النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
٣٢- (مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى) - حديث رقم ٣٨٤١
رجعت الآن عن ذلك، وبالله التوفيق. انتهى كلام الحافظ(١).
(أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ) زاد في الرواية الآتية في الباب التالي: ((نذرت أن تمشي
حافيةً، غير مختمرة))، وزاد الطبريّ من طريق إسحاق بن سالم، عن عقبة بن عامر:
((وهي امرأة ثقيلة، والمشي يشُقّ عليها)). ولأبي داود من طريق قتادة، عن عكرمة، عن
ابن عبّاس: ((أن عقبة بن عامر، سأل النبيّ وَليّ، فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى
البیت، وشكا إليه ضعفها)).
(فَأَمَرَقْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ) أي أسأله بيان الحكم، يقال: أفتى العالم:
إذا بيّن الحكم، واستفتيته: إذا سألته الفتوى. أفاده الفيّوميّ (فَاسْتَفْتَيْتُ لَهَا النَّبِيَّ) وفي
نسخة: ((رسول اللَّه)) (مَ ﴿، فَقَالَ) بَرِ (لِتَمْشِ) -بكسر اللام، وهي لام الأمر، ولذا
◌ُزم الفعل بعدها- وفي نسخة: (لتمشي)) بثبوت الياء، وهذا على لغة من يحذف
الحركة المقدّرة على حروف العلة في المعتلّ، كما في قول الشاعر:
وَتَضْحَكُ مِنْي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
وخرّج بعضهم عليه قراءة قنبل: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بالياء، وجزم
﴿وَيَصْبِرْ﴾(٢).
(وَلْتَرْكَبْ) بكسر اللام، ويجوز تسكينها تخفيفًا، تشبيهًا لها بكتف، والتسكين بعد
الواو والفاء أكثر، وتحريكها بعد ((ثُمّ)) أجود، وبنو سُليم يفتحونها كلام الابتداء(٣).
قال النوويّ: معناه: تمشي في وقت قدرتها على المشي، وتركب إذا عجزت عن
المشي، أو لحقتها مشقّةٌ ظاهرة، فتركب.
وفي رواية عبد الله بن مالك في الباب الآتي: «فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة
أيام)). وروى مسلم عقب هذا الحديث حديث عبد الرحمن بن شِمَاسة -وهو بكسر
المعجمة، وتخفيف الميم، بعدها مهملة- عن أبي الخير، عن عُقبة بن عامر رَّم ،
رفعه: ((كفّارة النذر كفّارة اليمين))، قال الحافظ: ولعلّه مختصرٌ من هذا الحديث، فإن
الأمر بصيام ثلاثة أيام هو أحد أوجه كفّارة اليمين. لكن وقع في رواية عكرمة
المذكورة: قال: ((فلتركب، ولتهد بدنة)). قاله في ((الفتح))(٤).
(١) ((فتح)) ٤ / ٥٦٢ ((كتاب الحجّ)) رقم الحديث ١٨٦٦.
(٢) انظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة ١/ ٦٧.
(٣) راجع ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ١٨٤/٢. في باب ((عوامل
الجزم)) .
(٤) ((فتح) ٤/ ٥٦٢ ((كتاب الحجّ)).

٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
وقال في موضع آخر: وإنما أمر الناذر في حديث أنس رضي (١) أن يركب جزمًا،
وأمر أخت عقبة أن تمشي، وأن تركب؛ لأن الناذر في حديث أنس كان شيخًا ظاهر
العجز، وأُخت عقبة لم توصف بالعجز، فكأنه أمرها أن تمشي إن قدرت، وترکب إن
عجزت، وبهذا ترجم البيهقيّ للحديث، وأورده في بعض طرقه من رواية عكرمة، عن
ابن عبّاس: أن أخت عقبة نذرت أن تُحُجّ ماشيةً، فقال: ((إن اللَّه غنيّ عن مشي أختك،
فلتركب، ولتُهد بدنة)). وأورده من طريق أخرى بلفظ: ((ولتُهد هديًا))، ووهم من نسب
إليه أنه أخرج هذا الحديث بلفظ: ((ولتهد بدنة)). وأورده من طريق أخرى عن عكرمة
بغير ذكر الهدي. وأخرجه الحاكم من حديث ابن عبّاس بلفظ: جاء رجلٌ، فقال: إن
أختي حلفت أن يتمشي إلى البيت، وإنه يشقّ عليها المشي، فقال: ((مُزها، فلتركب إذا
لم تستطع أن تمشي، فما أغنى الله أن يشقّ على أختك)). ومن طريق كريب، عن ابن
عبّاس: جاء رجلٌ، فقال: يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تُحُجّ ماشيةً، فقال: ((إن
اللَّه لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، لتحُجّ راكبةً، ثم لتكفّر يمينها)). وأخرجه أصحاب
السنن من طريق عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر رَ ثيه، قال: نذرت أختي أن تُحجّ
ماشيةً، غير مختمرة، فذكرتُ ذلك لرسول اللَّه وَّله، فقال: ((مُر أختك، فلتختمر،
ولتركب، ولتصُم ثلاثة أيام)).
ونقل الترمذيّ، عن البخاريّ أنه لا يصحّ فيه الهدي. وقد أخرج الطبرانيّ من طريق
أبي تَميم الجَيْشانيّ، عن عقبة بن عامر تَّ في هذه القصّة: نذرت أن تمشي إلى
الكعبة حافيةً، حاسرةً، وفيه: ((لتركب، ولتلبس، ولتصم)). وللطحاويّ من طريق أبي
عبد الرحمن الْحُبُليّ، عن عقبة نحوه. وأخرج البيهقيّ بسند ضعيف، عن أبي هريرة
وَّ: بينما رسول اللّه وَ له يسير في جوف الليل، إذ بصر بخيال، نفرت منه الإبل،
فإذا امرأة عريانه، نافضةٌ شعرها، فقالت: نذرتُ أن أحجّ ماشيةً عريانةً، نافضة شعري،
فقال: ((مرها، فلتلبس ثيابها، ولتُهرق دمًا)). وأورد من طريق الحسن، عن عمران،
رفعه: ((إذا نذر أحدكم أن يحجّ ماشيًا، فليُهد هديًا، وليركب))، وفي سنده انقطاع.
انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
(١) حديث أنس تني هو ما يأتي للمصنّف رحمه الله تعالى - ٣٨٧٩ - من طريق ثابت، عن أنس،
قال: رأى النبي وَ﴿ رجلا، يُهادى بين رجلين، فقال: ((ما هذا؟))، قالوا: نذر أن يمشي إلى بيت
اللّه، قال: ((إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه، مره، فليركب)).
(٢) ((فتح)) ٤٤٩/١٣. (كتاب الأيمان والنذور)) رقم الحديث - ٦٧٠١ .

٢٣
٣٢- (مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالی) - حديث رقم ٣٨٤١
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه هذا أخرجه متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٨٤١/٣٢ و٣٨٤١/٣٣ - وفي ((الكبرى)) ٤٧٥٦/٩ و٤٧٥٧/١٠ .
وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٨٦٦ (م) في ((النذور والأيمان)) ١٦٤٤ (د) في ((الأيمان
والنذور)» ٣٢٩٣ و٣٢٩٩ (ت) في ((النذور والأيمان)) ١٥٤٤ (ق) في ((الكفّارات))
٢١٣٤ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٦٨٤٠ و١٦٨٥٥ و١٦٨٧٩ و١٦٨٩٧ و١٦٩٢٤
و ١٦٩٣٥ و١٧٣٣٨ (الدارمي) في ((النذور والأيمان)) ٢٣٣٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم من نذر المشي إلى
بيت الله تعالى، وذلك أنه يلزمه المشي، إن قدر، وإلا ركب، وكفّر، كما تدلّ عليه
الرواية الآتية في الباب التالي: ((ولتصُم ثلاثة أيام))، إلا أنها ضعيفة، والصحيح أمرها
بالهدي. (ومنها): جواز النذر من المرأة، كما يجوز من الرجل. (ومنها): عدم انعقاد
النذر في المعصية، فإنه وت لتر أمرها بالاختمار، لأن تكشّف المرأة معصية. (ومنها):
جواز النذر بالحجّ والعمرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم فيمن نذر المشي إلى بيت الله الحرام:
قال ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: من نذر المشي إلى بيت الله الحرام لزمه الوفاء
بنذره. وبهذا قال مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو عُبيد، وابن المنذر، ولا نعلم فيه
خلافًا. وذلك لأن النبيّ وَ ل قال: ((لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد
الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)). متفق عليه. قال: ولا يجزئه المشي إلا
في حجّ، أو عمرة، وبه يقول الشافعيّ، ولا أعلم فيه خلافًا، وذلك لأن المشي المعهود
في الشرع هو المشي في حجّ، أو عمرة، فإذا أطلق الناذر حُمل على المعهود الشرعيّ،
ويلزمه المشي فيه؛ لنذره المشي، فإن عجز عن المشي ركب، وعليه كفّارة يمين. وعن
أحمد رواية أخرى أنه يلزمه دم، وهو قول الشافعيّ، وأفتى به عطاء؛ لما روى ابن
عباس توفيق: ((أن أخت عقبة بن عامر تظلثم نذرت المشي إلى بيت الله الحرام، فأمرها
النبيّ ◌َآ﴾ آن ترکب، وتُدي هديًا)). رواه أبو داود، وفيه ضعف.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: سيأتي أنه حديث صحيح، فتنبه.
قال: ولأنه أخلّ بواجب في الإحرام، فلزمه هديّ، كتارك الإحرام من الميقات.

٢٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
وعن ابن عمر، وابن الزبير ، قالا: يحجّ من قابل، ويركب ما مشى، ويمشي ما
ركب، ونحوه عن ابن عبّاس، وزاد، فقال: ويُهدي. وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة.
وعن النخعيّ روايتان: إحداهما كقول ابن عمر. والثانية كقول ابن عبّاس. وهذا قول
مالك. وقال أبو حنيفة: عليه هديّ، سواء عجز عن المشي، أو قدر عليه، وأقلّ الهدي
شاة. وقال الشافعيّ: لا يلزمه مع العجز كفّارة بحال، إلا أن يكون النذر مشيًا إلى بيت
الله الحرام، فهل يلزمه هديّ، فيه قولان. وأما غيره، فلا يلزمه مع العجز شيء. قال:
ولنا قول النبيّ وَلّ حين قال لأخت عقبة بن عامر لما نذرت المشي إلى بيت الله
الحرام: ((لتمش، ولتركب، ولتكفّر عن يمينها))، وفي رواية: ((ولتصم ثلاثة أيام))،
وقول النبيّ وَله: (كفّارة النذر كفّارة اليمين)). انتهى كلام ابن قدامة باختصار(١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وأما من خوطب بالمشي، فركب لموجب مرص،
أو عجز، فيجب عليه الهدي، عند الجمهور، وقال الشافعيّ: لا يجب عليه الهدي،
ويُختار له الهدي. وروي عن ابن الزبير أنه لم يجعل عليه هديًا، متمسّكًا بما قررناه من
الظاهر. وقد تمسّك الجمهور بزيادة رواها أبو داود، والطحاويّ في حديث عقبة، وهذا
لفظه: قال عقبة بن عامر: إنه أتى النبيّ وَلّ، فأخبره أن أخته نذرت أن تمشي إلى
الكعبة، حافيةً، ناشرةً شعرها، فقال له النبيّ وَلّر: («مُرها، فلتركب، ولتختمر، ولتُهد
هديًا)). وعند أبي داود: بدنة، وليس فيه ((ناشرة شعرها))، وزيادة الهدي رواها عن النبيّ
وَالير مع عقبة بن عامر ابنُ عبّاس ، ورواها عنهما الثقات، فلا سبيل إلى ردّها،
وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها، وقد عمل بها من السلف،
وغيرهم. انتهى كلام القرطبيّ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه من قال بوجوب الهدي هو
الأرجح؛ لصحة الحديث بذلك، كما سمعته من كلام القرطبيّ، وكما سيأتي أيضًا
تحقيقه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى، وأما حديث: ((ولتصم ثلاثة أيام))، فإنه
ضعيف، وأما حديث ((كفّارة النذر كفّارة يمين))(٣) فسيأتي الكلام فيه في بابه، إن شاء
اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: لم يَرِد فيما صحّ من
الحديث أكثر من هذين اللفظين: ((إلى بيت اللَّه))، و((إلى الكعبة))، وألحق العلماء بهما
ما في معناهما، مثل أن يقول: إلى مكة، أو ذكر جزءًا من البيت. وهذا قول مالك،
(١) ((المغني)) ٦٣٥/١٣-٦٣٦.
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٦١٧-٦١٨.
(٣) حديث صحيح، أخرجه مسلم في ((صحيحه)).

٢٥
٣٣- (إِذاَ حَلِفَتِ الْمَرْأَةُ لِتَمْشِيَّ حَافِيَةٌ، ... - حديث رقم ٣٨٤٢
وأصحابه، واختلف أصحابه فيما إذا قال: ((إلى الحرم))، أو مكانًا من مدينة مكّة، أو
المسجد، هل يرجع إلى البيت، أم لا؟ على قولين. وقال الشافعيّ: من قال: عليّ
المشي إلى شيء مما يشتمل عليه الحرم لزمه، وإن ذكر ما خرج عنه لم يلزمه. وبه قال
أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن حبيب من المالکیّة، إلا إذا ذکر عرفات، فیلزمه،
وإن كانت خارج الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في هذا مشيٍّ، ولا مسيرٌ في
القياس، لكن الاستحسان في قوله: إلى بيت الله، أو الكعبة، أو مكة فقط، وكلّ هذا
إذا ذكر المشي، فلو قال: عليّ المسير إلى مكة، أو الانطلاق، أو الذهاب، فلا شيء
عليه، إلا أن يقول: في حجّ، أو عمرة، أو ينويهما. وتردّد قول مالك في الركوب،
وأوجب أشهب الحجّ والعمرة فيهما، كالمشي. وكلّ هذا إذا ذكر مكة، أو موضعًا منها
على ما فصّلناه. فلو قال: عليّ المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة، لم يلزمه المشي
عند ابن القاسم، بل المضيّ إليها. وقال ابن وهب: يلزمه المشي، وهو القياس، ولو
قال: إلى مسجد غير هذه الثلاثة قال ابن المواز: إن كان قريبًا كالأميال، لزمه المشي
إليه، وإن كان بعيدًا لم يلزمه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن من نذر إلى أحد المساجد الثلاثة يلزمه
الوفاء به، وأما ما عداها من المساجد، فلا يُشرع النذر بالمشي إليها؛ للحديث المتّفق
عليه: ((لا تشدّ الرحال، إلا إلى ثلاثة مساجد ... )) الحديث، كما تقدّم، فيكون النذر
إلى غيرها غير طاعة، فلا يلزم؛ لما ذُكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب)).
٣٣- (إِذَا حَلَفَتِ الْمَرْأَةُ لِتَمْشِيَ
حَافِيَّةً، غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ)
٣٨٤٢- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالًا: حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ،
عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زَخْرِ أَخْبَرَهُ،
أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ النَِّيِّ ◌َِّهِ،
(١) ((المفهم)) ٦١٨/٤ - ٦١٩.

= ٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
عَنْ أُخْتِ لَهُ، نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ حَافِيَّةً، غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَِّيُّ ◌َِّ: ((مُرْهَا،
فَلْتَخْتَمِزْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يحيى بن سعيد)) الأول: هو القطّان، والثاني: هو
الأنصاريّ.
و((عُبيدالله بن زَخر)) -بفتح الزاي، وسكون الحاء المهملة- الضمريّ مولاهم
الإفريقيّ، وُلد بإفريقية، ودخل العراق في طلب العلم، لَيْن الحديث(١) [٦].
قال حرب بن إسماعيل: سألت أحمد عنه، فضعفه. وقال ابن أبي خيثمة وغيره،
عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: كلّ حديثه عندي
ضعيف. وقال أبو الحسن بن البراء، عن ابن المدينيّ: منكر الحديث. وقال الآجريّ،
عن أبي داود: سمعت أحمد -يعني ابن صالح- يقول: عبيد الله زحر ثقة. وقال
أبو زرعة: لا بأس به صدوق. وقال الحاكم: ليّن الحديث. وقال النسائيّ: ليس به
بأس. وقال ابن عديّ: ويقع في أحاديثه ما لا يُتابع عليه، وأروى الناس عنه يحيى بن
أيوب. وقال الخطيب: كان رجلاً صالحًا، وفي حديثه لينّ. ونقل الترمذيّ في ((العلل))
عن البخاريّ أنه وثّقه. وقال البخاريّ في ((التاريخ)): مقارب الحديث، ولكن الشأن في
عليّ بن يزيد. وقال الحربيّ: غيره أوثق منه. وقال أبو مسهر: هو صاحب كلّ مُعضلة،
وإن ذلك لبيّنٌ على حديثه. وقال العجليّ: يُكتب حديثه. وقال الدارقطنيّ: ضعيف.
وقال ابن حبّان: يروي الموضوعات عن الأثبات، فإذا روى عن عليّ بن يزيد أتى
بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيدُالله بن زَخر، وعلي بن يزيد، والقاسم
أبو عبد الرحمن، لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم. انتهى. قال الحافظ:
وليس في الثلاثة من اتّهم إلّا عليّ بن يزيد، وأما الآخران، فهما في الأصل صدوقان،
وإن كانا يُخطئان، ولم يخرج البخاريّ من رواية ابن زحر عن عليّ بن يزيد شيئًا.
انتهى. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد»، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط .
و((عبد الله بن مالك)) الحصُبيّ -بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وفتح الصاد
المهملة، بعدها موحّدة- المقرىء المصريّ، يقال: هو أبو تميم الجيشانيّ، صدوقٌ
[٣] .
روى عن عقبة بن عامر في النذر. وعنه أبو سعيد جُعثُل بن هاعان. ذكره ابن حبّان
في ((الثقات)). وفرّق أبو حاتم بينه، وبين أبي تميم الجيشانيّ. وفرّق بينهما أيضًا ابن
(١) وفي ((التقريب)) صدوق يخطئ، والظاهر أنه أسوأ حالًا من هذا، كما يتبين من ترجمته. فتأمل.

٢٧
٣٣- (إِذاَ حَلَفَتِ الْمَرْأَةُ لِتَمْشِيّ حَافِيةٌ، ... - حديث رقم ٣٨٤٢
حبان تبعًا للبخاريّ. واضطرب فيه كلام الحافظ المزيّ، فصوّب في ((تهذيب الكمال))
قول من وحّد بينهما، وصوّب في ((الأطراف)) قول من فرّق بينهما، والذي يظهر أن
الفرق أرجح. روى له الأربعة، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الحديث.
و((أبو سعيد)): هو جُعْثُل -بضمّ الجيم، والمثلثة، بينهما عين مهملة ساكنة- ابن
هاعان -بتقديم الهاء- ابن عمرو الرُّعَيْنِيّ - براء مضمومة، وعين مهملة، مصغّرًا-
القِتبانيّ - بكسر القاف، وسكون المثنّاة، بعدها موحّدة- المصريّ، صدوقٌ فقيه [٤].
روى عن أبي تميم الجيشانيّ. وعنه عبيد الله بن زحر الإفريقيّ، وبكر بن سوادة
الْجُذَاميّ. قال ابن يونس: كان عمر بن عبد العزيز بعثه إلى المغرب ليقرئهم القرآن،
وكان أحد القرّاء الفقهاء، وكان قاضي الجند بإفريقية لهشام، وتوفي في أول خلافته
قريبًا من سنة (١١٥). وقال أبو العرب في ((طبقات علماء القيروان)): كان تابعيًّا. وذكره
ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الأربعة حديث الباب فقط.
[تنبيه]: سقط من سند نسخ ((المجتبى)) ذكر أبي سعيد هذا، وذكره في ((الکبری))،
وكذا ذُكر عند أبي داود -٣٢٩٣-، والترمذيّ - ١٥٤٤-، وابن ماجه -٢١٣٤-، وهو
الصواب، كما تفيده كتب الرجال، والأطراف(١). فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((غير مختمرة)) أي غير ساترة رأسها بالخمار، وقد أمرها بالاختمار
والاستتار؛ لأن تركه معصية، لا نذر فيه، وأما المشي حافيّا، فإنه مباح، وقد سبق أن
الأرجح أن النذر لا يكون في الأشياء المباحات، ومن يرى صحة النذر في المباح يؤول
الحديث بأنها لعلها عجزت عن المشي، واللازم حينئذ الهدي، فلعله تركه الراوي
اختصارًا، وأما الأمر بالصوم فمبنيّ على أن الكفّارة للنذر بمعصية كفارة اليمين. وقيل:
عجزت عن الهدي، فأمرها بالصوم لذلك. وكل هذه التأويلات فيها نظر، والصحيح أن
الأمر بالصوم لا يصحّ سنده، فلا يصلح للاحتجاج به. فتنبه.
والحديث سبق شرحه، ومسائله في الباب الماضي، وهو حديث ضعيف؛ لضعف
عبيد الله بن زحر، فإن الأكثرين على تضعيفه، ولا سيما عند المخالفة، كما في هذا
الحدیث.
[فإن قلت]: لم يتفرّد به عبيد الله بن زَحر، فقد تابعه بكر بن سوادة عند أحمد ٤/
١٤٧ .
[قلت]: هذه المتابعة في سندها عبد الله بن لَهِيعة، وهو ضعيف بعد احتراق كتبه،
فلا تصلح متابعته، لا سيما وقد جاء الحديث من طريق أخرى عن عقبة، وليس فيه ذكر
(١) راجع ((تحفة الأشراف)) ٣٠٩/٧. و(تهذيب التهذيب)) ٢٩٩/١.

٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
الصوم. فقد أخرجه البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وغيرهم، من طريق يزيد بن أبي
حبيب، عن أبي الخير، عنه بلفظ: ((لتمش، ولتركب)). وله شاهد من حديث ابن
عبّاس: ((أن النبيّ وَّله لما بلغه أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تُحُجّ ماشية، قال: ((إن
اللَّه لغنيّ عن نذرها، مُرها، فلتركب)). أخرجه أبو داود من طريق هشام، وسعيد،
كلاهما عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس. وتابعهما همّام، عن قتادة به إلا أنه زاد:
((وتُدي هديًا)). أخرجه أبو داود، والدارميّ، وابن الجارود، والبيهقيّ من طريق أبي
الوليد الطيالسيّ، ثنا همام به. قال الحافظ في ((التلخيص)): ١٨٧/٤: وإسناده صحيح.
وأخرجه أحمد من طرق أخرى عن همّام به، إلا أنه قال: ((ولتهد بدنة)). وتابعه مطر
الورّاق، عن عكرمة به. أخرجه أبو داود، والبيهقيّ، ومطر كثير الخطأ. وتابعه مطرّف
ابن طَريف، إلا أنه قال: عن عكرمة، عن عقبة بن عامر الجهنيّ، قال: نذرت أختي أن
تمشي إلى الكعبة، فقال رسول اللّه وَله: ((إن اللَّه لغنيّ عن مشيها، لتركب، ولتُهد
بدنة)). أخرجه أحمد ٢٠١/٤ -: ثنا عفّان، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، قال: ثنا
مطرّف. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ومطرّف بن طريف ثقة فاضل، فلا
تضرّه مخالفته لغيره، ويحتمل أن يكون عكرمة حدّث به على الوجهين، مرّةً عن ابن
عبّاس، وأخرى عن عقبة، وقد أجاد الشيخ الألباني في البحث في هذه الطرق في كتابه
((إرواء الغليل)) ٢١٨/٨-٢٢١، فراجعه تستفد.
والحاصل أن الصحيح رواية ((ولتهد بدنة))، وأما الصوم فلم يأت من طريق تقوم به
الحجة، فلا يعارض رواية الهدي. فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب)).
٣٤- (مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ، ثُمَّ مَاتَ
قَبْلَ أَنْ يَصُومَ)
أي هل يُشرع قضاؤه عنه، أم لا؟.
٣٨٤٣- (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدِ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُغْبَةً،

٣٤- (مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ، ثُمَّ مَاتَ ... - حديث رقم ٣٨٤٣
٢٩
قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ(١)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ، قَالَ: رَكِبَتِ امْرَأَةٌ الْبَحْرَ، فَتَرَتْ أَنْ تَصُوَ شَهْرًا، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَضَّومَ، فَأَتَثَ
أُخْتُهَا النَِّيِّ وَّةِ، وَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا).
رجال الإسناد: سبعة :
١- (بشر بن خالد العسكريّ) أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغْرب [١٠]
٨١٢/٢٦ .
٢- (محمد بن جعفر) المعروف بغندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقة صحيح الكتاب،
إلا أن فيه غفلةً [٩] ٢٢/٢١.
٣- (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطي، نزيل البصرة
ثقة حافظ متقن، أمير المؤمنين في الحديث [٧] ٢٧/٢٤.
٤- (سليمان) بن مهران الأعمش الكوفيّ، ثقة ثبت ورع فاضل، لكنه يدلس [٥]
١٨/١٧ .
٥- (مسلم البطين) - بفتح الباء الموحّدة، وكسر الطاء المهملة، بعدها تحتانيّة ساكنة،
ثم نون- ابن عمران، أو ابن أبي عمران، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [٦] ٩١٥/٢٦.
٦- (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٣٦/٢٨.
٧- (ابن عباس) عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون، غير
الصحابي، فمدني، بصريّ، مكيّ، طائفي. (ومنها): أن رواية الأعمش عن مسلم
البطين من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن الأعمش من صغار التابعين؛ حيث رأى أنسًا
رَّه، فهو من الطبقة الخامسة، بخلاف مسلم، فإنه من السادسة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: رَكِبَتِ امْرَأَةٌ الْبَخْرَ) هذا صريحٌ
في أن صاحبة القصّة امرأة، وسبب قصّتها أنها نذرت صوم شهر إن نجاها اللَّه تعالى عن
البحر .
(١) عنعنة الأعمش هنا لا يضرّ:، فإن شعبة لا يحدّث عن شيوخه الذين ربّما دلّسوا إلا بما تحقّق أنهم
سمعوه. أفاده في ((الفتح)) ٤/ ٧٠٧ ((كتاب الصوم)) رقم الحديث ١٩٥٣.

٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالُّذُورِ
=
[تنبيه]: قد وقع في هذا الحديث اختلاف كثير، وقد ذكر الاختلاف البخاريّ رحمه
الله تعالی في «صحیحه»، فقال:
حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن الأعمش،
عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس تَّت، قال: جاء رجل إلى النبي
وَّر، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال:
((نعم))، قال: ((فدين اللَّه أحق أن يُقضَى)).
قال سليمان: فقال الحکم، وسلمة، ونحن جميعا جلوس، حین حدث مسلم بهذا
الحدیث، قالا: سمعنا مجاهدا یذکر هذا عن ابن عباس.
ويُذكَّر عن أبي خالد(١)، حدثنا الأعمش، عن الحكم، ومسلم البطين، وسلمة بن
كهيل، عن سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، عن ابن عباس، قالت امرأة للنبي ◌َّ:
إن أختي ماتت.
وقال يحيى(٢)، وأبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن
ابن عباس، قالت: امرأة للنبي وَلقول: إن أمي ماتت.
وقال عبيد الله(٣)، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، قالت امرأة للنبي وَّلتر: إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر.
وقال أبو حَرِيز(٤): حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، قالت امرأة للنبي وَّ: ماتت
أمي، وعليها صوم خمسة عشر يوما. انتهى.
فقال في ((الفتح)): قوله: إن أمي)) خالف أبو حامد جميع من رواه، فقال: ((إن
أختي))، واختلف على أبي بشر، عن سعيد بن جبير، فقال هُشيم عنه: ((ذات قرابة
لها)»، وقال عنه: ((إن أختها)) أخرجهما أحمد. وقال حمّاد عنه: ((ذات قرابة لها، إما
أختها، وإما ابنتها))، وهذا يُشعر بأن التردّد فيه من سعيد بن جبير.
وقوله: ((وعليها صوم شهر)) هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي حَرِيز: ((خمسة
عشر يومًا))، وفي رواية أبي خالد: ((شهرين متتابعين))، وروايته تقتضي أن لا يكون الذي
عليها صومَ شهرِ رمضانَ، بخلاف رواية غيره، فإنها محتملة، إلا رواية زيد بن أبي
أُنيسة، فقال: ((إن عليها صوم نذر))، وهذا واضحٌ في أنه رمضان(٥)، وبيّن أبو بشر في
(١) هو الأحمر، سليمان بن حيّان.
(٢) هو القطّان.
(٣) هو ابن عمرو الرقّيّ.
(٤) بفتح الحاء المهملة، وكسر الزاي، هو عبدالله بن الحسين قاضي سجستان.
(٥) هكذا نسخة ((الفتح)) والظاهر أن الصواب ((في أنه غير رمضان)). فليتنبّه.

٣٤- (مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ، ثُمَّ مَآتَ ... - حديث رقم ٣٨٤٣
=
٣١
روايته سبب النذر، فروى أحمد من طريقه شعبة، عن أبي بشر: ((أن امرأة ركبت البحر،
فنذرت أن تصوم شهرًا، فماتت قبل أن تصوم، فأتت أختها النبيّ وَّر)) الحديث.
قال الجامع: هو الحديث الذي نحن في شرحه، رواه هنا شعبة، عن الأعمش، عن
مسلم البطين، فكان الأولى للحافظ أن يعزوه إلى المصنّف.
قال: ورواه أيضًا عن هُشيم، عن أبي بشر نحوه. وأخرجه البيهقيّ من حديث حماد
ابن سلمة.
وقد ادّعى بعضهم أن هذا الحديث اضطرب فيه الرواة عن سعيد بن جُبير، فمنهم من
قال: إن السائل امرأة، ومنهم من قال: رجلٌ، ومنهم من قال: إن السؤال وقع عن نذر،
فمنهم من فسّره بالصوم، ومنهم من فسّره بالحجّ.
قال: والذي يظهر أنهما قصّتان، ويؤيّده أن السائلة في نذر الصوم خثعميّة، كما في
رواية أبي حَرِيز المعلّقة، والسائلة عن نذر الحجّ جهنيّةٌ، كما تقدّم في موضعه. وقد
روى مسلم من حديث بُريدة أن امرأة سألت عن الحجّ، وعن الصوم معًا.
وأما الاختلاف في كون السائل رجلًا، أو امرأة، والمسؤول عنه أختًا، أو أمّا، فلا
يقدح في موضع الاستدلال من الحديث؛ لأن الغرض منه مشروعيّة الصوم، أو الحجّ
عن الميت، ولا اضطراب في ذلك. انتهى المقصود من ((الفتح))(١).
(فَتَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا) الظاهر أن النذر كان لنجاتها من البحر (فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ
تَصُومَ، فَأَتَتْ أُخْتُهَا النَّبِيِّ وَهِ، وَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا) قال السنديّ:
من لا يرى الصوم جائزًا يؤوّل الحديث بأن المراد الافتداء، فإنها إذا افتدت، فقد أدّت
الصوم عنها، وهو تأويل بعيد جدًّا، وأحمد جوز الصوم في النذر، وقال: هو المورد،
والقول القديم للشافعيّ جوازه مطلقًا، ورجحه محققو أصحابه بأنه الأوفق للدليل.
انتهى. وسيأتي تحقيق المسألة قريبًا إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٣٤/ ٣٨٤٢ - وفي ((الكبرى)) ٤٧٥٨/١١. وأخرجه (خ) في ((الصوم))
(١) (فتح)) ٧٠٨/٤. ((كتاب الصوم)).

=
٣٢
:
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
١٩٥٣ (م) في ((الصيام)) ١١٨٤ (د) في ((الأيمان والنذور)) ٢٣١٠ (ت) في ((الصوم))
٧١٦ (ق) في ((الصيام)) ١٧٥٨ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ١٩٧١ و٢٠٠٦ و٣٢٣٢
و٣٤١٠ (الدارمي) في ((الصوم)) ١٧٦٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن من نذر صومًا، ثم مات
قبل أدائه، صام عنه وليه. (ومنها): مشروعيّة النيابة في العبادات. (ومنها): جواز
ركوب البحر للمرأة، لكن بشرط أن تكون مع محرمها. (ومنها): مشروعيّة النذر
للمرأة، وليس خاصًّا بالرجال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في في قضاء النذر عن الميت:
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: من نذر حجًّا، أو صيامًا، أو صدقةً، أو عتقًا، أو
صلاةً، أو غيره من الطاعات، ومات قبل فعله، فعله الوليّ عنه. وعن أحمد في الصلاة
لا يُصَلَّى عن الميت؛ لأنها لا بدل لها بحال، وأما سائر الأعمال، فيجوز أن ينوب الوليّ
عنه فيها، وليس بواجب عليه، ولكن يُستحبّ له ذلك على سبيل الصلة والمعروف،
وأفتى بذلك ابن عبّاس في امرأة نذرت أن تمشي إلى قباء، فماتت، ولم تقضه، أن
تمشي ابنتها عنها. وروى سعيد، عن سفيان، عن عبد الكريم أبي أَميّة، أنه سأل ابن
عبّاس عن نذر كان على أمه من اعتكاف، قال: صم عنها، واعتكف عنها. وقال:
حدّثنا الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن عامر بن شُعيب أن عائشة اعتكفت عن
أخيها عبد الرحمن بعد ما مات. وقال مالك: لا يمشي أحدٌ على أحد، ولا يصليّ، ولا
يصوم عنه، وكذلك سائر أعمال البدن، قياسًا على الصلاة. وقال الشافعيّ: يقضي عنه -
الحجّ، ولا يقضي الصلاة قولًا واحدًا، ولا يقضي الصوم في أحد القولين، ويُطعم عنه
لكلّ يوم مسكين؛ لأن ابن عمر، قال: رسول اللّه وَاله: (من مات، وعليه صيام شهر،
فليطعم عنه مكان كلّ يوم مسكين)). أخرجه ابن ماجه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث المذكور ضعيف، والصحيح أنه موقوف،
كما بيّن ذلك الترمذيّ رحمه الله تعالى، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وقال أهل الظاهر: يجب القضاء على وليّه، بظاهر الأخبار الوارد فيه. وجمهور أهل
العلم على أن ذلك ليس بواجب على الوليّ، إلا أن يكون حقًّا في المال، ويكون للميت
تركة، وأمر النبيّ ◌َ ﴿ في هذا محمول على الندب، والاستحباب، بدليل قرائن في
الخبر، منها: أن النبيّ وَ ﴿ شبّهه بالدين، وقضاء الدين على الميّت لا يجب على الوارث
ما لم يُخلف تركة يقضى بها، ومنها أن السائل سأل النبيّ وَّر، هل يفعل ذلك، أم لا،

=
٣٣
٣٤- (مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ، ثُمَّ مَآتَ ... - حديث رقم ٣٨٤٣
ويختلف باختلاف مُقتضى سؤاله، فإن كان مقتضاه السؤال عن الإباحة، فالأمر في
جوابه يقتضي الإباحة، وإن كان السؤال عن الإجزاء، فأمره يقتضي الإجزاء، كقولهم:
أنُصلي في مرابض الغنم؟ قال: ((صلّوا في مرابض الغنم))، وإن كان سؤالهم عن
الوجوب، فأمره يقتضي الوجوب، كقولهم: أنتوضّأ من لحوم الإبل؟ قال: ((توضّؤوا
من لحوم الإبل))، وسؤال السائل في مسألتنا كان عن الإجزاء، فأمر النبيّ وَّر بالفعل
يقتضيه لا غير.
واحتجّ القائلون بجواز الصيام عن الميت بما روت عائشة رَيها أن رسول اللَّه وَ لَه قال:
((من مات، وعليه صيام، صام عنه وليّه)). وعن ابن عبّاس ◌َّا قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ
وَّه، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت
لو كان على أمك دينٌ، أكنت قاضيه؟))، قال: نعم، قال: ((فدين اللَّه أحقّ أن يُقضى)). وفي
رواية قال: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه وَ له، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها
صوم، أفأصوم عنها؟ قال: ((أرأيت لو كان على أمك دينٌ، فقضيته، كان يؤذي ذلك
عنها؟))، قال: نعم، قال: ((فصومي عن أمك)). متفقٌ عليها. وعن ابن عبّاس رَؤُّهَا أن سعد
ابن عُبادة الأنصاريّ ◌َزي استفتى النبيّ وَّ في نذر كان على أمه، فتوفّيت قبل أن تقضيه؟
فأفتاه أن يقضيه، فكانت سنّة بعدُ. وعنه أن رجلا أتى النبيّ وَّه فقال: إن أختي نذرت أن
تحجّ، وإنها ماتت، فقال النبيّ وَّ: ((لو كان عليها دينٌ، أكنت تقضيه؟)) قال: نعم، قال:
((فاقض الله، فهو أحقّ بالقضاء)). رواهما البخاريّ. وهذا صريحٌ في الصوم، والحجّ،
ومطلقٌ في النذر، وما عدا المذكور في الحديث يُقاس عليه.
وحديث ابن عمر في الصوم الواجب بأصل الشرع، ويتعيّن حمله عليه جمعًا بين
الحديثين، ولو قُدّر التعارض، لكانت أحاديثنا أصحّ، وأكثر، وأولى بالتقديم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم أن حديث ابن عمر تطتتا المذكور لا يصح
مرفوعًا، فلا حاجة إلى التكلّف للجمع، فتنبه. والله تعالى أعلم.
إذا ثبت هذا فإن الأولى أن يقضي النذر عنه وارثه، فإن قضاه غيره أجزأه عنه، كما لو
قضى عنه دينه، فإن النبيّ وَّر شبّهه بالدين، وقاسه عليه، ولأن ما يقضيه الوارث إنما
هو تبرّع منه، وغيره مثله في التبرّع، وإن كان النذر في مالٍ تعلّق بتركته. انتهى كلام ابن
قُدامة رحمه الله تعالى، وهو بحثّ نفيس، إلا أن قياس الصلاة على الصوم والحجّ فيه
نظرٌ لا يخفَى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب)).

٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
٣٥- (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ)
٣٨٤٤- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ
سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فِي نَذْرٍ، كَانَ عَلَى أُمِّهِ،َ تُؤُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ
تَقْضِيَهُ؟، فَقَالَ: ((اقْضِهِ عَنْهَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
الحارث، وهو ثقة حافظ، وكلهم تقدّموا غير مرّة، و((سفيان)): هو ابن عيينة.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)) هنا ((عن سليمان)) بدل ((عن
سفيان))، وهو غلط فاحش، فالصواب ((عن سفيان))، وهو الذي في النسخة الهندية،
و ((الكبرى))، فتنبه. وبالله تعالى التوفيق.
و((عبيد الله بن عبد الله)): هو ابن عتبة بن مسعود المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة
المشهورين بالمدينة، وقد تقدموا قريبًا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أحاديث هذا الباب متفقٌ عليها، وقد تقدّمت في
(كتاب الوصايا)) -٣٦٨٣/٨- ((فضل الصدقة عن الميت))، وتقدّم شرحها، وبيان
مسائلها هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
ودلالتها على ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى واضحة، حيث إن فيها بيان
حكم من مات، وعليه نذرٌ، وهو أنّ وليّه قضاه عنه، وقد تقدّم أقوال أهل العلم فيه في
الباب الماضي، ولله الحمد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٤٥- (أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فِي نَذْرِ كَانَ عَلَى أَمْهِ،
فَتُؤُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((اقْضِهِ عَنْهَا))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة. والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه في الذي قبله. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٤٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، وَهَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَام
-وَهُوَّ ابْنُ عُزْوَةَ- عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ

:
٣٦- (إِذاً نذَرَ، ثُمَّ أَسْلَمَ قبلَ أنْ يغيّ) - حديث رقم ٣٨٤٧
٣٥
عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا نَذْرٌ،
فَلَمْ تَقْضِهِ، قَالَ: ((اقْضِهِ عَنْهَا»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن آدم)): هو الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق
[١٠] ١١٥/٩٣. وو((هارون بن إسحاق)): هو الهمدانيّ، أبو القاسم الكوفيّ،
صدوق، من صغار [١٠] ٣٤٦/١٣. و((عبدة)): هو ابن سليمان الكلابيّ، أبو محمد
الكوفيّ، ثقة ثبت، من صغار [٨] ٣٣٩/٧. و((بكر بن وائل)): هو التيميّ الكوفيّ،
صدوق [٨] ١٩٤٥/٥٦.
[تنبيه]: هذا الإسناد أنزل من الإسنادين السابقين؛ لأنهما كانا خماسيين، وهذا
سباعيّ، فبين المصنّف وبين الزهريّ فيهما واستطتان، وفي هذا أربع وسائط.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب)).
٣٦- (إِذَا نَذَرَ، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ
فِيَ)
أي هل يلزمه الوفاء بذلك، أم لا؟، اختلف العلماء في ذلك، وسيأتي تحقيق القول
فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
٣٨٤٧- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَیُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
ابْنِ عُمَّرَ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ لَيْلَةٌ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، يَعْتَكِفُهَا، فَسَأَلَ رَسُوَّلَ اللَّهِ
وَلَّهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (إسحاق بن موسى) الْخَطْمَيّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقة متقنٌ
[١٠] ١٥٩٦/٣٥ .
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/١.
٣- (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥]
٤٨/٤٢ .

٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
٤- (نافع) هو مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢.
٥- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي اللّه تعالى عنهما ١٢/١٢ .
٦- (عمر) بن الخطاب بن نفيل العدويّ، أمير المؤمنين رضي اللّه تعالى عنه ٦٠/
٧٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير سفيان، فمكيّ، وأيوب،
فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، والابن عن أبيه، وتابعيّ، عن
تابعيّ، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين
السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. (ومنها): أن فيه عمر رضي اللَّه تعالى عنه أحد الخلفاء
الراشدين، والعشرة المبشرين بالجنة رضي اللّه تعالى عنهم. والله تعالى أعلم.
شرح الحدیث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ) رضي اللّه تعالى عنهما، هذه الرواية صريحّة في أن
الحديث من مسند عمر تَنثه ، ورواية عبيد الله بن عمر، عن نافع الآتية في الباب
ظاهرة في كونه من مسند ابن عمر تَعْوريتا، ولا يضرّ ذلك، فإن ابن عمر قد حضر القصّة،
فإنها كانت في غزوة حنين، ففي رواية البخاريّ في ((كتاب المغازي)) من طريق معمر،
عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر تَطّ، قال: لَمّا قفلنا من حنين، سأل عمر النبيّ وَل
عن نذر كان نذره في الجاهليّة، اعتكافٍ، فأمره النبيّ رَّ بوفائه : . وفي رواية مسلم،
من طريق جرير بن حازم، أن أيوب حدثه، أن نافعًا حدّثه، أن عبد الله بن عمر حدّثه،
أن عمر بن الخطّاب سأل رسول اللّه وَله، وهو بالجعرانة، بعد أن رجع من الطائف،
فقال: يا رسول اللَّه، إني نذرت في الجاهليّة أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام،
فكيف ترى؟ قال: ((اذهب، فاعتكف يومًا، وكان رسول اللَّه وَ له قد أعطاه جارية من
الخمس، فلما أعتق رسول الله {آل# سبايا الناس، قال عمر: يا عبد الله اذهب إلى تلك
الجارية، فخلّ سبيلها)).
فقد تبيّن بهذا أن ابن عمر رَبِّهَا كان حاضرًا سؤال عمر ◌َّه للنبي وَّل. ويحتمل أن
يكون غائبًا في بعض حاجته حينما سأل عمر رَّه النبيّ وَّر، فأخبره عمر به، فكان
يحدّث عنه تارةً، ويرسله أخرى، ومرسل الصحابيّ حجة، كما هو مقرّر في محلّه.
والله تعالى أعلم.

٣٧
٣٦- (إِذاً نذَرَ، ثُمَّ اسلمَ قبلَ أنْ یڤيّ) - حديث رقم ٣٨٤٧
وقال في ((الفتح)) بعد ما ذكر أن القصّة كانت بالجعرانة لَمّا رجعوا من حُنين: ما
نصّه: ويستفاد منه الرد على من زعم أن اعتكاف عمر رضي كان قبل المنع من الصيام
في الليل؛ لأن غزوة حنين متأخّرة عن ذلك. انتهى (١).
(أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ لَيْلَةٌ) بالرفع اسم «كان»، والجار والمجرور خبرها مقدّمًا، وقوله (نَذَرَ)
جملةٌ في محلّ رفع صفة ل((ليلة)) والعائد محذوف، أي نذرها.
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يحتجّ به من يُجيز الاعتكاف بالليل، وبغير
صوم، ولا حجة له فيه؛ لأنه قد قال في الرواية الأخرى: ((أنه نذر أن يعتكف يومًا))، والقصّة
واحدة، فدلّ مجموع الراويتين على أنه نذر يومًا وليلةً، غير أنه أفرد أحدهما بالذكر لدلالته
على الآخر من حيث إنهما تلازما في الفعل، ولهذا قال مالكٌ: إن أقلّ الاعتكاف يوم وليلة،
فلو نذر أحدهما لزمه تكميله بالآخر، ولو سلّمنا أنه لم يجىء لليوم ذكرٌ لما كان في تخصيص
الليلة بالذكر حجة؛ لإمكان حمل ذلك الاعتكاف على المجاورة؛ فإنها تُسمّى اعتكافًا لغةً،
وهي تصحّ بالليل والنهار، وبصوم، وبغير صوم. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((أن أعتكف ليلةً)) استُدلّ به على جواز الاعتكاف بغير
صوم؛ لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، فلو كان شرطًا لأمره النبيّ وََّ به. وتُعُقّب بأن في
رواية شعبة عن عبيد الله عند مسلم: ((يومًا)) بدل («ليلةً))، فجمع ابن حبّان وغيره بين
الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد
بليلته، وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر تْفيهتا صريحًا، لكن
إسنادها ضعيف، وقد زاد فيها: إن النبيّ وَلزل قال له: ((اعتكف، وصم)). أخرجه
أبو داود، والنسائيّ، من طريق عبد الله بن بديل، وهو ضعيف، وذكر ابن عديّ،
والدارقطنيّ أنه تفرّد بذلك، عن عمرو بن دينار. ورواية من روى ((يوما)) شاذّة. وقد
وقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاريّ: ((فاعتَكَفَ ليلةً))، فدلّ على أنه لم يزد على
نذره شيئًا، وأن الاعتكاف لا صوم فيه، وأنه لا يُشترط له حدٍّ معيّن. انتهى.
(فِي الْجَاهِلِيَّةِ) المراد بالجاهليّة هنا جاهليّة عمر ◌َّه، وهو ما قبل إسلامه، لا أنه
أراد ما قبل بعثة النبيّ وَلّز، لأن جاهليّة كلّ أحد بحسبه، ووهم من قال: الجاهليّة في
كلامه زمن فترة النبوّة، والمراد بها هنا ما قبل بعثة نبيّنا بَّر، فإن هذا يتوقّف على النقل،
وقد ثبت أنه نذر قبل أن يسلم، وبين البعثة، وإسلامه مدّة. قاله في ((الفتح))(٣).
(١) ((فتح) ٨٠٩/٤ ((كتاب الاعتكاف. رقم ٢٠٣٢ .
(٢) ((المفهم» ٤ / ٦٤٥ -٦٤٦ .
(٣) ((فتح) ٤٤٣/١٣.

٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
وقال أيضًا: وفيه ردِّ على من زعم أن المراد بالجاهليّة ما قبل فتح مكّة، وأنه نذر في
الإسلام، وأصرح من ذلك ما أخرجه الدارقطنيّ، من طريق سعيد بن بشير، عن
عُبيدالله، بلفظ: ((نذر عمر أن يعتكف في الشرك)). انتهى(١).
(يَعْتَكِفُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ) هذا فيه أن نذر الكافر ينعقد، ولا
مانع من القول أن نذره ينعقد موقوفًا على إسلامه، فإن أسلم لزمه الوفاء به في الخير،
والكفرُ وإن كان يمنع عن انعقاده منجزًا، لكن لا يمنع أن يعقد موقوفًا، وحديث:
((الإسلام يَجُبُّ ما قبله)) محمولٌ على الخطايا، وليس النذر منها، وسيأتي قريبًا تمام
البحث، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٨٤٧/٣٦ و٣٨٤٨ و٣٨٤٩- وفي ((الكبرى)) ١٣/ ٤٧٦٢ و٤٧٦٣
و٤٧٦٤. وأخرجه (خ) في ((الاعتكاف)) ٢٠٣٢ و٢٠٤٣ و((فرض الخمس)) ٣١٤٤
و ((الأيمان والنذور)» ٦٦٩٧ (م) في ((الأيمان)) ١٦٥٦ (د) في ((الأيمان والنذور)) ٢٣٢٥
(ت) في ((النذور والأيمان)) ١٥٣٩ (ق) في ((الصيام)) ١٧٧٢ و((الكفّارات)) ٢١٢٩
(أحمد) في ((مسند العشرة)) ٢٥٧ و(مسند المكثرين)) ٤٦٩١ و٥٥١٤ و٦٣٨٢ (الدارمي)
في ((النذور والأيمان)) ٢٣٣٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن الكافر إذا نذر، ثم أسلم
قبل الوفاء، وفی به، بعد إسلامه.
(ومنها): ما قاله في ((الفتح)): وفي الحديث لزوم النذر للقربة من كلّ أحد حتى قبل
الإسلام.
وقد أجاب ابن العربيّ بأن عمر لَمَّا نذر في الجاهليّة، ثم أسلم أراد أن يُكفّر ذلك
بمثله في الإسلام، فلما أراده، ونواه سأل النبيّ وَلتر، فأعلمه أنه لزمه، قال: وكلّ عبادة
ينفرد بها العبد عن غيره تنعقد بمجرّد النيّة العازمة الدائمة كالنذر في العبادة، والطلاق
(١) (فتح)) ٨٠٩/٤ (كتاب الاعتكاف) رقم ٢٠٣٢.

=
٣٩
٣٦- (إِذاَ نَذَرَ، ثُمَّ اُسْلَمَ قبَلَ أَنْ يفِيَ) - حديث رقم ٣٨٤٧
في الأحكام، وإن لم يتلفّظ بشيء من ذلك.
كذا قال. ولم يوافق على ذلك، بل نقل بعض المالكيّة الاتّفاق على أن العبادة لا
تلزم إلا بالنيّة مع القول، أو الشروع، وعلى التنزّل، فظاهر كلام عمر رَّه مجرّد
الإخبار بما وقع مع الاستخبار عن حكمه، هل لزم، أولا؟ وليس فيه ما يدلّ على ما
ادعاه من تجديد نيّة منه في الإسلام.
وقال الباجيّ : قصة عمر عګ هي کمن نذر أن يتصدّق بكذا إن قدم فلانٌ بعد شهر،
فمات فلان قبل قدومه، فإنه لا يلزم الناذر قضاؤها، فإن فعله فحسن، فلما نذر عمر
قبل أن يسلم، وسأل النبيّ وَالر أمره بوفائه استحبابًا، وإن كان لا يلزمه؛ لأنه التزمه في
حالة لا ينعقد فيها.
(ومنها): ما قاله الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): إنه استُدلّ به على أن الكفّار
مخاطبون بفروع الشريعة، وإن كان لا يصحّ منهم إلا بعد أن يُسلموا؛ لأمر عمر رَ يه
بوفاء ما التزمه في الشرك، ونقل أنه لا يصحّ الاستدلال به لأن الواجب بأصل الشرع
كالصلاة لا يجب عليهم قضاؤها، فكيف يكلّفون بقضاء ما ليس واجبًا بأصل الشرع؟
قال: ويُمكن أن يُجاب بأن الواجب بأصل الشرع مؤقّتٌ بوقت، وقد خرج قبل أن يُسلم
الكافر، ففات وقتُ أدائه، فلم يؤمر بقضائه؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله، فأما إذا لم
يؤقّت نذره، فلم يتعيّن له وقتٌ حتى أسلم، فإيقاعه له بعد الإسلام يكون أداءً؛ لاتساع
ذلك باتساع العمر.
قال الحافظ: وهذا البحث يقوّي ما ذهب إليه أبو ثور، ومن قال بقوله - يعني قولهم:
إن نذر الاعتكاف قبل الإسلام لزمه الوفاء إذا أسلم - وإن ثبت النقل عن الشافعيّ بذلك،
فلعلّه كان يقوله أوّلًا، فأخذه عنه أبو ثور. ويمكن أن يؤخذ من الفرق المذكور أن
وجوب الحجّ على من أسلم لاتساع وقته، بخلاف ما فات وقته. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن نذر كافرًا، ثم أسلم:
قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالی: ومن نذر في حال کفر طاعةً لله عز وجل،
ثم أسلم لزمه الوفاء به؛ لقول رسول اللّه وَله: ((من نذر أن يُطيع اللَّه فليُطعه))، وهو
عَ لََّلُ مبعوث إلى الجنّ والإنس، وطاعته فرض على كلّ مؤمن، وكافر، من قال: غير
هذا، فليس مسلمًا، وهذه جملة لم يختلف فيها أحد ممن يدّعي الإسلام، ثم نقضوا في
التفصيل. ثم أورد بسند مسلم حديث حكيم بن حزام رَزيه أنه قال لرسول اللّه وَالت:
((أرأيت أمورًا كنت أتحنّث بها في الجاهلية، من صدقة، أو عتاقة، أو صِلَة رحم، أفيها

٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
أجرٌ؟ فقال رسول اللّه وَ له: ((أسلمت على ما أسلفت من خير)). ثم أخرج بسنده حديث
عمر رَّه المذكور في الباب: ((نذرت نذرًا في الجاهلية، ثم أسلمت، فسألت رسول
اللَّهِ وَ لِّ؟ فأمرني أن أوفي بنذري))، قال: فهذا حكم لا يسع أحدًا الخروج عنه. وأورد
أيضًا حديث أبي هريرة ◌َّه المتفق عليه، قال: بعث النبي وَّر خيلا قبل نجد،
فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثُمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري
المسجد ... )) وفيه: ((أن ثمامة أسلم بعد أن أطلقه النبيّ وَلقر، وقال: يا محمد، والله ما
كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ،
والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليّ، والله ما كان
من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا
أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول اللّه وَ له، وأمره أن يعتمر ... )) الحديث.
قال: فهذا كافر خرج يريد العمرة، فأسلم، فأمره النبيّ وَّه بإتمام نيته. قال: وروينا
عن طاوس: من نذر في كفره، ثم أسلم، فليوف بنذره، وعن الحسن، وقتادة نحوه،
وبهذا قال الشافعيّ، وأبو سليمان -يعني داود الظاهريّ- وأصحابهما. انتهى المقصود
من كلام ابن حزم(١).
وقال الشوكانيّ رحمه الله تعالى: وفي حديث عمر رَنه دليلٌ على أنه يجب الوفاء
بالنذر من الكافر متى أسلم، وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعيّ. وعند
الجمهور: لا ينعقد النذر من الكافر، وحديث عمر رَزفي حجة عليهم. وقد أجابوا عنه
بأن النبيّ وَّ لَمّا عرف أن عمر تَظّي قد تبرّع بفعل ذلك أذن له به؛ لأن الاعتكاف
طاعة، ولا يخفى ما في هذا الجواب من مخالفة الصواب. وأجاب بعضهم بأنه ولي أمره
بالوفاء استحبابًا، لا وجوبًا. ويُردّ بأن هذا الجواب لا يصلح لمن ادعى عدم الانعقاد.
انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبیّن بما ذُكر أن الصحیح قول من قال بانعقاد نذر
الكافر، ووجوب الوفاء عليه بعد إسلامه؛ لما ذكر من الأدلّة الصحيحة الصريحة في
الأمر بالوفاء، والمانعون لم يأتوا بحجة مقنعه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٤٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُوبَ، عَنْ
نَّافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ عَلَى عُمَرَ نَذْرَ، فِي اغْتِكَافِ لَيْلَةٍ، فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ،
(١) ((المحلّى)) ٢٥/٨-٢٦. ((كتاب النذور)) .
(٢) (نيل الأوطار)) ٢٦٠/٨.