النص المفهرس

صفحات 121-140

٣- (بَأَبُ الْوَصِيّةِ بِالثُلُثِ) - حديث رقم ٣٦٦٣
١٢١ ==
ورثةٌ، وماله قليل ترك الوصيّة. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(١).
(الثُّلُثَ) تقدّم أنه تجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، وأولاها النصب: أي أعط الثلث
(وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) بالثاء المثلّثة، وهو مبتدأ وخبر (أَوْ كَبِيرٌ) بالباء الموحّدة، و((أو)) فيه
للشكّ من الراوي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦٦١/٣- وفي ((الكبرى)) ٦٤٦١/٣. وأخرجه (خ) في ((الوصايا))
٢٧٤٣ (م) في ((الوصايا)) ١٦٢٩ (ق) في ((الوصايا)) ٢٧١١ (أحمد) في ((مسند بني
هاشم)) ٢٠٣٥ و٢٠٧٧ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، سَعْدٍ بْنِ مَالِكِ،
أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ جَاءَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالُ: إِنّهُ لَيْسَ لِي وَلَدْ، إِلَّ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَوْصِي بِمَالِي
كُلِّهِ؟، قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((لَ))، قَالَ: فَأُوْصِي بِنِصْفِهِ؟، قَالَ النَّبِيُّ ◌َّرِ: ((لَا))، قَالَ: فَأُوصِي
بِثُلُثِهِ؟، قَالَ: ((الثُّلُثَ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((همام)): هو ابن يحيى العوذيّ. و((يونس بن جُبير)): هو أبو غلّاب الباهليّ البصريّ.
((ومحمد بن سعد)): هو أبو القاسم المدني، نزيل الكوفة، كان يُلقّب ظلّ الشيطان؛
لقصره. والسند مسلسل بالبصريين، إلى محمد بن سعد، وفيه ثلاثة من التابعين يروي
بعضهم عن بعض، وفيه رواية الابن، عن أبيه.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦٣- (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدْثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ
فِرَاسٍ، عَنِ الشّعْبِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ
(١) (شرح مسلم) ١١/ ٨٥.

١٢٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْوَصَابَا
سِتَّ بَنَاتٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنَا، فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَقُلْتُ: قَدْ
عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ، قَالَ:
(اذْهَبْ، فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَّةٍ))، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ، كَأَنَّمَا أُغْرُوا
بِ تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ، أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ
جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ادْعُ أَصْحَابَكَ))، فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ، حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةً وَالِدِي،
وَأَنَا رَاضٍ، أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا أورد المصنف رحمه الله تعالى هذا الحديث
في هذا الباب، في ((المجتبى))، و((الكبرى))، ولم يظهر لي وجه مناسبته للباب، إذ هو
من أحاديث الباب التالي، فكان الأولى أن يذكره هناك، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم.
ورجال إسناده : ستة :
١- (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ دِينَارٍ) القرشيّ، أبو محمد الكوفي الطخّان، ثقة [١١] ٨/
٤١٠ .
٢- (عبيد الله) بن موسى بن أبي المختار باذام العبسيّ، أبو محمد الكوفي، ثقة
يتشيّع، من أثبت الناس في إسرائيل، واستُصغر في الثوري [٩] ١٣٢٦/٧٢.
٣- (شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحويّ -منسوب إلى نحوة، بطن من
الأزد، لا إلى علم النحو - أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة، صاحب كتاب [٧]
٣٤٧/١٣ .
٤- (فِرَاس)- بكسر أوله، وبمهملة- ابن يحيى الهمْدَانيّ الخارفيّ- بمعجمة، وفاء-
أبو يحيى الكوفيّ المكتب، صدوق، ربما وهشمَ [٦] ٢٥٤١/٥٩.
٥- (الشعبي) عامر بن شَرَاحيل الهمداني، أبو عمرو الكوفي، ثقة فقيه فاضل مشهور
[٣] ٨٢/٦٦ .
٦- (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
رضي الله تعالى عنهما، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن
(٩٤) سنة ٣٥/٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن
فيه جابر بن عبد اللّه رَؤيت أحد المكثرين السبعة، من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم،
روی (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.

٣- (بَابُ الْوَصِيّةِ بِالثُّلُثِ) - حديث رقم ٣٦٦٣
١٢٣
شرح الحديث
(عَنِ الشَّغْبِيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ الكوفي، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدٍ
اللَّهِ) بن عمرو بن حرام - بمهملتين- رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ أَبَاهُ) عبد الله بن عمرو
وَّ (اسْتُفْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ) ببناء الفعل للمفعول: أي قُتل شهيدًا. وفي رواية مغيرة، عن
الشعبيّ الآتي في الباب التالي: ((توفّي عبد الله بن عمرو بن حرام، قال: وترك دينًا))،
وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر رَزي ((أن أباه توفّي، وترك عليه ثلاثين وسقًا
لرجل من اليهود، فاستنظره جابر، فأبا أن يُنظره، فكلّم جابر رسول ربَّ ليشفع له،
فكلّم اليهوديّ ليأخذ ثمر نخله بالذي له، فأبى)). وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن
كعب بن مالك، عن جابر تَّ ((أن أباه قُتل يوم أحد شهيدًا، وعليه دينٌ، فاشتدّ
الغرماء في حقوقهم، فأتيت النبيّ وَلِّ، فكلّمته، فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي، ويُحلّلوا
أبي، فأبوا)). ووقع عند أحمد من طريق نُبيح الْعَنّزيّ، عن جابر رَّه قال: قال لي
أبي: يا جابر، لا عليك أن يكون في قطاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا -
فذكر قصة قتل أبيه، ودفنه، قال: وترك أبي عليه دينًا من التمر، فاشتدّ عليّ بعض
غرمائه في التقاضي، فأتيت النبيّ وَّ، فذكرت له، وقلت: فأحبّ أن تعينني عليه، لعله
أن يُنظرني طائفة من تمره إلى هذا الصِّرَام المقبل، قال: نعم آتيك إن شاء اللّه قريبًا من
نصف النهار))، فذكر الحديث في الضيافة، وفيه: ((ثم قال: ادع فلانًا - لغريمي الذي
اشتدّ في الطلب- فجاء، فقال: أنظر جابرًا طائفةً من دينك الذي على أبيه إلى الصرام
المقبل، فقال: ما أنا بفاعل، واعتلّ، وقال: إنما هو مال يتامى)).
(وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ) وفي رواية أخرى: ((تسع بنات))، ولعل ثلاثًا منهنّ كنّ متزوّجات،
أو بالعكس. أفاده في ((الفتح)) (١) (وَتَرَكَ عَلَّيْهِ دَيْنًا) التنوين للتكثير، كما يأتي قوله:
((وترك دينًا كثيرًا (فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ) بفتح الجيم، وكسرها (٢): أي صِرَامها، وهو
قطع ثمرتها، يقال: جدّ الثمرةَ يجُدّهاَ جدًا، من باب نصر (أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ،
فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ) بضمير المخاطب (أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ) بالبناء للمفعول (يَوْمَ أُحُدٍ،
وَتَرَكَ دَيْئًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ) وفي رواية زكريا بن أبي زائدة، عن
الشعبيّ الآتي: ((فانطلق معي يا رسول اللَّه؛ لكي لا يفحش عليّ الغُرَّام)»، وفي رواية
(١) ((فتح)) ١٠٣/٨ ((كتاب المغازي)).
(٢) فما في شرح السنديّ نقلا عن ((القاموس)) أنه مثلث الجيم غلطً، فإن ذلك في ((الجذاذ) بالذال
المعجمة، لا بالدال المهملة، فراجع ((القاموس))، في المادتين. والله تعالى أعلم.
:

١٢٤
E
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْوَصَابًا
مغيرة، عن الشعبيّ الآتي: فاستشفعتُ برسول اللّه وَ ليل على غرمائه أن يضعوا من دينه
شيئًا)) (قَالَ) وَ (اذْهَبْ، فَبَيْدِرْ) -بفتح الموحّدة، وكسر الدال المهملة: فعل أمر من
بيدر الطعام يُبيدِره بیدرةً: إذ كَوّمه. أي اجعل التمر في البيادر، كلَّ صِنْفٍ في بیدر.
والْبَيْدَر -بفتح الموحدة، وسكون التحتية، وفتح الدال المهملة -: موضعه الذي يُداس
فيه، وهو للتمر، كالْجَرِين للْحَبّ. أفاده في ((القاموس))، و((الفتح)).
(كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ))) وفي رواية مغيرة الآتية: ((اذهب فصنّف تمرك أصنافًا، العجوة
على حدة، وعِذْق ابن زيد على على حدة، وأصنافه)).
(فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ، كَأَنَّمَا أَغْرُوا بِي) ببناء الفعلِ للمفعول، من
أُغري به: إذا لزمه. قال الفيوميّ: غَرِيَ بالشيءٍ غَری، من باب تَعِبَ: أُولِعَ به من حیث
لا يحمله عليه حامل، وأغريته به إغراءً، فأغري به بالبناء للمفعول، والاسم الغَرَاء
بالفتح والمدّ (تِلْكَ السَّاعَةَ) يعني أنهم طالبوه بقضاء ديونهم في تلك الساعة التي جاء
النبيّ ◌َّهِ ليشفع له عندهم في أن يؤخّروه (فَلَمَّا رَأَى) وَل ◌ِ (مَا يَصْنَعُونَ) من شدّة المطالبة
له (أُطَاف) بالهمزة لغة في طاف: أي دار (حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرَا، ثَلاثَ مَرَّاتٍ) وفي رواية
ابنِ كعب بن مالك: ((فغدا علينا، فطاف في النخل، ودعا في تمره بالبركة)»، وفي رواية
الذِّيَّال(١) بن حرملة، عن جابر: ((فجاء هو، وأبو بكر، وعمر، فاستقرأ النخل، يقوم
تحت كلّ نخلة، لا أدري ما يقول، حتى مرّ على آخرها ... )) الحديث أخرجه أحمد (ثُمَّ
جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ادعُ أَصْحَابَكَ) يعني أصحاب الديون الذين يطالبونه بقضائها،
سمّاهم أصحابًا؛ لملازمتهم له، كملازمة الصاحب، فهو من التسمية بالضدّ (فَمَا زَالَ
تَكِيِلُ لَّهُمْ، حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمِّنَةَ وَالِدِي) أي دينه الذي جعله أمانة عنده، وأوصاه بقضائه
(وَأَنَّا رَاضٍ، أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةً وَالِدِي) يعني أنه كان راغبًا في قضاء ديون أبيه، فقط،
بحيث لاً يريد أن يفضل له شيء؛ لاهتمامه بديونه، لكن اللَّه سبحانه وتعالى جعل
البركة في دعاء النبيّ وَّر، ففضل له من ديونه شيء كثير، كما يشير إليه قوله (لَمْ تَنْقُصْ
تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ) برفع ((تمرة)) على الفاعلية، و((واحدة)) صفته، أي كأن الذي بقي بعد قضاء
الديون من كثرته كأنه لم يؤخذ منه شيء. وفي رواية زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبيّ
الآتية: ((فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أخذوا))، وفي رواية مغيرة، عن الشعبيّ
الآتية: ((ثم بقي تمري كأن لم ينقص منه شيء)). وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر
الآتية: ((قال: فما تركت أحدًا له على أبي دينٌ إلا قضيته، وفضل لي ثلاثة عشر
وسقًا ... )) الحديث. وفي رواية: ((فأوفاه ثلاثين وسقًا، وفضلت سبعة عشر وسقًا)).
قال في ((الفتح)): ويُجمع بين هذه الروايات بالحمل على تعدّد الغرماء،، فكأن أصل
(١) بالذال المعجمة، ووقع في ((الفتح)) بالدال المهملة، وهو تصحيف.

١٢٥ =
٣- (بابُ الْوَصِيةِ بالثلُثِ) - حديث رقم ٣٦٦٣
الدين كان منه ليهوديّ ثلاثون وسقًا، من صنف واحد، فأوفاه، وفضل من ذلك البيدر
سبعة عشر وسقًا، وكان منه لغير ذلك اليهوديّ أشياء أُخر من أصناف أخرى، فأوفاهم،
وفضل من المجموع قدر الذي أوفاه. ويؤيّده قوله في رواية نُبيح الْعَنّزيّ، عن جابر
رَزّم: «فكلتُ له من العجوة، فأوفاه الله، وفضل لنا من التمر كذا وكذا، وكلت له من
أصناف التمر، فأوفاه الله، وفضل لنا من التمر كذا وكذا)).
ووقع في رواية فراس، عن الشعبيّ ما قد يخالف ذلك، فعنه: ((ثم دعوت رسول الله
وَل*، فلما نظروا إليه كأنما أغروا بي تلك الساعة))، أي أنهم شدّدوا عليه في المطالبة؛
لعداوتهم للنبيّ ◌َآلژ، قال: فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بیدرًا ثلاث مرّات،
ثم جلس عليه، ثم قال: ادعهم، فما زال يكيل لهم حتى أدّى اللَّه أمانة والدي، وأنا
راض أن يؤديها اللَّه، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلّم اللَّه البيادر كلّها، حتى إني
أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول اللّه ◌َ ليل كأنه لم ينقص منه تمرة واحدة)).
ووجه المخالفة فيه أن ظاهره أن الكيل جميعه كان بحضرة رسول اللّه وَ الر، وأن التمر
لم ينقص منه شيئ البتّة، والذي مضى ظاهره أن ذلك بعد رجوعه، وأن بعض التمر
نقص.
ويُجمع بأن ابتداء الكيل كان بحضرته وَّر، وبقيّته كان بعد انصرافه، وكان بعض
البيادر التي أوفى منها بعض أصحاب الدين حيث كان بحضرة رسول اللّه وَّر، لم ينقص
منه شيء البتّة، ولما انصرف بقيت آثار بركته، فلذلك أوفى من أحد البيادر ثلاثين
وسقًا، وفضل سبعة عشر. وفي رواية نُبيح ما يؤيّد ذلك، ففي روايته، قال: ((كِلْ له،
فإن الله سوف يوفيه))، وفي حديثه: ((فإذا الشمس قد دلكت، فقال: الصلاة يا أبا بكر،
فاندفعوا إلى المسجد، فقلت له -أي للغريم -: قرّب أوعيتك))، وفيه: ((فجئت أسعى
إلى رسول اللّه ◌َلهول كأني شرارة، فوجدته قد صلّى، فأخبرته، فقال: أين عمر؟، فجاء
يهرول، فقال: سل جابرًا عن تمره وغريمه، فقال: ما أنا بسائله، قد علمت أن اللَّه
سيوفيه ... )) الحديث. وقصّة عمر قد وقعت في رواية ابن كعب، ففيها: ((ثم جئت
رسول اللَّه وَله، فقال لعمر: اسمع يا عمر، قال: أَلَّا نكون قد علمنا أنك رسول الله،
والله إنك لرسول الله)). وفي رواية ابن وهب: ((فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها
رسول اللَّه وَل﴿ه ليباركنّ اللّه فيها)).
وقوله في رواية ابن كعب: ((ألّا نكون)) بفتح الهمزة، وتشديد اللام في الروايات
كلّها، وأصلها ((أَن)) الخفيفة، ضُمّت إليها ((لا)) النافية، أي هذا السؤال إنما يَحتاج إليه
من لا يعلم أنك رسول اللّه، فلذلك يشكّ في الخبر، فيحتاج إلى الاستدلال، وأما من

١٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا
علم أنك رسول اللَّه، فلا يحتاج إلى ذلك.
وزعم بعض المتأخّرين أن الرواية بتخفيف اللام، وأن الهمزة فيه للاستفهام
التقريريّ، فأنكر عمر عدم علمه بالرسالة، فأنتج إنكاره ثبوت علمه بها، وهو كلام
موجّة، إلا أن الرواية إنما هي بالتشديد، وكذلك ضبطها عياضٌ وغيره.
وقيل: النكتة في اختصاص عمر بإعلامه بذلك أنه كان معتنيًا بقصّة جابر مهتمًا
بشأنه، مساعدًا له على وفاء دين أبيه. وقيل: لأنه كان حاضرًا مع النبيّ وَّ لما مشى في
النخل، وتحقّق أن التمر الذي فيه لا يفي ببعض الدين، فأراد إعلامه بذلك؛ لكونه شاهد
أول الأمر، بخلاف من لم یشاهد.
قال الحافظ: ثم وجدت ذلك صريحًا في بعض طرقه، ففي رواية أبي المتوكّل، عن
جابر، عند أبي نُعيم، فذكر الحديث، وفيه: ((فإذا رسول اللَّه ◌َله وعمر، فقال: انطلق
بنا حتّى نطوف بنخلك هذا»، فذكر الحديث. وفي رواية أبي نضرة، عن جابر عنده في
هذه القصّة، قال: ((فأتاه هو وعمر، فقال: يا فلان خذ من جابر، وأخّر عنه، فأبى،
فكاد عمر يبطش به، فقال النبيّ وَلتر: مه يا عمر، هو حقّه، ثم قال: اذهب بنا إلى
نخلك)) الحديث، وفيه ((فأتيت النبيّ وَالتّر، فأخبرته، فقال: ائتني بعمر، فأتيته، فقال: يا
عمر سل جابرًا عن نخله))، فذكر القصّة.
ووقع في رواية الذَّيّال(١) بن حرملة أن أبا بكر وعمر جميعًا كانا مع النبيّ ◌ََّ، وقال
في آخره: ((قال: فانطلق، فأخبر أبا بكر وعمر،، قال: فانطلقت، فأخبرتهما))
الحديث. ونحوه في رواية وهب بن کیسان، عن جابر.
وجمع البيهقيّ بین مُخْتَلِفِ الروايات في ذلك بأن اليهوديّ المذکور کان له دين من
تمر، ولغيره من الغرماء ديون أخرى، فلما حضر الغرماء، وطالبوا بحقوقهم، وكال لهم
جابر التمر، ففضل تمر الحائط كأنه لم ينقص شيء، فجاء اليهوديّ بعدهم، فطالب
بدينه، فجدّ له جابر ما بقي على النخلات، فأوفاه حقّه منه، وهو ثلاثون وسقًا،
وفضلت منه سبعة عشر. انتهى.
قال الحافظ: وهذا الجمع يقتضي أنه لم يفضل من الذي في البيادر شيء، وقد صرّح
في الرواية المتقدّمة أنها فضلت كلّها كأنه لم ينقص منها شيء، فما تقدّم من الطريق التي
جمعت به أولى. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) تقدم أنه بالذال المعجمة.
(٢) ((فتح)) ٢٩٤/٧-٢٩٥ ((كتاب المناقب)).

. - حديث رقم ٣٦٦٤
٤- (بأَبُ قَضَاءِ الدَّيْنِ قَبَلَ الْمِيرَاثِ،.
١٢٧ -
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦٦٣/٣ و٣٦٦٤/٤ و٣٦٦٥ و٣٦٦٦ و٣٦٦٧ - وفي ((الكبرى)) ٣/
٦٤٦٣ و٦٤٦٤/٤ و٦٤٦٥ و٦٤٦٦ و٦٤٦٧. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢١٢٧ وفي
((المناقب)) ٣٥٨٠ (د) في ((الوصايا)) ٢٨٨٤ و((البيوع)) ٣٣٤٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): جواز الاستنظار في الدين الحالّ. (ومنها): جواز تأخير الغريم لمصلحة
المال الذي يوفي منه. (ومنها): أن فيه مشي الإمام بنفسه في حوائج رعيته، وشفاعته
عند بعضهم في بعض. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث حصل تكثير
القليل إلى أن حصل به وفاء الدين الكثير، وفضل منه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٤- (بَابُ قَضَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ
الْمِيرَاثِ، وَذِكْرِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ
النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ جَابِرٍ فِيهِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما اختلاف الألفاظ، فقد تقدّم البحث فيه مستوفّى
في الحديث الذي قبله.
وأما كون قضاء الدين قبل الميراث، فمحلّ إجماع، ووجه الاستدلال عليه بحديث
جابر رَّه واضحٌ حيث إنه بَّر قدّم قضاء ديون والده على قسمة تركته على ورثته،
فدل على أن الدین مقدم على المیراث، وهو نص کتاب الله عز وجل، حیث قال: ﴿مِنْ
بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الآية [النساء: ١١].
فالآية الكريمة نصّ في كون قسمة المواريث بعد تنفيذ الوصيّة، وقضاء الديون. وقد

١٢٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَایَا
تكلّم أهل العلم في حكمة تقديم الوصيّة على الدين في هذه الآية الكريمة، وقد ترجم
الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)) بقوله: ((باب تأويل قوله تعالى: ﴿مِنُ
بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دٍَّ﴾ [النساء: ١١]. ويُذكر أنّ النبيّ وَّل قضى بالدين قبل
الوصيّة.
قال في ((الفتح)): هذا طرف من حديث أخرجه أحمد، والترمذيّ، وغيرهما، من
طريق الحارث، وهو الأعور، عن عليّ بن أبي طالب، قال: ((قضى محمد وَلير أن الدين
قبل الوصيّة، وأنتم تقرؤون الوصيّة قبل الدين))، لفظ أحمد، وهو إسناد ضعيف، لكن
قال الترمذيّ: إن العمل عليه عند أهل العلم.
قال: ولم يختلف العلماء في أن الدين يقدّم على الوصيّة، إلا في صورة واحدة،
وهي ما لو أوصى الشخص بألف مثلًا، وصدّقه الوارث، وحكم، ثم ادعى آخر أن له
في ذمّة الميت دينًا يستغرق موجوده، وصدّقه الوارث، ففي وجه للشافعيّة تقدّم الوصيّة
على الدين في هذه الصورة الخاصّة.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الوجه مخالف للنصّ، فالحق أن لا يُلتفت إلى
هذا الوجه. والله تعالى أعلم.
قال: ثم قد نازع بعضهم في إطلاق كون الوصيّة مقدّمة على الدين في الآية؛ لأنه
ليس فيها صيغة ترتيب، بل المراد أن المواريث إنما تقع بعد قضاء الدين، ونفاذ
الوصيّة، وأتى بـ(أو)) للإباحة، وهي كقولك: جالس زيدًا أو عمرًا، أي لك مجالسة كلّ
منهما، اجتمعا، أو افترقا، وإنما قُدّمت لمعنى اقتضى الاهتمام لتقديمها، واختُلف في
تعيين ذلك المعنى، وحاصل ما ذكره أهل العلم من مقتضيات التقديم ستة أمور:
[أحدها]: الخفّة والثقل، كربيعة ومضر، فمضر أشرف من ربيعة، لكن لفظ ربيعة
لما كان أخفّ قُدّم في الذكر، وهذا يرجع إلى اللفظ.
[ثانیھا]: بحسب الزمان، کعاد وثمود.
[ثالثها]: بحسب الطبع، كثُلاث ورُباع .
[رابعها]: بحسب الرتبة، كالصلاة والزكاة؛ لأن الصلاة حقّ البدن، والزكاة حقّ
المال، والبدن مقدّم على المال.
[خامسها]: تقديم السبب على المسبّب، كقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال بعض
السلف: عزّ، فلما عزّ حَكّم.
[سادسها]: بالشرف والفضل، كقوله تعالى: ﴿مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ .
وإذا تقرّر ذلك، فقد ذكر السهيليّ أن تقديم الوصيّة في الذكر على الدين؛ لأن

٤- (بَأَبُ قَضَاءِ الدَّيْنِ قَبَلَ الْمِيرَاثِ، ... - حديث رقم ٣٦٦٤
١٢٩ ==
الوصيّة إنما تقع على سبيل البرّ والصلة، بخلاف الدين، فإنه إنما يقع غالبًا بعد الميت
بنوع تفريط، فوقعت البداءة بالوصيّة؛ لكونها أفضل. وقال غيره: قُدّمت الوصيّة لأنها
شيء يؤخذ بغير عوض، والدين يؤخذ بعوض، فكان إخراج الوصيّة أشقّ على الوارث
من إخراج الدين، وكان أداؤها مظنّة التفريط، بخلاف الدين، فإن الوارث مطمئنّ
بإخراجه، فقدّمت الوصيّة لذلك. وأيضًا فهي حظّ فقير ومسكين غالبًا، والدين حظّ
غريم يطلبه بقوّة، وله مقال، كما صحّ ((إن لصاحب الدين مقالًا)). وأيضًا فالوصيّة
يُنشئها الموصي من قبل نفسه، فقدّمت تحريضًا على العمل بها، بخلاف الدين، فإنه
ثابت بنفسه، مطلوب أداؤه، سواء ذُكر، أو لم يُذكر. وأيضًا فالوصيّة ممكنة من كلّ
أحد، ولا سيّما عند من يقول بوجوبها، فإنه يقول بلزومها لكلّ أحد، فيشترك فيها جميع
المخاطبين؛ لأنها تقع بالمال، وتقع بالعهد، كما تقدّم، وقلّ من يخلو عن شيء من
ذلك، بخلاف الدين، فإنه يمكن أن يوجد، وأن لا يوجد، وما يكثر وقوعه مقدّمٌ على
ما يقلّ وقوعه.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّرِ: تقديم الوصيّة على الدين في اللفظ لا يقتضي تقديمها في
المعنى؛ لأنهما معًا قد ذُكرا في سياق البعديّة، لكن الميراث يلي الوصيّة في البعدية،
ولا يلي الدين، بل هو بعد بعده، فيلزم أن الدين يُقدّم في الأداء، ثم الوصيّة، ثم
الميراث، فيتحقّق حينئذ أن الوصيّة تقع بعد الدين حال الأداء باعتبار القبليّة، فتقديم
الدين على الوصيّة في اللفظ، وباعتبار البعدية، فتقدّم الوصيّة على الدين في المعنى.
والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٦٦٤- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ -وَهُوَ
الْأَزْرَقُ- قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيًّا، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَتَيْثُ
النَّبِيِّ وَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي تُوُفِّيَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يَتْرُكُ إِلَّ مَا يُخْرِجُ
نَخَلُّهُ، وَلَا يَبْلُغُ مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ، مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، دُونَ سِنِينَ، فَانْطَلِقْ مَعِي، يَا رَسُولَ
اللَّهِ، لِكَيْ لَا يُفْحِشَ عَلَيَّ الْغُرَّامُ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، يَدُورُ بَيْدَرَا بَيْدَرَا، فَسَلْمَ حَوْلَهُ،
وَدَعَا لَهُ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، وَدَعَا الْغُرَّامَ، فَأَوْفَاهُمْ، وَبَقِيَ مِثْلُ مَا أَخَذُوا).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، إلا شيخ
المصنف، وهو بغداديّ وثّقه هو، والدار قطنيّ [١١]. و((إسحاق الأزرق)): هو ابن
يوسف بن مِزداس الواسطيّ ثقة [٩]. و((زكريا)): هو ابن أبي زائدة الهمدانيّ الوادعيّ
(١) (فتح)) ٣٠/٦-٣١. ((كتاب الوصايا)).

==
١٣٠ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَايَا
الكوفيّ ثقة [٦] .
وقوله: ((دون سنين)) أي من غير ضَمِّ سنين إلى هذه السنة، يعني أن ديونه لكثرتها لا
يفي بها ما يخرُج من نخله في هذه السنة، بل لا بدّ من سنين كثيرة، تزاد على هذه
السنة. وفي ((الكبرى)): ((دون سنتين)) بصيغة التثنية.
وقوله: ((يُفحِش)) بضم أوله، من الإفحاش، أي يسيئوا إليّ القول، يقال: أفحش
الرجل: أتى بالفُخش، وهو القول السيّء. قاله في ((المصباح)).
وقوله: ((الغُرّام)) - بضمّ الغين المعجمة، وتشديد الراء- جمع غَرِيم، قال ابن الأثير
رحمه اللّه تعالى: الْغُرّام جمع غَريم، كالْغُرَمَاء، وهو أصحاب الدين، وهو جمع غريب.
انتھی(١).
وقال في («اللسان»: وأما ما حكاه ثعلبُ في خبرٍ من أنه لما قعد بعض قريش لقضاء
دينه أتاه الْغُرَّامُ، فقضاهم دينه. قال ابن سيده: فالظاهر أنه جمع غَرِيم، وهذا عزيزٌ؛ لأن
فَعِيلًا لا يُجمع على فُعَال، إنما فُعَال جمع فاعل، قال: وعندي أن غُرَامًا جمع مُغْرَم على
طرح الزوائد، كأنه جمع فاعل من قولك: غَرَمَهُ، أي غَرَّمَهُ، وإن لم يكن ذلك مقولًا .
قال: وقد يجوز أن يكون غارم على النسب، أي ذو إغرام، أو تغريم، فيكون غُرّامُ جمعًا
له. قال: ولم يقل ثعلب في ذلك شيئًا. انتهى(٢)).
وقوله: ((فسلّم حوله))، ولفظ ((الكبرى)): ((فمشى حوله، وهو واضح، ولعل معنى:
((فسلّم)) هنا: دعا له بأن يسلم من النقص عن وفاء ديون والد جابر، أو المعنى: سلّم
أمره إلى الله تعالى، وفوّضه إليه؛ ليجعل بركته عليه، فيوفّي ديونه. والله تعالى أعلم.
والحديث أخرجه البخاري، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في حديث الباب
الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٣٦٦٥- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ جَابِرٍ ،
قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، قَالَ: وَتَرَكَ دَيْنَا، فَاسْتَشْفَعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ، عَلَّى
غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ شَيْئًا، فَطَلَبَ إِلَيْهِمْ، فَأَبَوْا، فَقَالَ لِيَ النَِّيُّ ◌َّهِ: ((اذْهَبْ، فَصَنَّفْ
تَمْرَكَ أَصْنَافًا، الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ ابْنٍ زَيْدٍ عَلَىِ حِدَةٍ، وَأَصْنَافَهُ، ثُمَّ ابْعَثْ إِلَيَّ))، قَالَ:
فَفَعَلْتُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، فَجَلَسَ فِي أَعْلَاهُ، أَوْ فِي أَوْسَطِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((كِلْ لِلْقَوْمِ))،
قَالَ: فَكِلْتُ لَهُمْ، حَتَّى أَوْفَيْتُهُمْ، ثُمَّ بَقِيَ تَمْرِي، كَأَنْ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٍ).
(١) ((النهاية)) ٣٦٣/٣.
(٢) ((لسان العرب)) ١٢/ ٤٣٧.

٤- (بَأَبُ قَضَاءِ الدَّيْنِ قَبَلَ الْمِيرَاثِ، ... - حديث رقم ٣٦٦٥
١٣١ -
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((جرير)): هو ابن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة ثبت [٨].
و((مغيرة)): هو ابن مقسم الضبيّ الكوفيّ، ثقة مُثْقِنٌ، لكنه يدلس [٦].
وقوله: ((أن يضعوا)) بفتح أوله، وثانيه: أي يُسقطوا بعض دينه. وقوله: ((فصنف
تمرك أصنافًا)) أي ميّز بين أنواعها. قال الفيوميّ: التصنيف تمييز الأشياء بعضِها من
بعض. وقال في ((الفتح)): أي اعزل كلَّ صنف منه وحده. انتهى(١).
وقوله: ((الْعَجْوَة)) : -بفتح العين المهملة، وسكون الجيم -: من أجود تمر المدينة.
وقوله: ((وعذق ابن زيد)) -بفتح العين المهملة، وسكون الذال المعجمة -: نوع من
التمر. قال الفيّوميّ: الْعِذْقُ: أي بالكسر: الكِبَاسةُ، وهو جامع الشَّمَاريخ، والجمع
أَعْذاق، مثلُ حِمْل وأحمال، والْعَذْق، مثالُ فَلْسٍ: النخلة نفسها، ويُطلق الْعَذْقُ على
أنواع من التمر، ومنه عَذْقُ ابن الْحُبِيقِ، وعَذَقُ ابن طاب، وعَذْقُ ابن زيد. قاله
أبو حاتم. انتهى.
ولفظ ((الكبرى)): ((عَذْقُ زيد)) بدون لفظة ((ابن))، والأول هو الذي في ((صحيح
البخاري)) في ((كتاب البيوع))، قال في ((الفتح)): وقوله: ((وعذق ابن زيد)) العذق بفتح
العين: النخلة، وبكسرها العرجون، والذال فيهما معجمة. و((ابن زيد)) شخص نُسب
إليه النوع المذكور من التمر(٢). وأصناف تمر المدينة كثيرة جدًّا، فقد ذكر الشيخ
أبو محمد الجوينيّ في ((الفروق)) أنه كان بالمدينة، فبلغه أنهم عدّوا عند أميرها صنوف
التمر الأسود خاصّة، فزادت على الستّين. قال: والتمر الأحمر أكثر من الأسود
عندهم. انتھی(٣).
وقوله: ((وأصنافه)) أي وصنّف بقيّة أصناف التمر كلًّا على حِدَةٍ، فيكون عطفه على ما
قبله من عطف العامّ على الخاصّ.
وقوله: ((كأن لم ينقص منه شيء)) أي بقي منه بعد أداء الديون شيء كثير، بحيث يظنّ
الظانّ أنه لم يؤخذ، ولم يُنتقص منه شيء.
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. والله
(١) ((فتح)٤ ٧٧/٥. ((كتاب البيوع)).
(٢) وقال في ((الفتح)) في ج٧/ ٢٩٤ - ((كتاب المناقب)): بعد أن ذكره بلفظ: ((عذق زيد)) بدون لفظ
((ابن)): ما نصّه: وزيد الذي نسب إليه اسم شخص، كأنه هو الذي كان ابتدأ غراسه، فنُسب
إليه. انتھی.
(٣) ((فتح)) ٧٧/٥. ((كتاب البيوع.

١٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦٦ (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ حَرَمِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ حَدَّثَنَا
حَمَّدٌ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ لِيَهُودِيُّ عَلَى أَبِي تَمْرٌ،
فَقُتِلَ يَوْمَ أَحَدٍ، وَتَرَكَ حَدِيقَتَيْنِ، وَتَمْرُ الْتَهُودِيِّ، يَسْتَوْعِبُ مَا فِي الْحَدِيقَتَيْنِ، فَقَالَ النَِّيُّ
وَ﴾: ((هَلْ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ الْعَامَ نِصْفَهُ، وَتُؤَخِّرَ نِصْفَهُ؟»، فَأَبِى الْيَهُودِيُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
(هَلْ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ الْجِدَادَ؟))، فَأَذِنِّي، فَاذَنْتُهُ، فَجَاءَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، فَجُعِلَ يُجَدُّ، وَيُكَالُ
مِنْ أَسْفَلِ الثَّخْلِ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَدْعُو بِالْبَرَكَةِ، حَتَّى وَفَيْتَهُ جَمِيعَ حَقْهِ، مِنْ أَضْغَرِ
الْحَدِيقَتَيْنِ - فِيمَا يَحْسِبُ عَمَّارٌ- ثُمَّ أَتَيْتُهُمْ بِرُطَبٍ وَمَاءٍ، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا
مِنَ النَّعِيمَ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إبراهيم بن يونس بن محمد)) البغداديّ، نزيل
طَرَسوس، لقبه حَرَميَّ -بمهملتين، بلفظ النسبة، كما قال المصنّف، صدوق [١١]
١٧٥٣/٥٤ من أفراد المصنّف.
و ((يونس بن محمد)» البغداديّ، أو محمد المؤذّب الثقة الثبت، من صغار [٩] ١٥/
١٦٣٢ .
و((حمادٌ)): هو ابن سلمة البصريّ، ثقة عابد [٨]. و((عمّار بن أبي عمّار)): هو مولى
بني هاشم، أبو عمرو، أو أبو عبد الله المكيّ، صدوق، ربما أخطأ [٣] ٧٤ / ١٩٧٧.
وقوله: فقال النبيّ وَّ: ((هل لك أن تأخذ الخ؟)) هذا الخطاب لليهوديّ الذي يطالب
جابرًا بدين أبيه.
وقوله: ((فأبى اليهوديّ)) بالباء الموحّدة، من الإباء، أي لم يقبل شفاعة النبيّ وَّه
بأخذ بعضه الآن، وتأخير بعضه إلى وقت آخر، بل طالب بقضاء دينه في الحال. ووقع
في نسخة شرح السنديّ ((فأتى اليهوديّ)) بالتاء المثناة الفوقيّة، وهو تصحيف.
وقوله: ((فقال النبيّ وَالر: ((هل لك أن تأخذ في الجداد؟)) هذا الخطاب لجابر ◌َّ،
يقول له عند ما عاين شذة مطالبة اليهوديّ هل لك أن تبدأ بجداد ثمار نخلك؟. ولفظ
((الكبرى)): فقال النبيّ وَلّر: فأحضر الجداد، فآذنّي، فآذنته، فجاء الخ)).
و((الجداد)) -بالكسر، والفتح -: القطع، قال الفيّوميّ: وجَدّه جدًّا، من باب قتل:
قطعه، فهو جَدِيدٌ، فَعِيلٌ بمعنى مفعول، وهذا زمن الْجِدَاد، والْجَدَاد، وأجدّ النخلُ
بالألف: حان جِداده، وهو قطعه. انتهى. و((الْجذّ)» بالذال المعجمة: القطع أيضًا.
وقوله: ((فآذنّي)) -بمدّ الهمزة، وتشديد النون- وهو معطوف على محذوف، يدلّ
عليه ما في الرواية التالية، أي فإذا جددته، ووضعته في الْمِرْبد، فآذنّي بذلك، أي

٤- (بابُّ قَضَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ الْمِيرَاثِ، ... - حديث رقم ٣٦٦٧
١٣٣=
أعلمني به .
وقوله: ((فجُعل يُجدّ، ويُكال من أسفل النخل)) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، أي
فشرع الناس في جدّه، وكيله للغرماء. وهذه الرواية مخالفة لما مضى، من أن الكيل
كان بعد أَنْ جُدّ، وصُنّف في البيادر، إلا أنه يمكن أن يؤوّل، ويكال من أسفل النخل،
أي يكال بعد أن يؤخذ من أسفل النخل، ويجعل في البيدر.
وقوله: ((فيما يحسب عمار)) بفتح السين المهملة، وكسرها، من باب ضرب،
وعلم: أي في ظنّ عمار بن أبي عمار الراوي عن جابر تنظيمه.
وقوله: ((ثم قال: هذا من النعيم)) أي قال النبيّ وَّل هذا الذي أكلتم، من الرُّطَبِ،
وشربتم، من الماء من جملة النعيم التي ستسألون عنها يوم القيامة، وهو إشارة إلى قوله
سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَيِدٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ،
عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: تُؤُنِّيَ أَبِّي، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَرَضْتُ
عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا الثَّمَرَةَ بِمَا عَلَيْهِ، فَأَبَوْا، وَلَمْ يَرَوْا فِيهِ وَفَاءٌ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَ﴿ِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: ((إِذَا جَدَدْتَهُ، فَوَضَعْتَهُ فِي الْمِرْبَدِ، فَأَذِنِّي)»، فَلَمَّا جَدَدْتُهُ،
وَوَضَعْتُهُ فِي الْمِرْبَدِ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ، فَجَاءَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرِ وَهُمَرُ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ،
وَدَعَا بِالْبَرَكَّةِ، ثُمَّ قَالَ: ((ادْعُ غُرَمَاءَكَ، فَأَوْفِهِمْ))، قَالَ: فَمَا تَرَكْتُ أَحَدًا، لَهُ عَلَى أَبِي
دَيْنٌ، إِلَّا قَضَيْتُهُ، وَفَضَلَ لِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَضَحِكَ، وَقَالَ: ((انْتِ
أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَخْبِرْهُمَا ذَلِكَ))، فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَخْبَرْتُهُمَا، فَقَالَا: قَدْ عَلِمْنَا، إِذْ
صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ مَا صَنَعَ، أَنَّهُ سَيَكُونُ ذَلِكَ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الحديث رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير
مرّة. و((عبد الوهاب)): هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ، ثقة [٨]. و((عبيد الله)):
هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ الثقه الثبت المدنيّ [٥].
و((وهب بن كيسان)): هو القرشيّ مولاهم أبو نُعيم المعلّم المدنيّ، ثقة، من كبار [٤].
وقوله: ((عن حديث عبد الوهاب)) أي من جملة الأحاديث التي حدّثه عبد الوهاب
الثقفيّ.
وقوله: ((ولم يروا فيه وفاء)) أي لم ير الغرماء ثمار نخله يفي بحقّهم، لقّتها، وكثر
دیونهم.

١٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَايَا
وقوله: «في المربد» -بکسر الميم، وسكون الراء، وفتح الباء الموحدة، آخره دال
مهملة -: موضع التمر، ويقال له أيضًا: مِسْطَحْ. ويطلق أيضًا على موقف الإبل، ومِزْبد
النَّعَم: موضع بالمدينة، يقال: على نحو من ميل. أفاده في ((المصباح)).
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق الكلام عليه، مستوفى قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكُلتُ، وإليه
أنیب)).
٥- (بَابُ إِبْطَالِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إطلاق المصنف رحمه اللّه تعالى الترجمة يدلّ على أنه
لا يرى الوصيّة لوارث أصلًا، ولو أجازها الورثة؛ لإطلاق النص، وسيأتي تحقيق
الخلاف في ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى.
٣٦٦٨- (أَخْبَرَنَا قُتَنِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ
حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَثْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنٍ خَارِجَةَ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ وِ،
فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِيّ حَقِّ حَقَّهُ، وَلَّا وَصِيَةً لِوَارِثٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١ .
٢- (أبو عوانة) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّز، ثقة ثبت [٧] ٤١/
٤٦ .
٣- (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٤/٣٠.
٤- (شهر بن حوشب) الأشعريّ الشاميّ، أثنى عليه، أحمد، ووثقه، وقال: ما
أحسن حديثه. ووثقه ابن معين، وعنه قال: ثبتٌ. وقال البخاريّ: حسن الحديث،
وقوّى أمره. ووثقه العجليّ، وغيره، وتكلّم فيه شعبة، وأحسن الكلام الحافظ
أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ رحمه الله تعالى، حيث قال: لم أسمع لمضعّفه حجة.
انتهى. وله عند مسلم حديث واحد متابعة. وقال في ((التقريب)): صدوق، كثير
الإرسال، والأوهام [٣] ١٨٠٠/٦٦.

١٣٥
٥- (بابُ إِيطَالِ الوَصِێ للوارث) - حديث رقم ٣٦٦٨
٥- (عبد الرحمن بن غَثْم) -بفتح، فسكون- الأشعريّ الشاميّ، مختلف في
صحبته، وذكره العجليّ في كبار ثقات التابعين-١/ ٢٤٣٧. والله تعالى أعلم.
٦- (عَمْرُو بْنُ خَارِجَةً) بن المنتفق الأشعريّ، ويقال: الأنصاريّ، ويقال: الأسديّ،
حليف أبي سفيان بن حرب. وقيل: خارجة بن عمرو، والأول أصحّ. روى عن النبيّ
﴿َّ هذا الحديث، روى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم الأشعريّ، عنه.
وقيل: عن شهر، عن عمرو. ورواه ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن عمرو بن
خارجة، مختصرًا: ((لاوصيّة لوارث)). وذكر له العسكريّ، والطبرانيّ حديثًا آخر من
رواية الشعبيّ، عنه. ثم أورد المذكور هنا، وقال: ولا يصحّ شهر منه. وفي ((معجم
الطبرانيّ)) التصريح بسماع شهر منه لحديث آخر(١)، وله في هذا الكتاب حديث الباب،
كرره ثلاث مرّات. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فإنه من رجال المصنف، والترمذي، وابن ماجه،
وعبد الرحمن علّق له البخاريّ، وشهر أخرج له مسلم متابعة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من
التابعين يروي بعضهم عن بعض: قتادة، عن شهر، عن عبد الرحمن. واللَّه تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ) وفي
الرواية التالية: ((أنه شهد رسول اللَّه وَل يخطب الناس على راحلته، وإنها لتقصع
بجِرّتها، وإن لُعابها لَيسيل)) (فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ) يعني أنه سبحانه
وتعالى قسم المواريث بين أصحابها المستحقّين، كما بيّنه في كتابه الكريم، حيث قال:
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾ الآية [النساء: ١٢] (وَلَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ) أي لكونه
أخذ حقّه المستَحَقْ له، فلا يجوز أن يوصَى له، حتى لا يأخذ الزيادة على بقيّة الورثة،
فتحصل الشحناء، والبغضاء بذلك؛ فإن الشارع الحكيم قد منع من عطية بعض الأولاد
شيئًا من المال، دون بعض، واعتبره جورًا-كما سيأتي في حديث النعمان بن بشير
رضي اللّه تعالى عنهما في ((كتاب النحل)) قريبًا، إن شاء اللّه تعالى- مع أن ذلك يقع في
(١) (تهذيب التهذيب)) ٢٦٦/٣.

= ١٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا
يقع في حال الصحة، وقوّة الملك، وإمكان تلافي العدل بينهم بإعطاء الذي لم يُعطه
فيما بعد ذلك؛ لما فيه من إيقاع العداوة، والحسد بينهم، فكون ذلك أشدّ في حال
الموت، أو المرض، وضعف الملك، وتعلّق حقوق الغير به، وتعذّر تلافي العدل بينهم
أحری، وأولى.
وهذا مجمعٌ عليه فيما إذا لم يجزه الورثة، فإن أجازوا، ففيه اختلاف بين العلماء،
سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمرو بن خارجة تنته هذا صحيح.
[تنبيه]: حديث: ((لا وصية لوارث))، روي عن جماعة من الصحابة ، منهم:
عمرو بن خارجة، وأبو أمامة الباهليّ، وعبد الله بن عبّاس، وأنس بن مالك، وعبد الله
ابن عمرو، وجابر بن عبد الله، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والبراء بن
. 4
عازب، وزید بن أرقم،
قال في ((الفتح)): عند قول البخاريّ: ((باب لا وصية لوارث)): هذه الترجمة لفظ
حديث مرفوع، كأنه لم يثبت على شرط البخاريّ، فترجم به كعادته، واستغنى بما
يُعطي حكمه. وقد أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما من حديث أبي أمامة تنبيه :
سمعت رسول اللّه وَ له يقول في خطبته في حجة الوداع: ((إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقّ
حقّه، فلا وصية لوارث)). وفي إسناده إسماعيل بن عيّاش، وقد قوّى حديثه عن
الشاميين جماعة من الأئمة، منهم أحمد، والبخاريّ. وهذا من روايته عن شُرحبيل بن
مسلم، وهو شاميّ ثقة، وصرّح في روايته بالتحديث عند الترمذيّ، وقال الترمذيّ:
حديث حسن. وفي الباب عن عمرو بن خارجة، عند الترمذيّ، والنسائيّ، وعن أنس
عند ابن ماجه، وعن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عند الدارقطنيّ، وعن جابر
عند الدار قطنيّ أيضًا، وقال: الصواب إرساله، وعن عليّ عند ابن أبي شيبة، ولا يخلو
إسناد كلّ منها عن مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلًا، بل جنح الشافعيّ
في ((الأمّ)) إلى أن هذا المتن متواتر، فقال: وجدنا أهل الفتيا، ومن حفظنا عنهم من أهل
العلم بالمغازي من قريش، وغيرهم، لا يختلفون في أن النبيّ وَّ قال عام الفتح: ((لا
وصية لوارث))، ويؤثرون عمن حفظوه عنه ممن لَّقُوه من أهل العلم، فكان نقل كافّة،
عن كافّة، فهو أقوى من نقل واحد. وقد نازع الفخر الرازيّ في كون هذا الحديث

١٣٧
٥- (بابُ إِطَالِ الوَصِیة لِلوارث) - حديث رقم ٣٦٦٨
متواترًا، وعلى تقدير تسليم ذلك، فالمشهور من مذهب الشافعيّ أن القرآن لا ينسخ
بالسنّة، لكن الحجة في هذا الإجماع على مقتضاه، كما صرّح به الشافعيّ وغيره.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن حديث الباب صحيح؛ بمجموع طرقه،
فقد مرّ آنفًا أنه مرويّ عن هؤلاء الصحابة ، بطرق كثيرة، وقد قام بتخريجها،
والكلام عليها الشيخ الألباني في كتابه الممتع «إرواء الغليل))، فأجاد، وأفاد، فراجعه
٨٧/٦-٩٩ - تستفد. والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: حديث عمرو بن خارجة روي هذا وقع فيه اضطراب، فقد رواه
أبو عوانة، وشعبة، أو سعيد، كلاهما عن قتادة، عن شهر عن عبد الرحمن بن غنم،
عن عمرو، كما في هذه الرواية، والتي بعدها، ورواه إسماعيل بن أبي خالد، عن
قتادة، عن عمرو بن خارجة، ولم يذكر بينهما أحدًا، كما في الرواية الثالثة.
قال الحافظ أبو الحجاج المزيّ رحمه الله تعالى بعد ذكر نحو ما تقدّم آنفًا: ما نصّه:
رواه هشام الدستوائيّ، وحماد بن سلمة، وعبد الغفّار بن القاسم، وطلحة بن
عبد الرحمن، ومُجَّاعَةُ بن الزبير، عن قتادة، نحو الأول. ورواه سعيد بن أبي عروبة
أيضًا، عن مطر الورّاق، عن شهر، عن عبد الرحمن، عن عمرو.
ورواه همام بن يحيى، والحجاج بن أرطاة، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود،
والحسن بن دينار، ويُكير بن أبي السميط، عن قتادة، فلم يذكروا ابن غنم. وكذلك
رواه ليث بن أبي سُليم، وأبو بكر الهذليّ، عن شهر. ورواه مسلم بن إبراهيم، عن أبي
بكر الهذليّ، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم. انتهى (٢). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦٦٨/٥ و٣٦٦٩ و٣٦٧٠ - وفي ((الكبرى)) ٦٤٦٨/٥ و٦٤٦٩
و٦٤٧٠. وأخرجه (ت) في ((الوصيايا)) ٢١٢١ (ق) في ((الوصايا)) ٢٧١٢ (أحمد) في
(مسند الشاميين)) ١٧٢١٠ و١٧٢١٣ و١٧٦١٥ و١٧٦٢١ (الدارمي) في ((الوصايا»
٣٢٦٠ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف العلماء في حكم الوصية للوارث:
قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: إذا أوصى لوارثه بوصيّة، فلم يُجزها سائر
الورثة، لم تصخ، بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر، وابن عبد البرّ: أجمع أهل
(١) ((فتح)) ٢٣/٦ -٢٤. ((كتاب الوصايا))
(٢) ((تحفة الأشراف)) ١٥٠/٨-١٥١.
.

١٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَايَا
العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول اللَّه وَ ل# بذلك.
وإن أجازها الورثة جازت في قول الجمهور من العلماء. وقال بعضهم: الوصيّة
باطلة، وإن أجازوها، وهو قول المزنيّ، وأهل الظاهر، وهو قول للشافعيّ، واحتجوا
بظاهر قوله : ((لا وصية لوارث)). وظاهر مذهب أحمد، والشافعيّ أن الوصيّة
صحيحة في نفسها، وهو قول جمهور العلماء؛ لأنه تصرّف صدر من أهله في محلّه،
فصح، كما لو أوصى لأجنبيّ، والخبر قد روي فيه: ((إلا أن يُجيز الورثة))(١)،
والاستثناء من النفي إثبات، فيكون دليلًا على صحة الوصيّة عند الإجازة. ولو خلا من
الاستثناء كان معناه لا وصيّة نافذة، أو لازمة، أو ما أشبه ذلك، أو يقدّر فيه: لا وصيّة
لوارث عند عدم الإجازة من غيره من الورثة.
وفائدة الخلاف أن الوصيّة إذا كانت صحيحة، فإجازة الورثة تنفيذٌ، وإجازة محضةٌ،
يكفي فيها قول الوارث: أجزت، أو أمضيتُ، أو نفّذت، فإذا قال ذلك لزمت الوصيّة،
وإن كانت باطلة، كانت الإجازة هبة مبتدأةً، تفتقر إلى شروط الهبة من اللفظ، والقبول،
والقبض، كالهبة المبتدأة، ولو رجع المجيز قبل القبض فيما يُعتبر فيه القبض صح
رجوعه. انتهى كلام ابن قُدامة بتصرف يسير(٢).
وقال في ((الفتح)): واستدلّ بحديث ((لا وصية لوارث)) على أنه لا تصحّ الوصيّة
للوارث أصلًا، وعلى تقدير نفاذها من الثلث، لا تصح الوصيّة له، ولا لغيره بما زاد
على الثلث، ولو أجازت الورثة، وبه قال المزنيّ، وداود، وقوّاه السبكيّ، واحتجَ له
بحديث عمران بن حصين رَّ في الذي أعتق ستة أعبد، فإن فيه عند مسلم، فقال له
النبيّ وَ لل قولًا شديدًا، وفُسر القول الشديد في رواية أخرى بأنه قال: «لو علمت ذلك ما
صلّيتُ عليه))، ولم يُنقل أنه راجع الورثة، فدلّ على منعه مطلقًا، وبقوله في حديث
سعد بن أبي وقّاص رَمّه: ((وكان بعد ذلك الثلث جائزًا»، فإن مفهومه أن الزائد على
الثلث ليس بجائز، وبأنه وَل# منع سعدًا من الوصيّة بالشطر، ولم يسئن صورة الإجازة.
انتھی(٣).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد أجاد السبكيّ رحمه الله تعالى في هذه
الاحتجاجات الواضحة التي تقوّي إطلاق حديث الباب، لا وصيّة لوارث.
(١) هذا الاستثناء غير صحيح، فإنه بإسناد ضعيف، بل قال بعضهم: إنه منكر. راجع ((إرواء الغليل))
٩٦/٦-٩٩ .
(٢) ((المغني)) ٣٩٦/٨-٣٩٧.
(٣) ((فتح) ٢٥/٦.

١
٥- (بَأَبُ إِبْطَالِ الوَصِيّة لِلوارث) - حديث رقم ٣٦٦٩
١٣٩ ==
والحاصل أن القول بعدم جواز الوصيّة للوارث مطلقًا، أجازها الورثة، أم لا، هو
الحقّ؛ لهذه الأدلة الواضحة، وأما الاستثناء المذكور، فإنه ضعيف، لا تقوم به الحجّة،
بل قال بعضهم: إنه منكر، وأما ما ذكره ابن قدامة من التعليل بأنه تصرّف صدر من أهله
في محلّه، فصحّ، فإنه تعليل عقليٍّ في مقابلة النصّ، فلا يُلتفت إليه، ولقد سبق غير مرّة
أن ذكرنا قول من قال، وأجاد في المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا
تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدّتْ شُبّهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦٩- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، أَنَّ ابْنَ غُثْمِ ذَكَرَ، أَنَّ ابْنَ خَارِجَةَ، ذَكَرَ لَهُ، أَنَّهُ شَهِدَ
رَسُولَ اللّهِ وَهِ، يَخْطُبُ النَّاسَ، عَلَى رَاحِلَتِهِ،" وَإِنَّهَا لَتَقْصَعُ بِجِرَّتِهَا، وَإِنَّ لُعَابَها لَيَسِيلُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، فِي خُطْبَتِهِ: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَسَّمَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، قِسْمَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ، فَلَا
تَجُوزُ لِوَارِثٍ وَصِئَةٌ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ. وقوله:
((حدّثنا شعبة)) هكذا نسخ ((المجتبى))، والذي في ((الكبرى)): ((حدّثنا سعيد)) يعني ابن أبي
عروبة. وكذلك ذكر في ((تحفة الأشراف)) ٨/ ١٥٠-١٥١ اختلاف النسخ، فقال: ((عن
شعبة))، وفي نسخة ((عن سعيد)).
والظاهر أن سعيدًا أصحّ، لأن ابن ماجه أخرجه في ((سننه)) عن أبي بكر بن أبي شيبة،
عن يزيد بن هارون، عن سعيد، عن قتادة الخ.
وأيضًا فإن المعروف أن شعبة لا يروي لشهر بن حوشب. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((وإنها لتقصع بجرتها)): قال في ((القاموس)): قَصَعَتِ الناقةُ بِجِرَتها، كمنعت:
ردّتها إلى جوفها، أو مَضَغتها، أو هو بعدَ الدَّسْعِ، وقبل المَضْغِ، أو هو أن تملأ بها
فاها، أو شِدّة المضغ انتهى.
وقال الأزهريّ: الجِرَة بالكسر ما تُخرجه الإبل من كُرُوشها، فَتَجترّه، فالجِرَّةُ في
الأصل للمعدة، ثم تَوَسّعوا فيها حتى أطلقوها على ما في المعدة، وجمع الجِرَة جِرَرٌ،
مثلُ سِذْرَة، وسِدَر. انتهى. قاله في ((المصباح)).
وقال في ((النهاية)): القَصْعُ: شدّة المضغ، والْجِرَّةُ: ما يُخرجه البعير من بطنه
لِيَمْضَغَه، ثم يَبْلَعَه، يقال: اجترّ البعير يَجترّ. قال: أراد شدّة المضغ، وضمّ بعض
الأسنان على بعض. وقيل: قَضْع الجرّة خروجها من الجوف إلى الشّدق، ومتابعة

١٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا
بعضها بعضًا، وإنما تفعل ذلك الناقة إذا كانت مطمئنةً، وإذا خافت شيئًا لم تخرجها.
وأصله من تقصيع اليربوع، وهو إخراجه تُراب قاصعائه، وهو جُخْرُهُ. انتهى (١).
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٧٠- (أَخْبَرَنَا عُثْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ،
قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنٍ خَارِجَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَلّ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ، قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
ثقة. والحديث في إسناد اضطراب كما سبق بيانه، إلا أنه صحيح بما تقدم، كما سبق
بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنیب)).
٦- (بَابٌ إِذَا أَوْضَى لِعَشِيرَتِهِ
الأَقْرَبِينَ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما حذف المصنف رحمه الله تعالى جواب ((إذا))
إشارةً إلى أن المسألة فيها خلاف بين العلماء، هل يصحّ، أم لا؟، ومن هم الأقارب؟،
لكن استدلاله بحديث الباب يدلّ على أنه يرجّح القول بالجواز، وأن المراد بالأقارب
هم تمام قبيلته، ولا يختصّ بها بعض دون بعض؛ لأن النبيّ وَل# حين أمر بإنذار عشيرته
الأقربين عمّم بالإنذار تمام قريش، وهم قبيلته، وما خَصّ به أحدًا منهم، دون غيرهم.
وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بترجمة تعمّ الوقف والوصيّة؛ لاتحادهما
في الحكم، فقال: ((باب إذا وقف، أو أوصى لأقاربه، ومن الأقارب؟)).
قال في ((الفتح)): وحذف المصنّف جواب قوله: ((إذا)) إشارة إلى الخلاف في ذلك،
أي هل يصحّ، أم لا؟، وأورد المسألة الأخرى مورد الاستفهام لذلك أيضًا، وتضمّنت
(١) ((النهاية)) ٢٥٩/١ و٧٢/٤.
(٢) وفي نسخة: ((حدثنا)، وفي أخرى: ((أخبرنا)).