النص المفهرس
صفحات 341-360
١٥ - (الکفارةُ قبل الحِنثِ) - حديث رقم ٣٨١١ ٣٤١ = كيسان، ولا عنه إلا ابنه إسحاق، تفرد به أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب. قال الحافظ: عبد الله بن كيسان ضعفه أبو حاتم الرازيّ، وابنه إسحاق ليّنه أبو أحمد الحاكم. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١٠- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ: (إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ انْتِ الْذِي هُوَ خَيْرٌ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو رُهاويّ ثقة حافظ. والحديث متفقٌ عليه، وسبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله، ودلالته على ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى واضحة، حيث قال: ((ثم ائت الذي هو خير))، فإنه ظاهر في تقديم الكفّارة على الحنث، وهو مذهب الجمهور، وهو الصواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى الْقُطَعِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَىِ -وَذَكَرَ كَلِمَةٌ، مَعْنَاهَا - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وََّ، قَالَ: ((إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَنْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَشَ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن يحيى)) بن أبي حَزْم - بفتح المهملة، وسكون الزاي- الْقُطّعيّ (٢) - بضمّ القاف، وفتح المهملة - أبو عبد الله البصريّ، صدوقٌ [١٠] . قال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال مسلمة: بصريّ ثقة. مات سنة (٢٥٣). روى عنه مسلم(٣)، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط، وبقية رجال الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((عبد الأعلى)): هو ابن عبد الأعلى الساميّ البصريّ. و((سعيد)): هو ابن أبي عَرُوبة البصريّ. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (١) ((فتح)) ١٣/ ٤٨١-٤٨٣. ((كتاب كفّارات الأيمان)). رقم ٦٧٢٢. (٢) ((القُطَعَيْ)) -بضم القاف، وفتح الطاء المهملة: نسبة إلى قُطيعة، بطن من زُبيد، ومن قيس عيلان. أفاده في (لبّ اللباب)) ١٨٤/٢. (٣) قال في ((تهذيب التهذيب)): وفي ((الزهرة)): روى عنه مسلم عشرة أحاديث، وسمّى جدّه مهران، ونسبه زُبيديّا، من زُبيد اليمن. انتهى ٧٢٧/٣. ٣٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ وقوله: ((وذكر كلمة الخ)) القائل هو محمد بن يحيى، والذاكر هو عبد الأعلى، ومعنى هذا أن محمد بن يحيى لم يحفظ صيغة الأداء التي ذكرها عبد الأعلى حين حدّثه بالحديث، ولكن معناها: حدثنا سعيد الخ. والحديث متفق عليه، وسبق البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب)). ١٦- (الْكَفّارَةُ بَعْدَ الْحِنْثِ) ٣٨١٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، يُحَدِّثُ عَنْ عَدِيٌّ ابْنِ حَاتِم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلَّيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير: ١- (عبد الله بن عمرو مولى الحسن بن عليّ) الهاشميّ مولاهم، مقبول [٣]. روى عن عدي بن حاتم تَّ هذا الحديث. وروى عنه عمرو بن مرّة. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط . و ((إسحاق بن منصور)): هو الكَوْسج المروزيّ الحافظ. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((عمرو بن مرّة)): هو الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد [٥] ٢٦٥/١٧١. و((عديّ بن حاتم)) بن عبد الله بن سعد بن الْحشرَج الطائيّ، أبو طَرِيف، الصحابيّ المشهور، مات تمثّ سنة (٦٨) وهو ابن (١٢٠) سنة، وقيل: غير ذلك، تقدّمت ترجمته في ٢١٦٩/٢٩ . والحديث صحيح(١)، وهو من رواية عبد الله بن عمرو مولى الحسن بن عليّ من أفراد (١) [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عبدالله بن عمرو مولى الحسن، وهو مجهول عين، ولذا قال عنه في «التقريب» : مقبول، أي يحتاج إلى متابع؟. [قلت]: لم ينفرد بروايته عن عديّ، بل تابعه عليه تميم بن طرفة، كما في الروايتين الآتيتين. فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٣٤٣ ١٦- (الْكَفَارَةُ بَعْدَ الْحِنثِ) - حديث رقم ٣٨١٣ المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-١٦/ ٣٨١٢ - وفي ((الكبرى)) ١٦/ ٤٧٢٧. وشرحه، وما يتعلّق به من بقيّة المسائل، تقدمت في الباب الماضي، واستدلال المصنف رحمه الله تعالى به على ما ترجم له واضح في قوله: «فليأت الذي هو خير، وليُكفّر عن يمينه))، فقدّم الحنث على التكفير، وهذا مما لا خلاف في جوازه، كما تقدّم بيانه في الباب الماضي. وقال السنديّ: قوله: ((فليأت الذي هو خير)) ظاهر كلام المصنف يدلّ على أنه أخذ التقديم من التقديم اللفظيّ فقط، وقد عرفت أنه لا دلالة له على التقديم المعنويّ. (١) انتھی(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل دلالته على جواز التقديم واضحة، كما تقدّم وجهه، فتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١٣- (أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيْ، عَنْ (٢) أَبِي بَكْرِ بْنِ عَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيِعٍ، عَنْ تَمِيمٍ بْنِ طَرَفَّةَ، عَنْ عَدِيَ بْنِ حَاتِم، قَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللَّهِ: ((مَنْ خَلَفَ عَلَىَ يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَدَعْ يَمِّيْنَهُ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْهَا))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. ((هنّاد بن السّريّ)): أبو السّرّيّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٥/٢٣. و((أبو بكر بن عيّاش)): هو الأسدي المقرىء الكوفيّ الحنّاط، مشهور بكنيته، والصحيح أنها اسمه، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ١٢٧/٩٨. و((عبد العزيز بن رُفيع)): هو أبو عبد الله المكيّ، نزيل الكوفة [٤] ٢٩٩٧/١٩٠. و(«تميم بن طَرَفَة)) - بفتحات -: هو الْمُسْلِيُّ الكوفيّ، ثقة [٣] ٨١٦/٢٨. وحديث عديّ رَّ هذا فيه قصّة، ساقها مسلم في ((صحيحه)) - ١٦٥١ - من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طرفة، قال: جاء سائل إلى عدي بن حاتم، فسأله نفقة، في ثمن خادم، أو في بعض ثمن خادم، فقال: ليس عندي ما أعطيك، إلا دِزعي ومغفري، فأكتب إلى أهلي أن يعطوكها، قال: فلم يرض، فغضب عدي، فقال: أما والله لا أعطيك شيئا، ثم إن الرجل رضي، فقال: أما والله، لولا أني سمعت رسول اللّه وَّل، يقول: ((من حلف على يمين، ثم رأى أتقى للَّه منها، فليأت التقوى))، ما حَنَّثْتُ يميني. (١) ((شرح السنديّ)) ٧/ ١١. - (٢) وفي نسخة: ((حدّثنا أبو بكر)). ٣٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ وأخرجه-١٦٥١- من طريق سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة، قال: سمعت عدي بن حاتم، وأتاه رجل، يسأله مائة درهم، فقال: تسألني مائة درهم، وأنا ابن حاتم، والله لا أعطيك، ثم قال: لولا أني سمعت رسول اللَّه وَالله، يقول: ((من حلف على يمين، ثم رأى خيرا منها، فليأت الذي هو خير)). وفي رواية: أن رجلا سأله، فذكر مثله، وزاد: ولك أربعمائة في عطائي. قال أبو العبّاس القرطبي رحمه الله تعالى: وغضب عديّ رَّ في الحديث الأول ويمينه سبيهما أن الرجل السائل لم يرضَّ بالدرع والمِغفر، مع أنه لم يكن عنده غيرهما، ويمينه في الحديث الثاني، وما يُفهم منه من غضبه فيه سببه فيما يظهر من مساق الحديث أن عديًا استقلّ ما سُئل منه، ألا ترى قوله: تسألني مائة درهم، وأنا ابن حاتم؟ فكأنه قال: تسألني هذا الشيء اليسير، وأنا من عُرفتُ؟ أي نحنُ معروفون ببذل الكثير، فهذا غير السبب الأول. هذا ظاهر الحديث، غير أن القاضي عياضًا قال: معنى قوله عندي: وأنا ابن حاتم: أي عُرفت بالجود، وورثته، ولا يُمكنني ردّ سائل إلا لعذر، وقد سأله، ويعلم أنه ليس عنده ما يُعطيه، فكأنه أراد أن يُبَخِّله، فلذلك قال: والله لا أعطيك، إذ لم يعذره. قال القرطبيّ: وهذا المعنى إنما يليق بالحديث الأول، لا بالثاني، فتأمّلهما. وفيه من الفقه أن اليمين في الغضب لازمة، كما تقدّم. انتهى كلام القرطبيّ(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم شرح الحديث، مستوفّى في الباب الماضي، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عدي بن حاتم رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٨١٢/١٦ و٣٨١٣ و٣٨١٤- وفي ((الكبرى)) ٤٧٢٧/١٦ و٤٧٢٨ و٤٧٢٩. وأخرجه (م) في ((الأيمان والنذور)) ١٦٥١ (ق) في ((الكفّارات)) ٢١٠٨ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٧٧٨٧ و١٧٧٩٣ و١٧٨٠١ و١٧٨٠٩ و١٨٨٩٠ (الدارمي) في ((النذور والأيمان)) ٢٣٤٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (١) ((المفهم) ٦٣٢/٤ -٦٣٣. ((كتاب النذور والأيمان)). ١٦- (الكفارةُ بَعْدَ الْحِنثِ) - حديث رقم ٣٨١٥ ٣٤٥ == ٣٨١٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعِ، قَالَ: سَمِعْتُ تَمِيمَ بْنَ طَرَفَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيَتْرُكْ يَمِينَهُ»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو أبو بُرَيد - براء، مصغّرًا- الْجَرميّ البصريّ، وثّقه المصنّف، وابن حبّان. والسند مسلسل بالبصريين. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه مستوفّى قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَمْهِ أَبِي الْأَخْوَصِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ ابْنَ عَمَّ لِي، أَتَيْتُهُ أَسْأَلُهُ، فَلَا يُغْطِيْنِي، وَلَّا يَصِلُنِي، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيَّ، فَيَأْتِنِي، فَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ، وَلَا أَصِلَهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آَتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَأُكَفْرَ عَنْ يَمِينِي). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن منصور) الْخُزَاعيّ الْجَوّاز المكيّ، وهو ثقة [١٠] ٢١/٢٠، من أفراد المصنّف . ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] ١/١ . ٣- (أبو الزَّغْرَاء) -بفتح الزاي، وسكون العين المهملة- عمرو بن عمرو، أو ابن عامر ابن مالك بن نَضْلَة الْجُشَميّ -بضم الجيم، وفتح الشين المعجمة- الكوفيّ، ثقة [٦]. قال البخاريّ: عمرو بن عمرو، أبو الزعراء. وقال الثوريّ: عمرو بن عامر. قال أحمد: وعمرو بن عمرو أصحّ. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقة. وقال ابن معين: أبو الزعراء عمرو بن عمرو ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبّان في (الثقات)). ووثقه العجليّ، والنسائيّ في ((الكنى)). وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة. قال ابن عيينة: بقي بعد أبي إسحاق. روى له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد)»، والمصنّف، وأبو داود، وابن ماجه. وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا ١٦/ ٣٨١٥ وحديث عبد الله بن مسعود تي -٤١٣٤/٢٧ -: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)). ٤- (أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشّمي الكوفيّ، ثقة مشهور بكنيته [٣] ٨٤٩/٥٠ . ٣٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ ٥- (أبوه) مالك بن نَضْلَة، ويقال: مالك بن عوف بن نضلة بن خدِیج بن حبیب بن حُدیر ابن غَنْم بن كعب بن عُصيمة بن جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن الْجُشَميّ صحابيّ قليل الحديث. روى عن النبيّ وَّز، وروى عنه ابنه أبو الأحوص. روى له البخاريّ في «خلق أفعال العباد))، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث: هذا الباب، وفي ((كتاب الزينة)) رقم - ٥٢٥٠/٥٤ ٥٢٥١ و٥٣٢١/٨٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فإنه مكي، وسفيان، وإن كان مكيا، إلا أنه كوفي الأصل. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له في السنن إلا خمسة أحاديث: حديثُ الباب عند المصنف، وابن ماجه، وحديثُ ((أتيت النبيِنَّفي ثوب دُونٍ ... )) الحديث عند المصنف، وأبي داود، وحديثُ ((الأيدي ثلاثة ... )) الحديث عند أبي داود، وحديثُ («قلت: يا رسول اللَّه الرجل أمرّ به فلا يقربني ... )) الحديث عند الترمذيّ، وحديثُ ((أتيت النبي ◌َّ فصعّد بي البصر ... )) الحديث عند المصنف في ((التفسير)) من ((الكبرى)). والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ) عوف بن مالكِ الْجُشَميّ (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن نَضْلَة الْجُشميّ رَِّ، أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (ابْنَ عَمِّ لِي) أي حكمًا يتعلّق بابن عمّ لي (أَتَيْتُهُ) بلفظ الماضي، وفي نسخة: ((آتيه)) بلفظ المضارع (أَسْأَلُهُ) أي حال كوني سائلًا إياه في قضاء حاجتي (فَلَا يُعْطِيني) ما سألته (وَلَا يَصِلُنِي) بفتح أوله، وكسر ثانيه: مضار وَصَله، يقال: وَصَلَّه وَضْلًا، وَصِلَةً، من باب وَعَدَ: ضدّ هَجَرَه، وواصله مواصلة، ووصالًا، من باب قاتل، مثله. أفاده في ((المصباح)). وقال ابن الأثير رحمه اللَّه تعالى: قد تكرّر في الحديث ذكر صلة الرحم، وهي كنايةٌ عن الإحسان إلى الأقربين، من ذوي النسب والأصهار، والتّعطّف عليهم، والرِّفق بهم، والرِّعاية لأحوالهم، وكذلك إن بَعُدُوا، أو أساءوا، وقطع الرحم ضدّ ذلك كلّه، يقال: وصَلَ رَحِمَه يَصِلُها وَضْلًا، وصِلَةً، والهاء فيها عِوضٌ من الواو المحذوفة، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصَّهْر. انتهى(١). (ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيَّ، فَيَأْتِيْنِي، فَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ؛ وَلَا أَصِلَهُ) أي لإساءته بحرمانه مما سأله (فَأْمَرَنِي) أي النبيّ ◌َِّ (أَنْ آتِيَ) مضارع أتى ثلاثيًا: أي أفعل (الَّذِي هُوَ (١) ((النهاية)) ١٩١/٥-١٩٢. ٣٤٧ ١٦- (الگفارةُ بَعْدَ الحِنثِ) - حدیث رقم ٣٨١٦ خَيْرٌ) أي الذي هو إعطاء ابن عمّه ما سأل، ووصله إياه (وَأُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِي) هذا محلّ الترجمة، فإنه يدلّ على تأخير الكفّارة عن الحنث، وتقدّم وجهه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث مالك بن نَضْلَة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٨١٥/١٦- وفي ((الكبرى)) ٤٧٣٠/١٦. وأخرجه (ق) في ((الكفّارات)) ٢١٠٩ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٦٧٧٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة الكفّارة بعد الحنث، وتقدّم بيانه مستوفّى. (ومنها): وجوب الحنث على من حلف أن لا يصل رحمه. (ومنها): الحثّ على مقابلة الإساءة بالإحسان، فلا ينبغي للعبد إذا عامله أحدٌ بالسوء أن يجازيه بمثلها، بل يأخذ بالعفو، كما قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُّنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ اْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١٦- (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَنَا مَنْصُورٌ، وَيُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيِّ وَِّ: ((إِذَا آَلَيْتَ عَلَى يَمِينِ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِّ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفْرْ عَنْ يَمِينِكَ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم في الباب الماضي -٣٨٠٩/١٥- وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. و((زياد بن أيوب)): هو المعروف بدلويه البغداديّ، الذي لقّبه أحمد بشعبة الصغير. و((هُشيم)): هو ابن بَشِير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ. و((منصور)): هو ابن زاذان الثقفيّ الواسطيّ. و((يونس)): هو ابن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ. وقوله: ((آليت)) بمد الهمزة، من الإيلاء: أي حلفت. وقوله: ((على يمين)): أي محلوف عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ٣٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ- ((إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينِ، فَرَأَنْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ))). قَال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و(يحيى)): هو ابن سعيد القطّان. و((ابن عون)): هو عبد الله بن عون بن أرطبان، أو عون البصريّ. وقوله: ((يعني رسول اللَّه وَلَ)) الظاهر أن ((يعني)) ممن دون ابن عون، فإنها ليست في رواية البخاريّ، من رواية عثمان بن عمر، عن ابن عون. والله تعالى أعلم. والحديث متّفق عليه، وقد سبق القول فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ بَ: ((إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينِ، فَرَأَنْتَّ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن قُدامة)) بن أعين: هو الهاشميّ مولاهم المصْيصيّ، ثقة [١٠]٥٢٨/١٩. و((جرير)): هو ابن عبد الحميد. و((منصور)): هو ابن المعتمر . [تنبيه]: قال أبو بكر البزار رحمه الله تعالى: لم يرو منصور بن المعتمر، عن الحسن إلا هذا الحديث. أفاده في ((الفتح))(١). والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنیب)). ١٧ - (الْيَمِينُ فِيمَا لَا يَمْلكُ) ٣٨١٩- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْتَسِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا نَذْرَ، (١) ((فتح)) ٤٨١/١٣ ١٧ - (الْتَمِينُ فِيمَا لَا يَمْلكُ) - حديث رقم ٣٨١٩ ٣٤٩= وَلَا يَمِينَ، فِيمَا لَا تَمْلِكُ، وَلَا فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا قَطِيعَةِ رَحِمٍ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إبراهيم بن محمد) التيميّ الْمَعْمَريّ، أبو إسحاق البصريّ، قاضيها، ثقة [١١] ٥٥٠/٢٨، والباقون تقدّموا قبل باب، وكذا ذكر اللطائف. و((يحيى)): هو القطّان. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما أنه (قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: (لَا نَذْرَ، وَلَا يَمِينَ، فِيمَا لَا تَمْلِكُ) هكذا في بعض نسخ ((المجتبى)) بتاء المخاطب، وفي بعض النسخ: ((فيما لا يملك)) بياء الغائب، وهو الذي في ((الكبرى)). يعني أنه لو نذر إنسان، أو حلف أن يتصدّق بشيء ليس في ملكه، لا يجب عليه الوفاء به، ولو دخل في ملكه بعد ذلك لم يجب عليه أن يتصدّق به (وَلَا فِي مَعْصِيَةٍ) وفي بعض نسخ ((الكبرى)): ((ولا في معصية اللَّه)). يعني أنه لو نذر شخصٌ أن يفعل شيئا من المعاصي، أو حلف عليه، فلا وفاء عليه بذلك، بل يجب عليه أن لا يفعل ذلك الشيء (وَلَا قَطِيعَةِ رَحِم) من عطف الخاصّ على العامّ، فإن المعصية تعمّ قطيعة الرحم. والمعنى: أنه لو نذر، أو حلف أن يقطع رحمه، لا وفاء عليه بذلك، بل يجب عليه النکثُ، ووصل رحمه. قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: ظاهره أنه لا ينعقد النذر واليمين في شيء من ذلك أصلًا، لكن مقتضى بعض الأحاديث أنه لا يلزم الوفاء بهما، بل يكونان سببين للكفّارة. انتھی . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن الأحاديث في إيجاب الكفّارة في نذر المعصية، لا تصحّ، كما يأتي البحث عنها، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٨١٩/١٧- وفي ((الكبرى)) ٤٧٣٤/١٧. وأخرجه (د) في ((الأيمان والنذور)) ٣٢٧٣ و٣٢٧٤ (ق) في ((الكفّارات)) ٢١١١ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٣٥٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ ٦٦٩٣ و٦٧٤١ و٦٨٩٣ و٦٩٥١ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فى فوائده : (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم اليمين فيما لا يملكه الإنسان، وهو أنه لا يلزمه الوفاء به. (ومنها): أن من نذر بشيء لا يملكه لا يلزمه الوفاء به أيضًا. (ومنها): أنه لا يجوز الحلف، ولا النذر بالمعصية، فلو فعل وجب عليه أن لا يفعله. (ومنها): أنه لو حلف، أو نذر أن يقطع رحمه حرم عليه ذلك، ووجب عليه الوصل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): أنه استُدلّ بهذا الحديث على صحّة النذر في المباح؛ لأن فيه نفي النذر في المعصية، فبقي ما عداه ثابتًا. واحتجّ من قال: إنه يُشرع في المباح بما أخرجه أبو داود، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وأخرجه أحمد، والترمذيّ من حديث بُريدة رَّ : أن امرأةً قالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالذّف، فقال: ((أوف بنذرك))، وزاد في حديث بريدة أن ذلك وقت خروجه في غزوة، فنذرت إن ردّه اللَّه تعالى سالمًا. قال البيهقيّ: يُشبه أن يكون أذن لها في ذلك لما فيه من إظهار الفرح بالسلامة، ولا يلزم من ذلك القول بانعقاد النذر به، ويدل على أن النذر لا ينعقد في المباح ما أخرجه البخاريّ - ٦٧٠٤ - من حديث ابن عبّاس تَّ ، قال: بينا النبي وَلّ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي بَلّ: ((مره، فليتكلم، وليستظلَّ، وليقعد، ولْيُتِمَّ صومه)). فقد أمر # هذا الناذر بأن يقوم، ولا يقعد، ولا يتكلّم، ولا يستظلّ، ويصوم، ولا يُفطر بأن يتمّ صومه، ويتكلّم، ويستظلّ، ويقعد، فأمره بفعل الطاعة، وأسقط عنه المباح. وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أيضًا: ((إنما النذر ما يُبتغى به وجه الله)). والجواب عن قصّة التي نذرت الضرب بالذّفَ ما أشار إليه البيهقيّ، ويمكن أن يقال: إن من قسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوبًا، كالنوم في القائلة؛ للتقّوِّي على قيام الليل، وأكلة السحر للتقوّي على صيام النهار، فيمكن أن يقال: إن إظهار الفرح بعود النبيّ وَّر سالمًا معنى مقصودٌ يحصل به الثواب. وقد اختُلف في جواز الضرب بالدف في غير النكاح، والختان، ورجّح الرافعيّ في ((المحرّر))، وتبعه في ((المنهاج)) الإباحة، والحديث حجةٌ في ذلك. وحمل بعضهم إذنه ١٨- (مَنْ حَلَفَ، فَأَسْتَثْنَى) - حديث رقم ٣٨٢٠ ٣٥١ - لها في الضرب بالدفّ على أصل الإباحة، لا على خصوص الوفاء بالنذر، كما تقدّم، ويُشكل عليه أن في رواية أحمد في حديث بُريدة: ((إن كنتٍ نذرت، فاضربي، وإلا فلا)). وزعم بعضهم أن معنى قولها: ((نذرتُ)): حلفتُ، والإذن فيه البرّ بفعل المباح، ويؤيّد ذلك أن في آخر الحديث: ((أن عمر ◌َّ دخل، فتركت، فقال النبيّ وَله: ((إن الشيطان ليخاف منك يا عمر))، فلو كان ذلك مما يُتقرّب به ما قال ذلك. لكن هذا بعينه يُشكل على أنه مباح لكونه نسبه إلى الشيطان. ويجاب بأن النبيّ وَلّر اطلع على أن الشيطان حضر لمحبّته في سماع ذلك؛ لما يرجوه من تمكّنه من الفتنة به، فلَمّا حضر عمر فزّ منه؛ لعلمه بمبادرته إلى إنكار مثل ذلك، أو أن الشيطان لم يحضُر أصلًا، وإنما ذُكر مثالًا لصورة ما صدر من المرأة المذكورة، وهي إنما شرعت في شيء أصله من اللَّهو، فلما دخل عمر تَّ خشيت من مبادرته لكونه لم يَعلَم بخصوص النذر، أو اليمين الذي صدر منها، فشبّه النبيّ وَلّ حالها بحالة الشيطان الذي يخاف من حضور عمر تَثّ ، والشيء بالشيء يُذكر. ويقرب من قصّتها قصّة القينتين اللتين كانتا تُغنّيان عند النبيّ وَّ في يوم عيد، فأنكر أبو بكر عليهما، وقال: أبمزمور الشيطان عند النبيّ وَّرَ، فأعلمه النبيّ وَّ بإباحة مثل ذلك في يوم عيد. أفاده في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنیب». ١٨- (مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الاستثناء)»: لغة: استفعال من الثّني، بمعنى العطف؛ لأن المستثنَى معطوفٌ عليه بإخراجه من الحكم، أو بمعنى الصرف؛ لأنه مصروفٌ عن حكم المستثنى منه. وحقيقته اصطلاحًا: الإخراج بـ(إلا))، أو إحدى أخواتها لِمّا كان داخلًا، أو كالداخل. قاله الخُضَريّ(٢). (١) ((فتح) ١٣/ ٤٤٧-٤٤٨. (٢) راجع ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك)) في النحو ج١/ ص ٣٠٠. شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ ٣٥٢ وقال الفيّوميّ: الاستثناء استفعال، من ثنيتُ الشيءَ أَثْنِيه ثَنْيًا، من باب رمى: إذا عطفتُه، ورددتُه، وَثَنَيْتُهُ عن مراده: إذا صرفتُهُ عنه، وعلى هذا فالاستثناء صرف العامل عن تناول المستثنى، ويكون حقيقةً في المتّصل، وفي المنفصل أيضًا؛ لأن ((إلا)) هي التي عدَّت الفعل إلى الاسم حتى نصبه، فكانت بمنزلة الهمزة في التعدية، والهمزةُ تُعدّي الفعلَ إلى الجنس، وغير الجنس حقيقةً وفاقًا، فكذلك ما هو بمنزلتها. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): الاستثناء: استفعالٌ من الثُّنْيا - بضمَ المثلثة، وسكون النون، بعدها تحتانيّةٌ- ويقال لها الثَّنْوَى أيضًا بواو بدل الياء، مع فتح أوّله، وهي من ثنيت الشيء: إذا عطفته، كأن المستثنيَ عطف بعض ما ذكره؛ لأنها في الاصطلاح إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، وأدواتها ((إلّا)) وأخواتها. وتُطلق أيضًا على التعاليق، ومنها التعليق على المشيئة، وهو المراد في هذه الترجمة، فإذا قال: لأفعلنّ كذا، إن شاء الله تعالى، استثنى، وكذا إذا قال: لا أفعل كذا إن شاء الله، ومثله في الحكم أن يقول: إلا أن يشاء الله، أو إلا إن شاء الله، ولو أتى بالإرادة، والاختيار بدل المشيئة جاز، فلو لم يفعل إذا أثبت، أو فعل إذا نفى، لم يَحنَث، فلو قال: إلا إن غيّرِ اللَّه نيّتي، أو بدّل، أو إلا أن يبدُو لي، أو يظهر، أو إلا أن أشاء،، أو أريد، أو أختار، فهو استثناء، لكن يُشترط وجود المشروط. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٢٠- (أَخْبَرَنِي(٣) أَخْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى، فَإِنْ شَاءَ مَضَى، وَإِنْ شَاءَ تَّرَكَ، غَيْرَ حَنِثٍ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (أحمد بن سعيد) الرباطيّ المروزيّ، أبو عبد الله الأشقر، ثقة حافظ [١١] ٩٠/ ١٠٣٠ . ٢- (حَبَّان)- بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة- ابن هلال، أبو حَبِيب البصريّ، ثقة ثبتٌ [٩] ٥٩٠/٤٤ . ٣- (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَُّّوريّ البصريّ، ثقة ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] ٦/٦. ٤ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٨/٤٢ . (١) راجع ((المصباح المنير) ١/ ٨٥. (٢) ((فتح)) ٤٦٥/١٣-٣٦٦. ((كتاب الأيمان والنذور)». (٣) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ١٨ - (مَنْ حَلَفََ، فَأَسْتَثْنَى) - حديث رقم ٣٨٢٠ ٣٥٣ = ٥- (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/١٢. ٦- (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مدنيين: وهما ابن عمر، ونافع، وبصريينَ: وهم أيوب، وعبد الوارث، وحَبّان، ومروزيّ، وهو أحمد بن سعيد. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ نَ) أنه (قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى) أي قال: إن شاء الله، ففي رواية وُهيب، عن أيوب الآتية في -٣٨٥٦/٣٩ -: ((من حلف على يمين، فقال: إن شاء اللّه، فهو بالخيار، إن شاء أمضى، وإن شاء ترك)) (فَإِنْ شَاءَ مَضَى) أي فهو بالخيار بين الفعل والترك، فإن شاء مضى: أي ثبت على يمينه، وفعل ما حلف عليه (وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) أي ترك فعل المحلوف عليه (غَيْرَ حَنِثٍ) - بفتح، فكسر -: أي حال كونه غير حانث في الترك، فهو حال من ضمير ((ترك))، هكذا ضبطه السنديّ بكسر النون، وهذا الضبط، وإن كان قياس اسم فاعل فَعِل بكسر العين، إلا أنه لم يُذكر في ((القاموس))، و((اللسان))، و((المصباح)) إلا («حانًا)). ويحتمل أن يكون بكسر الحاء المهملة، وسكون النون، أو بفتحتين مصدرًا، بمعنى اسم الفاعل، أو على حذف مضاف: أي غير ذي حنث، والحنث: الْخُلف في اليمين، يقال: حنث في يمينه حِثْثًا بالكسر، وحَنَّثًا بفتحتين: لم يَبَرَّ فيها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٨٢٠/١٨ و٣٨٥٤/٣٩ و٣٨٥٥ و٣٨٥٦- وفي ((الكبرى)) ٤٧٣٥/١٨ و٤٧٦٩/١٦ و٤٧٧٠ و٤٧٧١. وأخرجه (د) في ((الأيمان والنذور)) ٣٢٦١ و٣٢٦٢ (ت) في ((النذور والأيمان)) ١٥٣١ (ق) في ((الكفّارات)) ٢١٠٥ و٢١٠٦ (أحمد) في ٣٥٤ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ ((مسند المكثرين)) ٤٤٩٦ و٤٥٦٧ و٥٠٧٤ و٦٣٧٨ و١٠٣٣ (الدارمي) في ((النذور والأيمان)) ٢٣٤٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الاستثاء في اليمين، وهو أن صاحبه مخيَّرٌ، إن شاء فعل، وإن شاء ترك. (ومنها): أنه لا بد أن يكون الاستثناء متصلًا، إذ مطلقه ينصرف إلى المتّصل، كما هو رأي الجمهور، فلا يعتبر الاستثناء المنفصل؛ إلا بالأمر الضروريّ، كالسعال، والتنفّس، ونحو ذلك، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن في قوله: ((فقال: إن شاء الله)) دليلًا على أنه لا بد أن يكون الاستثناء قوليًّا، فلا يكفي الاستثناء القلبيّ، وهذا قول عامّة أهل العلم، منهم: الحسن، والنخعيّ، ومالكٌ، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر. قال ابن قدامة: لا نعلم لهم مخالفًا؛ لأن النبيّ وَّ قال: ((من حلف، فقال: إن شاء الله))، والقول هو النطق، ولأن اليمين لا تنعقد بالنيّة، فكذلك الاستثناء. وقد رُوي عن أحمد: إن كان مظلومًا، فاستثنى في نفسه رجوت أن يجوز، إذا خاف على نفسه، فهذا في حقّ الخائف على نفسه؛ لأن يمينه غير منعقدة، أو لأنه بمنزلة المتأوّل، وأما في حقّ غيره فلا. انتهى كلام ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستثناء في اليمين: قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: في هذا الحديث دليل على أن اليمين إذا قُرن بها «إن شاء الله)) لفظًا منوياً، لم يلزم الوفاء بها، ولا يقع الحنث فيها، ولا خلاف في ذلك، واختلفوا فيما إذا وقع الاستثناء منفصلًا عن اليمين، فالجمهور على أنه لا ينفع الاستثناء حتى يكون متصلًا به، منويًا معه، أو مع آخر حرف من حروفه، وإليه ذهب مالكٌ، والشافعيّ، والأوزاعيّ، والجمهور، وقد اتّفق مالكٌ، والشافعيّ على أن السُّعال، والعطاس، وما أشبه ذلك لا يكون قاطعًا إذا كان ناويًا له. وقال بعض المالكية: لا ينفع الاستثناء إلا أن ينويه قبل نطقه بجميع حروف اليمين، وعند هؤلاء أن السكوت المختار الذي يقطع به كلامه، أو يأخذ في غيره لا ينفع معه الاستثناء. وكان الحسن، وطاوس، وجماعة من التابعين يرون للحالف الاستثناء ما لم يقم من (١) ((المغني" ٤٨٥/١٣-٤٨٦. ٣٥٥ ١٨- (مَنْ حَلَفَ، فَأَسْتَثْنَى) - حديث رقم ٣٨٢٠ مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقم، أو يتكلّم. وعن عطاء: قدر خَلْبة ناقة. وعن سعيد بن جُبير بعد أربعة أشهر. وروي عن ابن عبّاس بعد سنة. وفد أنكرت هذه الرواية عنه، وضُعَفت، وتأوّلها بعضهم بأن له أن يستثني امتثالا لأمر الله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَأُ ﴿َ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣-٢٤] لا لحلّ اليمين. وإلى هذه الاختلافات أشار السيوطي رحمه الله تعالى في ((الكوكب الساطع)) في ((مبحث التخصیص)، حیث قال: يُفِيدُهُ مِنْ وَاحِدٍ تَكَلَّمَا فَمِنْهَا الاسْتِثْنَاءُ الاخْرَاجُ بِمَا عُزْفًا وَلِلْفَضْلِ ابْنُ عَبَّاسٍ ذَهَبْ وَقِيلَ مُطْلَقًا وَوَضْلُهُ وَجَبْ وَسَنَتَيْنِ عَنْ مُجَاهِدٍ وَرَدْ قِيلَ لِشَهْرٍ وَلِعَامِ وَالأَبْدْ وَعَنْ عَطَا وَحَسَنٍ فِي الْمَجْلِسِ وَابْنُ جُبَيْرٍ ثُلْكَ عَامٍ يَأْتَسِي وَقِيلَ إِنْ يَقْصِدْهُ فِي الْكَلَامِ وَقِيلَ قَبْلَ الأَخْذِ فِي كُلَام وَالْقَصْدَ مَنْ رَأَى اَتْصَالَهُ شَرَطْ (١) وَقِيلَ فِي كَلَامِهِ جَلَّ فَقَطْ قال القرطبيّ: والصحيح الأول، إن شاء اللّه؛ لأنه لو لم يُشتَرط الاتصال لما انعقد يمين، ولا تُصُوّر عليها ندم، ولا حِنْث، ولا احتيج للكفّارة فيها، وكلّ ذلك حاصل بالاتّفاق، فاشتراط الاتصال صحيح. وقد احتجّ من قال بفصل الاستثناء بما أخرجه الشيخان، ويأتي للمصنّف - ٤٠/ ٣٨٥٧- إن سليمان ظلَّلامُ لَمَا حلف، قال له صاحبه: قل: إن شاء اللَّه، ووجه الاستدلال به أنه إنما عرض عليه الاستثناء بعد فراغه من اليمين، فلو قالها بعد فراغ قول صاحبه لكان قولها غير متصل باليمين، ومع ذلك فلو قالها لكانت تنفع، ولم يحنث، كما قال وَ له: ((لو قال: إن شاء الله لم يحنث)). وأجاب المشترطون للاتصال بمنع أنه قاله بعد فراغه من اليمين، بل لعلّه قال ذلك في أضعاف يمينه؛ لأن يمينه كثرت كلماتها، فطالت، وليس ذلك الاحتمال بأولى من هذا، فلا حجة فيه، لا له، ولا عليه. واحتجوا أيضًا بما رواه أبو داود عن عكرمة مولى ابن عبّاس: أن رسول اللَّه ◌ِّر قال: ((والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا))، ثم قال: ((إن شاء اللّه))، وفي رواية: ثم سكت، ثم قال: ((إن شاء اللّه)). (١) راجع ((الكوكب الساطع)) بنسخة شرحي ((الجليس الصالح النافع)) ص١٨٤ . . ٣٥٦ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ قال أبو داود: زاد الوليد بن مسلم، عن شريك: ((ثم لم يغزهم)). لكن الحديث مرسل، وقد أسند من حديث عبد الواحد بن صفوان، وليس حديثه بشيءٍ(١)، على ما قاله أهل الحديث، والمرسل هو الصحيح. قال القرطبيّ: وهذا الحديث حجة ظاهرةٌ على جواز الفصل بالسكوت اليسير، وأن ذلك القدر ليس بقاطع؛ لأن الحال شاهدة على الاتصال، لكن عند من يقبل المرسل. ويحتمل أن يكون ذلك السكوت عن غلبة نّفَسٍ خارج، أو أمر طارىء، وفيه بُعْدٌ. قال القرطبيّ: ثم اختلف العلماء في الاستثناء بميشئة الله تعالى، هل يرفع حكم الطلاق، والْعَتَّاق، والمشي لمكة، وغيرها من الأيمان بغير الله تعالى، أم لا؟ فذهب مالكٌ، والأوزاعيّ إلى أن ذلك لا يرفع شيئًا من ذلك. وذهب الكوفيّون، والشافعيّ، وأبو ثور، وبعض السلف إلى أنه يرفع ذلك كله. وقصر الحسن الرفع على العتق، والطلاق خاصّة. وسبب الخلاف اختلافهم في معنی قوله گالټ في حديث الباب: ((من حلف علی یمین، فاستثنى، فإن شاء مضى، وإن شاء ترك)»، فحمل مالكٌ، ومن قال بقوله الحديث على اليمين الجائزة، وهي اليمين بأسماء الله وصفاته، بناءً على أنه هو المقصود الأصليّ، واليمين العرفيّ، وحمله المخالف على العموم في كلّ ما يمكن أن يقال عليه يمين. قال القرطبيّ: والصحيح الأول؛ لما قدّمناه من أن هذا النوع الذي قد أطلق عليه الفقهاء يمينًا، لا يُسمّى يمينًا، لا لغةً، ولا شرعًا؛ إذ ليس من ألفاظها اللغويّة، ولا من معانيها الشرعيّة، كما بيّنّاه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيق نفيس. والله تعالى أعلم .. وقال في ((الفتح)): واتفق العلماء، كما حكاه ابن المنذر على أن شرط الحكم بالاستثناء أن يتلفّظ المستثنى به، وأنه لا يكفي القصد إليه بغير لفظ. وذكر عياضٌ أن بعض المتأخرين منهم خرّج من قول مالك: إن اليمين تنعقد بالنيّة أن الاستثناء يجزىء بالنية، لكن نقل في ((التهذيب)) أن مالكًا نصّ على اشتراط التلفّظ باليمين. وأجاب الباجيّ بالفرق بأن اليمين عقدٌ، والاستثناء حلّ، والعقد أبلغ من الحلّ، فلا يلتحق بالیمین. قال ابن المنذر: واختلفوا في وقته، فالأكثر على أنه يشترط أن يتصل بالحلف، قال مالك: إذا سكت، أو قطع كلامه فلا ثُنيا. وقال الشافعيّ: يُشترط وصل الاستثناء (١) هذا الكلام لابن معين، وقال مرة: صالح. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال في ((التقريب)): مقبول. أي يحتاج إلى متابع، وخالف فوصل المرسل، فلا يصح حديثه. فتنبه. ١٨ - (مَنْ حَلَفَ، فَسْتَثْنَى) - حديث رقم ٣٨٢٠ ٣٥٧ == بالكلام الأول، ووصله أن يكون نَسَقًّا، فإن كان بينهما سكوت انقطع، إلا إن كانت سكتة تذكّر، أو تنفّس، أو عِي، أو انقطاع صوت، وكذا يقطعه الأخذ في كلام آخر. ولخّصه ابن الحاجب، فقال: شرطه الاتّصال لفظًا، أو فيما في حكمه، كقطعه لتنفّس، أو سُعال، ونحوه، مما لا يمنع الاتصال عرفًا، واختلف هل يقطعه ما يقطع القبول عن الإيجاب؟ على وجهين للشافعيّة، أصخهما أنه ينقطع بالكلام اليسير الأجنبيّ، وإن لم ينقطع به الإيجاب والقبول، وفي وجه لو تخلّل أستغفر الله لم ينقطع، وتوقف فيه النوويّ، ونصّ الشافعيّ يؤيّده، حيث قال: تذكر فإنه من صور الذكر عرفًا، ويلتحق به لا إله إلا الله، ونحوها. وعن طاوس، والحسن له أن يستثني ما دام في المجلس. وعن أحمد نحوه، وقال: ما دام في ذلك الأمر. وعن إسحاق مثله، وقال: إلا أن يقع سكوت. وعن قتادة إذا استثنى قبل أن يقوم، أو يتكلّم. وعن عطاء قدر حلب ناقة. وعن سعيد بن جبير إلى أربعة أشهر. وعن مجاهد بعد سنتين. وعن ابن عبّاس أقوال: منها ولو بعد حين. وعنه كقول سعيد. وعنه شهر. وعنه سنة. وعنه أبدًا. قال أبو عُبيد: وهذا لا يؤخذ على ظاهره؛ لأنه يلزم منه أن لا يحنث أحدٌ في يمينه، وأن لا تتصوّر الكفّارة التي أوجبها الله تعالى على الحالف، قال: ولكن وجه الخبر سقوط الإثم عن الحالف لتركه الاستثناء؛ لأنه مأمور به في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَأْ ﴿َ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾، فقال ابن عبّاس: إذا نسي أن يقول: إن شاء الله يستدركه، ولم يُرد أن الحالف إذا قال ذلك بعد أن انقضى كلامه أن ما عقده باليمين ينحلّ. وحاصله حمل الاستثناء المنقول عنه على لفظ إن شاء الله فقط، وحمل إن شاء الله على التبرّك، وعلى ذلك حمل الحديث المرفوع الذي أخرجه أبو داود وغيره، موصولًا، ومرسلًا أن النبيّ ◌َّه قال: ((لأغزون قريشًا)»، ثلاثًا، ثم سكت، ثم قال: ((إن شاء الله)»، أو على السكوت لتنفّس، أو نحوه. وكذا ما أخرجه ابن إسحاق في سؤال من سأل النبيّ وَّلإر عن قصة أصحاب الكهف: ((غدًا أجيبكم))، فاخر الوحي، فنزلت: إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾، فقال: إن شاء الله، مع ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَأَ أن هذا لم يرد هكذا من وجه ثابت. ومن الأدلة على اشتراط اتصال الاستثناء بالكلام قوله وَالر: ((من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير)). فإنه لو كان الاستثناء يفيد بعد قطع الكلام لقال: فليستثن؛ لأنه أسهل من التكفير، وكذا قوله تعالى: ﴿وَخُّذْ بِيَدِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِب ◌ِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾، فإن قوله: استثن أسهل من التحيّل لحلّ اليمين شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ ٣٥٨ بالضرب، وللزم بطلان الإقرارات، والطلاق، والعتق، فيستثني من أقرّ، أو طلّق، أو أعتق بعد زمان، ويرتفع حكم ذلك، فالأولى تأويل ما نُقل عن ابن عبّاس وغيره من السلف في ذلك. وإذا تقرّر ذلك، فقد اختُلِفَ، هل يُشترط قصد الاستثناء من أول الكلام، أولا، حَكَى الرافعيّ فيه وجهين، ونُقل عن أبي بكر الفارسيّ أنه نقل الإجماع على اشتراط وقوعه قبل فراغ الكلام، وعلّله بأن الاستثناء بعد الانفصال ينشأ بعد وقوع الطلاق مثلاً، وهو واضح، ونقله معارض بما نقله ابن حزم أنه لو وقع متّصلًا به كفى، واستدلّ بحديث ابن عمر تَطَّبتا رفعه: ((من حلف، فقال: إن شاء الله، لم يحنث))، واحتجَ بأنه عقّب الحلف بالاستثناء باللفظ، وحينئذ يتحصّل ثلاث صور: أن يقصد من أوله، أو من أثنائه، ولو قبل فراغه، أو بعد تمامه، فيختصّ نقل الإجماع بأنه لا يفيد في الثالث، وأبعد من فَهِم أنه لا يفيد في الثاني أيضًا، والمراد بالإجماع المذكور إجماع من قال: يُشترط الاتصال، وإلا فالخلاف ثابتٌ، كما تقدّم والله أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الإجماع هنا، لا وجه له، كما يظهر لمن تتبع الأقوال في هذه المسألة، إلا أن يدّعى لأهل مذهب معيّن أنهم أجمعوا على ذلك، فليُتأمل. والله تعالى أعلم. وقال ابن العربيّ: قال بعض علمائنا: يشترط الاستثناء قبل تمام اليمين، قال: والذي أقول: إنه لو نوى الاستثناء مع اليمين لم يكن يمينًا، ولا استثناء، وإنما حقيقة الاستناء أن يقع بعد عقد اليمين، فيحلّها الاستثناء المتّصل باليمين. انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي الذي قاله ابن العربيّ رحمه الله تعالى هو الأشبه مما ادعاه من سبق قوله من الإجماع على خلافه. فتنبه. والله تعالى أعلم. واتفقوا على أن من قال : : لا أفعل كذا إن شاء اللّه، إذا قصد به التبرّك فقط، ففعل یحنث، وإن قصد به الاستثناء، فلا حنث عليه. واختلفوا إذا أطلق، أو قدّم الاستثناء على الحلف، أو أخره، هل يفترق الحكم؟، وقد تقدّم في الطلاق. واتّفقوا على دخول الاستثناء في كلّ ما يُحلَف به، إلا الأوزاعيّ، فقال: لا يدخل في الطلاق، والعتق، والمشي إلى بيت الله، وكذا جاء عن طاوس، وعن مالك مثله، وعنه إلا المشي. وقال الحسن، وقتادة، وابن أبي ليلى، والليث: يدخل في الجميع، إلا الطلاق. وعن أحمد: يدخل الجميع إلا العتق. واحتج بتشوّف الشارع له. وورد فيه حديث عن معاذ رَّ رفعه: ((إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ إن شاء الله، لم تطلق، وإن ١٩- (الثُّ فِي الْيَمِين) - حديث رقم ٣٨٢١ ٣٥٩ == قال لعبده: أنت حرّ، إن شاء اللَّه، فإنه جرّ)). قال البيهقيّ: تفرّد به حميد بن مالك، وهو مجهول، واختلف عليه في إسناده. واحتجَ من قال: لا يدخل في الطلاق بأنه لا تحلّه الكفّارة، وهي أغلظ على الحالف من النطق بالاستثناء، فلما لم يحلّه الأقوى، لم يحلّه الأضعف. وقال ابن العربيّ: الاستثناء أخو الكفّارة، وقد قال اللّه تعالى: ﴿ذلك كفّارة أيمانكم إذا حلفتم﴾، فلا يدخل في ذلك إلا اليمين الشرعيّة، وهي الحلف بالله. (١) . انتھی قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن العربي من أن الاستثناء لا يدخل إلا اليمين الشرعية، وهي الحلف باللّه أو بصفة من صفاته هو الأقرب؛ لما ذكره . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنیب)). ١٩- (النَّةُ فِي الْيَمِينِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا أن اليمين على ما نواه الحالف؛ واستدلاله عليه بحديث النيّة من حيث إن الأعمال في قوله وَ له: ((إنما الأعمال)) تعمّ الأقوال والأفعال جميعًا، ومن حيث إطلاق قوله بَّر: ((وإنما لامرىء ما نوى)) عن التقييد بقول، أو فعل، فيدلّ على أن للحالف ما نواه. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٢١- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا(٢) سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنٍ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، عَنِ النَِّّ وَِّ، قَالَ: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنَّةِ(٣)، وَإِنَّمَا لِأَمْرِئٍ مَّا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا (٤) يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ (١) ((فتح)) ٤٦٦/١٣-٤٦٧. ((كتاب الأيمان والنذور)). رقم الحديث ٦٧١٨. باب الاستثناء في ((اليمين)) . (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا))، وفي أخرى: ((حدّثنا)). (٣) وفي نسخة: ((بالنيّات)). (٤) وفي نسخة: ((إلى دنيا)). ٣٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إسحاق بن إبراهيم)): هو الحنظليّ المعروف بابن راهويه. و((سليمان بن حيّان)): هو أبو خالد الأحمر الكوفيّ. [تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) ((سليم بن حيّان)) بدل ((سليمان بن حيّان))، وهو تصحيف فاحش، والصواب ((سليمان بن حيّان))، وهو الذي في ((الكبرى)) ١٣٠/٣ - رقم-٤٧٣٦- وهو الذي في ((صحيح مسلم)) أيضًا، فقد أخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيّان، بسند المصنّف، وهو الذي في ((تحفة الأشراف)» ٨/ ٩٢ . فتنبه. وسَلِيم -بفتح المهملة، وكسر اللام- ابن حيان أقدم من سليمان بن حيّان، وهو من شيوخه، وشيوخ يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهديّ، ومن في طبقتهم، والظاهر أن إسحاق بن راهويه لم يلقه. والله تعالى أعلم. و((يحيى بن سعيد»: هو الأنصاريّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه مطوّلًا في ((الطهارة)) -((النيّة في الوضوء)) -٦٠/ ٧٥- وذكرت له هناك نحو خمسين مسألةً، فراجعه تستفد. واستدلال المصنف رحمه اللّه تعالى به على الترجمة واضحة، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب)). ٢٠- (تْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر صنيع المصنف رحمه الله تعالى يدلّ على أنه يرى أن من قال لامرأته: أنت عليّ حرام يمين يجب تكفيرها، وهذا قول من جملة الأقوال التي بلغت ثمانية عشر قولًا، وقد سقتها في ((كتاب الطلاق)) -)) باب قول الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَمَلَّ اللَّهُ لَكٌ﴾، وعن ابن عبّاس ◌َبَا قال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، يعني أنه وي فر كان حرّم على نفسه شرب العسل، أو جاريته، على خلاف في ذلك، فقال الله تعالى له: ﴿لِمَ تُمُ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكِّ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَئِكُمْ﴾ الآية، فكفّر ◌ِّر عن يمينه، وصيّر الحرام يمينًا. كما أخرجه الدار قطنيّ.