النص المفهرس
صفحات 361-380
٢٠ - (تَحْرِيمُ مَا أَخَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلٍ) - حديث رقم ٣٨٢٢
٣٦١ ==
لكن في رواية هشام بن يوسف، عن ابن جريج عند البخاريّ في ((التفسير» زيادة:
((وقد حلفت، لا تُخبري بذلك أحدًا»، فهذه الزيادة - كما قال القرطبيّ- تبيّن على أن
الكفّارة التي أُشير إليها في قول تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾ هي اليمين التي
أشار إليها بقوله: ((حلفت))، فتكون الكفّارة لأجل اليمين، لا لمجرّد التحريم، قال
الحافظ: وهو استدلالٌ قويّ، فعلى هذا فلا يتمّ الاستدلال للمصنف، ولا لمن ذهب
هذا المذهب. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٢٢- (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج،
قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَّيْرٍ (١)، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَزْعُمُ أَنَّ النِّيَّ
﴿ ﴿ِ، كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْتَبَ بِنْتِ جَخْشٍ، فَيُشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةٌ،
أَنَّ أَيْتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَِّيُّ ◌َ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، فَدَخَلَ
عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ: ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا، عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَخْشٍ،
وَلَنْ أَعُودَ لَهُ)، فَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِمُ مَا أَعَلَّ اللّهُ لَكِّ﴾ إِلَى ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾:
عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، ﴿وَإِذْ أَسَرِّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِهِ، حَدِيثًا﴾ [التحريم: ١-٣] لِقَوْلِهِ: (بَلْ
شَرِبْتُ عَسَلًا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم سندًا ومتنا في
((كتاب عشرة النساء)) - ٣٤٠٩/٤ - ((باب الغيرة))، وتقدّم شرحه مستوفّى هناك، وكذا
بيان المسائل المتعلّقة به، فراجعه تستفد.
و((الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّغْفَرَانِيُّ)»: هو أبو علي البغدادي، صاحب الشافعي الثقة
[١٠]. و((حجاج)): هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ الثقة الثبت [٩]. و((ابن جريج)):
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي الثقة الفاضل، لكنه يدلس [٦] .
و((عطاء)): هو ابن رباح المكي الإمام الحجة المشهور [٣]. و((عبيد بن عمير)): هو
الليثي، أبو عاصم المكي المجمع على توثيقه [٢].
وقولها: ((فتواصيتُ) أي توافقتُ. وقولها: ((مغافير)) هو شيء كريه الرائحة، وكان
من عادة النبيّ وَلتر الاحتراز عما له رائحة كريهة.
ودلالة الحديث على ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى قد تقدّم بيانه في الكلام على
الترجمة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلَّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) وقع في بعض النسخ: ((عبيد الله بن عمير))، وهو غلط فاحش، فتنبه.
٣٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
٢١- (إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ، فَأَكَلَ
خُبْزًا بِخَلِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((أن لا يأتدم)) أي أن لا يأكل الخبز بإدام،
وترك جوابه لفهمه من الحديث، أي فإنه يحنث بذلك.
والائتدام: افتعال من أَدَمَ، يقال: أَدَمتُ الخبزَ، من باب ضرَبَ، وآدمته بالمدّ لغة
فيه: إذا أصلحت إساغته بالإدام، و((الإدام)) بكسر الهمزة: ما يُؤتدم به، مائعًا كان، أو
جامدًا، وجمعه أُدُمٌّ بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُبٍ، ويُسكّن للتخفيف، فيُعامل معاملة
المفرد، ويُجمع على آدام، مثلُ قُفْلٍ وأقفال. أفاده الفيّوميّ.
والْخَلُّ: معروفٌ، والجمع خُلُولٌ، مثل فَلْس وفُلُوس، سُمّي بذلك؛ لأنه اختَّلَّ منه
طَعْمُ الْحَلاوة، يقال: اختلّ الشيءُ: إذا تغيّر، واضطرب. قال: وخَلَّلتُ النبيدَ تخليلًا:
جعلته خلّا، وقد يُستعمل لازمًا أيضًا، فيقال: خَلَّلَ النبيذُ: إذا صار بنفسه خلّا: أفاده
الفيّوميّ أيضًا (١).
وقال ابن منظور: قال ابن سِيدَه: الخلّ: ما حَمُضَ من عصير العنب وغيره. قال ابن
دُريد: هو عربيّ صحيح. قال: وخَلَّلَتِ الخمرُ وغيرها من الأشربة: فسدت،
وحَمُضَت. وخلَّلَ الخمرَ: جعلها خلّا: انتهى باختصار(٢).
وقال المجد في ((القاموس)): الخلّ: ما حَمُضَ من عَصِير العنب وغيره، عربيّ
صحيح، والطائفة منه خَلَّةٌ، وأجوده خلّ الخمرِ، مركّبٌ من جوهرين: حارِّ وباردٍ، نافعٌ
للمعدة، واللّئَةِ، والقُرُح الخبيثة، والْحِكَّةِ، وتُهْشِ الْهَوامٌ، وأكل الأَفْيُون، وحرقٍ النار،
وأوجاع الأسنان، وبُخَارُ حَارِّهِ للاستسقاء، وعُسْرِ السمع، والدَّوِيِّ، والطَّنِين.
انتهى(٣). والله تعالى أعلم.
٣٨٢٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ،
قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ بَيْتَهُ، فَإِذَا فِلَقْ وَخَلٍّ،
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ: ((كٌلْ، فَنِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ»).
(١) ((المصباح المنير)) ١٨٠/١-١٨١.
(٢) ((لسان العرب)) ج٢١١/١١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٨٩٤. مادة خلل.
٢١- (إِذاَ حَلَفََ أَنْ لاَ يَأْتَدِمَ، فَأَكَلَ ...- حديث رقم ٣٨٢٣
٣٦٣ =
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفي البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤.
٢- (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/٤.
٣- (المثنى بن سعيد) الضُّبَعيّ، أبو سعيد البصريّ القسّام القصير، ثقة [٦]١٨٢٨/٥.
٤- (طلحة بن نافع) أبو سفيان الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكّة، صدوق [٤] ٢١/
٣٨٢٣ .
٥- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله تعالى عنهما٣٥/٣١. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ
الأئمة الستة أصحاب الأصول الذين اتّفقوا على الرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا
غير مرّة. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى
(١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ بَيْتَهُ)
وفي الحديث قصّة، ساقها مسلم في ((صحيحه)) - ٢٠٥٢ - من طريق حجاج بن أبي
زينب، حدثني أبو سفيان، طلحة بن نافع، قال: سمعت جابر بن عبد الله، قال: كنت
جالسا في داري، فَمَرَّ بي رسول اللَّه ◌َارِ، فأشار إلي، فقمت إليه، فأخذ بيدي، فانطلقنا
حتى أتى بعض حُجَر نسائه، فدخلٍ، ثم أذن لي، فدخلت الحجاب عليها (١)، فقال:
(هل من غداء؟))، فقالوا: نعم، فأَتي بثلاثة أقرصة، فوُضِعْنَ على نَبِيِّ(٢) فَأَخَذ رسول
(١) أي إلى الموضع الذي فيه المرأة، وليس فيه أنه رأى بشرتها، كما قاله النوويّ ج٢٣٧/١٣ أو
يُحمل على أنه قبل نزول الحجاب، كما زاده القرطبيّ، احتمالًا («المفهم)) ٣٢٦/٥-٣٢٧.
(٢) بنون مفتوحة، ثم باء موحدة مكسورة، ثم ياء مثناة تحتانيّة مشدّدة: مائدة مصنوعة من خُوص، قال
النوويّ: هكذا في كثير من الأصول، ونقل القاضي عياض عن كثير من الرواة، أو الأكثرين أنه
بَتّيّ -بباء موحّدة، ثم مثناة فوقية، مكسورة، ثم ياء مثناة من تحت مشدّدة- والبَتْ: كساء من
وبر، أو صوف، فلعله منديل وُضع عليه هذا الطعام. قال: ورواه بعضهم بضم الباء، وبعده نون
مكسورةٌ مشدّدة، قال القاضي الكنانيّ: هو الصواب، وهو طبقٌ من خوص. انتهى ((شرح النوويّ
على صحيح مسلم، ١٣/ ٢٣٧.
٣٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
اللَّه ◌َّ قُرصًا، فوضعه بين يديه، وأخذ قرصا آخر فوضعه بين يديّ، ثم أخذ الثالث،
فكسره باثنين، فجعل نصفه بين يديه، ونصفه بين يديّ، ثم قال: «هل من أُدُم؟»،
قالوا: لا، إلا شيء من خَلِّ، قال: ((هاتوه، فنعم الأُدُمُ هو)).
(فَإِذَا فِلَقْ) ولفظ مسلم: ((فأخرج إليه فِلَقَا من خبز))، ((الفِلَق)) -بكسر الفاء، وفتح
اللام -: جمع فِلْقَة -بكسر، فسكون -: بمعنى الْكِسْرة من الخبز، أي أخرج إليه الخادم
ونحوه كِسَرًا من خبز (وَخَلِّ) تقدّم معناه أول الباب (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كُلْ، فَتِعْمَ
الْإِذَامُ الْخَلُّ) زاد في رواية مسلم من طريق ابن عليّة، عن المثنى بن سعيد: ((قال جابر:
فما زلت أُحبّ الخلّ منذ سمعتها من رسول اللَّه وَله، وقال طلحة: ما زلت أُحبّ الخلّ
منذ سمعتها من جابر)".
قال النوويّ: وأما معنى الحديث: فقال الخطّابيّ، والقاضي عياض: معناه مدح
الاقتصار في المأكل، ومنع النفس عن ملاذً الأطعمة: تقديره: انتدموا بالخلّ، وما في
معناه، مما تَخِفّ مؤنته، ولا يَعِزْ وجوده، ولا تتأنّقوا في الشهوات، فإنها مَفسَدةٌ للدين،
مَسْقَمَةٌ للبدن. هذا كلام الخطّابيّ، ومن تابعه.
والصواب الذي ينبغي أن يُجزم به أنه مدحْ للخلّ نفسه، وأما الاقتصار في المطعم،
وترك الشهوات، فمعلومٌ من قواعد أُخر. والله أعلم.
وأما قول جابر رَبّ: فما زلت أُحبّ الخلّ منذ سمعتها من النبيّ وَّه فهو كقول
أنس رَبّ : ما زلت أَحبّ الدبّاء، وهذا مما يؤيّد ما قلناه في معنى الحديث أنه مدح
للخلّ نفسه، وقد ذكرنا مرات أن تأويل الراوي إذا لم يُخالف الظاهر يتعيّن المصير إليه،
والعمل به عند جماهير العلماء من الفقهاء، والأصولیین، وهذا كذلك، بل تأويل الراوي
هنا هو ظاهر اللفظ، فيتعيّن اعتماده. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى،
وهو تحقيق حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٨٢٣/٢١ - وفي ((الكبرى)) ٤٧٣٨/٢١. وأخرجه (م) في ((الأشربة))
١٠٥٢ (د) في ((الأطعمة)) ٣٨٢٠ و٣٨٢١ (ت) في ((الأطعمة)) ١٨٣٩ و١٨٤٢ (أحمد)
في «باقي مسند المکثرین)» ١٣٨١٣ و١٣٨٤٩ و ١٤٥٠٨ و ١٤٥٦٧ و١٤٦٤٠ و١٤٧٦٤
٢١- (إِذاً حَلَفَ أَنْ لاَ يَأْتَدِمَ، فَأَكَلَ ...- حديث رقم ٣٨٢٣
٣٦٥ =
و١٤٧٦٩ و١٤٨٦٩ (الدارمي) في ((الأطعمة)) ٢٠٤٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان حكم من حلف أن لا
يأتدم، فأكل خبزًا بخلّ، فإنه يحنث؛ لأنه ربَّ سمّاه ((إدامًا)) ومدحه. (ومنها):
استحباب الحديث على الأكل، تأنيسًا للآكلين. (ومنها): استحباب مدح الشخص
طعامه أمام الآكلين حتى ينبسطوا لأكله، ويقضوا حاجاتهم منه. (ومنها): جواز أخذ
الإنسان بيد صاحبه في تماشيهما؛ لأخذه وَّ بيد جابر رَزيه. (ومنها): استحباب
مواساة الحاضرين على الطعام. (ومنها): أنه يستحبّ جعل الخبز ونحوه بين أيدي
الآكلين بالسويّة. (ومنها): أنه لا بأس بوضع الأرغفة، والأقراص صحاحًا، غير
مكسورة، ومكسّرةً. (ومنها): ما قاله القرطبيّ: وقسمة النبيّ وَلّ الأقرصة نصفين يدلّ
على جواز فعل مثل ذلك مع الضيف، بل يدلّ على كرم أخلاق فاعله، وإيثاره الضيف
عند قلّة الطعام، كما فعل النبيّ بََّ، فإن الذي قُدّم إليه كان غداءه، فإن أقرصتهم
صغار، لا سيّما في مثل ذلك الوقت، ومع ذلك، فشرّك فيه غيره، وفاءً بقوله وَلّه :
((طعام الواحد كافي الاثنين، وطعام الاثنين كافي الثلاثة)). رواه مسلم. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الإدام: كلّ ما يُؤتدم
به، أي يُؤكل به الخبز مما يُطيّبه، سواء كان مما يُصطبغ به، كالأَمْراق، والمائعات، أو
مما لا يُصطبغ به، كالجامدات، كاللحم، والبيض، والجبن، والزيتون، وغير ذلك،
هذا معنى الإدام عند الجمهور، من الفقهاء، والعلماء، سلفًا، وخلفًا. وشذّ أبو حنيفة،
وصاحبه أبو يوسف، فقالا في البيض، واللحم المشويّ، وشبه ذلك، مما لا يُصطبغ به
ليس شيء من ذلك بإدام.
وينبني على هذا الخلاف الخلافُ فيمن حلف ألا يأكل إدامًا، فأكل شيئًا من هذه
الجامدات، فحتّثه الجمهور، ولم يحتثه أبو حنيفة، ولا صاحبه، والصحيح ما صار إليه
الجمهور بدليل قوله وَل﴾ وقد وضع تمرةً على كسرة، وقال: ((هذه إدام هذه)). رواه
أبو داود. وبدليل قوله وَّر أيضًا، وقد سئل عن إدام أهل الجنّةِ الجنّةَ أوّل ما يدخلونها،
فقال: ((زيادة كبد الحوت)). رواه البخاريّ. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى(٢)،
(١) ليس المراد فوائد سياق المصنف فقط، بل روايات حديث جابر تنهي التي ذكرناها في الشرح،
فتنبه .
(٢) ((المفهم)) ٣٢٦/٥.
٣٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب)).
٢٢- (فِي الْحَلِفِ، وَالْكَذِبٍ لِمَنْ
لَمْ يَعْتَقِدِ الْيَمِينِ بِقَلْبِهِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا بيان أن الأيمان
التي تجري على الألسنة من غير قصد، ليس فيها كفّارة يمين؛ لأنها من لغو اليمين، التي
قال الله تعالى فيها: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّلَغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، وإنما
يتصدّق عنها بشيء، كما أمر النبيّ وَّر في حديث الباب. وقد اختلف العلماء في لغو
اليمين، وسنتكلّم على ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللّه تعالى.
٣٨٢٤- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ
الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنٍ أَبِ غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ، فَأَتَانَا رَسُولُ
اللَّهِ وَّهِ وَنَحْنُ نَبِيعٌ، فَسَمَّانَا بِاسْمٌ، هُوَ خَيْرٌ مِنِ اسْمِنَا، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الثُّجَّارِ، إِنَّ
هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الْحَلِفُ، وَالْكَّذِبُ، فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ،
صدوق، من صغار [١٠] ٤٨/٤٢.
٢- (سفيان) بن عيينة المكيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ١/١.
٣- (عبد الملك) بن أعين الكوفيّ، مولى بني شيبة، صدوقٌ شيعيّ [٦].
قال محمد بن المثنّى: ما سمعت ابن مهديّ يُحدّث عن سفيان، عن عبد الملك بن
أعین، وکان يُحدّث عنه فيما أخبرتُ، ثم أمسك. وقال الحميديّ، عن سفيان: حدّثنا
عبد الملك بن أعين شيعيّ، وكان عندنا رافضيًّا، صاحب رأي. وقال الدُّوريّ، عن ابن
معين: ليس بشيء. وقال أبو حامد، عن سفيان: هم ثلاث إخوة: عبد الملك،
وزُرارة، وحُمرانُ، روافض كلّهم، أخبثهم قولًا عبد الملك. وقال أبو حاتم: هو من
عتق الشيعة، محلّه الصدق، صالح الحديث، يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في
٢٢- (فِي الْحَلِفِ، وَالْكَذِب لِمَنْ ... - حديث رقم ٣٨٢٤
=
٣٦٧
((الثقات))، وقال: كان يتشيّع. وقال الساجيّ: كان يتشيّع، ويُحتَمل في الحديث. وقال
العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة. له عند الشيخين حديث واحد قُرن فيه بجامع بن أبي
راشد. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث، فقط.
٤- (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ المخضرم الثقة [٢] ٢/٢.
٥- (قيس بن أبي غَرَزَة) - بمعجمة، وراء، وزاي مفتوحات- ابن عُمير بن وهب بن
حراق ابن حارثة (١) بن غِفَار الْغِفَاريّ، ويقال: الْجُهَنيّ، ويقال: البجليّ، صحابيّ نزل
الكوفة. روى عن النبيّ وَّ هذا الحديث فقط. وروى عنه أبو وائل شقيق بن سَلَمة،
وذكر مسلم، والأزدني أنه تفرّد بالرواية عنه. وقال ابن عبد البرّ: روى عنه الحَكّم، ولا
أدري سمع منه، أم لا؟ انتهى. قال الحافظ: روايته عنه مرسلةٌ بلا شكّ. روى له
الأربعة هذا الحديث فقط(٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير الصحابي، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أن صحابيه من
المقلين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند أصحاب السنن. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ) بفتحات، أنه (قَالَ: كُنَّا نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ) وفي الرواية
الآتية ٣٨٢٧/٢٣- من طريق منصور، عن أبي وائل: ((قال: كنّا بالمدينة نبيع الأوساق،
ونبتاعها، وكنّا نُسمّي أنفسنا السماسرة، ويسمّينا الناس)).
و((السماسرة)) -بفتح المهملة الأولى، وكسر الثانية: جمع سِمْسَار -بكسر المهملة
الأولى -: وهو القيّم بالأمر الحافظ له، قال الأعشى [من المتقارب]:
فَأَصْبَحْتُ لَا أَسْتَطِيعُ الْكَلَامَ سِوَى أَنْ أَرَاجِعَ سِمْسَارَهَا
وهو في البيع: اسمٌ للذي يدخل بين البائع والمشتري، متوسّطًا لإمضاء البيع.
والسَّمْسَرَة: البيع والشراء. وقال الليث: السمسار فارسيّةٌ معرّبة. أفاده في ((اللسان))(٣).
وقال الخطّابيّ: السمسار: أعجميّ، وكان كثير ممن يُعالج البيع والشراء فيهم
(١) وفي ((تهذيب الكمال)) ((ابن جارية)) بالجيم، والياء بعد الراء.
(٢) راجع ((الإصابة)) ٢٠٥/٨-٢٠٦. و(تهذيب الكمال)) ٧٥/٢٤. و((تهذيب التهذيب)) ٤٥١/٣-
٤٥٢ .
(٣) ((لسان العرب)) ٤/ ٣٨٠-٣٨١.
٣٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
عجمًا، فتلقّنوا هذا الاسم عنهم، فغيّره النبيّ وَّه إلى التجارة التي هي من الأسماء
العربيّة، وذلك معنى قوله: ((فسمّانا باسم هو أحسن منه. وقد تدعو العرب التاجر
أيضًا: (الرّقاحي))، والترقيح في كلامهم: إصلاح المعيشة (١). انتهى كلام الخطابيّ(٢).
(فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ، وَنَحْنُ نَبِيعُ) جملة حاليةٌ، أي حال كوننا بائعين (فَسَمَّانَا بِاسْم،
هُوَ خَيْرٌ) وفي نسخة: ((أحسن)) (مِنِ اسْمِنَا) أي لكونه من الأسماء العربيّة، كما تقدّم فّي
كلام الخطّابِيّ (فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الثُّجَّارِ) -بضمّ، فتشديد، أو كسر، وتخفيف (إِنَّ هَذَا
الْبَيْعَ يَخْضُرُهُ الْحَلِفُ) -بفتح، فكسر، أو بفتح، فسكون- أي إكثار الحلف، أو الكاذب
منه (وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوا) بضمّ الشين، أمر من الشوب، بمعنى الخلط.
وإنما أمرهم بذلك ليكون كفّارةً لما يجري بينهم من الكذب وغيره، والمراد بها
صدقة، غير معيّنة، حسب تضاعيف الآثام.
واستدلّ به المصنف رحمه الله تعالى على أن الحلف الكاذب بلا قصد لا كفّارة فیه،
إذ لم يأمرهم النبيّ وَلَّ بالكفّارة المعلومة في الحلف بعينها، ويؤيّد ذلك ما يُفهم من
الرواية الآتية بلفظ: ((يخالطها اللغو والكذب))، حيث جاء اللغو فيها موضع الحلف.
أفاده السنديّ (بَيْعَكُمْ) بالنصب عليالمفعوليّة (بِالصَّدَقَةِ) فإنها تُطفىء غضب الربّ.
قال الخطّابيّ: وقد احتجّ بهذا الحديث بعض أهل الظاهر ممن لا يرى الزكاة في
أموال التجارة، وزعم أنه لو كان تجب فيها صدقة كما يجب في سائر الأموال الظاهرة
لأمرهم النبيّ وَلّه بها، ولم يقتصر على قوله: ((فشوبوه بالصدقة، أو بشيء من الصدقة)).
قال: وليس فيما ذكروه دليل على ما ادعوه؛ لأنه إنما أمرهم في هذا الحديث بشيء من
الصدقة، غير معلومة المقدار في تضاعيف الأيام، ومرّ الأوقات؛ ليكون كفّارة عن اللغو
والحلف، فأما الصدقة المقدّرة التي هي ربع العشر الواجبة عند تمام الحول، فقد وقع
البيان فيها من غير هذه الجهة. وقد روى سمرة بن جندب ◌ٍَّ أن رسول اللّه پز كان
يأمرهم أن يخرجوا الصدقة عن الأموال التي يعدّونها للبيع، وقد ذكره أبو داود في
((كتاب الزكاة))، ثم هو عمل الأمة، وإجماع أهل العلم، فلا يُعدّ قول هؤلاء معهم خلافًا .
(٣)
انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث سمرة تتميّ المذكور ضعيف؛ لأن في سنده
(١) قال في ((اللسان)): وترقّح لعياله: كسَبَ، وطلب، واحتال، والرَّقَاحي: التاجر القائم على ماله
المصلح له، والرّقَاحة: الكسب، والتجارة. انتهى.
(٢) ((معالم السنن)) ٣/٥.
(٣) (معالم السنن)) ٣/٥-٤.
٢٢ - (فِي الْحَلِفِ، وَالْكَذِب لِمَنْ ... - حديث رقم ٣٨٢٤
٣٦٩ =
جعفر بن سعد ضعيف، وخبيب بن سليمان مجهول، وسليمان بن سمرة، قال ابن
القطّان الفاسيّ: مجهول الحال، فلا يصلح للاحتجاج به، فتنبه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث قيس بن أبي غَرَزَة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٨٢٤/٢٢ و٣٨٢٥ و٣٨٢٦ و٣٨٢٧ و((البيوع)) ٤٤٦٣/٧- وفي
(«الكبرى» ٤٧٣٩/٢٢ و٤٧٤٠ و٤٧٤١/٢٣ و٤٧٤٢ و ((البيوع)) ٧/ ٦٠٥٥. وأخرجه
(د) في ((البيوع)» ٣٣٢٦ (ت) في ((البيوع)) ١٢٠٨ (ق) في ((التجارات)) ٢١٤٥ (أحمد)
في (مسند المدنيين)) ١٥٧٠١ والمكيين ١٧٩٩٩ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الحلف لمن لم يعتقد
اليمين بقلبه، وهو أنه ليس عليه كفّارة اليمين المنصوصة في كتاب الله تعالى، وإنما
عليه مطلق الصدقة. (ومنها): أن الصدقة تكفّر الخطايا. (ومنها): أنه ينبغي للتّجار أن
يلازموا الصدقة في كثير من أوقاتهم؛ لما لا يخلو من الأيمان، والمواعيد الكاذبة،
فيكفّرونها بها. (ومنها): أنه لا ينبغي للمسلم أن يكثر الحلف، ولو دون قصد، أو
يكذب في بيعه وشرائه، فإنه بذلك يُعدّ متساهلا في دينه، ويجانبه الورع في معاملته.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في لغو اليمين:
قال العلامة ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: اليمين التي تمرّ على لسانه في عُرْض
حديثه، من غير قصد إليها، لا كفّارة فيها في قول أكثر أهل العلم؛ لأنها من لغو اليمين.
نَقَل عبد الله، عن أبيه أنه قال: اللغو عندي أن يحلف على اليمين، يرى أنها كذلك،
والرجل يحلف، فلا يَعقِد قلبه على شيء. وممن قال: إن اللغو اليمين التي لا يَعقِد
عليها قلبه: عمر، وعائشة رَّت، وبه قال عطاء، والقاسم، وعكرمة، والشعبيّ،
والشافعيّ؛ لما روي عن عطاء، قال: قالت عائشة تَّها: إن رسول اللّه وَّه قال -
يعني اللغو في اليمين -: ((هو كلام الرجل في بيته، لا والله، وبلى والله)). أخرجه
أبو داود. قال: ورواه الزهريّ، وعبد الملك بن أبي سليمان، ومالك بن مِغْوَل، عن
عطاء، عن عائشة تَثًا موقوفًا. وروى الزهريّ، أن عروة حدّثه، عن عائشة، قالت:
٣٧٠ :
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
أيمان اللغو ما كان في المراء، والهزل، والمزاحة، والحديثِ الذي لا يُعقّد عليه
القلبُ، وأيمان الكفّارة كلّ يمين حلف عليها على وجه من الأمر في غضب، أو غيره،
لَيَفْعَلَنَّ، أو لَيَترُكنَ، فذلك عَقدُ الأيمان التي فرضَ الله تعالى فيها الكفّارة. ولأن اللغو
في كلام العرب غير المعقود عليه، وهذا كذلك.
وممن قال: لا كفّارة في هذا: ابنُ عبّاس، وأبو هريرة، وأبو مالك، وزُرارة بن
أوفَى، والحسن، والنخعيّ، ومالكٌ، وهو قول من قال: إنه من لغو اليمين، ولا نعلم
في هذا خلافًا .
وجه ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلََّغْوِ فِيَ أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ
الْأَيْمَنِّ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، فجعل الكفّارة لليمين التي
يُؤاخذ بها، ونفَى المؤاخذة باللغو، فلزم انتفاء الكفّارة؛ ولأن المؤاخذة يَحتمل أن يكون
معناها إيجاب الكفّارة، بدليل أنها تجب في الأيمان التي لا مأثم فيها. وإذا كان المؤاخذة
إيجاب الكفّارة، فقد نفاها في اللغو، فلا تجب، ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، ولم
نعرف لهم مخالفًا في عصرهم، فكان إجماعًا؛ ولأن قول عائشة تتمثّها في تفسير اللغو،
وبيان الأيمان التي فيها الكفّارة خرج تفسيرًا لكلام الله تعالى، وتفسير الصحابيّ مقبول.
انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى(١).
وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه اللَّه تعالى: وذكر سفيان الثوريّ في
((جامعه))، وذكره المروزيّ عنه أيضًا، قال سفيان: الأيمان أربعة: يمينان يُكفّران، وهو
أن يقول الرجل: والله لا أفعل، فيفعلُ، أو يقول: والله لأفعلنّ، ثم لا يفعل. ويمينان
لا يكفّران: وهو أن يقول الرجل: والله ما فعلتُ، وقد فعل، أو يقول: والله لقد
فعلتُ، وما فعل.
قال المروزيّ: أما اليمينان الأوليان، فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال
سفيان، وأما اليمينان الأخريان، فقد اختلف أهل العلم فيهما،، فإن كان الحالف حلف
علی أنه لم يفعل كذا وكذا، أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقًا، یری أنه على ما
حلف عليه، فلا إثم عليه، ولا كفّارة عليه في قول مالك، وسفيان الثوريّ، وأصحاب
الرأي، وكذلك قال أحمد، وأبو عبيد. وقال الشافعيّ: لا إثم عليه، وعليه الكفّارة.
قال المروزيّ: وليس قول الشافعيّ في هذا بالقويّ، قال: وإن كان الحالف على أنه لم
يفعل كذا وكذا، وقد فعل متعمّدًا للكذب، فهو آثم، ولا كفّارة عليه في قول عامّة
(١) ((المغني)) ٤٤٩/١٣ -٤٥٠.
٢٢- (فِي الحَلِفِ، والگذِب لِمَنْ ... - حديث رقم ٣٨٢٥
٣٧١
العلماء: مالك، وسفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، وأبي
عُبيدة. وكان الشافعيّ يقول: يُكفّرُ، قال: وقد رُوي عن بعض التابعين مثلُ قول
الشافعيّ، قال المروزيّ: أميلُ إلى قول مالك، وأحمد. قال: فأما يمين اللغو الذي
اتّفقَ عامّة العلماء على أنها لغوٌ، فهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله في حديثه،
وكلامه، غير منعقد (١) لليمين، ولا مُريدها، قال الشافعيّ: وذلك عند اللجاج،
والغضب، والْعَجَلَة. انتهى. ذكره القرطبيّ في تفسيره))(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن لغو اليمين هو الذي لا يَعقِد الحالف
عليه قلبه، بل يجري خلال كلامه، وحواره، وحكمه أنه لا كفّارة فيه، بل يتصدّق
الحالف بشيء، كما أرشد إلى ذلك النبيّ بَّر في حديث قيس بن أبي غَرَزَة ◌َّهُ
المذكور في الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٣٨٢٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَاصِم،
وَجَامِعٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ أَبِيَ غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ بِالْبَقِيعِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ
وَّهِ، وَكُنَّا نُسَمَّى السَّمَّاسِرَةَ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الثُّجَّارِ)) - فَسَمَّانَا بِاسْمِ هُوَ خَيْرٌ مِنِ اسْمِنَا-
ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الْحَلِفُ، وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدْقَةٍ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((سفيان))، و((عبد الملك)) هما المذكوران في السند
الماضي. و((عاصم)): هو ابن بهدلة، وهو ابن أبي النَّجُود المقرىء الكوفيّ، صدوقٌ له
أوهام، حجة في القراءة [٦] ١٢٢١/٢٠. و((جامع)): هو ابن أبي راشد الكاهليّ
الصيرفيّ الكوفيّ الثقة الفاضل [٥] ٢٤٤١/٢.
فقوله: ((وعاصم))، و((جامع))، بالجرّ عطفًا على ((عبد الملك)).
والحديث صحيح، سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنيب)).
(١) هكذا النسخة، ولعلّ صواب العبارة: غير عاقد لليمين، فليُحرّر. والله تعالى أعلم.
(٢) راجع ((تفسير القرطبيّ ٢٦٥/٦ - ٢٦٦. ((تفسير سورة المائدة.
٣٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
٢٣- (فِ اللَّغْوِ وَالْكَذِب)
٣٨٢٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيّسٍ بْنٍ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: أَتَانَا النَّبِيِّ نَّهِ، وَنَحْنُ فِي
السُوقِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْسُوقَ، يُخَالِطُهَا اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوهَا بِالصَّدَقَةِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن جعفر): هو المعروف بغندر. و((مُغيرة)):
هو ابن مِقْسم الضبيّ الكوفيّ.
وقوله: إن هذه السوق)) وفي نسخة: ((هذا السوق))، قال الفيّوميّ: السُّوق يُذكّر
ويؤنّث. وقال أبو إسحاق: السُّوق التي يُباع فيها مؤنّئةٌ، وهو أفصح، وأصحّ،
وتضغيرها سُوَيقةٌ، والتذكير خطأ؛ لأنه قيل سوقٌ نافقةٌ، ولم يُسمع نافقٌ بغير هاء،
والنسبة إليها سوقيّ، على لفظها. انتهى.
وقوله: ((فشوبوها)) الضمير راجع إلى السوق، لكن بمعنى ما يحدث فيها من البيع
والشراء، من إطلاق المحلّ على الحالّ، أي اخلطوا ما يقع فيها من تجاراتكم بالصدقة؛
تكفيرًا لخطاياكم.
والحديث صحيح، وقد سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٢٧- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ أَبِيِ وَائِلٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ نَبِيعُ الْأَوْسَاقَ، وَنَبْتَاعُهَا، وَكُنَّا
نُسَمِّي أَنْفُسَنَّا السَّمَاسِرَةَ، وَيُسَمِّينَا النَّاسُ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَسَمَّانَا
بِاسْم، هُوَ خَيْرٌ مِنِ الَّذِي سَمَّيْنَا أَنْفُسَنَا، وَسَمَّانَا النَّاسُ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الثَّجَّارِ، إِنَةً
يَشْهَدٌ بَيْعَكُمُ الْحَلِفُ، وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((جرير)): هو ابن عبد الحميد. و((منصور): هو ابن
المعتمر .
وقوله: ((نبيع الأوساق الخ) هي جمع وسق بكسر الواو، ويجوزفتحها، فيجمع على
وُسُوقٍ، وأوسُق، كفلس وقُلُوسٍ، وأَفلُس: مِكْيلة معلومة. وقيل: هو حِمْلُ بعير، وهو
ستّون صاعًا بصاع النبيّ وَّ، وهو خمسة أرطال وثلث. قاله في ((اللسان)).
والظاهر أنهم يبيعون نفس الأوساق، ويشترونها، ويحتمل أن يكون المراد بيعهم ما
يكال بها من الحبوب، كالحنطة، والشعير، والذّرَة، ونحوها.
٣٧٣
٢٤ - (النّھيُ عَن النّذْرِ) - حديث رقم ٣٨٢٨
والحديث صحيح، وقد سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب».
٢٤- (النَّهْيُ عَنِ الَّذْرِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الباب أوّل أبواب النذور، يقال(١): نذَرتُ أنذِرُ،
وأنذُر، من بابي ضرب، ونصر: إذا أوجبت على نفسك شيئًا تبرّعًا، من عبادة، أو
صدقة، أو غير ذلك. أفاده في ((النهاية))(٢).
وقال في ((الفتح)): والنذر في اللغة: التزام خير، أو شرّ، وفي الشرع: التزام
المكلّف شيئًا، لم يكن عليه، منجزًا، أو معلّقًا، وهو قسمان: نذر تبرّر، ونذر لَجَاجٍ،
ونذر التبزر قسمان:
[أحدهما]: ما يُتقرّب به ابتداء، كللَّه عليّ أن أصوم كذا، ويلتحق به ما إذا قال: لله
عليّ أن أصوم كذا شُكرًا على ما أنعم به عليّ من شفاء مريضي مثلًا. وقد نقل بعضهم
الاتفاق على صحّته، واستحبابه. وفي وجه لبعض الشافعيّة أنه لا ينعقد.
[والثاني]: ما يُتقرّب به معلّقًا بشيء ينتفع به إذا حصل له، كإن قدم غائبي، أو كفاني
اللَّه شرّ عدوّي، فعليّ صوم كذا مثلًا، والمعلّق لازم اتّفاقًا، وكذا المنجز في الراجح.
ونذر اللجاج قسمان:
[أحدهما]: ما يعلّقه على فعل حرام، أو ترك واجب، فلا ينعقد في الراجح، إلا أن
إن كان فرض كفاية، أو كان في فعله مشقّةٌ، فليزمه، ويلتحق به ما يُعلّقه على فعل
مكروه .
[والثاني]: ما يعلّقه على فعل خلاف الأولى، أو مباح، أو ترك مستحب، وفيه ثلاثة
أقوال للعلماء: الوفاء، أو كفّارة يمين، أو التخيير بينهما. واختلف الترجيح عند
(١) تقدّم بيان معنى النذر في أول ((كتاب الأيمان والنذر))، وما هنا لزيادة الفوائدة، وتكميل العوائد،
فتنبه .
(٢) ((النهاية)) ٣٩/٥.
٣٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالُّذُورِ
الشافعيّة، وكذا عند الحنابلة، وجزم الحنفيّة بكفّارة اليمين في الجميع، والمالكيّة بأنه لا
ینعقد أصلًا. انتهى(١).
قال الجامع عفاالله تعالى عنه: الأرجح عندي ما قاله المالكية؛ لحديث: ((إنما النذر
ما ابتغي به وجه الله)). رواه أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه،
فهو وإن كان في إسناد مقال، إلا أن له شواهد من حديث عقبة بن عامر، ومن حديث
ابن عبّاس ** ، كما سيأتي بيانه.
والحاصل أن الأرجح أنه لا شيء في النذر في المكروه، وخلاف الأولى، والمباح
المحض. والله تعالى أعلم.
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: صيغة النذر أن يقول: لله عليّ أن أفعل كذا، وإن
قال: عليّ نذرُكذا لزمه أيضًا؛ لأنه صرّح بلفظ النذر. وإن قال: إن شفاني اللّه فعليّ
صوم شهر، كان نذرًا. وإن قال: لله عليّ المشي إلى بيت الله، قال ابن عمر، في
الرجل يقول: عليّ المشي إلى الكعبة لله، قال: هذا نذرٌ، فليمش، ونحوه عن القاسم
ابن محمد، ويزيد بن إبراهيم التيميّ(٢)، ومالك، وجماعة من العلماء. واختلف فيه على
سعيد بن المسيّب، والقاسم بن محمد، فروي عنهما مثل قولهم، وروي عنهما فيمن
قال: عليّ المشي إلى بيت الله، فليس بشيء، إلا أن يقول: عليّ نذر مشي إلى بيت
اللَّه. قال: ولنا أن لفظة ((عليَّ)) للإيجاب على نفسه، فإذا قال: عليّ المشي إلى بيت
اللَّه، فقد أوجبه على نفسه، فزمه، كما لو قال: هو عليّ نذرٌ. انتهى كلام ابن قدامة
رحمه الله تعالى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٢٨- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
مَنْصُورٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَهِ نَّى عَنِ الَّذْرِ،
وَقَالَ: ((إِنَةً لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢.
٢- (خالد بن الحارث) الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤.
(١) ((فتح) ٤٢٩/١٣-٤٣٠. ((كتاب الأيمان والنذور رقم الحديث ٦٦٩٠.
(٢) هكذا النسخة، ولعل الصواب: وإبراهيم بن يزيد التيميّ، فليُحرّر.
(٣) ((المغني)) ٦٥٩/١٣.
٢٤ - (النَّهْيُ عَن النّذْرِ) - حديث رقم ٣٨٢٨
٣٧٥ ==
٤- (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/٢.
٥- (عبد الله بن مرّة) الهمدانيّ الخارفيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١٨٦٠/١٧.
٦- (عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما١٢/١٢. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى
شعبة، والباقون كوفيون، غير الصحابيّ، فإنه مدنيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي
الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) يَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ نََّى عَنِ النَّذْرِ) وفي حديث أبي
هريرة رضي الآتي - ٣٨٣٢/٢٦- قال: ((لا تنذروا)) بصريح النهي. قال الخطابيّ رحمه
الله تعالى: هذا غريبٌ من العلم، وهو أن يُنهى عن الشيء أن يُفْعَل، حتى إذا فُعل وقع
واجبًا. انتهى.
قال القرطبيّ: هذا النذر محلّه أن يقول: إن شفى اللّه مريضي، أو قَدِم غائبي فعليّ
عتق رقبة، أو صدقة كذا، أو صوم كذا، ووجه هذا النهي هو أنه لَمّا وقف فعل هذه
القربة على حصول غرض عاجل ظهر، أنه لم يتمخض له نيّة التقرّب إلى الله تعالى بما
صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ألا ترى أنه لو لم يحصل غرضه لم يفعل؟
وهذه حال البخيل، فإنه لا يُخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يربّي على ما أخرج،
وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله وَله: إنما يُستخرج به من البخيل ما لم يكن
البخيل يُخرجه))، ثم يُضاف إلى هذا اعتقاد جاهل يظنّ أن النذر يوجب حصول ذلك
الغرض، أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة
بقوله: {وَ *: ((فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئًا)). وهاتان جهالتان، فالأولى تقارب
الكفر، والثانية خطأً صُراح.
وإذا تقرّر هذا، فهل هذا النهي محمول على التحريم، أو على الكراهة؟ المعروف
من مذاهب العلماء الكراهة، قال القرطبيّ: والذي يظهر لي حمله على التحريم في حقّ
من يُخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرّمًا، والكراهة في
٣٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
حقّ من لم يعتقد ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو
حسنّ جدًّا، وسيأتي بيان ما قاله العلماء في معنى النهي عن النذر تفصيلًا في المسألة
الرابعة، إن شاء اللّه تعالى.
(وَقَالَ) وَّةِ (إِنهُ) أي النذر (لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ) أي لا يردّ شيئًا من القدر، كما بينته الرواية
التالية: ((لا يأتي النذر على ابن آدم شيئًا، لم أقدّره عليه)). وقال في ((الفتح)): أي أنّ
عقباه لا تُحمّد، وقد يتعذّر الوفاء به. وقد يكون معناه: لا يكون سببًا لخير لم يُقدّر، كما
في الحديث، وبهذا الاحتمال الأخير صدر ابن دقيق العيد كلامه، فقال: يحتمل أن
تكون الباء للسببية، كأنه قال: لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر، وطبعه في طلب
القربة، والطاعة من غير عِوَض يحصل له، وإن كان يترتب عليه خير، وهو فعل الطاعة
التي نذرها، لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه. انتهى (١).
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ البخاري: ((لا يأت)) بغير ياء، قال في ((الفتح)): وليس
بلحن؛ لأنه قد سُمع من كلام العرب. انتهى(٢).
(إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ) بالبناء للمفعول (مِنَ الْبَخِيلِ) وفي الرواية التالية: ((من الشحيح))،
وفي رواية ابن ماجه: ((من اللئيم))، ومدار الجميع على منصور بن المعتمر، عن عبد الله
ابن مرّة، فالاختلاف في اللفظ المذكور من الرواة عن منصور، والمعاني متقاربة؛ لأن
الشخ أخصّ، واللؤم أعمّ، قال الراغب الأصفهانيّ: البخل إمساك الْمُقْتَنَيَات عمّا لا
يَحِقُّ حبسها، والشخ بخلٌ مع حرص، واللؤم فعل ما يلام عليه. انتهى(٣). وقال
البيضاويّ: عادة الناس تعليق النذر على تحصيل منفعة، أو دفع مضرّة، فنُّهي عنه؛ لأنه
فعل البخلاء، إذ السخيّ إذا أراد أن يتقرّب بادر إليه، والبخيل لا تُطاوعه نفسه بإخراج
شيء من يده إلا في مقابلة عوض، يستوفيه أوّلًا، فليلتزمه في مقابلة ما يحصُل له،
وذلك لا يُغني من القدر شيئًا، فلا يسوق إليه خيرًا لم يُقدّر له، ولا يردّ عنه شرًّا قُضي
عليه، لكن النذر قد يوافق القدر، فيُخرج من البخيل ما لولاه لم يكن ليُخرِجه. ذكره في
((الفتح))(٤).
[فإن قيل]: هذا الحديث بظاهره يعارض(٥) ما أخرجه الترمذيّ من حديث أنس
(١) ((فتح)) ١٣/ ٤٣٥-٤٣٦.
(٢) ((فتح) ٤٣٦/١٣.
(٣) راجع ((المفردات)) ص ١٠٩ و٤٤٦.
(٤) ((فتح)) ٤٣٨/١٣.
(٥) هذا على تقدير صحة الحديث، وإلا فهو ضعيفٌ؛ لأن في سند عبدالله بن عيسى الخزاز ضعيف.
فتنبه .
٣٧٧ =
٢٤- (النَّهْيُ عَن النّذْرِ) - حديث رقم ٣٨٢٨
مرفوعًا: إن الصدقة تدفع ميتة السوء»، فكيف يُجمع بينهما؟.
[أُجيب]: بأنه يُجمع بينهما بأن الصدقة تكون سبًا لدفع ميتة السوء، والأسباب
مقدّرة كالمسبّبات، وقد قال وَلّ لمن سأله عن الرُّقَى، هل تردّ من قدر اللَّه شيئًا؟ قال:
((هي من قدر اللَّه)). أخرجه أبو داود، والحاكم، ونحوه قول عمر رَزثه: ((نفرّ من قدر
اللَّه إلى قدر الله))، ومثل ذلك مشروعيّة الطبّ، والتداوي. وقال ابن العربيّ رحمه الله
تعالى: النذر شبيه بالدعاء؛ فإنه لا يرد القدر، ولكنّه من القدر أيضًا، ومع ذلك نُهي عن
النذر، ونُدب إلى الدعاء، والسبب فيه أن الدعاء عبادة عاجلة، ويظهر به التوجّه إلى
الله، والتضرّع له، والخضوع، وهذا بخلاف النذر، فإن فيه تأخير العبادة إلى حين
الحصول، وترك العمل إلى حين الضرورة. انتهى. ذكره في ((الفتح))(١). واللّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر تَّ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٨٢٨/٢٤ و٣٨٢٩ و٣٨٣٠/٢٥ - وفي («الكبرى» ٤٧٤٣/١ و٤٧٤٤
و٢/ ٤٧٤٥. وأخرجه (خ) في ((القدر» ٦٦٠٨ و((الأيمان)» ٦٦٩٢ و٦٦٩٣ (م) في
((النذور والأيمان)» ١٦٣٩ (د) في ((الأيمان والنذور)» ٣٢٨٧ (ق) في ((الكفّارات)) ٢١٢٢
(أحمد) في ((مسند المكثرين)» ٥٢٥٣ و٥٥٦٧ و٥٩٥٨ (الدارمي) في ((النذور والنذور)»
٢٣٤٠ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان النهي عن النذر، وسيأتي
أقوال أهل العلم في معنى هذا النهي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): ما
قال ابن العربيّ رحمه الله تعالى: فيه حجة على وجوب الوفاء بما التزمه الناذر؛ لأن
الحديث نصّ على ذلك بقوله: ((يُستخرج به))، فإنه لو لم يلزمه إخراجه لما تمّ المراد من
وصفه بالبخل من صدور النذر عنه، إذ لو كان مخيّرًا في الوفاء لاستمرّ لبخله على عدم
الإخراج. (ومنها): أن فيه الرد على القدريّة، حيث إن القدر دفع البخيل أن يخرج
ماله، فلو كان يخلق أفعال نفسه لما أخرج ذلك. (ومنها): أن كلّ شيء يبتدئه المكلّف
(١) ((فتح) ٤٣٨/١٣-٤٣٩.
٣٧٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
من وجوه البرّ أفضل مما يتلزمه بالنذر. قاله الماورديّ. (ومنها): أن فيه الحثّ على
الإخلاص في عمل الخير. (ومنها): أن فيه ذمَ البخل. (ومنها): أن من اتّبع
المأمورات، واجتنب المنهيّات لا يُعدّ بخيلًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى النهي عن النذر:
قال في ((الفتح)): وقد اختلف العلماء في هذا النهي، فمنهم: من حمله على ظاهره،
ومنهم من تأوله. قال ابن الأثير في ((النهاية)): تكرّر النهي عن النذر في الحديث، وهو
تأكيد لأمره، وتحذيرٌ عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يُفعل
لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصيةً، فلا
يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أنّ ذلك أمرٌ لا يجرّ لهم في العاجل نفعًا، ولا
يَصرِف عنهم ضرّا، ولا يُغيّر قضاءً، فقال: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم
يقدّر الله لكم، أو تَصرِفوا به عنكم ما قدّره عليكم، فإذا نذرتم، فاخرُجوا بالوفاء، فإن
الذي نذرتموه لازم لكم انتهى كلامه. ونسبه بعض شُرّاح ((المصابيح)) للخطّابيّ، وأصله
من كلام أبي عُبيد فيما نقله ابن المنذر في ((كتابه الكبير))، فقال: كان أبو عبيد يقول:
وجه النهي عن النذر، والتشديد فيه ليس هو أن يكون مأثمًا، ولو كان كذلك ما أمر الله
أن يُوفَى به، ولا حُمد فاعله، ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر، وتغليظ أمره؛ لئلا
يتهاون به، فيفرّط في الوفاء به، ويترك القيام به. ثم استدلّ بما ورد من الحثّ على
الوفاء به في الكتاب والسنة. وإلى ذلك أشار المازريّ بقوله: ذهب بعض علمائنا إلى أن
الغرض بهذا الحديث التحفّظ في النذر، والحضّ على الوفاء به. قال: وهذا عندي بعيد
من ظاهر الحديث. ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر يأتي بالقربة مستقلًا
لها لَمّا صارت عليه ضربة لازب، وكلّ ملزوم، فإنه لا ينشط للفعل نشاط مطلق
الاختيار. ويحتمل أن يكون سببه أن الناذر لما لم ينذر القربة إلا بشرط أن يفعل له ما
يُريد صار كالمعاوضة التي تقدح في نيّة المتقرّب. قال: ويشير إلى هذا التأويل قوله:
((إنه لا يأتي بخير))، وقوله: ((إنه لا يقرّب من ابن آدم شيئًا لم يكن اللّه قدّره له))، وهذا
كالنصّ على هذا التعليل انتهى. والاحتمال الأول يعُمّ أنواع النذر، والثاني يخصّ نوع
الْمُجازات. وزاد القاضي عياض: ويقال: إن الإخبار بذلك وقع على سبيل الإعلام من
أنه لا يغالِب القدر، ولا يأتي الخيرُ بسببه، والنهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية أن يقع
ذلك في ظنّ بعض الجهلة. قال: ومُحصّل مذهب مالك أنه مباحٌ، إلا إذا كان مؤيّدًا
لتكوّره عليه في أوقات، فقد يثقل عليه فعله، فيفعله بالتكلّف من غير طيب نفس، وغير
٣٧٩
٢٤- (النَّيُ عَن النّذْرِ) - حديث رقم ٣٨٢٨
خالص النيّة، فحينئذ يكره. قال: وهذا أحد محتملات قوله: ((لا يأتي بخير))، كما تقدّم
بيانه .
وقال الخطّابيّ: في ((الأعلام)): هذا باب من العلم غريبٌ، وهو أن يُنهى عن فعل
شيء حتى إذا فعل كان واجبًا. وقد أكثر الشافعيّةُ - ونقله أبو عليّ السنجيّ عن نصّ
الشافعيّ - أن النذر مكروه؛ لثبوت النهي عنه، وكذا نُقل عن المالكيّة، وجزم به عنهم
ابن دقيق العيد، وأشار ابن العربيّ إلى الخلاف عنهم، والجزم عن الشافعيّة بالكراهة،
قال: واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة؛ لأنه لم يقصد به خالص القربة، وإنما قصد أن
ينفع نفسه، أو يدفع عنها ضررًا بما التزمه. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في
أنها كراهة تحريم، وتوقّف بعضهم في صحّتها. وقال الترمذيّ بعد أن ترجم كراهية
النذر، وأورد حديث أبي هريرة ◌َُّه ، ثم قال: وفي الباب عن ابن عمر، والعمل على
هذا عند بعض أهل العلم، من أصحاب النبيّ بَطّر، وغيرهم كرهوا النذر. وقال ابن
المبارك: معنى الكراهة في النذر في الطاعة، وفي المعصية، فإن نذر الرجل في
الطاعة، فوفى به، فله فيه أجرٌ، ويكره له النذر. قال ابن دقيق العيد: وفيه إشكالٌ على
القواعد، فإنها تقتضي أن الوسيلة إلى الطاعة طاعة، كما أن الوسيلة إلى المعصية
معصيةٌ، والنذر وسيلة إلى التزام القربة، فيلزم أن يكون قربة، إلا أن الحديث دلّ على
الكراهة، ثم أشار إلى التفرقة بين نذر المجازات، فحمل النهي عليه، وبين نذر
الابتداء، فهو قربةٌ محضة. وقال ابن أبي الدم في ((شرح الوسيط)): القياس استحبابه،
والمختار أنه خلاف الأولى، وليس بمكروه. كذا قال، ونوزع بأن خلاف الأولى ما
اندرج في عموم نهي، والمكروه ما نهي عنه بخصوصه، وقد ثبت النهي عن النذر
بخصوصه، فيمون مكروهًا. قال الحافظ: وإني لأتعجب ممن انطلق لسانه بأنه ليس
بمكروه مع ثبوت النهي الصريح عنه، فأقلّ درجاته أن يكون مكروهًا كراهة تنزيه.
وممن بنى على استحبابه النوويّ في ((شرح المهذّب))، فقال: إن الأصحّ أن التلفّظ
بالنذر في الصلاة لا يُبطلها؛ لأنها مناجاة الله، فأشبه الدعاء انتهى. وإذا ثبت النهي عن
الشيء مطلقًا، فترك فعله داخل الصلاة أولى، فكيف يكون مستحبًا، وأحسن ما يُحمل
به عليه كلام هؤلاء نذر التبرّر المحض بأن يقول: لله عليّ أن أفعل كذا، أو لأفعتله على
المجازاة(١).
وقد حمل بعضهم النهي على من علم من حاله عدم القيام بما التزمه. حكاه العراقيّ
(١) عبارة فيها نظر، ولعله: لا على المجازاة، فليُحرّر.
٣٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
في ((شرح الترمذيّ)). ولَمّا نقل ابن الرفعة عن أكثر الشافعيّة كراهة النذر، وعن القاضي
حسين المتولّي بعده (١)، والغزاليّ أنه مستحبّ؛ لأن اللَّه أثنى على من وفى به، ولأنه
وسيلة إلى القربة، فيكون قربة. قال: ويمكن أن يتوسّط، فيقال: الذي دلّ عليه الخبر
على كراهته نذر المجازاة، وأما نذر التبرّر، فهو قربة محضة؛ لأن للناذر فيه غرضًا
صحيحًا، وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوّع. انتهى.
وجزم القرطبيّ في ((المفهم)» بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر
المجازاة، فقال: هذا النذر محلّه أن يقول مثلًا: إن شفى اللّه مريضي، فعليّ صدقة
كذا. ووجه هذا الكراهة أنه لَمّا وقّف فعل هذه القربة على حصول الغرض المذكور ظهر
أنه لم يتمخّض له نيّة التقرّب إلى الله تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك
المعاوضة، ويوضّحه أنه لو لم يُشف مريضه لم يتصدّق بما علّقه على شفائه، وهذه
حالة البخيل، فإنه لا يُخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبًا،
وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله وَلاته: ((إنما يُستخرج به من البخيل ما لم يكن
البخيل يُخرجه))، قال: وقد ينضمّ إلى هذا اعتقاد جاهل يظنّ أن النذر يوجب حصول
ذلك الغرض، أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما
الإشارة بقوله ◌َ له: ((فإن النذر لا يردّ من قدر الله شيئًا))، والحالة الأولى تقارب الكفر،
والثانية خطأ صريح. قال الحافظ: بل تقرب من الكفر أيضًا.
ثم نقل القرطبيّ عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة، وقال: الذي
يظهر لي حمله على التحريم في حقّ من يُخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون
إقدامه على ذلك محرّمًا، والكراهة في حقّ من لم يعتقد ذلك. انتهى. قال الحافظ:
وهو تفصيلٌ حسن، ويؤيّده قصّة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر، فإنها في
نذر المجازاة. وقد أخرج الطبريّ بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يُوقُونَ
بِلنَّذْرِ﴾، قال: كانوا ينذرون طاعة اللّه من الصلاة والصيام، والزكاة، والحج، والعمرة،
وما افترض اللَّه عليهم، فسمّاهم الله أبرارًا. وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر
المجازاة. وقد يُشعر التعبير بالبخيل أن المنهيّ عنه من النذر ما فيه مالٌ، فيكون أخصّ
من المجازاة، لكن قد يوصف بالبخل من تكاسل عن الطاعة، كما في الحديث
المشهور: ((البخيل من ذُكرتُ عنده، فلم يُصلّ عليّ)). أخرجه النسائيّ، وصححه ابن
حبّان، أشار إلى ذلك الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)).
(١) عبارة فيها ركاكة، فليُنظر.