النص المفهرس

صفحات 81-100

٣٤- (بابُ ما جاءَ فِي الخُلع) - حديث رقم ٣٤٨٨
٨١ =
وقد نقلها حافظان كبيران عن النسائيّ محرّفة على غير هذا النصّ، وتحريفها عندهما
لا ينفي سماع الحسن من أبي هريرة، بل يُثبته، كما سنذكره، حتى إن أحدهما، وهو
الحافظ ابن حجر لم يجد مناصًا من القول بسماعه منه في الجملة، ونقض النفي العامّ
الذي قلّد فيه بعضهم بعضًا:
فنقلها ابن حزم في ((المحلّى)) ٢٣٦/١٠، إذ روى الحديث من طريق النسائيّ،
وذكرها بلفظ: قال الحسن: لم أسمع من أبي هريرة، ثم بنى عليها عدم صحّة ذلك
الحديث عنده، فقال: فسقط بقول الحسن أن نحتجّ بذلك الخبر.
فهذه الرواية لكلمة الحسن وقعت لابن حزم على اللفظ الذي نقله، ولعلّ الغلط فيها
من بعض الناسخين، أو الرواة الذين أخذ عنهم كتاب النسائيّ، ولذلك احتجّ باللفظ
الذي وقع له، مستدلاً به على أن هذا الحديث بعينه ضعيف؛ لتصريح الحسن في الرواية
التي عنده بأنه لم يسمعه من أبي هريرة. ونسخ كتاب النسائيّ الصحيحة هي على اللفظ
الذي نقلناه .
ومع هذا فإن اللفظ الذي وقع لابن حزم لو صحّ عن الحسن كان دليلًا على سماعه
من أبي هريرة بمفهوم الكلام وإيمائه، إذ ينصّ على أنه لم يسمع هذا الحديث بعينه من
أبي هريرة، فيؤخذ منه أنه معروفٌ بالسماع منه، وأن ما يرويه عنه إنما يرويه سماعًا،
ولذلك نصّ على الحديث الذي لم يسمعه؛ لئلا يُحمل على ما عُرف عنه.
ووقعت كلمة الحسن للحافظ ابن حجر بلفظ: قال الحسن: لم أسمع من أبي هريرة
غير هذا الحديث. نقلها في ((الفتح)) ٩/ ٣٥٤، و((تهذيب التهذيب)) ٢٦٩/٢-٢٧٠،
وعقّب عليها في الموضعين بما يُفيد تسليمه بسماع الحسن من أبي هريرة.
فقال في ((التهذيب)): أخرجه -يعني النسائيّ- عن إسحاق بن راهويه، عن المغيرة
بن سلمة، عن وُهيب، عن أيوب، وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته، وهو يؤيّد
أنه سمع من أبي هريرة في الجملة.
وقال في ((الفتح)): وقد تأوله بعضهم على أنه أراد لم يسمع هذا إلا من حديث أبي
هريرة، وهو تكلّف، وما المانع أن يكون سمع هذا منه فقط، وصار يُرسل عنه غير
ذلك.
فلم يستطع الحافظ أن يتفضّى من دلالة كلمة الحسن على اللفظ الذي وقع له،
واضطرّ إلى التسليم بسماع الحسن من أبي هريرة في الجملة.
واللفظ الثابت في كتاب النسائيّ بيّنٌ واضحٌ، صريحٌ في السماع، دالّ بإيمائه على أن
الحسن لم يسمع حديث ((المختلعات)) من أحد من الصحابة غير أبي هريرة، وعلى أن

٨٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
سماعه من أبي هريرة معروفٌ، ليس موضع شكّ، أو تردّد. انتهى المقصود من كلام
العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى(١).
وقال الشيخ الألباني في ((سلسلته الصحيحة)) بعد أن ذكر رواية المصنّف:
وبالجملة فهذا الإسناد متصل صحيح، فلا يُلتفت إلى إعلال النسائيّ له بالانقطاع؛
لأنه يلزم منه أحد أمرين: إما تكذيب الحسن البصريّ في قوله المذكور، وإما توهيم
أحد الرواة الذين رووا ذلك عنه، وكلّ منهما لا سبيل إليه، أما الأول فواضحٌ، وأما
الآخر، فلأنه لا يجوز توهيم الثقات بدون حجّة، أو بيّنة، وهو واضح بيّن. ثم ذكر
للحديث شواهد من أحاديث: أنس بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وثوبان، وعقبة بن
عامر، وكلّها فيها مقالٌ، غير أنها تصلح للاستشهاد بها، فراجع ما كتبه في
((صحيحته)) ٢١٠/٢-٢١٤ رقم الحديث ٦٣٢ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الراجح ثبوت
سماع الحسن من أبي هريرة تظنه ، وصحة حديث الباب؛ حيث إنه متّصل الإسناد،
ورجاله ثقات، لا مطعن في أحد منهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٣٤٨٨/٣٤ - وفي ((الكبرى)) ٥٦٥٥/٣٥. وأخرجه (أحمد) في ((باقي
مسند المكثرين)» ٩٠٩٤ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما ورد في حكم الخلع.
(ومنها): أن فيه تحريم الخلع من غير حاجة تدعو إليه، كما بينته الآية: ﴿إِلَّ أَن يَخَافَآَ أَلَّا
يُقِمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ الآية. (ومنها): أن الخلع بلا حاجة يعتبر نفاقًا، وقد تقدّم حديث ثوبان
رَّه، مرفوعًا: ((أيما امرأة سألت زوجها طلاقا في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة
الجنة)). قيل: هو على نهج الوعيد والمبالغة في التهديد، أو وقوع ذلك متعلّقٌ بوقت
دون وقت، أي لا تجد رائحة الجنّة أول ما يجدها المحسنون، أو لا تجدها أصلًا، وهذا
(١) راجع ما كتبه الشيخ أحمد شاكر على ((مسند أحمد» ١٠٧/١٢-١١٦. رقم الحديث ٧١٣٨.

٣٤- (بابُ مَا جَاءَ فِي الْخُلْع) - حديث رقم ٣٤٨٩
٨٣ ===
من المبالغة في التهديد، ونظير ذلك كثير. قاله القاضي. ولا بدع أنها تُحرم لذّة الرائحة،
ولو دخلت الجنّة. قاله القاري(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن الأَوْلَى أَنْ يُحمل الوعيد المذكور ونحوه
على من كانت مستحلّة مع علمها بتحريمه، فلا تجد رائحة الجنّة، أي لا تدخل الجنة،
فتجد ريحها، فيكون منعها منعًا مؤيّدًا، لكفرها باستحلالها ما حرّم اللَّه تعالى، وإن
كانت لا تستحلّه، بل تعلم أنها عاصية، فمنعها يكون منعًا أوليًّا، فلا تدخل مع من لم
يقترف ذنبًا أصلًا، بل إنما تدخل بعد أن تعذّب، بقدر ذنبها، إلا أن يعفو الله تعالى
عنها، وهكذا في كلّ نصّ جاء على هذا النحو. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٨٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَختَیِ بْنِ
سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحِمَنِ، أَنَّا أَخْبَرَتْهُ، عَنْ حَبِيبَةٌ بِنْتِ سَهْلٍ، أَنَّا كَانَتْ تَحتَّ
ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه، خَرَجَ إِلَى الصُّبْحِ، فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ
سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْفَلَسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ هَذِهِ؟))، قَالَتْ: أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ
سَهْلٍ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((مَا شَأْتُكِ؟))، قَالَتْ: لَا أَنَا، وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِزَوْجِهَا،
فَلَمَّا جَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِ: (هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلِ، قَدْ ذَكَرَتْ مَا
شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ))، فَقَالَتْ حَبِيبَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ مَا أَعْطَانِ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَ لِثَابِتٍ: ((خُذْ مِنْهَا))، فَأَخَذَ مِنْهَا، وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة
ثبت [١١] ٢٠/١٩.
٢- (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد الله المصريّ، ثقة فقيه، من كبار
[١٠] ٢٠/١٩ .
٣- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الفقيه الثبت الحجة [٧] ٧/٧.
٤- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥]
٢٣/٢٢ .
٥- (عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقة [٣] ١٣٤/
٢٠٣ .
(١) ((عون المعبود شرح سنن أبي داود)) ٣٠٨/٦.

٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
٦- (حبيبة بنت سهل) بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن
النجّار الأنصاريّة. روى حديثها يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عمرة، عنها أنها كانت
تحت ثابت بن قيس بن شمّاس. وقد اختلف فيه على يحيى بن سعيد، وعلى عمرة بنت
عبد الرحمن. وقيل: إن التي اختلعت من ثابت بن قيس بن شَمّاس جميلة بنت أُبيِّ ابن
سَلُولَ. قال بعض العلماء: وجائزٌ أن يكون كلّ واحدة منهما اختلعت منه. وقيل: إن
النبيّ ◌َّها كان عزم على تزويجها، ثم تركها، فتزوجها ثابت، ثمّ اختلعت منه. وذكر ابن
سعد في ((الطبقات)) عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال: كان رسول اللَّه وَ له قد همّ أن
يتزوّج حبيبة بنت سهل، وهي إحدى عمّاتي، ثم ذكر غيرة الأنصار، فكره أن يسوءهم.
وسيأتي تمام البحث في هذا في الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه،
فمصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ
شَمَّاسٍ) بن مالك بن امرىء القيس الخزرجيّ، أبي عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد
المدنيّ، خطيب النبيّ وَّل. روى عن النبيّ ◌َطهر. وعنه أولاده: محمد، وقيس،
وإسماعيل، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. واستُشهد باليمامة في خلافة
أبي بكر الصّدّيق سنة (١٢هـ)، شهد بدرًا (١)، والمشاهد كلّها، ودخل عليه النبيّ ◌َّ،
وهو عليل، فقال: ((أذهب الباس ربّ الناس عن ثابت بن قيس بن شمّاس)). وقال النبيّ
وقال : (نعم الرجل ثابت بن قيس بن شمّاس)). رواه الترمذيّ بإسناد حسن. وبشّره النبيّ
وَّ بالجنّة في قصّة رواها موسى بن أنس، عن أبيه. وفي البخاريّ مختصرًا، والطبرانيّ
مطوّلًا عن أنس رَّه، قال: لَمّا انكشف الناس يوم اليمامة قلتُ لثابت بن قيس: ألا
ترى يا عمّ؟ ووجدته يتحقّط، فقال: ما هكذا كنّا نفعل مع رسول اللّه وَالر، بئسما عوّدتم
أقرانكم، اللّهمّ إني أبرأ إليك مما جاء به هولاء، ومما صنع هولاء، ثم قاتل حتّى قُتل،
وكان عليه درع نفيسةٌ، فمرّ به رجلٌ مسلمٌ، فأخذها، فبينما رجلٌ من المسلمين نائمٌ أتاه
(١) هكذا في ((تهذيب التهذيب)) ٢٦٧/١ والذي في ((الإصابة)): ١٥/٢: ((لم يذكره أصحاب المغازي
في البدريين، وقالوا: أول مشاهده أحد، وما بعدها)).

٣٤- (بابُ مَا جَاءَ فِي الْخُلع) - حديث رقم ٣٤٨٩
٨٥=
ثابت في منامه، فقال: إني أوصيك بوصيّة، فإيّاك أن تقول هذا حُلُم، فتضيّعه، إني لما
قُتلت أخذ درعي فلانٌ، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرسٌ تستنّ(١)، وقد كفأ
على الدرع بُزمة، وفوقها رَحْلٌ، فَأْتِ خالدًا، فمُزه، فليأخذها، وليقُل لأبي بكر: إن
عليّ من الدينٍ كذا وكذا، وفلانْ عتيقٌ، فاستيقظ الرجل، فأتى خالدًا، فأخبره، فبعث
إلى الدرع، فأتي بها، وحدّث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيته. ورواه البغويّ من وجه آخر
عن عطاء الخراسانيّ، عن بنت ثابت بن قيس مطوّلًا(٢). ليس له رواية عند المصنّف
رحمه الله تعالى، وإنما أورده خلال هذه القصّة، وأخرج له في ((عمل اليوم والليلة))،
وله حدیث واحد في «صحيح البخاري))، وحديثان عند أبي داود.
(وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، خَرَجَ إِلَى الصُّبْحِ) أي إلى أداء صلاة الصبح جماعةً في المسجد
(فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِثْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ) أي بابَ رسول اللَّه وَلَّ (فِي الْغَلَسِ) بفتحتين: أول
الصبح حتى ينتشر في الآفاق، وكذلك الْغَبَس -بالباء- وهما سواد مختلط ببياض
وحمرة، مثل الصبح سواء. وفي الحديث الصحيح: ((كان يصلي الصبح بغلس)):
ظلمة آخر الليل إذا اختلط بضوء الصباح. أفاده في ((اللسان)) (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: (مَنْ
هَذِهِ؟))، قَالَتْ: أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((مَا شَأْتُكِ؟)) ) استفهام عن
سبب حضورها في وقت لا يليق لمثلها أن تخرج من بيتها (قَالَتْ: لَا أَنَا، وَلَا ثَابِتُ بْنُ
قَيْسٍ) أي لا يمكن الاجتماع بيننا. قال السنديّ: يحتمل أن ((لا)) الثانية مزيدة، والخبر
محذوفٌ بعدهما: أي مجتمعان، أي لا يمكن الاجتماع. ويحتمل أنها غير زائدة، وأن
خبر كلِّ محذوف، أي لا أنا مجتمعة مع ثابت، ولا ثابت مجتمعٌ معي انتهى (لِزَوْجِهَا)
اللام للتبيين، أي قالت هذا الكلام لأجل زوجها (فَلَمَّا جَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ) تَّه إلى
مجلس رسول اللّه ◌َِّ (قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، قَدْ ذُكَرَتْ مَا شَاءَ
اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ)) ) أي من الشكوى منه من أنها تُبغضه، وفي رواية أنّه كسر يدها (فَقَالَتْ
حَبِيبَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي) تعني المهر الذي دفع لها حينما تزوّجها
(فَقَّالَ رَسُولُ اللّهِ نَّه ◌ِثَابِتٍ: ((خُذْ مِنْهَا)) ) أي ما أعطيتها، فالمفعول محذوفٌ، وفيه
جواز أخذ جميع ما أعطاها من المهر، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في مسائل
الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى (فَأَخَذَ مِنْهَا، وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا) أي لأنه لا سكنى
لها. ولم يذكر في هذه الرواية الأمر بطلاقها، وقد اختلف العلماء، هل الخلع فسخ، أم
طلاق، وسيأتي تحقيق ذلك في مسائل الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى
(١) أي تمرح، وتتبختر.
(٢) ((الإصابة)) ١٥/٢ .

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حبيبة بنت سهل رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٣٤٨٩/٣٤ - وفي ((الكبرى)) ٥٦٥٦/٣٥. وأخرجه (د) في ((الطلاق))
٢٢٢٧ و(أحمد) في ((مسند القبائل)) ٢٦٨٩ (الموطأ) في ((الطلاق)) ١١٩٨ (الدارمي) في
((الطلاق)) ٢٢٧١ . وبقية المسائل ستأتي في الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٩٠- (أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَميلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةً ثَابِتِ بْنٍ قَيْسٍ، أَتَتِ النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، أَمَا إِنِّي مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ، وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي
الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَتَرُدِينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَّهُ؟))، قَالَثَّ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّهِ: ((اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ، وَطَلَّقْهَا تَطْلِقَةً)) ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (أزهر بن جميل) الهاشميّ مولاهم، أبو محمد البصريّ الشّطّيّ، صدوق يُغرب
[١٠] ٦٤ / ٢٥٥٤ .
٢- (عبد الوهاب) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة تغيّر
قبل موته بثلاث سنين [٨] ٤٨/٤٢.
٣- (خالد) بن مهران الحذّاء، أبو الْمُنَازل البصريّ، ثقة يرسل [٥] ٦٣٤/٧.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن
تابعيّ: خالدٌ، عن عكرمة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ) هي جميلة، وليست
هي حبيبة بنت سهل المذكورة في الحديث الماضي، بل هي غيرها، على الراجح،

٨٧
٣٤- (بابُ مَا جَاءَ فِي الْخُلْعْ) - حديث رقم ٣٤٩٠
=
وأنها وقع لها الخلع قبل هذه، فإنها أول مختلعة في الإسلام، كما سبق بيانه أول الباب.
قال في ((الفتح)) عند شرح هذا الحديث: وأبهم في هذه الطريق اسم المرأة، وفي
الطريق التي بعدها، وسمّيت في آخر الباب(١) في طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن
عكرمة مرسلًا جميلة. ووقع في الرواية الثانية أنها أخت عبد الله بن أبيّ -يعني كبير
الخزرج، ورأس النفاق- فظاهره أنها جميلة بنت أبيّ. ويؤيّده أن في رواية قتادة، عن
عكرمة، عن ابن عبّاس: ((أن جميلة بنت سلول جاءت ... )) الحديث. أخرجه ابن
ماجه، والبيهقيّ، وسَلُول امرأة اختلف فيها، هل هي أمّ أُبيّ، أو امرأته. ووقع في رواية
النسائيّ(٢)، والطبرانيّ، من حديث الرُّبَيّع بنت مُعوّذ أن ثابت بن قيس بن شَمّاس ضرب
امرأته، فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبيّ، فأتى أخوها يشتكي إلى رسول
اللَّهِ وَله ... الحديث. وبذلك جزم ابن سعد في ((الطبقات))، فقال: جميلة بنت عبد الله
ابن أبي أسلمت، وبايعت، وكانت تحت حنظلة بن أبي عامر، غسيل الملائكة، فقُتل
عنها بأَحُد، وهي حامل، فولدت له عبد الله بن حنظلة، فخلف عليها ثابت بن قيس،
فولدت له ابنه محمدًا، ثم اختلعت منه، فتزوّجها مالك بن الدخشم، ثم خُبيب بن
(١) يعني روايات البخاريّ، قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)):
٥٢٧٣ - حدثنا أزهر بن جميل، حدثنا عبدالوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن
عباس، أن امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي وَّر، فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس، ما أعتِب
عليه في خُلُق، ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول اللّه وَله: ((أتردين عليه
حديقته؟))، قالت: نعم، قال رسول اللّه ◌َله: ((اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة)). قال أبو عبد
الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس.
٥٢٥٧- حدثنا إسحاق الواسطي، حدثنا خالد، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، أن أخت عبدالله
بن أبي بهذا ... وقال: ((تردين حديقته؟))، قالت: نعم، فردتها، وأمره يطلقها.
وقال إبراهيم بن طهمان: عن خالد، عن عكرمة، عن النبي ◌َّه وطلقها.
وعن أيوب بن أبي تميمة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس، إلى
رسول اللَّه ◌َّيه، فقالت: يا رسول الله، إني لا أعتب على ثابت في دين، ولا خلق، ولكني لا
أطيقه، فقال رسول اللّه وَله: ((فتردين عليه حديقته؟))، قالت: نعم.
٥٢٧٧- حدثنا محمد بن عبدالله بن المبارك المخرمي، حدثنا قُراد أبو نوح، حدثنا جرير بن
حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضيّ اللَّه عنهما، قال: جاءت امرأة ثابت بن
قيس بن شماس إلى النبي وَه9، فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين، ولا خلق، إلا
أني أخاف الكفر، فقال رسول اللَّه ◌َله: ((فتردين عليه حديقته؟))، فقالت: نعم، فردت عليه،
وأمره ففارقها.
حدثنا سليمان، حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، أن جميلة ... فذكر الحديث.
(٢) سيأتي للمصنّف برقم ٣٥٢٤/٥٣.

M=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
أساف. ووقع في رواية حجّاج بن محمد، عن ابن جُريج: أخبرني أبو الزبير: ((أن ثابت
ابن قيس بن شمّاس، كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكان أصدقها
حديقة، فكرهته ... )) الحديث. أخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وسنده قويّ مع
إرساله. ولا تنافي بينه وبين الذي قبله لاحتمال أن يكون لها اسمان، أو أحدهما لقب،
وإن لم يؤخذ بهذا الجمع فالموصول أصحّ، وقد اعتضد بقول أهل النسب: إن اسمها
جميلة، وبه جزم الدمياطيّ، وذكر أنها كانت أخت عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، شقيقته،
أمهما خولة بنت المنذر بن حرام.
قال الدمياطيّ: والذي وقع في البخاريّ من أنها بنت أَبيّ وَهَمّ. قال الحافظ: ولا
يليق إطلاق كونه وَهَمًا، فإن الذي وقع فيه أخت عبد الله بن أبيّ، وهي أخت عبد الله
بلا شكّ، لكن نُسب أخوها في هذه الرواية إلى جدّه أَبيّ، كما نُسبت هي في رواية قتادة
إلى جدّتها سَلُول. فبهذا يُجمع بين المختلف من ذلك. وأما ابن الأثير، وتبعه النوويّ،
فجزما بأن قول من قال: إنها بنت عبد الله بن أَبيّ وَهَمٌ، وأن الصواب أنها أخت عبد الله
ابن أبيّ. وليس كما قالا، بل الجمع أولى. وجمع بعضهم باتحاد اسم المرأة وعمّتها،
وأن ثابتًا خالع الثنتين، واحدةً بعد أخرى، ولا يَخفَى بُعْده، ولا سيّما مع اتحاد
المخرج. وقد كثرت نسبة الشخص إلى جدّه إذا كان مشهورًا، والأصل عدم التعدّد
حتی یثبت صريحًا.
وجاء في اسم امرأة ثابت بن قيس قولان آخران:
[أحدهما]: أنها مريم المَغَاليّة. أخرجه النسائيّ(١)، وابن ماجه من طريق محمد بن
إسحاق: ((حدّثني عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، قالت:
اختلعت من زوجي ... ))، فذكرت قصّة فيها: ((وإنما تبع عثمان في ذلك قضاء رسول
اللَّه ◌َلّر في مريم الْمَغَاليّة، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختعلت منه))، وإسناده جيّد.
قال البيهقيّ: اضطرب الحديث في تسمية امرأة ثابت، ويمكن أن يكون الخلع تعدّد من
ثابت انتهى.
وتسميتها مريم يمكن ردّه للأول؛ لأن المغاليّة -وهي بفتح الميم، وتخفيف الغين
المعجمة -: نسبة إلى مَغَالة، وهي امرأة من الخزرج، ولَدَت لعمرو بن مالك بن النّجّار
ولده عَديًّا، فبنو عديّ بن النجار يُعرفون كلهم ببني مغالة، ومنهمٍ عبد الله بن أُبيّ،
وحَسّان بن ثابت، وجماعة من الخزرج، فإذا كان آل عبد الله بن أبيّ من بني مَغالة،
(١) حديث صحيح، سيأتي للمصنف رحمه الله تعالى برقم ٣٥٢٥.

٣٤- (بابُ مَا جَاءَ فِي الْخُلع) - حديث رقم ٣٤٩٠
=
٨٩ ==
فيكون الوهم وقع في اسمها، أو يكون مريم اسمًا ثالثًا، أو بعضها لقب لها.
[والقول الثاني]: في اسمها أنها حبيبة بنت سهل، أخرجه مالك في ((الموطًا)) عن
يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن حبيبة بنت سهل، أنها
كانت تحت ثابت بن قيس بن شَّمَّاس، وأنّ رسول اللّه بِ لّ خرج إلى الصبح، فوجد
حبيبة عند بابه في الغلس ... الحديث. وأخرجه أصحاب السنن الثلاثة، وصححه ابن
خزيمة، وابن حبّان من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود من طريق عبد الله بن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم، ((عن عمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت سهل، كانت عند
ثابت ... )). قال ابن عبد البرّ: اختلف في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريّون أنها
جميلة بنت أُبيّ، وذكر المدنيّون أنها حبيبة بنت سهل.
قال الحافظ: والذي يظهر أنهما قصّتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين، وصحّة
الطريقين، واختلاف السياقين، بخلاف ما وقع من الاختلاف في تسمية جميلة، ونسبها،
فإن سیاق قصتها متقارب، فأمکن ردّ الاختلاف فيه إلى الوفاق، قال: وسأبین اختلاف
القصّتين عند سياق ألفاظ قصّة جميلة.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ رحمه الله تعالى من تعدّد
القصّتين هو الذي يترجّح عندي. والله تعالى أعلم.
وقد أخرج البزار من حديث عمر، قال: ((أوّل مختلعة في الإسلام حبيبة بنت سهل،
كانت تحت ثابت بن قيس ... )) الحديث.
قال الحافظ: وهذا على تقدير التعدّد يقتضي أن ثابتًا تزوّج حبيبة قبل جميلة، ولو لم
يكن في ثبوت ما ذكره البصريّون إلا كون محمد بن ثابت بن قيس من جميلة، لكان دليلًا
على صحّة تزوّج ثابت بجميلة.
[تنبيه]: وقع لابن الجوزيّ في ((تنقيحه)) أنها سهلة بنت حبيب. قال الحافظ: فما
أظنّه إلا مقلوبًا، والصواب حبيبة بنت سهل. وقد ترجم لها ابن سعد في ((الطبقات))،
فقال: بنت سهل بن ثعلبة بن الحارث، وساق نسبها إلى مالك بن النجار، وأخرج
حديثها عن حمّاد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، قال: ((كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت
ابن قيس، وكان في خُلُقه شدّة))، فذكر نحو حديث مالك، وزاد في آخره: ((وقد كان
رسول اللَّه ◌َ يرِ هَمّ أن يتزوّجها، ثم كره ذلك؛ لغيرة الأنصار، وكره أن يسوءهم في
نسائهم. انتهى(١).
(١) ((فتح)) ٥٠٠/١٠-٥٠١. ((كتاب الطلاق)).

م
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
٩٠
(أَتَتِ النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ) وفي رواية إبراهيم بن
طهمان، عن أيوب عند البخاريّ تعليقًا، ووصلها الإسماعيليّ: ((جاءت امرأة ثابت بن
قيس بن شمّاس الأنصاريّ)). وفي رواية سعيد، عن قتادة، عن عكرمة في هذه القصّة:
((فقالت: بأبي وأمي))، أخرجها البيهقيّ.
(أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، بنمزلة ((ألا)) (إِنِّي مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ) من العيب، يقال: عاب
المتاعُ عيبًا، من باب سار، فهو عائبٌ، وعابه صاحبه، فهو مَعِيبٌ، يتعدّى، ولا
يتعدّى. قاله الفيوميّ.
وفي رواية البخاريّ: ((ما أعتب عليه)). قال في ((الفتح)): بضمّ المثنّاة من فوقُ،
ويجوز كسرها، من العتاب، يقال: عتبت على فلان أَعتب عَثْبًا، والاسم الْمَعْتِبَة،
والعِتَاب: هو الخطاب بالإدلال. وفي رواية بكسر العين المهملة، بعدها تحتانيّةٌ ساكنة،
من العيب، وهي أليق بالمراد انتهى (فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ) بضمّ الخلق المعجمة، ويجوز
إسكانها، أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه، ولا لنقصان دينه. زاد في رواية: ((ولكنّي لا
أطيقه))، كذا فيه لم يذكر مميّز عدم الطاقة، وبيّنه الإسماعيليّ في روايته، ثم البيهقيّ،
بلفظ: ((لا أطيقه بغضًا)). وهذا ظاهرٌ أنه لم يصنع بها شيئًا، يقتضي الشكوى منه بسببه،
لكن تقدّم من رواية النسائيّ أنه كسر يدها، فيحمل على أنها أرادت أنه سيء الخلق،
لكنّها ما تعيبه بذلك، بل بشيء آخر. وكذا وقع في قصّة حبيبة بنت سهيل عند أبي داود
أنه ضربها، فكسر بعضها، لكن لم تشكه واحدةٌ منهما بسبب ذلك، بل وقع التصريح
بسبب آخر، وهو أنه كان دميم الخلقة، ففي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جدّه، عند ابن ماجه: ((كانت حبيبة بنت سهلة عند ثابت بن قيس، وكان رجلًا دمیمًا،
فقال: والله لولا مخافة الله، إذا دخل عليّ لبصقت في وجهه)). وأخرج عبد الرزاق،
عن معمر، قال: ((بلغني أنها قالت: يا رسول اللّه بي من الجمال ما ترى، وثابتٌ رجلٌ
دميمٌ))، وفي رواية معتمر بن سليمان، عن فُضيل، عن أبي حريز(١)، عن عكرمة، عن
ابن عبّاس: ((أول خلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس، أتت النبيّ بَّر، فقالت: يا
رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدًا، إني رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في
عدّةٍ، فإذا هو أشدّهم سوادًا، وأقصرهم قامةً، وأقبحهم وجهًا، فقال: ((أتردّين عليه
(١) أبو حريز بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء، آخره زاي معجمة، هذا هو الصواب، ووقع في
((الفتح)) أبو جرير))، وهو تصحيف، وهو عبدالله بن الحسين الأزديّ البصريّ، قاضي سجستان،
مختلف فيه، والحقّ أنه ثقة، وثقه ابن معين، وأبو زرعة، وغيرهما. راجع ما كتبه العلامة أحمد
شاكر على ((تفسير الطبريّ)) ٤/ ٥٥٣ .

٩١ =
٣٤- (بابُ مَا جَاءَ فِي الْخُلْعْ) - حديث رقم ٣٤٩٠
حديقته؟))، قالت: نعم، وإن شاء زدته، ففرّق بينهما))(١).
(وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَام) أي أكره إن أقمت معه أن أقع فيما يقتضي الكفر،
وانتفى أنها أرادت أن يحملها على الكفر، ويأمرها به نفاقًا بقولها: ((لا أعتب عليه في
دين))، فتعيّن الحمل على ما قلناه. ورواية جرير بن حازم عند البخاريّ تؤيّد ذلك،
حيث جاء فيها: ((إلا أني أخاف الكفر))، وكأنها أشارت إلى أنها قد تحملها شدّة كراهتها
له على إظهار الكفر؛ لينفسخ نكاحها منه، وهي كانت تعرف أن ذلك حرام، لكن
خشيت أن تحملها شدّة البغض على الوقوع فيه .
ويحتمل أن تريد بالكفر كفران العشير، إذ هو تقصير المرأة في حقّ الزوج.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التوجيه هو الصواب عندي، وأما الذي قبله، فما
أبعده احتمالًا، في صحابيّة فاضلة، تكلّم النبيّ وَّهِ بمثله، ويسكت عنها، إن هذا الشيء
بعید .
وقال الطيبيّ: المعنى أخاف على نفسي في الإسلام ما يُنافي حكمه، من نشوز،
وفرك، وغيره، مما يقع من الشابّة الجميلة المبغضة لزوجها، إذا كان بالضدّ منها،
فأطلقت على ما يُنافي مقتضى الإسلام الكفر. ويحتمل أن يكون في كلامها إضمارٌ، أي
أكره لوازم الكفر، من المعاداة، والشقاق، والخصومة(٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَتَرُدِينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟) أي بستانه الذي أصدقك إيّاه، فقد
جاء في رواية: ((كان تزوّجها على حديقة نخل)). و((الحديقة)) -بفتح الحاء، وكسر الدال
المهملتين -: الْبُستان يكون عليه حائطٌ، فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة؛ لأن الحائط أحدق بها،
أي أحاط، ثم توسّعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان، وإن كان بغير حائط، والجمع
الحدائق. قاله الفيوميّ.
(قَالَتْ: نَعَمْ) زاد في رواية: ((أيطيب ذلك يا رسول الله؟، قال: نعم)) (قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَلَى: ((اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ) بفتح الباء الموحّدة، أمر قبل يقبل، من باب تعب (وَطَلْقْهَا
تَطْلِيقَةً))) هو أمر إرشاد، وإصلاح، لا إيجاب. ووقع في رواية جرير بن حازم: ((فردّت
عليه، وأمره بفراقها)). واستدلّ بهذا السياق على أن الخلع ليس بطلاق. وفيه نظر،
فليس في الحديث ما يُثبت ذلك، ولا ما ينفيه، فإن قوله: ((طلّقها الخ)) يحتمل أن يراد
طلّقها على ذلك، فيكون طلاقًا صريحًا على عوض، وليس البحث فيه، إنما الاختلاف
فيما إذا وقع لفظ الخلع، أو ما كان في حكمه من غير تعرّض لطلاق بصراحة، ولا
(١) ((فتح)) ١٠/ ٥٠٢ .
(٢) ((المصدر السابق.

٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
كناية، هل يكون الخلع طلاقًا أوفسخًا؟، وكذلك ليس فيه التصريح بأن الخلع وقع قبل
الطلاق، أو بالعكس. نعم في رواية خالد الحذاء المرسلة المتقدّمة في رواية البخاريّ:
((فردّتها، وأمره، فطلّقها))، وليس صريحًا في تقديم العطيّة على الأمر بالطلاق، بل
يحتمل أيضًا أن يكون المراد إن أعطتك طلّقها، وليس فيه أيضًا التصريح بوقوع صيغة
الخلع. ووقع في مرسل أبي الزبير عند الدارقطنيّ: ((فأخذها له، وخلّى سبيلها)). وفي
حديث حبيبة بنت سهل: ((فأخذها منها، وجلست في أهلها))، لكن في معظم الروايات
في الباب تسميته خلعًا، ففي رواية عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: ((أنها
اختلعت من زوجها)). أخرجه أبو داود، والترمذيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٤٩٠/٣٤ - وفي ((الكبرى)) - ٥٦٥٧/٣٥. وأخرجه(خ) في ((الطلاق))
٥٢٧٣ و٥٢٧٥ و٥٢٧٧ (ق) في ((الطلاق)) ٢٠٥٦. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى هذا الحديث عن أزهر بن جميل شيخ
النسائيّ، بسنده، وقال بعده: ((لا يُتابع فيه عن ابن عبّاس)). قال في ((الفتح)): أي لا
يتابع أزهر بن جميل على ذكر ابن عبّاس في هذا الحديث، بل أرسله غيره، ومراده بذلك
خصوص طريق خالد الحذّاء، عن عكرمة، ولهذا عقّبه برواية خالد بن عبد الله
الطخان، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، مرسلًا، ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن
خالد الحذاء، مرسلًا، وعن أيوب موصولًا، ورواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب
الموصولة، وصلها الإسماعيليّ.
قال: ثم أشار البخاريّ إلى أنه اختلف على أيوب أيضًا في وصل الخبر، وإرساله،
فاتّفق إبراهيم بن طهمان، وجرير بن حازم على وصله، وخالفهما حمّاد بن زيد، فقال:
((عن أيوب، عن عكرمة)) مرسلًا.
ويؤخذ من إخراج البخاريّ هذا الحديث في ((الصحيح)) فوائد: (منها): أن الأكثر إذا
وصلوا، وأرسل الأقلّ قُدّم الواصل، ولو كان الذي أرسل أحفظ، ولا يلزم منه أنه تُقدّم
رواية الواصل على المرسل دائمًا. (ومنها): أن الراوي إذا لم يكن في الدرجة العليا من
الضبط، ووافقه من هو مثله، اعتضَدَ، وقاومت الروايتان رواية الضابط المتقن.

٩٣ ==
٣٤- (بَأَبُ مَا جَاءَ فِي الْخُلْعْ) - حديث رقم ٣٤٩٠
(ومنها): أن أحاديث ((الصحيح)) متفاوتة المرتبة إلى صحيح، وأصحّ انتهى(١). والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما جاء في الخلع.
(ومنها): أن الشقاق إذا حصل من قبل المرأة فقط جاز الخلع والفدية، ولا يتقيّد ذلك
بوجوده منهما جميعًا. (ومنها): مشروعيّة الخلع، إذا كرهت المرأة عِشرة الرجل، ولو
لم يكرهها هو، ولم ير منها ما يقتضي فراقها. وهو قول الجمهور. وخالف في ذلك أبو
قلابة، ومحمد بن سيرين، فقالا: لا يجوز له أخذ الفدية منها إلا أن يرى على بطنها
رجلًا. وسيأتي تحقيق الخلاف قريبًا، إن شاء اللّه تعالى. (ومنها): أن فيه أن المرأة إذا
سألت زوجها الطلاق على مال، فطلّقها وقع الطلاق. (ومنها): أن الفدية لا تكون إلا
بما أعطى الرجل المرأة، عينًا، أو قدرًا؛ لقوله وَلجر: ((أتردّين عليه حديقته))، وسيأتي
قريبًا اختلاف العلماء في ذلك، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن الخلع جائز في
الحيض؛ لأنه ◌َّ لم يستفصلها، أحائض هي أم لا؟، وفيه الخلاف بين العلماء أيضًا،
سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن الأخبار الواردة في ترهيب المرأة من
طلب طلاق زوجها محمولة على إذا لم يكن هناك سبب يقتضي ذلك، کحديث ثوبان
رَزعليه، مرفوعًا: ((أيما امرأة سألت زوجها الطلاق، فحرام عليها رائحة الجنة)). رواه
أصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان. ويدلّ على تخصيصه قوله في بعض
طرقه: ((من غير ما بأس))، وكحديث أبي هريرة تَّه المتقدّم في هذا الباب:
((المنتزعات، والمختلعات هنّ المنافقات)). (ومنها): أن الصحابيّ إذا أفتى بخلاف ما
روى أن المعتبر ما رواه، لا ما رآه؛ لأن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما روى قصّة
امرأة ثابت بن قيس الدّالّة على أن الخلع طلاقٌ، وكان يُفتي بأن الخلع ليس بطلاق.
لكن ادّعى ابن عبد البرّ شذوذ ذلك عن ابن عبّاس، إذ لا يُعرف له أحد نقل عنه أنه
فسخٌ، وليس بطلاق إلا طاوسٌ. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن طاوسًا ثقة حافظ فقية،
فلا يضرّه تفرّده، وقد تلقّى العلماء ذلك بالقبول، ولا أعلم من ذكر الاختلاف في
المسألة إلا جزم أن ابن عبّاس كان يراه فسخًا. نعم أخرج إسماعيل القاضي بسند
صحيح عن ابن أبي نجيح أن طاوسًا لما قال: إن الخلع ليس بطلاق أنكره عليه أهل
مكّة، فاعتذر، وقال: إنما قاله ابن عبّاس. قال إسماعيل: لا نعلم أحدًا قاله غيره اهـ.
(١) (فتح) ٥٠٣/١٠-٥٠٤. ((كتاب الطلاق)).

٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
ولكن الشأن في كون قصّة ثابت صريحة في كون الخلع طلاقًا(١). وسيأتي تمام البحث
في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدة]: نقل ابن عبد البرّ عن مالك رحمهما الله تعالى أن المختلعة هي التي
اختلعت من جميع مالها، وأن المفتدية هي التي افتدت ببعض مالها، وأن المبارثة هي
التي بارأت زوجها قبل الدخول. قال ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: وقد يُستعمل بعض
ذلك في موضع بعض انتهى (٢).
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم الخلع:
قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: إذا كرهت المرأة زوجها لخَلْقِه،
أو خُلُقه، أو دينه، أو كبره، أو ضعفه، أو نحو ذلك، وخَشِيت أن لا تؤدّي حقّ اللَّه
تعالى في طاعته، جاز لها أن تُخالعه بعوض تفتدي به نفسها منه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ
خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولحديث امرأة ثابت ابن قيس
رَمَّيه المذكور في الباب. قال: وبهذا قال جميع الفقهاء بالحجاز والشام. قال ابن
عبد البرّ: ولا نعلم أحدًا خالفه إلا بكر بن عبد الله المزنيّ، فإنه لم يُجزه، وزعم أن
الآية منسوخة بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجَ﴾ الآية
[النساء: ٢٠]. وروي عن ابن سيرين، وأبي قلابة أنه لا يَحِلّ الخلع حتى يجد على
بطنها رجلًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ
بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةْ﴾ الآية [النساء: ١٩].
وحجة الجمهور الآية، والخبر المتقدّمان، وأنه قول عمر، وعثمان، وعليّ،
وغيرهم من الصحابة، ولم يُعرف لهم مخالفٌ في عصرهم، فيكون إجماعًا، ودعوى
النسخ لا تُسمَع حتى يثبت تعذّر الجمع، وأن الآية الناسخة متأخرة، ولم يثبت شيء من
ذلك. انتهى كلام ابن قدامة بتصرف(٣).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى وقال أبو قلابة، ومحمد بن سيرين: لا يجوز له أخذ
الفدية منها إلا أن يرى على بطنها رجلًا. أخرجه ابن أبي شيبة، وكأنهما لم يبلغهما
الحديث. واستدلّ ابن سيرين بظاهر قوله تعالى: ﴿إِلََّ أَنْ يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَمِ﴾ .
وتُعُقّب بأن آية البقرة فسّرت المراد بذلك، مع ما دلّ عليه الحديث.
قال الحافظ: ثم ظهر لي لما قاله ابن سيرين توجية، وهو تخصيصه بما إذا كان ذلك
(١) ((فتح)) ٥٠٦/١٠. ((كتاب الطلاق)).
(٢) المصدر المذكور.
(٣) («المغني)) ٢٦٧/١٠-٢٦٨.

٩٥
٣٤- (بابُ مَا جَاءَ فِي الْخُلْعْ) - حديث رقم ٣٤٩٠
=
من قبل الرجل بأن يكرهها، وهي لا تكرهه، فضاجرها؛ لتفتدي منه، فوقع النهي عن
ذلك، إلا أن يراها على فاحشة، ولا يجد بيّةً، ولا يُحبّ أن يفضحها، فيجوز حينئذ أن
يفتدي منها، ويأخذ منها ما تراضيا عليه، ويطلّقها، فليس في ذلك مخالفة للحديث؛
لأن الحديث ورد فيما إذا كانت الكراهة من قبلها.
واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق بينهما جميعًا، وإن وقع من أحدهما
لا يندفع الإثم. وهو قويّ موافقٌ لظاهر الآيتين، ولا يُخالف ما ورد فيه. وبه قال
طاوس، والشعبيّ، وجماعة من التابعين.
وأجاب الطبريّ وغيره عن ظاهر الآية بأن المرأة إذا تقُم بحقوق الزوج التي أُمرت
بها، كان ذلك منفّرًا للزوج عنها غالبًا، ومقتضيًا لبغضه لها، فنُسبت المخالفة إليهما
لذلك، وعن الحديث بأنه وَّر لم يستفسر ثابتًا، هل أنت كارهها، كما كرهتك، أم لا؟
انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من جواز الخلع، إذا حصل
الشقاق من قبل المرأة فقط هو الأرجح عندي؛ لظاهر حديث امرأة ثابت رضي اللَّه
تعالى عنهما، ولا يعارض ظاهر الآية، كما أشار إلى ذلك الطبريّ في كلامه المذكور
آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في جواز الخلع بأكثر مما أعطاها من
الصداق :
قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: أكثر أهل العلم على أنه يصحّ
الخلع بأكثر من الصداق، وأنهما إذا تراضيا على الخلع بشي صحّ، روي ذلك عن
عثمان، وابن عمر، وابن عبّاس، وعكرمة، ومجاهد، وقبيصة بن ذؤيب، والنخعيّ،
ومالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي.
ویُروی عن ابن عبّاس، وابن عمر
أنهما قالا: لو اختلعت امرأة من زوجها
بميراثها، وعقاص رأسها، كان ذلك جائزًا. وروي ذلك عن عليّ رَّه بإسناد منقطع،
واختاره أبو بكر، قال: فإن فعل ردّ الزيادة. وعن سعيد بن المسيّب قال: ما أرى أن
يأخذ كلّ مالها، ولكن ليدغ لها شيئًا.
واحتجّوا بحديث قصّة امرأة ثابت بن قيس رضي اللّه تعالى عنهما المذكور في
الباب، وفي رواية ابن ماجه: ((فأمره النبيّ ◌َ له أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد)»، ولأنه
(١) (فتح)) ٥٠٤/١٠ .

٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
بدلٌ في مقابلة فسخ، فلم يزد على قدره في ابتداء العقد، كالعِوَض في الإقالة.
واحتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]،
ولأنه قول من سُمّي من الصحابة *﴾، قالت الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ رضي الله تعالى عنها:
((اختلعتُ من زوجي بما دون عِقَاص رأسي، فأجاز ذلك عثمان بن عفّان ◌َّه))، ومثل
هذا يَشتهر، فلم يُنكر، فيكون إجماعًا، ولم يصحّ عن عليّ خلافه.
فإذا ثبت هذا، فإنه لا يُستحبّ له أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وبذلك قال سعيد بن
المسيّب، والحسن، والشعبيّ، والحكم، وحمّاد، وإسحاق، وأبو عُبيد، فإن فعل جاز
مع الكراهية، ولم يكرهه أبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعيّ. قال مالكٌ: لم أزل أسمع
إجازة الفداء بأكثر من الصداق. واحتجّ الأولون بحديث جميلة المتقدّم. وري عن عطاء،
عن النبيّ وَّ ر أنه كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها. رواه أبو حفص بإسناده.
وهو صريحٌ في الحكم، فنجمع بين الآية والخبر، فنقول الآية دالّة على الجواز، والنهي
(١)
عن الزيادة للكراهية. انتهى
.
وقال في ((الفتح)): واستُدلّ بالحديث على أن الفدية لا تكون إلا بما أعطى الرجل
المرأة عينًا، أو قدرها؛ لقوله وَله: ((أتردّين عليع حديقته؟)). وقد وقع في رواية سعيد،
عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس في آخر حديث الباب عند ابن ماجه، والبيهقيّ:
((فأمره أن يأخذ منها، ولا يزداد)»، وفي رواية عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، قال
أيوب: لا أحفظ: ((ولا تزدد)). ورواه ابن جريج، عن عطاء، مرسلًا، ففي رواية ابن
المبارك، وعبد الوهاب، عنه: ((أما الزيادة فلا))، زاد ابن المبارك عن مالك، وفي رواية
الثوريّ: ((وكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطى)). ذكر ذلك كلّه البيهقيّ. قال: ووصله
الوليد بن مسلم، عن ابن جريج بذكر ابن عبّاس فيه، أخرجه أبو الشيخ، قال: وهو غير
محفوظ. يعني أن الصواب إرساله. وفي مرسل أبي الزبير عند الدار قطنيّ، والبيهقيّ:
((أتردّين عليه حديقته التي أعطاك؟ قالت: نعم، وزيادة، قال النبيّ ◌َلّى: أما الزيادة فلا،
ولكن حديقته، قالت: نعم، فأخذ ماله، وخلى سبيلها)). ورجال إسناده ثقات. وقد
وقع في بعض طرقه سمعه أبو الزبير من غير واحد، فإن كان فيهم صحابيّ، فهو
صحيح، وإلا فيعتضد بما سبق، لكن فيه دلالة على الشرط، فقد يكون ذلك وقع على
سبيل الإشارة رفقًا بها.
وأخرج عبد الرزاق عن عليّ رَمي: ((لا يأخذ منها فوق ما أعطاها)). وعن طاوس،
(١) («المغني)) ٢٦٩/١٠-٢٧٠.

٩٧
٣٤- (بأبُ مَا جَاءَ فِي الْخُلْع) - حديث رقم ٣٤٩٠
وعطاء، والزهريّ مثله. وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق. وأخرج إسماعيل بن
إسحاق، عن ميمون بن مهران: ((من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرّح بإحسان)).
ومقابل هذا ما أخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن سعيد بن المسيّب، قال: ما أُحبّ
أن يأخذ منها ما أعطاها، ليدع لها شيئًا)). وقال مالك: لم أزل أسمع أن الفدية تجوز
بالصداق، وبأكثر منه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِهُ﴾، ولحدیث حبيبة
بنت سهل رضي اللّه تعالى عنها، فإذا كان النشوز من قبلها حلّ للزوج ما أخذ منها
برضاها، وإن كان من قبله لم يحلّ له، ويردّ عليها إن أخذ، وتمضي الفرقة. وقال
الشافعيّ : إذا کانت غیر مؤدّیة لحقّه، کارمةً له حلّ له أن يأخذ، فإنه يجوز أن يأخذ منها
ما طابت به نفسًا، بغير سبب، فبالسبب أولى. وقال إسماعيل القاضي: ادّعى بعضهم
أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِهُ﴾ أي بالصداق، وهو مردود؛ لأنه لم يقيّد في
الآية بذلك انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما تقدّم عن الجمهور أنه يستحبّ أن لا
يأخذ أكثر مما أعطاها أولى؛ جمعًا بين إطلاق الآية، وما ورد من النهي عن أخذ الزيادة،
فهو وإن کان مرسلًا، لكنه يعتضد بكثرة طرقه.
والحاصل أن الجمع بحمل النهي عن أخذ الزيادة على التنزيه أولى. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في جواز الخلع بلا سبب:
ذهب بعضهم إلى أنها لو خالعت من زوجها، لغير بغض، وخشية عدم قيامها بحدود
اللّه كره لها ذلك، وصحّ الخلع، وهذا قول أكثر أهل العلم - كما قاله ابن قدامة-
منهم: أبو حنيفة، والثوريّ، ومالكٌ، والأوزاعيّ، والشافعيّ.
وذهب بعضهم إلى تحريم الخلع لغير حاجة، وبه قال ابن المنذر، وداود، وقال ابن
قُدامة: ويحتمل كلام أحمد تحريمه، فإنه قال: الخلع مثل حديث سهلة تكره الرجل،
فتُعطيه المهر، فهذا الخلع. وهذا يدلّ على أنه لا يكون الخلع صحيحًا إلا في هذه
الحال .
وقال ابن المنذر: وروي معنى ذلك عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، وكثير
من أهل العلم؛ وذلك لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّاَ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا
إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩] . وهذا صريحٌ في التحريم إذا لم
(١) ((فتح)) ٥٠٥/١٠ .

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
يخافا ألا يقيما حدود اللَّه، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا
أَفْتَدَتْ﴾، فدلّ بمفهومه على أن الجناح لا حِقٌ بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلّظ
بالوعيد، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ الَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِّمُونَ﴾
[٢٢٩]. ولحديث ثوبان رَّه، مرفوعًا: ((أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما
بأس، فحرام عليها رائحة الحنة)). حديث صحيح، رواه أحمد، وأصحاب السنن إلا
النسائيّ. ولحديث أبي هريرة رضيه، مرفوعًا: ((المختلعلت، والمنتزعات، هنّ
المنافقات)). حديث صحيح، أخرجه أحمد، وتقدّم للنسائيّ أول الباب. قال ابن قدامة
ذكره أحمد محتجًّا به، وهذا يدل على تحريم المخالعة لغير حاجة؛ ولأنه إضرارٌ بها،
وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة، فحُرّم؛ لقوله وَلقوله: ((لا ضرر، ولا
ضرار)). حديث صحيح، أخرجه أحمد، وابن ماجه من حديث ابن عبّاس رضي الله
تعالى عنهما.
واحتجّ الأولون بقوله عز وجل: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُوهُ هَنِيْئًا مَرًِّا﴾
[النساء: ٤]. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: لا يلزم من الجواز في غير عقد الجواز
في المعاوضات؛ بدليل الربا، حرّمه الله تعالى في العقد، وأباحه في الهبة، والحجة مع
من حزّمه، وخصوص الآية في التحريم يجب تقديمه على عموم آية الجواز، مع ما
عاضدها من الأخبار. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن القول بتحريمه بغير حاجة هو الأرجح؛ لظهور
أدلّته، كما حقّقه الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى في كلامه المذكور آنفًا. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الخلع هل هو فسخٌ، أو تطليقة:
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: اختلفت الرواية عن أحمد في الخلع، ففي إحدى
الروايتين أنه فسخٌ، وهذا اختيار أبي بكر، وقول ابن عبّاس، وطاوس، وعكرمة،
وإسحاق، وأبي ثور، وأحد قولي الشافعيّ.
والرواية الثانية: أنه تطليقة بائنة. ورُوي ذلك عن سعيد بن المسيّب، والحسن،
وعطاء، وقَبيصة، وشُريح، ومجاهد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والنخعيّ،
والشعبيّ، والزهريّ، ومكحول، وابن أبي نُجيح، ومالك، والأوزاعيّ، والثوريّ،
وأصحاب الرأي. وقد رُوي عن عثمان، وعليّ، وابن مسعود، لكن ضعف أحمد
-
(١) راجع («المغني)) ٢٧٠/١٠-٢٧٢.

٩٩
٣٤- (بابُ مَا جَاءَ فِي الخُلع) - حديث رقم ٣٤٩٠
الحديث عنهم، وقال: ليس لنا في الباب شيء أصحّ من حديث ابن عبّاس أنه فسخٌ.
واحتجّ ابن عبّاس بقوله تعالى: ﴿الطَّقُ مَنَّتَانٍ﴾، ثم قال: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ﴾،
ثم قال: ﴿فَإِنِ طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فذكر تطليقتين، والخلعَ،
وتطليقةً بعدها، فلو كان الخلع طلاقًا لكان أربعًا، ولأنها فُرقة خَلَتْ عن صريح الطلاق
ونيّته، فكانت فسخًا، كسائر الفسوخ.
ووجه الثانية أنها بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق
دون الفسخ، فوجب أن يكون طلاقًا؛ ولأنه أتى بكناية الطلاق، قاصدًا فراقها، فكان
طلاقًا، كغير الخلع، وفائدة الروايتين أنا إذا قلنا: هو طلقة، فخالعها مرّةً، حُسبت
طلقة، فنقص بها عدد طلاقها، وإن خالعها ثلاثًا، طلقت ثلاثًا، فلا تحلّ له من بعد حتّى
تنكح زوجًا غيره. وإن قلنا: هو فسخٌ، لم تحرم عليه، وإن خالعها مائة مرّة. وهذا
الخلاف فيما إذا خالعها بغير لفظ الطلاق، ولم ينوه، فأما إن بذلت له العوض على
فراقها، فهو طلاق، لا اختلاف فيه، وإن وقع بغير لفظ الطلاق، مثل كنايات الطلاق،
أو لفظ الخلع والمفاداة، ونحوهما، ونوى به الطلاق، فهو طلاق أيضًا؛ لأنه كناية نوى
بها الطلاق، فكانت طلاقًا، كما لو كان بغير عوض، فإن لم ينو به الطلاق، فهو الذي
فيه الروايتان. انتهى كلام ابن قُدامة(١).
وقال في ((الفتح)) : واستدلّ لمن قال بأنه فسخ بما وقع في بعض طرق حديث الباب
من الزيادة، ففي رواية عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عند أبي داود،
والترمذيّ في قصّة امرأة ثابت بن قيس: ((فأمرها أن تعتدّ بحيضة))(٢). وعند أبي داود،
والنسائيّ، وابن ماجه من حديث الرُّبيّع بنت معوّذ: ((أن عثمان أمرها أن تَعْتَدَّ بحيضة))،
قال: وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول اللّه وَ له في امرأة ثابت بن قيس. وفي رواية
النسائيّ، والطبريّ من حديث الربيع بنت معوّذ: ((أن ثابت بن قيس ضرب امرأته ... ))
فذكر نحو حديث الباب، وقال في آخره: ((خذ الذي لها، وخلِّ سبيلها»، قال: نعم،
((فأمرها أن تتربّص حيضة، وتلحق بأهلها))(٣).
قال الخطّابيّ: في هذا دليلٌ أقوى لمن قال: إن الخلع فسخٌ، وليس بطلاق، إذ لو
كان طلاقًا لم تكتف بحيضة للعدّة انتهى (٤).
(١) («المغني)) ٢٧٤/١٠-٢٧٥.
(٢) حديث صحيح، سيأتي للمصنف رحمه الله تعالى برقم ٣٥٢٤.
(٣) حديث صحيح، سيأتي للمصنّف برقم ٣٥٢٥.
(٤) (فتح)) ٥٠٤/١٠-٥٠٥ .

=
١٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الراجح قول من قال: إن الخلع
فسخٌ، لا طلاقٌ، كما أوضحه ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، وحديث قصّة امرأة
ثابت بن قيس رضي اللّه تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في ثبوت الرجعة بعد الخلع:
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ولايثبت في الخلع رجعة، سواء قلنا: هو فسخٌ،
أو طلاقٌ، في قول أكثر أهل العلم، منهم الحسن، وعطاء، وطاوسٌ، والنخعيّ،
والثوريّ، والأوزاعيّ، ومالكٌ، والشافعيّ، وإسحاق.
وحكي عن الزهريّ، وسعيد بن المسيّب أنهما قالا: الزوج بالخيار بين إمساك
العوض، ولا رجعة، وبين ردّه، وله الرجعة. وقال أبو ثور: إن كان الخلع بلفظ
الطلاق، فله الرجعة؛ لأن الرجعة من حقوق الطلاق، فلا تسقط بالعوض، كالولاء مع
العتق. واحتجّ الأولون بقوله سبحانه وتعالى: ﴿فِيَا أَفْئَدَتْ بِهُ﴾، وإنما يكون فداءً إذا
خرجت به عن قبضته وسُلطانه، وإذا كانت له الرجعة، فهي تحت حكمه؛ ولأن القصد
إزالة الضرر عن المرأة، فلو جاز ارتجاعها لعاد الضرر، وفارق الولاء، فإن العتق لا
ينفكّ منه، والطلاق ينفكّ عن الرجعة فيما قبل الدخول، وإذا أكمل العدد انتهى كلام
ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، من
أنه لا رجعة بعد الخلع هو الأقرب؛ لظهور مناسبته لما شُرع له الخلع من دفع الضرر
عن المرأة؛ فإن ضررها لا يندفع مع ثبوت المراجعة للزوج. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٩١- أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَقْصَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ
رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأْتِي لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ: ((غَرِّبَهَا، إِنْ شِئْتَ))،
قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَتَّبِعَهَا نَفْسِيٍ، قَالَ: ((اسْتَمْتِعْ بِهَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا
غير مرّة، سوى:
١- (عمارة بن أبي حفصة) اسم أبيه نابت أوّله نون -ويقال: ثابت بالثاء المثلّثة، وهو
(١) ((المغني)) ٢٧٨/١٠-٢٧٩.