النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ ٣٥- (بابُ بَدْءِ اللَّعَانِ) - حديث رقم ٣٤٩٣ وإثبات الصدق يمين، لكن أطلق عليها شهادة لاشتراط أن لا يكفى في ذلك بالظنّ، بل لا بدّ من وجود علم كلّ منهما بالأمرين علمًا يصحّ معه أن يشهد به، ويؤيّد كونها يمينًا أن الشخص لو قال: أشهد بالله لقد كان كذا لعُدّ حالفًا. وقد قال القفّال في ((محاسن الشريعة)) : كررت أيمان اللعان لأنها أقيمت مقام أربع شهود في غيره ليقام عليها الحدّ، ومن ثمّ سمّيت شهادات. انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط تفريق الحاكم بين المتلاعنين: ذهبت جماعة إلى أن الفرقة لا تحصل إلا بتفريق الحاكم بينهما، وبه قال أبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد؛ لقول ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما في حديثه: ففرّق رسول الله بَلخير بينهما. وفي حديث عويمر رَظّه، قال: ((كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول اللَّه وَلّ)، وهذا يقتضي إمكان إمساكها، وأنه وقع طلاقه، ولو كانت الفرقة وقعت قبل ذلك، لما وقع طلاقه، ولا أمكنه إمساكها. ولأن سبب هذه الفرقة يَقِفُ على الحاكم، فالفرقة المتعلّقة به لا تقع إلا بحكم الحاكم، كفرقة الْعُنّة . وذهبت طائفة إلى أن الفرقة تحصل بمجرّد التعانهما، وبه قال مالكٌ، وأبو عبيد، وأبو ثور، وداود، وزفر، وابن المنذر. وروي ذلك عن ابن عبّاس؛ لما روي عن عمر ظلَّه أنه قال: ((المتلاعنان يُفرّق بينهما، ولا يجتمعان أبدًا)). رواه سعيد بن منصور. ولأنه معنى يقتضي التحريم المؤبّد، فلم يقف على حكم الحاكم كالرضاع، ولأن الفرقة لو لم يحصل إلا بتفريق الحاكم، لساغ ترك التفريق إذا كرهاه، كالتفريق للعيب، وللإعسار، ولو وجب أن الحاكم إذا لم يُفرّق بينهما أن يبقى النكاح مستمرًّا، وقول النبيّ وَّ: (لا سبيل لك عليها)) يدلّ على هذا، وتفريقه بينهما بمعنى إعلامه لهما بحصول الفرقة، وعلى كلتا الروايتين لا تحصل الفرقة قبل تمام اللعان منهما. وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: تحصل الفرقة بقول الزوج وحده، وإن لم تلتعن المرأة؛ لأنها فرقة حاصلة بالقول، فتحصل بقول الزوج وحده، كالطلاق. قال ابن قدامة: ولا نعلم أحدًا وافق الشافعيّ على هذا القول. وحكي عن الْبَتّيّ أنه لا يتعلّق باللعان فرقةٌ؛ لما روى أن العجلانيّ لَمّا لاعن عن امرأته طلّقها ثلاثًا، فأنفذه رسول اللَّه وَلَّه ولو وقعت الفرقة لما نفذ طلاقه . (١) ((فتح)) ١٠/ ٥٥٧-٥٥٨ ١٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ قال ابن قدامة: وكلا القولين لا يصحّ؛ لأن النبيّ وَّ فرّق بين المتلاعنين. رواه عبد الله بن عمر، وسهل بن سعد، وأخرجهما مسلم. وقال سهل بن سعد: ((فكانت سنة لمن كان بعدهما أن يفرّق بين المتلاعنين)). وقال عمر تَظّه: ((المتلاعنان يُفرّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا. وأما القول الآخر فلا يصحّ؛ لأن الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين، ولا يكونان متلاعنين بلعان أحدهما، وإنما فرّق النبيّ وَّ بينهما بعد تمام اللعان منهما، فالقول بوقوع الفرقة قبله تحكّمٌ، يخالف مدلول السنّة، وفعل النبيّ وَله. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى(١). وقال في ((الفتح)) : ذهب مالكٌ، والشافعيّ، ومن تبعهما إلى أن الفرقة تقع بنفس اللعان، قال مالك، وغالب أصحابه: بعد فراغ المرأة. وقال الشافعيّ، وأتباعه، وسحنون من المالكيّة: بعد فراغ الزوج، واعتلّ بأن التعان المرأة إنما شُرع لدفع الحدّ عنها، بخلاف الرجل، فإنه يزيد على ذلك في حقّه نفي النسب، ولحاق الولد، وزوال الفراش. وتظهر فائدة الخلاف في التوارث لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل، وفيما إذا علّق طلاق امرأة بفراق أخرى، ثم لا عن الأخرى. وقال الثوريّ، وأبو حنيفة، وأتباعهما: لا تقع الفرقة حتى يوقعها عليهما الحاكم. واحتجّوا بظاهر ما وقع في أحاديث اللعان. وعن أحمد روايتان. وذهب عثمان البتّيّ إلى أنه لا تقع الفرقة حتى يوقعها الزوج. واعتلّ بأن الفرقة لم تذكر في القرآن، ولأن ظاهر الأحاديث أن الزوج هو الذي طلّق ابتداءً. ويقال: إن عثمان تفرّد بذلك. لكن نقل الطبريّ عن أبي الشعثاء جابر بن زيد البصريّ، أحد أصحاب ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، من فقهاء التابعين نحوه. ومقابله قول أبي عبيد: إن الفرقة بين الزوجين تقع بنفس القذف، ولو لم يقع اللعان، وكأنه مفرّعْ على وجوب اللعان على من تحقّق ذلك من المرأة، فإذا أخلّ به عوقب بالفرقة، تغليظًا عليه. انتهى(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه لا يحتاج إلى حكم الحاكم، بل تقع الفرقة بنفس اللعان، وأنه لا بدّ من تمام لعانهما، فلا تقع قبله؛ عملاً بظاهر الأحاديث، وأما تفريق النبيّ وَّه بينهما، فالظاهر أنه أعلمهما بذلك، وأنهما لا يجتمعان بعد ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في فرقة اللعان، هل هي فسخٌ، أم طلاق؟ : (١) ((المغني)) ١١/ ١٤٤-١٤٦. ((اللعان)). (٢) ((فتح)) ٥٦٠/١٠. ((كتاب الطلاق)). ١٢٣ ٣٥- (بَابُ بَدْءِ اللعانِ) - حديث رقم ٣٤٩٣ ذهبت طائفة إلى أن الفرقة فسخ؛ وبه قال الشافعيّ، وأحمد رحمهما الله تعالى؛ لأنها فرقة توجب تحريمًا مؤبّدًا، فكانت فسخًّا، كفرقة الرضاع، ولأن اللعان ليس بصريح في الطلاق، ولا نوى به الطلاق، فلم يكن طلاقًا، كسائر ما ينفسخ به النكاح. وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى: هي طلاقٌ؛ لأنها فرقة من جهة الزوج، تخصّ النكاح، فكانت طلاقًا، كالفرقة بقوله: أنت طالقٌ. ذكره ابن قدامة رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: المذهب الأول هو الأظهر عندي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيمن وجد مع امرأته رجلًا، فتحقق الأمر، فقتله، هل يُقتل به أم لا؟: ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، فإن قتله يُقتصّ منه، إلا أن يأتي بيّنة الزنا، أو على المقتول بالاعتراف، أو يعترف به ورثته، فلا يُقتل القاتل به بشرط أن يكون المقتول محصنًا. وقيل: بل يُقتل به؛ لأنه ليس له أن يُقيم الحدّ بغير إذن الإمام. وقال بعض السلف: بل لا يُقتل أصلًا، ويُعزّر فيما فعله، إذا ظهرت أمارات صدقه. وشرط أحمد، وإسحاق، ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك، ووافقهم ابن القاسم، وابن حبيب من المالكيّة، لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن. أفاده في ((الفتح))(٢). وقال في ((المفهم)): وكونه ولو لم ينكر على السائل قوله: أيقتله؟ تقرير منه على ذلك، ويلزم منه إن قتله لم يكن فيه قصاص، ولا غيره، وقد عضده قول سعد تنظيم : لو رأيته ضربته بالسيف. ولم ينكر عليه، بل صوّبه بقوله: ((تعجبون من غيرة سعد؟)). متّفق عليه. ولهذا قال أحمد، وإسحاق: يُهُدر دمه إذا جاء القاتل بشاهدين. انتهى (٣). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما قاله أحمد، وإسحاق رحمهما الله تعالى عندي أرجح؛ لظاهر حديث سعد، وعويمر رضي اللّه تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . (١) ((المغني)) ١٤٧/١١. ((اللعان)). (٢) ((فتح)) ١٠/ ٥٦٢- ٥٦٣. (٣) ((المفهم)) ٢٩٠/٤-٢٩١. ١٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ٣٦- (بَابُ اللِّعَانِ بِالْحَبَلِ) ٣٤٩٤- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، قَالَ: ((لَا عَنَ رَسُولُ اللَّهِ بَِّ، بَيْنَ الْعَجْلَانِيَّ وَامْرَأَتِهِ، وَكَانَتَّ حُبْلَى)) ). قَال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أحمد بن عليّ)): هو أبو بكر القاضي المروزيّ الثقة الحافظ [١٢] ١/ ٢٠٩٤. من أفراد المصنّف. و(محمد بن أبي بكر)) بن عليّ بن عطاء بن مُقدَّم - بالتشديد بوزن محمد- المقدّميّ، أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقة [١٠]. قال عبد الخالق بن منصور: قلت ليحيى: أكتب عنه أحاديث أبيه؟ قال: اكتب. وقال أيضًا عن يحيى: صدوق. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، محلّه الصدق. قال البخاريّ، وغير واحد: مات سنة (٢٣٤) زاد بعضهم: في أول السنة. وقال ابن قانع: مات في شعبان، وكان ثقة. أخرج له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عنده حديث الباب فقط. و((عمر بن عليّ)) بن عطاء بن مقدّم، أبو حفص البصريّ، واسطيّ الأصل، مولى ثقيف، ثقة، وكان يدلّس تدليسًا شديدًا [٨] . قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكره، فأثنى عليه خيرًا، وقال: كان يدلّس. وفي ((الميزان)) عن أحمد: عمر بن عليّ صالح عفيفٌ مسلم عاقلٌ، كان به من العقل أمر عجيب جدًّا؛ جاء إلى معاذ بن معاذ، فأدّى إليه مائتي ألف. وقال ابن معين: كان يدلّس، وما كان به بأس، حسن الهيئة، وأصله واسطيّ، نزل البصرة، لم أكتب عنه شيئًا. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وکان یدلّس تدليسًا شديدًا، يقول: سمعت، وحدثنا، ثم يسكت، فيقول: هشام بن عروة، والأعمش. وقال عفّان بن مسلم: كان رجلًا صالحًا، ولم يكونوا يَنقمون عليه غير التدليس، وأما غير ذلك فلا، ولم أكن أقبل منه حتى يقول: حدّثنا. وقال أبو حاتم: محلّه الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا له إذا جاءنا بزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة. وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به. وقال الساجيّ: صدوق ثقة، كان يدلّس. ونقل ابن خلفون توثيقه عن العجليّ. وقال أبو زيد عمر بن شبّة: كان مدلّسًا، وكان مع تدليسه أنبل الناس. قال ابنه عاصم: مات سنة (١٩٠) في جمادى الأولى. وفيها أرّخه البخاريّ. وقال أبو موسى: مات سنة = ٣٧- (بَأَبُ اللَّعَانِ فِي قَفِ الرَّجُل ... - حديث رقم ٣٤٩٥ ١٢٥ (٩٢). وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وحكى القولين في وفاته. أخرج له الجماعة. وله عند المصنّف خمسة أحاديث: حديث الباب، وحديث ٥٠١٠ ((كتاب قطع السارق» - ((باب تعليق يد السارق في عنقه)) و٥٠٦١ ((كتاب الإيمان)) - ((الدين يسر)) و٥٢٦٤ ((كتاب الزينة)) - ((تسكين الشعر)) و٥٤٠٩ ((كتاب القضاء)) - ((باب ترك استعمال من يحرص على القضاء)). و((إبراهيم بن عقبة)): هو الأسديّ مولاهم المدنيّ، أخو موسى، ثقة [٦] ٦٠٩/٥٠. و((أبو الزناد)»: هو عبد الله بن ذكوان المدنيّ الثقة الحافظ. والحديث متّفق عليه، وسيأتي شرحه بعد بابين، إن شاء الله تعالى، واستدلّ به المصنف رحمه اللّه تعالى هنا لمشروعيّة اللعان بسبب الحبل من الزنا، وهو واضحٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٣٧- (بَابُ اللَّعَانِ فِي قَذْفِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف رحمه اللّه تعالى أشار بهذه الترجمة إلى أنه إذا قذف الرجل امرأته برجل معيّن، إنما يجب عليه اللعان فقط، دون حدّ القذف لذلك الرجل؛ لأنه وَلير لم يحدّ هلالًا بشريك بن سحماء، وهذا قول الشافعيّ رحمه الله تعالی. قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: وظاهر هذا الحديث أن هلالًا صرّح بذكر شريك أنه قذفه، ومع ذلك، فلم يحدّه النبيّ وَّ له، وبهذا قال الشافعيّ: إنه لا حدّ على الرامي لزوجته إذا سمَّى الذي رماها به، ثم التعن، ورأى أنه التعن لهما. وقال مالك: إنه يُحدّ، ولا يُكتفى بالتعانه؛ لأنه إنما التعن للمرأة، ولم تكن له ضرورة إلى ذكره، بخلاف المرأة، فهو إذًا قاذفٌ، فيُحدّ. واعتذر بعض أصحابنا - يعني المالكية- عن حديث شريك بأن يقال: إنه كان يهوديًّا، وأيضًا فلم يطلب شريك بشيء من ذلك، وهو حقّه، فلا متعلّق في الحديث. قال القاضي عياض: لا يصحّ قول من ١٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ قال: إن شريكًا كان يهوديًّا، وهو باطلٌ، وهو شريك بن عبدة بن مغيث، وهو بلويّ، حليف الأنصار، وهو أخو البراء بن مالك لأمه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشافعيّ رحمه الله تعالى هو الأرجح عندي؛ لظاهر الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٩٥ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْأَعْلَىِ، قَالَ: سُئِلَ هِشَامٌ عَنِ الرَّجُلِ، يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ؟، فَحَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ ذَلِكَ؟ وَأَنَا أَرَى أَنَّ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا، فَقَالَ: إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ، قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ، وَكَانَ أَخُو الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكِ لِأُمِّهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَاعَنَ، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّى بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: ((ابْصُرُوهُ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ، سَبِطًا، قَضِيءَ الْعَيْتَيْنِ، فَهُوَ لِهِلَالِ ابْنِ أُمَّةَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ، جَعْدًا، أَحْمَشَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ السَّخْمَاءِ))، قَالَ: فَأَنْبِثْتُ أَنَّا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ، جَعْدًا، أَخْمَشَ السَّاقَيْنِ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إسحاق بن إبراهيم)) : هو ابن راهويه. و((عبد الأعلى)): هو ابن عبد الأعلى الساميّ البصريّ الثقة المتقن [٨]. و((هشام)): هو ابن حسّان القردوسيّ البصريّ. و((محمد)» : هو ابن سيرين. وقوله: ((أن عنده من ذلك علمًا)) الظرف خبر ((أنّ)) مقدّمًا، و((علمًا)) اسمها مؤخّرًا، هكذا النسخة المصريّة، ونسخة ((الكبرى)) أيضًا. ووقع في النسخة الهندية، وشرح السنديّ بلفظ: ((أن عنده من ذلك علم))، ولذا قال السنديّ في ((شرحه)): هو بالنصب اسم ((أنّ))، وإن كتب بصورة المرفوع. ويحتمل أن يكون مرفوعًا بتقدير ضمير الشأن، أي أن الشأن عنده من ذلك علم. انتهى(٢). وقوله: ((وكان أخو البراء)) قال السنديّ: هكذا نسخ ((المجتبى))، و((الكبرى)) برفع ((أخو((، والصواب ((وكان أخا البراء)) بالنصب؛ لأنه يُنصب بالألف؛ لأنه من الأسماء الستّة التي ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجرّ بالياء، كما قال ابن مالك في «الخلاصة» : وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ مِنْ ذَاكَ (ذُو)) إِنْ صُحِبَةً أَبَانًا و(الْفَمُ)) حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ ((أَبّ)) ((أَخْ)) ((حَمْ)) كَذَاكَ وَاهَنُ)) (١) ((المفهم)) ٣٠٠/٤-٣٠١. (٢) ((شرح السنديّ)) ١٧١/٦. = ١٢٧ ٣٧- (بَأَبُ اللَّعَانِ فِي قَدْفِ الرَّجُل ... - حديث رقم ٣٤٩٥ وَفِي أَبِ وَتَالِيَيْهِ يَثْدُرُ وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ و((البراء» هذا هو ابن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر ابن غَنم بن عديّ بن النجار الأنصاريّ النجاريّ، أخو أنس بن مالك لأبيه. قاله أبو حاتم. وقال ابن سعد: أخوه لأبيه وأمه، أمهما أم سليم. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه أخو شريك بن سحماء لأمه، أمهما سحماء، وأما أم أنس، فهي أم سليم، بلا خلاف. وكان البراء وَّه حادي النبيّ وَّل، يرجز له في بعض أسفاره، وشهد معه المشاهد إلا بدرًا. روى البغويّ بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، عن أنس رَز قال: دخلت على البراء بن مالك تَظفيه ، وهو يتغنى، فقلت له: قد أبدلك الله ما هو خير منه، فقال: أترهب أن أموت على فراشي، لا والله، ما كان اللَّه ليَخرِمني ذلك، وقد قتلت مائةً منفردًا، سوى من شاركت فيه. وأخرج بقيّ بن مخلد في ((مسنده)) عن أبي إسحاق، قال: زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجئوهم إلى حديقة فيها عدوّ اللَّه مسيلمة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين، ألقوني إليهم، فاحتُمِل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم، فقاتلهم على الحديقة، حتى فتحها على المسلمين، ودخل عليهم المسلمون، فقتل اللَّه مسيلمة. وأخرج بسنده عن أنس رَبّه، قال: رَمَى البراء بنفسه عليهم، فقاتلهم حتى فتح الباب، وبه بضع وثمانون جراحةً من بين رمية بسهم، وضربة، فحُمل إلى رحله يُداوَى، وقام عليه خالد شهرًا. وأخرج الترمذيّ من طريق ثابت، وعليّ بن زيد، عن أنس ◌َّه: أن النبيّ وَهـ قال: ((ربّ أشعث أغبر لا يُؤْبه له، لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك))، فلما كان يوم تُستر من بلاد فارس، انكشف الناس، فقال المسلمون: يا براء أقسم على ربّك، فقال: أُقسم عليك ياربّ لَمّا منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيّك، فحمل، وحمل الناس معه، فقتل مرزبان الزارة من عظماء الفرس، وأخذ سلبه، فانهزم الفرس، وقُتل البراء. استُشهد يوم حصن تستر في خلافة عمر رَالثّه سنة عشرين. وقيل: قبلها. وقيل: سنة ثلاث وعشرين. وذكر سيف أن الهرمزان هو الذي قتله. انتهى ملخّصًا من ((الإصابة))(١). وقوله: ((أبصروه)) الضمير لولدها. ثم الظاهر أنه من الإبصار، فهمزته همزة قطع، ويحتمل أن يكون من البصر -بفتحتين- من بابي كَرُم، وعلم، لكن هذا قليل، إذ (١) راجع ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٣٥/١-٢٣٧. ١٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ الفصيح أن يتعدى بالباء، قال الفيّوميّ: يقال: أبصرته برؤية العين إبصارًا، وبَصُرتُ بالشيء -بالضمّ، والكسرُ لغةٌ، بَصَرًا -بفتحتين -: علمت به، فأنا بصير به، يتعدّى بالباء في اللغة الفصحى، وقد يتعدّى بنفسه انتهى(١). وقال السمين الحلبيّ في قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾: يقال: بصر بالشيء: أي علمه، وأبصره: أي نظر إليه. كذا قال الزجّاج، وقال غيره: بصر بالشيء، وأبصره: بمعنى علمه، والعامّة بضم الصاد في الماضي، ومضارعه، وقرأ الأعمش، وأبو السمّال (بصِرت)) بالكسر، يبصروا بالفتح، وهي لغة. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحاصل أن الفصيح في قوله: ((أبصروا)) قطع الهمزة، أو تعديته بالباء، والمعنى اعلموا ولدها، أو انظروا إلى ولدها الذي ستلده من هذا الحمل الذي لاعنت به على أي صفة تلده، حتى تستدلّوا على كذب أحدهما. والله تعالى أعلم. وتمام شرح الحديث يأتي في الباب التالي، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٣٨- (كَيْفَ اللِّعَانُ) ٣٤٩٦- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَّامِ، أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ، قَذَّفَ شَرِيكَ بْنَ السَّحْمَاءِ بِامْرَأَتِهِ، فَتَى النَّبِيِّ ◌َِّ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهِ: ((أَرْبَعَةَ شُهَدَاءَ، وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ))، يُرَدْدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا، فَقَالَ لَهُ هِلَالٌ: وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لَيَعْلَّمُ أَنِّي صَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ، مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْجَلْدِ، فَيْتَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ اَللَّعَانِ: ﴿وَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَدَعَا هِلَالًا، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ، إِنّهُ لَمِنَ (١) ((المصباح المنير)). (٢) ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) ٤٩/٥ ((تفسير سورة طه)). ١٢٩ ٣٨- (كَيفَ اللّعَانٌ) - حديث رقم ٣٤٩٦ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ دُعِيَتِ الْمَرْأَةُ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ، إِنْهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي الرَّابِعَةِ، أَوِ الْخَامِسَةِ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((وَقْفُوهَا، فَإِنَّا مُوجِبَةٌ، فَتَلَكَّأَتْ، حَتَّى مَا شَكْكْنَا، أَنَّا سَتَعْتَرِفُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِيٍ سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ عَلَى الْيَمِينِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((انْظُرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ، سَبِطًا، قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ، فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ آدَمَ، جَعْدًا، رَبْعًا، حَمْشَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ»، فَجَاءَتْ بِهِ آدَمَ، جَعْدًا، رَبْعًا، حَمْشَ السَّاقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَوْلًا مَا سَبَقَ فِيهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، لَكَانَ لِيَ وَلَهَا شَأْنٌ)). قَالَ الشَّيْخُ: وَالْقَضِئُ طَوِيلُ شَعْرِ الْعَيَْيْنِ، لَيْسَ بِمَفْتُوحِ الْعَيْنِ، وَلَا جَاحِظِهِمَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عمران بن يزيد) هو عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم - نُسب لجدّه- القرشيّ الدمشقيّ، صدوق [١٠] ٤٢٢/١٨ من أفراد المصنّف. ٢- (مخلد بن الحسين الأزديّ) أبو محمد البصريّ، نزيل المصّيصة، ثقة فاضل، من كبار [٩] ٢٣٨٠/٧٢. من أفراد المصنّف، ومسلم في ((المقدّمة)). ٣- (هشام بن حسّان) القردوسيّ البصريّ، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] ٣٠٠/١٨٨ . ٤- (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ٤٦ / ٥٧ . ٥- (أنس بن مالك) بن النضر الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه كما مرَّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فدمشقيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن مخلد بن الحسين أنه (قال: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رضي الله تعالى عنه. هكذا أخرج المصنّف رحمه اللَّه تعالى هذا ١٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ الحديث من رواية هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس وتزمثله ، وأخرجه البخاريّ من رواية هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما. قال في ((الفتح)): فمنهم من أعلّ حديث ابن عبّاس بهذا - يعني حديث أنس- ومنهم من حمله على أن لهشام فيه شيخين، وهذا هو المعتمد، فإن البخاريّ أخرج طريق عكرمة، ومسلمًا أخرج طريق ابن سيرين، ويرجّح هذا الحمل اختلاف السياقين، كما سنبينه، إن شاء الله تعالی انتهى(١). (قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَام) قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: هذا يقتضي أن آية اللعان نزلت بسبب هلالَ بن أميّة، وكذلك ذكره البخاريّ، وهو مخالفٌ لما تقدّم أنها نزلت بسبب عويمر العجلانيّ. وهذا يحتمل أن تكون القضيّتان متقاربي الزمان، فنزلت بسببهما معًا. ويحتمل أن تكون الآية أنزلت على النبيّ وَلّل مرّتين، أي كرّر نزولها عليه، كما قال بعض العلماء في ((سورة الفاتحة)): إنها نزلت بمكّة، وتكرر نزولها بالمدينة، وهذه الاحتمالات -وإن بعُدت- فهي أولى من أن يُطرَّق الوهم للرواة الأئمة الحفّاظ. انتهى(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه القرطبيّ رحمه الله تعالى أن الجمع بأنها نزلت بسببهما هو الأرجح، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، في ((باب بدء اللعان))، فراجعه تستفد. والله تعالى وليّ التوفيق. (أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عامر بن كعب بن واقف الأنصاريّ الواقفيّ، شهد بدرًا، وما بعدها، وهو أحد الثلاثة الذين تِيب عليهم، وقد تقدّم ذلك في -٣٤٤٩/١٨ باب ((الحقي بأهلك)) (قَذَفَ) أي رمى، يقال: قذف المحصنة قَذْفًا، من باب رمى: رماها بالفاحشة. أفاده الفيّوميّ (شَرِيكَ بْنَ السَّخمَاءِ) بالنصب مفعول ((قذف)). وهو شريك -بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء- ابن السحماء - بفتح السين، وسكون الحاء المهملتين- وهي أمه، واسم أبيه عبدة بن معتّب ابن الجدّ بن العجلان البلويّ، حليف الأنصار. وتقدّم في الباب الماضي أنه أخو البراء بن مالك لأمه. قال في ((الإصابة)»: فقال أبو نعيم: إن بعضهم زعم أن شريكًا صفة لهذا الرجل، لا اسم له، وإنما كان بينه وبين ابن سحماء شَرِكَةٌ، فقيل له: شريك بن سحماء، فعلى هذا يتعيّن كتابة ألف بين ((شريك)»، و((ابن سحماء))، ولكنّه قول شاذ. وقد يتقوّى بأن البراء بن مالك، كان أخا أنس بن (١) ((فتح)) ٣٨٢/٩. ((كتاب التفسير)). (٢) ((المفهم) ٣٠٠/٤. ٣٨- (كَيْفَ اللعَانُ) - حديث رقم ٣٤٩٦ ١٣١= مالك شقيقه، فعلى هذا فأَمهم جميعًا أم سُليم، ولم ينقل أن أم سُليم، تزوّجت عبدة بن مُعتّب قط. لكن يُجاب عن هذا بأنه كان أخا البراء لأمه من الرضاعة. وقد ذكر ابن الكلبيّ وغيره أن أمّ إبراهيم بن عبد الله بن عربيّ الذي كان والي اليمامة لعبد الملك بن مروان فاطمة بنت شريك بن سحماء. وذكروا أيضًا لفاطمة بنت شريك خبرًا يوم الدار، وأنها حملت مروان بن الحكم لما ضُرب يوم الدار، فسقط، فأدخلته بيتًا حتى سلم من القتل. ويقال: إن شريك بن السحماء بعثه أبو بكر الصدّيق رَفيه رسولًا إلى خالد بن الوليد رَّه وهو باليمامة. ويقال: إنه شهد مع أبيه أحدًا. روى ذلك ابن سعد، عن الواقديّ بسنده، قال: فبعث أبو بكر إلى خالد أن يسير من اليمامة إلى العراق، وبعث عبده مع شريك بن عبدة العجلانيّ، وكان شريك أحد الأمراء بالشام في خلافة أبي بكر، وبعثه عمر رسولًا إلى عمرو بن العاص حين أذن له أن يتوجّه إلى فتح مصر. ذكره ابن عساكر، ولم ينبّه على أنه ابن سحماء، فكأنه عنده آخر انتهى ما في ((الإصابة)) باختصار(١). (بِامْرَأَتِهِ) متعلّق بـ ((قذف))، أي رماه بأنه زنى بامرأته (فَأَتَى النَّبِيِّنَّهِ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيِّ نَّهِ: ((أَرْبَعَةَ شُهَدَاءَ، وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) ((إلا)) هي ((إن)) الشرطيّة أدغمت في ((لا)) النافية، ولذا جاءت الفاء في جوابها، أي وإن لم تأت بأربعة شهداء، يشهدون على أنه زنى بامرأتك، فعليك حدّ القذف، يُضرب به ظهرك (يُرَدِّدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا) أي يردّ النبيّ ◌َّير هذا الكلام على هلال كلما راجعه في هذه القضيّة. وفي رواية البخاريّ من حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما: ((البيّنةَ، وإلا حدّ في ظهرك، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا، ينطلق، يلتمس البيّنة؟، فجعل النبيّ وَلـ يقول: ((البيّنةَ، وإلا حدّ في ظهرك)). قال ابن مالك: ضبطوا ((البيّنةَ)) بالنصب على تقدير عامل، أي أحضر البيّنة. وقال غيره: روي بالرفع، والتقدير إما البيّنة، وإما حدّ. وقوله: ((أو حدّ في ظهرك)) قال ابن مالك: حُذف منه فاء الجواب، وفعل الشرط بعد ((إلا))، والتقدير: وإلا ◌ُحضرها، فجزاؤك حذّ في ظهرك، قال: وحذف مثل هذا لم يذكر النحاة أنه يجوز إلا في الشعر، لكن يرد عليهم وروده في هذا الحديث الصحيح انتهى (٢). (فَقَالَ لَهُ هِلَالٌ: وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لَيَعْلَمُ أَنِّي صَادِقٌ) وفي (١) راجع ((الإصابة)) ٧٤/٥-٧٥. (٢) (فتح)) ٩/ ٣٨٢ (كتاب التفسير)). ١٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ حديث ابن عباس المذكورة: ((فقال هلال: والذي بعثك بالحقّ إني لصادق، فليُنزلنّ الله ما يُبرىء ظهري من الحدّ (وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ، مَا يُبَرِّئُ) بتشديد الراء، من التبرئة (ظَهْرِي مِنَ الْجَلْدِ) -بفتح الجيم، وسكون اللام -: هو الضرب بالسوط، يقال: جلدتُ الجاني جَلْدًا من باب ضرب: ضربتُهُ بالْمِجْلَد - بكسر الميم- وهو السوط. الواحدة جَلْدَة، مثل ضرب، وضَرْبَة. قاله الفيّومي (فَبَيْئَمَا هُمْ كَذَلِكَ) أي بينما النبيّ وَّلـ يتراجع الكلام مع هلال، وأصحابه جالسون معه يستمعون (إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ اللْعَانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَدَعَا هِلَالًا) إنما بدىء بالرجل؛ لأنه القاذف، فيدرأ الحدّ عن نفسه، ولأنه هو الذي بدأ اللَّه تعالى به، فإذا فرغ من أيمانه تعيّن عليها أن تقابل أيمانه بأيمانها النافية لما أثبته عليها، أو الحدّ، وهذا مما أجمع عليه العلماء. قاله القرطبيّ(١). (فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ) قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي حلف أربع أيمان، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتِ بِلّهِ﴾ [النور: ٦] أي يحلف أربع أيمان، والعرب تقول: أشهد بالله: أي أحلف، وكما قال شاعرهم [من الطويل]: فَأَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أُحِبُّهَا فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا؟ وهذا مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: هي شهادات محقّقة من المتلاعنين على أنفسهما. وانبنى على هذا الخلافُ في لعان الفاسقين، والعبدین، فعند الجمهور یصح، وعنده أبي حنيفة لا يصحّ. وربّما استُدلّ لأبي حنيفة بما رواه أبو عمرو من حديث عمرو بن شعيب، مرفوعًا: ((لا لعان بين مملوكين، ولا كافرين))، وبما رواه الدارقطنيّ من هذا المعنى، ولا يصحّ منها كلّها شيء عند المحدّثين انتهى كلام القرطبيّ(٢). (إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةَ) بالنصب عطفًا على ((أربعَ))، أي وشهد الخامسة (أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) وجملة ((أن الخ)» بدل من (الخامسة)»، أو عطف بيان (ثُمَّ دُعِيَتِ الْمَرْأَةُ) بناء الفعل للمفعول (فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ، إِنهُ لَمِنَ الْكَاذِينَ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي الرَّابِعَةِ) (أن)) بعد ((لما)) التوقيتيّة زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَنْ جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىءَ بِهِمْ﴾ الآية(٣) (أَوِ الْخَامِسَةِ) وفي حديث ابن عبّاس: ((فلما كانت عند الخامسة)) بدون شكّ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((وَقْفُوهَا) من التوقيف، أي (١) ((المفهم)) ٢٩٦/٤. (٢) ((المفهم)) ٢٩٦/٤-٢٩٧. (٣) راجع مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٣٣/١. ١٣٣ ٣٨- (کیفَ اللعان) - حدیث رقم ٣٤٩٦ أعلموها حكم الخامسة، وهو أن اللعان إنما يتمّ بها، ويترتّب عليها آثاره، كما أشار إليه بقوله (فَإِنَّا مُوجِبَةٌ) لحكم اللعان، من الفرقة، وغيرها؛ وموجبة للعنة الله المؤذية إلى العذاب، في حقّ الكاذب (فَتَلَّكَّأَتْ) أي توقّفت، يقال: تلكّأ في الأمر تلكْئًا: إذا تباطأ عنه، وتوقّف فيه. يعني أنها توقّفت عن تكميل الخامسة (حَتَّى مَا شَكَكْنَا)، ((ما)) نافية، ويحتمل أن تكون زائدة، والأول أشبه (أَنَّهَا سَتَعْتَرِفُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ) - يفتح الضاد المعجمة، من باب نفع: أي لا ألحق العيب فيهم. قال الفيوميّ: الفضيحة: العيب، والجمع فضائح، وفضحته فَضْحًا، من باب نفع: كشفته. وفي الدعاء: ((لا تَفْضَحنا بين خلقك))، أي استر عيوبنا، ولا تكشفها، ويجوز أن يكون المعنى: اعصمنا، حتى لا نعصى، فنستحقّ الكشف انتهى (قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْم) قيل: أرادت باليوم الجنس، أي جميع الأيام، أو بقيّتها، والمراد مدّة عمرهم (فَمَضَتَ عَلَى الْيَمِينِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((انْظُرُوهَا) أي انتظروها (فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ، سَبِطًا) أي مسترسل الشعر، منبسطه، يقال: سَبِط الشعر سَبَطًا، من باب تعب، فهو سَبِطٌ - بكسر الباء، وربّما قيل: سَبَطْ بالفتح وصفٌ بالمصدر: إذا كان مسترسلًا، وسَبُطَ سَبُوطةً، فهو سَبْطٌ، مثلُ سَهُلِ سُهُولةً، فهو سَهْلٌ، لغةٌ فيه. قاله الفيّميّ (قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ) - بفتح القاف، وكسر الضاد المعجمة- على وزن فَعِيل أي فاسد العينين بكثر دمع، أو حمرة، أو غير ذلك. قال ابن منظور في ((اللسان)): قَضِئَتْ عينُهُ تَقْضَأُ قَضَأْ، فهي قَضِئَةٌ: احمرّت، واسترخت مآقيها، وقَرِحَت، وفَسَدَت. والقُضْأَةُ الاسم. وفيها قَضْأَةٌ: أي فسادٌ. انتهى (فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ) أي لأن هذه صفته الْخِلْقَيّة (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ آدَمَ) بالمدّ من الأدمة، وهي شدّة السمرة، يقال: رجلٌ آدم، وامرأة أَدماءُ، كأحمر، وحمراء، ويُجمع آدم على أَدْم، كَحُمْرٍ. قاله في ((المفهم)). وفي ((القاموس)): أدم، كعلم، وكرُم، فهو آدم، جمعه أُدْمٌ، وأُذْمَانٌ - بضمّهما-، وهي أَدْمَاءُ، وشذّ أَدَمَانَةٌ، جمعها أُدْمٌ - بالضمّ - انتهى (جَعْدًا) -بفتح الجيم، وسكون العين المهملة - المراد هنا هو المتكسّر الشعر، ضدّ السبوطة المتقدّمة. قال الفيّوميّ: جَعد الشعر -بضمّ العين، وكسرها- جُعُودةٌ إذا كان فيه التواء، وتقبّضٌ، فهو جعد، وذلك خلاف المسترسل انتهى. وفي رواية أخرى: ((إن جاءت به جعدًا قَطِطًا)): أي شديد الجعودة. وقال الهرويّ رحمه الله تعالى: الجعد في صفات الرجال يكون مدحًا، ويكون ذمًّا، فإذا كان مدحًا، فله معنيان: أحدهما: أن يكون معصوب الخلق، شديد الأسر. والثاني: أن يكون شعره غير سبط؛ لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم. وأما ١٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ المذموم، فله معنيان: أحدهما: القصير المتردّد. والآخر: البخيل، يقال: جعد الأصابع، وجعد اليدين: أي بخيل انتهى(١). (رَبْعًا) - بفتح الراء، وسكون الموحّدة، وتُفتح- ويقال أيضًا: رَبعة: أي متوسّطًا، غير طويل، ولا قصير. قال الفيّوميّ: رجلٌ رَبْعةٌ، وامرأةٌ رَبْعَةٌ: أي معتدل، وحذف الهاء في المذكّر لغةٌ، وفتح الباء فيهما لغةٌ، ورجلٌ مربوعٌ مثله. انتهى (حَمْشَ السَّاقَيْنِ) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الميم، وشين معجمة، وزان فَلْس، يقال: رجلٌ حَمْشُ الساقين، وأحمش الساقين: أي دقيقهما. وحَمِشَ عَظْمُ ساقه، من باب تَعِب حَمْشةً: رقّ (فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ السَّخْمَاءِ)) قال القرطبيّ: هذا يدلّ على أن هذا كان منه وَ لّ تفرّسًا وحَذْسًا، لا وحيًا، ولو كان وحيًا لكان معلومًا عنده. وفيه ما يدلّ على إلغاء حكم الشبه في الحرائر، كما هو مذهب مالك. قال: وفيه: أن ذكر الأوصاف المذمومة للضرورة، والتحلية بها للتعريف ليس بغيبة. انتهى (٢). (فَجَاءَتْ بِهِ آدَمَ، جَعْدًا، رَبْعًا، حَمْشَ السَّاقَيْنِ) أي على صفة شريك بن السحماء الذي ادعى هلال أنه وجده مع امرأته (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَوْلَا مَا سَبَقَ فِيهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ) وفي رواية: ((لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن)). أي لولا ما سبق من حكم الله تعالى أن اللعان يدفع الحدّ عن المرأة لأقمت عليها الحدّ من أجل الشبه الظاهر بالذي رُميت به. ويستفاد منه أنه وَلآل كان يحكم بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه وحي خاصّ، فإذا أنزل الوحي بالحكم في تلك المسألة قطع النظر، وعمل بما نزل، وأجرى الأمر على الظاهر، ولو قامت قرينة تقتضي خلاف الظاهر. قاله في ((الفتح))(٣). وقال القرطبيّ: يفهم من ذلك أن الحكم إذا وقع على شروطه لا يُنقض، وإن تبيّن خلافه. هذا إن لم يقع خلل، أو تفريط في شيء من أسبابه، فأما لو فرّط الحاكم، فغلط، وتبيّن تفريطه، وغلطه بوجه واضح، نُقض حكمه. وهذا مذهب الجمهور انتهى (٤). (قَالَ الشَّيْخُ) أبو عبد الرحمن النسائيّ رحمه اللَّه تعالى، مفسّرًا قوله: ((قضيء العينين (وَالْقَضِئُ طَوِيلُ شَعْرِ الْعَيْنَيْنِ) وفي نسخة: ((والقضيء العينين))، وفي أخرى: (والقضيء العين)) (لَيْسَ بِمَفْتُوحِ الْعَيْنِ، وَلَا جَاحِظِهَا) وفي نسخة: ((ولا جاحظهما)). قال (١) راجع ((شرح مسلم للنوويّ)). ٣٦٧/١٠-٣٦٨. (٢) ((المفهم)) ٣٠٣/٤. (٣) ((فتح)) ١٠/ ٥٧٩. (٤) ((المفهم)) ٤/ ٣٠٣. ١٣٥ = ٣٨- (کَیفَ اللعان) - حديث رقم ٣٤٩٦ في ((القاموس)): جَحَظَّت عينُهُ، كمنع: خرجت مقلتها، أو عظُمت انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التفسير الذي فسّر به المصنّف رحمه الله تعالى ((لقضيء)) لم أجده في كتب اللغة التي بين يديّ، والمذكور فيها تفسيره بالفاسد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٤٩٦/٣٨ و٣٤٩٥/٣٧ - وفي «الكبرى» ٥٦٦٢/٣٧ و٥٦٦٣/٣٨ . وأخرجه (م) في ((اللعان)) ١٤٩٦ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٢٠٤٢. والله تعالى أعلم. أما فوائد الحديث، وبيان المسائل المتعلّقة به، فقد تقدّمت في شرح حديث سهل بن سعد تَّه قبل بابين، وإنما أتكلّم هنا فيما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، فأقول: (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في كيفيّة اللعان، وألفاظه: قال العلامة ابن قُدامة رحمه اللّه تعالى: أما ألفاظه فهي خمسة في حقّ كلّ واحد منهما. وصفته أن الإمام يبدأ بالزوج، فيقيمه، ويقول له: قل أربع مرّات: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، ويُشير إليها، إن كانت حاضرة، ولا يحتاج مع الحضور، والإشارة إلى نسبة وتسمية، كما لا يحتاج إلى ذلك في سائر العقود. وإن كانت غائبةً أسماها، ونسبها، فقال: امرأتي فلانة بنت فلان، ويرفع في نسبها حتى تنتفي المشاركة بينها وبين غيرها. فإذا شهد أربع مرّات، وقفه الحاكم، وقال له: اتّق الله، فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكلّ شيء من لعنة الله. ويأمر رجلًا، فيضع يده على فيه، حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة، ثم يأمر الرجل، فيرسل يده عن فيه، فإن رآه يمضي في ذلك، قال له: قل: وأن لعنة اللّه عليّ، إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنى. ثم يأمر المرأة بالقيام، ويقول لها: قولي: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، وتشير إليه، وإن كان غائبًا أسمته، ونسبته، فإذا كرّرت ذلك أربع مرّات، وقفها، ووعظها كما ذكرنا في حقّ الزوج، ويأمر امرأة، فتضع يدها على فيها، فإن رآها تمضي على ذلك، قال لها: قولي: وأن غضب الله عليّ، إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنى. = ١٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ قال: وعدد هذه الألفاظ الخمسة شرط في اللعان، فإن أخلّ بواحدة منها لم يصحّ. انتھی كلام ابن قدامة باختصار. وسئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى كيف يلاعن؟ فقال: على ما كتاب الله تعالى، ثم ذكر نحو ما تقدّم(١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: واختلفوا في الألفاظ التي يقولها المتلاعنان، وأولى ذلك كلّه ما دلّ عليه كتاب الله تعالى، ثم ذكر نحو ما تقدّم. (٢) انتھی(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن ما دلّ عليه نصّ كتاب اللَّه تعالى من ألفاظ اللعان، هو المتّبع، ولا حاجة إلى الاختلاف في الزيادة والنقص، إلا إذا ثبت في الأحاديث ما يدلّ على الزيادة، مثل التوقيف ووضع اليد في الخامسة، وقوله: إنها موجبة، ونحو ذلك، فيعمل بالزيادة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٣٩- (بَابُ قَوْلِ الإِمَامِ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ) أي هذا باب في بيان الحديث الدّالّ على مشروعيّة قول الإمام في اللعان: «اللَّهم بين))، أي أظهر حكم هذه المسألة الواقعة. وقال ابن العربيّ رحمه اللّه تعالى: ليس معنى هذا الدعاء طلب ثبوت صدق أحدهما فقط، بل معناه أن تلد ليظهر الشبه، ولا يمتنع دلالتها بموت الولد مثلًا، فلا يظهر البيان. والحكمة فيه ردع من شاهد ذلك عن التلبّس بمثل ما وقع لما يترتب على ذلك من القبح، ولو اندرأ الحدّ انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٩٧- (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ (١) ((المغني)) ١٧٦/١١-١٧٧. (٢) ((المفهم)» ٢٩٧/٤. (٣) راجع ((عمدة القاري)) ٨٩/١٧. و((الفتح)) ٥٧٨/١٠. ١٣٧ = ٣٩- (بَأَبُ قَوْلِ الإِمَامِ: اللَّهُمَّ بَيَنْ) - حديث رقم ٣٤٩٧ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنَّ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَّوْلًا، ثُمَّ أَنْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، يَشْكُو إِلَيْهِ، أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأْتِهِ رَجُلًا، قَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا، إِلَّا بِقَوْلِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللّهِ بِهِ، فَأْخْبَرَهُ، بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا، قَلِيلَ اللَّخم، سَبِطَ الشَّغْرِ، وَكَانَ الَّذِيِ ادْعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ آدَمَ، خَذْلًا، كَثِيرَ اللَّحْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهُ: ((اللَّهُمَّ بَيِّنْ))، فَوَضَعَتْ شَبِيهَا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا، أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بَيْتَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِبْنِ عَبَّاسِ فِي الْمَجْلِسِ: أَهِيّ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((لَوْ رَجُمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيْنَةٍ، رَْتُ هَذِهِ؟))، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا، تِلْكَّ امْرَأَةٌ، كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ الشَّرَّ). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (عيسى بن حمّاد) بن مسلم التجيبيّ، أبو موسى المصريّ الملقّب زُغْبَة، وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة [١٠] ٢١١/١٣٥. [تنبيه]: وقع في النسخة المصريّة من ((المجتبى)) ((عيسى بن حميد))، وهو غلطٌ، فتنبه. والله تعالى أعلم. ٢- (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥ . ٣- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٣/٢٢. ٤- (عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه [٦] ١٦٦/١٢٠. ٥- (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار [٣] ١٦٦/١٢٠. ٦- (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي اللَّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، والليث، فمصريان. (ومنها): أن رواية يحيى، عن عبد الرحمن من رواية الأكابر، عن الأصاغر؛ لأن يحيى من الطبقة الخامسة، وعبد الرحمن من السادسة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه القاسم ابن محمد أحد الفقهاء السبعة، وفيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة ١٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وكلهم تقدّموا غير مرّة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ الثَّلَاعُنُ) ببناء الفعل للمفعول، و((التلاعن)) بالرفع على أنه نائب الفاعل. وفي رواية عند البخاريّ: ((ذُكر المتلاعنان». والمراد ذکر حکم الرجل يرمي امرأته بالزنا، فعبّر عنه بالتلاعن باعتبار ما آل إليه الأمر بعد نزول الآية (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا) قال الكرمانيّ: معنى قوله: ((قولًا))، أي كلامًا لا يليق به، كعجب النفس، والنخوة، والمبالغة في الغيرة، وعدم المرة إلى الله، وقدرته. وتعقّبه الحافظ، فقال: وكلّ ذلك بمعزل عن الواقع، وإنما المراد بقول عاصم ما تقدّم في حديث سهل بن سعد أنه سأل عن الحكم الذي أمره عويمرٌ أن يسأل له عنه، وإنما جزمت بذلك؛ لأنه تبيّن لي أن حديثي سهل بن سعد، وابن عبّاس من رواية القاسم بن محمد، عنه في قصّة واحدة، بخلاف رواية عكرمة، عن ابن عبّاس، فإنها قصّة أخرى، كما تقدّم في تفسير سورة النور، عن ابن عبد البرّ أن القاسم روى قصة اللعان عن ابن عبّاس، كما رواه سهل بن سعد، وغيره، في أن الملاعن عويمر، وبيّنت هناك توجيهه، وعلى هذا فالقول المبهم عن عاصم في رواية القاسم هذه هو قوله: ((أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله، فتقتلونه؟)) الحديث. ولا مانع أن يروي ابن عباس القصّتين معًا. ويؤيّد التعدّد اختلاف السياقين، وخلوّ أحدهما عما وقع في الآخر، وما وقع بين القصّتين من المغايرة، كما (١) . أبینه انتھی (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي رجع عاصم من مجلس رسول اللَّه وَّهِ إلى منزله (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) هو عويمر كما تقدّم، ولا يمكن تفسيره بهلال بن أَميّة؛ لأنه لا قرابة بينه وبين عاصم؛ لأنه هلال بن أمية بن عامر بن عبدقيس من بني واقف، وهو مالك بن امرىء القيس بن مالك بن الأوس، فلا يجتمع مع بني عمرو بن عوف الذي ينتمي عاصم إلى حلفهم، إلا في مالك بن الأوس؛ لأن عمرو بن عوف هو ابن مالك. قاله في ((الفتح)) (يَشْكُو إِلَيْهِ، أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، قَالَ عَاصِمْ: مَا ابْتُلِيتُ بَهَذَا) ببناء الفعل للمجهول. أي ما ابتُليت بوقوع هذه الفاحشة في قومي إلا بسؤالي عما لم يقع، وإنما أسند الابتلاء إليه؛ لأن عویمرا کانت تحته بنت عاصم، أو بنت أخيه، فما وقع منها فهو ابتلاء له. (١) ((فتح)) ١٠/ ٥٧٠. ٣٩- (بَأَبُّ قَوْلِ الإِمَامِ: اللَّهُمَّ بین) - حديث رقم ٣٤٩٧ ١٣٩ == وقوله (إِلَّا بِقَوْلي) أي بسؤالي عما لم يقع، كأنه قال: فعوقبت بوقوع ذلك في آل بيتي. قال الحافظ: وزعم الداوديّ أن معناه أنه قال مثلًا: لو وجدت أحدًا يفعل ذلك لقتلته، أو عيّر أحدًا بذلك، فابتلي به. وكلامه أيضًا بمعزل عن الواقع، فقد وقع في مرسل مقاتل بن حيّان عن ابن أبي حاتم: ((فقا عاصم: إنا لله، وإنا إليه راجعون، هذا واللَّه بسؤالي عن هذا الأمر بين الناس، فابتليت به))، والذي كان قال: ((لو رأيته لضربته بالسيف)) هو سعد بن عبادة. وقد أورد الطبريّ من طريق أيوب، عن عكرمة، مرسلًا، ووصله ابن مردويه بذكر ابن عبّاس، قال: لما نزلت: ﴿وَلَّذِينَ يَزَمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ قال سعد ابن عبادة: إن أنا رأيت لكاع يفجر بها رجل ... )) فذكر القصّة، وفيه: فوالله ما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أميّة، فذكر قصّته، وهو عند أبي داود في رواية عبّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، فوضح أن قول عاصم كان في قصّة عويمر، وقول سعد بن عبادة كان في قصّة هلال، فالكلامان مختلفان، وهما مما يؤيّد تعدد القصّة، ويؤيّد التعدّد أيضًا أنه وقع في آخر حديث ابن عباس عند الحاكم: ((قال ابن عبّاس: فما كان بالمدينة أكثر غاشية منه)). وعند أبي داود وغيره: ((قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وما يُدعى لأب))، فهذا يدلّ على أن ولد الملاعنة عاش بعد النبيّ وَلّ زمانًا. وقوله: ((على مصر))، أي من الأمصار، وظنّ بعض شيوخنا أنه أراد مصر البلد المشهور، فقال: فيه نظر؛ لأن أمراء مصر معروفون معدودون، ليس فيهم هذا. ووقع في حديث عبد الله بن جعفر، عند ابن سعد في ((الطبقات)) أن ولد الملاعنة عاش بعد ذلك سنتين، ومات، فهذا أيضًا مما يقوّي التعدد، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(١). (فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَأَخْبَرَهُ، بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ) أي الذي رمى امرأته (مُصْفَرًا) -بضم أوله، وسكون الصاد المهملة، وفتح الفاء، وتشديد الراء- أي قويّ الصفرة. وهذا لا يخالف قوله في حديث سهل وَزيه: ((إنه أحمر، أو أشقر))، لأن ذاك لونه الأصليّ، والصفرة عارضة (قَلِيلَ اللَّخم) أي نحيف الجسم (سَبِطَ الشَّغْرِ) بفتح، فكسر، أو بفتحتين: أي مسترسله، وهو ضدّ الجعودة (وَكَانَ الَّذِيَ ادَّعَى عَلَّيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ آدَمَ) بالمدّ: أي لونه قربٌ من السواد (خَذْلًا) -يفتح الخاء المعجمة، وإسكان الدال المهملة: هو الممتلىء الساق الضخم. أي ممتلىء الساقين. وقال أبو الحسين بن فارس: ((ممتلىء الأعضاء)). وقال الطبريّ: لا (١) ((فتح)) . ١٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ يكون إلا مع غلظ العظم مع اللحم. وقال ابن التين: ضبط في بعض الكتب بكسر الدال، وتخفيف اللام، وفي بعضها بتشديد اللام، وفي بعضها بسكون الدال، وكذلك هو في كتب اللغة، وكذا ضبط في رواية أبي صالح، وابن يوسف. قاله العينيّ(١) (كَثِيرَ اللَّخم) أي في جميع جسده. قال في ((الفتح)) : يحتمل أن تكون صفة شارحة لقوله: ((خدلًا))، بناءً على أن الخدل الممتلىء البدن، وأما على قول من قال: إنه الممتلىء الساق، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص. وزاد في الرواية التالية: ((جعدًا قططًا))، و((الجعد)): هو المتكسّر، ضدّ السبوطة. و((القطط)) - بفتحتين، أو بفتح، فكسر -: هو المتفلفل الشعر. قال في ((الفتح)): وهذه الصفة موافقة للتي في حديث سهل بن سعد حيث فيه: ((عظيم الأليتين خدلّج الساقين الخ)). انتهى (٢). (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((اللَّهُمَّ بَيِّنْ)) ) أي بيّن لنا الحكم في هذه المسألة. قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره أنه دعاء في أن يبيّن له ممن الولد؟، فأجيب بأنه للذي رُمي به، وتبيّن له ذلك بأن الله تعالى خلقه يُشبه الذي رميت به، وعلى الصفة التي قال النبيّ وَلغيره، ولذلك نسّق قوله: ((فوضعت)) على الكلام المتقدّم بالفاء. وقيل: معناه: اللَّهمّ بيّن الحكم في هذه الواقعة، كما جاء في الرواية الأخرى: ((اللَّهم افتح))، أي احكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ الآية [سبأ: ٢٦] أي (٣) یحکم انتهى(٣). وقال البدر العينيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((اللَّهم بيّن)) أي حكم المسألة. ويقال: معناه الحرص على أن يعلم من باطن المسألة ما يقف به على حقيقتها، وإن كانت شريعته قد أحكمها الله في القضاء بالظاهر. وإنما صارت شرائع الأنبياء عليهم السلام يُقضى فيها بالظاهر؛ لأنها تكون سببًا لمن بعدهم من أممهم، ممن لا سبيل له إلى وحي يعلم به بواطن الأمور (٤). (فَوَضَعَتْ) أي ولدت تلك المرأة ولدًا (شَبِيهَا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا، أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ) أي أمر باللعان (رَسُولُ اللَّهِ وَلَه بَيْنَهُمَا) هذا ظاهره أن الملاعنة بينهما تأخّرت حتى وضعت، فيُحمل على أن قوله: ((فلاعن)) معقّب بقوله: فذهب به إلى النبيّ وَطهير، فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، واعترض قوله: ((وكان ذلك الرجل الخ))، (١) ((عمدة القاري)) ١٧ /٨٥. (٢) (فتح)) ١٠ / ٥٧١. (٣) ((المفهم) ٣٠٢/٤-٣٠٣. (٤) ((عمدة القاري)) ١٧ / ٨٥.