النص المفهرس

صفحات 301-320

٨- (الْخَلِفُ بِالبَرَاءَةِ مِنَ الإِسْلَام) - حديث رقم ٣٧٩٩
٣٠١ =
٨- (الْحَلِفُ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الإِسْلَام)
٣٧٩٩- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ
وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّهِ: ((مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ
الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (الحسين بن حريث) الخزاعي مولاهم، أبو عمار المروزيُّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢.
٢- (الفضل بن موسى) السيناني، أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت، ربما أغرب، من
كبار [٩] ١٠٠/٨٣ .
٣- (حسين بن واقد) أبو عبد اللَّه القاضي المروزي، ثقة له أوهام [٧] ٤٦٣/٥.
٤- (عبد الله بن بريدة) بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقة [٣] ٢٥/
٣٩٣ .
٥- (أبوه) بريدة بن الحُصَيب، أبو سهل الأسلميّ الصحابيّ الشهير، أسلم قبل بدر،
ومات اَلل سنة (٦٣)، وتقدّمت ترجمته ١٣٣/١٠١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة، فكلّهم مروزيّون، حتى الصحابيّ
وَّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الحصيب رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: ((مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَام) ولفظ أحمد من طريق زيد بن
الحباب عن حسين بن واقد: ((من حلف أنه بريء منَ الإسلام ... )) قال الحافظ وليّ
الدين رحمه الله تعالى: أي علّق براءته من الإسلام على أمر، كأن قال: إن فعل - يعني
نفسه- كذا فهو يهودي، أو نصراني، أو كافر. قال: وقد دلّ على هذا تقسيم حاله إلى
كاذب وصادق، ولا يتأتّى ذلك إلا مع التعليق. انتهى(١).
(١) (طرح التثريب)) ١٦٦/٧.

:
٣٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
(فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا) أي في حلفه على زعمه (فَهُوَ كَمَا قَالَ) قال الحافظ وليّ الدين: أي
أخبر بأمر ماض، وعلّق براءته من الإسلام على كذبه في ذلك الإخبار، وكان كاذبًا،
فهو كما قال، أي من البراءة من الإسلام، وهو صريحٌ في أن هذا الكلام كفرٌ، وهو
ظاهر المعنى، كما لو علّق طلاق زوجته، أو عتق عبده على دخوله الدار في الماضي،
وكان قد دخل، نعم لو بنى إخباره بذلك على ظنّه أنه كذلك، فينبغي أن لا يكفر؛ لأنه
ربط الكفر بأمر يظنّ أنه غير حاصل، فلا خلل في اعتقاده، ولا في لفظه باعتبار ظنّه،
ولم يتناول الحديث هذه الصورة عند من يشترط التعمّد في حقيقة الكذب، وأما عند من
لا يشترطه، فهو عامّ مخصوص، ويدلّ لذلك قوله في حديث ثابت بن الضّحاك: ((من
حلف بملّةٍ غير الإسلام، كاذبًا متعمّدًا، فهو كما قال))، وهو في ((الصحيحين)) بهذا
اللفظ. والله أعلم انتهى كلام وليّ الدين.
وقال في ((الفتح)): ويحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد، والمبالغة في
الوعيد، لا الحكم، وكأنه قال: مستحقّ مثل عذاب من اعتقد ما قال، ونظيره: ((من
ترك الصلاة، فقد كفر)): أي استوجب عقوبة من كفر. وقال ابن المنذر: قوله: ((فهو
كما قال)) ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر، بل المراد أنه كاذب ككذب المعظّم
لتلك الجهة. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن يقال بالتفصيل السابق؛ لأن الحديث
بمعنى الحديث الماضي، وهو أنه على ظاهره، يكفر به صاحبه إن قاله متعمّدًا معتقدًا
البراءة والخروج من الإسلام - عياذا بالله تعالى من ذلك- وإلا فهو منكر من القول،
وزور، محرّم عليه، وهو عاص بذلك، تجب التوبة عليه. والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَإِنْ كَانَ صَادِقًا) أي في حلفه على زعمه، أعمّ من أن يكون مطابقًا للواقع، أم لا؟
(لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا) قال وليّ الدين: معناه أنه نقص كمال إسلامه بما صدر منه
من هذا اللفظ، قالَ: ولفظ ابن ماجه: ((لم يَعُد إليه الإسلام ، أمّا))، قال: واللفظان
صحيحان، فنقص هو بتعاطي هذا اللفظ، ونقص إسلامه بذلك، وهذا يدلّ على تحريم
هذا اللفظ، ولو كان صادقًا في كلامه. وقد استدلّ به على ذلك الخطّابيّ، فقال: فيه
دليلٌ على أن من حلف بالبراءة من الإسلام، فإنه يأثم. وصرّح أيضًا بتحريم ذلك،
ووجوب التوبة منه الماورديّ في ((الحاوي))، والنوويّ في ((الأذكار))، وقال في ((شرح
مسلم)»: فيه بيان غلظ تحريم الحلف بملّة، سوى الإسلام، كقوله: هو يهوديٍّ،
(١) (فتح)) ٣٨٨/١٣-٣٨٩. ((كتاب الأيمان والنذور)) رقم ٦٦٥٢.

٨- (الْخَلِفُ بِالبَرَاءَةِ مِنَ الإِسْلَام) - حديث رقم ٣٧٩٩
٣٠٣ ===
أو نصرانيٍّ، إن كان كذا، أو واللاتٍ، والعزّى، وشبه ذلك، ثم قال: وقوله: ((كاذبًا))،
ليس المراد به التقييد، والاحتراز من الحلف بها صادقًا؛ لأنه لا ينفكّ الحالف بها عن
كونه كاذبًا، وذلك لأنه لا بدّ أن يكون معظّمًا لما حلف به، فإن كان معتقدًا عظمته
بقلبه، فهو كاذبٌ في ذلك، وإن كان غير معتقد ذلك بقلبه، فهو كاذبٌ في الصورة؛
لأنه عظّمه بالحلف به، وإذا عُلم أنه لا ينفك عن كونه كاذبًا حُمل التقييد بكونه كاذبًا
على أنه بيان لصورة الحال، ويكون التقييد خرج على سبب، فلا يكون له مفهوم،
ويكون من باب قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ﴾ الآية [آل عمران: ١١٢]،
ونظائره، فإن کان الحالف معظّمًا لما حلف به کان کافرا، وإن لم یکن معظّمًا، بل كان
قلبه مطمئنًا يالإيمان، فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به، ومعاملته إياه معاملة ما
يُحلف به، ولا يكون كافرًا، خارجًا عن مّة الإسلام، ويجوز أن يُطلق عليه اسم الكفر،
ويُراد كفر النعمة. انتهى.
قال الحافظ وليّ الدين: والتقسيم الذي في حديث بُريدة ◌َّه يردّ عليه، والظاهر
أن كلامه هذا إنما هو في مثل قوله: واللات، والعزّى، وإن كان ذكر في صدر كلامه
أيضًا. وقوله: ((هو يهوديّ إن كان كذا. انتهى كلام وليّ الدين(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بريدة بن الْحُصيب رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٣٧٩٩/٨ - وفي ((الكبرى)) ٤٧١٣/٨.
وأخرجه (د) في ((الأيمان والنذور)) ٣٢٥٨ (ق) في ((الكفّارات)) ٢١٠٠ (أحمد) في
((باقي مسند الأنصار)) ٢٢٤٩٧ . وفوائده تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: تقسيمه حاله إلى صادق
وكاذب يدلّ على أن ذلك في الإخبار عن ماضٍ، كما تقدّم، فإن الخبر هو المحتمل
للصدق والكذب، أما إذا وقع منه مثل هذا في التعليق على وقوع أمر في المستقبل، فقد
يقال: يُلحق بالماضي، ويقال: إن فعل ذلك المحلوف عليه كفر، وإلا فلا. وقد يقال:
إن لفظ الحديث أوّلا متناول له، إلا أنه لَمَّا فَصّل اقتصر على أحد القسمين، ويُعرف منه
(١) ((طرح التثريب)) ١٦٧/٧ -١٦٨.

٣٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالُّذُورِ
حكم القسم الآخر. وقد يقال: إذا كان عن ماضٍ، فقد حقّق الكفر على نفسه، وأما إذا
كان على مستقبل، فقد يقع ذلك الأمر، وقد لا يقع، والغالب من حال الآتي بهذا اللفظ
أنه إنما يقصد به إبعاد نفسه عن ذلك الأمر بربطه بأمرٍ لا يقع منه، وهذا أقرب، ويوافقه
كلام الرافعيّ، حيث قال: إن هذا اللفظ يتضمّن تعظيم الإسلام، وإبعاد النفس عن
التهوّد، ثم قال: هذا إذا قصد القائل تبعيد النفس عن ذلك، فأما من قال ذلك على قصد
الرضى بالتهوّد، وما في معناه إذا فعل ذلك الفعل، فهو كافر في الحال، وسكت
الرافعيّ عن حالة الإطلاق، وهو أن لا يقصد تبعيد النفس عن التهوّد، ولا الرضى به،
أو لم يُعلّم قصده بموته سريعًا، أو تعذّر مراجعته، وقال في ذلك شيخنا الإمام جمال
الدين عبد الرحيم الإسنويّ: إن القياس التكفير، إذا عري عن القرائن الحاملة على
غيره؛ لأن اللفظ بوضعه يقتضيه، قال: وكلام النوويّ في ((الأذكار» يقتضي أنه لا يكفر
بذلك، والقیاس خلافه. انتھی.
وما ذكره الرافعيّ من أن هذا اللفظ يتضمّن تعظيم الإسلام، وإبعاد النفس عن التهوّد
يقتضي أنه لا يحرم الإتيان به، لكن تقدّم عن الخطّابيّ إطلاق الإثم، ولم يفضّل بين
الحلف على الماضي، والمستقبل، وصرّح بذلك النوويّ في ((الأذكار))، فقال: ويحرم
أن يقول: إن فعلت كذا، فأنا يهوديّ، أو نصرانيّ، أو نحو ذلك، فإن قاله، وأراد حقيقة
فعله، وخروجه عن الإسلام بذلك صار كافرًا في الحال، وجرت عليه أحكام
المرتدين، وإن لم يُرد ذلك لم يكفر، لكنه ارتكب مُحرَّمًا، فيجب عليه التوبة. وكذا
قال ابن الرفعة في ((المطلب)): معصية. انتهى كلام وليّ الدين رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التفصيل الذي ذكره النوويّ رحمه اللّه تعالى في
((الأذكار)) تفصيلٌ حسنٌ جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب».
(١) ((طرح التثريب)) ١٦٨/٧ - ١٦٩.

٩- (الْخَلِفُ بالكّغْبةِ) - حديث رقم ٣٨٠٠
٣٠٥
٩- (الْحَلِفُ بِالْكَعْبَةِ)
٣٨٠٠- (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا
مِسْعَرٌ، عَنْ مَعْيَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ قُتَيْلَةَ، امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، أَنَّ ◌ُودِيًّا
أَتَى النَّبِيِّ ◌ََّ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدْدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَشِئْتَ،
وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَِّيُّ وَ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْلِفُوا، أَنْ يَقُولُوا: ((وَرَبِّ
الْكَعْبَةِ))، وَيَقُولُونَ: (مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شِئْتَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (يوسف بن عيسى) الزهريّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة فاضل [١٠] ٩٢٤/٣٢.
٢- (الفضل بن موسى) هو السِّينَانيّ المذكور في الباب الماضي.
٣- (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل [٧]٨/٨.
٤- (مَعْبَد بن خالد) القيسيّ الْجَدَليّ الكوفيّ، ثقة عابد [٣] ١٤٢٢/٣٩.
٥- (عبد الله بن يسار) الْجُهَنيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] ٢٠٥٢/١١١.
٦- (قُتَيلة) -بالمثنّاة الفوقيّة، والتصغير- بنت صَيْفِيُّ الجهنيّة، صحابيّة، من
المهاجرات الأُوَل، لها حديث الباب فقط. تفرّد بها المصنّف بهذا الحديث. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير الصحابية، فتفرد بها المصنف، وغير عبد الله بن يسار، فإنه ممن
تفرّد به المصنّف، وأبو داود . (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ
شيخه، فمروزيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيته من
المقلين من الرواية، فليس لها إلا هذا الحديث عند المصنف فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قُتَيْلَةَ) بصيغة التصغير (امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةً) -بضم الجيم، وفتح الهاء، آخره نون:
نسنة إلى جُهَينة، قبيلة من قُضاعة، واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن
قُضاعة، نزلوا الكوفة والبصرة. قاله في ((اللباب)) ٣١٧/١-٣١٨ (أَنَّ يُودِيًّا أَتَى النَّبِيِّ
وَهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُتَدِّدُونَ) ضبط بتشديد الدال الأولى: أي تتخذون أندادًا، وهو جمع نِدٌ

٣٠٦ =
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
-بكسر، وتشديد الدال المهملة- وهو مثل الشيء الذي يُضادّه في أموره، ويُنادُه، أي
يخالفه، والمراد أنكم تتخذون آلهة من دون اللَّه (١) (وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ مَا شَاءَ
اللَّهُ، وَشِئْتَ) أي لأن الواو للتشريك، فيلزم منه تسوية المخلوق بالخالق (وَتَقُولُونَ:
وَالْكَغْبَةِ) أي تقولون في حلفكم: والكعبة، فالواو واو القسم، و((الكعبة)) مجرور به
(فَأَمَرَهُمُ النَِّيُّ ◌َ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا، أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِ الْكَعْبَةِ) أي ليكون القسم
بالله، لا بمخلوق سواه (وَيَقُولُونَ: ((مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شِئْتَ))) أي لأن ((ثُمّ)) للتراخي،
فتكون مشيئة العبد بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بريدة رضي الله عنه تعالى هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا- ٩/ ٣٨٠٠- وفي («الكبرى» ٩/ ٤٧١٤. وهو من أفراد المصنّف رحمه
الله تعالى، لم يُخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في ((باقي
مسند الأنصار)» ٢٦٥٥٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الحلف بالكعبة،
وهو التحريم، وأنه من الشرك بالله تعالى، فإن كان يعتقد ذلك، فهو شرك أكبر، مخرج
من الملّة، وإن كان لا يعتقد، فهو من الإشراك في اللفظ، وهو محرّم تجب التوبة منه.
(ومنها): أنه يدلّ على أن الشرك جريمة كبرى، معروفة حتى في الأديان المحرّفة،
كاليهوديّة، والنصرانيّة، فإنهم يعرفون خطر الشرك، ثم يقعون فيه. (ومنها): أن على
طالب الحقّ، ومتبع الصواب أن يأخذ الحقّ أينما وجده، ولو كان عند غير أهله، كما
يقال: الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها أخذها، فلا يمنع الإنسان العداوة
الشخصيّة، أو الدينيّة، أو غيرها من قبول الحقّ، والإذعان له كيفما كان، وهذا هو
المصيبة الطامة عند العوام، فإنهم لا يتلقّون الحقّ إلا عند من يعتقدونه، ولو أتاهم غيره
بالحقّ الواضح لا يقبلونه، بل يردّونه، فقول من يعتقدونه: قال الشيخ الفلانيّ، أحبّ
إليهم من قول من لا يعتقدونه: قال الله تعالى، وقال رسول اللَّه وَلير، وهذه هي الداهية
(١) راجع ((النهاية)) ٣٥/٥.

٩- (الْخَلِفُ بالكَعْبةِ) - حديث رقم ٣٨٠٠
٣٠٧ =
العُظمى حلّت بضعفاء الإيمان، فإن النبيّ وَّ لَمّا أتاه هذا اليهوديّ، وقاله ما تقدّم قبل
منه ذلك؛ لأنه حقّ، ونبه أمته، وأرشدهم إلى ما هو الصواب، ولم يقل: إنه يهوديّ لا
يؤمن به، فيُردّ قوله كلّا، وحاشا، اللَّهمّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل
باطلًا، وارزقنا اجتنابه. آمين.
(ومنها): أن قول الإنسان: ما شاء الله، وشئت من الإشراك بالله تعالى، فيحرم
عليه، فإن كان يعتقد التشريك، فهو شرك أكبر، مخرج من الملّة، وإن كان لا يعتقد
ذلك، فهو إشراك في اللفظ، فيكون شركًا أصغر، محرّمًا تجب التوبة منه.
وقد أخرج الإمام أحمد في ((مسنده))، والمصنّف في ((عمل اليوم والليلة))، وابن
ماجه في ((سننه))، من رواية يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه وَلّ:
((إذا حلف أحدكم، فلا يقل: ما شاء الله وشئت، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت)).
وفي أول حديث أحمد، والنسائيّ، قصّة، ولفظها: ((أن رجلا قال للنبي وَّ: ما شاء
اللَّه، وشئت، فقال له النبي وَلهو: ((أجعلتني واللَّهَ عَدْلًا (١)، بل ما شاء الله وحده)).
وأخرج أحمد، والنسائي، وابن ماجه أيضًا، عن حذيفة بن: ((أن رجلا من
المسلمين، رأى في النوم، أنه لقي رجلا من أهل الكتاب، فقال: نعم القوم أنتم، لولا
أنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله، وشاء محمد، وذكر ذلك للنبي وَلّره، فقال: أما
واللّه، إن كنت لأعرفها لكم، قولوا: ما شاء الله، ثم شاء محمد)). لفظ ابن ماجه.
هكذا رواية ابن عيينة، عن عبد الملك بن عُمير، عن ربعيّ، عن حذيفة، وخالفه
غيره، حماد بن سلمة، عند أحمد، وشعبة، وعبد الله بن إدريس، وأبو عوانة كلهم عن
عبد الملك بن عمير، عن ربعيّ، عن الطفيل بن سَخْبرة، أخي عائشة تعًَّا، وهو الذي
رجحه الحفاظ، وقالوا: إن ابن عيينة وَهِم في قوله: عن حذيفة.
ولفظ أحمد -٢٠١٧١- من طريق حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير، عن
ربعي بن حِرَاش، عن طُفَيل بن سَخْبَرة، أخي عائشة لأمها، أنه رأى فيما يرى النائم،
كأنه مَرّ برهط من اليهود، فقال: من أنتم؟، قالوا: نحن اليهود، قال: إنكم أنتم القوم،
لولا أنكم تزعمون أن عزير ابن الله، فقالت اليهود: وأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما
شاء الله، وشاء محمد، ثم مر برهط من النصارى، فقال: من أنتم؟، قالوا: نحن
النصارى، فقال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم
أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء اللّه، وما شاء محمد، فلما أصبح أخبر بها، من
أخبر، ثم أتى النبي ◌َّر، فأخبره، فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ - قال عفان- قال: نعم،
فلما صلَّوا خطبهم، فحمد الله، وأثنی علیه، ثم قال: ((إن طُفيلا رأی رؤیا، فأخبر بها
(١) بنصب ((اللّه)) على المعية، و((عَذلا)) بالفتح: أي مثلًا.

٣٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة، كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها،
قال: لا تقولوا: ما شاء الله، وما شاء محمد)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب)) .
١٠- (الْحَلِفُ بِالطَّوَاغِيتِ)
٣٨٠١- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَنَا (١) هِشَامٌ، عَنٍ
الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ الثَِّيِّ وَِّ، قَالَ: ((لَا تَحَلِقُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَّا
بِالطَّوَاغِيتِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (أحمد بن سليمان) الرُّهاويّ ثقة حافظ [١١] ٤٢/٣٨.
٢- (يزيد) بن هارون الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٩] ٢٤٤/١٥٣.
٣- (هشام) بن حسّان القردوسيّ البصريّ، ثقة من أثبت الناس في ابن سرين، وفي
روايته عن الحسن، وعطاء مقال، لأنه كان يرسل عنهما [٦] ٣٠٠/١٨٨.
٤- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فاضل فقيه مشهور يرسل ويدلس
[٣] ٣٦/٣٢ .
٥- (عبد الرحمن بن سمرة) بن حبيب بن عبدشمس العبشميّ، صحابيّ، من مسلمة
الفتح، يقال: كان اسمه عبد كلال، افتتح سجستان، ثم سكن البصرة، ومات بها سنة
(٥٠) أو بعدها رتنيّ، تقدمت ترجمته ٢/ ١٤٦٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير
شيخه أيضًا، فإنه رُهاويّ. والله تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا))، وفي أخرى: ((حدّثنا)).

١٠ - (الْحَلِفُ بالطّواغِيتِ) - حديث رقم ٣٨٠١
٣٠٩ =
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمْرَةً) رضي اللّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ) أنه (قَالَ: ((لَا تُحْلِفُوا
بِآبَائِكُمْ) تقدّم البحث عنه مستوفّى في شرح حديث عمر رَّ (وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ) أي
الأصنام. قال الفيّوميّ: الطاغوتُ: تاؤها زائدة، وهي مشتقّة من طغا، والطاغوت
يُذكّر، ويؤنّث، والاسم الطّغيان، وهو مجاوزة الحدّ، وكلّ شيء جاوز المقدار والحدَّ
في العصيان، فهو طاغ، وأطغيته: جعلته طاغيّا، وطغا السيل: ارتفع حتى جاوز الحدّ
في الكثرة، والطاغوت: الشيطان، وهو في تقدير فَعَلُوت بفتح العين، لكن قُدّمت اللام
موضع العين، واللامُ واوّ محرّكةٌ، مفتوحٌ ما قبلها، فقُلبت ألفًا، فبقي في تقدير
فَلَعُوت، وهو من الطغيان. قاله الزمخشريّ. انتهى.
ولفظ مسلم: ((بالطواغي)) بدون التاء، قال النوويّ في ((شرحه)): قال أهل اللغة،
والغريب: الطواغي هي الأصنام، واحدتها طاغية، ومنه هذه ((طاغية دوس)): أي
صنمهم، ومعبودهم، سُمّي باسم المصدر لطغيان الكفّار بعبادته؛ لأنه سبب طغيانهم
وكفرهم. وكلّ ما جاوز الحدّ في تعظيم، أو غيره، فقد طغى، فالطغيان المجاوزة
للحدّ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمَا ◌َغَا الْمَاءُ﴾ الآية [الحاقة: ١١]، أي جاوز الحدّ. وقيل:
يجوز أن يكون المراد بالطواغي هنا مَنْ طغى من الكفّار، وجاوز القدر المعتاد في
الشرّ، وهم عُظماؤهم. وروي هذا الحديث في غير مسلم: ((لا تحلفوا بالطواغيت))،
وهو جمع طاغوت، وهو الصنم، ويُطلق على الشيطان أيضًا، ويكون الطاغوت واحدًا،
وجمعًا، ومذكّرًا، ومؤنّئًا، قال الله تعالى: ﴿أَجْتَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ الآية
[الزمر: ١٧]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الَّاغُوتِ﴾ الآية [النساء: ٦٠](١)
انتھی کلام النووي رحمه الله تعالی.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: ما نصّه:
الطواغي: جمع طاغية، كالروابي: جمع رابية، والدوالي: جمع دالية، وهي مأخوذ من
الطغيان، وهو الزيادة على الحدّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَا كَفَا أَلْمَّهُ حَمْتَكُمْ فِي الْمَرِيَةِ﴾ ،
أي زاد. قال: والطواغي، والطواغيت: كلّ معبود سوى الله تعالى. قال: وقد تقرّر أن
اليمين بذلك محرّم، وعلى ذلك فلا كفّارة فيه عند الجمهور؛ لأجل الحلف بها، ولا
لأجل الحنث فيها، أما الأول؛ فلأن النبيّ وَ اللّه قد قال: ((من قال: واللات والعزى،
فليقل: لا إله إلا الله))، ولم يذكر كفّارةً، ولو كانت لوجب تبيينها لتعيّن الحاجة لذلك.
(١) (شرح مسلم)) ١١١/١١.

٣١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
وأما الثاني، فليست بيمين منعقدة، ولا مشروعة، فيلزم بالحنث فيها الكفّارة، وقد شذّ
بعض الأئمّة، وتناقض فيما إذا قال: أُشرك بالله، أو أكفُر بالله، أو هو يهوديٍّ، أو
نصرانيّ، أو بريء من الإسلام، أو من النبيّ وَله، أو من القرآن، وما أشبه ذلك، فقال:
هي أيمانٌ يلزم بها كفّارةٌ إذا حنِثَ فيها، أما شذوذه، فلأنه لا سلف له فيه من الصحابة،
ولا موافق له من أئمّة الفتوى فيما أعلم. وأما تناقضه، فلأنه قال: لو قال: واليهوديّةِ،
والنصرانية، والنبيِّ، والكعبةٍ، لم يجب عليه كفّارة عنده، مع أنها على صيغ الأيمان
اللغويّة، فأوجب الكفّارة فيما لا يُقال عليه يمين، لا لغةً، ولا شرعًا، ولا هو من
ألفاظها، ولو عكس لكان أولى، وأمس، ولا حجة له في آية كفّارة اليمين؛ إذ تلك
الكلمات ليست أيمانًا، كما بيّنّاه، ولو سلّمنا أنها أيمان، فليست بمنعقدة، فلا يتناولها
العموم، ثم يلزم بحكم العموم أن يوجب الكفّارة في كلّ ما يقال عليه يمينٌ لغةً،
وعرفًا، ولم يقل بذلك. والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى
بتصرّف يسير(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الرحمن بن سَمُرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٣٨٠١/١٠- وفي ((الكبرى)) ٤٧١٥/١٠. وأخرجه (م) في ((الأيمان
والنذور)) ١٦٤٨ (ق) في ((الكفّارات)) ٢٠٩٥ (أحمد) في ((مسند البصريين)) ٢٠١٠١.
وبقيّة متعلّقات الحديث من الفوائد، وغيرها تقدّمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنیب».
(١) ((المفهم) ٦٢٤/٤-٦٢٥. ((كتاب النذور والأيمان)).

١١ - (الخَلِفُ بِاللَّتِ) - حديث رقم ٣٨٠٢
٣١١ =
١١- (الْحَلِفُ بِاللَّاتِ)
٣٨٠٢- (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ
الزُّهْرِيّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((مَنْ
حَلَفَّ مِنْكُمْ، فَقَالَ: بِاللَّاتِ، فَلْيَقُلَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ،
فَلْيَتَصَدَّقْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (كثير بن عُبيد) بن نمير الْمَذْحِجِيّ، أبو الحسن الحمصيّ الحذّاء المقرىء، ثقة
[١٠] ٤٨٦/٥ .
٢- (محمد بن حرب) الخَوْلَاني الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢.
٣- (الزُّبيديّ) -مصغّرًا- محمد بن الوليد بن عامرن أبو الهذيل الحمصيّ القاضي،
ثقة ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] ٥٦/٤٥.
٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/١ .
٥- (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٢] ٧٢٥/٣٢.
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أن
نصفه الأول مسلسل بالحمصيين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ حَلَفَ
مِنْكُمْ، فَقَالَ: بِاللَّاتِ) أي قال في حلفه باللات، أي بلا قصد، بل جرى على لسانه،
كما جرت العادة بينهم بذلك؛ حيث كانوا قريبي عهد بجاهليّة.
أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق أبي الأشهب - جعفر بن حيّان-، عن أبي
الجوزاء - أوس بن عبد اللَّه-، عن ابن عبّاس ◌َبًا في قوله ((اللات، والعُزّى)»: كان
اللات رجلاً يَلْتُ سويق الحاج. قال في ((الفتح)): قال الإسماعيليّ: هذا التفسير على

٣١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
قراءة من قرأ ((اللات)) بتشديد التاء. قال الحافظ: وليس بلازم، بل يحتمل أن يكون هذا
أصله، وخُفّف لكثرة الاستعمال، والجمهور على القراءة بالتخفيف. وقد روي التشديد
عن قراءة ابن عبّاس، وجماعة من أتباعه، ورويت عن ابن كثير أيضًا، والمشهور عنه
التخفيف كالجمهور. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مالك، عن أبي
الجوزاء، عن ابن عبّاس، ولفظه فيه زيادة: ((كان يلُتّ السويق على الحجر، فلا يشرب
منه أحدٌ إلا سَمِنَ، فعبدوه)). واختلف في اسم هذا الرجل، فروى الفاكهيّ من طريق
مجاهد، قال: كان رجلٌ في الجاهليّة على صخرة بالطائف، وعليها له غنمٌ، فكان يسلو
من رِسْلها، ويأخذ من زبيب الطائف، والأقط، فيجعل منه حَيْسًا، ويُطعم من يمرّ به
من الناس، فَلَمّا مات عبدوه))، وكان مجاهديقرأ ((اللات)) مشدّدةً. ومن طريق ابن جُريج
نحوه، قال: وزعم بعض الناس أنه عامر بن الظَّرِب انتهى. وهو - بفتح الظاء المشالة،
وكسر الراء، ثم موحّدة- وهو الْعُذْوانيّ -بضمّ المهملة، وسكون الدال- وكان حَكَمَ
العرب في زمانه، وفيه يقول شاعرهم:
وَمِنَّا حَكُمْ يَقْضِي وَلَا يُنْقَضُ مَا يَقْضِي
وحكى السهيليّ أنه عمرو بن لُخَيّ بن قمعة بن إلياس بن مضر، قال: ويقال: هو
عمرو بن لُخَيّ، وهو ربيعة بن حارثة، وهو والد خُزاعة انتهى. وحرّف بعض الشراح
كلام السهيليّ، وظنّ أن ربيعة بن حارثة قول آخر في اسم اللات، وليس كذلك، وإنما
ربيعة بن حارثة اسم لُحيّ فيما قيل. والصحيح أن اللات غير عمرو بن لُحيّ، فقد أخرج
الفاكهيّ من وجه آخر، عن ابن عبّاس أن اللات لَمّا مات قال لهم عمرو بن لُحيّ: إنه لم
يمت، ولكنّه دخل الصخرة، فعبدوها، وبنوا عليها بيتًا. وقد ثبت أن عمرو بن لُحيّ هو
الذي حمل العرب على عبادة الأصنام. وحكى ابن الكلبيّ أن اسمه صرمة بن غنم،
وكانت اللات بالطائف. وقيل: بنخلة. وقيل: بعكاظ، والأول أصحّ. وقد أخرجه
الفاكهي أيضًا من طريق مِقسم، عن ابن عبّاس، قال هشام بن الكلبيّ: كانت مناة أقدم
من اللات، فهدمها عليّ عام الفتح بأمر النبيّ بَّر، وكانت اللات أحدث من مناة،
فهدمها المغيرة بن شعبة بأمر النبيّ وَ# لما أسلمت ثقيف، وكانت العزّى أحدث عن
اللات، وكان الذي اتخذها ظالم بن سعد بوادي نخلة فوق ذات عرق، فهدمها خالد بن
الوليد بأمر النبيّ وَّ عام الفتح. انتهى(١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: اللات، والعزى، ومناة أصنامٌ ثلاثةٌ
(١) ((فتح" ٩/ ٥٩٤-٥٩٥. (كتاب التفسير)).

١١ - (الْخَلِفُ باللَّّتِ) - حديث رقم ٣٨٠٢
٣١٣ =
كانت في جوف الكعبة. وقيل: اللات بالطائف، والعُزّى بغطفان، وهي التي هدمها
خالد بن الوليد، ومناة بقُدَيد. وقيل: بالمشلَّل. فأما اللات، فقيل: إنهم أرادوا به تأنيث
اسم الله تعالى. وقيل: أرادوا يسمّوا بعض آلهتهم باسم الله تعالى، فصرف اللّه ألسنتهم
عن ذلك، فقالوا: اللات؛ صيانة لذلك الاسم العظيم أن يُسمّى به غيره، كما صرف
ألسنتهم عن سبّ محمد ◌َّهَ إلى مُذَمَّم، فكانوا إذا تكلّموا باسمه في غير السبّ، قالوا:
محمد، فإذا أرادوا أن يسبّوه، قالوا: مذهّم، حتى قال النبيّ وَلّ: ((ألا تعجبون مما
صرف اللّه عنّي من أذى قريش؟ يسبّون مذمَمًا، وأنا محمد))، رواه البخاريّ -٣٥٣٣،
والنسائي-١٥٩/٦ .
ولَمّا نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام، وعلى الحلف بها، وأنعم الله عليهم
بالإسلام، بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد للحلف بها، فأمر النبيّ
وَّر من نطق بذلك أن يقول بعده: لا إله إلا الله، تكفيرًا لتلك اللفظة، وتذكيرًا من
الغفلة، وإتمامًا للنعمة. وخصَّ اللات بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها أكثر ما كانت
تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها؛ إذ لا فرق بينها.
والْعُزَّى تأنيث الأعزّ، كالْجُلَّى تأنيث الأجلّ. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله
تعالى(١).
(فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي استدراكًا لما فاته من تعظيم اللَّه تعالى في محلّه، ونفيًا
لما تعاطى من تعظيم الأصنام صورةً، وأما من قصد الحلف بالأصنام تعظيمًا لها، فإنه
كافر بلا خلاف، -نعوذ بالله تعالى من ذلك -.
وقال الخطّابيّ: اليمين إنما تكون بالمعبود المعظّم، فإذا حلف باللات، ونحوها،
فقد ضاهى الكفّار، فأمر أن يتدارك بكلمة التوحيد. وقال ابن العربيّ: من حلف بها
جادًّا، فهو كافر، ومن قالها جاهلًا، أو ذاهلاً، يقول: لا إله إلا الله، يكفّر الله عنه،
ويرذ قلبه عن السهو إلى الذكر، ولسانه إلى الحقّ، وينفي عنه ما جرى به من اللغو.
(وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أَقَامِزْكَ) بالجزم على أنه جواب الأمر، والمقامرة مصدر
قامره: إذا طلب كلّ منهما أن يغلب على صاحبه في فعل أمر، أو قول، ليأخذ مالًا
جَعَلاه للغالب منهما، وهذا حرام بالإجماع، إلا أنه استُثني منه نحو سباق الخيل، على
ما سبق بيانه في بابه. والله تعالى أعلم(٢).
(فَلْيَتَصَدَّقْ) قال الخطّابيّ: أي بالمال الذي كان يريد أن يقامر به. وقيل: بصدقة ما
(١) «المفهم)) ٦٢٥/٤-٦٢٦. ((كتاب النذور والأيمان)).
(٢) راجع ((شرح السنديّ)) ٧/ ٧.

٣١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
لتكفّر عنه القول الذي جرى على لسانه. قال النوويّ: وهذا هو الصواب، وعليه يدلّ ما
في رواية مسلم: ((فليتصدّق بشيءٍ))، وزعم بعض الحنفيّة أنه يلزمه كفّارة يمين، وفيه ما
فيه. انتھی.
وقال القرطبيّ: القول فيه كالقول في اللات؛ لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة، وهي من
أكل المال بالباطل، ولما ذمها النبيّ ◌َّ بالغ في الزجر عنها، وعن ذكرها، حتّى إذا
ذكرها الإنسان طالبًا للمقامرة بها أمره بصدقة.
والظاهر وجوبها عليه؛ لأنها كفّارة مأمور بها، وكذلك قول لا إله إلا اللَّه على من
قال: واللاتٍ.
ثم هذه الصدقة غير محدودة، ولا مقدّرة، فيتصدّق بما تيسّر له مما يصدق عليه
الاسم، كالحال في صدقة مناجاة الرسول وَّر في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ
بَيْنَ يَدَىْ تَجْوَئِكُمْ صَدَقَةٌ﴾ الآية [المجادلة: ١٢]، فإنها غير مقدّرة. وقال الخطابيّ: يتصدّق
بقدر ما أراد أن يقامر به، وليس في اللفظ ما يدلّ عليه، ولا في قواعد الشرع، ولا
للعقل مجالٌ في تقدير الكفّارات، فهو تحكّم. وأبعد من هذا قولُ من قال من الحنفيّة:
إن المراد بها كفّارة اليمين. وهذا فاسدٌ قطعًا؛ لأن كفّارة اليمين ما هي صدقة فقط، بل
عتقٌ، أو كسوةٌ، أو إطعامٌ، فإن لم يجد فصيامٌ، فكيف يصح أن يقال: أطلق الصدقة،
وهو يُريد به إطعام عشرة مساكين، وأنه مخيّرٌ بينه وبين غيره، من الخصال المذكورة
معه في الآية؟. وأيضًا فإنه لا يتمشّى على أصل الحنفيّة المتقدّم الذكر، فإنهم قالوا: لا
تجب الكفّارة إلا بالحنث في قوله: يهوديّ، أو نصرانيّ، إلى غير ذلك، مما ذكروه،
وهذا حكم معلّقٌ على نطق بقولٍ ليس فيه يمين، ولا التزام، وإنما هو استدعاءً
للمقامرة، فأين الأرض من السماء؟، والعرش من الثرى؟. انتهى كلام القرطبيّ رحمه
اللّه تعالى(١) وهو تحقيق نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٨٠٢/١١- وفي ((الكبرى)) ٤٧١٦/١١. وأخرجه (خ) في
(١) ((المفهم» ٦٢٦/٤ -٦٢٧.

٣١٥
١١ - (الْحَلِفُ باللَّتِ) - حديث رقم ٣٨٠٢
(التفسير ٤٨٦٠ و((الأدب)) ٦١٠٧ و((الاستئذان)) ٦٣٠١ و((الأيمان والنذور)) ٦٦٥٠ (م)
في ((الأيمان والنذور)) ١٦٤٧ (د) في ((الأيمان والنذور)) ٣٢٤٧ (ت) في ((الأيمان
والنذور)) ١٥٤٥ (ق) في ((الكفّارات)) ٢٠٩٦ (أحمد) في باقي مسند المكثرين)» ٨٠٢٦.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الحلف باللات،
وهو وجوب قول ((لا إله إلا الله)) على من حلف بذلك. (ومنها): تحريم الحلف
بالأصنام، والأوثان، وغيرها مما يعظّم من دون الله سبحانه . (ومنها): تحريم القمار،
كما نصّ الله عز وجل عليه في كتابه المبين، حيث قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا
اَْتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
(ومنها): أن من طلب من آخر أن يقامره، وجب عليه أن يتصدّق بشيء من ماله؛ كفّارة
لمعصيته، وأما ما قاله السنديّ تبعًا لغيره من أن التصدّق مندوب، غير صحيح، بل
الأصح أنه واجب، كما تقدّم تحقيقه في كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى؛ كما أن قول: لا
إله إلا اللَّه الماضي واجبٌ؛ وذلك لأنه أتى به الأمر، وأمر الشارع للوجوب، إذا لم
يوجد له صارف، وليس له هنا صارف، فتنبه. (ومنها): أن بعضهم قال: في هذا
الحديث حجة للجمهور أن العزم على المعصية إذا استقرّ في القلب كان ذنبًا يكتب
عليه، بخلاف الخاطر الذي لا يستمرّ. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا أدري من أين أخذ
ذلك مع التصريح في الحديث بصدور القول حيث نطق بقوله: ((تعال أُقامرك))، فدعاه
إلى المعصية، والقمار حرامٌ باتفاق، فالدعاء إلى فعله حرام، فليس هنا عزمٌ مجرّد(١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب».
(١) (فتح)) ٩/ ٥٩٥. ((كتاب التفسير.

٣١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
١٢- (الْحَلِفُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى)
٣٨٠٣- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدْثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: كُنَّا تَذْكُرُ بَعْضَ الْأَمْرِ، وَأَنَا
حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَةِ، فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ لِي أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِّ ◌ِ:
بِسَ مَا قُلْتَ، اثْتِ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَأَخِرْهُ، فَإِنَّا لَا نَرَاكَ، إِلَّا قَدْ كَفَرْتَ، فَأَتَيْتُهُ،
فَأَخَبَرْتُهُ، فَقَالَ لِي: ((قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَخْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ
مِنَ الشَّيْطَانِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تَعُذْ لَهُ))).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (أبو داود) سليمان بن سيف الطائيّ مولاهم، الْحَرّانيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/
١٣٦ .
٢- (الحسن بن محمد) بن أعين، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوقٌ [٩] ٦٤٩/١٦.
٣- (زهير) بن معاوية بن حُدَيح، أبو خيثمة الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة
ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأخرة [٧] ٤٢/٣٨.
٤- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله بن عُبيد الهمدانيّ السبّبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد
مكثر، اختلط بآخره، وكان يدلّس [٣] مكثر ٤٢/٣٨.
٥- (مُصعب بن سعد) الزهريّ، أبو زرارة المدنيّ، ثقة [٣] ١٠٣٢/٩١.
٦ - (أبوه) سعد بن أبي وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب
الزهري، أبو إسحاق، مات رضي اللّه تعالى عنه بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور٩٦/
١٢١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه حزانيين: شيخه،
والحسن، وكوفيين: زهير، وأبو إسحاق، ومدنيين: مصعب، وأبوه. (ومنها): أن فيه
رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن، عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه، أحد العشرة
المبشرين بالجنة ** ، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وآخر من مات من العشرة
رضي الله تعالى عنهم مات سنة (٥٥) على الأصح. والله تعالى أعلم.

٣١٧
١٢- (الْخَلِفُ بِاللَّتِ وَالْعُزَّى) - ٣٨٠٣
شرح الحديث
(عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقاص رَّهِ، أنه (قَالَ: كُنَّا نَذْكُرُ
بَعْضَ الْأَمْرِ، وَأَنَا حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ) أي قريب الدخول إلى الإسلام، ولم تزل منه
آثار الجاهلية، والجاهليّة: ما قبل الإسلام، مما كانت فيه العرب، من الجهل بالله
سبحانه وتعالى، وبأحكامه، حتى أخرجها الله تعالى من ذلك الضلال ببعث النبيّ وَلقر
فيهم (فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى) أي جرى ذلك منه على العادة، وليس قاصدًا لذلك، كما
يُرشد إليه السياق (فَقَالَ لِي أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَ له) وفي الرواية التالية: ((أصحابي))،
ولا تنافي بينهما؛ لأن أصحاب رسول اللَّه ◌َ لهل هم أصحابه (بِثَ مَا قُلْتَ) أي من
الحلف باللات، والعزّى، فإنه منكرٌ من القول، وزورٌ، وفي الرواية التالية زيادة: ((قُلتَ
هُجْرًا))، وهو -بضم الهاء، وسكون الجيم -: هو القبيح من الكلام (اثْتِ رَسُولَ اللَّهِ
وَ﴿ِ، فَأَخْبِرْهُ، فَإِنَّا لَا نَرَاكَ، إِلَّا قَدْ كَفَرْتَ) هذا ظنّ من الصحابة ، أذاهم إليه شدّة
بغضهم لما كانوا عليه من الجهل باللّه تعالى، وبأحكامه، فظنّوا أن من قال ذلك، ولو
كان غير قاصد يكفر به (فَأَتَيْتُهُ) وَِّ (فَأَخْبَرْتُهُ) أي بما جرى له من الحلف المذكور (فَقَالَ
لي: ((قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) زاد في الرواية التالية: ((له الملك، وله
الحمد، وهو على كلّ شيء قدير)). وفي نسخة: ((إسقاط جملة: ((لا شريك له)) (ثَلاثَ
مَرَّاتٍ) إنما أمره بتكرارها - والله أعلم - مبالغة في التبرّي من الأصنام (وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ
الشَّيْطَانِ) أي لأن هذا من عمله؛ إذْ هو الحامل على المنكر من القول والفعل، كمنا
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُّكُمْ بِالسُّوَّهِ وَالْفَحْتَِّ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَ اَللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ١٦٩] (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَاتْفُلْ) - بضمّ الفاء، وكسرها، أمر من تفل، من بابي
ضرب، وقتل، يقال: بزّق، ثم تفَل، ثم نَّفَث، ثم نَفَخ. قاله الفيومي. أي
فالتَّفْل أشدّ من البَزْق، ويليه النّفْثُ، ويليه النفخ (عَنْ يَسَارِكَ) وفي نسخة: ((عن
شمالك))، وإنما أمره بالتفل في يساره؛ لأنه موقف الشيطان، من الإنسان، فإن اليمين
للملك، واليسار للشيطان، ويشهد له ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من طريق أبي
الزبير، عن جابر رَّه، عن رسول اللَّهِ وَله، أنه قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها،
فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا، وليتحول عن جنبه الذي كان
عليه)) .
ويؤيّده أيضًا ما رواه أبو هريرة رَمي، عن النبي بَّرَه قال: ((إذا قام أحدكم إلى
الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي اللَّه ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن
يمينه ملكا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فيدفنها))، متّفقٌ عليه، وقد بُيِّنَ كونُ

٣١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالُّذُورِ
اليسار موقف الشيطان، فيما رواه ابن أبي شيبة، من حديث أبي أمامة وتنمي في هذا
الحديث: ((فإنه يقوم بين يدي الله، وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره)).
(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تَعُذْ لَهُ) -بضمّ العين المهملة، من العَوْد، وهو الرجوع، أي لا
ترجع لمثل هذا القول مرّة أخرى؛ لأنه من عمل الشيطان الذي هو عدوّ الإنسان، والله
تعالى أمرنا بمخالفته، واتخاذه عدوًّا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌّ فَأَخِذُوهُ عَدُوًّاْ إِنََّا
يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه أبو إسحاق مدلّسٌ، وقد عنعنه، وهو أيضًا ممن
اختلط في آخره، وزهير بن معاوية إنما سمع منه بعد اختلاطه؟(١).
[قلت]: أما عنعنته فقد زالت بتصريحه بالتحديث في الرواية التالية، وأما اختلاطه،
فإن زهيرًا، وإن كان أخذه عنه بآخره، إلا أنه تابعه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق،
فرواه عنه، كما أخرجه أحمد في ((مسنده)) من طريقه -١/ ١٨٣ و١٨٦ - ١٨٧ - وإسرائيل
في جدّه أبي إسحاق، أثبت حتّى من شعبة، والثوريّ، كما قاله ابن مهديّ، وقال ابن
مهديّ أيضًا: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوريّ عن أبي إسحاق، إلا لما اتّكلت به
على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتمّ. وقال حجاج الأعور: قلنا لشعبة: حدّثنا حديث
أبي إسحاق، قال: سلوا عنها إسرائيل، فإنه أثبت فيها منّي. مع أن يحيى بن معين: قال
أثبت أصحاب أبي إسحاق سفيان، وشعبة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢/ ٣٨٠٣ و٣٨٠٤ - وفي ((الكبرى)) ٤٧١٧/١٢ و٤٧١٨. وأخرجه
(ق) في ((الكفّارات)) ٢٠٩٧ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ١٥٩٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الحلف باللات
والعزى، وهو ما ذُكِرَ في الحديث. (ومنها): أن من تكلّم بالمكفّرات، لجهله،
(١) ضعفه الشيخ الألبانيّ بسبب هاتين العلتين، انظر ((الإرواء)) ١٩٢/٨-١٩٣.

١٢ - (الْخَلِفُ بِاللَّتِ وَالْعُزَّى) - ٣٨٠٤
٣١٩ =
أو نسيانه، بأن كان قريب عهد بالجاهليّة، لا يكفر بذلك، ولا يخرج عن الإسلام؛ لأنه
غير قاصد لذلك. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ، من الاشمئزاز، والنَّفْرة حينما
يسمعون ألفاظًا منكرة، وقيامهم بالإنكار على من رأوا ذلك منه، وهذا هو الواجب على
كلّ مسلم عند ما يرى المنكر، من القول والفعل، فقد أخرج مسلم من حديث أبي
سعيد الخدريّ رَّه، قال: سمعت رسول اللّه وَ له يقول: ((من رأى منكم منكرا،
فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).
(ومنها): أن من وقع في المخالفات ينبغي له أن يتعوّذ من الشيطان، ويذكر الله تعالى؛
ليبعده عنه؛ فإن ذكر الله سبحانه وتعالى حصن حصين منيع، لا يصل الشيطان إلى ابن
آدم ما دام متحصّنًا به. (ومنها): وجوب التوبة على من اقترف معصية، وعدم الرجوع
إليها، وهذا من شروط التوبة الصحيحة، فإنها الندم، والإقلاع عنها في الحال، والعزم
على أن لا يعود في المستقبل، وإذا تعلّقت بحقّ آدميّ شُرط الخروج عن تلك المظلمة،
إن أمكنه ذلك، قال في ((الكوكب الساطع)):
وَاعْرِضْ عَلَى نَفْسِكَ تَوْبَةً تُؤَمُّ وَمَا حَوَتْ مِنْ حَسَنٍ وَهْيَ النَّدَمْ
وَشَرْطُهَا الإِقْلَاعُ وَالْعَزْمُ السَّنِي أَنْ لَا يَعُودَ وَادْرَاكُ الْمُمْكِنِ
وقوله: ((وادراك الممكن)) افتعال من الدرك، أي تدارك ما أمكن تداركه. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٠٤- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: حَدَّثَتَا يُونُسُ بْنُ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَلَفْتُ بِاللَّاتِ
وَالْعُزَّى، فَقَالَ لِي أَضْحَابِي: بِشْسَ مَا قُلْتَ، قُلْتَ: هُجْرًا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ،
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((قُلْ: لَا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ
الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَانْقُْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ
لَا تَعُذْ)) (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عبد الحميد بن محمد)): هو أبو عمر الحزانيّ، إمام
مسجدها، ثقة [١١] ٢٢/ ٩٣٢ من أفراد المصنّف. و((مخلد»: هو ابن يزيد القرشيّ
الحرّانيّ، صدوق، له أوهام، من كبار [٩] ٢٢٢/١٤١. و((يونس بن أبي إسحاق)):
هو أبو إسرائيل الكوفيّ، صدوق تهم قليلًا [٥] ٦٥٢/١٦.
وقوله: ((هُجرّا)) -بضمّ، فسكون -: أي كلامًا قبيحًا. وقوله: ((وانفث)) بضمّ الفاء،
(١) وفي نسخة: ((ولا تَعُد)).

٣٢٠ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
أمر من نفث، من باب ضرب، يقال: نفث: إذا بزَقّ، ومنهم من يقوله: إذا بزق، ولا
ريق معه. قاله الفيوميّ. والحديث صحيح، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب)).
١٣- (إِبْرَارُ الْقَسَم)
٣٨٠٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ،
قَالَ: ((أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهَّ بِسَبْعٍ: أَمَرَنَا بِتَّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَتَشْمِيتِ
الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَرَدْ السَّلَام))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجالَ هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير
مرّة، و((محمد)): هو ابن جعفر غندر. و((الأشعث بن سُليم)): هو ابن أبي الشعثاء
المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦] ١١٢/٩٠. و((معاوية بن سُويد بن مُقَرِّن)): هو المزنيّ،
أبو سُويد الكوفيّ، ثقة [٣] ١٤٧٩/٥٢.
وقوله: ((اتباع الجنائز)): أي تشبيعه إلى محل الصلاة عليه، ودفنه. وتقدّم تمام
البحث فيه في ((كتاب الجنائز)).
وقوله: ((وعيادة المريض)): أي زيارته، وتفقّده، يقال: عاد يعوده عيادة: إذا زاره.
وقوله: ((وتشميت العاطس)): بالشين المعجمة، هو الدعاء له إذا عطس، وحَمِدَ الله
تعالى، فعلى المشمّت أن يقول له: ((يرحمك الله))، كما بيّنه ما أخرجه البخاريّ في
(صحيحه)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَلّ، قال: ((إذا عطس
أحدكم، فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه)) - أو- ((صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال
له: يرحمك الله، فليقل: يهدِیكم الله، ويُصلح بالكم)).
وقوله: ((وإجابة الداعي)) تعمّ الوليمة، وغيرها، ويتأكد في الوليمة، وقد تقدم بيانه
في ((النكاح)).
وقوله: ((ونصر المظلوم)): أي إعانته على ظالمه، وتخليصه منه. وقوله: ((ورد
السلام): وفي رواية: ((وإفشاء السلام)): أي إشاعته، ولا یخصّ به من یعرف، دون من
لا يعرف.