النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ ٣٦- (إِذاً نذَرَ، ثُمَّ اُسْلمَ قبلَ أنْ فِيَ) - حديث رقم ٣٨٥٠ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَنْ ذَلِكَ؟، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن عبد الله بن یزید)): هو أبو يحيى المكيّ ثقة [١٠] ١١/ ١١. والباقون تقدّموا في السند الماضي، والحديث متفق عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٤٩- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ كَانَ جَعَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا، يَعْتَكِفُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَنْ ذَلِكَ؟، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَهُ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((أحمد بن عبد الله بن الحكم)): هو المعروف بابن الكُرْديّ، أبو الحسين البصريّ، ثقة [١٠] ٥٨٣/٣٩. و((محمد بن جعفر)): هو غندر. و((عبيد اللَّه)): هو ابن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه. والحديث متفقٌ عليه، كما سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٣٨٥٠- (حَدَّثَنَا (١) يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّهُ قَالَّ لِرَسُولِ اللّهِ وَلِهِ -حِينَ تِيبَ عَلَيْهِ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَّ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الزُّهْرِيُّ، سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَمِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ، تَوْبَةِ كَعْبٍ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هكذا أورد المصنّف رحمه اللَّه تعالى هذا الحديث في هذا الباب في ((المجتبى))، وفي ((الكبرى))، وهو من أحاديث الباب التالي، وفي المناسبة بينه وبين هذه الترجمة بعدٌ لا يخفى، إذ لا مناسبة بين من نذر وهو مشركٌ، ثمّ أسلم، وبين من نذر بعد قبول توبته شكرًا، فليُتأمّل. ورجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((يونس)): هو ابن يزيد الأيليّ. وقوله: ((حين تيب عليه)) أي من تخلّفه عن رسول اللَّه وَل من غزوة تبوك بدون عذر. وقوله: ((أن أنخلع من مالي)) أي أخرج من كلّه، وأتجرّد منه، كما يتجرّد الإنسان، (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ وینخلع من ثيابه. وقوله: ((صدقة إلى الله الخ)) منصوب على المفعوليّة لأجله، أي لأجل الصدقة إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى رسوله وَّر. وقال في ((الفتح)): قوله: ((صدقةً)) هو مصدر في موضع الحال، أي متصدّقًا، أو ضَمَّنَ ((أنخلع)) معنى أتصدّق، وهو مصدر أيضًا. وقوله: ((أمسك عليك بعض مالك، فهو خيرٌ لك))، وفي رواية أبي داود، عن كعب أنه قال: إن من توبتي أن أخرج من مالي كلّه إلى الله ورسوله وَ له صدقةً، قال: ((لا))، قلت: نصفه، قال: ((لا))، قلت: فثلثه، قال: ((نعم)). ولابن مردويه من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ، فقال النبيّ وَله: ((يجزي عنك من ذلك الثلث)). ونحوه لأحمد في قصّة أبي لبابة رَّه حين قال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي كلّه صدقةً لله ورسوله وَله، فقال النبيّ وَل: ((يجزي عنك الثلث)). انتهى(١). قال السنديّ رحمه الله تعالى: وفيه أن التقرّب إلى غير اللَّه تعالى في العبادة لا يضرّ بعد أن يكون المقصد الأصليّ التقرّب إلى الله تعالى؛ لأن المتقرّب إلى الله تعالى متقرّب إلى الرسول وَل﴿ قطعًا، فيتأمل. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في استدلاله على جواز التقرّب إلى غير الله تعالى بهذا الحديث غير واضح. ثم إن معنى التقرّب إلى رسول اللَّه وَلخير، إن صحّ الاستدلال، أنه لَمّا تصدّق شكرًا لقبول الله تعالى توبته، فقد تقرّب إليه وَ له بتقرّبه إلى الله عز وجل، بعد أن ابتعد منه بسبب تخلّفه عنه حتى أقصاه وَّلخير منه خمسين ليلة، كما هو مشهور في قصّة، فكان لا يسلّم عليه، ولا يردّ سلامه، ومنع أصحابه » أن يكلّموه، فهذا هو وجه التقرّب منه وَي*، ولا خفاء في كون هذا تقرّبًا شرعيًّا، وإنما التقرّب المذموم أن يتقرَّب إليه بصرف شيء من العبادة له، كأن ينذر له، أو يعتقد فيه ما لا يستحقّه من صفات الربوبيّة، أو الألوهية. والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في ((كتاب المساجد)) -٧٣١/٣٨ - ((الرخصة في الجلوس فيه، والخروج منه بغير صلاة))))، وتقدّم شرحه مستوفّى، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: ((قال أبو عبد الرحمن الخ)) أراد رحمه الله تعالى أن هذا الحديث رواه الزهريّ عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، كما في هذا الإسناد، ورواه أيضًا عن (١) (فتح)) ٤٦٥/٨. ((كتاب المغازي)). (٢) (شرح السندي)) ٢٢/٧. ٣٧- (إِذاَ أَهْدَى مَلَهُ عَلَى وَجْهِ النّْرِ) - حديث رقم ٣٨٥١ = ٤٣ عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك، كما في الإسناد الأول في الباب التالي، وأيضًا رواه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن عبد الله ابن كعب، كما في الرواية التي بعدها، ورواه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن عمه عُبيدالله بن كعب، كما في الرواية الأخيرة. والحاصل أن الزهريّ يروي حديث كعب بن مالك توقّ هذا عن أربع طرق: [الأولی]: عن عبد الله بن کعب بن مالك، عن أبيه. [الثانية]: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه. [الثالثة]: عن عبد الرحمن كعب، عن أخيه عبد الله بن كعب. [الرابعة]: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن عمّه عبيد الله بن كعب. والله تعالى أعلم. وقوله: ((في هذا الحديث الطويل)) ذكرته بطوله في ((كتاب المساجد)) من رواية البخاريّ، وهو من أطول أحاديث البخاريّ في ((صحيحه)). وقوله: ((توبة كعب)) بالجرّ على البدلية من ((هذا الحديث))، ويجوز قطعه إلى الرفع، والنصب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)). ٣٧- (إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ترجمة المصنّف نحو ترجمة البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، ولفظها: ((باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة))، وللكشميهني: ((والقربة)) بدل و((التوبة)). وقوله: ((أهدى)): أي تصدّق بماله، أو جعله هديّة للمسلمين. قاله الكرمانيّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٥١- (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، فَأَخْبَرَنِ (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ: (١) وفي نسخة: ((وأخبرني)). ٤٤ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكِ، يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ، حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، قَالَ: فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي، أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، مُخْتَصَرْ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((سليمان بن داود)»: هو المَهْريّ، أبو الربيع المصريّ. وقوله: ((أن أنخلع من مالي)) -بنون، وخاء معجمة: أي أَعْرَى من مالي، كما يَغْرَى الإنسان إذا خلع ثوبه. قاله في ((الفتح)). قال السنديّ رحمه الله تعالى: قيل: الانخلاع ليس بظاهر في معنى النذر، وإنما هو كفّارة، أو شكرٌ، فلعلّه ذكره في الباب لمشابهته في إيجابه على نفسه ما ليس بواجب لحدوث أمر. قلت(١): لو ظهر الإيجاب لما خفي كونه نذرًا. والله تعالى أعلم. انتهى(٢). وقال في ((الفتح): ما حاصله: مناسبة حديث كعب ◌َّه للترجمة أن معنى الترجمة أن من أهدى، أو تصدّق بجميع ماله، إذا تاب من ذنب، أو إذا نذر هل ينفذ ذلك، إذا نجّزه، أو علّقه؟ وقصة كعب منطبقة على الأول، وهو التنجيز، لكن لم يصدر منه تنجيزٌ، كما تقرّر، وإنما استشار، فأُشير عليه بإمساك البعض، فيكون الأولى لمن أراد أن ينجز التصدّق بجميع ماله، أو يعلّقه أَنْ يمسك بعضه، ولا يلزم من ذلك أنه لو نجزه لم ينفذ، وقد تقدّمت الإشارة في ((كتاب الزكاة)) إلى أن التصدق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال، فمن كان قويًّا على ذلك، يعلم من نفسه الصبر لم يمنع، وعليه يتنزّل فعل أبي بكر الصديق وَنث، وإيثار الأنصار على أنفسهم المهاجرين، ولو كان بهم خصاصة، ومن لم يكن كذلك، فلا، وعليه يتنزّل ((لا صدقة، إلا عن ظهر غنى))، وفي لفظ: ((أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى)). قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: في حديث كعب رَظي أن للصدقة أثرًا في محو الذنوب، ومن ثمّ شُرعت الكفّارة الماليّة. ونازعه الفاكهانيّ، فقال: التوبة ◌ُجبّ ما قبلها، وظاهر حال كعب أنه أراد فعل ذلك على جهة الشكر. قال الحافظ: مراد الشيخ يؤخذ من قول كعب ◌َّ: ((إن من توبتي الخ)) أن الصدقة أثرًا في قبول التوبة التي يتحقّق بحصولها محو الذنب، والحجة فيه تقرير النبيّ وَ يّ له على القول المذكور. انتهى(٣). والحديث متفقٌ عليه، وسبق البحث فيه في الباب الماضي، وبقي البحث فيما يتعلّق (١) القائل السنديّ. (٢) (شرح السنديّ)) ٢٢/٧-٢٣. (٣) ((فتح)) ٤٣٠/١٣ -٤٣١ (كتاب الأيمان والنذور)) رقم ٦٦٩٠. ٤٥ ٣٧- (إِذاَ أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ) - حديث رقم ٣٨٥١ بما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، فأقول: (مسألة): في اختلاف أهل العلم فيمن نذر أن يتصدّق بجميع ماله: قال في ((الفتح)): قد اختلف السلف فيمن نذر أن يتصدّق بجميع ماله على عشرة مذاهب : فقال مالك: يلزمه الثلث؛ لهذا الحديث، ونوزع في أن كعب بن مالك تَظّه لم يُصرّح بلفظ النذر، ولا بمعناه، بل يحتمل أنه نجز النذر، ويحتمل أن يكون أراده، فاستأذن، والانخلاع الذي ذكره ليس بظاهر في صدور النذر منه، وإنما الظاهر أنه أراد أن يؤكّد أمر توبته بالتصدّق بجميع ماله شكرًا للَّه تعالى على ما أنعم به عليه. وقال الفاكهانيّ في ((شرح العمدة)): كان الأولى بكعب أن يستشير، ولا يستبدّ برأيه، لكن كأنه قامت عنده حال لفرحه بتوبته، ظهر له فيها أن التصدّق بجميع ماله مُستَحَقٌّ عليه في الشكر، فأراد الاستشارة بصيغة الجزم. انتهى. وكأنه أراد أنه استبد برأيه في كونه جزم بأن من توبته أن ينخلع من جميع ماله، إلا أنه نجز ذلك. وقال ابن المنير: لم يُبُتَّ كعب الانخلاع، بل استشار، هل يفعل، أو لا؟. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون استفهم، وحُذفت أداة الاستفهام، ومن ثمّ كان الراجح عند الكثير من العلماء وجوب الوفاء لمن التزم أن يتصدّق بجميع ماله، إلا إذا كان على سبيل القربة. وقيل: إن كان مليًّا لزمه، وإن كان فقيرًا فعليه كفّارة يمين. وهذا قول الليث، ووافقه ابن وهب، وزاد: وإن كان متوسّطًا يُخرج قدر زكاة ماله، والأخير عن أبي حنيفة بغير تفصيل، وهو قول ربيعة. وعن الشعبيّ، وابن لبابة (١) لا يلزمه شيء أصلًا. وعن قتادة يلزم الغنيّ العشر، والمتوسّط السبع، والمملق الخمس. وقيل: يلزم الكلّ، إلا في نذر اللجاج، فكفّارة يمين. وعن سحنون يلزمه أن يُخرج ما لا يضرّ به. وعن الثوريّ، والأوزاعيّ، وجماعة يلزمه كفّارة يمين بغير تفصيل. وعن النخعيّ يلزمه الكلّ بغير تفصيل. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه اللّه تعالى من أن من نذر بجميع ماله يلزمه الثلث أرجح؛ لظاهر قصّة كعب بن مالك رَظاته ؛ لأنه لما قال: أتصدّق بمالي كلّه، قال له وَّر: ((يُجزىء عنك الثلث))، فهذا دليلٌ واضحٌ على أن من نذر بجميع ماله يجزيه الثلث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٥٢- (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدْثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ (١) هكذا نسخة ((الفتح)) ولينظر. ٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالُّذُورِ ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكِ، يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَمْسِكْ عَلَّيْكَ مَالَكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ عَلَيَّ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يوسف بن سعيد)): هو المصيصيّ الثقة الحافظ [١١] ١٩٨/١٣١ من أفراد المصنّف روى عنه في هذا الكتاب ثلاثين حديثًا. و((حجّاج بن محمد)): هو الأعور المصّيضيّ. وقوله: ((أمسك عليك مالك)) أي بعض مالك، كما بينته الرويات المتقدّمة. والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٥٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَغْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْقِلْ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخِبَرَنِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَمِّهِ، عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، كَعْبَ بْنَ مَالِكِ يُحَدِّثُ، قَالَّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَّةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، قُلْتُ: فَإِنِّي أَمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((محمد بن معدان بن عيسى)): هو الْحَرّانيّ الثقة. [١٢] ١٦/ ٦٤٩ من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، روى عنه في هذا الكتاب تسعة أحاديث. و((الحسن بن أعين)): هو ابن محمد بن أعين، نسب لجدّه، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوق [٩] ٦٤٩/١٦. و((مَعْقِل)) بفتح الميم، وكسر القاف -: هو ابن عُبيد الله الجَزَريّ، أبو عبد الله الْحرانيّ، صدوق يُخطىء [٨] ٩٤٠/٣٧. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق القول عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنیب». ٤٧ ٣٨- (هَلْ تَدْخُلُ الأَرَضُونَ فِي ... - حديث رقم ٣٨٥٤ ٣٨- (هَلْ تَدْخُلُ الأَرَضُونَ فِي الْمَالِ إِذَا نَذَرَ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بقوله: ((باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض، والغنم، والزرع، والأمتعة)). قال في ((الفتح)): قال ابن عبد البرّ، وتبعه جماعة: المال في لغة دَوْس قبيلةٍ أبي هريرة تَّه غير العين، كالعروض، والثياب. وعند جماعة: المال هو العين، كالذهب، والفضّة. والمعروف من كلام العرب أن كلّ ما يُتموّل، ويُملك فهو مال، وأشار البخاريّ في الترجمة إلى رجحان ذلك بما ذكره من الأحاديث، كقول عمر تناثه: ((أصبت أرضًا لم أُصب مالًا أنفس منه))، وقول أبي طلحة تنزي: ((أحبّ أموالي إليّ بيرحاء)»، وقول أبي هريرة رَّهُ: ((لم نغنَم ذهبًا، ولا ورِقًا))، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، فإنه يتناول كلّ ما يملكه الإنسان. وأما قول أهل اللغة: العرب لا توقع اسم المال عند الإطلاق إلا على الإبل؛ لشرفها عندهم، فلا يدفع إطلاقهم المال على غير الإبل، فقد أطلقوها أيضًا على غير الإبل من المواشي. ووقع في ((السيرة)): ((فسلك في الأموال)) -يعني الحائط، ((ونهى عن إضاعة المال))، وهو يتناول كلّ ما يُتموّل. وقيل: المراد به هنا الأرقّاء. وقيل: الحيوان كلّه. وفي الحديث أيضًا: ((ما جاءك من الرزق، وأنت غير مُشرف، فخذه، وتموّله))، وهو يتناول كلّ ما يُتموّل، والأحاديث الثلاثة مخرجة في ((الصحيحين))، و((الموطً)). وحُكي عن ثعلب: المال كلّ ما تجب فيه الزكاة، قَلَّ، أو كَثُر، فما نقصٍ عن ذلك، فليس بمال. وبه جزم الأنباريّ. وقال غيره: المال في الأصل العين، ثم أطلق على كلّ ما يتملّك. انتهى(١). وقد تقدّم في الباب الماضي بيان اختلاف السلف فيمن حلف، أو نذر أن يتصدّق بماله على عشرة أقوال، فمنهم من قال: كأبي حنيفة: لا يقع نذره إلا على ما فيه الزكاة، ومنهم من قال: كمالك: يتناول جميع ما يقع عليه اسم مال. قال ابن بطال: وأحاديث الباب تشهد لقول مالك، ومن تابعه. وغرض المصنّف كالبخاريّ رحمهما الله تعالى بهذه الترجمة الردّ على من قال: إذا حلف، أو نذر أن يتصدّق بماله کله اختصّ ذلك بما فيه الزكاة، دون سائر ما يملكه، (١) ((فتح)) ١٣/ ٤٥٣. ((كتاب الأيمان والنذور)) رقم الحديث ٦٧٠٧ . ٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ وما ذهب إليه المصنّف، والبخاريّ، هو مذهب الجمهور، وهو الصحيح. ونقل محمد ابن نصر المروزيّ رحمه الله تعالى في ((كتاب الاختلاف)) عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن نذر أن يتصدّق بماله كله: يتصدّق بما تجب فيه الزكاة، من الذهب، والفضّة، والمواشي، لا فيما ملكه مما لا زكاة فيه، من الأرض، والدُّور، ومتاع البيت، والرقيق، والحمير، ونحو ذلك، فلا يجب عليه فيها شيء. ونصّ أحمد رحمه الله تعالى على أن من قال: مالي في المساكين إنما يُحمل ذلك على ما نواه، أو غلب على عرفه، كما لو قال ذلك أعرابيّ، فإنه لا يحمل ذلك إلا على الإبل. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأدلّة الكثيرة التي تقدّم بيانها ترجّح مذهب الجمهور، كما قرّرناه آنفًا، فهو الراجح. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٥٤- (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَلَّهِ عَامَ خَيْيَرَ، فَلَّمْ تَغْتَمْ إِلَّ الْأَمْوَالَّ، وَالْمَتَاعَ، وَالثِّيَابَ، فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، يُقَالُ لَّهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، لِرَسُولِ اللَّهِ وَِ، غُلَامَا أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مِذْعَمْ، فَوَجَّهَ رَسُولُ اللّهِ وَهَّهِ إِلَى وَادِي الْقُرَى، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى، بَيْنَا مِدْعَمْ، يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللّهِنَّهِ، فَجَاءَهُ سَهْمٌ، فَأَصَابَهُ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيْئًا لَكَ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا)، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِذَلِكَ، جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكِ، أَوْ بِشِرَاكَيْنِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((شِرَاكٌ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩. ٢- (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد الله المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ٢٠/١٩. ٣- (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/ ٧. ٤- (ثور بن زيد) الدِّيليّ المدنيْ، ثقة [٦] ١٢٠١/١١. [تنبيه]: وقع في ((نسخ ((المجتبى)) المطبوعة هنا ((ثور بن يزيد))، وهو غلطٌ، والصواب ((ثور بن زيد))، كما هو الموجود في النسخة الهنديّة، وتقدّم مثل هذا، فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٥- (أبو الغيث مولى ابن مطيع) سالم المدنيّ مشهور بكنيته، ثقة [٣] ٢٥٧٧/٧٨. ٣٨- (هَلْ تَدْخُلُ الأَرَضُونَ فِي ... - حديث رقم ٣٨٥٤ ٤٩ [تنبيه]: وقع عند البخاري من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك، قال: حدّثني ثور، قال: حدثني سالم مولى ابن مطيع، أنه سمع أبا هريرة رَمّه، فقال في ((الفتح)): وسالم مولى ابن مطيع، يُكنى أبا الغيث، وهو بها أشهر، وقد سُمّي هنا، فلا التفات لقول من قال: إنه لا يوقف على اسمه صحيحًا. وهو مدنيّ، لا يُعرف اسم أبيه، وابن مطيع اسمه عبد الله، وليس لسالم في الصحيح رواية عن غير أبي هريرة تزوي ، له عنه تسعة أحادیث. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وله عند المصنف رحمه اللّه تعالى في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث كلّها عن أبي هريرة تز : حديث الباب، وحديث-٢٥٧٧/٧٨ -: (الساعي على الأمر والمساكين كالمجاهد في سبيل اللَّه عز وجل)) تَقَّدَّمَ في ((كتاب الزكاة)). وحديث - ٣٦٩٨/١٢ -: ((اجتنبوا السبع الموبقات ... )) الحديث تَقَدَّم في ((كتاب الوصايا)). والله تعالى أعلم. ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وأبي داود، وهو ثقة حافظ .. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وابن القاسم، فمصريان. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رَيّ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، عَامَ خَيْبَرَ) وفي رواية البخاريّ في ((المغازي)) من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك: ((افتتحنا خيبر))، قال في ((الفتح): في رواية عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثيّ، عن أبيه في ((الموطًا)): ((حُنين)) بدل خيبر، وخالفه محمد بن وضّاح، عن يحيى بن يحيى، فقال: ((خيبر)) مثل الجماعة. نبّه عليه ابن عبد البرّ. ووقع في رواية إسماعيل بن أبي أويس عند البخاريّ: ((خرجنا مع النبيّ ◌َّرَ إلى خيبر))، وهي رواية ((الموطًا))، أعني قوله: ((خرجنا))، وأخرجها مسلم من طريق ابن وهب، عن مالك، ومن طريق عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، عن ثور، فحکی الدارقطنيّ عن موسى بن هارون أنه قال: وَهِمَ ثور في هذا الحديث؛ لأن أبا هريرة رَّه لم يخرُج مع النبيّ وَّ إلى خيبر، وإنما قَدِم بعد (١) ((فتح)) ٢٧٠/٨ (كتاب المغازي)). ٥ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ خروجهم، وقدم عليهم خيبر بعد أن فُتحت. قال أبو مسعود: ويؤيّده حديث عنبسة بن خالد بن سعيد، عن أبي هريرة رضي قال: ((أتيت النبيّ وَلقول بخيبر بعد ما افتتحوها))، قال: ولكن لا يشكّ أحدٌ أن أبا هريرة رضي حضر قسمة الغنائم، فالغرض من الحديث قصّة مِذْعَم في غلول الشملة. قال الحافظ: وكان محمد بن إسحاق صاحب «المغازي)) استشعر بوهم ثور بن زيد في هذه اللفظة، فروی الحديث عنه بدونها، أخرجه ابن حبّان، والحاكم، وابن منده من طريقه، بلفظ: ((انصرفنا مع رسول اللَّه ◌َ له إلى وادي القرى))، ورواية أبي إسحاق الفزاريّ التي في هذا الباب تسلم من هذا الاعتراض، بأن يُحمل قوله: ((افتتحنا)) أي المسلمون. وروى البيهقيّ في ((الدلائل)) من وجه آخر عن أبي هريرة ◌َزّه قال: ((خرجنا مع النبيّ وَّر من خيبر إلى وادي القرى))، فلعلّ هذا أصلُ الحديث. وحديثُ قدوم أبي هريرة ◌َظّ المدينة، والنبيّ وَلّ بخيبر أخرجه أحمد، وابن خُزيمة، وابن حبّان من طريق خُثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة تَ﴾ قال: ((قدِمتُ المدينة، والنبيّ وَله بخيبر، وقد استَخلف سباعَ بن عُرْفُطة))، فذكر الحديث، وفيه: ((فزوّدُونا شيئًا حتى أتينا خيبر، وقد افتتحها النبيّ وَّرَ، فكلّم المسلمين، فأشركونا في سهامهم)) . ويُجمع بين هذا وبين الحصر الذي في حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َظَفيه ، حيث قال: قدمنا على النبيّ وَاليل بعد أن افتتح خيبر، فقسم لنا، ولم يَقسِم لأحد لم يشهد الفتح غيرَنا)»، متفقٌ عليه، أن أبا موسى أراد أنه لم يُسهم لأحد لم يشهد الوقعة من غير استرضاء أحد من الغانمين، إلا لأصحاب السفينة، وأما أبو هريرة ◌َظمه وأصحابه، فلم يُعطهم إلا عن طيب خواطر المسلمين. والله أعلم. انتهى (١). (فَلَمْ نَغْتَمْ) -بفتح أوله، وثالثه- مضارع غَنِم - بكسر النون- من باب فَهِمَ، يقال: غَنِمتُ الشيء أغنمه غُنْمًا بضم، فسكون: أصبته غَنِيمة، ومَغْتَمًا، والجمع الغنائم، والمغانم. قال أبو عُبيد: الغَنِيمة: ما نِيلَ من أهل الشرك عَنْوَةً، والحربُ قائِمَةٌ، والفيء: ما نِيل منهم بعد أن تَضَعَ الحرب أوزارها. قاله الفيّوميّ (إِلَّا الْأَمْوَالَ، وَالْمَتَاعَ، وَالثَّابَ) وفي رواية البخاريّ: ((ولم نَغْنَم ذهبًا، ولا فضّةً، إنما غَنِمنا البقر، والإبل، والمتاع، والحوائط))، قال في ((الفتح)): وفي رواية مسلم: ((غنمنا المتاع، والطعام، والثياب)). وعند رواة ((الموطًا)) ((إلا الأموال، والثياب، والمتاع))، وعند يحيى بن يحيى (١) (فتح)) ٢٧٠/٨-٢٧١. (كتاب المغازي)) رقم ٤٢٣٤. ٣٨- (هَلْ تَدْخُلُ الأَرَضُونَ فِي ... - حديث رقم ٣٨٥٤ ٥١ الليثيّ وحده ((إلا الأموال والثياب))، والأوّل هو المحفوظ، ومقتضاه أن الثياب، والمتاع، لا تُسمّى مالًا، وقد نقل ثعلب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل الضبيّ قال: المال عند العرب الصامت والناطق، فالصامت: الذهب والفضّة، والجوهر والناطق: البعير والبقرة والشاة، فإذا قلت عن حضريّ: كثُر ماله، فالمراد الصامت، وإذا قلت عن بدويّ، فالمراد الناطق. انتهى. وقد أطلق أبو قتادة على البستان مالًا، فقال في قصّة السلب الذي تنازع فيه هو والقرشيّ في غزوة حُنين ((فابتعت به مَخْرَفًا، فإنه لأول مال تأثّلته))، فالذي يظهر أن المال ما له قيمة، لكن قد يغلب على قوم تخصيصه بشيء، كما حكاه المفضل، فتحمل الأموال على المواشي، والحوائط التي ذكرت في رواية الباب، ولا يراد بها النقود؛ لأنه نفاها أوّلًا. انتهى (١). (فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ) بضمّ أوّله، بصيغة التصغير، وفي رواية البخاريّ من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك: ((أهداه له أحد بني الضّباب)) -بكسر الضاد المعجمة، وموحّدتين الأولى خفيفة، بينهما ألف بلفظ جمع الضبّ. وفي رواية مسلم: ((أهداه له رفاعة بن زيد، أحد بني الضّبيب)). وفي رواية أبي إسحاق رفاعة بن زيد الْجُذاميّ، ثمّ الضبنيّ -بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها نون، وقيل: بفتح المعجمة، وكسر الموحّدة -: نسبة إلى بطن من جُذام. (يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ) قال الواقديّ: كان رفاعة قد وفَدَ على رسول اللَّه ◌َلّله في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر، فأسلموا، وعقد له على قومه (لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِّ) متعلّق بـ((أهدى)) (غُلَامًا أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مِذْعَمْ) بكسر الميم، وسكون الدال المهملة، وفتح العين المهملة (فَوَجَّة) بالبنا للفاعل، أي توجه، يقال: وَجَّهتُ إليك توجيهًا: تَوَجَّهْتُ. قاله في ((القاموس)). ويحتمل أن يكون المعنى فَوَجَّهَ رسول اللَّهُ وَّهِ وَجْهَهُ، فيكون المفعول محذوفًا. والله تعالى أعلم. (رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، إِلَى وَادِي الْقُرَى) هو: موضعٌ قريبٌ من المدينة، على طريق الحاج من جهة الشام. وأصل الوادي: كلُّ منفرج بين جبال، أو آكام، يكون مَنْفَذًا للسيل، والجمع أودية. أفاده الفيّوميّ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى، بَيْنَا مِذْعَمْ، يَحُطْ) بضم الحاء المهملة، يقال: حَطّطتُ الرحلَ وغيره خَطًّا، من باب قتل: أنزلته من عُلْو إلى سُفل. قاله الفيّومِيّ (رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ اَلِ) الرَّخْل - بفتح، فسكون -: كلُّ شيء يُعدّ للرحيل، من وعاءٍ للمتاع، ومَزكبٍ للبعير، وحِلْسٍٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أرحُلٌ، وَرِحَالٌ، مثلُ أفلُس، وسِهَام. زاد البيهقيّ في ((الدلائل)): وقد استقبلتنا يهود بالرمي، ولم نكن على تعبية)). (فَجَاءَهُ سَهُمْ) وفي رواية البخاريّ: ((سهم عائر)) -بعين مهملة، بوزن فاعل: أي لا (١) ((فتح) ٢٧١/٨. ٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ يُدرَى من رمى به. وقيل: هو الحائد عن قصده (فَأَصَابَهُ) أي أصاب ذلك السهم مِذْعمًا (فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيْئًا لَكَ الْجَنَّةُ) أي لأنه مات شهيدًا، في خدمة النبيّ وَِّ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((كَلَّا) حرف ردع، وزجر (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ) -بفتح الشين المعجمة، وسكون الميم -: كساء صغيرٌ، يؤتزر به، والجمع شَمَلات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات، وشِمَالٌ أيضًا، مثلُ كلبة وكلاب. قاله الفيّوميّ (الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِم) أي قبل قسمتها غُلُولًا (لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا)) يحتمل أن يكون ذلك حقيقةً بأن تصير الشَّمْلةُ نفسها نارًا، يُعذّب بها، ويحتمل أن يكون المراد أنها سبب لعذاب النار، وكذا القول في ((الشراك)) الآتي ذكره. قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأولى؛ لأن ألفاظ الشارع إذا أمكن حملها على ظاهرها لا ينبغي العدول عنه، فتنبه. والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِذَلِكَ، جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (بِشِرَاكِ، أَوْ بِشِرَاكَيْنِ) -بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الراء -: سَيْرُ النعل على ظهر القدم (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ: ((شِرَاكْ، أَوْ شِرَاكَانٍ مِنْ نَارٍ))) أي لولا رددتها، أو هو ردّ بعد الفراغ من القسمة، وقسمتها وحدها لا يُتصوّر، فلذلك قال ◌َّ ما قال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وفي حديث عبد الله بن عمرو ◌َويهتا قال: ((كان على ثَقَل النبيّ ◌َّهَ رجلٌ يقال له: كركرة (١)، فمات، فقال النبيّ وَّر: هو في النار في عباءة غَلَّها)). قال في ((الفتح)): وكلام عياض يُشعر بأن قصّته مع قصّة مِدعَم متّحدة، والذي يظهر من عدّة أوجه تغايرهما. نعم عند مسلم من حديث عمر تَزّ: ((لَمّا كان يوم خيبر قالوا: فلان شهيد، فقال النبيّ وَّهو كلّ إني رأيته في النار في بردة غَلّها، أو عباءة))، فهذا يمكن تفسيره بكركرة، بخلاف قصّة مِدعم، فإنها كانت بوادي القرى، ومات بسهم عائر، وغَلَّ شَمْلةً، والذي أهدى للنبيّ بَّ كركرة هَوْذَة بن عليّ، بخلاف مِدعَم، فأهداه رفاعة، فافترقا. والله أعلم. وذكر البيهقيّ في روايته أنه يَّلتر حاصر أهل وادي القرى حتى فتحها، وبلغ ذلك أهل تيماء، فصالحوه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) بكسر الكافين، وقيل: بفتحهما. ٥٣ ٣٨- (هَلْ تَدْخُلُ الأَرَضُونَ فِي ... - حديث رقم ٣٨٥٤ مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٨٥٤/٣٨ - وفي ((الكبرى)) ٤٧٦٨/١٥. وأخرجه (خ) في ((المغازي)) ٤٢٣٤ و(الأيمان والنذور)) ٦٧٠٧ (م) في ((الإيمان)) ١١٥ (د) في ((الجهاد)) ٢٧١١ (الموطأ) في ((الجهاد)» ٩٩٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أنه إذا أوصى الإنسان بماله، دخلت فيه الأراضي؛ لأن أبا هريرة تنظيم أراد بقوله: ((فلم نغنم إلا الأموال)) ما يشمل الأراضي قطعًا، وإلا لا يستقيم الحصر، ضرورة أنهم غنموا أراضي كثيرة، وأبو هريرة ◌َّه ممن يعلم اللغة، وإطلاقات الشارع، فعلم أن اسم المال يطلق على الأراضي، وهذا هو مذهب المصنّف، والبخاريّ، وجمهور العلماء، وهو الراجح، كما تقدم بيانه. والله تعالى أعلم. (ومنها): تحريم الغلول، وتعظيم شأنه، وإن كان قليلًا، وأنه من الكبائر؛ لتوعّده بالنار. (ومنها): حلّ الغنائم، وهو من خصوصيّات النبيّ بَّ، فلم تحلّ لأحد من الأنبياء قبله، كما تقدم بيان ذلك في ((كتاب التيمّم)). (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، ومعجزة ظاهرةً للنبيّ وَلّر، حيث يُطلعه الله سبحانه وتعالى على المغيّات، من أحوال الموتى، فيرى المعذّبين، ونوع عذابهم، وسببه، فيخبر بذلك أصحابه؛ تحذيرًا لهم، ولأمته جميعًا عن التعرّض لأسباب العذاب. (ومنها): جواز قبول الإمام الهديّة، فإن كان الأمر يختصّ به في نفسه أن لو كان غير والٍ، فله التصرّف فيها بما أراد، وإلا فلا يتصرّف فيها إلا في مصلحة المسلمين، وعلى هذا التفصيل يُحمل حديث: ((هدايا الأمراء غُلُول))، فيُخصّ بمن أخذها، فاستبدّ بها. وخالف في ذلك بعض الحنفيّة، فقال: له الاستبداد مطلقًا، بدليل أنه لو ردّها على مُهديها لجاز، فلو كانت فيئًا للمسلمين لما ردها. وفي هذا الاحتجاج نظرٌ لا يخفى. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب)). (١) (فتح)) ٨/ ٢٧٢ (كتاب المغازي)). ٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ ٣٩- (الاسْتِثْنَاءُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى أراد بهذه الترجمة الاستثناء في النذر؛ لأن الاستثناء في اليمين تقدّم له في أبواب الأيمان -٣٨٢٠/١٨- (من حلف، فاستثنى))، ولما كان النذر واليمين يتشابهان في كثير من أحكامهما استدل بالأحاديث الواردة في الاستثناء في الأيمان على جواز الاستثناء في النذور؛ لذلك. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٥٥- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ عَمْرُو ابْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ كَثِيرَ بْنَ فَرْقَدٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَدِ اسْتَثْنَى))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((ابن وهب)): هو عبد الله. و((عمرو بن الحارث)): هو أبو أيوب المصريّ الثقة الفقيه الحافظ [٧] ٧٩/٦٣. و((كثير بن فَرْقٌ)): هو المدنيّ، نزيل مصر الثقة [٧] ١٥٨٩/٣٠ . وقوله: ((فقد استثنى)) أي ثبت له حكم استثنائه، وهو معنى قوله في الحديث الثاني: ((فهو بالخيار، إن شاء أمضى، وإن شاء ترك)). ولفظ ((الكبرى)): ((فله ثُنياه)) وهو بضمّ الثاء المثلثة، وسكون النون، بعدها تحتانيّة، مقصورًا، بمعنى الاستثناء، أي له استثناؤه. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث عنه في -١٨/ ٣٨٢٠- ((من حلف، فاستثنى))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٥٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَدِ اسْتَثْنَى))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو الجوّاز المكيّ الثقة فإنه من أفراده. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((أيوب)): هو السختياني. و((نافع)): هو مولى ابن عمر. والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٥٧- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ، قَالَ: ((مَنْ خَلَفَ عَلَى يَمِينِ، ٤٠- (إِذاَ حَلَفََ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ ... - حديث رقم ٣٨٥٨ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَمْضَى، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غیر شیخه، فهو من أفراده، وهو رُهاويّ ثقة حافظ. و((عفّان)): هو ابن مسلم الصفّار البصريّ الثقة الثبت. و((وُهيب)): هو ابن خالد الباهليّ البصريّ الثقة الثبت. والحديث صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنیب». ٤٠- (إِذَا حَلَفَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، هَلْ لَهُ اسْتِثْنَاءٌ؟) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: يعني أنه إذا حلف شخصٌ، ولم يستثن، فذكّره رجلٌ، فقال له: قل: إن شاء الله، فقال ذلك، هل يكون ذلك استثناء صحيحًا، أم لا؟، وقد اختلف فيه، ولكن الظاهر أنه صحيحٌ، لظاهر قوله وَّ: ((لو قال: إن شاء الله لم يحنث))، فإن ظاهره أن قول الصاحب كان بعد كلام سليمانعَ لَّلاَ، فيدلّ على أنه إذا قاله متصلًا جاز، ولا يُعدّ ذلك فصلًا مانعًا عن صحة الاستثناء، كالفصل بالأشياء الضروريّة؛ كالسعال، ونحوه؛ لأن نسيانه، مع قصر الزمن يكون عذرًا. وقال في ((الفتح)): استدلّ بهذا الحديث من قال: الاستثناء إذا عَقَبَ اليمينَ، ولو تخلّل بينهما شيء يسير لا يضرّ، فإن الحديث دلّ على أن سليمان، لو قال: إن شاء الله عقب قول صاحبه له: قل: إن شاء اللّه لأفاد، مع التخلّل بين كلاميه بمقدار قول الصاحب. وأجاب القرطبيّ باحتمال أن يكون الملك قال ذلك في أثناء كلام سليمان. قال الحافظ: وهو احتمال ممكن يسقط به الاستدلال المذكور. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما دلّ عليه ظاهر الحديث كافٍ للتمسّك به، فإنه يدلّ على أن الملك ذکر سلیمان ێالا ، بعد سماعه كلامه، وتأكّده من عدم استثنائه، فاحتمال أنه ذكّره في أثناء كلامه بعيدٌ جدًّا؛ لأنه لا يدري هل يستثني بعد كلامه، أم لا؟، فلما تحقّق لديه أنه ما استثنى مع حاجته إلى الاستثناء ذكّره. (١) ((فتح)) ١٢٩/٧. ٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ والحاصل أن الاحتمال الذي ذكره القرطبيّ بعيدٌ، فلا يسقط الاستدلال المذكور. فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٥٨- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، مِمَّ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ، قَالَ: ((قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةَ، كُلُهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ، يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَّ عَلَّيْهِنَّ جَمِيعًا، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقٌ رَجُلٍ، وَائِمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فُرْسَانًا أَجَمَعِينَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمران بن بكّار) الكَلَاعيّ البرّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٥٤١/١٧. ٢- (عليّ بن عيّاش) - بتحتانيّة، ومعجمة -: هو الألهانيّ الحمصيّ الثقة الثبت [٩] ١٨٢/١٢٣ . ٣- (شُعيب) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ ثقة عابد، قال ابن معين: أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٨٥/٦٩. ٤- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧ . ٥- (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت فقيه [٣] . ٧ / ٧ . ٦- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى شعيب، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َّه رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن شعيب بن أبي حمزة، أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (مِمَّا حَدَّثَهُ) أي من جملة الأحاديث التي حدّثه بها، ف((من)) تبعيضيّة، أو هي بمعنى ((في)) أي جملتها ٤٠- (إِذاَ حَلفََ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِن . .. - حديث رقم ٣٨٥٨ ٥٧ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَّرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير عبد الرحمن (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) (رَّه (يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَله) الجملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (قَالَ) ◌ِ ◌ِِّ (قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) النبيّ ابن النبيّ صلوات الله وسلامه عليهما (لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ) وفي رواية: ((لأُطيفنّ)): قال القرطبيّ: كلاهما صحيح في اللغة، يقال: أطفت بالشيء أُطيف به، وأنا مُطيفٌ، وطُفتُ على الشيء وبه، أطوف، وأنا طائفٌ، كما قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَيٌِّ مِّنِ زَّبِكَ وَهُزْ نَآَيِمُونَ﴾ [القلم: ١٩]، وأصله الدوران حول الشيء، ومنه الطواف بالبيت، وهو في هذا الحديث كناية عن الجماع، كما جاء عن نبيّنا وَّ أنه كان يطوف على نسائه، وهنّ تسعٌ في ساعة واحدة من ليل أو نهار، متّفقٌ علیه.(١). واللام جواب لقسم محذوف، أي واللَّه لأطوفنّ، ويؤيّده قوله في آخره: ((لم يَحنث))؛ لأن الحنث لا يكون إلا قسم، والقسم لا بدّ له من مقسم به. قاله في ((الفتح)). وقال القرطبيّ: هذا الكلام قسم، وإن لم يُذكر فيه مقسمٌ به؛ لأن لام ((لأطوفنّ)) هي الداخلة على جواب القسم، فكثيرًا ما تَحذِف معها العرب المقسمَ به، اكتفاءً بدلالتها على المقسم به؛ لكنها لا تدلّ على مقسم به معيّن. انتهى(٢). (عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً) هكذا في هذه الرواية ((تسعين))، وفي رواية ((سبعين امرأة))، وفي رواية ((كان لسليمان ستون امرأة))، وفي رواية ((مائة امرأة»، وفي رواية: ((مائة امرأة، أو تسع وتسعون)) على الشكّ، وكلها في الصحيح. قال في ((الفتح)): فمحصّل الروايات: ستّون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة. والجمع بينها أن الستين كنّ حرائر، ومازاد عليهنّ كنّ سراري، أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون، والمائة، فكنّ دون المائة، وفوق التسعين، فمن قال: تسعون ألغى الكسر، ومن قال: مائة جبره، ومن ثَمّ وقع التردد في بعض الروايات، كما تقدّم(٣). وأما قول النوويّ، ومن وافقه في الجواب عن اختلاف العدد: إن مفهوم العدد ليس بحجة عند الجمهور، فذكر القليل لا ينفي ذكر الكثير. فقد تُعُقّب بأن الشافعيّ نصّ على أن مفهوم العدد حجة، وجزم بنقله عنه الشيخ أبو حامد، والماورديّ، وغيرهما، ولكن (١) ((المفهم)) ٤ / ٦٣٦. - (٢) ((المفهم)) ٤ / ٦٣٥. (٣) ((فتح)) ١٢٧/٧-١٢٨. ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم ٣٤٢٤. ٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ شرطه أن لا يُخالفه المنطوق. قال الحافظ: والذي يظهر مع كون مخرج الحديث عن أبي هريرة ◌َّه، واختلاف الرواة عنه أن الحكم للزائد؛ لأن الجميع ثقات. انتهى(١). [فائدة]: قد حكى وهب بن منبه في ((المبتد!)) أنه كان لسليمان ألف امرأة، ثلاثمائة مَهِيرَةٍ(٢)، وسبعمائة سريّة، ونحوه مما أخرج الحاكم في ((المستدرك)) من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب، قال: بلغنا أنه كان لسليمان ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة صريحة، وسبعمائة سرّيّة. ذكره في (الفتح))(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الحكاية من الإسرائيليات، تحتاج إلى التثبت فيها، والذي ثبت عندنا في الصحيح ما جاوز المائة، فالله تعالى أعلم بصحتها . (كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ) ولفظ البخاريّ: ((تحمل كلّ امرأة فارسًا)) (يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) هذا قاله على سبيل التمنّ للخير، وإنما جزم به لأنه غلب عليه الرجاء؛ لكونه قصد به الخير، وأمر الآخرة، لا لغرض الدنيا. (فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ) جملة الشرط مقول لقول مقدّر، أي قل، وقد صُرّح به في رواية مسلم، ولفظه: ((فقال له صاحبه، أو الملك: قل: إن شاء الله)). وفي رواية عند البخاريّ: ((فقال له الملك))، وفي رواية: ((فقال له صاحبه، قال سفيان: الملك)). قال في (الفتح)): وفي هذا إشعار بأن تفسير ((صاحبه)) بالملك، ليس بمرفوع، لكن في ((مسند الحميديّ)) عن سفيان: ((فقال له صاحبه، أو الملك)) بالشكّ، ومثلها لمسلم، وفي الجملة: ففيه ردّ على من فسّر ((صاحبه)) بأنه الذي عنده علم من الكتاب، وهو آصِف - بالمدّ، وكسر المهملة، بعدها فاء ابن بَرْخِيَا - بفتح الموحّدة، وسكون الراء، وكسر المعجمة، بعدها تحتانيّة -. وقال القرطبيّ في قوله: ((فقال له صاحبه، أو الملك)): إن كان صاحبه، فيعني وزيره من الإنس، والجنّ، وإن كان الملك، فهو الذي كان يأتيه بالوحي، وقال: وقد أبعد من قال المراد به خاطره. انتهى(٤). وقال النوويّ: قيل: المراد بصاحبه الملك، وهو الظاهر من لفظه. وقيل: القرين. وقيل: صاحبٌ له آدميّ. انتهى(٥) . قال الحافظ: ليس بين قوله: صاحبه، والملك منافاة، إلا أن لفظة ((صاحبه)) أعمّ، فمن ثمّ نشأ لهم الاحتمال، ولكن الشكّ لا يؤثّر في الجزم، فمن جزم بأنه الملك حجة (١) ((فتح)) ١٣/ ٤٧١. ((كتاب الأيمان والنذور)». رقم ٦٧٢٠. (٢) الْمَهِيرَةُ بفتح الميم، وكسر الهاء: الحرّة الغالية المهر. قاله في ((القاموس)). (٣) ((فتح)) ١٢٨/٧. ((كتاب أحاديث الأنبياء)». (٤) ((المفهم)» ٤ / ٦٣٧. (٥) ((شرح مسلم)) ١٢٣/١١. ٤٠- (إِذاَ حَلَفََ، فَقَالَ لَهُ رَجُلَ: إِنْ ... - حديث رقم ٣٨٥٨ ٥٩ على من لم يجزم. انتهى(١). وقال القرطبيّ: قوله: ((قل: إن شاء الله)) هذا تذكير له بأن يقول بلسانه، لا أنه غفل عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه، فإن ذلك بعيد على الأنبياء عليهم السلام، وغير لائق بمناصبهم الرفيعة، ومعارفهم المتوالية، وإنما هذا كما قد اتّفق لنبيّنا وَّ لَمّا سُئل عن الروح، والخضر، وذي القرنين، فوعدهم بأن يأتي بالجواب غدًا، جازمًا بما عنده من معرفته بالله تعالى، وصدق وعده في تصديقه، وإظهار كلمته، لكنه ذهل عن النطق بكلمة ((إن شاء اللَّه))، لا عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه، فأذب بأن تأخّر الوحي عنه؛ حتّى رموه بالتكذيب لأجلها، ثم إن اللَّه تعالى علّمه، وأدبه بقوله: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَأُ (جَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] فكان بعد ذلك يستعمل هذه الكلمة حتى في الواجب. وهذا لعلوّ مناصب الأنبياء، وكمال معرفتهم بالله تعالى، يناقَشُون، ويُعاّبون على ما لا يُعاتب عليه غيرهم، كما قد قال النبيّ وَّ في حقّ لوط: ((ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد)، فعتب عليه نطقه بكلمة يسوغ لغيره أن ينطق بها. انتهى كلام القرطبيّ (٢). (فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ) وفي رواية معمر، عن طاوس عند البخاريّ: قال: ((ونسي أن يقول: إن شاء الله)). والمعنى: أنه لم يقل: إن شاء اللّه بلسانه، لا أنه أبى أن يفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى، بل كان ذلك ثابتًا في قلبه، لكنه اكتفى بذلك أوّلًا، ونسي أن يُجريه على لسانه لَما قيل له؛ لشيء عرَضَ له. (فَطَافَ) وفي رواية للبخاريّ: ((فأطاف بهن، وتقدّم أن طاف، وأطاف بمعنى واحد (عَلَيْهِنَّ جميعًا، فَلَمْ تحمِل) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من حمل يحمِل، من باب ضرب (مِنْهَُّ إِلَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقْ رَجُلٍ) وفي رواية للبخاريّ: ((إلا واحدًا ساقطًا أحد شقيّه))، وفي رواية له: ((ولدت شِقّ غَلام))، وفي رواية: ((نصف إنسان)). قال في ((الفتح)): وحكى النقّاش في ((تفسيره)) أن الشقّ المذكور هو الجسد الذي أُلقي على كرسيّه، وقد ثبت عن غير واحد من المفسّرين أن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، والنقاش صاحب مناكير. انتهى. (وَانْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ) وَ (بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد للَّه سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله. [تنبيه]: قوله: ((وايم)) بكسر الهمزة، وبفتحها، والميم مضمومة. وحكى الأخفش (١) (فتح)) ١٢٨ . ((كتاب أحاديث الأنبياء)). (٢) ((المفهم)) ٦٣٧/٤. ((كتاب الأيمان والنذور)). ٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ كسرها مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور، وحرفٌ عند الزّجّاج، وهمزته همزة وصل عند الأكثر، وهمزة قطع عند الكوفيين، ومن وافقهم؛ لأنه عندهم جمع یمین، وعند سیبویه، ومن وافقه أنه اسم مفرد، واحتجوا بجواز کسر همزته، وفتح میمه، قال ابن مالك: فلو كان جمعًا لم تُحذف همزته، واحتجٌ بقول عروة بن الزبير لَمّا أُصيب بولده، ورجله: (لَيْمُنُكَ، لئن ابتليتَ، لقد عافيت، ولئن كُنت سَلَبْتَ، لقد أبقيتَ))، قال: فلو كان جمعًا، لم يُتصرّف فيه بحذف بعضه، قال: وفيه اثنتا عشرة لغةً، جمعتها في بيتين، وهما [من البسيط]: هَمْزَ أَيْمُ أَيْمُنُ فَاقْتَحِ أَكْسِرَ أَو أَمُ قُلْ أَوْ قُلْ مُ أَوْ مُنُ بِالتَّغْلِيثِ قَدْ شُكْلَا وَأَيْمُنَ اخْتِمْ بِهِ وَاللَّهِ كُلّ أَضِفْ إِلَيْهِ فِي قَسَم تَسْتَوْفِ مَا نُقِلَا قال ابن أبي الفتح تلميذ ابن مالك: فاته أم بفتح الهمزة، وهيم بالهاء بدل الهمزة، وقد حكاها القاسم بن أحمد المعلم الأندلسيّ في ((شرح المفصّل)). وقال غيره: أصله يمين الله، ويجمع أيمنا، فيقال: وأيمن، حكاه أبو عُبيدة، وأنشد لزُهير بن أبي سُلْمَى [من الوافر]: فَتُجْمَعُ أَيْمُنْ مِنَا وَمِنْكُمْ بِمُقْسَمَةٍ تَمُورُ بِهَا الدِّمَاءُ وقالوا عند القسم: وأیمن الله، ثم کثر، فحذفوا النون، كما حذفوها من لم یکن، فقالوا: لم يك، ثم حذفوا الياء، فقالوا: أم اللّه، ثم حذفوا الألف، فاقتصروا على الميم مفتوحة، ومضمومة، ومكسورة، وقالوا: أيضًا من الله بكسر الميم، وضمّها، وأجازوا في أيمن فتح الميم، وضمّها، وكذا في أيم، ومنهم من وصل الألف، وجعل الهمزة زائدة، أو مسهلة، وعلى هذا تبلغ لغاتها عشرين. وقال الجوهريّ: قالوا: أيم الله، وربّما حذفوا الياء، فقالوا: أم اللَّه، وربّما أبقوا الميم وحدها مضمومة، فقالوا: مُ اللّه، وربّما كسروها؛ لأنها صارت حرفًا واحدًا، فشبّهوها بالباء، قالوا: وألفها ألف وصل عند أكثر النحويين، ولم يجىء ألف وصل مفتوحة غيرها، وقد تدخل اللام للتأكيد، فيقال: لَيْمُن الله، قال الشاعر [من الطويل]: فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ لَمَّا نَشَدُمْ نَعَمْ وَفِرِيقٌ لَيْمُنُ اللَّهِ مَا نَذْرِي وذهب ابن كيسان، وابن درستويه إلى أن ألفها ألف قطع، وإنما خُفّفت همزتها في الوصل لكثرة الاستعمال. وحكى ابن التين عن الداوديّ قال: أيم اللَّه معناه اسم الله، أُبدلت السين ياءً، وهو غلطً فاحش؛ لأن السين لا تبدل ياء. وذهب المبرّد إلى أنها