم، ٣٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ والتصنع فیها إذا نالتهم ید الإمام، أو لأنه لما قُدر علیھم صاروا بمعرض أن ینکل بهم، فلم تقبل توبتهم كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب، فأما إذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم فلا تهمة، وهي ناقصة، فأما الشُّرّاب، والزُّناة، والسُّرّاق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي أن يحدهم، وإن رُفعوا إليه فقالوا: تبنالم يتركوا، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غُلبوا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. [تنبيه]: قوله: ((وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين الخ)): وجه الاختلاف المذكور أن أبا رجاء رواه عن أبي قلابة بلفظ: ((أن نفرًا من عكل ثمانية))، وقال: أيضًا: ((فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك الخ))، وقال: ((ونبذهم في الشمس))، ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة، وقال: ((فاجتووا المدينة)»، وقال: ((ولم يحسمهم، وتركهم حتى ماتوا»، وزاد: ((فأنزل اللَّه عز وجل: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ﴾ الآية. ورواه أيوب، عن أبي قلابة، وقال: ((نفر من عكل، أو عرينة))، وقال: ((بذود، أو لقاح))، وقال: ((وسمل أعينهم)) باللام. لكن هذه الاختلافات تعتبر اختلافًا في اللفظ فقط، وأما من حيث المعنى فلا تخالف بينها، كما يتضح ذلك من شرحها، فلا تضرّ بصحة الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب . ٤٠٢٥- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبِعٍ، عَنْ حَجَّاجِ الصَّوَّافِ، قَالَ: حَذَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُوَ قِلَابَةَ، قَالَ: حَذَّثَنِي(١) أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلِ ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى النَِّيِّ وَِّ، فَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: ((أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِلِهِ، فَتُصِيبُوا مِنْ أَلْبَانَها وَأَبْوَالِهَا؟))، قَالُوا: بَلَى، فَخَرَجُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِها وَأَبْوَالِهَا، فَصَحُوا، فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ وََّزِ، فَبَعَثَ فَأَخَذُوهُمْ، فَأَتِيَ بِهِمْ، فَقَطْعَ أَنْدِيُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَّرَ أَعْيْتَهُمْ، وَنَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو بصريّ ثقة. و((حجاج الصّاف)): هو ابن أبي عثمان ميسرة، أو سالم، (١) وفي نسخة: ((حدثنا)).