النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ ١١ - (عَلَفُ الْخَيْل) - حديث رقم ٣٦٠٩ حيث قال: يدلّ على أنه كما توزن الأعمال كذلك توزن الأجرام المتعلّقة بها انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٦٠٩/١١ - و((الكبرى)) ٤٤٢٣/١١. وأخرجه (خ) ((المساقاة)) ٢٣٧١ و(الجهاد)) ٢٨٥٣ (م) ((الزكاة)) ٩٨٧ (ت) ((الجهاد)) ١٦٣٦ (ق) ف٢٧٨٨ (أحمد) ((باقي مسند المكثرين» ٧٥٠٩ و٨٦٤٩ و٨٧٥٤ (الموطأ) ((الجهاد)) ٩٧٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان فضل عَلَفَ الخيل. (ومنها): أن هذا الفضل لمن عمل هذا احتسابًا عند اللَّه عز وجل، وأما من عمل ذلك رياء، وسمعة، فإنه يكون آثمًا، فقد أخرج أحمد في («مسنده)) من طريق شهر بن خَوْشب، قال: حدثتني أسماء بنت يزيد، أن رسول اللّه وَالله قال: (( الخيل في نواصيها الخير معقود أبدا، إلى يوم القيامة، فمن ربطها عُدّة في سبيل الله، وأنفق عليها احتسابا في سبيل اللّه، فإن شبعها، وجوعها، ورِيّا، وظمأها، وأروائها، وأبوالها فلاح في موازينه يوم القيامة، ومن ربطها رياء وسمعة، وفَرَحًا، ومَرَحًا، فإن شبعها، وجوعها، وريها، وظمأها، وأروائها، وأبوالها، خسران في موازينه يوم القيامة)). حديث حسن. (ومنها): استحباب وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين. (ومنها): أنه يُستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات، ومن غير المنقولات من باب أولى. (ومنها): أن المرء يؤجر بنيته، كما يؤجر العامل. (ومنها): جواز ذكر الشيء المستقذر بلفظه للحاجة. (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة: يستفاد من هذا الحديث أن هذه الحسنات تقبل من صاحبها؛ لتنصيص الشارع على أنها في ميزانه، بخلاف غيرها، فقد لا تقبل، فلا تدخل في الميزان. وفي ((سنن ابن ماجه)) من حديث تميم الداريّ رَّ، مرفوعًا: ((من ارتبط فرسًا في سبيل اللّه، ثم عالج علفه بيده، كان له بكلّ حبّة حسنة))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) في سنده مجاهيل، ولكن صححه الشيخ الألباني رحمه اللّه تعالى، انظر ((صحيح ابن ماجه)) ٢/ ١٢٨ رقم (٢٢٥٠)، فليُتأمّل. ٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْل ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٢- (غَايَةُ السَّبْقِ لِلَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أخّر المصنّف رحمه اللّه تعالى في ((الكبرى)) هذا الباب على الباب التالى، وهو الأنسب. و((السّبْقُ)) -بفتح المهملة، وسكون الموحّدة -: مصدر، وهو المراد هنا، بخلاف الآتي في الترجمة الثالثة، فإنه -بفتحتين- لأن المراد الرهن يوضع لذلك، ويحتمل أن يكون بسكون السين أيضًا، كما سنوضّحه هناك، إن شاء الله تعالى. وقوله: ((لم تضمر)) بالبناء للمفعول، من الإضمار، أو من التضمير. يقال: ضَمّرَ الفرسُ ضُمُورًا، من باب قعد، وضَمُرَ ضُمْرًا، مثلُ قَرُب قُربًا: دقّ، وقلّ لحمه، وضَمَّرته، وأضمرته: أعددته للسِّباق، وهو أن تعلفه قُوتًا بعد السمن، فهو ضامرٌ، وخيلٌ ضامرةً، وضَوامرُ، والمِضْمار : الموضع الذي تُضمر فيه الخيل. قاله الفيّوميّ. وسيأتي مزيد بسط لذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٦١٠- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدْ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ: ((سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ، يُرْسِلُهَا مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُّهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ، وَكَانَ أَمَدُهَا مِنَ الثِّيَّةِ، إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَئِقٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥. ٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢ /٤٧. ٣- (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة فقيه فاضل [٧] ٤١ /٦٨٥. ٤- (نافع) العدويّ مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/١٢. ٥- (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما١٢/١٢. والله تعالى أعلم. ٢٣ ١٢- (غَايَةُ السَّبْقِ لِلِِّّي لَمْ تُضَمَّرْ) - حديث رقم ٣٦١٠ لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وخالد، فبصريّان. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِ: (سَابَقّ) أي أمر بالسباق، أو أباحه. وقال القرطبيّ: المسابقة مفاعلة، ولا تكون إلا من اثنين، وذلك أن المتسابقين إذا جعلا غايةً، وقصدا نحوها، فإن كلّ واحد منهما يُسابق صاحبه إليها انتهى (١) (بَيْنَ الْخَيْلِ) زاد في الرواية الآتية في الباب التالي: ((التي قد أضمرت)» (يُرْسِلُهَا) جملة جاليّةَ من ((الخيل)) (مِنَ الْحَفْيَاءِ) -بفتح المهملة، وسكون الفاء، ممدودًا، وزان حمراء، ويقصر -: موضع بظاهر المدينة. أفاده في ((المصباح))، و((القاموس))، وقدم بعضهم الياء على الفاء. وقال القرطبيّ: موضع بينه وبين ثنية الوداع خمسة أميال، أو ستّة، على ما قاله سفيان، وقال ابن عقبة: ستة أميال، أو سبعة(٢) (وَكَانَ أَمَدُهَا) بفتحتين: أي غايتها (قَنِيَّةً الْوَدَاعِ) الثنيّة لغةً: الطريقة إلى العقبة، وثنية الوداع: موضع بالمدينة، سمّي بذلك؛ لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودّعون إليها (٣) وهي التي قالت فيها نساء الأنصار، فیما يُحکی : الْوَدَاعِ ثَنِيَّاتِ الْبَذرُ عَلَيْنَا مِنْ طَلَعَ يعنون النبيّ وَّ﴿، وبينه وبين مسجد بني زريق ميلٌ واحد. قاله القرطبيّ. (وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ) تقدّم أنه إما من الإضمار، أو من التضمير، والمراد به أن تُعلف الخيل حتى تسمَنَ، وتقوَى، ثم يُقلّل عَلَفها بقدر القوت، وتُدخّل بيتًا، وتُغشى بالجِلال، حتى تَحَمَى، فتعرق، فإذا جفّ عرقها، خَفَّ لحمها، وقويت على الجري (وَكَانَ أَمَدُهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ) اللام فيه للعهد، أي ثنية الوداع (إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ) -بضمّ الزاي، وفتح الراء، آخره، بصغية التصغير، وبنو زُريق بطن من الأنصار، (١) («المفهم)) ٣/ ٧٠٠. (٢) ((المفهم)) ٣/ ٧٠٠. (٣) أفاده في ((عمدة القاري)) ١٥٩/٤. ٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْلِ من الخزرج، وهو زُريق بن عامر بن زريق بن عبدحارثة بن مالك بن غضب بن جُشم بن (١) الخزرج(١). وزاد في الرواية الآتية في الباب التالي: ((أن عبد الله كان ممن سابق بها)). وفي رواية الإسماعيليّ: (قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى، فوثب بي فرسي جدارًا»، ولمسلم: («فسبقت الناس، فطفّف بي الفرس مسجد بني زريق)». أي جاوز بي المسجد الذي كان هو الغاية، وأصل التطفيف مجاوزة الحدّ. قاله في ((الفتح))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٦١٠/١٢ و٣٦١١- وفي ((الكبرى)) ٤٤٢٥/١٣. وأخرجه (خ) في ((الصلاة)) ٤٢١ و((الجهاد)) ٢٨٦٨ و٢٨٦٩ و٢٨٧٠ و((الاعتصام بالكتاب والسنة)) ٧٣٣٦ (م) في الإمارة)) ١٨٧٠ (د) ((الجهاد)) ٢٥٧٥ و٢٥٧٦ (ت) ((الجهاد)) ١٦٩٩ (ق) ((الجهاد)) ٢٨٧٧ (أحمد) ((مسند المكثرين)) ٤٤٧٣ و٤٥٨٠ (الموطأ) ((الجهاد)» ١٠١٧ (الدارمي) ((الجهاد)» ٢٤٢٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو استحباب جعل غاية للسبق بين الخيل التي لم تضمر. (ومنها): مشروعيّة المسابقة، وأنه ليس من العبث، بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو، والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب، والإباحة، بحسب الباعث على ذلك. قال القرطبيّ: لا خلاف في تضمير الخيل، والمسابقة بها على الجملة، وكذلك الإبل، وعلى الأقدام، كما جرى في حديث سلمة بن الأكوع تنبيه ، وكذلك المراماة بالسهام، واستعمال الأسلحة، ولا شكّ في جواز شيء من ذلك، إذا لم يكن هنالك مراهنة؛ لأن ذلك كلّه مما يُنتفع به في الحروب، ويُحتاج إليه، وإنما اختلفوا، هل ذلك من باب الندب، أو من باب الإباحة، إذا لم يُحتج إلى ذلك؟ فإن احتيج إلى شيء من (١) «اللباب)) ٦٥/٢ و((الأنساب)) ١٤٦/٣-١٤٧. (٢) ((فتح)) ١٦٣/٦-١٦٤. ((كتاب الجهاد)). ٢٥ ١٢ - (غَايَةُ السَّبْقِ لِلِّي لَمْ تُضَمّر) - حديث رقم ٣٦١٠ ذلك، كان حكمه بحسب الحاجة انتهى (١). (ومنها): جواز إضمار الخيل، قال في ((الفتح)): ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدّة للغزو. (ومنها): مشروعيّة الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة. (ومنها): جواز نسبة الفعل إلى الآمر به؛ لأن قوله: ((سابق)) أي أمر، أو أباح. (ومنها): جواز معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيبًا لها في غير الحاجة كالإجاعة والإجراء. (ومنها): تنزيل الخلق منازلهم؛ لأنه وَله غاير بين منزلة المضمر، وغير المضمر، ولو خلطهما لأتعب غير المضمر. (ومنها): جواز إضافة المسجد إلى بانيها، أو المصلّي فيها، وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) على هذا، فقال: ((بابٌ هل يقال: مسجد بني فلان))، ثم أورد حديث الباب. قال في ((الفتح)): ويلتحق به جواز إضافة أعمال البرّ إلى أربابها. قال: والجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيم النخعيّ، فيما رواه ابن أبي شيبة عنه، أنه كان يكره أن يقول: مسجد بني فلان، ويقول: مصلّى بني فلان؛ لقول تعالى: ﴿وَ أَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾، وجوابه أن الإضافة في مثل هذا إضافة تمييز، لا ملك انتهى(٢). (ومنها): أن بعضهم استدلّ بقول ابن عمر: ((وإن عبد اللَّه كان فيمن سابق بها)) أن المراد بالمسابقة بالخيل كونها مركوبة، لا مجرّد إرسال الفرسين بغير راكب. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الذي لا يشترط الركوب لا يمنع صورة الركوب، وإنما احتجّ الجمهور بأن الخيل لا تهتدي بأنفسها لقصد الغاية بغير راكب، وربما نفرت. وفيه نظر؛ لأن الاهتداء لا يختصّ بالركوب، فلو أن السائس كان ماهرًا في الجري بحيث لو كان مع كلّ فارس ساع يهديها إلى الغاية لأمكن. انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١) ((المفهم)) ٧٠٠/٣-٧٠١. (٢) ((فتح)) ٧٧/٢. ((كتاب الصلاة)). (٣) ((فتح) ١٦٤/٦-١٦٥. ((كتاب الجهاد)». ٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْلِ ١٣- (بَابُ إِضْمَارِ الْخَيْلِ لِلسَّبْقِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الإضمار)) : هو إعداد الخيل للسباق، وهو أن تُعلف حتى تَسمَن، ثم يقلّل علفها بقدر القوت إلى آخر ما سبق في الباب الماضي. وأما ((السَّبْق))، فهو هنا بفتح السين المهملة، وسكون الموحدة، قال في ((اللسان)): السَّبْقُ - أي بفتح، فسكون: الْقُدْمَة في الْجَزْىٍ، وفي كلّ شيءٍ، تقول: له في كلّ أمر سُبْقةٌ، وسابقةٌ، وسَبْقٌ، والجمع الأسباق، والسوابق انتهى. وقال الفيّوميّ: سَبَقَ سَبْقًا، من باب ضرب(١)، وقد یکون للسابق لا حقّ، کالسابق من الخیل، وقد لا یکون، کمن أحرز قَصَبَةَ السَّبْقِ، فإنه سابقٌ إليها، ومنفردٌ بها، ولا يكون له لا حقٌّ. قال الأزهريّ: وتقول العرب للذي يَسْبِقُ من الخيل: سابقٌ، وسَبُوقٌ، مثلُ رَسُولٍ، وإذا كان غيره يسبقه كثيرًا، فهو مُسَبَّقٌ، مثقلّ اسم مفعول. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٦١١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةً، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَبِئَّةَ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَِّيَةِ، إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَّ مِمَّنْ سَابَقَ بِهَا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، وهو ثقة. و((ابن القاسم)): هو عبد الرحمن الْعُتقيّ المصريّ الفقيه. والحديث متفقٌ عليه، ودلالته على الترجمة واضحة، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الباب الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ١٤- (بَابُ السَّبَقِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((السبَقُ)) هنا - بفتحتين- لأن المراد به الرهن الذي يُجعل للمتسابقين. قال في ((القاموس)): السَّبَقُ محرّكةً، والسُّبْقَةُ بالضمّ: الْخَطَرُ يوضع (١) زاد في ((القاموس))، و((اللسان)) من باب نصر. ٢٧ ١٤ - (بَابُ السَّبقِ) - حديث رقم ٣٦١٣ بين أهل السباق، جمعه أسباق. والفعل من بابي ضرب، ونصر. انتهى. وفي ((اللسان)): السَّبَقُ -بفتحتين - الخَطَرُ، وهو ما يتراهن عليه المتسابقان، وسبقته بالتشديد: أخذت منه السَّبقَ، وسبقته: أعطيته إياه، قال الأزهريّ: وهذا من الأضداد انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٦١٣- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعِ ابْنِ أَبِي نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهَِّهِ، قَالَ: ((لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَضْلِ، أَوْ حَافَرٍ، أَوْخُفْ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل باب، سوی: ١- (نافع بن أبي نافع) البَزّاز(١)، أبي عبد الله المدنيّ، مولى أبي أحمد، ثقة [٣]. قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((لَا سَبَقَ) قال الخطابيّ: ((السبق)): بفتح الباء: هو ما يُجعل للسابق على سَبْقه من جُعْل، ونَوَال، فأما السبْقُ بسكون الباء، فهو مصدر سبقت الرجل أسبُقه سَبْقًا، والرواية الصحيحة في هذا الحديث السّبَقُ مفتوحة الباء، يريد أن الجعل والعطاء لا يُستحقّ إلا في سباق الخيل، والإبل، وما في معناهما، وفي النصل، وهو الرمي، وذلك لأن هذه الأمور عُدّة في قتال العدوّ، وفي بذل الْجُعْل عليها ترغيبٌ في الجهاد، وتحريض عليه، ويدخل في معنى الخيل البغال، والحمير؛ لأنها كلها ذوات حوافر، وقد يُحتاج إلى سُرعة سيرها ونجائها ؛ لأنها تحمل أثقال العساكر، وتكون معها في المغازي. وأما السباق بالطير، والزَّجل(٢) بالحمام، وما يدخل في معناه، مما ليس من عُدّة الحرب، ولا من باب القوّة على الجهاد، فأخذ السبق عليه قمارٌ محظور لا يجوز انتهى (٣). (إِلَّا فِي نَصْلِ) بفتح النون، وسكون الصاد المهملة: حديدة السهم، والرمح، والسیف، ما لم یکن له مقبض. (١) ((البزاز)) بزايين هكذا في ((تهذيب التهذيب))، و(تهذيب الكمال))، ونسخة أبي الأشبال من ((التقريب))، وفي نسخة منه، و((تحفة الأشراف)) ((البزار)) بزاي، وراء، وليُحرّر. (٢) الزَّجْل محركة: الْلعِبُ، والجَلَبَةُ، والتطريبُ، ورفعُ الصوت، وزَجَلَ الحمامَ: أرسلَهَا على بُعْدٍ. أفاده في ((ق)). (٣) ((معالم السنن)) ٣٩٨/٣. ٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْلِ وقال الفيّوميّ: هو السيف، والسكّين، جمعه نُصُول، ونِصال - بالكسر - ونَصَلتُ السهمَ نَصلًا، من باب قتل: جعلت له نصلًا، وأنصلته بالألف: نزعت نصله، وكانوا يقولون لرجب: مُنْصِلُ الأسِنَّة؛ لأنهم كانوا يَنزِعونها فيه، ولا يُقاتلون، كأنه هو الذي أنصلها، ونصل الشيء من موضعه، من باب قتل أيضًا: خرج منه، ومنه يقال: تنصّل فلانٌ من ذنبه، والْمُنْصُل السيف -بضم الميم، وأما الصاد، فتُضمّ، ويجوز الفتح تخفيفًا. قاله الفيّوميّ. (أَوْ حَافِرٍ) المراد به الخيل، وأصل الحافر اسم فاعل من حَفَرْتُ الأرض حَفْرًا، من باب ضرب، سمّي منه حافر الفرس والحمار، كأنه يحفر الأرض بشدّة وطئه عليها. قاله الفيوميّ. (أَوْخُفِّ))) قال في ((اللسان)): الخفّ واحد أخفاف البعير، وهو للبعير كالحافر للفرس. قال: وخفّ البعير هو مجمع فِرْسِنٍ البعير والناقة، تقول العرب: هذا خفّ البعير، وهذه فِرْسِنه، وفي الحديث: ((لا سَبَقَ إلا في خفّ، أو نصل، أو حافر))، فالخفّ الإبل ههنا، والحافر الخيل، والنصل السهم الذي يُرمى به، ولا بدّ من حذف مضاف: أي لا سبق إلا في ذي خفّ، أو ذي حافر، أو ذي نصل. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٦٠٢/١٤ و٣٦٠٣ و٣٦٠٤ و٣٦١٦- وفي ((الكبرى)) ٤٤٢٦/١٤ و٤٤٢٧ ٤٤٢٨ و٤٤٣٠. وأخرجه (ت) ((الجهاد)) ١٧٠٠ (ق) ((الجهاد)) ٢٨٧٨ (أحمد) ((باقي مسند المكثرين)) ٨٤٧٨ و٩٧٨٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم أخذ المال على المسابقة: قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: المسابقة جائزة بالسنة، والإجماع، أما السنة، فحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ((أن النبيّ وَله سابق بين الخيل ... )) الحديث متّفق عليه . قال: وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة، والمسابقة على ضربين: مسابقة بغير عوض، ومسابقة بعوض، فأما المسابقة بغير عوض، فتجوز مطلقًا من غير تقييد بشيء معيّن، كالمسابقة على الأقدام، والسفن، والطيور، والبغال، والحمر، ٢٩ ١٤ - (بابُ السَّبَقِ) - حديث رقم ٣٦١٣ والفِيَلَة، والمزاريق(١)، والمصارعة، ورفع الحجر؛ ليُعرف الأشدّ، وغير هذا؛ لأن النبيّ وَّ كان في سفر مع عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فسابقته على رجلها، فسبقته، قالت: فلما حملت اللحم، سابقته، فسبقني، فقال: ((هذه بتلك)). رواه أبو داود بإسناد صحيح. وسابق سلمة بن الأكوع تعظيم رجلاً من الأنصار بين يدي النبيّ وَّل في يوم ذي قَرَد. أخرجه مسلم. وصارع النبيّ وَّ رُكانة، فصرعه. رواه الترمذيّ(٢). ومرّ بقوم يربَعُون حجرًا -يعني يرفعونه ليعرفوا الأشدّ منهم - فلم يُنكر عليهم(٣). وسائر المسابقة یقاس على هذا. وأما المسابقة بعوض، فلا تجوز إلا بين الخيل، والإبل، والرمي، قال: وبهذا قال الزهريّ، ومالك، وقال أهل العراق: يجوز ذلك في المسابقة على الأقدام، والمصارعة. قال: ولنا حديث ((لا سبق إلا في نصل، أو خفّ، أو حافر))، فنفى السبق في غير هذه الثلاثة، ويحتمل أن يراد به نفي الْجُعل، أي لا يجوز الجعل إلا في هذه الثلاثة، ويحتمل أن يراد نفي المسابقة بعوض، فإنه يتعيّن حمل الخبر على أحد الأمرين؛ للإجماع على جواز المسابقة بغير عوض في غير هذه الثلاثة، وعلى كلّ تقدير فالحديث حجة لنا؛ ولأن غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إليها، فلم تجز المسابقة عليها بعوض. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة ملخصًا (٤). وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: وأما المراهنة، فأجازها على الجملة مالكٌ، والشافعيّ في الخفّ، والحافر، والنصل، وذلك على ما يُروى عن النبيّ وَّ: ((لا سَبَقَ إلا في خفّ، أو حافر، أو نصل))، على أنه لا يروى هذا الحديث بإسناد صحيح، وهو مع ذلك مشهور عند العلماء، متداولٌ بينهم. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله لا يُروى بإسناد صحيح غير صحيح؛ إذ هو مرويّ متّصل ورجاله ثقات، وقد صححه الأئمة الحفّاظ: ابن حبّان، وابن القطّان، وابن دقيق العيد، وابن حجر، وغيرهم، فتنبه. والله تعالى أعلم. قال: وقد منع بعض العلماء الرّهان في كلّ شيء إلا في الخيل؛ لأنها التي كانت عادة العرب المراهنة عليها. وروي عن عطاء السبق في كلّ شيء جائز، وقد يُؤَوَّلُ عليه؛ لأن حمله على العموم في كلّ شيء يؤدّي إلى إجازة القمار، وهو محرّم باتفاق. (١) المزاريق: الرماح القصيرة. (٢) حديث ضعيفٌ، رواه الترمذيّ، وذكر أن إسناده ليس بقائم. (٣) رواه أبو عبيد في غريب الحديث ١/ ١٥-١٦. ويحتاج إلى النظر في إسناده، والله أعلم. (٤) ((المغني)) ٤٠٤/١٣-٤٠٩. ((كتاب السبق والرمي)). ٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْلِ ثم إن الذين أجازوا الرهان شرطوا فيها شروطًا، وذكروا لها صورًا، منها متفقٌ على جوازها، ومنها متّفقٌ على منعها، ومنها مختلف فيها. فأما المتّفق عليها، فأن يُخرج الإمام، أو غيره متطوّعًا سَبَقًّا، ولا فرس له في الحلبة، فمن سَبَقَ فله ذلك السبَقُ. وأما المتّفق على منعه، فهو أن يُخرج كلّ واحد من المتسابقين سَبَقًا، ويشترط أنه إن سبَقَ أمسك سَبَقَهُ، وأخذ سبق صاحبه، فهذا قمارٌ، فلا يجوز باتفاق، إذا لم یکن بينهما محلّلٌ، فإن أدخلا بينهما محللا يكون له السبق، ولا يكون عليه شيءٌ، إن سُبق، فهذه مما اختلف فيها، فأجازها ابن المسيّب، والشافعيّ، ومالكٌ مرّةً، والمشهور عنه أنه لا يجوز. والصحيح جوازه إن كان المحلّل لا يأمن أن يَسبق؛ لما خرّجه أبو داود، عن سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن سعيد ابن المسيّب، عن أبي هريرة ◌َّه، عن النبيّ وَّرَ، قال: ((من أدخل فرسًا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يسبق، فليس بقمار، ومن أدخله، وقد أمن أن يسبق، فهو قمار))(١). وأما إذا لم يكن بينهما محلّلٌ لم يجز؛ لأن مقصودهما المخاطرة، والمقامرة، وهو مذهب الزهريّ، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقد حُكي فيها الاتفاق. فلو كان للوالي أو غيره فرسّ في الحلبة، فيُخرج سَبَقًا على أنه إن سبق هو حبَسَ سبقه، وإن سُبق أخذ السبق السابق، فأجازها الليث، والشافعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وهو أحد أقوال مالك؛ لأن الأَسباق على ملك أربابها، وهم فيها على ما شرطوه . ومنع من ذلك مالكٌ في قول آخر، وبعض أصحابه، وربيعة، والأوزاعيّ، وقالوا: لا يرجع إليه سبقه، وإنما يأكله من حضر إن سبق مخرجه، إن لم يكن مع المتسابقين ثالث. والمسابقة عقدٌ لازم كالإجارة، فيُشترط في السّق ما يشترط في الأجرة من انتفاء الغرر، والجهالة، ومن شرط جوازها أن تكون الخيل متقاربة في النوع والحال، فمتى جُهل حال أحدها، أو كان مع غير نوعه، كان السبق قمارًا باتفاق انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(٢) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن المسابقة بلا عوض جائزة، بل مما لا خلاف فيه، كما سبق في كلام ابن قدامة، وأما بالعوض، فيقتصر على ما في حديث الباب؛ لأنه ذكرها بأداة الحصر؛ فلا ينبغي الزيادة عليها. والله تعالى أعلم بالصواب، (١) حديث ضعيف؛ لضعف سفيان بن حسين في الزهريّ. (٢) ((المفهم)) ٧٠١٧٠٢/٣ ((كتاب الجهاد)». ٣١ ١٤ - (بابُ السَّبَقِ) - حديث رقم ٣٦١٤ وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٣٦١٣- (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِيَ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ إِ، قَالَ: ((لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفْ، أَوْ حَافِرٍ)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((سعيد بن عبد الرحمن)): هو المكيّ الثقة، من صغار [١٠] ١٢٧٧/٤١. و((سفيان)): هو ابن عيينة. والحديث صحيحٌ، وقد سبق البحث فيه مستوفّى في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦١٤- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَنْبَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بِنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى الْجُنْدَعِيِينَ(١)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِي اللَّه عَنْهِ، قَالَ: ((لَا يَحِلُّ سَبَقٌ، إِلَّا عَلَى خُفِّ، أَوْ حَافِرٍ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إبراهيم بن يعقوب)): هو الْجُوزَجانيّ الحافظ. و ((ابن أبي مريم)) : هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الثقة الثبت الفقيه المصريّ. و((الليث)): هو ابن سعد الإمام الحجة المصريّ. و(ابن أبي جعفر)) يسار: هو عبيدالله المصريّ الفقيه الثقة العابد. و((محمد بن عبد الرحمن)): هو الأسديّ القرشيّ المدنيّ، يتيم عروة. و((سليمان بن يسار)): هو مولى ميمونة، أخو عطاء بن يسار، الثقة الثبت أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد سبق بيانهم غير مرّة . و ((أبو عبد اللَّه مولى الْجُندَعيين)) المدنيّ، ثقة [٣]. قال الذهليّ: أبو عبد الله هذا هو نافع بن أبي نافع الذي روى عنه نُعيم المجمر، وابن أبي ذئب، وقد سمع من أبي هريرة. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال الحاكم: قال بعضهم: عن أبي صالح مولى الجندعيين. روى له المصنّف حديث الباب فقط، وليس له غيره. [تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة: ((أبو عبيد اللَّه)) مصغّرًا، وهو غلطٌ، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، مضى قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع (١) بضم الجيم، وسكون النون، وفتح الدال: نسبة إلى بني جُندع، بطن من ليث بن بكر بن عبد مناة ابن كنانة. قاله في ((اللباب)) ٢٩٥/١ . ٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْلِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦١٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ، نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ، لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَىَ قَعُودٍ، فَسَبَقَّهَا، فَشَقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وُجُوهِهِمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سُبِقَتِ الْعَضْبَاءُ، قَالَ: ((إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ، أَنْ لَا يَرْتَفِعَ مِنَ الذُّنْيَا شَيْءٍ، إِلَّا وَضَعَهُ)) ). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١- (محمد بن المثنى) العنزيّ، أبو موسى البصريّ الزَّمِن، ثقة ثبت [١٠] ٨٠/٦٤ . ٢- (خالد) بن الحارث الهجيميّ، تقدم قريبًا. ٣- (حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقة يدلّس [٥] ١٠٨/٨٧. ٤- (أنس) بن مالك رضي اللّه تعالى عنه٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٨١) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا تَّه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣) وقد تجاوز عمره مائة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ، نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ) -بفتح العين المهملة، وسكون الضاد المعجمة، بعدها موحدة، ومدّ- كانت تلقّب به ناقة النبيّ وَّر؛ لنجابتها، لا لِشَقّ أذنها. قاله الفيّوميّ. وقال ابن منظور: العَضْباء: اسم ناقة النبيّ وَّ، اسم لها علمٌ، وليس من الْعَضَب الذي هو الشّقْ في الأذن. وقال الجوهريّ: هو لقبها، وقال ابن الأثير: هو علمٌ منقولٌ من قولهم: ناقةٌ عضباء: أي مشقوقة الأذن، ولم تكن مشقوقة الأذن. وقال بعضهم: إنها كانت مشقوقة الأذن، والأول أكثر. وقال الزمخشريّ: هو منقول من قولهم: ناقةٌ عَضْباءُ، وهي القصيرة اليد انتهى(١). (١) ((لسان العرب)) ٦٠٩/١. مادة عضب. = ٣٣ ١٤ - (بابُ السَّبقِ) - حديث رقم ٣٦١٥ وقال في ((الفتح)): العضباء: هي المقطوعة الأذن، أو المشقوقة. وقال ابن فارس: كان ذلك لقبًا لها؛ لقوله -أي الرواية -: تُسمّى العضباء، ولقوله: ((يقال لها: العضباء))، ولو كانت تلك صفتها لم يُحتَج لذلك. قال: واختلف هل العضباء هي القصواء، أو غيرها، فجزم الحربيّ بالأول، وقال: تُسمّى العضباء، والقصواء، والجدعاء. وروى ذلك ابن سعد عن الواقديّ. وقال غيره بالثاني، وقال: الجدعاء كانت شهباء، وكان لا يحمله عند نزول الوحي غيرها، وذكروا له عدّة نُوق غير هذه، تتبّعها من اعتنى بجمع (١) السيرة انتهى (١). وقد عقد الحافظ أبو الفضل العراقيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية السيرة» لذلك بابًا، فقال : [باب ذكر لقاحه، وجماله والآخر]: عُرَيْسٌ بَغُومُ السَّمْرَاءُ كَانَتْ لَهُ لِقَاحٌ الْحِنّاءُ حَفِدَةٌ مُهْرَةُ وَالْيُسَيرَةُ بَرَكَةٌ وَالْمَزْوَةُ السَّعْدِيَّةُ عَضْبَاءُ جَدْعَاءُ هُمَا الْقَصْوَاءُ رَيَّاءُ وَالشَّقْرَاءُ وَالصَّهْبَاءُ وَجَلٌ أَخْمَرُ وَالْمُكْتَسَبُ وَغَيْرُهُنَّ وَالْجِمَالُ الثَّغْلَبُ جَهْلٍ فَأَهْدَاهُ إِلَى الْبَيْتِ النَّبِي غَنِيمَةٌ فِي يَوْمٍ بَذْرٍ مِنْ أَبِي غَاظَ بِهِ كُفَّارَ أَهْلِ مَكَّةٍ فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ ايْ مِنْ فِضَّةٍ (لَا تُسْبَقُ) وفي رواية البخاريّ: قال حمد: ((أو لا تكاد تُسبَق)) (فَجَاءَ أَغْرَابِيٌّ) قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا الأعرابيّ بعد التتبع الشديد (عَلَى قَعُودٍ) -بفتح القاف -: ما استحقّ الركوب من الإبل. قال الجوهريّ: هو الْبَكْرُ حتى يُركب، وأقلّ ذلك أن يكون ابن سنتين إلى أن يدخل السادسة، فيُسمّى جَملًا. وقال الأزهريّ: لا يقال: إلا للذكر، ولا يقال للأنثى قَعُودة، وإنما يقال لها: قَلُوص. قال: وقد حكى الكسائيّ في ((النوادر)) قَعُودةٌ للقَلُوص، وكلام الأكثر على خلافه. وقال الخليل: القَعُودة من الإبل ما يقعده الراعي لحمل متاعه، والهاء فيه للمبالغة. انتهى(٢). (فَسَبَقَهَا) بالبناء للفاعل، أي سبق ذلك الأعرابيّ بقَعُوده العضباء. وفي رواية ابن المبارك، وغيره، عن حميد، عند أبي نُعيم: ((فسابقها، فسبقها»، وفي رواية شعبة: (١) (فتح)) ١٦٦/٦-١٦٧. ((كتاب الجهاد)). (٢) فتح» ١٦٦/٦. ٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْلِ ((سابق رسول اللّه وَالّل أعرابيّ)). وهذا هو محلّ الترجمة، لكن هذا، وإن كان فيه جواز المسابقة، فليس فيه جواز السبق، أي الْجُعْلِ، إذ غاية ما دلّ عليه أن النبيّ ◌َليل أقرّ الأعرابيّ في مسابقته له، ولیس بينهما عقد دفع السبق، ففي إدخال المصنّف رحمه الله تعالى لهذا الحديث في هذا الباب نظرٌ لا يخفى، إذ هو دليلٌ على جواز المسابقة، لا على جواز السَّبَق، فتأمّل. (فَشَقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) وفي رواية البخاريّ: ((فشقّ ذلك على المسلمين، حتى عرفه)). أي حتى عرف النبيّ وَلّ أثر المشقّة ظهر على وجوههم (فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وُجُوهِهِمْ) أي من أثر مشقّة سبقه لها (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ) هكذا في رواية المصنّف ((قالوا)) بدون عاطف، وعليه فيكون جواب ((لما)) مرتّبًا على محذوف، تقديره، ((وسألهم عن سببه))، أي فلما رأى النبيّ وَليه ما في وجوههم، وسألهم عن سببه قالوا: يا رسول اللّه الخ. وفي رواية للبخاريّ في ((الرقاق)): ((وقالوا)) بواو العطف، وعليه فيكون معطوفًا على جملة ((فلما رأى الخ))، ويكون جوب ((لما)) قوله: ((إن حقًّا الح)). وفي رواية شعبة الآتية بعد باب: ((فكأن أصحاب رسول اللَّه ◌َ لير وجدوا في أنفسهم من ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: حقّ ... )) (سُبِقَتِ الْعَضْبَاءُ) ببناء الفعل للمفعول (قَالَ) بَ (إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ) قال السنديّ: في إعرابه إشكالٌ عند الناس من حيث إنه يلزم أن يكون اسم ((إنّ)) نكرةً، وخبرها ((أَنْ)) مع الفعل، وهو في حكم المعرفة، بل من أتمّ العارف، حتى يُجعَلُ مسندًا إليه، مع كون الخبر معرفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُوا﴾ الآية بنصب ﴿قَوْلَهُمْ﴾ على الخبريّة، ورفع ﴿أَنْ قَالُوا﴾ محلًّا، على أنه اسم «کان)) . وقد أجيب بالقلب، ولا يخفى بعده، ولعلّ الأقرب من ذلك أن يُجعَل ((على الله خبرًا، و((حقًّا)) حالًا من ضميره، فليُتأمّل انتهى(١) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الكلام ناقصٌ، والظاهر أن فيه سقطًا، والأصل ولعل الأقرب أن يُجعَلَ ((أن لا يترفع)) اسم ((إن)) و((على اللَّه)) خبرًا، و((حقًّا)) حال من ضميره. ويحتمل أن يكون من باب الابتداء بالنكرة الموصوفة، على حدّ قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة)): وَرَجُلٌ مِنَ الْكِرَامِ عِنْدَنَا فقوله: ((حقًّا)) اسم ((إنّ)) و((على اللَّه)) جار ومجرور متعلّق بصفة لـ ((حقّا))، وقوله: (١) ((شرح السنديّ)) ٢٢٧/٦. ٣٥ ١٤ - (بَأَبُ السَّبَقِ) - حديث رقم ٣٦١٦ ((أن لا يرتفع)) هو الخبر. والله تعالى أعلم. (أَنْ لَا يَرْتَفِعَ) قال السنديّ: أي برفع الناس إياه، وفي نسخة: ((أن لا يُرفع)) على بناء المفعول، والمراد رفع الناس، وأما ما رفعه الله، فلا واضع له انتھی. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ يردّه ما في رواية موسى بن إسماعيل عند البخاريّ بلفظ: ((أن لا يرفع شيئًا))، فالصواب أن ما رفعه الله من أمور الدنيا لا بدّ له أن يَتَّضع، ويدلّ لذلك قوله (مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٍ، إِلَّا وَضَعَهُ) فالذي يتضع بعد رفعه إنما هو ما كان من أمور الدنيا، وأما ما كان من أمور الآخرة، فلا يزداد إلا رفعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٦١٥/١٤ و٣٦١٩/١٦- وفي («الكبرى» ٤٤٢٩/١٤ و٤٤٣٣/١٦. وأخرجه (خ) ((الجهاد والسير)) ٢٨٧١ و٢٨٧٢ و(الرقاق)) ٦٥٠١ (د) ((الأدب)) ٤٨٠٢ (أحمد) ((باقي مسند المكثرين)) ١١٥٩٩ و١٣٢٤٧ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): جواز المسابقة. (ومنها): جواز اتخاذ الإبل للركوب، والمسابقة عليها. (ومنها): ما كان عليه الصحابة من محبّة النبيّ وَّر، وعظمته في صدورهم، بحيث إنهم لا يحبّون أن تُسبق ناقته، ويشُقّ ذلك عليهم؛ لأن ذلك يجعل نفس السابق متعاليًا عليه، ولا سيّما وهو أعرابيٍّ. (ومنها): ما كان عليه الأعراب من الجفاء، والبعد عن التأدب في حضرته وَلهو، إذ الصحابة ﴾ كانوا لا يتجاسرون في التقدم بين يدي رسول اللَّه ◌ِوَ له لا بدوابهم، ولا بأرجلهم، ولا بأقوالهم، إلا بإذن منهِ وَّ، عملًا بقول سبحانه وتعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية. (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَّر من حسن الخلق، والتواضع. (ومنها): الحثّ على التواضع. (ومنها): التزهيد في الدنيا؛ للإشارة إلى أن كلّ شيء منها لا يرتفع، إلا اتّضع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦١٦- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْحَكّمِ، مَوْلَّى لِيَّنِي لَيْثٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ، قَالَ: ((لَا سَبَقَ إِلَّ فِي خُفِّ، أَوْ حَافِرٍ)) ). ٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْل قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كان الأولى للمصنّف رحمه اللّه تعالى تقديم هذا الحديث على الذي قبله؛ لأنه ثالث أحاديث أبي هريرة ◌َّه التي أخرجها في هذا الباب. و((عمران بن موسى)): هو القزاز الليثيّ، أبو عمرو البصريّ. و((عبد الوارث)): هو ابن سعيد ابن ذكوان البصريّ. و((محمد بن عمرو(: هو ابن علقمة الليثيّ المدنيّ. و((أبو الحكم مولى بني ليث))، مقبولٌ [٣]. له عند المصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط . والحديث صحيح، كما تقدّم قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)». * ١٥- (الْجَلَبُ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الْجَلَبُ-بفتحيين -: يطلق على شيئين: أحدهما في الزكاة، وهو أن يَقْدَم الْمُصَدِّقُ على أهل الزكاة، فينزلَ موضعًا، ثم يرسل مَنْ يجلُب إليه الأموال من أماكنها؛ ليأخذ صدقتها، فنهي عن ذلك، وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على میاههم، وأماکنها . والثاني: في السّباق، وهو الذي أراده المصنف رحمه الله تعالى في هذه الترجمة، وهو أن يَتْبَعَ الرجلُ فرسَهُ، فیزجره، ويَجلُب علیه، ويَصِیح، حثًّا له على الجري، فنهي عن ذلك(١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٦١٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ بَزِيع(٢)، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ زُرَنِع- قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَّيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَِّيِّ نَِّ، قَالَ: ((لَا جَلَبَ، وَلَا جَئَبَ، وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً، فَلَيْسَ مِنَّ)) ). (١) ((النهاية)) ٢٨٠/١. (٢) ((بزيع)) بفتح الباء الموحّدة، وكسر الزاي، آخره عين مهملة. ٣٧ ١٦ - (الْجَنَبُ) - حديث رقم ٣٦١٨ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيحٌ، وقد تقدّم للمصنّف رحمه الله تعالى في ((كتاب النكاح)) برقم - ٣٣٣٦/٦٠ - وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك-ولله الحمد والمنّة- فراجعه تستفد. و((حميد)): هو الطويل. و((الحسن)): هو البصريّ. وقوله: ((ولا شغار)) تقدم أن عقد المصنف رحمه الله تعالى لتفسيره بابًا -٦١/ (تفسير الشغار))، وقد فُسّر في الرواية بأنه أن يزوّج الرجل الرجل ابنته على أن يزوّجه ابنته، وليس بينهما صداق. وقد سبق البحث عنه مستوفّى في الباب المذكور، فراجعه تستفد . وقوله: ((ومن انتهب نُبة)) أي سلب، واختلس، وأخذ قهرًا، و((النهبة)) -بضم، فسكون -: المال المنهوب، و -بالفتح- مصدر. وقوله: ((ليس منا)) أي من أهل طريقتنا، وستتنا، والظاهر أنه ليس من المؤمنين أصلًا، لكن إجماع أهل السنة على خلافه، فلا بدّ من تأويله، وقد تقدّم تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ١٦- (الْجَنَبُ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الْجَنّب)) - بالتحريك- في السباق أن يَجْنُبَ فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فَتَرَ المركوبُ تحوّل إلى المجنوب. وهو في الزكاة أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، ثم يأمر بالأموال أن تُجْنَب إليه، أي تُحضَرَ، فنُهُوا عن ذلك. وقيل: أن يَجْنُبَ ربّ المال بماله، أي يُبعده عن موضعه، حتّى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتباعه، وطلبه. قاله ابن الأثير رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٦١٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي فَزَعَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ◌َ، قَالَ: ((لَا جَلَبَ، وَلَّا (١) ((النهاية)) ٣٠٣/١. = ٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْلِ جَنَبَ، وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد)): هو ابن جعفر، غُنْدَر. و((أبو قَزَعَة)) بفتحات: سُويد بن حُجَير الباهليّ البصريّ . والحديث صحيحٌ، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦١٩- (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، قَالَ: حَدِّثَنِي حُمَيْدُ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: سَابَقَ رَسُولَ اللّهِ وَهِ أَعْرَابِيٌّ، فَسَبَقَهُ، فَكَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ((حَقٌّ عَلَى اللَّهِ، أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْءٌ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا، إِلَّا وَضَعَهُ اللَّهُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق تمام البحث فيه قبل باب، فليُراجع هناك. وقوله: ((أن لا يرفع شيء نفسه)) قال السنديّ رحمه الله تعالى: الأقرب بناء الفعل للفاعل، ونصب ((نفسَهُ))، وأما جعله مبنيًّا للمفعول، ورفع ((نفسه)) على أنه بدل من ((شيءٌ))، فبعيدٌ. بقي أن الناقة ما رفعت نفسها، والظاهر أن المدار على أن يرفع شيء بلا استحقاق، سواء هو رفع نفسه، أم لا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((بلا استحقاق)) فيه نظرً، إذ لا دليل على خصوص ذلك، بل الحديث عام. والحاصل أنه لا يرتفع شيء من أمور الدنيا، مطلقًا، إلا وضعه الله سبحانه وتعالى، فتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٣٩ ١٧ - (بَابُ سُهْمَانِ الْخَيْل) - حديث رقم ٣٦٢٠ ١٧ - (بَابُ سُهْمَانِ الْخَيْلِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((السُّهْمَانُ)) - بضم، فسكون -: جمع سهم -بفتح، فسكون- وهو النصيب، ويُجمع أيضًا على أسهُم، وسِهام. ولفظ ((الكبرى)) ((سَهْمًا الخيل)) بالتثنية، والإضافة إلى ((الخيل)). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٢٠- (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ يَخْتِى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، عَامَ خَيْبَرَ، لِلْزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، أَزْبَعَةَ أَسْهُم، سَهْمًا لِلِزُّبَيْرِ، وَسَهْمًا لِذِي الْقُرْبَى، لِصَفِيَّةَ بِئْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَمِ الزُّبَيْرِ، وَسَهْمَيْنٍ لِلْفَرَسِ). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩. ٢- (ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٩/٩. ٣- (سعيد بن عبد الرحمن) الْجُمَحيّ، أبو عبد الله المدني، قاضي بغداد، صدوق، له أوهام، أفرط ابن حبّان في تضعيفه [٨] ٢٢٣٦/٤٣. ٤- (هشام بن عروة) بن الزبير، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١ . ٥- (يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير) بن العوّام القرشيّ الأسديّ المدنيّ، ثقة [٥]. قال ابن معين، والنسائيّ، والدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: أخبرنا ابن عمر، حدثنا ابن أبي الزناد، قال: كانت ليحيى مرؤة، وما رأيت شابًّا في النعمة أحسن منه، مات قديمًا، وهو ابن ستّ وثلاثين، وكان ثقة كثير الحديث. وقال الدارقطنيّ: يحيى بن عبّاد، وأبوه عبّاد ثقتان. وقال أبو حاتم: مات قديمًا، وهو ابن ست وثلاثين سنة، وكانت له مرؤة. وقال الزبير بن بكّار نحوه، وزاد: أمه عائشة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. روى له البخاريّ في ((جزء القراءة)»، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٦- (جدّه) عبد الله بن الزبير بن العوام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، وأبو خُبيب، الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنهما، ولي الخلافة تسع سنين، وقُتل في ذي ٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْلِ الحجة سنة (٧٣)، تقدّم في ١١٦١/١٨٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، ويحيى بن عباد، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وابن وهب، فمصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: هشام، عن يحيى، وهو من رواية الأقران. (ومنها): أن صحابيّه رضي الله تعالى عنه هو أول مولود وُلد في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، ففرح به المسلمون؛ حيث بطل به زعم المنافقين بأنهم لا يولد لهم؛ لأن اليهود سحرتهم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَخْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، عَامَ خَيْيَرَ، لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، أَرْبَعَةَ أَسْهُم، سَهْمًا لِلزُّبَيْرِ) قيل: اللام فيه للتمليك، وفي قوله: ((للفرس)) للسبيّة (وَسَهْمًا لِذِي الْقُرْبَى، لِصَفِيَّةَ) بدل من الجار والمجرور قبله (بِنْتِ عَبْدِ الْمُطْلِبٍ، أُمّ الزُّبَيْرِ) بالجرّ بدل من «صفیّة)» (وَسَهْمَیْنِ لِلْقَرَس) فیه أن الفرس یسهم له بسھمین، وبه قال الجمهور، وخالف فيه الحنفية، فقالوا: لا يفضّل الفرس على صاحبه، بل يعطى سهمًا فقط، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الثانية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما هذا حسنٌ من أجل الاختلاف في سعيد بن عبد الرحمن، فقد وثّقه ابن معين وغيره، وتكلم فيه بعضهم، فلا ينقص حديثه عن درجة الحسن. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-١٧/ ٣٦٢٠- وفي ((الكبرى)) ٤٤٣٤/١٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في سهمان الخيل: قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: أكثر أهل العلم على أن الغنيمة للفارس منها