النص المفهرس

صفحات 1-20

شرح
سُْ انْسَائي
الشَمَّى
ذَخِيَرَةُ الْعُقْبَى فِيْ شَرِح المُجَتَبَى
لجامِعِه الفقير إلى مَوْلَهِ الغَنِىّ القَّدِيْرِ
محمَّ بِ الشّيخ العَامَة عَلى بْ آدَمْ بُوَ الأُيُونِى الْوَلَّوِّ
المُرّسُ بَدَارُ الحَديثُ الخيريَّة بمكّة المكرّمة
عَفَا اللّه عَنْه وَعَنْ وَالَيْهِ آَمِينْ
الجزء الحاديّ والثّلاثون
مَكْب تنسيق ومزيج وتحقيق
زخمن اخلاء قيم٢٥٢٤٠
دار آل بَروم للـ
نشرْ وَالتوزيع

جميع الحقوق محفُوظُعَّة
الطَّبَعَّة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م
دَازال بُرُوسِم للنشروَ التّرْخ
المملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَربُ: ٤١٤٥- (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - حوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

شرح
سُبْ النَّائي
:

بسم الله الرحمن الرحيم

=
٢٩- (الوفاءُ بالنّدْرِ) - حديث رقم ٣٨٣٦
٢٩- (الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المراد بيان حكمه، أو فضله. قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ
بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] یؤخذ منه أن الوفاء به قربة؛ للثناء على فاعله، لکن ذلك مخصوص
بنذر الطاعة. وقد أخرج الطبريّ من طريق مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُوقُونَ بِالَّذْرِ﴾ قال: إذا
نذروا في طاعة الله. قال القرطبيّ: النذر من العقود المأمور بالوفاء بها المثنى على فاعلها،
وأعلى أنواعه ما كان غير معلّق على شيءٍ، كمن يعافى من مرض، فقال: لله عليّ أن أصوم
كذا، أو أتصدّق بكذا شكرًا لله تعالى، ويليه المعلّق على فعل طاعة، كإن شفى الله مريضي
صمت كذا، أو صلّيت كذا، وما عدا هذا من أنواعه، كنذر اللجاج، كمن يستثقل عبده،
فينذر أن يُعتقه ليتخلّص من صحبته، فلا يقصد القربة بذلك، أو يحمل على نفسه، فينذر
صلاة كثيرة، أو صومًا مما يشقّ عليه فعله، ويتضرّر بفعله، فإن ذلك يكره، وقد يبلغ بعضه
التحريم. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب
٣٨٣٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
أَبِي ◌ْرَةَ، عَنْ زَهْدَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ، قَالَ:
(خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونُهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونُهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونُهُمْ))، فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ
مَرَّتَيْنِ بَعْدَهُ، أَوْ ثَلَاثَا، ثُمَّ ذَكَرَ قُوْمًا، يَخُونُونَ، وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ، وَلَا
يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ، وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ)).
قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ، أَبُو ◌ُمْرَةَ).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعاني، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥.
٢- (خَالِدٌ) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٧/٢٤.
٤- (أبو جمرة) نصر بن عمران بن عصام الضُّبَعيّ البصريّ، نزيل خُراسان، ثقة ثبت
[٣] ٢٠١٢/٨٨ .
٥- (زَهْدَم) بن مُضَرِّب الْجَزْميّ البصريّ، ثقة [٣] ٣٨٠٦/١٤.
٦- (عمران بن حصين) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعِيّ، أبو نُجَيد، أسلم عام خيبر،
وصحب، وكان فاضلاً، وقضى بالكوفة، مات رَّه سنة (٥٢) بالبصرة، وأبوه أيضًا
صحابيّ رَّه. والله تعالى أعلم.
(١) (فتح)) ٤٣٣/١٣-٤٣٤. ((كتاب الأيمان والنذور)).

٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ، ورواية الأقران، وفيه أبو جمرة، مشهور بكنيته، وليس له مشارك في هذه الكنية
في الكتب الستّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زَهْدَم) بوزن جعفر بن مُضَرِّب -بضم الميم، وفتح المعجمة، وتشديد الراء
المكسورة، بعدها موحّدة- (قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (يَذْكُرُ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((خَيْرُكُمْ قَرْنِي) أي أهل قرني. قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله
تعالى: ((القرن)) -بفتح، فسكون- من الناس: أهل زمان واحد، قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا ذَهَبَ الْقَرْنُ الَّذِ أَنْتَ فِيهِمُ وَخُلْفْتَ فِي قَرْنٍ فَأَنْتَ غَرِيبُ
وقيل: مقدار زمانه ثمانون سنة. وقيل: ستون. ويعني أن هذه القرون الثلاثة أفضل
مما بعدها إلى يوم القيامة، وهذه القرون في أنفسها متفاضلة، فأفضلها الأول، ثم الذي
بعده، ثم الذي بعده، هذا ظاهر الحديث، فأما أفضليّة الصحابة، وهم القرن الأول على
من بعدهم، فلا تخفی، وقد بيّا إبطال قول من زعم أنه یکون فیمن بعدهم أفضل منهم،
أو مساوٍ لهم في ((كتاب الطهارة))(١). وأما أفضليّة من بعدهم، بعضهم على بعض،
فبحسب قربهم من القرن الأول، وبحسب ما ظهر على أيديهم من إعلاء كلمة الدين،
ونشر العلم، وفتح الأمصار، وإخماد كلمة الكفر، ولا خفاء أن الذي كان من ذلك في
قرن التابعين كان أكثر، وأغلب مما كان في أتباعهم، وكذلك الأمر في الذين بعدهم،
ثم بعد هذا غلبت الشرور، وارتكبت الأمور، وقد دلّ على صحة هذا قوله في حدیث
أبي سعيد رَظنّه: ((يغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب رسول اللَّه وَلّ؟
فيقال: نعم، فيفتح لهم ... )) الحديث(٢). انتهى كلام القرطبيّ(٣).
وقال في ((الفتح)): والقرن أهل زمان واحد متقارب، اشتركوا في أمر من الأمور
المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبيّ، أو رئيس يجمعهم
على ملّة، أو مذهب، أو عمل، ويُطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا في
(١) سيأتي نقل كلامه هذا بنصه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(٢) متفقٌ عليه.
(٣) ((المفهم)) ٤٨٥/٦-٤٨٦. ((كتاب النبوّات)).

٧
٢٩- (الوفاءُ بِالنَّذْرِ) - حديث رقم ٣٨٣٦
تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، قال الحافظ: لكن لم أر من صرّح
بالسبعين، ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك، فقد قال به قائل. وذكر الجوهريّ بين
الثلاثين والثمانين. وقد وقع في حديث عبد الله بن بُسْر عند مسلم ما يدلّ على أنّ القرن
مائة، وهو المشهور. وقال صاحب ((المطالع)): القرن أمّةٌ هلكت، فلم يبق منهم أحد،
وثبتت المائة في حديث عبد الله بن بسر، وهي ما عند أكثر أهل العراق، ولم يذكر
صاحب ((المحكم)) الخمسين، وذكر من عشر إلى سبعين، ثم قال: هذا هو القدر
المتوسّط من أعمار أهل كلّ زمن، وهذا أعدل الأقوال، وبه صرّح ابن الأعرابيّ،
وقال: إنه مأخوذ من الأقران، ويمكن أن يُحمل عليه المختلف من الأقوال المتقدّمة
ممن قال: إن القرن أربعون، فصاعدًا، أما من قال: إنه دون ذلك، فلا يلتئم على هذا
القول. والله أعلم.
والمراد بقرن النبيّ ( 18 في هذا الحديث الصحابة وفي ((صحيح البخاريّ)) في صفة
النبيّ وَ ل قوله: ((وبُعثت في خير قرن بني آدم))، وفي رواية بُريدة عند أحمد: ((خير هذه
الأمة القرن الذين بعثت فيهم))، وقد ظهر أن الذي بين البعثة، وآخر من مات من
الصحابة مائة وعشرون سنة، أو دونها، أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبي
الطّفيل، وإن اعتُبر ذلك من بعد وفاته و #ره، فيكون مائة سنة، أو تسعين، أو سبعًا
وتسعين. وأما قرن التابعين، فإن اعتُبر من سنة مائة كان نحو سبعين، أو ثمانين. وأما
الذين بعدهم، فإن اعتُبر منها كان نحوًا من خمسين، فظهر بذلك أن مدّة القرن تختلف
باختلاف أعمار أهل كلّ زمان. والله أعلم.
واتّفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يُقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين
ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البِدَع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها،
ورَفَعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيّرت الأحوال
تغيّرًا شديدًا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر قوله وَطاهر: ((ثمّ يفشو الكذب))
ظهورًا بيًّا حتى يشمل الأقوال، والأفعال، والمعتقدات. والله المستعان(١).
(ثُمَّ الَّذِينَ يَلُوتُهُمْ) أي القرن الذي بعدهم، وهم التابعون (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونُمْ) وهم
أتباع التابعين، واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون
أفضل من أتباع التابعين، لكن هذه الأفضليّة بالنسبة إلى المجموع، أو الأفراد؟ محلّ
بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البرّ.
(١) (فتح) ٣٥١/٧-٣٥٢. ((كتاب فضائل الصحابة
هـ.

٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
قال الحافظ: والذي يظهر أن من قاتل مع النبيّ وَلهير، أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئًا
من ماله بسببه، لا يعدله في الفضل أحدٌ بعده كائنًا من كان، وأما من لم يقع له ذلك،
فهو محلّ البحث، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ
وَقَتَلَّ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ﴾ الآية [الحديد: ١٠].
واحتجّ ابن عبد البرّ بحديث: «مَثَلُ أمّتي مثل المطر، لا يُدرى أوّله خيرٌ، أم آخره)»،
وهو حديث حسنٌ له طرُقٌ، قد يرتقي بها إلى الصّخة، وأغرب النوويّ، فعزاه في
((فتاويه)) إلى مسند أبي يعلى، من حديث أنس ◌َّه، بإسناد ضعيف، مع أنه عند
الترمذيّ بإسناد أقوى منه من حديث أنس تنٹ ، وصححه ابن حبان، من حديث عمّار
رضائي. وأجاب عنه النوويّ بما حاصله: أن المراد من يشتبه عليه الحال في ذلك من
أهل الزمان الذين يدركون عيسى ابن مريم عليهما السلام، ويرون في زمانه من الخير،
والبركة، وانتظام كلمة الإسلام، ودحض كلمة الكفر، فيشتبه الحال على من شاهد
ذلك، أيُّ الزمانين خير، وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله وَّر: ((خير القرون قرني)).
والله أعلم.
وقد روى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، أحد التابعين بإسناد
حسن، قال: قال رسول اللَّه ◌َله: (لَيُدركنّ المسيحُ أقوامًا، إنهم لمثلكم، أو خيرٌ -
ثلاثًا- ولن يُخزي اللَّه أُمّةٌ أنا أوّلها، والمسيح آخرها)). وروى أبو داود، والترمذيّ من
حديث أبي ثعلبة تَّه، رفعه: ((تأتي أيّام، للعامل فيهنّ أجر خمسين))، قيل: منهم،
أو منّا يا رسول الله؟ قال: ((بل منكم))، وهو شاهدٌ لحديث: ((مثلُ أمتي مثل المطر)).
واحتجّ ابن عبد البرّ أيضًا بحديث عمر تَنثه، رفعه: «أفضل الخلق إيمانًا قومٌ في
أصلاب الرجال، يؤمنون بي، ولم يروني ... )) الحديث. أخرجه الطيالسيّ وغيره،
لكن سنده ضعيف، فلا حجّة فيه. وروى أحمد، والدارميّ، والطبرانيّ، من حديث
أبي جمعة، قال: قال أبو عُبيدة: يا رسول الله، أأحدٌ خيرٌ منّا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا
معك، قال: ((قومٌ يكونون من بعدكم، يؤمنون بي، ولم يروني)). وإسناده حسنٌ، وقد
صححه الحاكم.
واحتجّ أيضًا بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون أنهم كانوا غُرباء في
إيمانهم؛ لكثرة الكفّار حينئذ، وصبرهم على أذاهم، وتمسّكم بدينهم، قال: فكذلك
أواخرهم إذا أقاموا الدين، وتمسّكوا به، وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي
والفتن كانوا أيضًا عند ذلك غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال
أولئك. ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة ◌َّه، رفعه: ((بدأ الإسلام غريبًا،

٩
٢٩- (الوفاءُ بالنّذْرِ) - حديث رقم ٣٨٣٦
وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء)).
وقد تُعُقّب كلام ابن عبد البرّ بأن مُقتضى كلامه أن يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من
يكون أفضل من بعض الصحابة، وبذلك صرّح القرطبيّ، لكن كلام ابن عبد البرّ ليس
على إطلاقه في حقّ جميع الصحابة، فإنه صرّح في كلامه باستثناء أهل بدر،
والحديبية،. نعم والذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يَعدِلها عملٌ لمشاهدة
رسول اللَّه وَ له، وأما من اتّفق له الذّبّ عنه، والسبق إليه بالهجرة، أو النُّصرة، وضبط
الشرع المتلقّى عنه، وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يَعدِله أحدٌ ممن يأتي بعده؛ لأنه ما من
خَصلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مثلُ أجر من عمل بها من بعده، فظهر
فضلهم.
ومُحَصَّلُ النّزاع يتمخّض فيمن لم يحصل له إلا مجرّد المشاهدة، كما تقدّم، فإن جُمع
بين الأحاديث المذكورة كان متّجهًا، على أن حديث: ((للعامل منهم خمسين منكم))، لا
يدلّ على أفضليّة غير الصحابة على الصحابة ؛ لأن مجرّد زيادة الأجر لا يستلزم
ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك
العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبيّ وَلهم من زيادة فضيلة المشاهدة، فلا يَعدله فيها
أحدٌ، فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدّمة. وأما حديث أبي جمعة، فلم تتّفق
الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيريّة، كما تقدّم، ورواه بعضهم بلفظ:
((قلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم منّا أجرًا؟ ... )) الحديث. أخرجه الطبرانيّ،
وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدّمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة
رَّه، وقد تقدّم الجواب عنه. والله أعلم(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن ما عليه الجمهور من أن الصحابة
أفضل ممن بعدهم إلى يوم القيامة على الإطلاق، كائناً من كان هو الحقّ.
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى -بعد أن ذكر قول ابن عبد البرّ: إنه يكون
فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة -: ما نصّه: وذهب
معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صحب النبيّ وَلّر، ورآه، ولو مرّة من عمره
أفضل من كلّ من يأتي بعدُ، وأن فضيلة الصحبة لا يَعدِلها عملٌ، وهو الحقّ الذي لا
ينبغي أن يُصار لغيره؛ لأمور:
[أولها]: مزيّة الصحبة، ومُشاهدة رسول اللّه وَالتل.
(١) ((فتح) ٣٥٢/٧-٣٥٣. ((كتاب فضائل الصحابة . ل﴾)).

١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتَّذُورِ
[وثانيها]: فضيلة السبق للإسلام.
[وثالثها]: خُصوصيّة الذّبّ عن حضرة رسول اللَّه وَه .
[ورابعها]: فضيلة الهجرة، والنصرة.
[وخامسها]: ضبطهم للشريعة، وحفظها عن رسول اللَّه وَله.
[وسادسها]: تبليغها لمن بعدهم.
[وسابعها]: السبق في النفقة في أول الإسلام.
[وثامنها]: أن كلّ خير، وفضل، وعلم، وجهاد، ومعروف فُعِل في الشريعة إلى يوم
القيامة، فحظّهم منه أكمل حظّ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سَنُّوا سُنَن الخير،
وافتتحوا أبوابه، وقد قال وَلّ: ((من سنّ في الإسلام سُنّةً حسنةً، كان له أجرها، وأجر
من عمل بها إلى يوم القيامة))(١)، ولا شكّ في أنهم الذين سنُّوا جميع السنن، وسبقوا إلى
المكارم، ولو عُدّدت مكارمهم، وفُسّرت خواصّهم، وحُصرت لملأت أسفارًا، ولكلَّت
الأعين بمطالعتها حيارى.
وعن هذه الجملة قال ﴿ فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد اللَّه ◌َايتا، مرفوعًا:
((إن الله اختار أصحابي على العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي
أربعة -يعني أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا- فجعلهم أصحابي)). وقال: ((في
أصحابي كلّهم خير))(٢). وكذلك قال ◌َله: ((اتقوا الله في أصحابي، فلو أنفق أحدكم
مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم، ولا نصيفه))(٣). وكفى من ذلك كلّه ثناء الله تعالى
عليهم جملةً وتفصيلاً، وتعيينًا، وإبهامًا، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم.
فأما استدلال المخالف بقوله وَ لفر: ((إخواننا))(٤) فلا حجة فيه؛ لأن الصحابة قد
(١) رواه مسلم، وتقدّم للمصنّف ٧٥/٥-٧٦ من حديث جرير بن عبدالله البجليّ تنبيه.
(٢) رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) -٢٧٦٣ - قال الهيثميّ: ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف.
اهـ ((مجمع الزوائد» ١٦/١٠.
(٣) متفقٌ عليه.
(٤) هو ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) في ((الطهارة)) - برقم ٢٤٩ - والمصنّف في ((الطهارة)) أيضًا
برقم - ١٥٠- عن أبي هريرة ، أن رسول اللَّه وص له، أتى المقبرة، فقال: ((السلام عليكم دار
قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا» ، قالوا: أولسنا إخوانك
يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعدُ»، فقالوا: «كيف تَعرِف من لم
يأت بعدُ من أمتك، يا رسول الله؟ فقال: ((أرأيت لو أن رجلا له خيل، غُرّ، محجلة، بين ظهري
خيل، دُهْم، بُهم، ألا يعرف خيله؟))، قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: ((فإنهم يأتون غرا
محجلين، من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا لَيُذادنّ رجال عن حوضي، كما يذاد
البعير الضال، أناديهم، ألا هَلُمّ، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول سُحقًا سُحْقًا)).

١١
٢٩- (الوفاء بالنّْرِ) - حديث رقم ٣٨٣٦
حصل لهم من هذه الأخوّة الحظّ الأوفر؛ لأنها الأخوّة اليقينيّة العامّة، وانفردت الصحابة
بخصوصيّة الصحبة. وأما قوله: ((للعامل منهم أجر خمسين منكم)) فلا حجة فيه؛ لأن
ذلك -إن صحّ- إنما هو في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال ◌َالقر في
آخره: ((لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، ولا يجدون))، ولا بُعد في أن يكون في بعض
الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي
المطلوبة بهذا البحث. والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١)، وهو بحث
نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب.
(ثُمَّ الَّذِينَ يَلُوتُهُمْ) وهم تبع أتباع التابعين (فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ مَرَّتَيْنٍ بَعْدَهُ، أَوْ ثَلَاثًا) ولفظ
البخاريّ: فلا أدري، أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة)). قال في ((الفتح)): وقع مثل هذا
الشكّ في حديث ابن مسعود، وأبي هريرة تطلبها عند مسلم، وفي حديث بُريدة تَّ
عند أحمد، وجاء في أكثر الطرق بغير شكّ، منها: عن النعمان بن بشير رَاثًا عند
أحمد، وعن مالك عند مسلم، عن عائشة: قال رجل: يا رسول اللّه، أيّ الناس خيرٌ؟
قال: القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث)). ووقع في رواية الطبرانيّ، وسمويه ما
يُفسّر به هذا السؤال، وهو ما أخرجاه من طريق بلال بن سعد بن تميم، عن أبيه، قال:
قلت: يا رسول اللَّه، أيّ الناس خير؟، فقال: أنا وقرني))، فذكر مثله. وللطيالسيّ من
حديث عمر تَّه ، رفعه: ((خير أمتي القرن الذي أنا منهم، ثم الثاني، ثم الثالث)).
ووقع في حديث جعدة بن هُبيرة عند ابن أبي شيبة، والطبرانيّ إثبات القرن الرابع،
ولفظه: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الآخرون أردا)»،
ورجاله ثقات، إلا أن جعدة مختلف في صحبته. والله أعلم. انتهى (٢).
(ثُمَّ ذَكَرَ) بَرِ (قَوْمًا، يَخُونُونَ) قال في (الفتح)): كذا في جميع الروايات التي اتّصلت
لنا بالخاء المعجمة، والواو، مشتقّ من الخيانة، وزعم ابن حزم أنه وقع في نسخة
((يَخْرِبُون)) -بسكون المهملة، وكسر الراء، بعدها موحّدة- قال: فإن كان محفوظًا، فهو
من قولهم: حَرَبه يَحرِبه: إذا أخذ ماله، وتركه بلا شيءٍ، ورجلٌ محروبٌ: أي مسلوب
المال. انتهى.
(وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) بالبناء للمفعول: أي لا يثق الناس بهم، ولا يعتقدونهم أمناء بأن تكون
خيانتهم ظاهرةً، بحيث لا يَبقَى للناس اعتمادٌ عليهم، بخلاف من خان بحقير مرّة واحدة،
أو نحوها، فإنه يصدُق عليه أنه خان، ولكن لا يخرج به عن الأمانة على الإطلاق.
(١) ((المفهم)) ٥٠١/١-٥٠٣. ((كتاب الطهارة)).
(٢) ((فتح) ٣٥٣/٧.

١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
[تنبيه]: قال النوويّ: وقع في أكثر نسخ مسلم: ((ولا يُتَّمنون)) بتشديد المثنّاة، قال
غيره: هو نظير قوله: ((ثم يَتَّزِر)) موضع قوله: ((يأتزِر))، وادّعى أنه شاذ، ولكن قرأ ابن
مُحيصن: («فليؤدّ الذي اتّمِنَ أمانته))، ووجهه ابن مالك بأنه شُبّه بما فاؤه واو، أو تحتانيّةٌ،
قال: وهو مقصورٌ على السماع.
(وَيَشْهَدُونَ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) ببناء الأول للفاعل، والثاني للمفعول. قال في
((الفتح)): يحتمل أن يكون المراد التحمّل بدون التحميل، أو الأداء بدون طلب، والثاني
أقرب. ويعارضه ما رواه مسلم من حديث زيد بن خالد رتفيه، مرفوعًا: ((ألا أُخبركم
بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها)). واختَلَف العلماءُ في ترجيحهما،
فجنح ابن عبد البرّ إلى ترجيح حديث زيد بن خالد ◌َظله ؛ لكونه من رواية أهل
المدينة، فقدّمه على رواية أهل العراق، وبالغ، فزعم أن حديث عمران تز هذا لا
أصل له. وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران تَظثه لاتفاق صاحب الصحيح عليه،
وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد تَظّه . وذهب آخرون إلى الجمع بينهما،
فأجابوا بأجوبة:
[أحدها]: أن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لإنسان بحقّ، لا يَعلَم صاحبها،
فيأتي إليه، فيُخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها، ويَخلُف ورثةً، فيأتي الشاهد
إليهم، أو إلى من يتحدّث عنهم، فيُعلمهم بذلك. وهذا أحسن الأجوبة، وبهذا أجاب
يحيى بن سعيد، شيخ مالك، ومالكٌ، وغيرهما. [ثانيها]: أن المراد شهادة الْحِسْبَة،
وهي ما لا يتعلّق بحقوق الآدميين المختصّة بهم محضًا، ويدخل في الحِسْبة مما يتعلّق
بحقّ اللَّه، أو فيه شائبة منه، الْعَتَاق، والوقف، والوصيّة العامّة، والعدّة، والطلاق،
والحدود، ونحو ذلك. وحاصله أن المراد بحديث ابن مسعود رضيه الشهادة في حقوق
الآدميين، والمراد بحديث زيد بن خالد الشهادة في حقوق الله. [ثالثها]: أنه محمولٌ
على المبالغة في الإجابة إلى الأداء، فيكون لشدّة استعداده لها كالذي أدّاها قبل أن
يُسألها، كما يقال في وصف الجواد: إنه ليُعطي قبل الطلب، أي يُعطي سريعًا عقب
السؤال من غير توقّف.
وهذه الأجوبة مبنيّةٌ على أن الأصل في أداء الشهادة عند الحاكم أن لا يكون إلا بعد
الطلب من صاحب الحقّ، فيُخصّ ذمّ من يشهد قبل أن يُستشهد بمن ذُكر ممن يُخبر
بشهادة عنده لا يَعلم صاحبها بها، أو شهادة الحسبة.
وذهب بعضهم إلى جواز أداء الشهادة قبل السؤال على ظاهر عموم حديث زيد بن
خالد رَّ، وتأوّلوا حديث عمران تَّه بتأويلات:

١٣
٢٩- (الوفاءُ بِالنَّذْرِ) - حديث رقم ٣٨٣٦
[أحدها]: أنه محمولٌ على شهادة الزُّور، أي يؤدّون شهادةً لم يَسبق لهم تحمّلها.
وهذا حكاه الترمذيّ عن بعض أهل العلم.
[ثانيها]: المراد بها الشهادة في الحلف، يدلّ عليه قول إبراهيم النخعيّ في آخر
حديث ابن مسعود رَّه : ((كانوا يضربوننا على الشهادة))، أي قول الرجل أشهد بالله ما
كان إلا كذا على معنى الحلف، فكره ذلك، كما كُره الإكثار من الحلف، واليمين قد
تُسمّى شهادةً، كما قال الله تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الآية [النور: ٦]. وهذا جواب
الطحاويّ.
[ثالثها]: المراد بها الشهادة على المغيّب من أمر الناس، فيشهد على قوم أنهم في
النار، وعلى قوم أنهم في الجنّة بغير ذلك، كما صنع ذلك أهل الأهواء. حكاه
الخطّابیّ.
[رابعها]: المراد به من ينتصب شاهدًا، وليس من أهل الشهادة.
[خامسها]: المراد به التسارع إلى الشهادة، وصاحبها بها عالمٌ من قبل أن يسأله.
والله تعالى أعلم(١).
(وَيَنْذِرُونَ) بكسر الذّال، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، مبنيًّا للفاعل (وَلَا
يُوفُونَ) مضارع أوفى رباعيًّا، ويحتمل أن يكون من وفّى مضعّف العين، من التوفية،
وفي رواية البخاريّ: ((ولا يَفُون)) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من الوفاء ثلاثيًّا، قال ابن
الأثير: يقال: وفَى بالشيء، وأوفَى، ووَفَّى بمعنَى. انتهى.(٢). وقال الفيّوميّ: وفَيتُ
بالعهد، والوعد، أَفِي به وَفَاءٌ، والفاعل وَفِيٍّ، والجمعُ أوفياءُ، مثلُ صَديق وأصدقاء،
وأوفيتُ به إيفاءً، وقد جمعهما الشاعر، فقال [من البسيط]:
أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا
وقال أبو زيد: أوفَى نذْره: أحسن الإيفاء، فجعل الرباعيّ يتعدّى بنفسه. وقال
الفارابيّ أيضًا: أوفيته حقَّهُ، ووفّيته، إياه بالتثقيل، وأوفَى بما قال، ووفّى بمعنّى.
(٣)
انتھی
(وَيَظْهَرُ) بفتح أوله، وثاله، من باب فتح (فِيهِمُ السِّمَنُ) -بكسر السين المهملة،
وفتح الميم، آخره نون، وزان ◌ِنَبٍ- يقال: سَمِن يَسمَن، من باب تعِبَ، وفي لغة من
باب قَرُب: إذا كثُر لحمه وشحمه، فهو سَمِينٌ، وجمعه سِمان. أفاده في ((المصباح)).
(١) ((فتح)) ٥٨٨/٥-٥٨٩ .
(٢) ((النهاية)) ٢١١/٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٦٧.

١٤
==
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
والمعنى أنهم يُحبّون التوسّع في المآكل والمشارب، وهي أسباب السمن. قال ابن
التين: المراد ذمّ محبته، وتعاطيه، لا من تخلّق بذلك. وقيل: المراد يظهر فيهم كثرة
المال. وقيل: المراد أنهم يتسمّنون، أي يتكثّرون بما ليس فيهم، ويدّعون ما ليس لهم
من الشرف. ويحتمل أن يكون جميع ذلك مرادًا. وقد رواه الترمذيّ من طريق هلال بن
يساف، عن عمران بن حُصين تَها بلفظ: ((ثم يجيء قوم يتسمّنون، ويُحبّون السِّمَن))،
وهو ظاهر في تعاطي السِّمَن على حقيقته، فهو أولى ما حُمِل عليه خبر الباب، وإنما
كان مذمومًا؛ لأن السمين غالبًا بليد الفهم، ثقيلٌ عن العبادة، كما هو مشهور. قاله في
((الفتح))(١).
وفي حديث أبي هريرة رَّهِ عند مسلم: (( ثم يخلُفُ قومٌ يُحبّون السَّمَانةَ، يشهدون
قبل أن يُستشهدوا)). قال النوويّ: السمانة بفتح السين هي السِّمَن، قال جمهور العلماء
في معنى هذا الحديث: المراد بالسمن هنا كثرة اللحم، ومعناه أنه يكثُر ذلك فيهم،
وليس معناه أن يتمخّضوا سمانًا، قالوا: والمذموم منه من يستكسبه، وأما من هو فيه
خُلْقَة، فلا يدخل في هذا، والمتكسّب له هو المتوسّع في المأكول، والمشروب زائدًا
(٢)
على المعتاد. انتهى"
.
وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي عند الشيخين: ((ثم يجيء قوم، تسبق شهادة
أحدهم يمينه، ويمينه شهادته)). قال في ((الفتح)): أي في حالين، وليس المراد أن ذلك
يقع في حالة واحدة؛ لأنه دورٌ، كالذي يَحرص على ترويج شهادة، فيحلف على
صحّتها ليُقوّيها، فتارة يحلف قبل أن يشهد، وتارة يشهد قبل أن يحلف. ويحتمل أن
يقع ذلك في حالة واحدة، عند من يُجيز الحلف في الشهادة، فيريد أن يشهد،
ويحلف. وقال ابن الجوزيّ: المراد أنهم لا يتورّعون، ويَستهينون بأمر الشهادة
واليمين. وقال ابن بطّال: يُستدلّ به على أن الحلف في الشهادة يُبطلها، قال: وحكى
ابن شعبان في ((الزاهي)): من قال: أشهد بالله أن لفلان على فلان كذا، لم تقبل
شهادته؛ لأنه حلف، وليس بشهادة. قال ابن بطّال: والمعروف عن مالك خلافه.
(٣)
انتھی(٣).
(قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحِمَنِ) النسائيّ رحمه اللّه تعالى (هَذَا) الراوي عن زهدم بن مضرّب
(نَصْرُ ابْنُ عِمْرَانَ، أَبُو جْرَةَ) بالجيم، والراء. وإنما نصّ عليه لئلا يشتبه بأبي حمزة
(١) ((فتح)) ٥٨٩/٥ ((كتاب الشهادات)).
(٢) (شرح مسلم) ٣٠٣/١٦. ((كتاب فضائل الصحابة)).
(٣) (فتح)) ٥٩٠/٥. (كتاب الشهادات)).

١٥
٢٩- (الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ) - حديث رقم ٣٨٣٦
بالحاء المهملة، والزاي، وهم جماعة، فإن شعبة رحمه الله تعالى يروي عن سبعة كلهم
يكنى بأبي حمزة بالحاء، والزاي، إلا واحدًا، فإنه بالجيم، والراء، وهو الذي في هذا
السند، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في ((ألفية الحديث)):
عَبَّاسٍ بِزَاىٍ عِدَّةُ
وَعَنْ أَبِي حَمْزَةً يَرْوِي شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ
إِلَّا أَبَا جُمرَةَ فَهْوَ بِالرَّا وَهُوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُذْعَى نَصْرَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمران حُصين ◌َ﴾ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٨٣٦/٢٩ - وفي ((الكبرى)) ٤٧٥١/٦. وأخرجه (خ) في ((الشهادات))
٢٦٥١ و((المناقب)) ٣٦٥٠ و((الرقاق)) ٦٤٢٨ و((الأيمان والنذور)) ٦٦٩٥ (م) في ((فضائل
الصحابة)) ٢٥٣٥ (د) في ((السنّة)) ٤٦٥٧ (ت) في ((الفتن)) ٢٢٢١ و٢٢٢٢ (أحمد) في
((مسند البصريين) ١٩٣١٩ و١٩٣٣٤ و١٩٤٠٥ و١٩٤٥١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب الوفاء بالنذر. قال
النوويّ رحمه الله تعالی: فیه وجوب الوفاء بالنذر، وهو واجبٌ بلا خلاف، وإن كان
ابتداء النذر منهيًّا عنه، كما سبق في بابه. انتهى(١). (ومنها): بيان فضل الوفاء بالنذر،
حيث مُدِحَ به القرونُ المفضلة، وذُمَّ بتركه من بعدهم.
(ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ وَّ، فإن كلّ الأمور التي أخبر بها وقعت كما
أخبر.
(ومنها): استُدلّ به على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في
الفضل، وهذا محمولٌ على الغالب، والأكثريّة، فقد وُجد فيمن بعد الصحابة من
القرنين من وُجدت فيه الصفات المذمومة المذكورة، لكن بقّة، بخلاف من بعد القرون
الثلاثة، فإن ذلك كثُر فيهم، واشتهر. (ومنها): أن فيه بيان من تُردّ شهادتهم، وهم من
اتّصف بالصفات المذكورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله وَلاير: (ثم يفشو الكذب))، أي
يكثر. (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز المفاضلة بين الصحابة. قاله المازريّ.
(١) (شرح مسلم) ٣٠٥/١٦.

١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ،
(ومنها): أنه استدُلّ بقوله: ((يشهدون، ولا يُستشهدون)) على أن من سمع رجلًا يقول:
لفلان عندي كذا، فلا يسوغ له أن يشهد عليه بذلك، إلا أن استشهده، وهذا بخلاف من
رأی رجلا يقتل رجلًا، أو یغصبه ماله، فإنه يجوز له أن يشهد بذلك، وإن لم يستشهده
الجاني(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنیب)).
٣٠- (النَّذْرُ فِيمَا لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ
عز وجل)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر ترجمة المصنّف رحمه الله تعالى يدلّ على أنه
يرى أن النذر إنما يكون في الطاعة، وأما المباح، فلا ينعقد نذره، وقد تقدّم الخلاف
بين العلماء فيه، وأن الراجح عدم انعقاده، وحديث الباب دليل واضح في ذلك، ويدل
عليه أيضًا حديث ابن عباس رَؤثبتا، قال: بينا النبي وَّر، يخطب، إذا هو برجل قائم،
فسأل عنه؟ فقالوا، أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظلّ، ولا يتكلم،
ويصوم، فقال النبي ◌َّ: ((مُرْهُ، فليتكلم، وليستظلّ، وليقعد، ولْيُتِمّ صومه)).
فقد أمره ويلز بالطاعة، وهو إتمام صومه، وأسقط عنه المباح، وهو عدم الكلام،
والاستظلال، والقعود، فدل على أن النذر لا ينعقد في المباح، وأصرح منه ما أخرجه
أحمد في ((مسنده))، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللَّه وَلغيره، أدرك
رجلين، وهما مقترنان يمشيان إلى البيت، فقال رسول اللَّه وَله: ((ما بالُ القران))، قالا:
يا رسول الله، نذرنا أن نمشي إلى البيت، مقترنين، فقال رسول اللّه وَالر: ((ليس هذا
نذرا، فقطع قرانهما))، وفي رواية: ((إنما النذر ما ابتُغي به وجه الله عز وجل)).
وهذا، وإن كان في سنده ابن أبي الزناد، وهو متكلّم فيه، إلا أنه يشهد له حديث
الباب، وحديث ابن عبّاس تطلقبت المذكور.
وبهذا قال مالك، والشافعيّ رحمهما الله تعالى حيث قالا: لا ينعقد نذر المباح،
وهو الأصحّ؛ للأدلة المذكورة، وخالف في ذلك أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى،
(١) ((فتح)) ٥٨٩/٥.

١٧
٣٠- (النَّذْرُ فِيمَا لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللهِ عز وجل) - حديث رقم ٣٨٣٨
فقال: من نذر مباحًا، يتخيّر بين فعله، فيبرّ بذلك، وإن شاء تركه، وعليه كفّارة يمين،
وقد بيّن ذلك ابن قدامة في ((المغني))، فراجعه(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٣٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، قَالَ:
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الْأَخْوَلُ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ وَه بِرَجُلٍ،
يَقُودُ رَجُلًا فِي قَرَنٍ، فَتَنَاوَلَهُ النَِّيُّ ◌َِّ، فَقَطَعَهُ، قَالُ: إِنْهُ نَذْرٌ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، دون قوله: ((إنه
نذرً))، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في ((كتاب الحجّ)) - ٢٩٢/١٣٥ - ((الكلام في الطواف)»،
وسبق شرحه هناك مستوفّى، وكذا بيان مسائله، ولله الحمد.
ودلالته على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالی واضحة، حیث یدلّ أن من نذر ما
ليس طاعة لا ينعقد نذره، ولا يلزمه الوفاء به.
و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و((سليمان الأحول)): هو ابن طرخان التيميّ،
أبو المعتمر البصريّ الثقة العابد.
وقوله: في ((قرن)) بفتحتين: هو الحبل الذي يُشدّ به. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٣٨- (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِ سُلَيْمَانُ الْأَخْوَلُ، أَنَّ طَاؤُسًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ مَرَّ بِرَجَّلِ، وَهُوَ
يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، يَقُودُهُ إِنْسَانْ بِخِزَامَةٍ فِي أَتْفِهِ، فَقَطَّعَهُ التَِّيُّ ◌َّهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ
پیدِهِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ، أنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِّ مَرَّ
بِهِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَإِنْسَانٌ قَدْ رَبَطَ يَدَهُ بِإِنْسَانٍ آخَرَ بِسَيْرٍ، أَوْ خَيْطٍ، أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ
ذَلِكَ، فَقَطَّعَهُ النَّبِيُّ وَهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((قُدْهُ بِيَدِكَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((يوسف بن سعيد)): هو الْمِصّيصيّ الثقة الحافظ [١١]
١٩٨/١٣١ من أفراد المصنّف. و((حجّاج)): هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ الحافظ.
وقوله: ((بخِزامة)) بكسر الخاء المعجمة، بعدها زائيّ مخفّفّة: هو حَلْقةٌ من شعر، أو
وَبَر، تُجعل في الحاجز الذي بين منخري البعير، يشدّ فيها الزمام؛ ليسهل انقياده، إذا
کان صعبًا .
وقوله: ((قال ابن جُريج)) هو موصول بالسند السابق، وإنما أتى به بيانًا إلى الاختلاف
(١) (المغني)) ٦٢٦/١٣-٦٢٨.

== ١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
الواقع في ألفاظ المتن.
وقوله: ((بسَير)) بسين مهملة، مفتوحة، وياء تحتيّة ساكنة: هو ما يُقدّ من الجلد.
والحديث أخرجه البخاريّ، كما سبق في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)).
٣١- (النَّذْرُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا أنه إن نذر بشيء
لا يملكه، لا يلزمه الوفاء به، كما هو نصّ حديثي الباب، لكن هل تلزمه الكفّارة، أم لا؟
فيه خلاف، فقال الجمهور: لا، وقال أحمد، والثوريّ، وإسحاق، وبعض طائفة: نعم،
وسيأتي تحقيق القول في ذلك، في باب ((كفّارة النذر))، إن شاء اللّه تعالى.
٣٨٣٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، قَالَ: ((لَا نَذْرَ فِي
مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه،
((محمد بن منصور)) الْخُزاعيّ الْجَوّاز المكيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((أيوب)): هو ابن أبي تميمة كيسان السختيانيّ.
و ((أبو قلابة)): هو عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَزْميّ البصريّ. و((عمه)): هو أبو الْمُهلَّب
الْجَزْميّ البصريّ، اسمه عمرو، أو عبد الرحمن، أو ابن عمرو، وقيل: النضر. وقيل:
مُعاوية، ثقة [٢] ١٢٣٦/٢١.
وشرح الحديث تقدّم في -٣٨١٩/١٧ - ((اليمين فيما لا يملك)»، فراجعه تستفد،
وبالله تعالى التوفيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمران بن حُصين تي هذا أخرجه مسلم.

١٩
٣٢- (مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيّ إِلَى بَيْتِ الله تعالی) - حديث رقم ٣٨٤١
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٨٣٩/٣١ و٣٨٦٧/٤١ و٣٨٦٨ و٣٨٦٩ و٣٨٧٠ و٣٨٧١ و٣٨٧٢
و٣٨٧٣ و٣٨٧٤ و٣٨٧٥ و٣٨٧٦ و٣٨٧٨- وفي ((الكبرى)) ٤٧٥٤/٨. وأخرجه (م)
في ((النذور والأيمان)) ١٦٤١ (د) في ((الأيمان والنذور)) ٣٢٩٢ و٣٣١٦ (ق) في
((الكفّارات)) ٢١٢٤ (أحمد) في ((مسند البصريين)) ١٩٣٥٥ و١٩٣٦٢ و١٩٣٨٢
و١٩٣٨٧ و١٩٤٨٣ (الدارمي) في ((النذور والأيمان)) ٢٣٣٧ و((السير)) ٢٥٠٥. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٤٠- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْتَى، عَنْ أَبِي قِلَّابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ، سِوَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَّا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ
فِي الدُّنْيًّا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلِ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في -٣٧٩٧/٧
و٣٧٩٨- ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد.
ورجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((إسحاق بن منصور)): هو الكوسج
المروزيّ الحافظ. و((أبو المغيرة)): هو عبد القدّوس بن الحجّاج الخولانيّ الحمصيّ.
و((يحيى)): هو ابن أبي كثير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب)).
٣٢- (مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ
اللَّهِ تَعَالَى)
٣٨٤١- (أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَخْبِرَهُ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ، حَدَّثَةٌ عَنْ عُقْبَةً
ابْنِ عَامِرٍ، قَالَ: نَذَّرَتْ أُخْتِي، أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ
وَّهِ، فَاسْتَفْتَيْتُ لَهَا النَِّيَّ ◌َِّ، فَقَالَ: ((لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (يوسف بن سعيد) بن مسلم الْمِصْيصِيُّ، ثقة حافظ [١١] ١٩٨/١٣١.

٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
٢- (حجاج) بن محمد الأعور، أبو محمد المصيصيّ، ترمذي الأصل، نزل بغداد،
ثم المصّيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته [٩] ٢٨/
٣٢ .
٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة
فقيه فاضل، يدلس، ويرسل [٦] ٣٢/٢٨.
٤- (سعيد بن أبي أيوب) مِقلاص الخزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقة ثبت
[٧] ١٨٨/٢٧ .
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ: ((سعيد بن أيوب))، وهو غلط، والصواب: ((سعيد
ابن أبي أيوب)). فتنبه. والله تعالى أعلم.
٥- (يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقة فقيه، يرسل [٥] ٢٠٧/١٣٤.
٦- (أبو الخير) مرثد بن عبد الله اليزنيّ المصريّ، ثقة فقيه [٣] ٥٨٢/٣٨.
٧- (عقبة بن عامر) الجهنيّ الصحابيّ المشهور، ولي إمرة مصر لمعاوية رضي الله
تعالى عنهما، وكان فقيهًا فاضلًا، مات في قرب الستين، وتقدم في ١٤٤/١٠٨.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من سعيد، وابن
جريج مكيّ، والباقيان مصّيصيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الْجُهَنيّ رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي) قال
الحافظ: قال المنذريّ، وابن القسطلّانيّ، والقطب الحلبيّ، ومن تبعهم: هي أمّ حِبّان
بنت عامر، وهي -بكسر المهملة، وتشديد الموحّدة- ونسبوا ذلك لابن ماكولا،
فوهموا، فإن ابن ماكولا إنما نقله عن ابن سعد، وابن سعد إنما ذكر في طبقات النساء أمّ
حبّان بنت عامر بن نابي -بنون، وموحّدة- ابن زيد بن حَرَام - بمهلتين- الأنصارية،
قال: وهي أخت عقبة بن عامر بن نابي، شهد بدرًا، وهي زوج حرام بن محيّصة، وكان
ذكر قبلُ عقبةَ بنَ عامر بن نابي الأنصاريّ، وأنه شهد بدرًا، ولا رواية له، وهذا كلّه
مغايرٌ للجُهَنيّ، فإن له روايةً كثيرة، ولم يشهد بدرًا، وليس أنصاريًّا، فعلى هذا لم
يُعرَف اسم أخت عقبة بن عامر الجهنيّ، وقد كنتُ تبعتُ في ((المقدّمة)) من ذَكّرتُ، ثم