النص المفهرس
صفحات 221-240
٥٤- (مَا اسْثْنِيَ مِنْ عِدَّةِ الْمُطَلَقَاتِ) - حديث رقم ٣٥٢٦ ٢٢١ النسفيّ رحمه الله تعالى: خبر في معنى الأمر، وأصل الكلام: ولتتربّص المطلّقات، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يُتلقّى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهنّ امتثلن الأمر بالتربّص، فهو يخبر عنه موجودًا، ونحوه قولهم في الدعاء: رحمك الله، أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة، كأنما وُجدت الرحمة، فهو يُخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضًا فضل تأكيد؛ لأن الجملة الاسميّة تدلّ على الدوام والثبات، بخلاف الفعليّة. وفي ذكر الأنفس تهييج لهنّ على التربّص، وزيادة بعث؛ لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهنّ، ويغلبنها على الطموح، ويُجبِرنها على التربّص. (﴿ثَلَثَةَ قُوٍَ﴾) جمع قرء بالفتح، كفلس وفُلوس، وبالضمّ، ويجمع على أقراء، كقفل وأقفال. وقد اختلف فيه، هل هو الحيض، أم الطهر على قولين، سيأتي تمام البحث فيه في - ٧٤/ ٣٥٦٠- ((الأقراء))، إن شاء الله تعالى. (وَقَالَ: ﴿وَأَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَابِكُمْ إِنِ أَرْبَبْتُمْ﴾﴾ أي أشكل عليكم حكمهنّ، وجهلتم كيف يعتددن (﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَّةُ أَشْهُرٍ﴾﴾ أي فهذا حكمهنّ (فَتُسِخَ مِنْ ذَلِكَ) بالبناء للمفعول، والضمير النائب يعود إلى ما دلّت عليه هذه الآية، واسم الإشارة يعود إلى ما دلت عليه الآية الأولى، يعني أنه نُسخ ما دلّت عليه هذه الآية، وهو كون العدة بالأشهر من عموم ما دلّت عليه الآية الأولى، وهو كون المطلّقة تعتدّ بثلاثة قروء. وقال السنديّ: أي الكلام الثاني نَسَخَ من الكلام الأول بعضَ صور المطلّقات، وهي صور الإياس، وأوجب فيها ثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء (قَالَ تَعَالَى) ناسخًا من الأول بعض الصور أيضًا، وهي ما إذا كان الطلاق قبل الدخول، فلا عدّة عليها هناك أصلًا (﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ﴾﴾ أي تجامعوهنّ (﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾) قال النسفيّ: فيه دليلٌ على أن العدّة تجب على النساء للرجال(١) (﴿تَعْنَدُّونَهَا﴾) افتعال، من العدّ، أي تستوفون عددها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: (١) ((تفسير النسفيّ)) ٣٠٨/٣. ٢٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ أخرجه هنا-٣٥٢٦/٥٤ و٣٥٨١/٧٥- وفي «الكبرى» ٥٧٠٤/٥٦ وأخرجه (د) في ((الطلاق)) ٢١٩٥ و٢٢٨٢ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان ما نسخ من عدة بعض النساء، من آية المطلّقات. (ومنها): بيان مشروعيّة النسخ، وأن للَّه تعالى فيه حكمة عظيمةً، كما أوضح ذلك بقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً﴾. (ومنها): أن فيه نسخ الكتاب بالكتاب، وهو نوع من أنواع النسخ الأربعة: نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالسنة، ونسخ الكتاب بالسنة، ونسخ السنة بالكتاب. ثم المختار جواز نسخ بعض القرآن تلاوةً وحكمًا، أو تلاوة فقط، أو حكمًا فقط. (ومنها): أن عدّة المطلّقات ذوات الحيض ثلاثة قروء، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُرُوَةٌ﴾ الآية، وإنما الخلاف بينهم في معنى القرء، إذ يطلق في كلام العرب على الحيض والطهر جميعًا، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في موضعه، إن شاء اللّه تعالى. (ومنها): أن عدّة الآيسة تكون بالأشهر لقوله تعالى: ﴿وَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُتْ إِ أَرْتَبْتُمُ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ الآية [الطلاق: ٤]، وهذا أيضًا لا خلاف فيه بين أهلِ العلم. (ومنها): أنه لا عدّة على المطلّقات قبل المسيس؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَذُّونَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٤٩]، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك أيضًا، وإنما اختلفوا فيمن خلا بها، ثم طلقها قبل المسيس، فذهب أكثرهم إلى أنه تجب العدة، وروي ذلك عن الخلفاء الراشدين، وزيد، وابن عمر. وبه قال عروة، وعلي بن الحسين، وعطاء، والزهريّ، والثوريّ، وأحمد، والأوزاعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعيّ في القديم، وقال الشافعيّ في الجديد: لا عدّة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا﴾ الآية. وهذا نصّ؛ ولأنها مطلّقة لم تُمسّ، فأشبهت من لم يخلُ بها (١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّ رحمه الله تعالى في الجديد من أنه لا عِدَّة على المطلّقة قبل الدخول، وإن خلا بها هو الظاهر؛ لقوة حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) راجع («المغني)) ١٩٧/١١ -١٩٨. ٥٥- (بِأَبُ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) - حديث رقم ٣٥٢٧ ٢٢٣ ٥٥- (بَابُ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُھَا) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((المتوفّى)) بفتح الفاء المشدّدة: اسم مفعول، من توفّاه الله تعالى: إذا أماته. قال ابن منظور: الوفاة: المنيّة. والوفاة: الموت، وتُوفي فلان، وتوفّاه اللّه: إذا قبض نفسه. وفي ((الصحاح)): إذا قبض روحه. وقال غيره: تَوَفِّي الميتِ استيفاء مدّته التي وُفيت له، وعدد أيامه وشهوره، وأعوامه في الدنيا. انتهى. وقرىء في الشواذٌ: (والذين يَتَوَفّون منكم)) الآية -بفتح الياء بالبناء للفاعل -: ومعناه: يستوفون آجالهم. قاله الزمخشريّ. وعلى هذه القراءة، يجوز ((المتوفّي عنها زوجها)» بصيغة اسم الفاعل، بمعنى المستوفي أجله. قال السمين الحلبيّ: والذي يُحكى أن أبا الأسود كان خلف جنازة، فقال له رجل: مَن المتوفّي؟ بكسر الفاء، فقال: اللَّه، وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ تنبيه على أن أمر بوضع كتاب في النحو، تناقضه هذه القراءة. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٢٧- (أَخْبَرَنَا هَنَّاهُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمَيْدُ بْنُ نَافِعِ، عَنْ زَيْتَبَ بِنْتِ أُمّ سَلَمَةَ، قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تَجِدُ عَلَى مَيْتٍ، فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إِلَّا عَلَى زَوجِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (هنّاد بن السّريّ) بن مصعب التميميّ، أبو السّريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٥/٢٣. ٢- (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٢٥/٢٣ . ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤. ٤- (حميد بن نافع) الأنصاريّ، أبو أفلح المدنيّ، ثقة [٣] ٣٣٢٠/٥٣. ٥- (زينب بنت أم سلمة) هند بنت أبي أمية، وأبوها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّة، ربيبة النبيّ وَّر، ماتت سنة (٧٣) وتقدّمت في -١٨٢/١٢٣. ٦- (أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين، مشهورة (١) ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) ٥٧٧/١. في ((تفسير سورة البقرة)). ! ٢٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ بكنيتها، ماتت رضي اللّه تعالى عنها سنة (٢) أو (٤) أو (٤٩) وقيل: (٥٠)، تقدّمت في ٧٠٤/١٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رُوَاتَهُ كلهم رُوَاة الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من حميد. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة، عن صحابيّة. والله تعالى أعلم. شرح الحدیث (عَنْ زَيْتَبَ بِنْتِ أُمّ سَلَمَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها قالت (قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ، يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تَجِدُّ) -بضم أوله، وكسر ثانيه- من الإحداد، وهو المشهور، أو بفتح أوله، وكسرثانيه، وضمه. قال الفيّوميّ: حَدَّت المرأة على زوجها تَجِدّ - بالكسر - وتَحَدّ - بالضمّ - حِدَادًا - بالكسر-، فهي حاذِّ بغير هاء، وأحدّت إحدادًا، فهي مُحِدٍّ، ومُحدّةٌ: إذا تركت الزينة لموته، وأنكر الأصمعيّ الثلاثيّ، واقتصر على الرباعيّ انتهى. والمضارع هنا بمعنى المصدر، بتقدير ((أن)) المصدريّة، أو بدونها، فاعل ((لا يحلّ))، فكأنه قال: لا يحلّ الإحداد. ووصف المرأة بالإيمان يدلّ على صحّة مذهب القائلين بعدم الإحداد على الكتابيّة إذا مات زوجها المسلم، وهو القول الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في بابه، إن شاء اللَّه تعالى. (عَلَى مَيِّتٍ، فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) فيه دلالة على أن المرأة إذا مات قريبها، فلها أن تمتنع من الزينة ثلاثة أيام متتابعة (إِلَّ عَلَى زَوْج، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بفعل محذوف، كما تفسّره الروايةَ الآتية بعد حديثين - ٣٥٣٠- أي فإنها تُحدّ عليه أربعة أشهر وعشرًا. وسيأتي شرح الحديث مستوفى في -٦٣/ ٣٥٦٠-)) ترك الزينة للحادّة المسلمة))، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أم حبيبة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: ٥٥- (بَابُ عِدَّةِ الْمُتَوَفِّى عَنْهَا زَوْجُهَا) - حديث رقم ٣٥٢٧ ٢٢٥ = أخرجه هنا-٣٥٢٧ و ٣٥٢٨ و٣٥٢٩ و٣٥٥٤/٥٩ و٣٥٦٠/٦٣- وفي ((الكبرى)) ٥٦٩٣/٥٤ و٥٦٩٤ و٥٦٩٥ و٥٧٢١/٥٩ ٥٧٢٧/٦٣. وأخرجه (خ) في ((الجنائز)) ١٢٨٠ و١٢٨٢ و((الطلاق)) ٥٣٣٤ و٥٣٣٧ و٥٣٣٩ و٥٣٤٥ و((الطب)) ٥٧٠٧ (م) في ((الطلاق)) ١٤٨٦ و١٤٨٩ (د) في ((الطلاق)) ٢٢٩٩ و٢٣٠٤ (ت) في ((الطلاق واللعان)) ١١٩٥ و١١٩٧ (ق) في ((الطلاق)) ٣٠٨٤ (أحمد) في ((مسند الأنصار)) ٢٥٩٦٢ و ٢٦١٢ ٢٦٢١٤ و٢٦٢٢٥ و٢٦٢٢٦ و((مسند القبائل)) ٢٦٨٥٢ (الموطأ) في ((الطلاق)) ١٢٦٨ و١٢٦٩ و١٢٧٠ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان وجوب عدّة المتوفّى عنها زوجها، ومدّته، وهو أربعة أشهر وعشرة أيام. [فإن قيل]: حديث الباب لا يدلّ على وجوب العدّة، فمن أين يؤخذ الوجوب؟. [قلت]: يؤخذ من الأدلة الأخرى، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرً﴾ الآية، وكنهيه ◌ََّ عن كحل عين تلك المرأة مع وجود المرض، فإنه دليل وجود الإحداد، فيكون تقدير قوله وَ القر: ((أربعة أشهر وعشرًا)) أي يجب عليها أن تُحدّ هذه المدّة. (ومنها): أنه يستفاد من قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًاً﴾ أنها لو كانت حاملًا، فزاد حملها على هذه المدّة لم يلزمها الإحداد، وبهذا قال الجمهور. وقالت المالكيّة عليها الإحداد إلى أن تضع؛ نظرًا إلى المعنى؛ إذ كلّ ذلك عدة من وفاة، وإنما خصّ ذلك العدد بالذكر؛ لأن الْحُيَّلَ من النساء أغلب، وهنّ الأصل، والحمل طارىء. قاله القرطبيّ(١). (ومنها): جواز الإحداد للمرأة على أقاربها لمدة ثلاثة أيام، فما دونها. (ومنها): أن الإحداد لا يجب إلا على المرأة المسلمة، لقوله وَ لقر: ((تؤمن بالله واليوم الآخر))، وسيأتي هذا في بابه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في عدّة المتوفّى عنها زوجها: قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن عدّة الحرّة المسلمة، غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرٌ، مدخولًا بها، أو غير (١) ((المفهم)) ٤/ ٢٨٥. ٢٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ مدخول بها، وسواء كانت كبيرة، أو صغيرةً، لم تبلغ، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَقَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤] وقوله وَلجر: ((لا يحل لامرأة ... )) الحديث المذكور في الباب. [فإن قيل]: ألاّ حملتم الآية على المدخول بها، كما قلتم في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَلَاثَةَ قُرُوَّةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]. [قلنا]: إنما خصّصنا هذه بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَذُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولم يرد تخصيص عدّة الوفاة، ولا أمكن قياسها على المطلقة في التخصيص لوجهين: [أحدهما]: أن النكاح عقد عمر، فإذا مات انتهى، والشيء إذا انتهى تقرّرت أحكامه، كتقرّر أحكام الصيام بدخول الليل، وأحكام الإجارة بانقضائها، والعدّة من أحكامه. [الثاني]: أن المطلّقة إذا أتت بولد يُمكن الزوج تكذيبها، ونفيه باللعان، وهذا ممتنعٌ في حقّ الميت، فلا يؤمن أن تأتي بولد، فليحق الميت نسبه، وما له من ينفيه، فاحتطنا بإيجاب العدّة عليها لحفظها عن التصرّف، والمبيت في غير منزلها؛ حفظًا لها. إذا ثبت هذا، فإنه لا يُعتبر وجود الحيض في عدّة الوفاة في قول عامّة أهل العلم. وحكي عن مالك أنها إذا كانت حاملًا، مدخولًا بها وجبت أربعة أشهر وعشرٌ فيها حيضة. واتباع الكتاب والسنّة أولى؛ ولأنه لو اعتبر الحيض في حقّها لاعتُبر ثلاثة قروء، كالمطلّقة. وهذا الخلاف يختصّ بذوات القرء، وأما الآيسة، والصغيرة، فلا خلاف فيهما. وأما الأمة المتوفّى عنها زوجها، فعدّتها شهران وخمسة أيام، في قول عامّة أهل العلم، منهم سعيد بن المسيّب، وعطاء، وسليمان بن يسار، والزهريّ، وقتادة، ومالكٌ، والثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وغيرهم، إلا ابن سيرين، فإنه قال: ما أرى عدّة الأمة إلا كعدّة الحرّة؛ إلا أن تكون قد مضت في ذلك سنّة، فإن السنّة أحقّ أن تُتبع، وأخذ بظاهر النصّ وعمومه. واحتجّ الأولون باتفاق الصحابة على أن عدّة الأمة المطلّقة على النصف من عدّة الحرّة، فكذلك عدة الوفاة انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى(١) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن سيرين رحمه الله تعالى في مسألة عدة الأمة هو الحقّ؛ لظاهر الآية، وعدم دليل يخصّصها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) (المغني)) ٢٢٣/١١-٢٢٤. ٥٥- (بِأَبُ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) - حديث رقم ٣٥٢٨ ٢٢٧ = (المسألة الخامسة): في بيان الحكمة في كون عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا: قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: إنما خصّ اللَّه تعالى عدّة الوفاة بأربعة أشهر وعشر؛ لأن غالب الحمل يَبِين تحرّكه في تلك المدة؛ لأن النطفة تبقى في الرحم أربعين، ثم تصير علقةً أربعين، ثم مضغة أربعين، فتلك أربعة أشهر، ثم يُنفخ فيه الروح بعد ذلك، فتظهر حركته في العشر الزائد على الأربعة الأشهر، وهذا ما جاء من حديث عبد الله بن مسعود تَظ . وأنّث عشرًا؛ لأنه أراد به مدّة العشر. قاله المبرّد. وقيل: لأنه أراد الأيام بلياليها، وإلى هذا ذهب كافّة العلماء، فقالوا عشرة أيام بعد الأربعة الأشهر. وقال الأوزاعيّ: إنما أنّث العشر؛ لأنه أراد الليالي، فعلى قول الجمهور: تحلّ باليوم العاشر بآخره، وعلى قول الأوزاعيّ تحلّ بانقضاء الليلة العاشرة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١). وقال ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: والعشر المعتبرة في العدّة هي عشر ليال بأيامها، فتجب عشرة أيام مع الليالي، وبهذا قال مالكٌ، والشافعيّ، وأبو عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وقال الأوزاعيّ: يجب عشر ليال وتسعة أيام؛ لأن العشر تستعمل في الليالي، دون الأيام، وإنما دخلت الأيام اللاتي في أثناء الليالي تبعًا. وأجيب بأن العرب تغلّب اسم التأنيث في العدد خاصّة على المذكّر، فتُطلق لفظ الليالي، وتريد الليالي بأيامها، كما قال الله تعالى: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًا﴾ [مريم: ١٠]، يريد بأيامها، بدليل أنه قال في موضع آخر: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، يريد بليالها انتهى بتصرّف يسير(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما قاله الأولون هو الصحيح؛ لقوّة دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٢٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْتَبَ بِنْتِ أُمْ سَلَمَةَ، قُلْتُ: عَنْ أُمِّهَا؟، قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ النِّيَّ ◌َِّ، سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ، تُؤُنِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَخَافُوا عَلَى عَيْنِهَا، أَتَكْتَحِلُ؟، فَقَالَ: ((قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَ، تَمْكُثُ فِي بَيْتِهَا، فِي شَرِّ أَخْلَاسِهَا حَوْلًا، ثُمَّ خَرَجَتْ، فَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا (١) ((المفهم)) ٤ /٢٨٥. (٢) ((المغني)) ٢٢٤/١١-٢٢٥. ٠٠ ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ غير مرّة. و((خالد)): هو ابن الحارث الهجيميّ. وقوله: ((في شر أحلاسها)) -بفتح الهمزة، جمع حِلِس -بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام -: هي كساء تُجعل على ظهر البعير. أي شرّ ثيابها، مأخوذ من حِلْسٍ البعير . وقوله: ((فلا أربعة أشهر وعشرًا)) بتقدير همزة الاستفهام، وقد صُرّح بها في رواية مسلم، أي أفلا تصبر في الإسلام أربعة أشهر وعشرًا، قاله؛ إنكارًا لطلب التخفيف الزائد، فقد خفّف اللّه تعالى برحمته عما كان عليه الجاهليّة، بحول، ثم خفّف بعد ذلك إلى أربعة أشعر وعشر، فهل بعد هذا التخفيف يُطلب تخفيف؟. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه مستوفّى في ٦٣/ ٣٥٦٠ - «ترك الزينة للحادة المسلمة الخ))، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٢٩- (أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ قَهْدِ الْأَنْصَارِيِّ، وَجَدُهُ قَدْ أَدْرَكَ النَِّيَّ ◌َِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمْ سَلَمَّةً، عَنْ أُمّ سَلَمَّةَ، وَأُمّ حَبِيبَةَ، قَالَتَا: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ نََّ فَقَالَتْ: إِنَّ ابْتَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَى عَيْنِهَا، أَفَأَكْحُلُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((قَدْ كَانَتْ إِخْدَاكُنَّ، تَجَلِسُ حَوْلًا، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَإِذَا كَانَ الْحَوْلُ، خَرَجَتْ وَرَمَتْ وَرَاءَهَا بِبَعْرَةٍ) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((جريرٌ)): هو ابن عبد الحميد. وقوله: ((وجدّه قد أدرك النبيّ وَّ)) يعني أن جدّ يحيى بن سعيد صحابيّ، وهو قيس ابن قهد -بقاف مفتوحة، فهاء ساكنة، آخره دال مهملة- وهذا الذي قاله المصنف رحمه الله تعالى، قاله أيضًا مصعب الزبيريّ، لكن غلّطه ابن خيثمة في ذلك، وقال: هما اثنان. وقال ابن حبّان: قيس بن عمرو هو قيس بن قهد، وقهد لقب عمرو. قال الحافظ: وكأنه أخذه من قول البخاريّ: قيس بن عمرو جدّ یحیی بن سعيد، له صحبة، قال: وقال بعضهم: قيس بن قَهْد. وقال أبو نُعيم في ((الصحابة)) : قيس بن عمرو بن قهد بن ثعلبة، ثم قال: وقيل: قيس بن سهل. ذكره في ((تهذيب التهذيب)) ٤٥١/٣. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما قاله ابن حبّان يجمع بين الاختلاف، ويؤيّده كلام البخاريّ. وأما ابن خيثمة فلا أرى لتغليطه مصعبًا الزبيريّ ٥٥۔ (بابُ عِدِّ المُتوفی عنها زَوْجُها) - حديث رقم ٣٥٣١ = ٢٢٩ = وجهًا، حيث لم يذكر مستنده في ذلك. والله تعالى أعلم. وقوله: ((أفكحلها)) -بضم الحاء المهملة، وفتحها- قال الفيّوميّ: كَحَلتُ الرجلَ كَخْلًا، من باب قتل - وزاد في (القاموس)) من باب مَنَعَ -: جعلتُ الكُحلَ في عينه، فالفاعل كاحلٌ، وكَحّالٌ، والمفعول مكحولٌ، وبه سمّي الرجل، والأصل كحَلتُ عين الرجل، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه لفهم المعنى، ولهذا يقال: عينٌ كحيلٌ، فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، واكتحلتُ فعلت ذلك بنفسي، وتکخلتُ كذلك انتهى. وقوله: ((أربعة أشهر وعشرًا)) منصوب على الظرفيّة، كما تقدّم قريبًا. والحديث متفق عليه، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَخْتِى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ نَافِعًا، يَقُولُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّا سَمِعَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، زَوْجَ النَّبِّ ◌َّهِ، عَنِ النَِّيِّ نَِّ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تَجِدُّ عَلَى مَيَّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّا تَجِدُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجالٌ هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((عبد الوهاب)): هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ. و((يحيى بن سعيد)): هو الأنصاريّ المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: سقط سهوا من نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ ذكر ((يحيى بن سعيد)) بين عبد الوهاب، ونافع، وقد ثبت في ((الكبرى)) ٣٨٤/٣ رقم (٥٦٩٦) وهو الصواب، وهو الذي في ((تحفة الأشراف)) ٢٩٢/١١. فليُتنبه. والله تعالى أعلم. و((نافع)): هو مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه. و((صفيّة بنت أبي عبيد)): هي زوج ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، تابعيّة مدنيّة ثقة [٢] ١٧٦٥/٦٠. و((حفصة بنت عمر)): هي أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنهما، تقدّمت في ٥٨٣/٣٩ . والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣١- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةً بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ بَعْضٍ أَزْوَاجِ النَِّيِّ وَِّ، وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيِّنَّهِ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ◌َجِدُّ عَلَى مَيِّتٍ، أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ، فَإِنَّا تَحَدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِّ وَعَشْرًا)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجالٌ الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير ٢٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ مرّة، وهو مسلسلٌ بالبصريين إلى أيوب. و((سعيد)): هو ابن أبي عَرُوبة. و((أيوب)): هو السختيانيّ . وقوله: ((وعن أم سلمة)) هكذا بالعطف في رواية محمد بن سواء، وفي رواية السهميّ التالية ((وهي أم سلمة))، وهكذا قال الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) -٦٠/١٣ -. وفي رواية مسلم من طريق الليث، عن نافع: عن صفيّة بنت أبي عبيد، عن حفصة، أو عن عائشة، أو كلتيهما. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا يدلّ على أن صفيّة بنت أبي عبيد تروي هذا الحديث عن حفصة، كما في الرواية الماضية، وعن أم سلمة، كما في هذه الرواية، وعلى هذا فبعض أزواج النبيّ وَّه في هذه الرواية هي حفصة، ويحتمل أن تكو عائشة رضي اللَّه تعالى عنهنّ. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٥٥٪ ٣٥٣١ و٣٥٣٢ - وفي ((الكبرى)) ٥٦٩٧/٥٤ و٥٦٩٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٢- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّهْمِيُّ -يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بَكْرٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ بَعْضٍ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ بَّهِ، وَهِيَ أُمُّ سَلَمَةَ، عَنِ النَِّيِّ نَّهِ، نَحْوَهُ). قَال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن إبراهيم بن إسماعيل)) : هو المعروف أبوه بابن عليّة . و((عبد الله بن بكر بن حبيب السهميّ)) الباهليّ، أبو وهب البصريّ، نزيل بغداد، ثقة حافظً [٩]. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقة. وقال ابن معين أيضًا، وأبو حاتم: صالح. وقال ابن سعد: السهميّ بطن من باهلة، وكان ثقة صدوقًا، نزل بغداد على سعيد بن سَلْم، ولم يزل بها حتى مات في المحرّم سنة (٢٠٨) (١). وذكره ابن حبّان في (الثقات)). وقال الدار قطنيّ: ثقة مأمون. وقال ابن قانع: ثقة. وقال أبو عمرو الطائيّ: عَرَضَ سوّار على عبد الله بن بكر قضاء الأُبُلّة، فأبى. روى له الجماعة، وله عند المصنّف حديثان فقط: حديث الباب، وحديث -١/ ٤٠١٠ - ((أمرت أن أقاتل الناس حتی یشهدوا ... )). (١) وقع في ((تهذيب التهذيب)) سنة (٨٨) وهو غلط، والصواب ما هنا، كما في ((التقريب))، و((تهذيب الكمال)» . ٥٦- (بَأَبُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٣٣ ٢٣١ == والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٥٦- (بَابُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) ٣٥٣٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ، قَالَا: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ، نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتْ رَسُولٌ اللَّهِ وَّهَ فَاسْتَأْذَنَتْ أَنْ تَتْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَتَكَحَثْ). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ٢٠/١٩. ٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣- (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد الله المصريّ، صاحب مالك، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ٢٠/١٩. ٤- (مالك) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الإمام الحجة الفقيه [٧] ٧/ ٧. ٥- (هشام بن عرو) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلس [٥] ٤٩/ ٦١ . ٦ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠ /٤٤ . ٧- (المسور بن مخرمة) بن نوفل بن أُهيب بن عبدمناف بن زهرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنهما، مات سنة (٦٤)، وتقدّم في ٩٣٦/٣٧ . والله تعالى أعلم. ٢٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، ومن قبله مصريون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، وقد تقدّم كلّ هذا غير مرّة وإنما أعتدته تذكيرًا لطول العهد به. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ سُبَيْعَةً) - بمهملة، وموحّدة، ثم مهملة، تصغير سبع- بنت الحارث (الْأَسْلَمِيَّةَ) نسبة إلى بني أسلم، ذكرها ابن سعد في المهاجرات. ووقع في رواية لابن إسحاق عند أحمد ((سبيعة بنت أبي برزة الأسلميّ))، فإن كان محفوظًا، فهو أبو برزة آخر غير الصحابيّ المشهور، وهو إما كنية للحارث، والد سبيعة، أو نُسبت في الرواية المذكورة إلى جدّ لها. قاله في ((الفتح)) (نُفِسَتْ) بالبناء للمفعول، أو للفاعل. قال الفيّوميّ: نُفست المرأة بالبناء للمفعول، فهي نُفساء، والجمع نِفَاس بالكسر، ومثله عُشَراء وعِشَار، وبعض العرب يقول: نَفِسَت تَنْفَسُ، من باب تَعِبَ، فهي نافسٌ، مثلُ حائض، والولد منفوسٌ، والنفاس بالكسر أيضًا اسمٌ من ذلك. ونَفِست تَنْفَسُ، من باب تعِبَ: حاضت. ونُقل عن الأصمعيّ: نُفست بالبناء للمفعول أيضًا، وليس بمشهور في الكتب في الحيض، ولا يقال في الحيض: نُفِست بالبناء للمفعول. من النفس، وهو الدم انتهى (بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا) سيأتي في الرواية الآتية -٣٣٥٤٥- أنه سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤيّ، وكان ممن شهد بدرًا، فتوفّي في حجة الوداع. وفي ((الإصابة)): سعد بن خولة القرشيّ العامريّ، من بني مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤيّ. وقيل: من حلفائهم. وقيل: من مواليهم. قال ابن هشام: هو فارسيّ من اليمن، حالف بني عامر، ذكره موسى بن عُقبة، وابن إسحاق، وغيرهما في البدريين، وله ذكر في ((الصحيحين)) من حديث سعد بن أبي وقّاص تَظّه ، حيث مرض بمكة، فقال النبيّ وَّر: ((لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله وَلَّ أن مات بمكة انتهى (١) (بِلَيَالٍ) كذا أَبَهم المدةَ في هذه الرواية، وفي رواية ((بأيام))، وفي رواية: ((بيسير))، وفي رواية: ((بثلاثة وعشرين، أو خمسة وعشرين ليلة))، وفي (١) ((الإصابة)) ١٣٩/٤. ٥٦- (بِأَبُ عِدَِّّ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٣٣ ٢٣٣ رواية: ((بخمسة عشر، نصف شهر))، وفي رواية: ((بعشرين ليلة))، وفي رواية: ((لأدنى من أربعة أشهر))، وكلها في روايات المصنّف في هذا الباب. وفي رواية عند البخاريّ في (التفسير)): ((فوضعت بعد موته بأربعين ليلة)). قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: والجمع بين هذه الروايات متعذّرٌ؛ لاتحاد القصّة، ولعلّ هذا هو السرّ في إبهام من أبهم المدّة، إذ محلّ الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشر، وهو هنا كذلك، فأقلّ ما قيل في هذه الروايات نصف شهر. وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاريّ رواية ((عشر ليال))، وفي رواية للطبرانيّ («ثمان»، أو ((سبع))، فهو في مدّة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبيّ وَّر، لا في مدّة بقيّة الحمل، وأكثر ما قيل فيه بالتصريح ((شهرين))، وبغيره دون أربعة أشهر. انتهى(١). (فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَله) لما تعلّت من نفاسها، وتشوّفت للأزواج، فعيب ذلك عليها، ففي الرواية الآتية من طريق الزهريّ -٣٥٤٥ -: ((فلما تعلّت من نفاسها، تجمّلت للخُطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكَك، رجل من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك متجمّلة، لعلك تُريدين النكاح، إنك والله ما أنت بناكح حتى تمرّ عليه أربعة أشهر وعشر)) (فَاسْتَأْذَنَتْ أَنْ تَنْكِحَ) أي طلبت منه وََّ أن يأذن لها في النكاح (فَأَذِنَ لَهَا، فَتَكَحَتْ) وفي الرواية المذكورة: قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي، حين أمسيت، فأتيت رسول اللَّه وَلِّ، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حَلَلتُ حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج، إن بدالي)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث المسور بن مخرمة رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٥٣٣/٥٦ و٣٥٣٤ - وفي ((الكبرى)) ٥٦٩٩/٥٥ و٥٧٠٠. وأخرجه (خ) في ((الطلاق)) ٥٣٢٠ (ق) في ((الطلاق)) ٢٠٢٩ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٤٣٨ (الموطأ) في ((الطلاق)) ١٢٥٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(٢): (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان عدّة الحامل المتوفّى عنها (١) ((فتح)) ١٠/ ٥٩٣-٥٩٤. (٢) المراد فوائد قصة سبيعة كلّها، لا خصوص سياق هذه الرواية، فتنبّه. ٢٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ زوجها، وذلك بوضع حملها، وفيه اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): جواز الإفتاء بحضرة من هو أعلم منه؛ لأن الصحابة كانوا يُفتون في حياة النبيّ بَّرَ، ومنهم أبو السنابل بن بعكك رَوّه، حيث أفتى سبيعة بأنها لا تحلّ بوضع حملها، بل بأربعة أشهر وعشر. (ومنها): أن المفتي إذا كان له ميلٌ إلى شيءٍ، لا ينبغي له أن يُفتي فيه؛ لئلا يحمله الميل إليه على ترجيح ما هو المرجوح، كما وقع لأبي السنابل، حيث أفتى سُبيعة أنها لا تحلّ بالوضع؛ لكونه خطبها، فمنعته، ورجا أنها إذا قبلت ذلك منه، وانتظرت مضيّ المدّة حضر أهلها، فرغبوها في زواجه، دون غيره، كما سيأتي في رواية أبي سلمة أنه خطبها رجلان: أحدهما شاب، والآخر كهلٌ، فحطّت إلى الشاب، فقال الكهل -هو أبو السنابل -: لم تحلل، وكان أهلها غَيًَّا، فرجا إذا جاء أهلها أن يؤثروه بها)). (ومنها): ما كان في سُبيعة رضي اللّه تعالى عنها من الشهامة والفطنة، حيث تردّدت فيما أفتاها به حتى حملها ذلك على استيضاح الحكم من الشارع، وهكذا ينبغي لمن ارتاب في فتوى المفتي، أو حكم الحاكم في مواضع الاجتهاد أن يبحث عن النصّ في تلك المسألة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولعلّ ما وقع من أبي السنابل من ذلك هو السرّ في إطلاق النبيّ وَلَّ أنه كَذَبَ في الفتوى المذكورة، كما أخرجه أحمد من حديث ابن مسعود رَّ ، على أن الخطأ قد يُطلق عليه الكذب، وهو في كلام أهل الحجاز كثير. وحمله بعض العلماء على ظاهره، فقال: إنما كذّبه؛ لأنه كان عالمًا بالقصّة، وأفتى بخلافه، حكاه ابن داود عن الشافعيّ في ((شرح المختصر))، وهو بعيد. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله هذا البعض من زلّة الأقلام، بل من الخطأ الفادح، فلا ينبغي أن نقول: إن هذا الصحابيّ مع علمه بحكم الله تعالى أفتى بخلافه؛ لأجل أن ينال شهوته، حاشا لله، ثم حاشا لله، فالواجب علينا أن نؤول مثل هذا بما لا يتعارض مع منصب الصحبة، فنقول: إن الكذب معناه هنا الخطأ، أي أخطأ في هذه الفتوى، لظنه الحكم كذلك، فليُتنبّه. والله الهادي إلى سواء السبيل. (ومنها): أن فيه الرجوع في الوقائع إلى الأعلم. (ومنها): مباشرة المرأة بنفسها السؤال عما ينزل بها، ولو كان مما تَستحي النساء من مثله، لكن خروجها من منزلها ليلًا يكون أستر لها، كما فعلت سُبيعة. (ومنها): أن الحامل تنقضي عدّتها بالوضع على أيّ صفة كان، من مضغة، أو علقة، سواء استبان خلق الآدميّ، أم لا؛ لأنه وَل و رتّب الحلّ على الوضع من غير تفصيل. وتوقّف ابن دقيق العيد فيه من جهة أن الغالب في إطلاق ٥٦- (بَأَبُ عِدَِّّ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٣٣ ٢٣٥ = وضع الحامل هو الحمل التام المتخلّق، وأما خروج المضغة، أو العلقة، فهو نادرٌ، والحمل على الغالب أقوى، ولهذا نُقل عن الشافعيّ قولٌ بأن العدّة لا تنقضي بوضع قطعة لحم، ليس فيها صورةٌ بيّنة، ولا خفيّة. وأجيب عن الجمهور بأن المقصود في انقضاء العدّة براءة الرحم، وهو حاصلٌ بخروج المضغة، أو العلّقَة، بخلاف أم الولد، فإن المقصود منها الولادة، وما لا يصدق عليه أنه أصل آدميّ، لا يُقال فيه: ولدت. وسيأتي مزيد بسط في هذا في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. (ومنها): جواز تجمّل المرأة بعد انقضاء عدّتها لمن يخطبها؛ لأن في رواية الزهريّ الآتية: ((فقال: ما لي أراك متجمّلةً))، وفي رواية ابن إسحاق: ((فتهيّأت للنكاح، واختضبت))، وفي رواية معمر، عن الزهريّ، عند أحمد: ((فلقيها أبو السنابل، وقد اكتحلت))، وفي رواية الأسود: ((فتطيّت، وتصنّعت)). (ومنها): أنه استُدلّ به على أن المرأة لا يجب عليها التزويج؛ لقولها في الخبر من طريق الزهريّ: ((وأمرني بالتزويج إن بدالي)). (ومنها): أن الثيب لا تزوّج إلا برضاها من ترضاه، ولا إجبار لأحد عليها، وقد تقدّم بيانه في بابه . (ومنها): أنه استُدلّ بقولها في رواية ابن شهاب الآتية: ((فأفتاني بأني حللت حين وضعت حملي)) على أنه يجوز العقد عليها إذا وضعت، ولو لم تطهر من دم النفاس. وبه قال الجمهور، وإلى ذلك أشار ابن شهاب في آخر حديثه عند مسلم بقوله: ((ولا أرى بأسّا أن تتزوّج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر)). وقال الشعبيّ، والحسن، والنخعيّ، وحماد بن سلمة: لا تنكح حتى تطهر. قال القرطبيّ: وحديث سبيعة حجة عليهم، ولا حجة لهم في قوله في بعض طرقه: ((فلما تعلّت من نفاسها))؛ لأن (تعلّت)) وإن كان أصله طهرت من دم نفاسها، على ما حكاه الخليل، فيحتمل أن يكون المراد به هنا تعلّت من آلام نفاسها، أي استقلّت من أوجاعها، وتغييراته. ولو سُلّم أن معناه ما قاله الخليل، فلا حجة فيه أيضًا؛ لأنها حكاية واقعة سُبيعة، وإنما الحجة في قوله وَله: ((إنها حلّت حين وضعتْ))، كما في حديث ابن شهاب المشار إليه سابقًا. وفي رواية معمر، عن الزهريّ: ((حللتِ حين وضعتٍ حملك))، وكذا أخرجه أحمد من حديث أبيّ بن كعب رَمّه: ((أن امرأته أم الطفيل قالت لعمر وَظّه قد أمر رسول اللَّه و الفهر سبيعة أن تنكح إذا وضعت)). وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فعلّق الحلّ بحين الوضع، وقصره ٢٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ عليه، ولم يقل: إذا طهرت، ولا إذا انقطع دمك، فصحّ ما قاله الجمهور. انتهى كلام القرطبي، وهو تحقيق حسن جدًّا(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها: ذهب جمهور العلماء من السلف، وأئمة الفتوى في الأمصار إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تحلّ بوضع الحمل، وتنقضي عدّة الوفاة. وخالف في ذلك عليّ رَّه، فقال: تعتدّ آخر الأجلين. ومعناه أنها إن وضعت قبل مضيّ أربعة أشهر وعشر، تربّصت إلى انقضائها، ولا تحلّ بمجرّد الوضع، وإن انقضت المدّة قبل الوضع، تربّصت إلى الوضع. أخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حُميد، عن عليّ رَّهُ بسند صحيح. وبه قال ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، كما في قصّته مع أبي هريرة ◌َّه الآتية في هذا الباب، ويقال: إنه رجع عنه، ويقوّيه أن المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك. وسيأتي في الرواية الآتية - ٣٥٤٤-أن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنكر على ابن سيرين القول بانقضاء عدّتها بالوضع، وأنكر أن يكون ابن مسعود قال بذلك، وقد ثبت عن ابن مسعود تَظته من عدّة طرق أنه كان يوافق الجماعة، حتى كان يقول: ((من شاء لاعنته على ذلك)). ويظهر من مجموع الروايات في قصّة سبيعة أن أبا السنابل رجع عن فتواه أوّلًا أنها لا تحلّ حتى تمضي مدة عدة الوفاة؛ لأنه قد روى قصّة سبيعة ورد النبيّ وَلّ ما أفتاها أبو السنابل به من أنها لا تحلّ حتى يمضي أربعة أشهر وعشر، ولم يَرِد عن أبي السنابل تصريح في حكمها لو انقضت المدّة قبل الوضع، هل كان يقول بظاهر إطلاقه من انقضاء العدّة، أو لا؟، لكن نقل غير واحد الإجماع على أنها لا تنقضي في هذه الحالة الثانية حتى تضع. وقد وافق سحنون من المالكيّة عليًّا رَظنّه ، نقله المازريّ وغيره. وهو شذوذ مردود؛ لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع. والسبب الحامل له الحرص على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما، فقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَرَبَِّْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرً﴾ عامّ في كلّ من مات عنها زوجها، يشمل الحامل وغيرها، وقوله تعالى: ﴿وَأَوَّلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حمّلَهُنَّ ﴾ عامّ أيضًا، يشمل المطلّقة، والمتوفّى عنها، فجمع أؤلئك بين العمومين بقصر الثانية على المطلّقة، بقرينة ذكر عدد المطلّقات، كالآيسة، والصغيرة (١) ((المفهم)) ٢٨١/٤-٢٨٢. و(الفتح)) ٥٩٤-٥٩٥. - ٥٦- (بَابُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٣٣ = ٢٣٧ قبلهما، ثم لم يمهلوا ما تناولته الآية الثانية من العموم، لكن قصروه على من مضت عليها المدّة، ولم تضع، فكان تخصيص بعض العموم أولى، وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حقّ بعض من شمله العموم. قال القرطبيّ: هذا حسنٌ، فإن الجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول. لكن حديث سبيعة نصّ بأنها تحلّ بوضع الحمل، فكان فيه بيان للمراد بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا ﴾ أنه في حقّ من لم تضع، وإلى ذلك أشار ابن مسعود وتنميه بقوله: ((إن آية الطلاق نزلت بعد آية البقرة)). وفهم بعضهم منه أنه يرى نسخ الأولى بالأخيرة، وليس ذلك مراده، وإنما يعني أنها مخصّصة لها، فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها . وقال ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: لولا حديث سُبيعة لكان القول ما قال عليّ، وابن عبّاس ؛ لأنهما عدّتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعتا في الحامل المتوفّى عنها زوجها، فلا تخرج من عدّتها إلا بيقين، واليقين آخر الأجلين انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من العمل بحديث سُبيعة رضي اللّه تعالى عنها، فإذا وضعت الحامل حملها بعد وفاة زوجها، فقد انقضت عدّتها، سواء كان قريبًا من وفاته، ولو لحظة، أو بعيدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما تنقضي بوضعه العدّة، من الحمل: قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما ملخّصله: إذا ألقت المرأة بعد فرقة زوجها، أو موته شيئًا لم يخلُ من خمسة أحوال: [أحدها]: أن تضع ما بان فيه خلق الآدميّ، من الرأس، واليد، والرجل، فهذا تنقضي به العدّة بلا خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أن عدّة المرأة تنقضي بالسقط، إذا عُلم أنه ولد، وممن نحفظ عنه ذلك : الحسن، وابن سيرين، وشُريح، والشعبيّ، والنخعيّ، والزهريّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال: وذلك لأنه إذا بان فيه شيء من خلق الآدميّ عُلم أنه حملٌ، فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَأَوْلَتُ الْأَّحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ مَلَهُنَّ﴾ . [الحال الثاني]: أن تلقي نطفة، أو دمًا، لا تدري، هل هو ما يُخلق منه الآدميّ، أو لا؟، فهذا لا يتعلّق به شيء من الأحكام؛ لأنه لم يثبت أنه ولدٌ، لا بالمشاهدة، ولا بالبيّنة . [الحال الثالث]: أن تلقي مضغة، لم تَّبِن فيها الخلقة، فشهدت ثقاتٌ من القوابل أن ٢٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ فيه صورة خفيّةً، بان بها خلقة آدميّ، فهذا في حكم الحال الأول؛ لأنه قد تبيّن بشهادة أهل المعرفة أنه ولد. [الحال الرابع]: أن تُلقي مضغة، لا صورة فيها، فشهد ثقات من القوابل أنه مبتدأ خلق آدميّ، فاختلف عن أحمد، فنقل أبو طالب أنه عدّتها لا تنقضي، ولا تصير به أم ولد؛ لأنه لم يبن فيه خلق آدميّ، فأشبه الدم. وقد ذُكر هذا قولًا للشافعيّ. ونقل الأثرم عنه أن عدتها لا تنقضي به، ولكن تصير أم ولد؛ لأنه مشكوك في كونه ولدًا، فلا تنقضي عدتها، ويثبت كونها أم ولد؛ احتياطًا في كلّ منهما. [الحال الخامس]: أن تضع مضغة لا صورة فيها، ولم تشهد القوابل بأنها مبتدأ خلق آدميّ، فهذا لا تنقضي به عدّة، ولا تصير به أم ولد؛ لأنه لم يثبت كونه ولدًا ببيّنة، ولا مشاهدة، فأشبه العلقة. ولا تنقضي العدة بوضع ما قبل المضغة بحال، سواء كان نطفة، أو علقة، وسواء قيل: مبتدأ خلق آدميّ، أو لم يُقل. ولا نعلم في هذا مخالفًا إلا الحسن، فإنه قال: إذا علم أنه حمل انقضت به العدّة، وفيه الغُرّة. والأول الأصحّ، وعليه الجمهور. وأقلّ ما تنقضي به العدّة من الحمل أن تضعه بعد ثمانين يومًا منذ أمكنه وطؤها؛ لأن النبيّ وَ له قال: ((إن خلق أحدكم ليُجمَع في بطن أمه، فيكون نطفة أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ... )) الحديث متّفقٌ عليه. ولا تنقضي العدّة بما دون المضغة، فوجب أن تكون بعد الثمانين، فأما ما بعد الأربعة أشهر، فليس فيه إشكال؛ لأنه يُنكْس في الخلق الرابع. انتهى كلام ابن قدامة بتصرّف واختصار وهو تفصيل حسن جدًّا(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٤- (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِنِ دَاوُدَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، أَمَرَ سُبَيْعَةَ، أَنْ تَنْكِحَ، إِذَا تَعَلَّثَ مِنْ نِفَاسِهَا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((نصر بن عليّ)): هو الجهضميّ البصريّ الثقة الثبت، أحد مشايخ الأئمة الستة الذين اتفقوا على الرواية عنهم بدون واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. و((عبد الله بن داود)): هوأبو عبد الرحمن الْخُرَيبِيّ، كوفيّ الأصل الثقة العابد. وقوله: ((إذا تعلّت)) - بتشديد اللام- من تَعلّى: إذا ارتفع، أو برأ، أي إذا ارتفعت، وطهرت، أو خرجت من نفاسها، وسلمت. والظرف متعلّقٌ بـ ((أمر))، لا لاستمرار العدّة (١) ((المغني)) ٢٢٩/١١-٢٣٠. ٥٦- (بَابُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٣٥ ٢٣٩ إلى وقت الخروج من النفاس، بل بناء على أنها استفتت في هذا الوقت، أو متعلّق بـ ((تنكح))، والتقييد به، لا لاستمرار العدّة إلى وقت الخروج من النفاس، بل لأن العادة أن النكاح يؤخّر إلى وقت الخروج من النفاس. قاله السنديّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم لك قريبًا أن عدم جواز النكاح ما دامت في نفاسها قال به جماعة، ولكن الجمهور على الجواز، وهو الحقّ. والحديث أخرجه البخاريّ، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٥- (أَخْبَرَنِي(١) مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي السَّنَابِلِ، قَالَ: وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ حَمْلَهَا، بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِثَلَاثَةٍ وَعِشْرِيْنَ، أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمَّا تَعَلَّتْ، تَشَؤَّفَتْ لِلْأَزْوَاجِ، فَعِيبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: ((مَا يَمْتَعُهَا، قَدِ انْقَضَى أَجَلُّهَا)) ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن قُدَامة) بن أعين الهاشميّ مولاهم، المصّيصيّ، ثقة [١٠]٢١٤/١٣٧. ٢- (جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان يِهِم من حفظه في آخره [٨] ٢/٢. ٣- (منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/٢. ٤- (إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل كثيرًا [٥] ٣٣/٢٩ . ٥- (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرم ثقة فقيه مكثر [٢]٢٩/ ٣٣ . ٦- (أبو السنابل) -بمهملة، ونون، ثم موحّدة- جمع سنبلة. اختلف في اسمه، فقيل: عمرو. قاله ابن البرقيّ، عن ابن هشام، عمن يثق به، عن الزهريّ. وقيل: عامر. روي عن ابن إسحاق. وقيل: حبّة -بموحّدة، بعد المهملة. وقيل: بنون. وقيل: لَبِيدُرَيِّه - بالإضافة -. وقيل: أصرم. وقيل: عبد الله. ووقع في بعض الشروح: وقيل: بغيض. قال الحافظ: وهو غلط، والسبب فيه أن بعض الأئمة سئل عن اسمه، فقال: بغيض يسأل عن بغيض، فظنّ الشارح أنه اسمه، وليس كذلك لأن في بقيّة الخبر اسمه لَبِيدريه. وجزم العسكريّ بأن اسمه كنيته. - (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وهو ابن بَعْكَك -بموحّدة، ثم مهملة، ثم كافين، بوزن جعفر - ابن الحارث بن عَمِيلة - بفتح أوله- ابن السبّاق بن عبد الدار القرشيّ العبدريّ. وكذا نسبه ابن إسحاق. وقيل: هو ابن بعكك بن الحجاج بن الحارث بن السبّاق. نقل ذلك عن ابن الكلبيّ ابنُ عبد البرّ، قال: وكان من المؤلّفة، وسكن الكوفة، وكان شاعرًا. ونقل الترمذيّ، عن البخاريّ أنه قال: لا أعلم أن أبا السنابل عاش بعد النبيّ وَّر. كذا قال، لكن جزم ابن سعد أنه بقي بعد النبيّ وَّل﴿ زمنًا. وقال ابن منده في ((الصحابة)) عداده في أهل الكوفة، وكذا قال أبو نعيم: إنه سكن الكوفة. وفيه نظر لأن خليفة قال: أقام بمكّة حتى مات، وتبعه ابن عبد البرّ. وقال ابن سعد: هو من مسلمة الفتح. ويؤيّد كونه عاش بعد النبيّ و﴿ل قول ابن البرقيّ: إن أبا السنابل تزوّج سبيعة بعد ذلك، وأولدها سنابل بن أبي السنابل، ومقتضى ذلك أن يكون أبو السنابل عاش بعد النبيّ ◌َّير؛ لأنه وقع في رواية عبدربّه بن سعيد، عن أبي سلمة أنها تزوّجت الشابّ، وكذا في رواية داود بن أبي عاصم أنها تزوّجت فتى من قومها، وتقدّم أن قصّتها كانت بعد حجة الوداع، فيحتاج - إن كان الشابّ دخل عليها، ثم طلّقها- إلى زمان الحمل، حتى تضع، وتلد سنابل حتى صار أبوه يكنى به أبا السنابل. وقد أفاد محمد بن وضّاح فيما حكاه ابن بشكوال وغيره عنه أن اسم الشاب -الذي خطب سُبيعة هو وأبو السنابل، فآثرته على أبي السنابل- أبو البشر بن الحارث، وضبطه بكسر الموحّدة، وسكون المعجمة. وقد أخرج الترمذيّ، والنسائيّ(١) قصّة سُبيعة من رواية الأسود، عن أبي السنابل، بسند على شرط الشيخين إلى الأسود، وهو من كبار التابعين، من أصحاب ابن مسعود، ولم يوصف بالتدليس، فالحديث صحيح على شرط مسلم، لكن البخاريّ على قاعدته في اشتراط ثبوت اللقاء، ولو مرّةً، فلهذا قال ما نقله الترمذيّ. قاله في ((الفتح)) بزيادة من ((الإصابة))(٢). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فإنه مصّيصيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. (١) هو هذا الذي نشرحه. (٢) ((الفتح) ٥٩٢/١٠.