النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١=
٢- (ذِكْرُ الأَحَادِيثِ الْمُخْتلِفةِ فِي ... - حديث رقم ٣٩١١
حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) يعني أن عمر بن أبي
سلمة خالف يحيى بن أبي كثير، فجعله عن أبيه، عن أبي هريرة تنميه ، وهذا الاختلاف
أيضًا لا يضرّ بصحّة الحديث، فإنه صحيح بالطريقين، فالحدیث ثابت من حديث جابر،
وأبي هريرة تثبت، عند الشخين، وغيرهما من عدّة طرق، فتنبّه.
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى))، و((الكبرى)) عمرو بفتح العين، بدل عُمر بضمّها،
وهو تصحيف فاحش، فتنبه. والله تعالى أعلم.
ثم ساق رواية عمر بن أبي سلمة بقوله:
٣٩١١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَّهَى رَسُولُ
اللّهِ وَهَ، عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)): هو
الثوريّ. و((سعد بن إبراهيم)): هو الزهريّ المدنيّ القاضي.
و((عمر بن أبي سلمة)) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، قاضي المدينة، صدوقٌ
يُخطىء [٦].
قال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس يُحتجّ بحديثه. وقال ابن المدينيّ، عن
يحيى بن سعيد: كان شعبة يُضعّف عمر بن أبي سلمة. وقال أبو قُدامة: قلت لابن
مهديّ: إن شعبة أدركه، ولم يحمل عنه، قال: أحاديثه واهية. وقال ابن أبي خيثمة:
سألت أبي عنه؟ فقال: صالح إن شاء الله، وکان یحیی بن سعيد يختار محمد بن عمرو
عليه. وقال أحمد: لم يسمع شعبة منه شيئًا. وقال ابن المدينيّ: تركه شعبة، وليس
بذاك. وقال ابن معين: ليس به بأس. وفي رواية: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم:
هو عندي صالح صدوقٌ في الأصل، ليس بذاك القونيّ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به،
يُخالف في بعض الشيء. وقال العجليّ: لا بأس به. وقال الْجُوزجانيّ: ليس بقويّ في
الحديث. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن خزيمة: لا يُحتجّ بحديثه. وقال ابن
شاهين في ((الثقات)): قال أحمد بن حنبل: هو صالح ثقة، إن شاء الله. وقال البخاريّ
في ((التاريخ): صدوقٌ إلا أنه يُخالف في بعض حديثه. وذكره الْبَرْقيّ في ((باب من
احتُمل حديثه من المعروفين))، قال: وأكثر أهل العلم بالحديث يُثَبْتُونه. وقال ابن
عديّ: حسن الحديث، لا بأس به. وقال الدُّوريّ: سألت ابن معين عن حديث من
حديثه؟، فقال: صحيح، وسألته عن آخر، فاستحسنه. وحكى ابن أبي خيثمة أن ابن

١٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
معين ضعفه، رواه هُشيم عنه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: قدِم واسط،
فكتب عنه هشيم، وأبو عوانة، وكان على قضاء المدينة، قتله عبد الله بن عليّ بالشام
سنة (١٣٢) وكذا ذكر ابن سعد، وخليفة، وفي رواية عن خليفة: قُتل سنة (١٣٣)
والصحيح الأول.
روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و١٦/
٤٩٨٠ -: حديث أبي هريرة تَنّه، مرفوعًا: ((إذا سرق العبد، فبعه، ولو بِنَشِّر))،
وقال: قال أبو عبد الرحمن: عمر بن أبي سلمة ليس بالقويّ في الحديث. انتهى.
والحديث أخرجه مسلم، ٣٩١٠- من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة رَزي ، وقد
سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) يعني أن
محمد ابن عمرو بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، خالف كلًّا من يحيى بن أبي كثير،
وعمر ابن أبي سلمة، فرى الحديث عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريّ تَّه ،
وهذا الاختلاف أيضًا لا يضرّ؛ لأن محمد بن عمرو لم يتفرّد به، بل تابعه أبو سفيان،
مولى ابن أبي أحمد، فرواه عن أبي سعيد الخدريّ ◌َنّيه ، أخرجه الشيخان به، فأخرجه
البخاريّ في ((البيوع)) ٢١٨٦ ومسلم في ((البيوع)» من هذا الوجه.
والحاصل أنَّ حديث أبي سعيد تَ﴾ هذا متّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم.
ثم ساق رواية محمد بن عمرو، فقال:
٣٩١٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى -وَهُوَ ابْنُ آدَمَ-
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيّ،
قَالَ: فَّى رَسُولُ اللَّهِ وَهَ، عَنِ الْمُحَاقَّلَةِ، وَالْمُزَابَةِ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
((عبد الرحيم)): هو ابن سليمان الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل
الكوفة، ثقة، له تصانيف، من صغار [٨] ٢٣٠٥/٥٧ . والحديث متفقٌ عليه من رواية
أبي سفيان، عن أبي سعيد رَنِّ، كما مرّ أنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُمُ الْأَسْوَدُ بْنُ الْعَلَاءِ، فَقَالَ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) يعني أن
الأسود بن العلاء بن جارية الثقفيّ، خالف الثلاثة: يحيى بن أبي كثير، وعمر بن أبي
سلمة، ومحمد بن عمرو، فرواه عن أبي سلمة، عن رافع بن خديج تَّه ، وهذا

١٤٣ =
٢- (ذِكْرُ الأَحَادِيثِ الْمُخْتلِفةِ فِي ... - حديث رقم ٣٩١٣
الاختلاف أيضًا لا يضرّ؛ فإن الحديث ثابت عن رافع بن خديج ◌َنَّه من عدّة طرق عند
الشيخين، وغيرهما، كما تقدّم بيانه في - ٢/ ٣٨٩٠- فتنبه. والله تعالى أعلم.
ثم ساق رواية الأسود بن العلاء، بقوله:
٣٩١٣- (أَخْبَرَنَا زَكَرِيًّا بْنُ يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ: ((َى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ،
وَالْمُزَابَنَةٍ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((زكريا بن يحيى)): هو السّجْزيّ الحافظ المعروف
بخياط السنّة .
و((محمد بن يزيد بن إبراهيم)): هو محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم -نُسب
لجدّه- أبو بكر التُّستريَّ، نزيل البصرة، مقبول، من صغار [١٠].
روى عن أبي قُتيبة، ومعاذ بن هشام، وعبد الله بن حُمْران، وغيرهم. وعنه ابن
ماجه، وأبو بكر البزار، وزكريا السجزيّ، وجماعة. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى
له المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.
و ((عبد الله بن حُمْران)) - بضمّ المهملة، وسكون الميم- ابن عبد الله بن حُمران بن
أبان الأُمويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن البصريّ، صدوقٌ يُخطىء قليلًا [٩].
قال ابن معين: صدوق صالح. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث صدوقٌ. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات))، وقال: يُخطىء. وقال الدار قطني: ثقة. وقال ابن شاهين: شيخٌ ثقةٌ
مُبرِّزٌ. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٠٦) وقال غيره: سنة (٥) . علّق له البخاريّ،
وأخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: وقع في معظم نسخ ((المجتبى))، والكبرى)) ((عبيد الله بن حمران))، مصغّرًا،
بدل ((عبد الله)) مكبرًا، وهو تصحيف، والصواب عبد الله مكبّرًا، وهو الذي في النسخة
الهندية، و((تُحفة الأشراف))، و((التقريب))، و((تهذيب التهذيب)). فتنبه. والله تعالى
أعلم.
والحديث صحيحٌ، كما سبق الكلام فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) يعني أن القاسم بن محمد بن أبي
بكر الصدّيق روى هذا الحديث عن رافع بن خديجَ رَّ ، كما رواه أبو سلمة وغيره
عنه .

=
١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
[تنبيه]: تعبيره بقوله: ((وقد رواه، مثل تعبيره فيما مضى تارة بتابعه، وتارة بوافقه،
وهو من التفتّن بالعبارة، فكلها تعتبر متابعة، والله تعالى أعلم.
ثم ساق المصنف رحمه الله تعالى روايته بقوله:
٣٩١٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُرَّةَ،
قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ، عَنِ الْمُزَارَعَةِ، فَحَدَّثَ عَنْ رَافِعِ بْنَ خَدِيجٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ:
((نَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَةِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و((أبو عاصم)): هو الضّحّاك بن مَخْلَد النبيل البصريّ.
و «عثمان بن مُرّة)) البصريّ، مولى قريش، لا بأس به [٧].
قال ابن معين: صالح. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه.
وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به مسلم، له عنده حديث واحد في الشرب في إناء
الفضّة، والمصنّف، وله عنده حديث الباب فقط.
والحديث صحيح، وأصله متّفقٌ عليه(١)، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنف رحمه
اللَّه تعالى، أخرجه هنا-٣٩١٤/٢ و٣٩١٥ - وفي ((الكبرى)) ١/ ٤٦١٤ و٤٦٥. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ مَرَّةً أَخْرَى) ظاهر هذه العبارة أن الرواية مرّة أخرى من
المصنّف لتلاميذه، وعبارة ((الكبرى)) ظاهرة أنها من عمرو بن عليّ للمصنّف ومن معه،
ولفظه: ((أخبرنا عمرو بن عليّ مرّة أخرى، قال الخ))، وليس فيه: ((قال أبو عبد الرحمن
الخ))، والأمر في ذلك سهل؛ إذ يحتمل أن يقع الإخبار مرّتين من المصنّف لتلاميذه،
كما وقع له من شيخه. والله تعالى أعلم.
٣٩١٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ قَالَ أَبُو عَاصِم، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُرَّةَ، قَالَ:
سَأَلْتُ الْقَاسِمَ، عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، فَقَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِّيجِ: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَزِ، نَّى
عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ»).
والحديث صحيح، كما سبق الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَاخْتُلِفَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِيهِ) يعني أن هذا الحديث رواه سعيد بن
(١) فقد أخرجه البخاريّ برقم ٢٣٢٧ ومسلم برقم ٣٩٢٨، من رواية حنظلة بن قيس، أنه سأل رافع
ابن خديج عن كراء الأرض؟ فقال: ((نهى رسول اللّه وَلفر عن كراء الأرض ... )) الحديث،
واللفظ لمسلم.

١٤٥ ===
٢- (ذِكْرُ الأَحَادِيثِ الْمُخْتلِفةِ فِي ... - حديث رقم ٣٩١٦
المسيّب، واختَلَفَ الرواة عليه، فرواه أبو جعفر الْخَطْمَيّ، عُمير بن يزيد، عنه، عن
رافع بن خَدِيج، ورواه طارق بن عبد الرحمن، عنه، واختلف الرواة عليه، فرواه
أبو الأحوص، عنه، عن سعيد، عن رافع، بلفظ: نهى رسول اللَّه ◌َّر، عن المحاقلة،
والمزابنة، وقال: ((إنما يزرع ثلاثة: رجلٌ له أرض فهو يزرعها، أو رجل مُنِح أرضا فهو
يزرع ما مُنِح، أو رجل استكرى أرضا بذهب أو فضة)).
ورواه إسرائيل بن يونس، عن طارق فروى قوله: ((نهى رسول اللَّهِ وَلّه عن
المحاقلة، والمزابنة)) مرسلًا، بدون ذكر رافع، وجعل قوله: ((إنما يزرع ثلاثة الخ)): من
قول سعيد، موقوفًا عليه.
ورواه سفيان الثوريّ، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد، موقوفًا عليه، بلفظ:
«لا يصلح الزرع غير ثلاث الخ)).
ورواه الزهريّ، عن سعيد، مرسلًا، بلفظ: ((أن رسول اللّه وَ لخير نهى عن المحاقلة،
والمزابنة)) .
ورواه محمد بن عبد الرحمن بن لَبيبة، عن سعيد، عن سعد بن أبي وقّاص ◌َّه ،
مرفوعًا، بلفظ: ((كان أصحاب المزارع يُكرون في زمان رسول اللّه وَالتر ... ))
الحديث، وسنتكلّم على درجة كلّ رواية عند ذكرها، إن شاء اللّه تعالى.
ثم أورد رواية أبي جعفر الْخَطْمَيّ، عُمير بن يزيد، فقال:
٣٩١٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنْ أَبِي جَعْفَرِ الْخَطْمِيِّ -
وَاسْمُهُ عُمَّيْرُ بْنُ يَزِيدَ - قَالَ: أَرْسَلَنِي عَمِّي، وَغُلَامَا لَهُ، إِلَى سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَسْأَلُهُ
عَنِ الْمُزَارَعَةِ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرٌ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، حَتَّى بَلَغَهُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجِ
حَدِيثٌ، فَلَقِيَّهُ، فَقَالَ رَافِعْ: أَتَى النَِّيُّ ◌َهَ بَنِيَ حَارِثَةَ، فَرَأَى زَرْعًا، فَقَالَ: ((مَا أَحْسَنٌ
زَرْعَ ظُهَيْرٍ؟))، فَقَالُوا: لَيْسَ لِظُهَيْرِ، فَقَالَ: ((أُلَيْسَ أَرْضَ ظُهَيْرِ؟))، قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنَّهُ
أَزْرَعَهَا، فُقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((خُذُوا زَرْعَكُمْ، وَرُدُوا إِلَيْهِ نَفَقَتَهُ))، قَالَ: فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا،
وَرَدَدْنَا إِلَيْهِ نَفَقَتَهُ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير أبي جعفر
الْخَطْمَيّ، فإنه من رجال الأربعة، وهو عُمير بن يزيد بن حَبيب الأنصاريّ الْخَطْمَيّ -
بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة- المدنيّ، نزيل البصرة، وثّقه ابن معين،
وابن نُمير، والعجليّ، والنسائيّ، وغيرهم [٦] ١٦/١٦.
و((يحيى)): هو القطّان.
وقوله: ((عمي)) لم يُسمَّ. وقوله: ((ما أحسن زرع ظُهير)) هو عمّ رافع بن خَدِيج

١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
رَ﴿يثبتا. وقوله: ((أليس أرض ظهير)) اسم ((ليس)) ضمير يعود إلى الموضع، و((أرض))
بالنصب خبرها، أي أليس هذا الموضع أرض ظُهير؟. ويحتمل أن يكون ((أرضُ ظهير))
اسمها، وخبرها محذوف، أي ليس أرض ظُهير هذه؟. وقوله: ((أزرعها)): أي أعطاها
غيره ليزرعها بالأجرة. وقوله: ((خذوا زرعكم)) هذا يقتضي أن الزرع بالعقد الفاسد
ملحق بالزرع في أرض غيره بغير إذنه، فيجب أن يُرد الزرع إلى صاحب الأرض؛ لأنه
نماء أرضه، ويُعوّض المزارع بدفع عوض ما أنفقه في ذلك الزرع، وكون هذا بسبب
فساد العقد يوضّحه رواية ابن المسيّب، عن سعد بن أبي وقاص رَّ الآتية في
٣٩٢١- بلفظ: كان أصحاب المزارع، يُكرون في زمان رسول اللّه وَ لّ مزارعهم، بما
يكون على الساقي من الزرع، فجاءوا رسول اللّه وَّله، فاختصموا في بعض ذلك،
فنهاهم رسول اللّه وَلغيره أن يكروا بذلك، وقال: ((أكروا بالذهب والفضة)).
فهذا هو الذي تضمّن شرطًا فاسدًا، فصار العقد فاسدًا، فمثل هذا يوجب رد الزرع
لصاحب الأرض، وتعويض المزارع ما أنفقه فيه.
والحديث صحيح، وأخرجه أبوداد في ((سننه)) ٣٣٩٩ . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَرَوَاهُ طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدٍ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِیهِ) يعني أن طارق بن
عبد الرحمن روى هذا الحديث عن سعيد بن المسيّب، ولكن اخْتَلَفَ الرواة عليه، وقد
ذكرنا وجه اختلافهم ملخّصًا، فيما سبق، وسنوضحه أيضًا فيما بعد عند تفصيل
المصنف له. والله تعالى أعلم.
ثم ساق رواية طارق بقوله:
٣٩١٧- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيَّبِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: نَّى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَتَةِ،
وَقَالَ: ((إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةً: رَجُلٌّ لَهُ أَرْضٌ، فَهُوَ يَزْرَعُهَا، أَوْ رَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا، فَهُوَ يَزْرَعُ مَا
مُنِحَ، أَوْ رَجُلٌ اسْتَكْرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ، أَوْ نِضَّةٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا، غير:
١- (طارق) بن عبد الرحمن البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، صدوق، له أوهام [٥].
قال ابن معين، والعجليّ، وابن نُمير، والدارقطنيّ، ويعقوب بن سفيان: ثقة. وقال
النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبّان في
((الثقات)). وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس بذلك، هو دون مُخارق. وقال عليّ
ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: طارق بن عبد الرحمن ليس عندي بأقوى من ابن

=
١٤٧
٢- (ذِكْرُ الأَحَادِيثِ الْمُخْتلِفَةِ فِي ... - حديث رقم ٣٩١٨
حرملة، وطارق، وإبراهيم بن مُهاجر یجریان مَجْرَی واحدٍ. وذكره ابن البرقي في «باب
من احتمل حديثه))، فقال فيه: وأهل الحديث يُخالفون يحيى بن سعيد، ويُوثّقونه.
وحكى الساجيّ عن أحمد: في حديثه بعض الضعف. روى له الجماعة، له عند
المصنّف هذا الحديث فقط.
و((أبو الأحوص)): هو سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ.
وقوله: ((وقال: إنما يزرع الخ)) هو معطوف على جملة ((قال: نهى رسول اللّه وَه
الخ)»، فهو على هذه الرواية مرفوع. وقوله: ((مُنح)) بالبناء للمفعول، أي أُعطي. وقوله:
((استكرى)) أي اكتراها، بمعنى أخذها بالكراء، فالسين والتاء زائدتان.
والحديث صحيح، دون الكلام الأخير، فإنه موقوفٌ على سعيد، كما يأتي فيما
بعده، وأخرجه أبو داود في ٣٤٠٠ ((البيوع والإجارات)) - ((باب في التشديد في ذلك))
وابن ماجه ٢٤٤٩ في ((الرهون)) - ((باب المزارعة بالثلث والربع)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (مَيَّزَهُ إِسْرَائِيلُ عَنْ طَارِقٍ، فَأَرْسَلَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ) أي جعل قوله: ((نهى رسول
اللَّهِ وَلّ الخ)) من كلام النبيّ وَّه وأسقط رافعًا (وَجَعَلَ الْأَخِيرَ) أي قوله: ((إنما يزرع
ثلاثة الخ)) (مِنْ قَوْلِ سَعِيد) يعني أن إسرائيل بن يونس خالف أبا الأحوص، فجعل أول
الحديث وهو قوله: ((نهى رسول اللَّه ◌َ الر الخ)) مرسلًا، وجعل آخر الحديث، وهو
قوله: ((إنما يزرع الخ)) موقوفًا على سعيد بن المسيّب، ووافقه على إرسال الأول ابنُ
شهاب، وعلى وقف الثاني على سعيد الثوريّ، كما يأتي بيان ذلك قريبًا.
والظاهر أن وقف الجزء الأخير من الحديث هو الأرجح؛ لمتابعة الثوريّ لإسرائيل،
وأما إرسال الجزء الأول منه، فالذي يظهر ترجيح الوصل؛ لمتابعة أبي جعفر الخطميّ
لأبي الأحوص على ذلك، كما سبق قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ساق رواية إسرائيل بقوله :
٣٩١٨- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا
إِسْرَائِيلُ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: ((تَهَى رَسُولُ اللَّهِ ◌َ، عَنِ الْمُحَاقَّلَةِ))، قَالَ
سَعِيدٌ ... فَذَكَرَهُ نَخْوَهُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن سليمان)): هو الرُّهاويّ الحافظ، من أفراد
المصنّف. و((عُبيدالله بن موسى)): هو ابن باذام العبسيّ الكوفيّ الحافظ.
وقوله: ((قال سعيد))، فذكر نحوه، أي ذكر سعيد بن المسيّب معنى قوله: ((إنما يزرع

١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
ثلاثة: رجلٌ الخ))، والمراد أن هذا الكلام من قول سعيد، وليس مرفوعًا، كما هو في
رواية أبي الأحوص المتقدّمة، وإنما المرفوع هو قوله: ((نهى رسول اللّه وَالير الخ))، وهو
أيضًا مرسلٌ، فإنه لم يذكر فيه رافعًا تَّه ، كما ذكر في رواية أبي الأحوص. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ طَارِقٍ) يعني أن هذا الحديث رواه أيضًا سفيان
الثوريّ، عن طارق بن عبد الرحمن، متابعًا لرواية إسرائيل، لكن في الجزء الأخير
الموقوف على سعيد رحمه الله تعالى، كما بيَّنَّهُ بقوله:
٣٩١٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ -وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ طَارِقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: ((لَا يُصْلِحُ الزَّرْعَ، غَيْرُ
ثَلَاثٍ: أَرْضِ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا، أَوْ مِنْحَةٍ، أَوْ أَرْضٍ بَيْضَّاءَ، يَسْتَأْجِرُهَا بِذَهَبٍ أَوْ نِضَّةٍ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن عليّ بن ميمون)): هو أبو العبّاس الرّقّيّ
العطار الثقة، من أفراد المصنّف. و((محمد)): هو ابن يوسف الفزيابيّ. و((سفيان)): هو
الثوريّ .
والحديث صحيح موقوف على سعيد، وهو المسمّى في مصطلح أهل الحديث
بالمقطوع، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣٩١٩/٢- وفي
((الكبرى)) ٤٦١٩/١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَرَوَى الزُّهْرِيُّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ عَنْ سَعِيدٍ، فَأَرْسَلَهُ) يعني أن الزهريّ روى الجزء
الأول من الحديث المذكور، عن سعيد بن المسيّب، مرفوعًا، لكنّه جعله مرسلًا،
بإسقاط الصحابيّ، موافقًا لرواية إسرائيل، عن طارق المتقدّمة، لكن هذا الإرسال لا
يضرّ، فقد صحّ عن سعيد متّصلًا فيما تقدّم.
ثم بيّن رواية الزهريّ المذكورة بقوله :
٣٩٢٠- (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ:
حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنَْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّرِ: ◌َّى عَنِ
الْمُحَاقَّلَةِ، وَالْمُزَابَةِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
مصريّ حافظ ثقة.
والحديث صحيح بما تقدّم، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا-٢/ ٣٩٢٠- وفي
((الكبرى)) ٤٦٢٠/١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو

٢- (ذِكْرُ الأَحَادِيثِ الْمُخْتلِفَةِ فِي ... - حديث رقم ٣٩٢١
١٤٩ =
حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ لَبِيبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، فَقَالَ: عَنْ
سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) يعني أن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة خالف الرواة عن سعيد
الذين تقدّم بيان رواياتهم فيما مضى، فإن عمير بن يزيد رواه متصلًا بذكر رافع، وكذلك
طارق بن عبد الرحمن، على اختلاف عليه في الوصل والإرسال، والرفع والوقف،
ورواه الزهريّ مرسلًا، فخالفهم محمد بن عبد الرحمن، فرواه متصلًا، لكن جعله من
مسند سعد بن أبي وقاص وَّ، لكن محمد بن عبد الرحمن ضعيف، فتعدّ مخالفته
لهم منكرةً. والله تعالى أعلم.
ثم ساق رحمه الله تعالى رواية محمد بن عبد الرحمن هذه بقوله :
٣٩٢١- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيِي،
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عِكْرِمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ لَبِبَةً، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيْبِ، عَنْ سَعْدٍ
ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: كَانَ أَضْحَابُ الْمَزَارِعِ، يُكْرُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِمَزَارِعَهُمْ، بِمَا
يَكُونُ عَلَى الْسَّاقِي مِنَ الزَّرْعِ، فَجَاءُوا رَسُوَّلَ اللَّهِ وََّ، فَاخْتَصَمُوا فِي بَعْضٍ ذَلِكَ، فَتَهَاهُمْ
رَسُولُ اللَّهِ بِهِ أَنْ يُكْرُوا بِذَلِكَ، وَقَالَ: ((أَكْرُوا بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عبيد الله بن سعد بن إبراهيم)): هو الزهري،
أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [١١] ٤٨٠/١٧. و((عمه)): هو يعقوب بن
إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩]
٣١٤/١٩٦. و((أبوه)): هو إبراهيم بن سعد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهري، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ٣١٤/١٩٦.
و((محمد بن عكرمة)) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ المدنيّ،
مقبول [٦] .
ذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال الذهبيّ في ((الميزان)): لم يرو عنه سوى إبراهيم
ابن سعد. تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث، فقط.
و((محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة)) -بفتح اللام، وكسر الموحّدة، وسكون التحتانيّة،
وفتح الموحّدة الأخرى- ويقال: ابن أبي لبيبة، ويقال: إن لبيبة أمه، وأبا لبيبة أبوه،
واسمه وَزدان، المكيّ، ضعيفٌ، كثير الإرسال [٦].
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ابن أبي لبيبة الذي يحدّث عنه وكيع ليس حديثه
بشيء. وقال الدارقطنيّ: ضعيف. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به أبو داود،
والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط.

١٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
وقوله: ((بما يكون على الساقي من الزرع)) أي بما ينبت على طرفي النهر من الزرع،
فيجعلونه كراء الأرض. وقوله: ((أَكْرُوا)) بفتح الهمزة، أمر من الإكرا: أي آجروا الأرضَ
بالذهب والفضة.
والحديث ضعيف؛ لما ذكرناه آنفًا، أخرجه المصنف هنا-٣٩٢١/٢ وفي ((الكبرى))
٤٦٢٢ وأخرجه أبو داود في ٣٣٩١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُلَيْمَانُ، عَنْ رَافِعٍ، فَقَالَ: عَنْ رَجُلٍ مِنْ عُمُومَتِهِ)
يعني أن سلیمان بن یسار روی هذا الحدیث عن رافع بن خدیج، عن رجل من عمومته،
مبهمًا، وقد سمّي في رواية غيره، أنه ظُهير بن رافع ◌َظّم ،َ وقد أخرجه الشيخان من
رواية أبي النجاشيّ عطاء بن صُهيب، عن رافع، عنه، وسيأتي للمصنّف برقم - ٣٩٥٠-
إن شاء الله تعالى.
ثم ساق رواية سليمان المذكورة، بقوله:
٣٩٢٢- (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَيُّوبُ، عَنْ يَعْلَى
ابْنِ حَكِيم، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ بِالْأَرْضِ، عَلَى
عَهَدِ رَسُوَّلِ اللَّهِ وَه فَنْكْرِيَهَا بِالثُّلُثِ، وَالزَّبُعَ، وَالطَّعَام الْمُسَمَّى، فَجَاءَ ذَاتَ يَوْم رَجُلٌ
مِنْ عُمُومَتِي، فَقَالَ: ثَّانِي رَسُولُ اللَّهِ وَهَ، عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ،
أَنْفَعُ لَنَا، نَّانَا أَنْ تُحَاقِلَ بِالْأَرْضِ، وَتُكْرِيَهَا بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى، وَأَمَرَ رَبَّ
الْأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَهَا، أَوْ يُزْرِعَهَا، وَكَرِهَ كِرَاءَهَا، وَمَا سِوَىَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (زياد بن أيوب) بن زياد البغداديّ، أبو هاشم، طوسيّ الأصل، و((دلويه)) لقبه،
وكان يغضب منه، ولقبه أحمد شعبة الصغير، ثقة حافظ [١٠] ١٣٢/١٠١.
٢- (ابن عليّة) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ،
ثقة حافظ [٨] ١٩/١٨ .
٣- (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت حجة، من
كبار الفقهاء العباد [٥] ٤٨/٤٢ .
٤- (يعلى بن حكيم) الثقفيّ مولاهم المكيّ، نزيل البصرة، ثقة [٦] ٣٢٧٢/٣٧.
٥- (سليمان بن يسار): هو الهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة تَط ◌ُثبتا،
ثقة فاضلٌ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، من كبار [٣] ١٥٦/١٢٢.
٦- (رافع بن خَدیج) رضي اللّه تعالى عنه، تقدم قريبًا.

١٥١ ===
٢- (ذکرُ الآحادیثِ المختلفةِ فِي ... - حديث رقم ٣٩٢٢
٧- (عمه) هو: ظهير بن رافع رضي اللَّه تعالى عنه. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى يعلى، غير شيخه، فبغداديّ، والباقون
مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمه، وصحابيّ عن صحابيّ. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيج) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ بِالْأَرْضِ) أي نتعامل
فيها بالمزارعَة (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، فَتْكْرِيَها) بضمّ أوله من الإكراءَ (بِالثُّلُثِ، وَ)
بمعنى ((أو)) (الرُّبُع) أي بأن تكون أجرتها ثلث ما يخرج منها، أو ربعه (وَ) بمعنى ((أو))
أيضًا (الطَّعَام الْمُسِّمَّى) أي بأن يكون طعام معيّن مقداره أجرةً لها (فَجَاءَ ذَاتَ يَوْم رَجُلٌ
مِنْ عُمُومَتِي) سيأتي أنه ظُهير بن رافع الأنصاريّ الأوسيّ رَفي (فَقَالَ: نَّانِي) ولفظ
مسلم: ((نهانا)) (رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، عَنْ أَمْرِ كَانَ لَنَا نَافِعًا) أي حسب ظنّهم، وإلا فالواقع أنه
ضارّ لهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لاَ يُحرّم إلا ما فيه ضرّ عاجل، أو آجل (وَطَوَاعِيَةُ
اللَّهِ) عز وجل (وَرَسُولِهِ) وَّةِ، و((الطواعية)) على وزن الكَرَاهية: بمعنى الطاعة، كما في
((القاموس)). يقال: أطاعة إطاعة: أي انقاد له، وطاعه طوعًا، من باب قال، وبعضهم
يُعدّيه بالحرف، فيقول: طاع له، وفي لغة من بابي باع، وخاف، والطاعة اسم منه،
والفاعل من الرباعيّ مُطيع، ومن الثلاثيّ طائع، وطَيِّعْ. قاله الفيوميّ.
(أَنْفَعُ لَنَا) أي أكثر نفعًا لنا من النفع الذي نظنّه في هذه المعاملة (نَّانَا أَنْ نُحَاقِلَ
بِالْأَرْضِ) جملة ((نهانا الخ)) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا لسؤال مقدّر،
كأن سائلًا قال له: وما الذي نهاكم وَلفر عنه؟، فأجاب بقوله: ((نهانا أن نحاقل بالأرض))
(وَنُكْرِيَّهَا بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُع، وَالطَّعَام الْمُسَمَّى) وقوله (وَأَمَرَ) عطف على ((نهانا)) (رَبَّ
الْأَرْضِ) أي صاحبها، وفَيه إطلاق لَّفظ الرب، مضافًا على غير الله تعالى، قال الفيّويّ:
الربُّ يُطلق على اللَّه تبارك وتعالى، معرَّفًا بالألف واللام، ومضافًا، ويُطلق على مالك
الشيء الذي لا يعقل، مضافًا إليه، فيقال: ربّ الدَّين، وربّ المال، ومنه قوله ◌َّ في
ضالة الإبل: ((حتى يلقاها ربّها))، وقد استُعمل بمعنى السيّد، مضافًا إلى العاقل أيضًا،
ومنه قوله وَ له: ((حتّى تلد الأمة ربّتها))، وفي رواية: ((ربّا))، وفي التنزيل حكايةً عن
يوسف فىالسَّلامُ: ﴿أَمَّ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّمُ خَمْرًا﴾ الآية [يوسف: ٤١]. قالوا: ولا يجوز

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
استعماله بالألف واللام للمخلوق بمعنى المالك؛ لأن اللام للعموم، والمخلوق لا
يملك جميع المخلوقات، وربّما جاء باللام عوضًا عن الإضافة، إذا كان بمعنى السيّد،
قال الحارث بن حِلْزَة [من الخفيف]:
فَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيدُ عَلَى يَوْ مِ الْحِيَارَينِ(١) وَالْبَلَاءُ بَلَاءُ
وبعضهم يمنع أن يقال: هذا ربّ العبد، وأن يقول العبد: هذا ربّي، وقوله ◌َّ:
((حتّى تلد الأمة ربها)»، حجّةٌ عليه. انتهى(٢).
(أَنْ يَزْرَعَهَا) بفتح أوله مبنيًّا للفاعل، أي يزرع أرضه بنفسه (أَوْ يُزْرِعَهَا) بضمّ أوله
مبنيًّا للمفعول، أي يُعطيها لغيره لينتفع بزراعتها (وَكَرِهَ كِرَاءَهَا) الظاهر أنه الكراء
المذكور، من الثلث، والربع، والطعام المسمّى، فيكون عطفه على ما قبله للتأكيد (وَمَا
سِوَى ذَلِكَ) يحتمل أن يكون معطوفًا على ما قبله، فيكون المعنى: وكره المذكور،
وغير ذلك، مما يُفسد العقد، كأن يؤاجره على الماذيانات، وأقبال الجداول، كما
سيأتي في - ٣٩٢٦ -: ((كان الناس على عهد رسول اللَّه ◌َ لا يؤاجرون على الماذیانات،
وأقبال الجداول، فيسلم هذا، ويهَلك هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، فلم يكن للناس
کراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه)).
ويحتمل أن يكون ((ما سوى ذلك)) مبتدأ خبره محذوف، تقديره: جائزٌ، يعني أن ما
سوى ما ذُكر من الثلث، والربع، والطعام المسمّى، جائز أن يكون أجرة للأرض،
وذلك مثل الدراهيم، والدنانير المسمّى، فيكون بمعنى قول رافع تَّي في الرواية الآتية
بعد حديثين، لَمّا سئل عن كرائها بالدينار والدرهم، قال: ((ليس بها بأس بالدينار
والدرهم))، وبمعنى قوله في الرواية التي بعدها: ((فأما شيء معلوم، مضمون، فلا بأس
به))، وأصرح منهما الرواية التي بعده: ((عن حنظلة بن قيس، قال: سألت رافع بن
خديج عن كراء الأرض، فقال: نهى رسول اللَّه وآله عن كراء الأرض، قال: فقلت: أبا
الذهب والورق؟، فقال: أما الذهب والورق، فلا بأس به)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث رافع بن خديج، عن رجل من عمومته رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ
عليه .
(١) ((الجياران)) اسم موضع. قاله في ((لسان العرب)).
(٢) ((المصباح المنير)) ٢١٤/١.

٢- (ذِكْرُ الأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفةِ فِي ... - حديث رقم ٣٩٢٢
١٥٣
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٩٣٣/٢ و٣٩٢٣ و٣٩٢٤ - وفي ((الكبرى)) ٤٦٢٣/١ و٤٦٢٤
و٤٦٢٥. وأخرجه (خ) في ((الحرث والمزاعة» ٢٣٤٦ و٢٣٤٧ (م) في ((البيوع)) ٣٩٢٢
(د) في ((البيوع والإجارات)) ٣٣٩٥ و٣٣٩٦ (ق) في ((الرهون)) ٢٤٦٥. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (أَيُّوبُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ يَعْلَى) يعني أن أيوب السختيانيّ لم يسمع هذا الحديث
من يعلى بن حكيم، وإنما أخذه عنه مكاتبة، وليس غرض المصنف رحمه اللّه تعالى
بهذا تضعيف الحديث، بل غرضه بيان كيفيّة أخذ أيوب عن يعلى بن حكيم، وإنما بيّن
ذلك؛ للاختلاف بين العلماء في جواز المكاتبة بالحديث، والصحيح صحتها
وصورة الكتابة: أن يكتب الشيخ مسموعه لحاضر، أو غائب بخطّه، أو يأمر من
یکتب له، وهي ضربان:
[إحداهما]: مقرونة بالإجازة، كأن يقول: أجزتك ما كتبت لك، أونحوه من
العبارة، وهذه في الصحّة والقوّة، كالمناولة المقرونة بالإجازة.
[الثانية]: مجرّدة عن الإجازة، وهذه منع الرواية بها قوم، منهم: القاضي أبو الحسن
الماورديّ الشافعيّ في الحاوي، والآمديّ، وابن القطّان. وأجازها كثيرون من
المتقدّمين، والمتأخرين، منهم: أيوب السختياني، ومنصور، والليث، وابن سعد،
وابن أبي سَبْرة، وغير واحد من الشافعيّة، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المشهور
بين أهل الحديث، ويوجد في مصنّفاتهم كثيرًا: كتّبَ إليّ فلان، قال: حدّثنا فلانٌ،
والمراد به هذا، وهو معمول به عندهم، معدود في الموصول من الحديث، دون
المنقطع؛ لإشعاره بمعنى الإجازة، بل قال السمعانيّ: هي أقوى من الإجازة. قال
الحافظ السيوطيّ: وهو المختار، بل وأقوى من أكثر صور المناولة، وفي ((صحيح
البخاريّ)) في ((الأيمان والنذور)))) وكتب إليّ محمد بن بشّار ... وليس فيه بالمكاتبة عن
شيوخه غيره، وفيه، وفي ((صحيح مسلم)) أحاديث كثيرة بالمكاتبة في أثناء السند.
وقال البيهقيّ في ((المدخل)): ما معناه: في هذا الباب آثار كثيرة عن التابعين، فمن
بعدهم، وكُتُبُ النّبِيِّ نَّهَ إلى عُمّاله بالأحكام شاهدة لقولهم (١).
والحاصل أن المكاتبة بالحديث من الطرق الصحيحة المتّصلة، تجوز الرواية،
والعمل بها. والله تعالى أعلم.
(١) راجع ((تدريب الراوي)) ٥٥/٢-٥٧ .

١٥٤
==
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَّارَعَةِ
ثمّ ساق الرواية التي تبيّن أن أيوب السختيانيّ لم يسمع من يعلى، وإنما أخذه
بالمكاتبة، فقال :
٣٩٢٣- (أَخْبَرَنِي زَكَرِیَّا بْنُ يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ،
عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: كَتَبَ إِلَّيَّ يَعْلَى بْنُ حَكِيم، إِنِّي سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارِ، يُحَدِّثُ عَنْ
رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا تُحَاقِلُ الْأَرْضَ، تُكْرِيَهَا بِالُّلُثِ، وَالرُّبُع، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى).
قَالَ الجامعَ عفا اللَّه تعالى عنه: ((زكريا بن يحي)): هو السُّجْزَيّ، المعروف بخيّاط
السنة .
و((محمد بن عُبيد)) بن حساب -بكسر الحاء، وتخفيف السين المهملتين- الْغُبَريّ -
بضم الغين المعجمة، وتخفيف الموحدة- البصريّ، ثقة [١٠].
قال أبو حاتم: صدوقٌ. وقال النسائيّ، ومَسلَمة: ثقة. وقال الآجريّ، عن أبي
داود: ابن حساب فوق الزبيريّ -يعني عبد الله بن محمد بن الْمِسْوَر الزبيريّ- بكثير،
ابنُ حساب عندي حجةٌ. قال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة (٢٣٨) روى عنه
مسلم، وأبو داود، والمصنّف، له عنده هذا الحديث فقط.
و((حمّاد)»: هو ابن زيد. و((أيوب)): هو ابن أبي تميمة السختيانيّ. والحديث متفق
عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيم) يعني أن سعيد بن أبي عروبة مِهْران تابع
أيوب في رواية هذا الحديث عن يعلى بنّ حكيم، كما بيّن روايته بقوله:
٣٩٢٤- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ،
عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وََّهِ، فَزَعَمَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ، فَقَالَ: نَّانِيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، عَنْ أَمْرِ
كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَنْفَعُ لَنَا، قُلْنَا: وَمَا ذَاكَّ؟، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلَ﴾: (مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَغْهَا، أَوْ لِيُزْرِعِهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكَارِيَهَا بِثُلُثٍ، وَلَا رُبُعِ،
وَلَا طَعَامٍ مُسَمَّى))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إسماعيل بن مسعود)): هو الْجحدريّ البصريّ.
و((خالد بن الحارث)): هو الْهُجيميّ البصريّ. والإسناد مسلسل بالبصريين إلى يعلى.
والحديث أخرجه مسلم من طريق خالد بن الحارث، وعبد الأعلى، وعبدة كلهم،
عن سعيد بن أبي عروبة، بسند المصنّف، لكن لم يسق متنه، أحاله على رواية أيوب.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٢- (ذكْرُ الأحادِیثِ المُختلفة في ... - حديث رقم ٣٩٢٥
١٥٥ =
وقوله (رَوَاهُ حَنْظَلَّةُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعٍ، فَاخْتُلِف) بالبناء للمفعول (عَلَى رَبِيعَةً) بن
أبي عبد الرحمن (فِي رِوَايَتِهِ) زاد في ((الكبرى)): ((عنه فيه))، والضمير في ((عنه)) لحنظلة،
وفي ((فيه)) للحديث. يعني أن حنظلة بن قيس الزُّرَقيّ روى هذا الحديث عن رافع بن
خديج رَّه، ورواه عنه ربيعة الرأي، لكن الرواة اختلفوا على ربيعة فيه، فرواه عنه
الليث، عن حنظلة، عن رافع، عن عمه، مرفوعًا، ورواه الأوزاعيّ، عنه، عن حنظلة،
عن رافع، مرفوعًا، ولم يذكر عمه، ووافق الأوزاعيّ مالكٌ في الإسناد، وخالفه في
المتن، كما سيأتي، ورواه الثوريّ، عنه، عن حنظلة، عن رافع، موقوفًا عليه، ولم
يذكر أيضًا عمه.
ثم إن هذا الاختلاف لا يضرّ، أما بالنسبة للرفع والوقف، فترجّح رواية الرفع؛ لأن
معها زيادة علم من ثقات حفّاظ، وأما بالنسبة لذكر عمّ رافع، وعدمه، فيُحمل على أن
رافعًا، سمعه من عمّه، ثم سمعه من النبيّ وَّ، فكان يُحدّث عنهما، ولذلك أخرج
الحديث الشيخان من رواية حنظلة، عن رافع، كما سنبيّنه، إن شاء اللَّه تعالى. والله
تعالى أعلم.
ثم ساق روايات ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس، عن رافع، فقدم
رواية الليث، عن ربيعة، فقال:
٣٩٢٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى،
قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ
خَدِيج، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّيَ، أَتُّهُمَّ كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضَ، عَلَى عَهْدِ رَسُوَّلِ اللَّهِ ◌َِّهَ بِمَا
يَثْبُتُ عَلَى الْأَرْبِعَاءِ، وَشَيْءٍ مِنَ الزَّرْعِ، يَسْتَثْنِي صَاحِبُ الْأَرْضِ، فَتَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ،
عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ كِرَاؤُهَا بِالدِّيَارِ وَالدِّرْهَمِ؟، فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ،
بِالدِّينَارِ وَالدِّزْهَم).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (محمد بن عبد الله بن المبارك) الْمُخَرَّميِّ البغداديّ الثقة الحافظ [١١]٥٠/٤٣.
٢- (حُجَين بن المثنى) أبو عمير اليماميّ، سكن بغداد، وولي قضاء خُراسان، ثقة
[٩] ١٨٠ / ١١٥٠ .
٣- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت الفقيه المصريّ [٧] ٣٥/٣١ .
٤- (ربيعة) بن أبي عبد الرحمن فَرُّوخ، أبو عثمان المدنيّ، المعروف بربيعة الرأي،
ثقة فقيه مشهورٌ، قيل: كانوا يتقونه لموضع الرأي [٥] ٧٢٩/٣٦.
٥- (حنظلة بن قيس) بن عمرو بن حِضْن بن خلْدة الزُّرَقيّ المدنيّ، ثقة [٢].

==
=
١٥٦
:
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
قال ابن سعد، عن الواقديّ: كان ثقة قليل الحديث. وحُكي عن الزهريّ قال: ما
رأيت من الأنصار أحزم، ولا أجود رأيًا من حنظلة بن قيس. وذكره ابن حبّان في
((الثقات))، وقال: رأى عمر، وعثمان. وذكره ابن عبد البرّ في الصحابة، جانحًا لقول
الواقديّ: إنه وُلد في عهد النبيّ وَّر. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند
المصنّف حديث الباب فقط. والباقيان تقدما قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ربيعة، والليث مصريّ، والباقيان
بغداديان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي) بالإفراد، وهو
ظهير بن رافَع ◌َّه. وفي رواية البخاريّ، من طريق الأوزاعيّ، عن ربيعة: ((حدّثني
عَمَّاي)) بالتثنية، قال الحافظ في ((الفتح)): هما ظُهير بن رافع، والآخر قال الكلاباذيّ:
لم أقف على اسمه، وذكر غيره أن اسمه مُظَهْر - وهو بضم الميم، وفتح الظاء، وتشديد
الهاء المكسورة- وضبطه عبد الغنيّ، وابن ماكولا هكذا زعم بعض من صنّف في
المبهمات، ورأيت في الصحابة لأبي القاسم البغويّ، ولأبي عليّ بن السكن، من طريق
سعيد بن أبي عروبة، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خَدِيج:
أن بعض عمومته، قال سعيد: زعم قتادة أن اسمه مُهَير، فذكر الحديث، فهذا أولى أن
يُعتمد، وهو بوزن أخيه ظُهير، كلاهما بالتصغير. انتهى (١).
(أَتُّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضَ) بضم حرف المضارعة، من الإکراء رباعيًّا (عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللَّهِ بِهَه بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الْأَرْبِعَاءِ) - بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر
الموحدة - : جمع ربيع - بفتح الراء، وكسر الموحّدة: وهو النهر الصغير، والمعنى أنهم
كانوا يُكرون الأرض، ويشترطون لأنفسهم ما ينبُتُ على الأنهار (وَشَيْءٍ) بالجرّ عطفًا
على ((ما ينبت)) (مِنَ الزَّرْعِ، يَسْتَثْنِي صَاحِبُ الْأَرْضِ) ببناء الفعل للمفعول، و((صاحب))
مرفوع على الفاعليّة، ومفعوله مقدّر، وقد صُرِّح به في رواية البخاريّ، ولفظه: ((يستثنيه
صاحب الأرض))، وهو من الاستثناء، أي يُخرجه لنفسه مما للزارع، وقال في ((الفتح)):
(١) ((فتح)) ٢٩٥/٥.

١٥٧
٢- (ذِكْرُ الأَحَادِيثِ الْمُخْتلِفةِ فِي ... - حديث رقم ٣٩٢٥
وكأنه يُشير إلى استثناء الثلث، أوالربع، ليوافق الرواية الأخرى (فَتَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ وَرِ،
عَنْ ذَلِكَ) قال حنظلة بن قيس (فَقُلْتُ لِرَافِع) رضي الله عنه (فَكَيْفَ كِرَاؤُهَا بِالدِّينَارِ
وَالِدُرْهَم؟) أيجوز أم لا؟ (فَقَالَ رَافِعْ) رضي الله عنه (لَيْسَ بَهَا) أي بإجارة الأرض
(بَأْسٌ، بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم) قال في ((الفتح)): يحتمل أن يكون ذلك قاله رافع باجتهاده.
ويحتمل أن يكون علم ذلك بطريق التنصيص على جوازه، أو عَلِم أن النهي عن كراء
الأرض ليس على إطلاقه، بل بما إذا كان بشيء مجهول، ونحو ذلك، فاستنبط من
ذلك جواز الكراء بالذهب والفضّة، ويرجّح كونه مرفوعًا ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ
بإسناد صحيح من طريق سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج، قال: ((نهى رسول الله
وَلَّر عن المحاقلة، والمزابنة، وقال: إنما يَزرع ثلاثة: رجلٌ له أرضٌ، ورجلٌ مُنِح
أرضًا، ورجلٌ اكترى أرضًا بذهب، أو فضّة))، لكن بيّن النسائيّ من وجه آخر أن
المرفوع منه النهي عن المحاقلة، والمزابنة، وأن بقيّته مدرجْ من كلام سعيد بن
المسيّب. وقد رواه مالكٌ في ((الموطًا))، والشافعيّ عنه، عن ابن شهاب، عن سعيد بن
المسيّب. انتهى ما في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم أن الأرجح كون قوله: ((إنما يزرع ثلاثة الخ))
من كلام سعيد بن المسيّب رحمه الله تعالى، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث رافع بن خديج، عن عمّه رضي الله تعالى عنهما متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٩٢٥/٢ - وفي ((الكبرى)) ٤٦٢٦/١. وأخرجه (خ) في ((الحرث،
والمزارعة)) ٢٣٤٦ و٢٣٤٧ (م) في ((البيوع)) ٣٩٢٦ و٣٩٢٨ (د) في ((المزارعة)) ٣٣٩٢
و٣٣٩٣ (ق) في ((الرهون)) ٢٤٥٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ الْأَوْزَاعِيُّ) يعني أن الأوزاعيّ خالف الليث بن سعد في روايته لهذا
الحديث، حيث إنه راوه عن ربيعة، عن رافع، عن عمّه، مرفوعًا، فخالفه الأوزاعيّ،
فرواه عن ربيعة، عن حنظلة بن قيس الأنصاريّ، عن رافع بن خديج، مرفوعًا، ولم
(١) ((فتح)) ٢٩٥/٥. ((كتاب الحرث والمزارعة)). رقم ٢٣٤٦ - و٢٣٤٧.

١٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
يذكر عمّه، لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ بصحّة الحديث، كما تقدّم، ولذا أخرجه
الشيخان من الوجهين، فأخرج البخاريّ رواية الليث بزيادة عمّيه، وأخرج مسلم رواية
الأوزاعيّ بإسقاطهما. والله تعالى أعلم.
ثم ساق المصنّف رحمه اللّه تعالى رواية الأوزاعي التي أشار إليها، فقال:
٣٩٢٦- (أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدْثَنَا عِيسَى -هُوَ ابْنُ يُونُسَ-
قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَتْظَلَةَ بْنِ قَيْسِ الْأَنْصَارِيّ،
قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، بِالدِّينَارِ، وَالْوَرِقِ؟، فَقَالَ: لَا بَأْسَ
بِذَلِكَ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ وَهَ يُؤَاجِرُونَ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالٍ
الْجَدَاوِلِ، فَيَسْلَمُ هَذَا، وَيُهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيُهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا
هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ(١)، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
المغيرة بن عبد الرحمن أبي أحمد الْحَرّانيّ، من صغار [١٠] ٢٠٢٥/٩٤، فإنه من
أفراده، وهو ثقة.
وقوله: ((على الماذيانات)): بكسر الذال المعجمة، وحكي فتحها: مسايل المياه،
مُعَرَّبة(٢). وقال ابن الأثير: هي جمع ماذِيان، وهو النهر الكبير، وليست بعربيّة، وهي
سواديّة. انتهى (٣). وقال الخطابيّ: هي الأنهار، وهي من كلام العجم، صارت دخيلًا
في كلامهم. انتهى (٤).
وقال القرطبيّ: الماذيانات معروفة، بكسر الذال، وقد فُتحت، وليست عربيّة،
ولكنها سواديّة. وهي مسايل الماء، والمراد بها هنا: ما يَنْبُتُ على شطوط الجداول،
ومسايل الماء، وهو من باب تسمية الشيء باسم غيره، إذا كان مجاورًا له، وكان منه
(٥)
بسبب. انتھی(٥).
وقوله: ((وأقبال الجداول)) بفتح الهمزة، ثم قاف، ثم موحدة، قال في ((النهاية)): هي
الأوائل، والرؤوس، جمع قُبْل، والقُبْل أيضًا رأس الجبل، والأَكَّمَة، وقد يكون جمع قَبَلٍ
-بالتحريك- وهو الكلا في مواضع من الأرض، والقَبَلُ أيضًا: ما استقبلك من الشيء.
(١) ((زجر عنه)): من باب قتل: أي منع عن هذا الكراء، لأنه يفضي إلى النزاع.
(٢) ((زهر الربى)) ٣١/٧.
(٣) ((النهاية)) ٣١٣/٤.
(٤) راجع ((شرح السندي)) ٤٣/٧ .
(٥) ((المفهم)) ٤٠٨/٤ .

٢- (ذِكْرُ الأَحَادِيثِ الْمُخْتلِفةِ فِي ... - حديث رقم ٣٩٢٨
=
١٥٩
انتهى(١). والجداول: جمع جدول: وهو النهر الصغير.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ومعنى هذا أن صاحب الأرض كان يُؤاجر أرضه
بالثلث، أو بالربع، أوبأن يكون له ما يُزرع على جوانب الأنهار، والجداول، وعلى
أفواهها، وكان منهم من يؤاجر أرضه بالماذيانات خاصّةً. انتهى(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَافَقَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَلَى إِسْتَادِهِ، وَخَالَفَهُ فِي لَفْظِهِ) يعني أن مالك بن أنس
إمام دار الهجرة وافق الأوزاعيّ رحمهما الله تعالی في إسناد هذا الحدیث، حیث رویاه
عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس، عن رافع بن خديج ربيّ ، لكنه
خالفه في متن الحديث، والاختلاف بين المتنين واضح، كما بيّنه بما ساقه بقوله:
٣٩٢٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْنَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ،
عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: نََّى رَسُولُ
اللّهِ وَ﴿َ، عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، قُلْتُ: بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقٍ؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا نَّى عَنْهَا بِمَا
يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَمَّا الذَّهَبُ،َ وَالْفِضَّةُ، فَلَّا بَأْسَ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((عمرو بن
عليّ)): هو الفلاس. و((يحيى)): هو ابن سعيد القطّان. والحديث أخرجه مسلم. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَبِيعَةَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ) يعني أن سفيان بن
سعيد الثوريّ رحمه اللّه تعالى وافق الأوزاعيّ، ومالكًا في إسناد هذا الحديث، لكن
خالفهما في متنه، فجعله موقوفًا على رافع تظنّه ، لكن الحكم في مثل هذا لمن رفع؛
لأن معه زيادة علم؛ ولأنهم أكثر. والله تعالى أعلم.
ثم بيّن رحمه الله تعالى رواية الثوريّ بقوله:
٣٩٢٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ وَكِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحِمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنَ قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ، عَنْ كِرَاءِ
الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ، بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَقَالَ: حَلَالٌ، لَا بَأْسَ بِهِ، ذَلِكَ فَرْضُّ الْأَرْضِ).
قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. والحديث
صحيحٌ مرفوعًا، كما سبق آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب،
(١) ((النهاية)) ٤/ ٩ .
(٢) ((المفهم)) ٤ /٤٠٨-٤٠٩.

١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنٍ قَيْسٍ، وَرَفَعَهُ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ)
يعني أن يحيى بن سعيد الأنصاريّ تابع ربيعة بن أبي عبد الرحمن في رواية هذا الحديث
عن حنظلة بن قيس الأنصاريّ، فرواه مرفوعًا، مثل رواية مالك بن أنس، عن ربيعة،
وهذا مما يقوّي ترجيح الرفع أيضًا.
ثم ساق رواية يحيى بن سعيد المذكورة بقوله:
٣٩٢٩- (اخبرنا یَخْتِی بْنُ خپيپٍ بن عربيٍّ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَندٍ، عَنْ يَخْتِی
ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: نَّانَا رَسُولُ اللَّهِ وَزِ، عَنْ
كِرَاءِ أَرْضِنَا، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذَهَبٌ، وَلَا فِضَّةٌ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُكْرِي أَرْضَهُ بِمَا عَلَى
الرَّبِيعِ، وَالْأَقْبَالِ، وَأَشْيَاءَ مَعْلُومَةٍ ... وَسَاقَهُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
وقوله: ((في حديثه حمّاد بن زيد)» يعني يحيى بن حبيب بن عربيّ البصريّ أخبر
المصنّف، ومن معه بهذا الحديث في جملة أحاديث رواها عن حمّاد بن زيد. وقوله:
((ولم يكن يومئذ ذهب الخ)) يعني أن الناس في ذلك كانوا لا يؤاجرون بالذهب والفضة،
وإنما يؤاجرون بما يكون خطرًا، وهو الكراء الذي يكون مجهولًا، أو معلومًا، لكنه
يضرّ بالآخر، كما بيّنه في قوله: ((فكان الرجل يُكري أرضه بما على الربيع الخ)).
والحديث أخرجه مسلم -١٥٤٧ - من طريق ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن
حنظلة الزُّرَقي، أنه سمع رافع بن خديج، يقول: كنا أكثر الأنصار حَقْلًا، قال: كنا
نُكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهانا
عن ذلك، وأما الورق، فلم ينهنا. انتهى.
وقوله: ((وساقه)) الضمير ليحيى بن سعيد، ويحتمل أن يكون لشيخه يحيى بن
حبيب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
وقوله (رَوَاهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَاخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ
فِيهِ) يعني أن هذا الحديث رواه أيضًا سالم بن عبد الله بن عمر، كما رواه من تقدّم ذكر
رواياتهم عنه، ورواه عنه الزهريّ، لكن اختُلف عليه فيه، فرواه مالك بن أنس، وعُقيل
ابن خالد، عنه، عن سالم، عن رافع، مرفوعًا، وخالفهما شعيب بن أبي حمزة، فرواه
عن الزهريّ، قال: بلغنا أن رافع بن خديج، كان يُحدث أن عمّيه أن رسول اللّه ◌ِتِ،
الخ، فجعله مرفوعًا، منقطعًا، وفي رواية عن شعيب بإسقاط عميْه، منقطعًا أيضًا،