النص المفهرس

صفحات 281-300

٤- (التَّشَيْدِيدُ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى) - حديث رقم ٣٧٩١
٢٨١
٤٧٠٥ و٤٧٠٦ و٤٧٠٧/٥ و٤٧٠٨ و٤٧٠٩. وأخرجه (خ) في ((الشهادات)) ٢٦٧٩
و(المناقب)) ٣٨٣٦ و((الأدب)) ٦١٠٨ و((الأيمان والنذور)) ٦٦٤٦ و٦٦٤٧ و((التوحيد))
٧٤٠١ (م) في ((الأيمان والنذور)) ١٦٤٦ (د) في ((الأيمان والنذور)) ٣٢٤٩ (ت) في
(النذور والأيمان)) ١٥٣٣ و١٥٣٤ و١٥٣٥ (ق) في ((الكفّارات)) ٢٠٩٤ (أحمد) في
((مسند العشرة)) ١١٣ و٢٤٢ و٤٥٠٩ و٤٥٣٤ و٤٥٧٩ و٤٦٥٣ ٤٦٨٩ و٥٤٣٩
و٥٥٦٨ و٦٠٣٦ و٦٢٥٢ (الموطأ) في ((النذور والأيمان)) ١٠٣٧. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث روي من مسند عمر، ومن مسند ابن عمر رضي الله تعالى
عنهما، قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: أخرجه من الطريق الأولى - يعني كونه
عن عمر تَّه مسلم، وأبو داود من رواية أبي الحسن بن العبد من هذا الوجه من طريق
عبد الرزاق، عن معمر، واتّفق الشيخان من طريق يونس بن يزيد، وأخرجه مسلم من
رواية عُقيل بن خالد، والنسائيّ-٣٧٦٧/٥ - وابن ماجه من رواية ابن عيينة، والنسائيّ -
٣٧٦٨/٥-من رواية الزبيديّ، أربعتهم عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن عمر،
وفي رواية عُقيل: ((ما حلفت بها منذ سمعت رسول اللّه وَ لَه ينهى عنها، ولا تكلّمت
بها)»، ولم يقل: ((ذاكرًا، ولا آثرًا)) .
وأخرجه من الطريق الثانية - يعني كونه عن ابن عمر - مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ-
٢٧٦٦/٥ - من هذا الوجه من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن
أبيه. وذكره البخاري تعليقًا، فقال: بعد ذكر الطريق الأولى: تابعه عُقيلٌ، والزُّبيديّ،
وإسحاق الكلبيّ، عن الزهريّ. وقال ابن عيينة، ومعمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن
ابن عمر، سمع النبيُّ بُّ عمر. انتهى.
وقد ظهر بذلك الاختلاف على سالم، أو الزهريّ في أن الحديث في مسند عمر، أو
ابن عمر، والاختلاف على ابن عيينة أيضًا، فالجمهور جعلوه من طريقه من مسند ابن
عمر، حكاه عنهم الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذي)). ورواه محمد
ابن عبد الله بن یزید المقرىء، وسعید بن عبد الرحمن المخزوميّ، ومحمد بن یحیی بن
أبي عمر عنه بإثبات عمر.
وأخرجه من الطريق الثالثة - يعني طريق نافع - البخاريّ، من طريق مالك، والشيخان
من طريق الليث بن سعد، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ في ((الكبرى)) من طريق
عبيد الله بن عمر، ومسلم أيضًا من طريق أيوب السختيانيّ، والوليد بن كثير،
وإسماعيل بن أميّة، والضحاك بن عثمان، وابن أبي ذئب، وعبد الكريم الجزريّ،
تسعتهم عن نافع، عن ابن عمر.

٢٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس، عن زُهير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن
ابن عمر، عن عمر. وجعل المزّيّ في ((الأطراف)) رواية عبد الكريم الجزريّ عند مسلم
بإثبات عمر، وليس كذلك. وقد ظهر الاختلاف فيه على نافع كسالم. انتهى كلام وليّ
الدين(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو التشديد في الحلف بغير الله
تعالى، وإنما خصّ في حديث عمر بالآباء؛ لوروده على سبب، وهو أنه مَلّ مرّ به،
وهو يحلف بأبيه، فقال له ذلك. أو خصّ لكونه غالبًا عليهم؛ كما بيّنه في هذه الرواية
بقوله: ((وكانت قريش تحلف بآبائها، ويدل على التعميم قوله: ((من كان حالفًا، فلا
يحلف إلا بالله)). وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير الله تعالى، فللعلماء فيه
جوابان، سيأتي بيانهما قريبًا، إن شاء اللّه تعالى.
(ومنها): أن من حلف بغير الله تعالى مطلقًا لا تنعقد يمينه، وسيأتي تمام البحث فيه
أيضًا. (ومنها): أن فيه الردّ على من قال: إن من قال: إن فعلت كذا كذا، فأنا يهوديّ،
أو نصراني، أو كافر أنه ينعقد يمينًا، ومتى فعل تجب عليه الكفّارة. وقد نُقل ذلك عن
الحنفيّة، والحنابلة. ووجه الدلالة من الخبر أنه لم يحلف بالله، ولا بما يقوم مقام
ذلك. (ومنها): أن من قال: أقسمت لأفعلن كذا، لا يكون يمينًا، وعند الحنفيّة يكون
يمينًا، وكذل قال مالك، وأحمد، لكن بشرط أن ينوي بذلك الحلف بالله، وهو متجه.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هكذا قال في ((الفتح))، وعندي أنه غير متّجه؛ لأنه
يصدق عليه أنه حلف بغير الله، ولا تنفعه النيّة المذكورة، وإلا فيلزمنا أن نجيز بالتأويل
حلف من قال: ((وأبي))، أي أحلف برب أبي، وهو باطلٌ، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن الحلف بالأمانة ليس يمينًا؛ لانتفاء الاسم والصفة، وبه قال الشافعيّ،
حكاه عنه الخطّابيّ. قال وليّ الدين: والذي في كتب أصحابنا أنه إذا قال: عليّ أمانة
اللَّه لأفعلنّ كذا، وأراد اليمين، فهو يمين، وإن أراد غير اليمين کالعبادات، فليس
يمينًا، وإن أطلق فوجهان، أصخهما أنه ليس يمينًا؛ لتردّد اللفظ، وقد فُسّرت الأمانة في
قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢] بالعبادات. وقال المالكية: يكره
الحلف بأمانة اللّه، وفيه الكفّارة إن قصد الصفة. وقال الحنابلة: إن قال: وأمانةِ اللَّه،
فهو يمين، وإن قال: والأمانة لم يكن يمينًا إلا أن ينوي صفة الله. وعن أحمد رواية
(١) (طرح التثريب)) ١٤٠/٧-١٤٢.
-

٢٨٣
٤- (التَّشَيْدِيدُ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى) - حديث رقم ٣٧٩١
أخرى أنه يمين مطلقًا. وحكى الخطّابيّ عن أصحاب الرأي أنه إذا قال: وأمانة اللّه كان
يمينًا، ولزمته الكفّارة فيها. وفي ((سنن أبي داود)) بإسناد صحيح، عن بريدة ◌َّه،
قال: قال رسول اللّه وَالغير: ((من حلف بالأمانة، فليس يمينًا)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما تقدّم عن الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى
من أن الحلف بالأمانة ليس يمينًا مطلقًا هو الحقّ؛ لدخوله في نهي: ((من كان حالفًا، فلا
يحلف إلا بالله))، وأصرح منه حديث أبي داود المذكور، وهو حديثٌ صحيحٌ، فإنه
نصّ في النهي عن الحلف بالأمانة، فلا يجوز. والله تعالى أعلم بالصواب.
(ومنها): ما قال المهلّب رحمه الله تعالى: كانت العرب تحلف بآبائها، وآلهتها،
فأراد الله نسخ ذلك من قلوبهم؛ ليُنسيهم ذكر كلّ شيء سواه، ويبقى ذكره؛ لأنه الحقّ
المعبود، فلا يكون اليمين إلا به، والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء.
(ومنها): ما قال الطبريّ رحمه الله تعالى: في حديث عمر تَظّه -يعني حديث
الباب- أن اليمين لا تنعقد إلا بالله، وأن من حلف بالكعبة، أو آدم، أو جبريل، ونحو
ذلك لم تنعقد يمينه، ولزمه الاستغفار؛ لإقدامه على ما نهي عنه، ولا كفّارة في ذلك.
وأما ما وقع في القرآن من القسم بشيء من المخلوقات، فقال الشعبيّ: الخالق يُقْسِمُ بما
شاء من خلقه، والمخلوق لا يُقسم إلا بالخالق، قال: ولأن أقسم بالله، فأحنث أحبّ
. .
إليّ من أُقسم بغيره، فأبرّ. وجاء مثله عن ابن عبّاس، وابن مسعود، وابن عمر
ثم أسند عن مطرّف، عن عبد اللَّه أنه قال: إنما أقسم اللَّه بهذه الأشياء ليُعَجِّبَ بها
المخلوقين، ويُعرّفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها. وقد أجمع
العلماء على أن من وجبت له يمين على آخر في حقّ عليه أنه لا يحلف له إلا بالله، فلو
حلف له بغيره، وقال: نويت ربّ المحلوف به لم یکن ذلك يمينًا. انتهى.
(ومنها): ما قال ابن هُبيرة رحمه اللّه تعالى في ((كتاب الإجماع)): أجمعوا على أن
اليمين منعقدة بالله، وبجميع أسمائه الحسنى، وبجميع صفات ذاته، کعزّته، وجلاله،
وعلمه، وقوّته، وقدرته، واستثنى أبو حنيفة علم الله، فلم يره يمينًا، وكذا حقّ اللّه.
واتفقوا على أنه لا يحلف بمعظّم غير الله، كالنبيّ، وانفرد أحمد في رواية، فقال:
تنعقد انتهى.
(ومنها): ما قال عياض رحمه الله تعالى: لا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الحلف
بأسماء الله، وصفاته لا زم، إلا ما جاء عن الشافعيّ من اشتراط نيّة اليمين في الحلف
بالصفات، وإلا فلا كفّارة. وتُعُقّب إطلاقه ذلك عن الشافعيّ، وإنما يحتاج إلى النيّة
عنده ما يصح إطلاقه عليه سبحانه وتعالى، وعلى غيره، وأما ما لا يُطلق في معرض

٢٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
التعظيم شرعًا إلا عليه، تنعقد اليمين به، وتجب الكفّارة إذا حنث، كمقلّب القلوب،
وخالق، ورازق كلّ حيّ، وربّ العالمين، وفالق الحبّ، وبارىء النسمة، وهذا في
حكم الصريح، كقوله: واللّه. وفي وجه لبعض الشافعيّة أن الصريح اللّه فقط. ويظهر
أثر الخلاف فيما لو قال: قصدت غير الله، هل ينفعه في عدم الحنث.
والمشهور عند المالكية التعميم، وعن أشهب التفصيل في مثل وعزّة اللَّه، إن أراد
التي جعلها بين عباده، فليست بيمين، وقياسه أن يطرد في كلّ ما يصحّ إطلاقه عليه،
وعلى غيره. وقال به سحنون منهم في عزّة اللَّه. وفي ((العتبيّة)): أن من حلف
بالمصحف لا تنعقد، واستنكره بعضهم، ثم أولها على أن المراد إذا أراد جسم
المصحف. والتعميم عند الحنابلة، حتى لو أراد بالعلم، والقدرة المعلوم، والمقدور،
انعقدت. ذكره في (الفتح))(١).
(ومنها): ما قال النوويّ رحمه الله تعالى: إن قيل: فقد أقسم الله تعالی بمخلوقاته،
فإنه قال تعالى: ﴿وَالطَّنَفَّتِ صَفَّ﴾، ﴿وَالذَّرِيَتِ﴾، ﴿وَالُورِ﴾. فالجواب أن لله تعالى:
أن يُقسم بما شاء من مخلوقاته، تنبيهًا على شرفه. انتهى.
قال وليّ الدين: وتعبيره بقوله: ((للَّه)) منكرٌ، ولو قال: إن الله تعالى يُقسم بما يشاء،
لكان أحسن. وفي ((مصنف ابن أبي شيبة))، عن ميمون بن مهران، قال: إن الله تعالى
يُقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يُقسم إلا بالله. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير الله، ففيه جوابان:
[أحدهما]: أن فيه حذفًا، والتقدير ورب الشمس، ونحوه.
[والثاني]: أن ذلك يختصّ بالله تعالى، فإذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم به،
وليس لغيره ذلك. انتهى(٣).
١
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الجواب الثاني هو الصحيح، وأما الأول ففيه نظر لا
يخفى. فتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحلف بغير الله تعالى:
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: وقد اختلف العلماء في أن الحلف بمخلوق
حرامٌ، أو مكروه، والخلاف عند المالكية، والحنابلة، لكن المشهور عند المالكية
الكراهة، وعند الحنابلة التحريم، وبه قال أهل الظاهر، ويوافقه ما جاء عن ابن عبّاس
(١) (فتح)) ٣٨٤/١٣.
(٢) ((طرح التثريب)» ١٤٥/٧.
(٣) ((فتح) ٣٨٢/١٣. ((كتاب الأيمان والنذور)).

٤- (التَّشْدِيدُ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى) - حديث رقم ٣٧٩١
٢٨٥ =
رَوَّا: ((لأن أحلف بالله مائة مرّة، فَآثم، خيرٌ من أن أحلف بغيره، فأبرّ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحنابلة، والظاهريّة من أنه للتحريم هو
الحقّ؛ لتوافق الأدلة الصحيحة الصريحة على ذلك، كقوله ◌َّلتر: ((لا تحلفوا بآبائكم))،
وقوله: ((من كان حالفًا، فلا يحلف إلا بالله))، وقوله: ((من حلف بغير الله فقد كفر))،
وغير ذلك. والله تعالى أعلم.
وقال ابن عبد البرّ: فيه- يعني حديث الباب- أنه لا يجوز الحلف بغير الله، وهذا أمر
مجمع عليه، ثم قال: أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة، منهيّ عنها، لا
يجوز الحلف لأحد بها، واختلفوا في الكفّارة إذا حنث، فأوجبها بعضهم، وأباها
بعضهم، وهو الصواب. انتهى.
وقال الشافعيّ: أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصيةً، قال أصحابه: أي حرامًا
وإثمًا، قالوا: فأشار إلى تردّد فيه، وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بأنه ليس
بحرام، بل مكروه، ولذا قال النوويّ في ((شرح مسلم)): هو عند أصحابنا مكروهٌ،
وليس بحرام، ويوافقه تبويب الترمذيّ عليه ((كراهية الحلف بغير الله)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حمل كلام الترمذي على الكراهة بمعنى خلاف
الأولى غير صحيح، بل مراد الترمذي بهذه العبارة التحريم، وعليك أن تتبّع تراجمه بهذه
العبارة في كثير من المحرّمات التي لا خلاف في تحريمها تجده واضحًا، وذلك أن
السلف لا يطلقون الكراهة إلا على الحرام، وهو الموافق لكتاب اللَّه؛ فإنه سبحانه
وتعالى قال -بعد ذكر عدة محرّمات، من الشرك، والقتل، والزنا، وغيرها -: ﴿كُلُّ ذَلِكَ
كَانَ سَيِّتُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]، وإنما استعمل الكراهة لخلاف الأولى هم
متأخرو الفقهاء، فتنبه لذلك، فإنه مزلّة أقدام. والله تعالى أعلم.
قال وليّ الدين: وقيّد ذلك -أي القول بالكراهة- في ((شرح الترمذيّ)) بالحلف بغير
اللات والعزى، وملّة غير الإسلام، فأما الحلف بنحو هذا فهو حرامٌ، وكأن ذلك لأنها
قد عُظّمت بالعبادة. وقد قال أصحابنا: إنه لو اعتقد الحالف بالمخلوق في المحلوف به
من التعظيم ما يعتقده في اللّه تعالى كفر، وعلى هذا يُحمل ما روي أن النبيّ وَّ قال:
((من حلف بغير الله، فقد كفر)). انتهى.
فمعظّم اللات والعزى كافرٌ؛ لأن تعظيمها لا يكون إلا للعبادة، بخلاف مُعَظّم
الأنبياء، والملائكة، والكعبة، والآباء، والعلماء، والصالحين، لمعنى غير العبادة، لا
تحريم فيه، لكن الحلف به مكروه، أو محرّم على الخلاف في ذلك؛ لورود النهي عنه.
وحكمته أن حقيقة العظمة مختصة باللّه تعالى، كما قال تعالى: ((الكبرياء ردائي،

٢٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
والعظمة إزاريّ ... ))(١)، فلا ينبغي مضاهات غيره به في الألفاظ، وإن لم تُرَد تلك
العظمة المخصوصة بالإله المعبود.
قال الجامع: قد عرفت فيما سبق أن الحقّ تعميم التحريم، فإن نصوص التحريم لم
تفرّق بين الأنبياء، والملائكة، والأصنام، واللات والعزى، بل قال اَله: ((من حلف
بغير الله فقد كفر)). فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قال: وأما الحلف بالنصرانية، ونحوها، فلا أشكّ في أنه كفر؛ لأن تعظيمها بأيّ
وجه كان يقتضي حقيّتها، وذلك كفر، إلا أن يتأول الحالف أنه أراد تعظيمها حين كانت
حقًا قبل نسخها، فلا أكفّره حينئذ، ولكن أحكم عليه بالعصيان؛ لبشاعة هذا اللفظ،
والتشبه فيه بأهل الكفر والضلال. والله أعلم انتهى كلام الحافظ العراقيّ.
قال وليّ الدين: وهذا الذي ذكره أصحابنا، رواه الترمذيّ، عن ابن عمر أنه سمع
رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله
وَلا يقول: ((من حلف بغير الله، فقد كفر»، أو ((أشرك)). وقال الترمذيّ: هذا حديث
حسن. وأخرجه الحاكم في ((مستدركه))، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين، وهو
في ((سنن أبي داود)» في رواية ابن العبد، دون رواية اللؤلؤيّ.
وقال الترمذيّ: تفسير هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: ((كفر)»، أو
((أشرك)) على التغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر: ((إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا
بآبائكم))، وحديث أبي هريرة ◌َّه: ((من حلف، فقال في حلفه: واللات والعزى،
فليقل: لا إله إلا الله))، وهذا مثل ما روي عن النبيّ وَالقيل أنه قال: ((الرياء شرك))، فقد
فسّر أهل العلم هذه الآية: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَيْهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَدِمًا وَلَا يُثْرِكِ﴾ الآية
[الكهف: ١١٠]، قال: لا يرائي. انتهى.
وقال ابن العربيّ: يريد به شرك الأعمال، وكفرها، ليس شرك الاعتقاد، ولا كفره،
كقوله وَله: ((من أبق من مواليه، فقد كفر))، ونسبة الكفر إلى النساء.
وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)) عن الحسن، قال: مرّ عمر بالزبير تَويثبت، وهو يقول:
لا، والكعبة، فرفع عمر الدّرّة، وقال: الكعبة، لا أمّ لك، تُطعمك، وتسقيك؟. وهذا
منقطع. وعن عكرمة، قال: قال عمر رَّه: حدثت قومًا حديثًا، فقلت: لا، وأبي،
فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، قال: فالتفتّ، فإذا رسول اللّه وَّه، فقال:
((إن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خيرٌ من آبائكم)). وهذا منقطع أيضًا. وعن
(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وهو وإن كان في إسناد عطاء بن السائب، إلا أنه مما رواه
عنه الثوريّ، وابن عيينة، وهما ممن روى عنه قبل اختلاطه، فهو صحيح.

٤- (التّشْدِیدُ فِي الحَلِفِ بغير الله تعالی) - حدیث رقم ٣٧٩١
٢٨٧ ===
كعب الأحبار أنه قال: إنكم تشركون، قالوا: وكيف، يا أبا إسحاق؟، قال: يحلف
الرجل، لا وأبي، لا وأبيك، لا لعمري، لا لحياتي، ولا وحرمة المسجد، لا
والإسلام، وأشباهه من القول. وعن القاسم بن مُخيمِرةً قال: ما أبالي حلفت بحياة
رجل، أو بالصليب. رواها كلها ابن أبي شيبة. انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله
تعالی(١).
وقال في ((الفتح)): قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف
بغير الله، فقالت طائفة: هو خاصّ بالأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيما
لغير الله تعالى، كاللات، والعزّى، والآباء، فهذه يأثم الحالف بها، ولا كفّارة فيها،
وأما ما كان يؤول إلى تعظيم الله، كقوله: وحقّ النبيّ، والإسلام، والحجّ، والعمرة،
والهدي، والصدقة، والعتق، ونحوها، مما يراد به تعظيم الله، والقربة إليه، فليس
داخلاً في النهي.
وممن قال بذلك أبو عُبيد، وطائفة، ممن لقيناه، واحتجّوا بما جاء عن الصحابة من
إيجابهم على الحالف بالعتق، والهدي، والصدقة ما أوجبوه مع كونهم رأوا النهي
المذكور، فدلّ على أن ذلك عندهم ليس على عمومه، إذ لو كان عامًا لنهوا عن ذلك،
ولم يوجبوا فيه شيئًا انتهى.
وتعقّبه ابن عبد البرّ بأن ذكر هذه الأشياء، وإن كانت بصورة الحلف، فليست يمينًا
في الحقيقة، وإنما خرج على الاتساع، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله. انتهى(٢). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في الجمع بين أحاديث النهي عن الحلف
بغير الله تعالى، وبين قول النبيّ بَير للأعرابيّ: ((أفلح وأبيه إن صدق)):
فقد أجابوا عن ذلك بأجوبة :
[أحدها]: تضعيف هذا الحديث، وإن كان في ((الصحيح))، قال ابن عبد البرّ: هذه
لفظة غير محفوظة في هذا الحديث من حديث من يُحتجّ به، وقد روى هذا الحديث
مالكٌ وغيره، لم يقولوا ذلك، وقد روي عن إسماعيل بن جعفر هذا الحديث، وفيه:
((أفلح والله، إن صدق، أو دخل الجنّة والله إن صدق))، وهذا أولى من رواية من روى
((وأبيه))؛ لأنها لفظة منكرة، ترذها الآثار الصحاح. انتهى. وزعم بعضهم أن بعض
الرواة عنه صحّف قوله: ((وأبيه)) من قوله: ((والله))، وهو محتملٌ، ولكن مثل ذلك لا
(١) ((طرح التثريب)) ٧/ ١٤٢-١٤٤.
(٢) ((فتح)) ٣٨٣/١٣-٣٨٤.

٢٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
يثبت بالاحتمال، وقد ثبت مثل ذلك من لفظ أبي بكر الصدّيق رضي في قصّة السارق الذي
سرق حلي ابنته، فقال في حقّه: ((وأبيك ما ليلك بليل سارق)). أخرجه في ((الموطّا)) وغيره.
قال السهيليّ: وقد ورد نحوه في حديث آخر مرفوع، قال للذي سأل أيّ الصدقة أعظم
أجرًا؟ فقال: ((أما وأبيك لَتْنَبَّأَنَّهُ))، أخرجه مسلم(١). فإذا ثبت ذلك، فيجاب بأجوبة:
[الأول]: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم،
والنهي إنما ورد في حقّ من قصد حقيقة الحلف، وإلى هذا جنح البيهقيّ، وقال
النوويّ: إنه الجواب المرضيّ.
[الثاني]: أنه كان يقع على وجهين: أحدهما: للتعظيم، والآخر للتأكيد، والنهي
إنما وقع عن الأول، فمن أمثلة ما وقع في كلامهم للتأكيد، لا للتعظيم قول الشاعر:
لَعْمْرُ أَبِي الْوَاشِينَ إِنِّي أُحِبُّهَا
وقول الآخر [من الطويل]:
فَإِنْ تَكُ لَيْلَى اسْتَوْدَعَثْنِي أَمَانَةٌ فَلَا وَأَبِي أَعْدَائِهَا لَا أُذِيعُهَا
فلا يُظنّ أن قائل ذلك قصد تعظيم والد أعدائها، كما لم يقصد الآخر تعظيم والد من
وشى به، فدلّ على أن القصد بذلك تأكيد الكلام، لا التعظيم. وقال البيضاويّ: هذا
اللفظ من جملة ما يُزاد في الكلام لمجرّد التقرير، والتأكيد، ولا يُراد به القسم، كما تزاد
صيغة النداء لمجرّد الاختصاص، دون القصد إلى النداء.
وقد تُعقّب الجواب بأن ظاهر سياق حديث عمر يدلّ على أنه كان يحلّفه؛ لأن في
بعض طرقه أنه كان يقول: لا وأبي، لا وأبي، فقيل له: لا تحلفوا، فلولا أنه بصيغة
الحلف ما صادف النهي محلّا، ومن ثمّ قال بعضهم: وهو:
[الجواب الثالث]: إن هذا كان جائزًا، ثمّ نسخ. قاله الماورديّ، وحكاه البيهقيّ، وقال
السبكيّ: أکثر الشرّاح علیه، حتى قال ابن العربيّ: ورُوي أنه ێ کان یحلف بأبيه حتى نُهي
عن ذلك، قال: وترجمة أبي داود تدلّ على ذلك. يعني قوله: ((باب الحلف بالآباء))، ثم
أورد الحديث المرفوع الذي فيه: ((أفلح وأبيه، إن صدق)). قال السهيليّ: ولا يصحّ؛ لأنه
لا يُظنّ بالنبيّ ◌َِّ أنه كان يحلف بغير الله، ولا يُقسم بكافر، تالله إنّ ذلك لبعيد من شيمته.
وقال المنذريّ: دعوى النسخ ضعيفة؛ لإمكان الجمع، ولعدم تحقّق التاريخ.
[والجواب الرابع]: أن في الجواب حذفًا، تقديره: أفلح وربّ أبيه. قاله البيهقيّ،
وقد تقدّم.
(١) أخرجه مسلم في ((كتاب الزكاة)) رقم (١٠٣٢).

٤- (التَّشَيْدِيدُ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى) - حديث رقم ٣٧٩٢
٢٨٩ =
[الخامس]: أنه للتعجّب. قاله السهيليّ، قال: ويدلّ عليه أنه لم يرد بلفظ ((أبي))،
وإنما ورد بلفظ ((وأبيه)) بالإضافة إلى ضمير المخاطب حاضرًا، أو غائبًا.
[السادس]: أن ذلك خاصّ بالشارع، دون غيره من أمّته. وتُعُقّب بأن الخصائص لا
تثبت بالاحتمال. قاله في ((الفتح)(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول من قال: إنه لمجرّد التأكيد
لا للتعظيم، كالبيتين السابقين، وكقول الآخر [من الطويل]:
أَطِيبُ سَفَاهًا مِنْ سَفَاهَةِ رَأْتِها لأَهْجُوَهَا لَمَّا هَجَتْنِي مُحَارِبُ
فَلَا وَأَبِيهَا إِنَّنِي بِعَشِيرَتِي وَنَفْسِيَ عَنْ ذَاكَ الْمَقَامِ لَرَاغِبُ
فإنه محالٌ أن يُقسم بأبي من يهجوه على سبيل الإعظام لحقّه، في أمثلة كثيرة،
والنهي إنما ورد في التعظيم.
والحاصل أن ما وقع في الحديث المذكور من قوله: ((أفلح وأبيه)) من هذا النوع، وما
تقدّم من التعقّب بأن ظاهر سياق حديث عمر يدلّ على أنه كان يحلفه الخ، فنقول: نعم
إنه كان حالفًا به، على الوجه المذموم، كما هو عادة قريش، فنهاه الشارع من أجل
هذا، وأما استعماله وَ ل# فليس من هذا الباب، بل من النوع الآخر الذي مجرد التأكيد،
فافهم الفرق بينهما تُرشَدْ، والله الهادي إلى سواء السبيل. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٩٢- (أَخْبَرَنِ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ أَبِي
إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فِي مَجْلِسٍ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ سَالِمُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عُمَّرَ - وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِنَّ اللَّهَ
يَنْهَاكُمْ أَنْ تَلِقُوا بِآبَائِكُمْ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((زياد بن أيوب)): هو أبو هاشم البغداديّ الطوسيّ الأصل الملقّب بدلْويه
الثقة الحافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. و((((يحيى بن أبي إسحاق)): هو الحضرميّ مولاهم،
البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٥] ١٤٣٨/١.
وقول يحيى بن أبي إسحاق: حدثني رجل الخ الظاهر أنه حدثه بحديث يتعلّق
بالحلف بالآباء، ولذا ذكر له سالم حديث عمر رَزثه . ثم إن قوله: ((رجل الخ)) لا يضرّ
بالسند لأنه ليس مقصودًا في السند، وإنما المقصود سالم، عن أبيه، عن النبيّ بَلتِ،
(١) ((فتح)) ٣٨٢/١٣-٣٨٣. ((كتاب الأيمان والنذور)).

٢٩٠ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
وقد سمع منه يحيى، فهو متّصل. والله تعالى أعلم.
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)).
٥- (الْحَلِفُ بِالْآبَاءِ)
٣٧٩٣- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ ◌َِّ، عُمَرَ مَرَّةً، وَهُوَ يَقُولُ:
وَأَبِي، وَأَبِي، فَقَالُ: ((إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحَلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا بَعْدُ، ذَاكِرًا،
وَلَا آثِرًا)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((سفيان)): هو ابن عيينة.
وقوله: ((فوالله ما حلفتُ الخ)) هو من كلام عمر رَّه. وقوله: ((بها)) أي بالآباء، أو
بهذه اللفظة، وهي: ((وأبي)).
وقوله: ((ذاكرا)) أي من نفسي.
وقوله: ((آثرًا)) بالمدّ، وبكسر الثاء المثلثة، أي حاكيًا له عن غيري، أي ما حلفت
بها، ولا حكيت عن غيري أنه حلف بها، يقال: أثرتُ الحديث أَثْرًا، من قتل: إذا ذكرته
عن غيرك، ومنه -كما قيل- قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]، ويدلّ
لذلك قوله في رواية لمسلم: ((ولا تكلّمت بها)).
[فإن قلت]: الحاكي لذلك عن غيره ليس حالفًا به.
[قلت]: يجوز أن یکون العامل فيه محذوفًا: أي ما حلفت بها ذكرًا، ولا ذكرته آثرًا.
وإن تضمّن حلفت معنى نطقتُ، أو قلتُ، أو نحو ذلك مما يصلح للعمل فيهما، كما
قد ذُكر الوجهان في قول الشاعر :
عَلَفْتُهَا تِبْئًا وَمَاءَ بَارِدَا حَتَّى غَدَتْ هَمَّالَةٌ عَيْئَهَا
إما أن يقدّر سقيتها، وإما أن يُضمّن علفتها معنى أَنَلْتُها، وما أشبه ذلك.
[فإن قلت]: إذا توزّع عن النطق بذلك حاكيًا له عن غيره، فكيف نطق به حاكيًا له
عن نفسه؟ .

٢٩١
٥- (الْحَلِفُ بالآباءِ) - حديث رقم ٣٧٩٥
[قلت]: حكايته له عن نفسه من ضرورة تبليغ هذه القصّة، وروايتها، وأيضًا فقد
يريد نفي حكاية كلام الحالف به بعد النهي عنه، وأما هو فإنما حلف به قبل النهي عنه.
وجوّز الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى في معنى قوله: ((آثرًا)) وجهين آخرين:
[أحدهما]: أن يكون معناه مختارًا، يقال: أثر الشيء: اختاره، وعلى هذا فيكون
قوله: ((ذاكرًا))، من الذُّكْر بالضمّ خلاف النسيان، أي ما حلفت بها ذاكرًا اليمين، غير
مجبر، ولا مختار، مريدًا لذلك.
[ثانيهما]: أن يكون معنى قوله: ((آثرًا» أي على طريق التفاخر بالآباء، والإكرام لهم،
يقال: آثره أي أكرمه، لكن على عادة العرب في النطق بذلك، لا على سبيل التعظيم
والإكرام انتهى. ذكره الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٩٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّفْظُ لَهُ،
قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ:
(إِنَّ اللَّهَ يَتْهَاكُمْ أَنْ تَلِفُوا بِآبَائِكُمْ))، قَالَ عْمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا بَعْدُ، ذَاكِرًا، وَلَا
آیرًا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غیر شیخیه،
وهما ثقتان. و((سفيان)): هو ابن عيينة.
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق القول فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٩٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ حَرْبٍ- عَنِ
الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََِّ
قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَلِفُوا بِآبَائِكُمْ))، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا بَعْدُ، ذَاكِرًا، وَلَا
آثرًا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
حمصيّ ثقة. و((محمد بن حرب)): هو الحمصيّ المعروف بالأبرش. و((الزُّبيديّ)) -
بضمّ الزاي، مصغّرًا -: هو محمد بن الوليد أبو الْهُذيل الحمصيّ الحافظ الحجة، من
أثبت من روى عن الزهريّ.
(١) ((طرح التثريب)) ١٤٥/٧-١٤٦.

٢٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب)).
*
٦- (الْحَلِفُ بِالأُمَّهَاتِ)
٣٧٩٦- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي،
قَالَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ:
(لَا تُحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَّا تَحَلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحَلِفُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ
صَادِقُونَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (أبو بكر بن عليّ) هو أحمد بن عليّ بن سعيد بن إبراهيم المروزيّ القاضي، ثقة
حافظ [١٢] ٢٠٩٤/١ .
٢- (عبيد الله بن معاذ) العنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة حافظ، رجّح ابن معين
أخاه المثنى عليه [١٠] ٥٨١/٣٧ .
٣- (أبوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنى البصريّ القاضي، ثقة
متقنٌ، من كبار [٩] ٣٨/٣٤.
٤- (عوف) بن أبي جميلة بندويه الأعرابيّ العبديّ البصريّ، ثقة رُمي بالقدر، والتشيّع
[٦] ٤٦ / ٥٧ .
٥- (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت
فقيه عابد [٣] ٤٦/ ٥٧ .
٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه،
فمروزيّ، والصحابي، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رَّه من المكثرين السبعة.
والله تعالى أعلم.

٢٩٣
٦ - (الْخَلِفُ بالأمُّهَاتِ) - حديث رقم ٣٧٩٦
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((لَا تْلِفُوا
بِآبَائِكُمْ) تقدّم أن المراد به المخلوقات مطلقًا، وإنما خصّ الآباء بالذكر، إما لكونه ورد
على سبب، وهو قصّة عمر رَّ المتقدّمة، وإما أن يقال: خرج مخرج الغالب، فإن
الغالب فيهم أن يحلفوا بآبائهم، كما تقدّم قوله: ((وكانت قريشٌ تحلف بآبائها)). والله
تعالى أعلم (وَلَا بِأَمَّهَاتِكُمْ) هكذا زاد في هذا الحديث الحلف بالأمهات، وهو مما يؤيّد
ما قلناه آنفًا من المراد من النهي عن الحلف بالآباء الحلف بغير الله تعالى، وكذا قوله
(وَلَا بِالْأَنْدَادِ) بفتح الهمزة: جمع نِدّ بكسر النون، وتشديد الدال المهملة، مثلُ حِمْل
وأحمال، قال الفيّوميّ: النّ بالكسر المثل، والنَّدِيد مثله، ولا يكون النّدّ إلا مخالفًا.
انتهى. والمراد هنا الأصنام، والأوثان، وكلّ ما عُبد من دون اللَّه تعالى (وَلَا تَحَلِفُوا إِلَّا
بِاللَّهِ) أي باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العُليا، وليس المراد خصوص
هذا اللفظ (وَلَا تَحَلِفُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ) فيه تحريم الحلف كاذبًا، وهو من الكبائر، إن
تعلّق به حقٍّ، لما سيأتي للمصنف في ((كتاب تحريم الدم)) -وأخرجه البخاريّ أيضًا- من
حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي بَّه قال: ((الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق
الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغَمُوس)). وقد فُسْر ((اليمين الغموس)) في الحديث،
فقد ثبت في رواية زيادة: ((وما اليمين الغموس؟)) قال: ((التي تقتطع مال امرىء مسلم،
هو فيها كاذب))، والسائل هو فراس بن يحيى، والمجيب هو الشعبيّ، كما بين في
(صحيح ابن حبّان))، قاله الحافظ في ((الفتح)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٧٩٦/٦ - وفي ((الكبرى)) ٤٧١٠/٦. وأخرجه (د) في ((الأيمان
والنذور)) ٣٢٤٨ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو تحريم الحلف بالأمهات.
(١) ((فتح)» ١٣/ ٤١٠.

٢٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
(ومنها): الحلف بالأصنام، والأوثان، وغيرها من المخلوقات. (ومنها): وجوب
الحلف بالله تعالى. (ومنها): تحريم الحلف كاذبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)).
٧- (الْحَلِفُ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلام)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى هنا بقوله: ((باب
من حلف بملّةٍ، سوى الإسلام))، فقال في ((الفتح)): ما نصّه: ولم يجزم المصنّف بالحكم،
هل يَكفُر الحالف بذلك، أو لا، لكن تصرّفه يقتضي أن لا يَكفُر بذلك؛ لأنه علّق حديث:
((من حلف باللات والْعُزَّى، فليقل: لا إله إلا اللَّه))، ولم يَنسبه إلى الكفر، وتمام الاحتجاج
أن يقول: لكونه اقتصر على الأمر بقول: لا إله إلا الله، ولو كان ذلك يقتضي الكفر لأمره
بتمام الشهادتين. انتهى. وسيأتي التفصيل قريبًا، إن شاء الله تعالى.
٣٧٩٧- (أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ خَالِدِ حِ وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ
الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ، سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا
قَالَ)).
قَالَ قُتَنْبَةُ فِي حَدِيثِهِ: ((مُتَعَمِّدًا))، وَقَالَ يَزِيدُ: ((كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ
بِشَيْءٍ عَذَّبَهُ اللَّهُ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (محمد بن عبد الله بن بَزِيع)-بفتح الباء الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة
[١٠] ٤٣ /٥٨٨ .
٣- (ابن أبي عديّ) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، ابو عمرو البصريّ، ثقة [٩]
١٢٢/ ١٧٥ .
٤- (يزيد) بن زُريع، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥ .
٥- (خالد) بن مِهْران المعروف بالحذّاء البصريّ، ثقة يرسل [٥] ٦٣٤/٧.

٢٩٥ =
٧- (الخَلِفُ بملةٍ سِوَی الإِسلام) - حدیث رقم ٣٧٩٧
٦- (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقة فاضل، كثير
الإرسال، قيل: فيه نصب يسير [٣] ٣٢٢/١٠٣.
٧- (ثابت بن الضحاك) بن خليفة الأشهليّ الأوسيّ، أبو زيد المدنيّ، وهو ممن بايع
تحت الشجرة، وكان ردیف رسول الله پټ يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد. روى
عن النبيّ وََّ. وروى عنه عبد الله بن معقِل بن مُقَرِّن الْمُزَنيّ، وأبو قلابة عبد الله بن زيد
الْجَزْميّ. وقال البخاريّ، والترمذيّ: شهد بدرًا. مات في فتنة ابن الزبير سنة (٦٤)
على الصحيح. وقيل: سنة (٤٥) . روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا
الكتاب حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، فكلّهم بصريون، غير قُتيبة،
فبغلانيّ، وهي قرية من قرى بَلْخ.، وغير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه من المقّين من الرواية، فإنه ليس له في الكتب
الستة إلا أربعة أحاديث: حديثُ الباب عند الجماعة، وحديثُ البيعة تحت الشجرة، عند
البخاري، ومسلم، وأبي داود، وحديثُ النهي عن المزارعة عند مسلم، وحديثُ: ((نَذَرَ
رجل أن ينحر إيلا بُيُوَانَةَ ... )) الحديث عند أبي داود. راجع ((تحفة الأشراف)) ج١ ص
١٩٩ - ١٢١ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: (مَنْ
حَلَفَ) زاد في رواية مسلم: ((على يمين))، فقال القرطبيّ: اليمين هنا يعني به المحلوف
عليه، بدليل ذكره المحلوف به، وهو بـ((ملة غير الإسلام))، ويجوز أن يقال: إنّ ((على))
صلةٌ، وينتصب (يمين)) على أنه مصدر مُلاقٍ في المعنى، لا في اللفظ. انتهى.
(بِمِلَّةٍ) بكسر الميم، وتشديد اللام: الدين والشريعة، وهي نكرة في سياق الشرط،
فتعمّ جميع الملل، من أهل الكتاب، كاليهود، والنصرانية، ومن لَحِق بهم من
المجوسيّة، والصابئة، وأهل الأوثان، والدهريّة، والمعطّلة، وعبدة الشياطين،
والملائكة، وغيرهم (سِوَى الْإِسْلَام) بالجزّ صفة لـ((ملّةٍ))، أي بمّة غير الإسلام، أيَّ دين
كان، كما ذُكر بيانه آنفًا (كَاذِبًا) وفي رواية: ((متعمّدا)»، كما سيبيّنه المصنّف بعدُ.
قال الصنعانيّ في ((العدّة)): اعلم أنه لا يتبادر من قوله ((على يمينٍ بمّة)) إلا أن الملّة

== ٢٩٦
ا
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتَّذُورِ
محلوف بها، وأنه قال الحالف: وملّةِ اليهودية، وقوله: ((كاذبًا)» حال من فاعل حلف،
وحَلَفَ يتضمّن عَظَّمَ، إذ الحلف تعظيم للمحلوف به قطعًا، فقوله: ((كاذبًا))، فكأنه
قال: من حلف معظّمًا لملّة اليهوديّة، حال كونه كاذبًا في تعظيمه إياها بحلفه، إذ
الحلف يتفرّع عن تعظيم ما حلف به، فكذبه كان بتعظيمه ما أهانه اللَّه تعالى، والحلف
بالشيء يتضمّن الإخبار بتعظيمه، ولذا يقول صاحب الملك: وحياةٍ الملك، فإن هذا
حلف يتضمّن الإخبار باعتقاده، وتعظيم من حلف به، هذا مما لا ريب فيه. انتهى (١).
(فَهُوَ كَمَا قَالَ) هذا بظاهره يفيد أنه يصير كافرًا، لكن يحتمل أن يكون المراد ضعفه
في دينه، وخروجه عن الكمال فيه. ويحتمل أن يكون المراد إن كان راضيًا بالدخول في
تلك الملّة، فيكون كافرًا على ظاهره، خارجًا عن الإسلام.
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يريد به النبيّ وَلّر: من كان معتقدًا
لتعظيم تلك الملّة المغايرة لمّة الإسلام، وحينئذ يكون كافرًا حقيقةً، فيبقى اللفظ على
ظاهره، و((كاذبًا)) منصوبٌ على الحال، أي في حال تعظيم تلك الملّة التي حلف بها،
فتكون هذه الحال من الأحوال اللازمة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]؛
لأن من عظّم مّةً غیر الإسلام کان کاذبًا في تعظيمه دائمًا في كلّ حال، وكلّ وقتٍ، لا ينتقل
عن ذلك، ولا يصلح أن يقال: إنه يعني بكونه كاذبًا في المحلوف عليه؛ لأنه يستوي في ذمّه
كونه صادقًا، أو كاذبًا إذا حلف بملّة غير الإسلام؛ لأنه إنما ذمّه الشرع من حيث إنه حلف
بتلك الملّة الباطلة، معظّمًا لها، على نحو ما تُعظّم به ملّة الإسلام الحقّ، فلا فرق بين أن
يكون صادقًا، أو كاذبًا في المحلوف عليه. والله تعالى أعلم.
وأما إن كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثمٌ، مرتكبٌ كبيرة، إذ قد نسبه في
قوله لمن يعظّم تلك الملّة، ويعتقدها، فغلّظ عليه الوعيد، بأن صيّره كواحد منهم،
مبالغة في الردع، والزجر، كما قال تعالى: ﴿وَمَّن يَتَوَلَُّم ◌ِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى(٢).
وقال في ((الفتح)): قال ابن دقيق العيد رحمه اللّه تعالى: الحلف بالشيء حقيقة هو
القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه، كقوله: والله، والرحمن، وقد يُطلق
على التعليق بالشيء يمين، كقولهم: من حلف بالطلاق، فالمراد تعليق الطلاق، وأُطلق
عليه الحلف لمشابهته باليمين في اقتضاء الحثّ والمنع. وإذا تقرَر ذلك، فيحتمل أن
يكون المراد المعنى الثاني؛ لقوله: ((كاذبًا متعمّدًا»، والكذب يدخل القضيّة الإخباريّة
(١) ((العدّة حاشية العمدة) ٤٠٣/٤-٤٠٤.
(٢) ((المفهم)) ٣١٢/١ ((كتاب الإيمان)).

٢٩٧
٧- (الْخَلِفُ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلَام) - حديث رقم ٣٧٩٧
التي يقع مقتضاها تارةً، ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا: والله، وما أشبهه، فليس
الإخبار بها عن أمر خارجيّ، بل هي لإنشاء القسم، فتكون صورة الحلف هنا على
وجهين: [أحدهما]: أن يتعلّق بالمستقبل، كقوله: إن فعل كذا، فهو يهوديّ، والثاني
يتعلّق بالماضي، كقوله: إن كان فعل كذا فهو يهوديّ. وقد يتعلّق بهذا من لم ير فيه
الكفّارة؛ لكونه لم يَذكُر فيه كفّارةً، بل جعل المرتّب على كذبه قوله: ((فهو كما قال)).
قال ابن دقيق العيد: ولا يَكفُرُ في صورة الماضي، إلا إن قصد التعظیم، وفيه خلاف
عند الحنفيّة؛ لكونه يتخيّر معنًى، فصار كما لو قال: هو يهوديّ. ومنهم من قال: إن
كان لا يعلم أنه يمين لم يَكفُر، وإن كان يعلم أنه يكفر بالحثّ به كفر؛ لكونه رضي
بالكفر حين أقدم على الفعل.
وقال بعض الشافعيّة: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبًا، والتحقيق،
فإن اعتقد تعظيم ما ذُكر كفَرَ، وإن قصد حقيقة التعليق، فيُنظر، فإن كان أراد أن يكون
متّصفًا بذلك كفَرَ؛ لأن إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل
يحرم عليه ذلك، أو يُكره تنزيها؟ الثاني هو المشهور(١).
قال الجامع: عندي أن الأول هو الظاهر؛ لظاهر النصّ. والله تعالى أعلم.
وقال عياضٌ: قوله: ((كاذبًا)) تفرّد بزيادتها سفيان الثوريّ، وهي زيادة حسنة، يستفاد
منها أن الحالف المتعمّد إن كان مطمئنّ القلب بالإيمان، وهو كاذبٌ في تعظيم ما لا
يُعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملّة لكونها حقّا كفر، وإن قالها
لمجرّد التعظيم لها احتمل. قال الحافظ: وينقدح بأن يقال: إن أراد تعظيمها باعتبار ما
كانت قبل النسخ لم يكفر أيضًا(٢).
ودعوى عياض تفرد سفيان بهذه الزيادة إنما هو بالنسبة لرواية مسلم، وإلا فقد
أخرجها النسائيّ هنا من طريق ابن أبي عديّ، عن خالد الحذاء. فتنبه. والله تعالى
أعلم.
(قَالَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد (فِي حَدِيثِهِ) أي في روايته هذا الحديث عن ابن أبي عديّ
(مُتَعَمِّدًا) أي بدلًا عن ((كاذبًا)) الذي أشار إليه بقوله (وَقَالَ يَزِيد: ((كَاذِبًا))) يزيد هو ابن
زُريع، هكذا نسخ ((المجتبى))، وكان الظاهر أن يقول: وقال محمد بن عبد الله؛ لأنه
الذي في مقابلة قتيبة، وليس هذا في ((الكبرى))، ولفظه: ((وقال قتيبة في حديثه: بشيء
متعمّدًا)). انتهى.
(١) ((فتح)
(٢) ((فتح)) ٣٨٨/١٣.

٢٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ
وقوله (فَهُوَ كَمَا قَالَ) مكرّرْ مع ما تقدّم.
(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذَّبَهُ اللَّهُ بِهِ فِي نَارٍ جَهَثَّمَ) وفي رواية: ((ومن قتل نفسه بشيء
في الدنيا عُذّب به يوم القيامة)). وقوله: ((بشيءٍ)) أعمّ مما وقع في رواية مسلم
(بحديدة))، وله من حديث أبي هريرة رَزّ: ((ومن تحسّى سمّا)). قال ابن دقيق العيد
رحمه الله تعالى: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويّة للجنايات الدنيوية، ويؤخذ
منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له
مطلقًا، بل هي لله تعالى، فلا يتصرّف فيها إلا بما أذن له فيه.
قيل: وفيه حجة لمن أوجب المماثلة في القصاص؛ خلافًا لمن خصّصه بالمحدود.
وردّه ابن دقيق العيد بأن أحكام اللَّه لا تُقاس بأفعاله، فليس كلّ ما ذُكر أنه يفعله في
الآخرة يشرع لعباده في الدنيا، كالتحريق بالنار مثلًا، وسقي الحميم الذي يقطّع به
الأمعاء .
وحاصله أنه يستدل للماثلة في القصاص بغير هذا الحديث، وقد استدلّوا بقوله
تعالى: ﴿وَحَزَّوَأْ سَيْئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَاً﴾ [الشورى: ٤٠]، ويأتي بيان ذلك في ((القصاص
والديات))، إن شاء اللَّه تعالى(١) .
[تنبيه]: جملة الخصال التي ذكر المصنف رحمه الله تعالى في حديث ثابت بن
الضحاك وَ ل# هذا ثلاث أشياء: ١ - ((من حلف بملّة غير الإسلام))، و٢ - ((ومن قتل نفسه
بشيءٍ)). و٣- ما يأتي في - ٣٨٤٠/٣١ -: ((وليس على رجل نذرٌ فيما لا يملك)).
وقد أخرج البخاريّ رحمه الله تعالى الحديث في ((كتاب الأدب)) من ((صحيحه)) بأتمّ
من هذا، ولفظه:
٦٠٤٧ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا علي بن المبارك، عن
يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، أن ثابت بن الضحاك، وكان من أصحاب الشجرة
حدثه، أن رسول اللّه وَ له، قال: ((من حلف على ملة غير الإسلام، فهو كما قال،
وليس على ابن آدم نذر، فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا، عذب به يوم
القيامة، ومن لعن مؤمنا، فهو كقتله، ومن قذف مؤمنا بكفر، فهو كقتله)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: مدار هذا الحديث في الكتب الستّة، وغيرها على أبي
قلابة، عن ثابت بن الضحاك، ورواه عن أبي قلابة خالد الحذاء، ويحيى بن أبي كثير،
وأيوب، فأخرجه البخاريّ في ((الجنائز)) من رواية يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء،
(١) ((فتح)) ٣٨٩.

٧- (الْحَلِفُ بِمِلَةٌ سِوَى الإِسْلَام) - حديث رقم ٣٧٩٧
٢٩٩=
فاقتصر على خصلتين: الأولى: ((من حلف بملة غير الإسلام)). والثانية: ((من قتل نفسه
بحديدة)). وأخرجه مسلم من طريق الثوريّ، عن خالد الحذّاء، ومن طريق شعبة، عن
أيوب كذلك. وأخرجه مسلم أيضًا من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيى، فذكر خصلة
النذر، ولعن المؤمن كقتله، ((ومن قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة))، ولم يذكر
الخصلتين الباقيتين، وزاد بدلهما: ((ومن حلف على يمينٍ صبرٍ فاجرة، ومن ادّعى
دعوى كاذبة ليتكثّر بها لم يزده اللَّه إلا قلّة))، فإذا ضُمّ بعض هذه الخصال إلى بعض
اجتمع منها تسعة (١). انتهى كلام الحافظ بتصرّف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ثابت بن الضّخاك رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٧٩٧/٧ و ٣٧٩٨ و٣٨٤٠/٣١- وفي «الکبری)) ٤٨١١/٧ و ٤٧١٢ و٨/
٤٧٥٥. وأخرجه (خ) في ((الجنائز)) ١٣٦٤ و((الأدب)) ٦٠٤٧ و ٦١٠٥ و ((الأيمان والنذور)»
٦٦٥٣ (م) في ((الإيمان)) ١١٠ (د) في ((الأيمان والنذور)) ٣٢٥٧ (ت) في ((النذور والأيمان))
١٥٤٣ و((الإيمان)) ٢٦٣٦ (ق) في ((الكفّارات)) ٢٠٩٨ (أحمد) في ((مسند المدنيين))
١٥٩٥٠ و١٥٩٥٦ (الدارمي) في ((الديات)) ٢٣٦١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم الحلف بملّة سوى
الإسلام. (ومنها): الوعيد الشديد لمن حلف بملّةٍ سوى الإسلام. (ومنها): تحريم قتل
الإنسان نفسه. (ومنها): مجانسة الجزاء الأخرويّ للجناية الدنويّة. (ومنها): أن نفس
الإنسان ليست ملكًا له يتصرّف فيها كيف شاء، بل هي لله تعالى، لا يجوز أن تعامل إلا
بما شرع الله تعالى أن تعامل به، فلا يجوز إلحاق الضرر بها، من التجويع، والتعطيش،
وغير ذلك من إلحاق الأذى بها مما يعتقده جهالة الزهاد، ويرونه رياضة للنفس، وهم
في ذلك مخطئون، فإن الرياضة لا تجوز إلا بما شرعه الله تعالى على لسان نبيه وَل.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكفّارة لمن حلف بمّة غير
الإسلام، أو نحو ذلك:
(١) قوله: ((تسعة)) فيه نظر، ولعلها مصخّفة من ((سبعة)). فليحرّر.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
٣٠٠
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف فيمن قال: أكفر بالله، ونحو ذلك، إن
فعلت، ثم فعل، فقال ابن عبّاس، وأبو هريرة، وعطاء، وقتادة، وجمهور فقهاء
الأمصار: لا كفّارة عليه، ولا يكون كافرًا، إلا إن أضمر ذلك بقلبه. وقال الأوزاعيّ،
والثوريّ، والحنفيّة، وأحمد، وإسحاق: هو يمين، وعليه الكفّارة. قال ابن المنذر:
والأول أصحّ؛ لقوله بَله: ((من حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا اللَّه))، ولم
يذكر كفّارة. زاد غيره: ولذا قال: ((من حلف بملّة غير الإسلام، فهو كما قال)»، فأراد
التغليظ في ذلك حتى لا يجترىء أحدٌ عليه. ذكره في ((الفتح)). (١).
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى -بعد ذكر الروايتين عن أحمد: والرواية الثانية -
يعني القول بعدم الكفّارة- أصحّ، إن شاء الله تعالى؛ فإن الوجوب من الشارع، ولم يرد
في هذه اليمين نصّ، ولا هي في قياس المنصوص؛ فإن الكفّارة إنما وجبت في الحلف
باسم الله تعظيمًا لاسمه، وإظهارًا لشرفه وعظمته، ولا تتحقّق التسوية. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن قدامة، وقبله ابن المنذر، من تصحيح
القول بعدم وجوب الكفّارة على من حلف بمّة سوى الإسلام، أو هو يهوديّ، أو
نصرانيّ، أو نحو ذلك، ثم حنث. هو الأرجح عندي؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٩٨- (أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، عَنْ
يَخْتِى، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ، أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَّهِ، قَالَ: (مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ، سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَّا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ
بِشَيْءٍ، عُذْبَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ»).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
دمشقيّ ثقة. و((الوليد)): هو ابن مسلم، أبو العباس الدمشقيّ. و((أبو عمرو)): هو
عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ. و((يحيى)): هو ابن أبي كثير أبو نَصْرٍ صالح بن
المتوكّل، اليماميّ.
والحديث متفقٌ عليه. وقد سبق القول فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب)).
(١) ((فتح) ٣٨٧/١٣.
(٢) ((المغنى)) ٤٦٤/١٣ -٤٦٥.