النص المفهرس

صفحات 321-340

٧١- (بابُ خُرُوج المُتَوَفَّی عَنْهَا بِالنَّهَارِ) - حديث رقم ٣٥٧٧
٣٢١
وجة، وهو أن الحديث لما دلّ على جواز خروج المطلّقة، مع أن زوجها حيّ، وهو
ينفق عليها، إن كانت رجعية، بلا خلاف، أو بائنة، على خلاف، فمن باب أولى
خروج من مات عنها زوجها التي لا تجد من ينفق عليها، ولا من يتولّى شأنها .
قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: والحديث في المطلّقة، والمصنّف أخذ منه حكم
المتوفّى عنها زوجها؛ لأن المطلّقة مع أنها تُجُرَى عليها النفقة من الزوج فيما دون الثلاث
باتفاق، وفي الثلاث على الاختلاف، إذا جاز لها الخروج لهذه العلّة المذكورة في
الحديث، فجواز الخروج للمتوفّى عنها زوجها بالأولى، ولا أقلّ من المساواة،
لاشتراكه هذه العلّة بينهما بالسويّة، ولكون إثبات الحكم بالحديث في المتوفّى عنها
زوجها أدقّ، دون المطلّقة عدل عن الترجمة في ((المجتبى)) إلى ما ترى؛ لكونه يُراعي
الدقّة في الترجمة. وقد ترجم في ((الكبرى)): ((باب خروج المبتوتة بالنهار)). والله تعالى
أعلم انتهى كلام السنديّ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٥٧٧- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج،
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ (٢)، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: طُلْقَتْ خَالَتُهُ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى نَخْلِ لَهَا، فَلَقِيِّتْ
رَجُلًا، فَتَهَاهَا، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَ: ((اخْرُجِي، فَجُدِّي نَخْلَكِ، لَعَلَّكِ أَنْ
تَصَدَّقِي، وَتَفْعَلِي مَعْرُوفًا)) ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عبد الحميد بن محمد) بن الْمُسْتَامن أبو عمر الحرّانيّ،، إمام مسجدها، ثقة
[١١] ٩٣٢/٢٢ .
٢- (مَخْلَد) بن يزيد القرشيّ الْحَرّانيّ، صدوقٌ له أوهام، من كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢.
٣- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة
فقيه فاضل يدلّس ويرسل [٦] ٣٢/٢٨ .
٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] ٣٥/٣١.
٥- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي
اللَّه تعالى عنهما٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
(١) (شرح السنديّ) ٢١١/٦.
(٢) وفي رواية أبي داود تصريح ابن جريج بالإخبار، ولفظ: ((أخبرني أبو الزبير)).

٣٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير
شيخه، ومخلد، فحرّانيان. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين
السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما. وفي رواية مسلم: ((قال ابن جريج:
أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول ... ))، فانتفت تهمة التدليس في كلّ
من ابن جريج، وأبي الزبير (قَالَ: طُلْقَتْ خَالَتُهُ) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول:
((خالتي)»، كما في رواية أحمد. وفي رواية أبي داود: ((طُلّقت خالتي ثلاثًا))، فدلّ على
أن طلقتها كانت بائنة (فَأَرَادَتْ أَنْ تَخَرُجَ إِلَى نَخْلِ لَهَا) وفي رواية أبي داود: ((فخرجت
◌ُجدّ نخلا لها))، وهو -بفتح التاء، وضم الجيم، بعدها دال مهملة: أي تقطف، وتقطع
ثمر نخلها (فَلَقِيَتْ رَجُلًا، فَتَهَاهَا) ظنًّا منه أن خروج المعتدّة من بيتها غير جائز (فَجَاءَتْ
رَسُولَ اللَّهِ وَ لَّ) زاد في رواية أبي داود: ((فذكرت ذلك له))، أي ذكرت نهي الرجل لها
عن الخروج (فَقَّالَ) بَّرِ (اخْرُجِي) أمر إباحة (فَجُدِّي نَخْلَكِ) بضم الجيم، أي اقطفي
ثمر نخلك (لَعَلَّكِ أَنْ تَصَدَّقِي) أصله تتصدّقي بتاءين، فحذف منه إحداهما؛ تخفيفًا، كما
في قوله عز وجل: ﴿فَنَزَّلُ الْمَلَتَبِكَةُ﴾، وقوله: ﴿فَأنْتَ لَمُ تَصَدَّى﴾، قال ابن مالك في
((خلاصته)) :
وَمَا بِئَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَزْ فِيهِ عَلَىْ تَا كَـ ((تَبَيِّنُ الْعِبَرِ))
(وَتَفْعَلِي مَعْرُوفًا) هو من عطف العامّ على الخاصّ؛ إذ المعروف يعمّ الصدقة،
وغيرها، كقضاء الديون، ونحوه. ولفظ أبي داود: ((أو تفعلي معروفًا))، بـ ((أو)) التي
للتنويع .
ووجه استدلال المصنّف رحمه الله تعالى على جواز خروج المتوفّى عنها، أو
المبتوتة نهارًا من هذا الحديث هو أن جداد النخل في غالب العرف لا يكون إلا نهارًا،
وقد نهي عن جداد الليل، ونخل الأنصار قريبٌ من دورهم، فهي إذا خرجت بُكرة
للجداد أمكنها أن تُمسي في بيتها؛ لقرب المسافة. أفاده الخطّابيّ رحمه اللَّه تعالى(١).
قال القرطبيّ: قوله: ((فلعلّك أن تصدّقي الخ)) ليس تعليلًا لإباحة الخروج لها
بالاتفاق، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها، والحضّ على فعل الخير انتهى (٢) .
(١) ((معالم التنزيل)) ١٩٧/٣.
(٢) ((المفهم)» ٢٧٩/٤.

٧١- (بَأَبُ خُرُوجِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِالنَّهَارِ) - حديث رقم ٣٥٧٧
٣٢٣
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي فيما قاله نظر، فما المانع أن يكون تعليلاً، مع
أن سياق الحديث ظاهر فيه، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفیمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧١/ ٣٥٧٧ - وفي ((الكبرى)) ٥٧٤٤/٧١. وأخرجه (م) في ((الطلاق))
١٤٨٣ (د) في ((الطلاق)) ٢٢٩٧ (ق) في ((الطلاق)) ٢٠٣٤ (أحمد) في ((باقي مسند
المكثرين)) ١٤٠٣٥ (الدارمي) في ((الطلاق)) ٢٢٨٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة خروج المتوفّى
عنها زوجها من بيتها أثناء العدّة نهارًا. (ومنها): جواز خروج المبتوتة من بيتها نهارًا.
(ومنها): الحثّ على التصدّق، وفعل الخير. (ومنها): أن النساء كالرجال في فعل
الخير؛ لأنهنّ شقائق الرجال، قال الله عز وجل: ﴿وَالْمُنَصَدِّقِينَ وَالْمُصَدِّقَتِ﴾ الآية.
(ومنها): مشروعيّة العناية بحفظ المال، واقتنائه لفعل الخير، والمواساة به. (ومنها):
استحباب الصدقة من التمر عند جداده، والهديّة منه. و(منها): استحباب التعريض
لصاحب التمر بفعل ذلك، وتذكيره بالمعروف، والبرّ. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في خروج المعتدة من بيتها:
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث دليلٌ لمالك، والشافعيّ،
وأحمد، والليث على قولهم: إن المعتدّة تخرج بالنهار في جوائجها، وإنما تلزم منزلها
بالليل، وسواء عند مالك كانت رجعيّةً، أو بائنةً. وقال الشافعيّ في الرجعيّة: لا تخرج
ليلًا، ولا نهارًا، وإنما تخرج نهارًا المبتوتة. وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفّى عنها
زوجها. وأما المطلّقة، فلا تخرج ليلاً ولا نهارًا.
وقال الجمهور بهذا الحديث(١) إن الجداد بالنهار عرفًا، وشرعًا، أما العرف، فهو
(١) هكذا نسخة ((المفهم)) والعبارة فيها ركاكة، ولعل الصواب: وقال الجمهور المراد بهذا الحديث
الخروج نهارًا؛ لأن الجداد بالنهار الخ.

٣٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
عادة الناس في مثل ذلك الشغل، وأما الشرع، فقد نهى بَّلول عن جداد الليل. ولا يقال:
فيلزم من إطلاقه أن تخرج بالليل، إذ قد يكون نخلها بعيدًا، تحتاج إلى المبيت فيه، لأنا
نقول: لا يلزم ذلك من هذا الحديث؛ لأن نخلهم لم يكن الغالب عليها البعد من
المدينة، بحيث يُحتاج إلى المبيت، وإنما هي بحيث يُخرَج إليها، ويُرجَع منها في
النهار. انتهى كلام القرطبيّ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن المتوفّى عنها زوجها، والمطلّقة
طلاقًا بائنًا لهنّ الخروج لحوائجهنّ مطلقًا، ليلًا، أو نهارًا، ثم يعدن إلى بيوتهنّ؛
لإطلاق حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه، فإنه وَلو لما قال لها: ((اخرجي، فجدّي)) ما
قيّده، لا بليل، ولا بنهار، فيعمل بعمومه، وأما المطلّقة طلاقًا رجعيًّا، فلا تخرج مطلقًا،
إلا لما استثناه اللَّه تعالى في كتابه حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ
وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ثَُّةٍ﴾ الآية (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٧٢- (بَابُ نَفَقَةِ الْبَائِنَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هكذا عبارة المصنف رحمه اللّه تعالى هنا، وفي
((الكبرى)) ((البائنة)) بالهاء، وهو صفة للمرأة، والذي في كتب اللغة أن صفة المرأة
بغيرهاء، وأما بالهاء، فهو صفة للتطليقة. قال في ((اللسان)): وبانت المرأة عن الرجل،
وهي بائنٌ: انفصلت عنه بطلاق، وتطليقة بائنة، بالهاء لا غير، وهي فاعلة بمعنى
مفعولة، أي تطليقة ذات بينونة، ومثله عيشة راضية، أي ذات رضًا انتهى. ونحوه في
((القاموس)). وفي ((المصباح)) : وبانت المرأة بالطلاق، فهي بائنٌ، بغير هاء، وأبانها
زوجها بالألف، فهي مبانةٌ. قال ابن السكيت في ((كتاب التوسعة)): وتطليقة بائنة،
(١) ((المفهم)) ٢٧٩/٤.
(٢) انظر ما كتبه ابن حزم في ((المحلّى)) - ٢٨٢/١٠-٣٠٣- في هذه المسألة، وإن كنت لا أوافقه في
بعض أبحاثه، لكنه رحمه الله تعالى أجاد في كثير منه.

٧٢- (بَأَبُ نَفْقَةِ البَائِنَةِ) - حديث رقم ٣٥٧٨
٣٢٥ =
والمعنى مُبانةٌ، قال الصَّغَانيّ: فاعلٌ بمعنى مفعولة انتهى.
فعلى هذا فكان حقّ العبارة: ((نفقة البائن))، أي المرأة التي طلّقت طلاقًا بائنًا،
ويحتمل أن يكون التقدير: ((باب نفقة المرأة ذات التطليقة البائنة)). والله تعالى أعلم
بالصواب .
٣٥٧٨- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ، عَلَى فَاطِمَةً بِنْتِ
قَيْسِ، قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي، فَلَّمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَىٍ وَلَا نَفْقَّةً، قَالَتْ: فَوَضَعَ لِي عَشْرَةَ
أَقْفِزَةٍ، عِنْدَ ابْنِ عَمِّ لَهُ، خَمْسَةٌ شَعِيرٌ، وَخَمْسَةٌ تَمْرٌ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَِّ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ،
فَقَالَ: ((صَدَقَ))، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ فُلَانٍ، وَكَانَ زَوْجُهَا طَلَّقَهَا، طَلَاقًا بَائِنًا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((محمد بن جعفر)): هو المعروف بغندر. و((أبو بكر بن أبي الجهم)): هو أبو بكر بن
عبد الله بن أبي الجهم العدويّ، نُسب لجدّه، ثقة [٤] ١٥٣٣/١٧. ولا يُعرف اسمه.
[تنبيه]: هذا الذي ذكرته من أن هذا الراوي هو أبو بكر بن أبي الجهم هو الذي وقع
في ((الكبرى))، وهو الصواب، كما في ((تحفة الأشراف)) - ٤٦٩/١٢- فإنه أورد الحديث
في ترجمة أبي بكر بن أبي الجهم، عن فاطمة بنت قيس.
ووقع في نسخ ((المجتبى)) هنا: بدله ((أبو بكر بن حفص))، وهو تصحيف فاحش،
وقد تقدّم على الصواب في -١٥/ ٣٢٢٢ -، والله تعالى أعلم.
وقولها: ((عشرة أقفزة)): جمع قفيز -بفتح، فكسر -: مكيالٌ، وهو ثمانية مکاکیك،
ويجمع على قُفْزان - بضم، فسكون- بوزن غُفْران. و((المكاكيك)): جمع مَكُوك - بفتح،
فتشديد كاف -: مكيالٌ، وهو مذكّرٌ، وهو ثلاث كَيْلَجات، والكَيلَجة: مَنّا، وسبعة
أثمان منّا، وربما جُمع مكاكيّ على البدل، ومنعه ابن الأنباريّ. أفاده في ((المصباح)).
وقولها: ((فقلت له ذلك)): تعني أنها ذكرت للنبيّ وَّ ما جرى لها مع زوجها، من
الطلاق، وما أعطاها من النفقة، وأنه ادّعى أنها لا تستحقّ عليه شيئًا، وإنما أعطاها ذلك
تطوّعًا .
وقولها: ((فقال: صدق)) تعني أنه وَلر صدّق زوجها فيما ادّعاه، من أنها لا تستحقّ
عليه شيئًا، من النفقة، ولا غيرها.
وقوله: ((وكان زوجها الخ)) هذا من كلام الراوي، والظاهر أنه من أبي بكر بن أبي
الجهم.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه غير مرّة.

٣٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إنه بيّن أنه لا نفقة للبائن، وسيأتي اختلاف
العلماء في حكم نفقة البائن في شرح حديث الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أُنيب)).
٧٣- (نَفَقَّةُ الْحَامِلِ الْمَبْتُوتَةِ)
٣٥٧٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ
شُعَيْبٍ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو
ابْنِ عُثْمَانَ، طَلَّقَ ابْنَةَ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ (١)، وَأُمُّهَا حَمْنَةُ بِنْتُ قَيْسِ الْبَّةَ، فَأَمَرَنَا خَالَتُهَا،
فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ بِالاِنْتِقَالِ، مِنَ بَيْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَسَمِعَ بِذَلِكَ مَرْوَانُ؛ فَأَرْسَلَ
إِلَيْهَا، فَأَمَرَهَا(٢) أَنْ تَرْجِعَ إِلَى مَسْكَتِهَا، حَتَّى تَنْقَضِيَّ عِدَّثَهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُخْبِرُهُ، أَنَّ
خَالَتَهَا فَاطِمَةَ أَفْتَتْهَا بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَتَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، أَفْتَاهَا بِالاِنْتِقَالِ، حِينَ طَلَّقَهَا أَبُو
عَمْرِو بْنُ حَقْصٍ، الْمَخْزُومِيُّ، فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، إِلَى فَاطِمَةَ، فَسَأَلَهَا عَنْ
ذَلِكَ؟، فَزَعَمَثَّ أَّا كَانَتْ تُحْتَ أَبِي عَمْرِو، لَمَّا أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ،
عَلَى الْيَمَنِ، خَرَجَ مِعَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِتَظْلِيقَةٍ، وَهِيَ بَقِيَةُ طَلَاقِهَا، فَأَمَرَ (٣) لَهَا الْحَارِثَ بْنَ
هِشَامِ، وَغَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِتَفَقَتِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى الْحَارِثِ، وَعَيَّاشٍ تَسْأَلُهُمَا النَّفَقَّةَ الَّتِي
أَمَرَ لَّهَا بِهَا زَوْجُهَا، فَقَالَا: وَاللَّهِ مَا لَهَا عَلَيْنَا نَفَقَةُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، وَمَا لَهَا أَنْ تَسْكُنَّ
فِي مَسْكَتِنَا، إِلَّا بِإِذْنِنَا، فَزَعَمَتْ فَاطِمَةُ، أَنَّا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ،
فَصَدَّقَهُمَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَيْنَ أَنْتَقِلُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((انْتَقِي عِنْدَ ابْنِ أُمّ مَكْتُوم))،
وَهُوَ الْأَعْمَىِ الَّذِي عَاتَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ، فَانْتَقَلْتُ عِنْدَهُ، فَكُنْتُ(٤) أَضَعُ ثِيَّابِي
عِنْدَهُ، حَتَّى أَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ زَعَمَتْ أَسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ).
(١) وفي نسخة: ((ابنة ابن سعيد بن زيد)) . والصواب الأول.
(٢) وفي نسخة: ((يأمرها)).
(٣) وفي نسخة: ((وأمر)).
(٤) وفي نسخة: ((وكنت)).

٣٢٧
٧٣- (نَفْقَةُ الْحَامِلِ الْمَبْتُوُنَةِ) - حديث رقم ٣٥٧٩
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه،
وأبيه، فقد تفرد بهما هو وأبو داود، وابن ماجه، وهو حمصيان ثقتان. و(شعيب)): هنا
هو بن أبي حمزة دينار الحمصيّ.
وقوله: ((وسمع بذلك مروان)): هو ابن الحكم الأمويّ.
وقوله: ((عاتبه الله عز وجل الخ)) الضمير للنبيّ وَّل، والمراد به قوله عز وجل:
أَن ◌ََّهُ الْأَعْمَ﴾ الآية.
عَبَسَ وَتَوٌَّ
وقوله: ((حتى أنكحها)) فيه التفات، إذ الظاهر أن تقول: حتى أنكحني، ويحتمل أن
يكون حكاية لقول الراوي عنها.
وقوله: ((زعمت)) جملة معترضة بين الفعل، وهو ((أنكحها))، والمفعول، وهو
((أسامة))، أي زعمت فاطمة ذلك. والمراد بالزعم هنا القول المحقّق.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في -٣٢٢٣/٨ - ((تزويج
المولى العربيّة)). وبقي البحث في اختلاف العلماء في هذا الحديث بين طاعن في ثبوته،
ومجيب عن ذلك، وفي حكم النفقة، والسكنى للبائن، فنذكرهما في مسألتين:
(المسألة الأولى): في بيان ما وجّه إلى حديث فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها
هذا، من المطاعن، والجواب عنه:
وقد أشبع الكلام في هذه المسألة العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى في كتابه الممتع
((زاد المعاد))، وقد ذكر قبل ذكر المطاعن وأجوبتها كون حديثها موافقًا لكتاب الله عز
وجل، فقال :
[موافقة هذا الحكم لكتاب الله عز وجل]:
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ أَلْبِدَّةٌ﴾ - إلى
قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ١-٣].
فأمر الله سبحانه وتعالى الأزواج الذين لهم عند بلوغ الأجل الإمساكُ، والتسريح بأن
لا يُخرجوا أزواجهم من بيوتهم، وأمر أزواجهنّ أن لا يخرجوهن، فدلّ على جواز
إخراج من ليس لزوجها إمساكها بعد الطلاق، فإنه سبحانه وتعالى ذكر لهؤلاء المطلقات
أحكامًا متلازمة، لا ينفك بعضها عن بعض:
[أحدها]: أن الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهنّ.
[والثاني]: أنهنّ لا يخرجن من بيوت أزواجهنّ.
[والثالث]: أن لأزواجهنّ إمساكهنّ بالمعروف قبل انقضاء الأجل، وترك الإمساك،
فيُسرّحوهنّ بإحسان.

٣٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
[والرابع]: إشهاد ذوي عدل، وهو إشهادٌ على الرجعة إما وجوبًا، وإما استحبابًا،
وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك، وأنه في الرجعيّات خاصّةً بقوله: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهُ
يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، والأمر الذي يُرجى إحداثه ههنا هو المراجعة. هكذا قال
السلف، ومن بعدهم. قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن داود الأوديّ، عن
الشعبيّ: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اَللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرً﴾، قال: لعلّك تَنْدَمُ، فيكون لك سبيل
إلى المراجعة. وقال الضحاك: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، قال: لعله أن يراجعها
في العدّة. وقاله عطاء، وقتادة، والحسن، وقد تقدّم قول فاطمة بنت قيس: أيُّ أمر
يحدث بعد الثلاث؟ .
فهذا يدلّ على أن الطلاق المذكور هو الرجعيّ الذي ثبتت فيه هذه الأحكام، وأن
حكمة أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، اقتضته لعل الزوج أن يندم، ويزول الشرّ
الذي نزغه الشيطان بينهما، فتتبعها نفسه، فيراجعها، كما قال عليّ بن أبي طالب
رَّ: لو أن الناس أخذوا بأمر الله في الطلاق، ما أتبع رجل نفسه امرأة يُطلّقها أبدًا.
ثم ذكر سبحانه وتعالى الأمر بإسكان هؤلاء المطلّقات، فقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ
سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، فالضمائر كلّها يتّحد مفسّرها، وأحكامها كلها متلازمة، وكان قول
النبيّ وَّ: ((إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة))(١)، مشتقًّا من كتاب
اللَّه عز وجل، ومفسّرًا له، وبيانًا لمراد المتكلّم به منه، فقد تبيّن اتحاد قضاء رسول الله
وَالخير، وكتاب الله عز وجل، والميزان العادل معهما أيضًا، لا يُخالفهما، فإن النفقة إنما
تكون للزوجة، فإذا بانت منه صارت أجنبيّة حكمها حكم سائر الأجنبيّات، ولم يبق إلا
مجرّد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقة، كالموطوءة بشبهة، أو زنى، ولأن النفقة
إنما تجب في مقابلة التمكن من الاستمتاع، وهذا لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها، ولأن
النفقة لو وجبت لها عليه لأجل عدّتها، لوجبت للمتوفّى عنها من ماله، ولا فرق بينهما
البتّة، فإن كلّ واحدة منهما قد بانت عنه، وهي معتدّةٌ منه، قد تعذّر منهما الاستمتاع،
ولأنها لو وجبت لها السكنى، لوجبت لها النفقة، كما يقوله من يوجبها، فأما أن تجب لها
السكنى دون النفقة، فالنصّ، والقياس يدفعه. ثم قال رحمه الله تعالى:
[ذكر المطاعن التي طُعن بها على حديث فاطمة بنت قيس رضي اللَّه تعالى عنها قديمًا
وحديثًا]:
(فأولها): طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه، فروى مسلم
(١) حديث صحيح تقدم للنسائيّ برقم ٣٤٣١، وبرقم آخر ٣٤٠٣. ٦ /١٤٤.

٧٣- (نفقةُ الحَامِل المبتونة) - حدیث رقم ٣٥٧٩
٣٢٩
في ((صحيحه)) عن أبي إسحاق، قال كنت مع الأسود بن يزيد، جالسًا، في المسجد
الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدّث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس، أن رسول اللَّه وَالتى،
لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كَفَّا من حصى، فحصبه به، فقال: ويلك
تُحدّث بمثل هذا؟، قال عمر: لا نترك كتاب اللّه، وسنة نبينا وَليل لقول امرأة، لا ندري
لعلها حفظت، أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال اللَّه عز وجل: ﴿يَيُّهَلَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ
بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُيَِّةٍ﴾ .
قالوا: فهذا خبر عمر يُخبر أن سنّة رسول اللَّه و ليل أن لها النفقة والسكنى، ولا ريب.
أن هذا مرفوع، فإن الصحابيّ إذا قال: ((من السنة كذا))، كان مرفوعًا، فكيف إذا قال:
((من سنة رسول اللّه وَليه؟))، فكيف إذا كان القائل عمر بن الخطاب؟ وإذا تعارضت
رواية عمر رَّه، ورواية فاطمة، فرواية عمر رَّه أولى، ولا سيما، ومعها (١) ظاهر
القرآن، كما سنذكر. وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن
إبراهيم، قال: كان عمر بن الخطّاب إذ ذُكر عنده حديث فاطمة بنت قيس قال: ما كنّا
نغيّر في ديننا بشهادة امرأة.
[ذكر طعن عائشة في خبر فاطمة بنت قيس رضي اللَّه تعالى عنهما]:
في ((الصحيحين)) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، قال: تزوّج يحيى بن سعيد
ابن العاص، بنت عبد الرحمن بن الحكم، فطلّقها، فأخرجها من عنده، فعاب ذلك
عليهم عروة، فقالوا: إن فاطمة قد خَرَجت، قال عروة: فأتيت عائشة، فأخبرتها بذلك،
فقالت: ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث.
وقال البخاري: فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة أم المؤمنين، إلى مروان بن
الحكم، وهو أمير المدينة، اتَّقِ اللَّهَ وارددها إلى بيتها، قال مروان: إن عبد الرحمن بن
الحكم غلبني، وقال: أوما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟، قالت: لا يضرّك أن لا تذكر
حديث فاطمة، فقال مروان بن الحكم: إن كان بكِ شرّ، فحسبك ما بين هذين من
الشر.
ومعنى كلامه: إن كان خروج فاطمة لما يقال من شرّ كان في لسانها، فيكفيك ما بين
يحيى بن سعيد بن العاص، وبين امرأته من الشرّ.
وفي ((الصحيحين)) : عن عروة أنه قال لعائشة: ألم تري إلى فلانة بنت الحكم،
طلّقها زوجها البتة، فخرجت، فقالت: بئس ما صنعت، قال: ألم تسمعي في قول
(١) أي مع رواية عمر.

٣٣٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
فاطمة؟ قالت: أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث.
وفي حديث القاسم، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها - يعني في قولها: لا سكنى
ولا نفقة. وفي ((صحيح البخاريّ)): عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت لفاطمة:
ألا تتقي الله، تعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة. وفي ((صحيحه)) أيضًا: عنها: إن
فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبيّ وَّ لها.
وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة رضي
الله تعالى عنها، أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس، تعني انتقال المطلّقة ثلاثًا.
وذكر القاضي إسماعيل، حدّثنا نصر بن عليّ، حدثني أبي، عن هارون، عن محمد
ابن إسحاق، قال: أحسبه عن محمد بن إبراهيم، أن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت
لفاطمة بنت قيس: إنما أخرجك هذا اللسان.
[ذكر طعن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما على حديث فاطمة]:
روی عبد الله بن صالح کاتب الليث، قال: حدثني اللیث بن سعد، حدثني جعفر، عن
ابن هرمز، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان محمد بن أسامة بن زيد يقول: كان
أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئًا من ذلك، يعني انتقالها في عدّتها رماها بما في يده(١).
[ذكر طعن مروان على حديث فاطمة]:
روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث الزهريّ، عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة
حديث فاطمة هذا أنه حدّث به مروان، فقال مروان: لم نسمع هذا إلا من امرأة، سنأخذ
بالعصمة التي وجدنا الناس عليها.
[ذكر طعن سعيد بن المسيّب]:
روى أبو داود في ((سننه)) من حديث ميمون بن مهران، قال: قدمت المدينة، فدُفِعتُ
إلى سعيد بن المسيّب، فقلت: فاطمة بنت قيس طُلُقت، فخرجت من بيتها، فقال
سعيد: تلك امرأة فَتنت الناس، إنها كانت امرأة لَسِنَةً، فوُضعت على يدي ابن أم مكتوم
الأعمى.
[ذكر طعن سليمان بن يسار]ً:
روى أبو داود في ((سننه)) أيضًا، قال في خروج فاطمة: إنما كان من سوء الخلق.
[ذكر طعن الأسود بن يزيد]:
تقدّم حديث مسلم: أن الشعبيّ حدّث بحديث فاطمة، فأخذ الأسود كفّا من
(١) في سنده عبدالله بن صالح كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، وكانت فيه غفلة.

٧٣- (نَفَقَةُ الْحَامِلِ المَبْتُوتة) - حديث رقم ٣٥٧٩
٣٣١ =
حصباء، فحصبه به، وقال: ويلك تُحدّث بمثل هذا؟ وقال النسائيّ: ويلك، لم تفتي
بمثل هذا؟، قال عمر لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعه من رسول اللَّه وَلقتله
وإلا لم نترك كتاب ربّنا لقول امرأة.
[ذكر طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن]:
قال الليث: حدّثني عُقيلٌ، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن،
فذكر حديث فاطمة.
ثم قال: فأنكر الناس عليها ما كانت تُحدّث من خروجها قبل أن تَحِلّ، قالوا: وقد
عارض رواية فاطمة صريح رواية عمر في إيجاب النفقة والسكنى، فروى حمّاد بن
سلمة، عن حمّاد بن أبي سليمان، أنه أخبر إبراهيم النخعيّ بحديث الشعبيّ، عن فاطمة
بنت قيس، فقال له إبراهيم: إن عمر أُخبر بقولها، فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب
اللّه، وقول النبيّ وَلهزله لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعتُ النبيّ ◌َله يقول: ((لها السكنى
والنفقة)). ذكره أبو محمد في ((المحلّى))، فهذا نصّ صريحٌ، يجب تقديمه على حديث
فاطمة؛ لجلالة رواته، وترك الصحابة عليه، وموافقته لكتاب الله.
[ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن، وبيان بطلانها]:
وحاصلها أربعة :
[أحدها]: أن راويتها امرأة، لم تأت بشاهدين يُتابعانها على حديثها.
[الثاني]: أن روايتها تضمّنت مخالفة القرآن.
[الثالث]: أن خروجها من المنزل لم يكن لأنه لا حقّ لها في السكنى، بل لأذاها
أهل زوجها بلسانها .
[الربع]: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب وَظ ليم.
ونحن نبيّن ما في كلّ واحد من هذه الأمور الأربعة -بحول الله تعالى وقوّته- هذا مع
أن في بعضها من الانقطاع، وفي بعضها من الضعف، وفي بعضها من البطلان ما سننبّه
علیه، وبعضها صحیح عمن نُسب إليه بلا شكّ.
فأما الطعن الأول، وهو كون الراوي امرأة، فمَطْعَنٌ باطل بلا شكّ، والعلماء قاطبةً
على خلافه، والمحتجّ بهذا من أتباع الأئمة أول مبطل له، ومخالف له، فإنهم لا
يختلفون في أن السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل، هذا وكم من سنّة تلقاها
الأئمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة، وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس،
لا تشاء أن ترى فيها سنّة تفرّد بها امرأة منهنّ إلا رأيتها، فما ذنب فاطمة بنت قيس دون

٣٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
نساء العالمين، وقد أخذ الناس بحديث فُريعة بنت مالك بن سنان، أخت أبي سعيد
الخدريّ في اعتداد المتوفّى عنها في بيت زوجها، وليست فاطمة بدونها علمًا، وجلالةً،
وثقةً، وأمانةً، بل هي أفقه منها بلا شكّ، فإن فُريعة لا تعرف إلا في هذا الخبر، وأما
شهرة فاطمة، ودعاؤها من نازعها من الصحابة إلى كتاب الله، ومناظرتها على ذلك،
فأمرٌ مشهور، وكانت أسعد بهذه المناظرة ممن خالفها، كما مضى تقريره.
وقد كان الصحابة *** يختلفون في الشيء، فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن
النبيّ وَّ شيئًا، فيأخذون به، ويرجعون إليه، ويتركون ما عندهم له، وإنما فُضّلن على
فاطمة بنت قيس بكونهنّ أزواج رسول اللّه وَسِير، وإلا فهي من المهاجرات الأُوَل، وقد
رضيها رسول اللّه وَل﴾ لِحِبّه، وابن حِبّه أسامة بن زيد ، وكان هو الذي خطبها له،
وإذا شئت أن تعرف مقدار حفظها وعلمها، فاعرفه من حديث الدجّال الطويل الذي
حدّث به رسول اللَّه وَالير على المنبر، فوعته فاطمة، وحفظته، وأدّته كما سمعته، ولم
يُنكره عليها أحدٌّ مع طوله، وغرابته، فكيف بقصّة جرت لها، وهي سببها، وخاصمت
فيها، وحُكم فيها بكلمتين، وهي ((لا نفقة، ولا سكنى))، والعادة توجب حفظ مثل
هذا، وذِكْرَه، واحتمالُ النسيان فيه أمر مشتركٌ بينها وبين من أنكر عليها، فهذا عمر قد
نسي تيمّم الجنب، وذكّره عمار بن ياسر أمر رسول اللَّه وَّر لهما بالتيمم من الجنابة،
فلم يَذكُره عمر ◌َّ ، وأقام على أن الجنب لا يصلّي حتى يجد الماء.
ونسي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجٌ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ
قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، حتى ذكّرته به امرأة، فرجع إلى
قولها(١).
ونسي قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، حتى ذُكّر به.
فإن كان جواز النسيان على الراوي يوجب سقوط روايته سقطت رواية عمر التي
عارضتم بها خبر فاطمة، وإن كان لا يوجب سقوط روايته بطلت المعارضة بذلك، فهي
باطلة على التقديرين، ولو رُدّت السننُ بمثل هذا، لم يبق بأيدي الأمة منها إلا اليسير،
ثم كيف يُعارِض خبرَ فاطمة، ويطعن فيه بمثل هذا من یری قبول خبر الواحد العدل،
ولا يشترط للرواية نصابًا، وعمر تَظّه أصابه في مثل هذا ما أصابه في ردّ خبر أبي
موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد، وردّه خبر المغيرة بن شعبة في إملاص
المرأة حتى شَهِد له محمد بن مسلمة، وهذا كان تثبيتًا منه رَظُّه عنه حتى لا يركب
(١) انظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٦٧- فقد قال عن الحديث: إسناده جيد قويّ، مع أن في سنده مجالد بن
سعيد، وليس بالقويّ، وقد تغيّر في آخر عمره.

٧٣- (نفَقَةُ الْحَامِلِ الْمَبْتُوُتَةِ) - حديث رقم ٣٥٧٩
٣٣٣
الناس الصعب والذَّلُول في الرواية عن رسول اللّه وَله، وإلا فقد قَبِلَ خبر الضحاك بن
سفيان الكلابيّ وحده، وهو أعرابيّ، وقبل لعائشة رضي اللّه تعالى عنها عدّة أخبار
تفردت بها.
وبالجملة، فلا يقول أحد: إنه لا يُقبل قولُ الراوي الثقة العدل حتى يشهد له
شاهدان، لا سيما إن كان من الصحابة.
فصل :
وأما المطعن الثاني، وهو أن روايتها مخالفة للقرآن، فنجيب بجوابين: مجمل،
ومفصّل، أما المجمل، فنقول: لو كانت مخالفةً كما ذكرتم، لكانت مخالفةً لعمومه،
فتكون تخصيصًا للعامّ، فحكمها حكم تخصيص قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾
[النساء: ١١] بالكافر، والرقيق، والقاتل، وتخصيص قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾
[النساء: ٢٤] بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ونظائره، فإن
القرآن لم يُخصّ البائن بأنها لا تُخْرَج، ولا تَخْرُج، وبأنها تسكن من حيث يسكن زوجها،
بل إما أن يعمّها، ويعُمّ الرجعيّة، وإما أن يخصّ الرجعيّة.
فإن عمّ النوعين، فالحديث مخصّص لعمومه، وإن خصّ الرجعيات، وهو الصواب
للسياق الذي من تدبّره، وتأمله قطع بأنه في الرجعيّات من عدّة أوجه قد أشرنا إليها،
فالحديث ليس مخالفًا لكتاب الله، بل موافقٌ له، ولو ذُكِّر أمير المؤمنين لَّه بذلك،
لكان أوّل راجع إليه، فإن الرجل كما يذهَلُ عن النصّ يذهل عن دلالته وسياقه، وما
يقترن به مما يتبيّن المراد منه، وكثيرًا ما يذهَلُ عن دخول الواقعة المعينة تحت النصّ
العامّ، واندراجه تحتها، فهذا كثيرٌ جدًّا، والتفطّن له من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء
من عباده، ولقد كان أمير المؤمنين عمر تزثي من ذلك بالمنزلة التي لا تُجهل، ولا
تستغرقها عبارة، غير أن النسيان والذهول عُرضةٌ للإنسان، وإنما الفاضل العالم من إذا
ذكّر ذكّرَ، ورجع.
فحديث فاطمة رضي الله تعالى عنها مع كتاب اللَّه على ثلاث أطباق، لا يخرج عن
واحد منها، إما أن يكون تخصيصًا لعامّه. الثاني: أن يكون بيانًا لما لم يتناوله، بل سكت
عنه. الثالث: أن يكون بيانًا لما أريد به، وموافقًا لما أرشد إليه سياقُه، وتعليلُه،
وتنبيهه، وهذا هو الصواب، فهو إذن موافقٌ له، لا مخالفٌ، وهكذا ينبغي قطعًا، ومعاذَ
الله أن يحكم رسول اللَّه وَّر بما يُخالف كتاب الله تعالى، أو يعارضه. وقد أنكر الإمام
أحمد رحمه الله تعالى هذا من قول عمر تنظّه، وجعل يتبسّم ويقول: أين في كتاب
الله إيجاب السكنى، والنفقة للمطلّقة ثلاثًا، وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة،

٣٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
وقالت: بيني وبيكنم كتاب اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ
أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وأيّ أمر يحدث بعد الثلاث، وقد تقدّم أن قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]، يشهد بأن الآيات كلها في الرجعيّات.
فصل :
وأما المطعن الثالث، وهو أن خروجها لم يكن إلا لفحش من لسانها، فما أبرده من
تأويل، وأسمجه، فإن المرأة من خيار الصحابة ، وفضلائهم، ومن المهاجرات
الأُوَل، وممن لا يحملها رقّة الدين، وقلّة التقوى على فُحش، يوجب إخراجها من
دارها، وأن يمنع حقّها الذي جعله اللَّه لها، ونهى عن إضاعته، فيا عجبا:، كيف لم
ينكر عليها النبيّ ◌َ ◌ّ هذا الفُخْش؟ ويقول لها: اتق الله، وكُفّي لسانك عن أذى أهل
زوجك، واستقرّي في مسكنك؟ وكيف يعدل عن هذا إلى قوله: ((لا نفقة لك، ولا
سكنى))، وإلى قوله: ((إنما السكنى والنفقة للمرأة التي إذا كان لزوجها عليها
رجعة؟))(١)، فيا عجبا كيف يُترك هذا المانع الصريح الذي خرج من بين شفتي النبيّ
وَلَه، ويُعلّل بأمر موهوم لم يعلّل به رسول اللَّهُ وَ له البتّة، ولا أشار إليه، ولا نبّه عليه؟
هذا من المحال البيّن. ثم لو كانت فاحشة اللسان، وقد أعاذها اللَّه من ذلك، لقال لها
النبيّ وَل، وسمعت، وأطاعت: كُفّي لسانك حتى تنقضي عدّتك، وكان من دونها
يسمع، ويُطیع؛ لئلا يخرج من سكنه.
فصل :
وأما المطعن الرابع: وهو معارضة روايتها برواية عمر تَّه ، فهذه المعارضة تُورد
من وجهين: أحدهما: قوله: ((لا ندع كتاب ربّنا، وسنّة نبيّنا))، وأن هذا من حكم
المرفوع. الثاني: قوله: سمعت رسول اللّه وَالله يقول: ((لها السكنى والنفقة)).
ونحن نقول: قد أعاذ اللَّه أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصحّ عنه
أبدًا. قال الإمام أحمد: لا يصحّ ذلك عن عمر. وقال أبو الحسن الدار قطنيّ: بل السنّة
بيد فاطمة بنت قيس قطعًا، ومن له إلمامٌ بسنة رسول اللّه ◌َله يشهد شهادة اللَّه أنه لم
يكن عند عمر رَّه سنة عن رسول اللّه وَله أن المطلّقة ثلاثًا السكنى والنفقة، وعمر
كان أتقى للَّه، وأحرص على تبليغ سنن رسول اللّه وَ لتر أن تكون هذه السنّة عنده، ثم لا
يرويها أصلًا، ولا يبيّتها، ولا يبلّغها عن رسول اللّه وَلـ
وأما حديث حمّاد بن سلمة، عن حمّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن عمر
(١) حديث صحيح، تقدّم تخريجه قريبًا.

٣٣٥
٧٣- (نقَّقَةُ الْحَامِل الْمَبْتُونةِ) - حديث رقم ٣٥٧٩
رَاليه، سمعت رسول اللّه وَ ل يقول: ((لها السكنى والنفقة))، فنحن نشهد بالله شهادة
نُسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذبٌ على عمر رَّ، وكذب على رسول اللَّه وَلغيره، وينبغي
أن لا يَحمِل الإنسانَ فرط الانتصار للمذاهب، والتعصّب لها على معارضة سنن رسول
اللَّه وَله الصحيحة الصريحة بالكذب البحث، فلو يكون عند عمر تَّه عن النبيّ وَّل
لخَرِسَت فاطمة، وذووها، ولم ينسبوا بكلمة، ولا دعت فاطمة إلى المناظرة، ولا
احتيج إلى ذكر إخراجها لبذاء لسانها، ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث، والمصنّفين
في السنن، والأحكام، المنتصرين للسُّنَن فقط، لا لمذهب، ولا لرجل، هذا قبل أن
نصل به إلى إبراهيم، ولو قُدّر وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لانقطع نُخاعُهُ، فإن إبراهيم
لم يولد إلا بعد موت عمر رضيثه بسنين، فإن كان مخبر أخبر به إبراهيم، عن عمر
رَّهِ، وحَسّنًا به الظنّ، وكان قد روي له قول عمر رَزَّه بالمعنى، وظنّ أن رسول الله
وَلي هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلّقة، حتى قال عمر تَطّ : لا ندع كتاب
ربّنا لقول امرأة، فقد يكون الرجل صالحًا، ويكون مُغفّلًا، ليس تحمّل الحديث،
وحفظه، وروايته من شأنه. وبالله التوفيق.
وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران، وسعيد بن المسيّب، فذكر له ميمون
خبر فاطمة، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، فقال له ميمون: لئن كانت إنما
أخذت بما أفتاها به رسول اللَّه وَ لّ ما فَتَنت الناسَ، وإن لنا في رسول الله أسوة حسنة،
مع أنها أحرم الناس عليه، ليس لها عليه رجعةٌ، ولا بينهما ميراث. انتهى.
ولا يُعلم أحد من الفقهاء رحمهم الله تعالى إلا وقد احتجّ بحديث فاطمة بنت قيس
هذا، وأخذ به في بعض الأحكام كمالك، والشافعيّ، وجمهور الأمة يحتجّون به في
سقوط نفقة المبتوتة، إذا كانت حائلاً، والشافعيّ نفسه احتجّ به على جواز جمع الثلاث؛
لأن في بعض ألفاظه، فطلّقني ثلاثًا، وقد بيّنًا أنه إنما طلّقها آخر ثلاث، كما أخبرت به
عن نفسها. واحتجّ به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال. واحتجّ به الأئمة كلّهم على
جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول.
واحتجوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن
يزوّجه، أو يُعامله، أو يسافر معه، وأن ذلك ليس بغيبة. واحتجّوا به على وقوع الطلاق
في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر، وأنه لا يشترط حضوره، ومواجهته به.
واحتجوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدّة البائن، وكانت هذه الأحكام كلها
حاصلة ببركة روايتها، وصدق حديثها، فاستنبطتها الأمة منها، وعمِلت بها، فما بال

٣٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
روايتها تُردّ في حكم واحد من أحكام هذا الحديث، وتُقبل فيما عداه؟، فإن كانت
حفظته، قبلت في جميعه، وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يُقبل في شيء من أحكامه.
وبالله التوفيق.
[فإن قيل]: بقي عليكم شيء واحدٌ، وهو أن قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ
حَيْثُ سَكَنتُم مِّنِ وُجْدِكُمْ﴾ إنما هو في البوائن، لا في الرجعيّات، بدليل قوله عقبه: ﴿وَلَا
نُضَارُوهُنَّ لِيُضَبِّقُواْ عَلَيَِّنُّ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]
فهذا في البائن، إذ لو كانت رجعيّة، لما قيّد النفقة عليها بالحمل، ولكان عديم التأثير،
فإنها تستحقّها حائلًا كانت، أو حاملًا، والظاهر أن الضمير في ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ هو والضمير
في قوله: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ واحد.
[فالجواب]: أن مورد هذا السؤال إما أن يكون من الموجبين النفقة والسكنى، أو
ممن يوجب السكنى دون النفقة، فإن كان الأول، فالآية على زعمه حجة عليه؛ لأنه
شرط في إيجاب النفقة عليهنّ كونهنّ حوامل، والحكم المعلّق على الشرط ينتفي عند
انتفائه، فدلّ على أن البائن الحائل لا نفقة لها.
[فإن قيل]: فهذه دلالة على المفهوم، ولا يقول بها.
[قيل]: ليس ذلك من دلالة المفهوم، بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه، فلو
بقي الحكم بعد انتفائه لم يكن شرطًا.
وإن كان ممن يوجب السكنى وحدها، فيقال له: ليس في الآية ضمير واحد يخصّ
البائن، بل ضمائرها نوعان: نوع يخصّ الرجعيّة قطعًا، كقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
فَأَفْسِكُوُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] . ونوع یحتمل أن يكون للبائن،
وأن يكون للرجعيّة، وأن يكون لهما، وهو قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَ وَلَا
يَخْرُجْنَ﴾، وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّنِ وُجْدِكُمْ﴾، فحمله على الرجعيّة هو
المتعيّن؛ لتتّحد الضمائر ومفسّرها، فلو حُمل على غيرها لزم اختلاف الضمائر،
ومفسّرها، وهو خلاف الأصل، والحمل على الأصل أولى.
[فإن قيل]: فما الفائدة في تخصيص نفقة الرجعيّة بكونها حاملاً؟.
[قيل]: ليس في الآية ما يقتضي أنه لا نفقة للرجعيّة الحائل، بل الرجعيّة نوعان، قد
بيّن اللَّه حكمهما في كتابه: حائلٌ، فلها النفقة بعقد الزوجيّة، إذ حكمها حكم الأزواج.
أو حامل، فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها، فتصير النفقة بعد الوضع نفقة
قريب، لا نفقة زوج، فيخالف حالها قبل الوضع حالها بعده، فإن الزوج يُنفق عليها

٧٣- (نقَّقَةُ الْحَامِلِ الْمَبْتُونِةِ) - حديث رقم ٣٥٧٩
٧ ٣٣
وحده، إذا كانت حاملًا، فإذا وضعت صارت نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل،
ولا يكون حالها في حال حملها كذلك، بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة
الطفل، فإنه في حال حملها جزء من أجزائها، فإذا انفصل كان له حكم آخر، وانتقلت
النفقة من حكم إلى حكم، فظهرت فائدة التقييد، وسرّ الاشتراط. والله أعلم بما أراد
من كلامه. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى
تحقیقٌ نفيس جدًّا.
وحاصله أن حديث فاطمة بنت قيس رضي اللّه تعالى عنها حديث صحيح يجب
العمل به؛ فإن المطاعن التي وُجّهت إليه غير مقبولة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في حكم نفقة المبتوتة:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: اختلف الناس في النفقة للمبتوتة
إذا لم تكن حاملًا:
فأباها قومٌ، وهم أهل الحجاز، منهم مالك، والشافعيّ، وتابعهم على ذلك أحمد،
وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد. وحجتهم هذا الحديث، قوله وَللهو لفاطمة: ((ليس لك
عليه نفقة))، وهو مرويّ من وجوه صحاح، متواترة عن فاطمة رضي اللّه تعالى عنها.
وممن قال: إن المبتوتة لا نفقة لها، إن لم تكن حاملًا: عطاء بن أبي رباح، وابن
شهاب، وسعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، والحسن البصريّ. وبه قال الليث بن
سعد، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والحسن بن حيّ: لكلّ مطلّقة السكنى،
والنفقة، ما دامت في العدّة، حاملًا كانت، أو غير حامل، مبتوتة، أو رجعيّة. وهو قول
عثمان البَتِّيِّ، وابن شُبْرُمة .
وحجتهم في ذلك أن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى
عنهما، قالا في المطلّقة ثلاثًا: لها السكنى والنفقة ما كانت في العدّة.
وقالت طائفة: المطلّقة المبتوتة إن لم تكن حاملًا لا سكنى لها، ولا نفقة، منهم:
الشعبيّ، وميمون بن مهران، وعكرمة، ورواية عن الحسن. وروي ذلك عن عليّ،
وابن عبّاس، وجابر بن عبد الله. وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور،
(١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ٥٢٨/٥-٥٤٢.

٣٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
وداود.
ثم قال أبو عمر رحمه الله تعالى -بعد أن ذكر أقوال من ردّ حديث فاطمة، أو
تأوله - : ما نصّه:
لکن من طرق الحجة، وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل، ومن تابعه أصحّ، وأحجّ؛
لأنه لو وجب السكنى عليها، وكانت عبادة تعبّدها الله بها، لألزمها ذلك رسول الله
وَالله، ولم يُخرجها عن بيت زوجها إلى بيت أم شريك، ولا إلى بيت أم مكتوم؛ ولأنه
أجمعوا أن المرأة التي تبذو على أحمائها بلسانها، تؤذّب، وتقصر على السكنى في المنزل
الذي طُلْقت فيه، وتُمنع من أذى الناس، فدل ذلك على أن من اعتلّ بمثل هذه العلّة في
الانتقال، اعتلّ بغير صحيح من النظر، ولا متفق عليه من الخبر، هذا ما يوجبه عندي
التأمّل لهذا الحديث مع صحّته. وبالله تعالى التوفيق.
وإذا ثبت أن النبيّ وَّ قال لفاطمة بنت قيس- وقد طُلّقت طلاقًا باتا -: لا سكنى لك،
ولا نفقة، وإنما السكنى والنفقة لمن عليها رجعة؛ فأيّ شيء يعارض به هذا؟ هل يُعارض
إلا بمثله عن النبيّ وَّر الذي هو المبيّن عن الله مراده من كتابه، ولا شيء عنه الثلا يدفع
ذلك، ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله عز وجل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم﴾ من غيره وَِّ،
وأما الصحابة، فقد اختلفوا كما رأيت، منهم من يقول: لها السكنى والنفقة، منهم: عمر،
وابن مسعود، ومنهم من يقول: لها السكنى، ولا نفقة، منهم ابن عمر، وعائشة، ومنهم
من يقول: لا سكنى لها، ولا نفقة، وممن قال ذلك: عليّ، وابن عباس، وجابر، وكذلك
اختلاف فقهاء الأمصار على هذه الثلاثة الأقوال، على ما ذكرنا، وبيّنًا -والحمد لله -.
انتهى المقصود من كلام ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي حقّقه الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى من
ترجيح القول بما دلّ عليه حديث فاطمة بنت قيس رضي اللّه تعالى عنها هو الحقّ الذي
لا مرية فيه .
والحاصل أن الصحيح أنه لا سكنى، ولا نفقة للمبتوتة، إلا أن تكون حاملًا؛
لحديث فاطمة رضي اللّه تعالى عنها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) (الاستذكار)) ٦٩/١٨-٧٦. و((التمهيد» ١٤٧/١٩.

٧٤- (الأقراء) - حديث رقم ٣٥٨٠
٣٣٩
٧٤- (الأَقْرَاءُ)
٣٥٨٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكِيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنِ الْمُنْذِرِ
بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عُزْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِيَ حُبَيْشٍ حَدَّثَتْهُ، أَنَّا أَتَتْ رَسَولَ اللَّهِ
وَلَّهِ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ، فَقَالَ لَّهَا رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّمَا ذَلِكِ عِزْقٌ، فَانْظُرِي إِذَا أَتَاكِ
قُرْؤُكِ فَلَا تُصَلِّي، فَإِذَا مَرَّ قُرْؤُكِ، فَلْتَطْهُرِي))، قَالَ: ((ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ) ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه
من أفراده، وهو ثقة، وغير ((المنذر بن المغير))، فإنه تفرد به هو، وأبو داود، ووثّقه ابن
حبّان.
وقوله: ((أن فاطمة بنت أبي حبيش)) واسم أبيها قيس بن المطلب بن أسد بن عبد
العزى بن قصي الأسدية، مهاجرة جليلة، وهي غير فاطمة بنت قيس التي تقدمت قصتها
في الأبواب الماضية، وقد سبق ترجمة فاطمة هذه في ((الطهارة)) برقم ٢٠١/١٣٤.
وقوله: ((إنما ذلك عرق)) بكسر الكاف على خطاب المرأة، إنما ذلكِ الدم الزائد على
العادة السابقة، وذلك لأنه الدم الذي اشتكته، عرق -بكسر، فسكون -: زاد
الدارقطنيّ، والبيهقيّ: ((انقطع)): أي دم عرق انقطع، فسال، لا دم حيض، فإنه من
الرحم، والمراد أنه لا يمنع صلاة، ولا صومًا، ولا قربان زوج؛ لأنه ليس بالحيض
الذي يمنع من هذه الأشياء.
وقوله: ((إذا أتاك قرؤك)): القرء فيه لغتان: الفتح، وجمعه قُرُوء، وأَقْرُؤ، مثل فلس
وفُلُوس، وأفلُس، والضمّ، ويُجمع على أقراء، مثل قفل وأقفال. قال أئمة اللغة:
ويطلق على الطهر والحيض، وحكاه ابن فارس أيضًا، ثم قال: ويقال: إنه للطهر،
وذلك أن المرأة الطاهر كأنّ الدم اجتمع في بدنها، وامتسك، ويقال: إنه للحيض،
ويقال: أقرأت: إذا حاضت، وأقرأت: إذا طهرت، فهي مقرىء. قاله الفيّوميّ. وقد
تقدّم بأتمّ من هذا في ((الطهارة)) - ٢٠٩/١٣٥ - ((ذكر الأقراء))، فراجعه، تستفد. وبالله
تعالى التوفيق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد أورده المصنف رحمه الله
تعالى في ثلاثة عشر موضعًا من هذا الكتاب، أولها في ((أبواب الطهارة» - ١٣٤/ ٢٠١ -
((ذكر الاغتسال من الحيض))، وآخرها هذا الباب، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله غير

٣٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
مرّة، وبقي هنا الكلام على ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان معنى القرء
الذي أمر الله سبحانه وتعالى المطلّقات أن يتربّصنه، بقوله عز وجل: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ
يَرَبَّنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُرْوَةٍ﴾ الآية.
(اعلم): أَنَّ المصنّف رحمه الله تعالى رجّح كون القرء بمعنى الحيض، حيث استدلّ
بهذا الحديث، فإنه صريح فيه، حيث قال وَلّر: ((إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مَرّ قرؤك
فلتطهري، قال: ثم صلي ما بين القرء إلى القرء)).
فقد صرّح أن القرء هنا هو الحيض، لكن الأصرح في معنى الآية حديث ابن عمر
رضي اللَّه تعالى عنهما المتقدّم في ((كتاب الطلاق)) - ٣٤١٧/١ - ((باب وقت الطلاق
للعدّة التي أمر الله عز وجل أن تُطلّق لها النساء))، حيث قال رسول اللّه وَلّ لعمر بن
الخطّاب حين طلّق عبد الله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما طلق امرأته، وهي حائض،
فقال: ((مر عبد اللَّه، فليراجعها، ثم يَدَعُها حتى تطهر من حيضتها هذه، ثم تحيض
حيضة أخرى، فإذا طهرت فإن شاء فليفارقها، قبل أن يجامعها، وإن شاء فليمسكها،
فإنها العدة التي أمر الله عز وجل، أن تطلق لها النساء)).
فإنه أصرح في المعنى المراد من الآية المذكورة، ونحن نذكر -بعون الله سبحانه
وتعالى- أقوال العلماء، من اللغويين، والمحدثين، والفقهاء، في هذا المعنى؛ ليتبيّن
الأرجح من ذلك، فنقول:
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في الأقراء، فقال أهل
الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد،
وقتادة، والضخّاك، وعكرمة، والسّدّيّ.
وقال أهل الحجاز: هي الأطهار، وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت،
والزهريّ، وأبان بن عثمان، والشافعيّ.
فمن جعل القرء اسمًا للحيض سماه بذلك؛ لاجتماع الدم في الرحم، ومن جعله
اسمًا للطهر؛ فلاجتماعه في البدن، والذي يُحقّق لك هذا الأصل في القرء الوقت،
يقال: هبّت الريح لقرئها، وقارئها: أي لوقتها، قال الشاعر [من الوافر]:
كَرِهْتُ الْعَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلِ إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ
فقيل: للحيض وقت، وللطهر وقتٌ؛ لأنهما يرجعان لوقت معلوم. وقال الأعشى
في الأطهار [من الطويل]:
أَفِي كُلِّ عَامِ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكًا
مُوَرَّثَةٍ عِزَّا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةً لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكًا