النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١ =
٣- (ذِكْرُ اخْتِلَافِ الألفاظِ الْمَأْثُورةِ ... - حديث رقم ٣٩٦٣
غير مرّة.
و((جرير)): هو ابن عبد الحميد. و((منصور)): هو ابن المعتمر. و((إبراهيم)): هو
النخعيّ. وقوله: ((البيضاء)): هي الخالية من الزراعة، والأشجار. والأثر صحيح
مقطوع، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا-٣٩٦٢/٣ - وفي
((الكبرى)) ٤٦٦٩/٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٦٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ،
قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ شُرَيْحًا، كَانَ يَقْضِي فِي الْمُضَارِبِ إِلَّا بِقَضَاءَيْنٍ، كَانَ رُبَّمَا قَالَ
لِلْمُضَارِبِ: بَيْتَتَكَ عَلَى مُصِيبَةٍ، تُعْذَرُ بِهَا، وَرُبَّمَا قَالَ لِصَاحِبِ الْمَالَ: بَيْنَتَكَ أَنَّ أَمِينَكَ
خَائِنٌ، وَإِلَّا فَيَمِينُهُ بِاللَّهِ مَا خَانَكَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((عمرو بن زرارة)): هو أبو محمد النيسابوريّ الثقة الثبت المذكور في أول
الباب .. و((إسماعيل)): هو ابن عليّة. و((أيوب)): هو السختيانيّ. و((محمد)): هو ابن
سيرين. و((شُريح)): هو ابن الحارث النخعيّ القاضي المشهور، أبو أميّة الكوفيّ الثقة
المخضرم الفقيه [٢] ٣٣١٢/٥١ .
وقوله: ((لم أعلم شُريحًا الخ)): يعني أن شُريحًا القاضي رحمه الله تعالى كان إذا
تخاصم المتعاقدان مضاربةً، بأن ادّعى المضارب هلاك شيء من مال المضاربة، يقضي
بينهما بأحد قضاءين، إما أن يقول للمضارب: بيتك، أي أحضِرْ شُهودا یشهدون لك
على أن المال أصابته آفة، فتلف، فيكون لك عذر بذلك، وإما أن يقول لصاحب المال
بينتك على أن المضارب الذي انتمنته خانك، وإن لم يكن لك شهود بذلك، فلك أن
تحلّفه بالله عز وجل أنه ما خانك في أمانته.
وقوله: ((إلا بقضاءين)) هكذا نسخ ((المجتبى))، بصيغة التثنية، والذي في ((الكبرى)):
(بقضاء بيّن)) -بفتح الموحّدة، وتشديد التحتانيّة، آخره نون-، صفة لـ((قضاء))، أي
يقضي بينهما بقضاء واضح.
ولما في ((المجتبى)) أيضًا - إن صحّت الرواية به- وجه صحيح أيضًا، كما أسلفته
آنفًا، وذلك أن يكون المعنى أنه يقضي بين الخصمين في المضاربة بأحد القضاءين: إما
بالبيّنة، وإما بيمين المضارب. والله تعالى أعلم.
ومناسبة أثر شُريح هذا للمزارعة، تَشَابُهُ كلّ من المزارعة والمضاربة في كون كلّ
منهما إجارة ببعض ما يتحصّل من العمل، كما تقدّم في أثر ابن سيرين أول الباب.

٢٠٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
وهذا الأثر صحيح مقطوع، تفرّد به المصنف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا-٣/
٣٩٦٣- وفي ((الكبرى)) ٢/ ٤٦٧٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٦٤- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيَّبِ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِإِجَارَةِ الْأَرْضِ الْبَنْضَاءِ، بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((شريك)): هو ابن عبد الله النخعيّ القاضي تقدّم
قريبًا. و(طارق)): هو ابن عبد الرحمن البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام
[٥] ٣٨٩٠/٢ .
والأثر في سنده شريكٌ، وقد تقدّم الكلام فيه قريبًا، وهو من أفراد المصنف رحمه
اللَّه تعالى، أخرجه هنا٣/ ٣٩٦٤- وفي ((الكبرى)) ٤٦٦٨/٢. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(وَقَالَ: إِذَا دَفَعَ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ، مَالَا قِرَاضًا، فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا،
كَتَبَ: هَذَا كِتَابٌ، كَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، طَوْعًا مِنْهُ، فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، وَجَوَازِ أَمْرِهِ، لِفُلانِ بْنِ
قُلَانٍ، أَنَّكَ دَفَعْتَ إِلَيَّ، مُسْتَهَلَّ شَهْرٍ كَذَا، مِنْ سَنَةٍ كَذَا، عَشَرَةَ آلَّافِ دِرْهَم، وُضْحًا،
جِيَادًا، وَزْنَ سَبْعَةٍ، قِرَاضًا، عَلَى تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَّةِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَّةِ، عَلَى أَنْ
أَشْتَرِيَ بِهَا مَا شِئْتُ مِنْهَا، كُلَّ مَا أَرَى أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَأَنْ أَصَرِّفَهَا وَمَا شِئْتُ مِنْهَا، فِيمَا أَرَى
أَنْ أَصَرِّفَهَا فِيهِ، مِنْ صُنُوفِ التِجَارَاتِ، وَأَخْرُجَ بِمَا شِئْتُ مِنْهَا، حَنِثُ شِئْتُ، وَأَبِيعَ مَا
أَرَى أَنْ أَبِيعَهُ، مِمَّا أَشْتَرِيهِ بِتَقْدٍ، رَأَنْتُ أَمْ بِتَسِيئَةَ، وَبِعَيْنِ رَأَيْتُ، أَمْ بِعَرْضٍ، عَلَّى أَنْ
أَعْمَلَ فِي جَميعِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِرَأْيِي، وَأُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ مَنْ رَأَيْتُ، وَكُلُّ مَا رَزَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ،
مِنْ فَضْلٍ وَرِنَحِ، بَعْدَ رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي دَفَعْتَهُ الْمَذْكُورِ إِلَيَّ، الْمُسَمَّى مَبْلَغُهُ فِي هَذَا
الْكِتَابِ، فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ نِصْفَيْنٍ، لَكَ مِنْهُ النَّصْفُ، بِحَظْ رَأْسٍ مَالِكَ، وَلِي فِيهِ النَّصْفُ
تَامًّا، بِعَمَلِي فِيهِ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ وَضِيعَةٍ، فَعَلَى رَأْسِ الْمَالِ، فَقَبَضْتُ مِنْكَ هَذِهِ الْعَشَرَةَ
آلَافِ دِرْهَم، الْوُضْحَ الْجِيَادَ، مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا، فِي سَنَةٍ كَذَا، وَصَارَتْ لَكَ فِي يَدِي،
قِرَاضًا عَلَىْ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَّةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، أَقَرَّ فُلَانٌ، وَقُلَانٌ.
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ لَا يُطْلِقَ لَّهُ أَنْ يَشْتَرِيّ، وَتَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ، كَتَبَ: وَقَدْ نَّيْتَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ،
وَأَبِيعَ بِالتَّسِيئَةِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الكلام الذي ذكره المصنف في كيفيّة عقد
المضاربة له، وليس من كلام سعيد بن المسيّب، ولذلك لم يذكره في («الكبرى»، مع أنه
ذکر أثرسعید المذكور.

٣- (ذِكْرُ اخْتِلَافِ الألفاظِ الْمَأْثُورةِ ... - حديث رقم ٣٩٦٤
٢٠٣ ==
فقوله (وَقَالَ) ملحقٌ من الراوي عن المصنّف، والظاهر أنه ابن السنّيّ؛ لأنه المشهور
برواية ((المجتبى))، والضمير الفاعل للمصنّف رحمه الله تعالى.
(إِذَا دَفَعَ رَجُلٌ إِلَى رَجُلِ مَالًا قِرَاضًا) بكسر القاف، من المقارضة: وهي المضاربة،
يقال: قارضت فلانًا قِراضًاً، من باب قاتل: أي دفعتُ إليه مالًا ليتجر فيه، ويكون الربح
بينكما على ما تشترطان، والوضيعةُ على المال. وقال الأزهريّ في ((التهذيب)): القراض
في كلام أهل الحجاز: المضاربةُ. قال الزمخشريّ: أصلها من القَرْض في الأرض،
وهو قطعها بالسير فيها، وكذلك هي المضاربة أيضًا من الضرب في الأرض. أفاده في
((لسان العرب))(١).
(فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا كَتَبَ) وقوله (هَذَا كِتَابٌ) مفعول ((كتب))، لقصد
لفظه، وقوله (كَتَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ) في محلّ رفع صفة ((كتابٌ)) (طَوْعًا مِنْهُ) أي في حال
کونه طائعًا، لا مکرها (فِي صِحّةٍ مِنْهُ) أي ليس في مرض موته (وَجَوَازِ أَمْرِهِ) أي في حال
نفوذ أمره، وهو مؤكّد لقوله: ((طوعًا))، وفي صحّة منه))؛ إذ لا يصحّ أمره في حال
إكراهه، وحال مرض موته. ویحتمكل أن يكون إشارة إلى رُشده في التصرّف بأن يكون
بالغًا عاقلًا. والله تعالى أعلم. (لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) متعلّق بـ((كتبه)) (أَنَّكَ) يحتمل فتح
الهمزة، بتقدير جاز، أي بأنك الخ، ويحتمل كسرها، مفعول به ل)) كتب)) محكيّ لقصد
لفظه أيضًا (دَفَعْتَ إِلَيَّ مُسْتَهَلَّ شَهْرِ كَذَا) بنصب ((مستهلّ على الظرفية [((دفعت)) (مِنْ سَنّةِ
كَذَا عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَم وُضْحًا) -بضمّ الواو، وسكون الضاد المعجمة- هكذا مضبوطًا
بالقلم، ومعناه الصحاح، لكن الذي في ((القاموس))، أنه بفتحتين، فقد ذكر ما حاصله:
((الوَضَحُ محرّكةً: الدرهم الصحيح، وجمعه أوضاح، ونحوه في ((اللسان))، وأما جمعه
بضم، فسكون، أو بضمتين، فلم يذكر فيهما. فالله تعالى أعلم (چِيَادًا) بكسر الجيم،
وتخفيف التحتانيّة، جمع جيّد بفتح الجيم، وتشديد التحتانية، قال الفيوميّ: وأما جاد
المتاع يجود، فقيل: من باب قال، وقيل: من باب قرُب، والْجُودة منه بالضمّ،
والفتح، فهو جيّد، وجمعه جِيادٌ. انتهى (وَزْنَ سَبْعَةٍ) منصوب على الظرفيّة، أي موزونًا
بسبعة مثاقيل.
[فائدة]: قال الفيّوميّ رحمه اللّه تعالى: الدرهم الإسلاميّ: اسم للمضروب من
الفضّة، وهو معرّب، وزنه فِعْلَلٌ بكسر الفاء، وفتح اللام في اللغة المشهورة، وقد
تكسر هاؤه، فيقال: دِرْهِمٌ، حملًا على الأوزان الغالبة. والدرهم ستّة دَوَانقَ، والدرهم
(١) ((لسان العرب)) ٢١٨/٧.

٢٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
نصف دينار وخمسه، وكانت الدراهم في الجاهليّة مختلفةً، فكان بعضها خفافًا، وهي
الطبريّةُ، كلّ درهم منها أربعة دوانيق، وهي طَبَريّةُ الشام، وبعضها ثقالًا، كلُّ درهم
ثمانية دوانيق، وكانت تُسمّى الْعَبْديّة، وقيل: الْبَغْلِيّة، نسبة إلى ملك، يقال له: رأس
البَغْل، فجُمِع الخفيفُ والثقيلُ، وجُعِلا درهمين، متساويين، فجاء كلُّ درهم ستة
دوانيق. ويقال: إن عمر ◌َّه هو الذي فعل ذلك؛ لأنه لَمّا أراد جِبّايةَ الْخَراج، طلب
بالوزن الثقيل، فصَعُب على الرعيّة، وأراد الجمع بين المصالح، فطلب الْحُسّاب،
فخلطوا الوزنين، واستخرجوا هذا الوزن. وقيل: كان بعض الدراهم وزن عشرين
قيراطًا، وتسمّى وزن عشرةٍ، وبعضها وزن خمسة، وبعضها وزن اثني عشر، وتُسمّى
وزنَ ستّة، فَجَمَعُوا من الأوزان الثلاثة هذا الوزن، فكان ثُلُثَها، ويُسمّى وزنَ سبعة؛
لأنك إذا جمعت عشرة دراهم من كلّ صنف، كان الجميع أحدًا وعشرين مثقالًا، وثلثُ
الجميع سبعةُ مثاقيل. انتهى. المقصود من كلام الفيّوميّ(١).
(قِرَاضًا عَلَى تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، عَلَى أَنْ أَشْتَرِيَ بِهَا) أي
بالعشرة الآف (مَا شِئْتُ مِنْهَا) الظاهر أن ((ما)) بدل من الضمير المجرور بالباء، أي بما
شت من تلك الدراهم (كُلَّ) بالنصب على المفعولية، وهو مضاف إلى (مَا أَرَى أَنْ
أَشْتَرِيَهُ، وَأَنْ أُصَرِّفَهَا، وَمَا شِئْتُ مِنْهَا فِيمَا أَرَى أَنْ أُصَرِّفَهَا فِيهِ، مِنْ صُنُوفِ التِّجَارَات)
أي من أنواع التجارات (وَأَخْرُجَ بِمَا شِئْتُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُ) أي أخرج إلى البلدان النائية
بمبلغ من تلك الدارهم (وَأَبِيعَ مَا أَرَى أَنْ أَبِيعَهُ مِمَّا أَشْتَرِيهِ بِتَقْدٍ) بفتح، فسكون: خلاف
النسيئة (وَأَنْتُ أَمْ بِتَسِيئَةٍ) أي بتأجيل ثمن (وَبِعَيْنٍ) أي بالدراهم، والدنانير، وهو خلاف
العرض (رَأَيْتُ أَمْ بِعَرْضٍ) بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ: العرضُ المتاع، قالوا:
والدراهم، والدنانير عينٌ، وما سواهما عَرْضٌ، والجمع عُرُوض، مثلُ فلس وفُلُوس.
وقال أبو عُبيد: الْعُرُوض: الأمتعة التي لا يدخلها كيلٌ، ولا وزنٌ، ولا تكون حيوانًا،
ولا عَقَارًا. انتهى.
(عَلَى أَنْ أَعْمَلَ فِي جَميعِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِرَأْبِي وَأُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ مَنْ رَأَيْتُ) أي من رأيته
صالحًا للبيع والشراء (وَكُلُّ)َ مبتدأ، مضاف إلى قوله (مَا رَزَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ) أي في العمل
المذكور من البيع والشراء بالطرق المذكور (مِنْ فَضْلٍ وَرِبْحِ) بيان ل((ما)) (بَعْدَ رَأْسِ الْمَالِ
الَّذِي دَفَعْتَهُ الْمَذْكُورِ إِلَيَّ) جارّ ومجرورٌ متعلّقٌ ب((دفعته))، وقوله: ((المذكور معترض بيان
العامل والمعمول، وهو صفة ((رأس المال))، وكذلك قوله (الْمُسَمَّى مَبْلَغُهُ فِي هَذَا
(١) ((المصباح المنير» ١٩٣/١.

٣- (ذِكْرُ اخْتِلَافِ الألفاظِ المأثورة ... - حديث رقم ٣٩٦٤
٢٠٥
الْكِتَابِ) أي وهو عشرة آلاف درهم. وقوله(فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْتَكَ) خبر ((كلّ))، ودخول الفاء
في الخبر جائز؛ لما في المبتدإ من معنى العموم (نِصْفَيْنِ) منصوب على الحال، أي
مقسّمًا على نصفين (لَكَ مِنْهُ النّصْفُ بِحَظْ رَأْسٍ مَالِكَ) أَي بسبب ما دفعته من رأس
المال الذي حصل منه ذلك الربح (وَلِي فِيهِ النّصْفُ تَامَّا بِعَمَلِي فِيهِ) يعني أنه يستحقّ
نصف الربح الآخر بسبب عمله بالتجارة حتى حصل منه هذا الربح (وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ
وَضِيعَةٍ) -بفتح الواو، وكسر الضاد المعجمة -: الخسارة (فَعَلَى رَأْسِ الْمَالِ) يعني أنه
إذا حصلت خسارة تكون على رأس المال خاصّةً، ليس على العامل منها شيء؛ وذلك
لأن الوضعية عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مُختصّ بملك ربّ المال، لا شيءَ
للعامل فيه، فيكونَ نقصه من ماله، دون غيره، وإنما يشتركان فيما يحصل من النماء،
فأشبه المساقاة والمزارعة، فإن ربّ الأرض، والشجر يُشارك العامل فيما يحدُث من
الزرع والثمر، وإن تَلِف الشجر، أو هلك شيء من الأرض بغَرَقٍ، أو غيره لم يكن على
العامل شيءٍ (١).
(فَقَبَضْتُ مِنْكَ هَذِهِ الْعَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَم الْوُضْحَ الْجِيَادَ، مُسْتَهَلَّ شَهْرٍ كَذَا، فِي سَنَّةِ
كَذَا، وَصَارَتْ لَكَ فِي يَدِي قِرَاضًا) أيَّ مضاربة (عَلَى الشَّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي هَذَا
الْكِتَابِ، أَقَرَّ فُلَانٌ وَفُلَانٌ) كناية عن صاحب المال، والمضارب، يعني أنه أقرّ بما في
هذا الكتاب كلّ واحد منهما (وَإِذَا أَرَادَ أَنْ لا يُطْلِقَ لَهُ) ثبتت كلمة ((لا)) في النسخة
الهندية، وهو الصواب، وسقطت من كثير من نسخ ((المجتبى))، وهو غلطٌ فاحش،
يَفسُدُ به المعنى، فتنبّه (أَنْ يَشْتَرِيَّ وَتَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ كَتَبَ: وَقَدْ تَّيْتَتِي أَنْ أَشْتَرِيَ وَأَبِيعَ
بِالنَّسِيئَةِ) يعني أن صاحب المال إذا أراد أن لا يُطلق للمضارب العمل، بل أراد أن يقيّده
بنوع خاصّ من البيع والشراء، كأن يريد منعه من البيع بالنسيئة، كَتَب المضارب في
كتابة العقد قوله: «وقد نهيتني الخ؛ ليتمكّن أن يُلزمه به لو خالف بعد ذلك، فقوله:
((وقد نهيتني الخ مفعول ((كتَبَ)) لقصد لفظه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنیب)) .
(١) راجع ((المغني)) ١٤٥/٧.

٢٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
٤- (شَرِكَةُ عِنَانٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ)
أي هذا كتابة عقد شركة عنان بين ثلاثة أشخاص.
و((الشركة)) -بفتح الكاف، وكسر الراء، ويجوز تسكينها، مع فتح المعجمة،
وكسرها، ففيها ثلاث لغات، وهي في اللغة: مصدر شَرِكته في الأمر أَشْرَكه، من باب
تَعِبَ شَرِكًا، وشَرِكَةٌ، وزانُ كلِم، وکَلِمَةٍ: إذا صرت له شَریکًا، وجمع الشريك شُرَکاء،
وأَشْرَاك. وشرعًا: هي اجتماعَ في استحقاق، أو تصرّف.
وقال في ((الفتح)): الشركة -بفتح المعجمة، وكسر الراء، وبكسر أوله، وسكون
الراء، وقد تحذف الهاء، وقد يُفتح أوله مع ذلك، فتلك أربع لغات، وهي شرعًا: ما
يحدُث بالاختيار بين اثنين، فصاعدًا من الاختلاط لتحصيل الربح، وقد تحصُل بغير
قصد، كالإرث. انتهى(١).
و(العِنَانُ)) -بكسر العين المهملة، ونونين خفيفتين، بينهما ألف، وشركة العنان هي
أن يُخرج كلّ واحد من الشريكين، دنانير، أو دراهم مثل ما يُخرج صاحبه، ويخلطاها،
ويأذن كلّ واحد منهما لصاحبه بأن يتجر فيه، ولا خلاف بين الفقهاء في جوازه، وأنهما
إن ربحا في المالين فبينهما، وإن وُضِعا فعلى رأس مال كلّ واحد منهما. وقيل: شركة
العنان هي شرِكة في شيء خاصّ، دون سائر أموالهما، كأنه عنّ لهما شيء، أي عَرَضَ،
فاشترياه، واشتركا فيه، قال النابغة الجَعْديّ:
وَشَارَكْنَا قُرَيْئًا فِي تُقَاهَا
وَفِي أَحْسَابِهَا شِرْكَ الْعِنَانِ
بِمَا وَلَدَتْ نِسَاءُ بَنِي هِلَالٍ وَمَا وَلَدَتْ نِسَاءُ بَنِي أَبَانِ
وقيل: شركة العنان أن يكونا سواءً في الْغَلَق، وأن يتساوى الشريكان فيما أخرجاه،
من عين، أو ورٍق، مأخوذ من عِنّان الذّابّة؛ لأن عنان الذابة طاقتان متساويتان. قال
الجعد یمدح قومه، ويفتخر:
وَشَارَكْنَا قُرَيْشًا فِي تُقَاهَا ..... البيتن.
أي ساويناها، ولو كان من الاعتراض لكان هِجَاءً. وسُمّيت هذه الشركة شركة عنان
لمعارضة كلّ واحد منهما صاحبه بمال مثل ماله، وعمله فيه مثل عمله بيعًا وشراءً،
يقال: عانّه عِنَانًا، ومُعانّةً، كما يقال: عارضه معاضةً وعِرَاضًا. أفاده ابن منظور رحمه
(١) (فتح)) ٤٢٥/٥ ((كتاب الشركة)).

٢٠٧ =
٤- (شَرِكَةُ عِنَانِ بَيْنَ ثلاثةٌ)
اللَّه تعالى(١).
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: معنى شركة العنان أن يشترك رجلان بماليهما على
أن يعملا فيهما بأبدانهما، والربحُ بينهما، وهي جائزة بالإجماع، ذكره ابن المنذر، وإنما
اختُلِف في بعض شروطها، واختلف في علّة تسميتها شركة العنان، فقيل: سُمّيت بذلك
لأنهما يتساويان في المال والتصرف، كالفارسين إذا سوّيا بين فرسيهما، وتساويا في
السير، فإن عِنَانيهما يكونان سواءً. وقال الفرّاء: هي مشتقّة من عَنَّ الشيءُ إذا عَرَضَ،
يقال: عنّت لي حاجةٌ: إذا عرضت، فسُمّيت الشركة بذلك؛ لأن كلّ واحد منهما عنّ له
أن يُشارك صاحبه. وقيل: هي مشتقّة من الْمُعَانَنَة، وهي المعارضة، يقال: عانَنْتُ
فلانًا: إذا عارضته بمثل ماله وأفعاله، فكلّ واحد من الشريكين مُعارضٌ لصاحبه بماله
وفِعاله. وهذا يرجع إلى قول الفرّاء. انتهى كلام ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى(٢).
وتقييده بالثلاثة ليس لنفي ما عداه، بل لبيان أنه كما يجوز أن يشترك اثنان، كذلك
يجوز أن يكونوا أكثر. والله تعالى أعلم بالصواب.
(٣) هَذَا مَا اشْتَرَكَ عَلَيْهِ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، فِي صِحَّةٍ عُقُولِهِمْ، وَجَوَازِ أَمْرِهِمُ،
اشْتَرَكُوا شَرِكَةَ عَنَانٍ، لَا شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ بَيْتَهُمْ، فِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَم، وُضْحًا جِيَادًا،
وَزْنَ سَبْعَةٍ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةُ آلآفِ دِرْهَم، خَلَطُوهَا جَمِيعًا، فَصَارَتْ هَذِهِ الثَّلَاثِينَ
أَلْفَ دِرْهَم، فِي أَيْدِيِهِمْ مَخْلُوطَةٌ، بِشَرِكَةٍ بَيْتَهُمْ أَثْلَاثًا، عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ،
وَأَدَاءِ الْأَمَنَةِ، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، إِلَّى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَشْتَرُونَ جَمِيعًا بِذَلِكَ، وَبِمَا
رَأَوْا مِنْهُ اشْتِرَاءَهُ بِالنَّقْدِ، وَيَشْتَرُونَ بِالنَّسِيئَةِ عَلَيْهِ، مَا رَأَوْا أَنْ يَشْتَرُوا مِنْ أَنْوَاعَ التِّجَارَاتِ،
وَأَنْ يَشْتَرِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَتِهِ، دُونَ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ، وَبِمَا رَأَى مِنْهُ، مَا رَأَى
اشْتِرَاءَهُ مِنْهُ بِالنَّقْدِ، وَبِمَا رَأَى اشْتِرَاءَهُ عَلَيْهِ بِالنَّسِيئَةِ، يَعْمَلُونَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُخْتَمِعِينَ، بِمَا
رَأَوْا، وَيَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا بِهِ، دُونَ صَاحِبِهِ بِمَا رَأَى، جَائِزًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ،
فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَّى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ، فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَفِيمَا انْفَرَدُوا
بِهِ مِنْ ذَلِكَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دُونَ الْآخَرَيْنِ، فَمَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، مِنْ قَلِيلِ،
وَمِنْ كَثِيرٍ، فَهُوَ لَازِيمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَمَا رَزَقَ الَلَّهُ
فِي ذَلِكَ، مِنْ فَضْلٍ، وَرِبْحِ، عَلَى رَأْسٍ مَالِهِمُ الْمُسَمَّ مَبْلَغُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَهُوَ بَيْتَهُمْ
(١) ((لسان العرب)) ٢٩٢/١٣-٢٩٣.
(٢) ((المغني)) ١٢٣/٧.
(٣) يوجد في النسخ المطبوعة هنا: ما نصّه: ((شَرِكَةُ عِنَانٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ)) ، ولا يوجد في النسخة الهندية،
وهو الصواب؛ لأنه تكرار محض، فتنبه.

٢٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
أَثْلَاثًا، وَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ وَضِيعَةٍ، وَتَبِعَةٍ، فَهُوَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، عَلَى قَدْرِ رَأْسٍ مَالِهِمْ.
وَقَدْ كُتِبَ هَذَا الْكِتَابُ، ثَلَاثَ نُسَخْ مُتَسَاوِيَاتٍ، بِأَلْفَاظِ وَاحِدَةٍ، فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ
قُلَانٍ، وَقُلانٍ، وَقُلَانٍ، وَاحِدَةٌ وَثِيقَةً لَّهُ، أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ).
شرح كتاب العقد المذكور:
قوله: (هَذَا) إشارة إلى كتاب العقد (مَا اشْتَرَكَ عَلَيْهِ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، فِي صِحَّةٍ
عُقُولِهِمْ، وَجَوَازِ أَمْرِهِمُ) أي ليسوا مجانين، ولا صبيانًا حتى تمنع تصرّفاتهم (اشْتَرَكُوا
شَرِكَةَ عَنَانٍ) تقدّم تفسيرها قريبًا (لَا شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ) سيأتي تفسيرها قريبًا، إن شاء الله
تعالى (بَيْتَهُمْ) متعلّق بـ«شركة)) (فِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَم، وُضْحًا) بضمّ، فسكون: أي
صحاحًا، وتقدّم الكلام عليه في شرح عقد المضاربة، وأن هذه اللفظة لم أجدها في
كتب اللغة التي عندي، وإنما ذكروا وَضَحًا بفتحتين، وجمعه أوضاح (جِيَادًا، وَزْنَ سَبْعَةٍ)
أي كلّ عشرة منها وزن سبعة مثاقيل، كما تقدّم بيانه (لِكُلٌ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةُ آلَّافِ
دِرْهَم، خَلَطُوهَا جَمِيعًا، فَصَارَتْ هَذِهِ الثّلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَم، فِي أَيْدِهِمْ مَخْلُوطَةٌ، بِشَرِكَةٍ)
أي بسبب اشتراك (بَيْتَهُمْ أَثْلَاثًا، عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، مِنْ كُلِّ
وَاحِدٍ مِنْهُمْ، إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) يعني أن كلّ واحد من الشركاء الثلاثة يؤدي ما ائتُمن
عليه إلى صاحبيه (وَيَشْتَرُونَ جَمِيعًا بِذَلِكَ) المال الذي جعلوه رأس مالهم في هذه الشركة
(وَبِمَا رَأَوْا مِنْهُ اشْتِرَاءَهُ بِالنَّقْدِ) هو خلاف النسيئة (وَيَشْتَرُونَ بِالنَّسِيئَةِ عَلَيْهِ) أي بتأخير
وقت دفعه (مَا رَأَوْا أَنْ يَشْتَرُوا مِنْ أَنْوَاعِ التِجَارَاتِ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى
حِدَتِهِ) بكسر الحاء المهملة، وفتح الدالَ: أي منفردًا، يقال: وحَدَ يَجِدُ حِدَةً، من باب
وَعَدَ: انفرد بنفسه، فهو وَحَدٌ بفتحتين، وكسرُ الحاء لغة. ووَحُدَ بالضمّ وَحَادةً،
ووَحْدَةً، فهو وَحِيدٌ كذلك، وكلُّ شيء على حِدَةٍ: أي متميِّزٌ عن غيره. قاله الفيّوميّ
(دُونَ صَاحِبِهِ) هكذا النسخ بالإفراد، وكان الأولى ((صاحبيه))، لأنهما اثنان، وأجيب بأنه
مفرد مضاف، فيعمّ، فيجوز إطلاقه على الاثنين (بِذَلِكَ) المال كلّه (وَبِمَا رَأَى مِنْهُ) أي
ببعضه (مَا رَأَى اشْتِرَاءَهُ مِنْهُ بِالنَّقْدِ، وَبِمَا رَأَى اشْتِرَاءَهُ عَلَيْهِ بِالنَّسِيئَةِ، يَعْمَلُونَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ
مُجْتَمِعِينَ، بِمَا رَأَوْا، وَيَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْفَرِدَا بِهِ، دُونَ صَاحِبِهِ) بالإفراد، وتقدّم
آنفًا توجيهه (بِمَا رَأَى، جَائِزًا) منصوب على الحال، وفي نسخة بالرفع، على أنه خبر
لمقدّر، أي هذا جائزٌ (لِكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ
صَاحِبَيْهِ، فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَفِيمَا انْقَرَدُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم) الظاهر أن
((كلّ)) بالرفع على الفاعليّة لـ(انفردوا))، فيكون من باب («أكلوني البراغيث))، ويحتمل أن
يكون مبتدأ خبره محذوف: أي جائز له، فتكون الجملة مؤكّدة لما قبلها (دُونَ الْآخَرَيْنِ،

٤- (شَرِكَةُ عِنَانِ بَيْنَ ثَلاَثَّةٍ)
٢٠٩
فَمَا لَزِمَ) بكسر الزاي، من باب تَعِبَ (كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، مِنْ قَلِيلٍ، وَمِنْ كَثِيرٍ)
أي من الغرامات، والضمانات بسبب البيع والشراء (فَهُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ،
وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ جَميعًا، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، مِنْ فَضْلٍ، وَرِبْح) عطف تفسير
((فضل)) (عَلَى رَأْسٍ مَالِهِمُ الْمُسَمَّى مَبْلَغُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ) أي وهو ثلاثون ألف درهم
(فَهُوَ بَيْتَهُمْ أَثْلَاثًا) أي يقسم بينهم بالسويّة؛ لتساويهم في رأس المال والعمل (وَمَا كَانَ
فِي ذَلِكَ مِنْ وَضِيعَةٍ) أي خسارة (وَتَبِعَةٍ) بفتح المثنّاة الفوقية، وكسر الموحّدة، بوزن
كلمة: ما تطلُبُه من ظُلَامة، ونحوها، فيكون عطفه على ما قبله من عطف العام على
الخاصّ (فَهُوَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا) أي لأن الغُرْمِ بالغُنْم، فإنهم لما استووا في الربح،
لزم استواؤهم في الغرامات (عَلَى قَدْرِ رَأْسٍ مَالِهِمْ) فإن كلّ واحد منهم كان له ثلث
المبلغ .
(وَقَدْ كُتِبَ هَذَا الْكِتَابُ، ثَلَاثَ نُسَخْ مُتَسَاوِيَاتٍ، بِأَلْفَاظِ وَاحِدَةٍ، فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ
قُلَانٍ، وَقُلَانٍ، وَقُلَانٍ، وَاحِدَةٌ وَثِيقَةً لَهُ) أي عهد موثّق، أي محكم له من صاحبيه، قال
في ((اللسان)): الوثيقة في الأمر: إحكامه، والأخذ بالثقة، والجمع الوثائق. انتهى.
(أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) أي الشركاء الثلاثة الذين جرى بينهم كتابة هذه الوثيقة.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(شَرِكَةُ مُفَاوَضَةٍ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ عَلَى مَذْهَبٍ مَنْ يُچِيزُهَا):
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: معنى: ((شركة المفاوضة)): أن يشترك اثنان في كلّ
شيء في أيديهما، أو فيما يستفدانه فيما بعدُ. أفاده ابن منظور. وقال الفيّوميّ: شركة
المفاوضة أن يكون جميع ما يملكانه بينهما. انتهى.
وإنما قال: ((على مذهب من يُجيزها))؛ لأن هذه الشركة قد اختلف فيها العلماء.
قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: وأما شركة المفاوضة، فنوعان:
[أحدهما]: أن يشتركا في جميع أنواع الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان،
والوجوه، والأبدان، فيصحّ ذلك؛ لأن كلّ نوع منها يصحّ على انفراده، فصحّ مع
غيره.
و [الثاني]: أن يُدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكلّ واحد منهما من
ميراث، أو يجده من ركاز، أو لقطة، ويلزم كلّ واحد منهما ما يلزم الآخر، من أرش
جناية، وضمان غصب، وقيمة مُتَلَف، وغرامة الضمان، أو كفالة، فهذا فاسد، وبهذا
قال الشافعيّ. وأجازه الثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، وحُكي ذلك عن مالك.
وشَرَط أبو حنيفة لها شُروطًا، وهي أن يكونا حزّين مسلمين، وأن يكون مالهما في

٢١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
الشركة سواءً، وأن يُخرجا جميع ما يملكانه من جنس الشركة، وهو الدارهم
والدنانير. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة رحمه اللّه تعالى(١). والله تعالى أعلم
بالصواب.
(قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ [المائدة: ١]، هَذَا مَا
اشْتَرَكَ عَلَيْهِ فُلَانٌ، وَقُلَانٌ، وَقُلَانٌ، وَقُلَانٌ، بَيْتَهُمْ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ، فِي رَأْسٍ مَالٍ، ◌َعُوهُ
بَيْتَهُمْ، مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَنَقْدٍ وَاحِدٍ، وَخَلَطُوهُ، وَصَارَ فِي أَيْدِهِمْ مُمْتَزِجًا، لَا يُغْرَفُ
بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، وَمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَحَقُّهُ سَوَاءُ، عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِي ذَلِكَ
كُلِّهِ، وَفِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ سَوَاءٌ، مِنَ الْمُبَايَعَاتِ، وَالْمُتَاجَرَاتِ، نَقْدًا وَنَسِيئَةً، بَيْعًا
وَشِرَاءٌ، فِي جَميعِ الْمُعَامَلَاتِ، وَفِي كُلِّ مَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ بَيْتَهُمْ، مُجْتَمِعِينَ بِمَا رَأَوْا،
وَيَعْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ، بِكُلِ مَا رَأَى، وَكُلْ مَا بَدَا لَّهُ، جَائِزْ أَمْرُهُ فِي ذَلِكَ،
عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَلَى أَنَّهُ كُلُّ مَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، عَلَى هَذِهِ الشَّرِكَةِ،
الْمَوْصُوفَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، مِنْ حَقٌّ، وَمِنْ دَيْنٍ، فَهُوَ لَازِمْ لِكُلْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِنْ أَضْحَابِهِ
الْمُسَمَّيْنَ مَعَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَعَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ، الْمُسَمَّاةِ
فِيهِ، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهَا، عَلَى حِدَتِهِ، مِنْ فَضْلٍ، وَرِبْحِ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا
بِالسَّوِيَّةِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نَقِيصَةٍ، فَهُوَ عَلَيْهِمْ ◌َمِيعًا بِالسَّوِيَّةِ بَيْتَهُمْ، وَقَدْ جَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ
مِنْ قُلَانٍ، وَقُلَانٍ، وَقُلَانٍ، وَفُلَانٍ، كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُسَمَّيْنَ، فِي هَذَا الْكِتَابِ
مَعَهُ، وَكِيلَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ، بِكُلُّ حَقُّ هُوَ لَهُ، وَالْمُخَاصَمَةِ فِيهِ، وَقَبْضِهِ، وَفِي خُصُومَةٍ كُلِّ
مَنِ اعْتَرَضَهُ بِخُصُومَةٍ، وَكُلُ مَنْ يُطَالِيُهُ بِحَقٌّ، وَجَعَلَهُ وَصِيَّهُ فِي شَرِكَتِهِ، مِنْ بَعْدٍ وَفَاتِهِ،
وَفِي قَضَاءِ دُيُونِهِ، وَإِنْفَاذٍ وَصَايَاهُ، وَقَبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مَا
جَعَلَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَقَرَّ قُلَانٌ، وَقُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ).
شرح هذا العقد
قوله: (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوَفُواْ بِالْعُقُودِ﴾) ذكر الآية
الكريمة؛ استدلالًا على وجوب الوفاء بالعهد الذي يجري بين الشركاء (هَذَا مَا اشْتَرَكَ
عَلَيْهِ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانْ، بَيْتَهُمْ شَرِكَةً مُفَاوَضَةٍ، فِي رَأْسٍ مَالٍ، ◌َمَعُوهُ بَيْتَهُمْ،
مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَنَقْدٍ وَاحِدٍ، وَخَلَطُوهُ، وَصَارَ فِي أَيْدِهِمْ مُمْتَزِجًا) أي مختلطًا (لَا
يُعْرَفُ) بالبناء للمفعول (بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ) وقوله (وَمَالُ كُلْ وَاحِدٍ) مبتدأ خبره ((سواء
(مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَحَقُّهُ سَوَاءٌ، عَلَى أَنْ يَغَمَلُوا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَفِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ سَوَاءٌ،
(١) ((المغني)) ١٣٧/٧.

٢١١
٥- (بابُ شركة الأبدان) - حديث رقم ٣٩٦٥
مِنَ الْمُبَايَعَاتِ، وَالْمُتَاجَرَاتِ) عطف تفسير لما قبله (نَقْدًا وَنَسِيئَةً، بَيْعًا وَشِرَاءً، فِي جَمِيعِ
الْمُعَامَلَاتِ، وَفِي كُلِّ مَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ بَيْتَهُمْ، مُجْتَمِعِينَ بِمَا رَأَوْا، وَيَعْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ
مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ، بِكُلِّ مَا رَأَى، وَكُلِّ مَا بَذَا لَهُ) أي ظهر من المصلحة (جَائِزْ) أي
ثابت، ولازم (أَمْرُهُ فِي ذَلِكَ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) يعني أن كلّ واحد من الشركاء
لو فعل شيئًا مما ذكر من البيع نقدًا، أو نسيئة، والشراء كذلك، ونحو ذلك لزم
الآخرين، وليس لهم أن يعترضوا على شيء من ذلك (وَعَلَى أَنَّهُ) الضمير للشأن، تُفَسِّرُهُ
الجملة بعده، (كُلُّ مَا لَزِمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، عَلَى هَذِهِ الشَّرِكَةِ، الْمَوْصُوفَةِ فِي هَذَا
الْكِتَابِ، مِنْ حَقِّ، وَمِنْ دَيْنٍ، فَهُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُسَمَّيْنَ مَعَهُ فِي
هَذَا الْكِتَابِ، وَعَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ، الْمُسَمَّاةِ فِيهِ، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ
كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهَا) أي الشركة (عَلَى حِدَتِهِ، مِنْ فَضْلٍ، وَرِبْحٍ، فَهُوَ بَيْتَهُمْ جَمِيعًا
بِالسَّوِيَّةِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نَقِيصَةٍ) أي نقص، مثل الغرامات (فَهُوَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِالسَّوِيَّةِ
بَيْتَهُمْ، وَقَدْ جَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ فُلَانٍ، وَقُلَانٍ، وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ، كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَضْحَابِهِ
الْمُسَمَّيْنَ، فِي هَذَا الْكِتَابِ مَعَهُ، وَكِيلُّهُ فِي الْمَّطَالَبَةِ، بِكُلِّ حَقٌ هُوَ لَهُ، وَالْمُخَاصَمَةِ فِهِ،
وَقَبْضِهِ، وَفِي خُصُومَةٍ كُلِّ مَنِ اعْتَرَضَهُ بِخُصُومَةٍ، وَكُلِّ مَنْ يُطَالِبُهُ بِحَقٌ، وَجَعَلَهُ وَصِيَّهُ
فِي شَرِكَتِهِ، مِنْ بَعْدٍ وَفَاتِهِ) هذا يدلّ على أن الشركة لا تبطل بموت أحد الشركاء،
والمشهور عند الفقهاء أنها تبطل بالموت، وبالجنون، ونحو ذلك، فليُتأمّل (وَفِي قَضَاءٍ
دُيُونِهِ، وَإِنْفَاذٍ وَصَايَاهُ، وَقَبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مَا جَعَلَ إِلَيْهِ
مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥- (بَابُ شَرِكَةِ الأَبْدَانِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: شَرِكةُ الأبدان أصلها شَرِكةٌ بالأبدان، لكن حُذفت
الباء، ثم أضيفت؛ سُمِّيّتْ بذلك لأنهم بذلوا أبدانهم في الأعمال؛ لتحصيل المكاسب.
قاله في ((المصباح المنير)).
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: معنى شركة الأبدان أن يشترك اثنان، أو أكثر فيما
يكتسبونه بأيديهم، كالصُّنّاع، يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم، فما رزق الله
تعالى، فهو بينهم، وإن اشتركوا فيما يكسبون من المباح، كالحطب، والحشيش،

٢١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
والثمار المأخوذ من الجبال، والمعادن، والتّلَصُّص على دار الحرب، فهذا جائز، نصّ
عليه أحمد في رواية أبي طالب، فقال: لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم، وليس لهم
مالٌ، مثلُ الصيادين، والنقّالين، والحمّالين. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة رحمه
اللَّه تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٩٦٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةً، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا، وَعَمَّارٌ، وَسَعْدٌ،
يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنٍ، وَلَمْ أَجِئْ أَنَا، وَلَا عَمَّارٌ بِشَيْءٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان الأحول، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/٤.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٧/٣٣ .
٤- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣]
٤٢/٣٨ .
٥- (أبو عُبيدة) بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له
غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفيّ، ثقة، من كبار [٣] ٦٢٢/٥٥.
٦- (عبد الله) بن مسعود الهذليّ الصحابيّ الشهير رضي اللّه تعالى عنه ٣٩/٣٥.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير أبي عبيدة، فإنه من رجال الأربعة، ولم يسمع من أبيه، ففي
الإسناد انقطاع. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا، وَعَمَّارٌ) هو
ابن ياسر الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما (وَسَعْدٌ) الظاهر أنه ابن أبي
وقّاص ◌َّه (يَوْمَ بَذْرٍ) الظاهر أن المراد يوم وقعة بدر، ويحتمل أن يكون المراد زمن
(١) ((المغني)) ١١١/٧.

٢١٣
٥- (بَبُ شَرِكَةِ الأبدانِ) - حديث رقم ٣٩٦٦
بدر، ووقعة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة يوم سابع عشر رمضان (فَجَاءَ سَعْدٌ)
وَّهِ (بِأَسِيرَيْنٍ، وَلَمْ أَجِئْ أَنَا، وَلَا عَمَّارٌ بِشَيْءٍ) استدلّ بهذا على جواز شركة الأبدان،
وهي أن يشترك العاملان فيما يعملانه، فيوكّل كلّ واحد منهما صاحبه أن يتقبّل العمل،
ويعمل عنه في قدر معلوم، مما استؤجر عليه، ويُعيّنان الصنعة، وقد ذهب إلى صحّتها
مالكٌ بشرط اتحاد الصنعة، وإلى صحّتها ذهب أبو حنيفة، وأصحابه. وقال الشافعيّ:
شركة الأبدان كلها باطلة؛ لأن كلّ واحد منهما متميّز ببدنه، ومنافعه، فيختصّ بفوائده،
وهذا كما لو اشتركا في ما شيتيهما، وهي متميّزة ليكون الدرّ والنسلُ بينهما، فلا يصحّ.
وأجابت الشافعيّة عن هذا الحديث بأن غنائم بدر كانت لرسول اللّه وَّل يدفعها لمن
يشاء، وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة وغيره، ممن قال: إن الوكالة في المباحات
لا تصحّ. أفاده الشوكانيّ رحمه الله تعالى(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الحديث ضعيف، كما سيأتي قريبًا. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عبد الله بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه هذا ضعيف؛ للانقطاع بين أبي
عُبيدة، وأبيه؛ لأن الراجح أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، ولأن فيه عنعنة أبي إسحاق،
وهو مدلّس. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٩٦٥/٦- وفي ((الكبرى)) ٤٦٧١/٣. وأخرجه (د) في ((البيوع))
٢٣٨٨ (ق) في ((التجارات)) ٢٢٨٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٦٦- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيّ،
فِي عَبْدَيْنِ مُتَفَاوِضَيْنٍ، كَاتَبَ أَحَذُّهُمَا، قَالَ: جَائِزٌ إِذَا كَانَا مُتَفَاوِضَيْنٍ، يَقْضِي أَحَدُهُمَا
عَنِ الْآخَرِ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
وقوله: ((متفاوضين)) المفاوضة: المساواة، والمشاركة، وهى مفاعلة من التفويض،
(١) (نيل الأوطار)) ٢٨٣/٥.

٢١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
كأن كلَّ واحد منهما رَدَّ ما عنده إلى صاحبه، وتفاوض الشريكان في المال: إذا اشتركا
فيه أجمع. قاله ابن الأثير(١).
والظاهر أن العبدين كان متعاقدين شركة المفاوضة، وهذا محمول على أن سيّدهما
أذن لهما في ذلك. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((يقضي الخ)) الظاهر أن معناه: إذا كان يؤذي أحدهما عن الآخر بدل الكتابة،
ولفظ («الكبرى»: ((يقضي أحدهما على الآخر في الإجارات)).
والأثر هذا صحيح مقطوع، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى أخرجه هنا-٦/
٣٩٦٦- وفي ((الكبرى)) ٤٦٧٢/٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٦- (تَفَرُّقُ الشُّرَكَاءِ عَنْ شَرِكَتِهِمْ)
أي هذا بيان عقد تفرّق الشركاء عن شَرِكتهم. وهذا هو الذي في النسخة الهنديّة،
وفي بعض النسخ: ((عن شركهم)) بحذف التاء، وقد تقدّم أنه لغة في الشركة، ووقع في
النسخة المصريّة: ((عن شريكهم)) بالياء، مع حذف التاء، وهو تصحيف، فتنبه. والله
تعالى أعلم بالصواب.
(هَذَا كِتَابٌ، كَتَبَهُ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَقُلَانٌ، بَيْنَهُمْ، وَأَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِكُلْ
وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، الْمُسَمَّيْنَ مَعَهُ، فِي هَذَا الْكِتَابِ، بِجَمِيعِ مَا فِيهِ، فِي صِحَّةٍ مِنْهُ،
وَجَوَازِ أَمْرٍ، أَنَّهُ جَرَتْ بَيْتَنَا مُعَامَلَاتٌ، وَمُتَاجَرَاتٌ،َ وَأَشْرِيَةٌ، وَبُيُوعْ، وَخُلْطَةٌ، وَشَرِكَةٌ
فِي أَمْوَالِ، وَفِي أَنْوَاعٍ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ، وَقُرُوضٌ، وَمُصَارَفَاتٌ، وَوَدَائِعُ، وَأَمَانَاتَّ،
وَسَفَاتِجُ، وَمُضَارَبَاتٌ، وَعَوَارِي، وَدُيُونٌ، وَمُؤَاجَرَاتٌ، وَمُزَارَعَاتٌ، وَمُؤَاكَرَاتٌ، وَإِنَّا
تَنَاقَضْنَا، عَلَى التَّرَاضِي مِنَّا جَمِيعًا بِمَا فَعَلْنَا، جَميعَ مَا كَانَ بَيْتَنَا، مِنْ كُلِّ شَرِكَةٍ، وَمِنْ كُلِّ
مُخَالَطَةٍ كَانَتْ، جَرَتْ بَيْتَنَا، فِي نَوْعِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالْمُعَامَلَاتِ، وَفَسَخْنَا ذَلِكَ كُلُّهُ، فِي
تَجِيعِ مَا جَرَى بَيْتَنَا، فِي ◌َمِيعِ الْأَنْوَاعَ، وَالْأَصْنَافِ، وَبَيَنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ، نَوْعًا نَوْعَا، وَعَلِمْنَا
(١) ((النهاية)) ٤٧٩/٣.

٢١٥
٦- (تَفَرُّقُ الشَّرَكَاءِ عَنْ شَرِكَتِهِمْ)
مَبْلَغَهُ، وَمُنْتَهَاهُ، وَعَرَفْتَهُ عَلَى حَقُّهِ وَصِدْقِهِ، فَاسْتَوْفَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا جَمِيعَ حَقُّهِ، مِنْ ذَلِكَ
أَجَمَعَ، وَصَارَ فِي بَدِهِ، فَلَمْ يَبْقَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، قِبَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، الْمُسَمَّيْنَ مَعَهُ فِي
هَذَا الْكِتَابِ، وَلَّا قِبَلَ أَحَدٍ بِسَبَيِهِ، وَلَا بِاسْمِهِ حَقٌّ، وَلَا دَعْوَى، وَلَا طَلِيَةٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا،
قَدِ اسْتَوْفَىَ جَمِيعَ حَقْهِ، وَجَمِيعَ مَا كَانَ لَهُ، مِنْ جَميعِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَصَارَ فِي يَدِهِ مُوَفًَّا.
أَقَرَّ فُلَانٌ، وَقُلَانٌ، وَقُلَانٌ، وَفُلَانٌ).
شرح كتابة تفرّق الشركاء عن شركتهم
(هَذَا كِتَابٌ، كَتَبَهُ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَقُلَانٌ، بَيْنَهُمْ، وَأَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِكُلِّ
وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، الْمُسَمَّيْنَ مَعَهُ، فِي هَذَا الْكِتَابِ، بِجَمِيعِ مَا فِيهِ، فِي صِحَّةٍ مِنْهُ،
وَجَوَازِ أَمْرٍ، أَنَّهُ جَرَتْ بَيْتَنَا مُعَامَلَاتٌ) وقوله (وَمُتَاجَرَاتٌ) ومَا بعده من عطف المفسّر
على المفسّر؛ لأن المعاملات تعمّها كلها (وَأَشْرِيَةٌ) جمع شراء، كبناء وأبنية، وإنما
جمعه، وإن كان المصدر لا يُجمع، نظرًا إلى أنواعه، فإنه أنواع، كالشراء نقدًا، أو
نسيئة، أو مرابحة، أو تولية، أو وضيعة، أو نحو ذلك، وكذلك في قوله (وَبُيُوعٌ) وقوله
(وَخُلْطَةٌ) بضم الخاء المعجمة، وسكون اللام: اسم من الاختلاط، والمراد به هنا:
الاشتراك، فيكون قوله (وَشَرِكَةٌ) عطف تفسير له (فِي أَمْوَالٍ، وَفِي أَنْوَاعٍ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ،
وَقُرُوضٌ) قَرض، كفلس وفُلُوس: وهو: ما تُعطيه غيرك من المالّ، لتُقضاه. قاله
الفيّوميّ (وَمُصَارَفَاتٌ) بضم أوله مفاعلة من الصرف، وهو بيع الأثمان بعضها ببعض
(وَوَدَائِعُ، وَأَمَانَاتْ) من عطف العام على الخاصّ (وَسَفَاتِجُ) بفتح أوله: جمع سُفْتَجة،
بضمّ السين، وقيل: بفتحها، وأما التاء، فمفتوحة فيهما، فارسيّ مُعَرَّبٌ، وفسّرها
بعضهم، فقال: هي كتابُ صاحب المال لوكيله أن يدفع مالاً قرضًا، يأمَنُ به خَطَرَ
الطريق. قاله الفيّومي. والمراد هنا التعامل بالسفاتج (وَمُضَارَبَاتٌ، وَعَوَارِي) بفتح العين
المهملة، وتخفيف آخره، ويُشدّد، وهو الأصل: جمع عاريّة بتشديد الياء، وتخفّف قليلًا.
قال الفيّوميّ: أصل العاريّة فَعَلِيّة بفتح العين، قال الأزهريّ: نسبة إلى العارة، وهي اسم
من الإعارة، يقال: أعرته الشيء إعارةً، وعَارَةً، مثلُ أطعته إطاعةً، وطاعةً، وأجبته
إجابة، وجابةً. قال: وقد تُخُفّف العاريّة في الشعر، والجمع الْعَوَاريُّ بالتخفيف،
وبالتشديد على الأصل. انتهى (وَدُيُونٌ، وَمُؤَاجَرَاتٌ، وَمُزَارَعَاتٌ، وَمُؤَاكّرَاتٌ) من
الكراء، وهو الأجرة (وَإِنَّا تَنَاقَضْنَا) أي نقضنا، وفسخنا عقد الشركة (عَلَى التَّرَاضِي مِنَّا
جَميعًا بِمَا فَعَلْنَا، جَمِيعَ مَا كَانَ بَيْتَتَا) بنصب ((جميع)) على أنه مفعول ((تناقضنا)) (مِنْ كُلِّ
شَرِكَةٍ، وَمِنْ كُلِّ مُخَالَطَةٍ كَانَتْ، جَرَتْ بَيْتَنَا، فِي نَوْعِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالْمُعَامَلَاتٍ) وقوله
(وَفَسَخْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ) جملة معطوفة على ((تناقضنا)) للتوكيد (فِي جَميعِ مَا جَرَى بَيْتَنَا، فِي

٢١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
جميع الْأَنْوَاعِ، وَالْأَصْنَافِ، وَبَيِّنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ، نَوْعًا نَوْعًا، وَعَلِمْنَا مَبْلَغَهُ، وَمُنْتَهَاهُ، وَعَرَفْنَاهُ
عَلَىَ حَقُّهِ وَصِدْقِهِ، فَاسْتَوْفَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا جَمِيعَ حَقْهِ، مِنْ ذَلِكَ أَجَمَعَ، وَصَارَ فِي يَدِهِ، فَلَمْ
يَبْقَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، قِبَلَ) بكسر القاف، وفتح الموحّدةِ بوزن عِنَبِ: أي جِهَة (كُلِّ وَاحِدٍ
مِنْ أَصْحَابِهِ، الْمُسَمَّيْنَ مَعَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَلَا قِبَلَ أَحَدٍ بِسَبَبِهِ، وَلَا بِاسْمِهِ) مؤكّد لما
قبله (حَقُّ، وَلَا دَعْوَى، وَلَا طَلِيَةٌ) بفتحِ، فَكسر: بمعنى الطلب (لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا، قَدِ
اسْتَوْفَى جميعَ حَقَّهِ، وَجَمِيعَ مَا كَانَ لَهُ، مِنْ جَميعِ ذَلِكَ كُلِهِ، وَصَارَ فِي يَدِهِ مُوَفِّرًا) أي كاملًا
تامًّا (أَقَرَّ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) يعنيَ أن جميع الشركاء أقرُّوا بما كُتب في هذا
الكتاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب».
٧- (تَفَرُّقُ الزَّوْجَيْنِ عَنْ
مُزَاوَجَتِهِمَا)
أي هذا صورة كتابة تفرّق الزوجين عن نكاحهما، فالمزاوجة: بمعنى الزّواج، أي
النكاح. والله تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا
يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ الَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهُ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
هَذَا كِتَابٌ، كَتَتْهُ فُلَانَةُ بِنْتُ قُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فِي صِحَّةٍ مِنْهَا، وَجَوَازِ أَمْرٍ، لِقُلَانِ بْنِ فُلانٍ
ابْنِ فُلَانٍ، إِنِّي كُنْتُ زَوْجَةٌ لَكَ، وَكُنْتَ دَخَلْتَ بِي، فَأَفْضَيْتَ إِلَيَّ، ثُمَّ إِنِّي كَرِهْتُ
صُحْبَتَكَ، وَأَخْبَيْتُ مُفَارَقَتَكَ، عَنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ مِنْكَ بِي، وَلَا مَنْعِي لِحَقِّ وَاجِبٍ لِي
عَلَيْكَ، وَإِنِّي سَأَلْتُكَ عِنْدَ مَا خِفْنَا، أَنْ لَا نُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ، أَنْ تَخَلَعَنِي، فَتُبِينَتِي مِنْكَ
بِتَطْلِيقَةٍ، بِجَمِيعِ مَالِي عَلَيْكَ، مِنْ صَدَاقٍ، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا، جِيَادًا، مَثَاتِيلَ، وَبِكَذَا
وَكَذَا دِينَارًا، جِيَادًا، مَثَاقِيلَ، أَعْطَيْتُكَهَا عَلَى ذَلِكَ، سِوَى مَا فِي صَدَاتِي، فَفَعَلْتَ الَّذِي
سَأَلْتُكَ مِنْهُ، فَطَلَقْتَنِي تَطْلِيقَةً بَائِنَةً، بِجَمِيعِ مَا كَانَ بَقِيَ لِي عَلَيْكَ، مِنْ صَدَاقِي الْمُسَمِّى
مَبْلَغُهُ، فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَبِالدَّنَانِيرِ الْمُسَمَّاَةِ فِيهِ، سِوَى ذَلِكَ، فَقَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْكَ، مُشَافَهَةً
لَكَ، عِنْدَ مُخَاطَبَتِكَ إِنَّايَ بِهِ، وَمُجَاوَبَةً عَلَى قَوْلِكَ، مِنْ قَبْلِ تَصَادُرِنَا، عَنْ مَنْطِقِنَا ذَلِكَ،

٢١٧
٧- (تَفَرِّقُ الزَّوْجَيْنِ عَنْ مُزَاوَجَتِهِمَا)
وَدَفَعْتُ إِلَيْكَ جَميعَ هَذِهِ الدَّتَانِيرِ، الْمُسَمَّى مَبْلَغُهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، الَّذِي خَالَعْتَنِي عَلَيْهَا
وَافِيَّةً، سِوَى مَا فِي صَدَاقِي، فَصِرْتُ بَائِنَةً مِنْكَ، مَالِكَةٌ لِأَمْرِي، بِهَذَا الْخُلْعِ، الْمَوْصُوفِ
أَمْرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَلَاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيَّ، وَلَا مُطَالَبَةً، وَلَّا رَجْعَةَ، وَقَدْ قَبَضْتُ مِنْكَ،
جميعَ مَا يَجِبُ لِمِثْلِي، مَا دُمْتُ فِي عِدَّةٍ مِنْكَ، وَجَميعَ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ، بِتَمَامِ مَا يَجِبُ
لِلْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي مِثْلٍ حَالِيٍ، عَلَى زَوْجِهَا الَّذِي يَكُونُ فِي مِثْلِ حَالِكَ، فَلَمْ يَبْقَ
لِوَاحِدٍ مِنَّا قِبَلَ صَاحِبِهِ حَقٌّ،َ وَلَا دَعْوَى، وَلَا طَلِيَةٌ، فَكُلُّ مَا اذَّعَى وَاحِدٌ مِنَّا قِبَلَ صَاحِبِهِ،
مِنْ حَقِّ، وَمِنْ دَعْوَى، وَمِنْ طَلِبَةٍ بِوَجْهِ مِنَ الْوُجُوهِ، فَهُوَ فِي جَميعِ دَعْوَاهُ مُبْطِلٌ، وَصَاحِبُهُ
مِنْ ذَلِكَ أَجَمَعَ بَرِيءٌ، وَقَدْ قَبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا، كُلَّ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ صَاحِبُهُ، وَكُلَّ مَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ،
مِمَّا وُصِفَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مُشَافَهَةً، عِنْدَ مُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهُ، قَبْلَ تَصَادُرِنَا عَنْ مَنْطِقِنَا،
وَاقْتِرَاقِنَا عَنْ مَجْلِسِنَا، الَّذِيَ جَرَى بَيْتَنَا فِيهِ، أَقَرَّتْ فُلَانَةُ، وَفُلَانٌ).
شرح كتاب عقد تفرّق الزوجين المذكور
(قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِنَّاَ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ
يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهُ﴾
[البقرة: ٢٢٩]) ذكره الآية استدلالًا على أن تفرّق الزجين بالخلع مشروع بنص كتاب
الله عز وجل.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: قال طائفة من السلف، وأئمة الخلف: إنه لا
يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول
الفدية، واحتجوا بهذه الآية، قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في
غيرها إلا بدليل، والأصل عدمه، وممن ذهب إلى هذا ابنُ عبّاس، وطاوس،
والحسن، والجمهور، حتى قال مالك، والأوزاعيّ: لو أخذ منها شيئًا، وهو مضارّ لها
وجب ردّه إليها، وكان الطلاق رجعيًا، قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه.
وذهب الشافعيّ رحمه اللّه تعالى إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق، وعند الاتفاق
بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة. وحكى الشيخ أبو عمر بن
عبد البرّ في كتاب ((الاستذكار)) له عن بكر بن عبد الله المزنيّ إلى أنه ذهب إلى أن الخلع
منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وَءَاتَّيْتُمْ إِحْدَدهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]،
ورواه ابن جرير عنه، وهذا قول ضعيف، ومأخذ مردود على قائله. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تقدّم البحث عن هذه المسألة في محلّها، من
(١) ((تفسير ابن كثير" ٢٨٠/١-٢٨١.
"،

٢١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
((كتاب الطلاق)) مستوفى، بحمدالله تعالى، وحسن توفيقه، فراجعه تستفد، وبالله تعالى
التوفيق.
(هَذَا كِتَابٌ، كَتَبَتْهُ فُلَانَةُ بِنْتُ قُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فِي صِحَّةٍ مِنْهَا، وَجَوَازِ أَمْرٍ، لِقُلَانٍ بْنِ
قُلَانِ ابْنٍ قُلَانٍ، إِنِّي كُنْتُ زَوْجَةٌ لَكَ، وَكُنْتَ دَخَلْتَ بِي، فَأَقْضَيْتَ إِلَيَّ) كناية عن
جماعها، يقال: أفضى إلى امرأته: إذا باشرها، وجامعها، وأما أفضاها بدون حرف جرّ،
فمعناه جعل مسلكيها بالاقتضاض واحدًا. وقيل: جعل سبيل الحيض والغائط واحدًا،
فهي مُفضاة. قاله الفيّوميّ (ثُمَّ إِنِّي كَرِهْتُ صُحْبَتَكَ، وَأَخْبَيْتُ مُفَارَقَتَكَ، عَنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ
مِنْكَ بِي، وَلَا مَنْعِي لِحَقِّ وَاجِبٍ لِي عَلَيْكَ، وَإِنّي سَأَلْتُكَ عِنْدَ مَا خِفْنَا، أَنْ لَا نُقِيمَ حُدُودَ
اللَّهِ،) أي ما حدّه اللَّه عز وجل على كلّ واحد من الزوجين من الحقوق (أَنْ تُخْلَعَنِي)
بفتح أوله، وثالثه، من باب فتح (فَتُبِينَنِي) بضمّ أوله من الإبانة رباعيًّا (مِنْكَ بِتَطْلِيقَةٍ،
بِجَمِيعِ مَالِي عَلَيْكَ، مِنْ صَدَاقٍ) أي بكونه عوضًا على ذلك (وَهُوَ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا،
جِيَادًا، مَثَاقِيلَ، وَبِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا، چِيَادًا، مَثَاقِيلَ، أَعْطَيْتُكَهَا عَلَى ذَلِكَ، سِوَى مَا فِي
صَدَاقِي، فَفَعَلْتَ الَّذِي سَأَلْتُكَ مِنْهُ، فَطَلَّقْتَتِي تَطْلِيقَةٌ بَائِتَةً، بِجَمِيعِ مَا كَانَ بَقِيَ لِي عَلَيْكَ،
مِنْ صَدَاقِي الْمُسَمَّى مَبْلَغُهُ، فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَبِالدَّتَانِيرِ الْمُسَمَّةِ فِيهِ، سِوَى ذَلِكَ، فَقَبِلْتُ
ذَلِكَ مِنْكَ، مُشَافَهَةً لَكَ، عِنْدَ مُخَاطَبَتِكَ إِيَّايَ بِهِ، وَمُجَاوَبَةٌ عَلَى قَوْلِكَ، مِنْ قَبْلِ تَصَادُرِنَا
عَنْ مَنْطِقِنَا ذَلِكَ) أي تراجعنا عن محلّ نطقنا، والمراد: قبل قيامهما وتفرّقهما عن
مجلسهما ذلك. والله تعالى أعلم (وَدَفَعْتُ إِلَيْكَ جَمِيعَ هَذِهِ الدُّنَانِيرِ، الْمُسَمَّى مَبْلَغُهَا فِي
هَذَا الْكِتَابِ، الَّذِي) هكذا النسخ، وكان الأولى أن يقول: ((التي))؛ لأنه صفة للدنانير،
أو يذكّر الضمير في قوله (خَالَعْتَنِي عَلَيْهَا) فيقول: عليه، فيعود إلى المبلغ (وَافِيَةً، سِوَى
مَا فِي صَدَاقِي، فَصِرْتُ بَائِتَةً مِنْكَ، مَالِكَةٌ لِأَمْرِي، بَهَذَا الْخُلْعِ، الْمَوْصُوفِ أَمْرُهُ فِي هَذَا
الْكِتَابِ، فَلَاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيَّ، وَلَا مُطَالَبَةَ، وَلَاَ رَجْعَةً، وَقَدْ قَبَّضْتُ مِنْكَ، ◌َمِيعَ مَا يَجِبُ
لِمِثْلِ، مَا دُمْتُ فِي عِدَّةٍ مِنْكَ) أرادت به ما يجب لها من نفقة العدّة (وَجَميِعَ مَا أَخْتَاجُ
إِلَيْهِ، بِتَمَامِ مَا يَجِبُ لِلْمُطَلّقَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي مِثْلِ حَالِيٍ، عَلَى زَوْجِهَا الَّذِي يَكُونُ فِي مِثْلٍ
حَالِكَ، فَلَمْ يَبْقَ لِوَاحِدٍ مِنَّا قِبَلَ صَاحِبِهِ حَقٌّ، وَلَا دَعْوَى، وَلَا طَلِيَةٌ) بفتح، فكسر: أي
مطالبة (فَكُلُّ مَا اذَّعَى وَاحِدٌ مِنَّا قِبَلَ صَاحِهِ، مِنْ حَقِّ، وَمِنْ دَعْوَى، وَمِنْ طَلِيَةِ بِوَجْهٍ مِنَ
الْوُجُوهِ، فَهُوَ فِي جَميعِ دَعْوَاهُ مُبْطِلٌ) أرادت بذلك الدعوى المتعلّقة بالزوجيّة (وَصَاحِبُهُ
مِنْ ذَلِكَ أَلَمَعَ) توكيد لاسم الإشارة، مجرور بالفتحة؛ للعلميّة ووزن الفعل؛ لأن ألفاظ
التوكيد معارف للعلميّة الجنسيّة، كما هو مقرّر في محلّه (بَرِيءٌ، وَقَدْ قَبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ
مِنَّا، كُلَّ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ صَاحِبُهُ، وَكُلَّ مَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ، مِمَّا وُصِفَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مُشَافَهَةٌ، عِنْدَ

٨- (الكتابة)
٢١٩
مُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهُ، قَبْلَ تَصَادُرِنَا عَنْ مَنْطِقِنَا) وقوله (وَاقْتِرَاقِنَا عَنْ مَجْلِسِنَا الَّذِي جَرَى بَيْئَتَا فِيهِ)
تفسير لما قبله، من قولها: قبل تصادرنا عن مطقنا (أَقَرَّتْ فُلَاتَةُ، وَفُلَانٌ) تعني أن المرأة
الطالبة للخلع أقرّت بما اشتمل عليه هذا الكتاب، وأقرّ بقبول ذلك الزوج المخالع.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب)).
٨- (الْكِتَابَةُ)
قال الفيّوميّ رحمه اللَّه تعالى: يقال: كاتبتُ العبدَ مُكاتبةً، وكتابًا، من باب قاتل،
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور: ٣٣]، وكتبنا كتابًا في المعاملات،
وكتابةً بمعنَى، وقول الفقهاء: ((باب الكتابة)) فيه تسامح؛ لأن الكتابة اسم المكتوب،
وقيل: للمكاتبة كتابةٌ تسميةً باسم المكتوب، مجازًا، واتّساعًا؛ لأنه يُكتَب في الغالب
للعبد على مولاه كتابٌ بالعتق عند أداء النجوم، ثم كثُر الاستعمال حتى قال الفقهاء
للمكاتبة: كتابة، وإن لم يُكتب شيءٌ. قال الأزهريّ: وسُمّيت المكاتبة كتابةً في
الإسلام، وفيه دليلٌ على أن هذا الإطلاق ليس عربيًّا، وشذّ الزمخشريّ، فجعل
المكاتبة، والكتابة بمعنّى واحدٍ، ولا يكاد يوجد لغيره ذلك، ويجوز أنه أراد الكتاب،
فطغا القلم بزيادة الهاء. قال الأزهريّ: الكتاب، والمكاتبة أن يُكاتِبَ الرجلُ عبدَهُ، أو
أمته على مال منجَّم، ويَكتُب العبدُ عليه أنه يَعتِقُ إذا أدَّى النجوم. وقال غيره بمعناه،
وتكاتبا كذلك، فالعبدُ مكاتبٌ بالفتح، اسم مفعول، وبالكسر اسم فاعل؛ لأنه كاتب
سيّده، فالفعل منهما، والأصل في باب المفاعلة أن يكون من اثنين، فصاعدًا، يفعل
أحدهما بصاحبه ما يفعل هو به، وحينئذ، فكلُّ واحد فاعلٌ ومفعولٌ من حيث المعنى.
انتهى كلام الفيّوميّ(١).
(قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَّذِينَ يَنَغُونَ الْكِنَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَبِمَنُكُمْ ذَكَاِبُهُمْ﴾
[النور: ٣٣]، هَذَا كِتَابٌ، كَتَهُ فُلَانُ ابْنُ فُلانٍ، فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، وَجَوَازٍ أَمْرٍ، لِفَتَاهُ النُّوبِيِّ،
الَّذِي يُسَمَّى فُلَانًا، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فِي مِلْكِهِ وَيَدِهِ، إِنِّي كَاتَبْتُكَ عَلَى ثَلَاثَةِ آلافٍ درهم، وُضْحٍ
(١) ((المصباح المنير" ٥٢٤/٢-٥٢٥.

٢٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
جِيَادٍ، وَزْنِ سَبْعَةٍ، مُتَجَّمَةً عَلَيْكَ، سِتَّ سِنِينَ مُتَوَالِيَاتٍ، أَوَّلُهَا مُسْتَهَلُ شَهْرٍ كَذَا، مِنْ
سَنَّةٍ كَذَا، عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إِلَيَّ هَذَا الْمَالَ، الْمُسَمَّى مَبْلَغُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي نُجُومِهَا، فَأَنْتَ
حُرِّ بَهَا، لَكَ مَا لِلْأَخْرَارِ، وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَخْلَّلْتَ شَيْئًا مِنْهُ عَنْ مَحِلْهِ، بَطَلَتِ
الْكِتَابَةُ، وَكُنْتَ رَقِيقًا، لَا كِتَابَةَ لَكَ، وَقَدْ قَبِلْتُ مُكَاتَبَتَكَ عَلَيْهِ، عَلَى الشَّرُوطِ الْمَوْصُوفَةِ
فِي هَذَا الْكِتَابِ، قَبْلَ تَصَادُرِنَا عَنْ مَنْطِقِنَا، وَاقْتِرَاقِنَا عَنْ مَجْلِسِنَا، الَّذِي جَرَى بَيْئَنَا ذَلِكَ
فِيهِ، أَقَرَّ فُلَانَ، وَفُلَانٌ).
شرح كتاب عقد الكتابة المذكور
(قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْنَغُونَ الْكِنَبَ مِمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَِّبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣])
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم
منهم الكتابة أن يُكاتبوهم بشرط أن يكون للعبد حِيلةٌ، وكسبٌ يؤدي إلى سيّده المال
الذي شارطه على أدائه.
وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد، واستحباب، لا أمر تحتّم
وإيجاب، بل السيّد مخيّرٌ إذا طلب منه عبده الكتابة، إن شاء كاتبه، وإن شاء لم یکاتبه.
رُوي ذلك عن الشعبيّ، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصريّ، ومقاتل بن حيّان.
وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيّد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما
طلب، أخذًا بظاهر هذا الأمر. وقال البخاريّ: وقال روح، عن ابن جُريج: قلت
لعطاء: أواجبٌ عليّ إذا علمت له مالًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبًا. وقال عمرو
ابن دينار: قلت لعطاء: أتأثُره عن أحد؟ قال: لا، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره
أن سيرين سأل أنسًا وَّه المكاتبة، وكان كثير المال، فأبى، فانطلق إلى عمر تَّ ،
فقال: كاتبه، فأبى، فضربه بالدِّرَّة، ويتلو عمر ◌َثٍ: ﴿فَكَِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾،
فكاتبه، هكذا ذكره البخاريّ معلّقًا، ورواه عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت
لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت له مالًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبًا. وأخرج ابن
جرير بسند صحيح، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكأ
عليه، فقال له عمر لتكاتبنّه.
قال: وهذا هو القول القديم للشافعيّ، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب. وكذا
قال مالك، والثوريّ، وأبو حنيفة، وغيرهم. واختار ابن جرير القول بالوجوب؛ لظاهر
الآية. انتهى كلام ابن كثير باختصار(١).
(١) ((تفسير ابن كثير ٢٩٨/٣ .