النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ === ٧- (بَأَبُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلَكَ) - حديث رقم ٣٤٣٠ قالوا: وأما دعواكم نسخ الحديث، فموقوفةٌ على ثبوت معارض، مقاوم، متراخٍ، فأين هذا؟ : . وأما حديث عكرمة، عن ابن عباس في نسخ المراجعة بعد الطلاق الثلاث، فلو صحّ، لم يكن فيه حجة، فإنه إنما فيه أن الرجل كان يطلّق امرأته، ويراجعها بغير عدد، فنُسخ ذلك، وقُصر على ثلاث، فيها تنقطع الرجعة، فأين في ذلك الإلزام بالثلاث بفم واحد، ثم كيف يستمرّ المنسوخ على عهد رسول اللَّه وَله، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، ولا تعلم به الأمة، وهو من أهمّ الأمور المتعلّقة بحلّ الفروج، ثم كيف يقول عمر: إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناةٌ، وهل للأمة أناة في المنسوخ بوجه ما؟، ثم كيف يُعارض الحديث الصحيح بهذا الذي فيه عليّ بن الحسين بن واقد، وضعفه معلوم. وأما حملكم الحديث على قول المطلّق: أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، ومقصوده التأكيد بما بعد الأول، فسياق الحديث من أوله إلى آخره يردّه، فإن هذا الذي أولتم الحديثَ عليه، لا يتغيّر بوفاة رسول اللَّه وَله، ولا يختلف على عهده، وعهد خلفائه، وهلمّ جرًّا إلى آخر الدهر، ومن ينويه في قصد التأكيد، لا يفرّق بين بَرّ وفاجر، وصادق وكاذب، بل يردّه إلى نيته، وكذلك من لا يقبله في الحكم لا يقبله مطلقًا، برًا کان، أو فاجرًا. وأيضًا فإن قوله: ((إن الناس قد استعجلوا، وتتابعوا في شيء كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم))، إخبار من عمر بأن الناس قد استعجلوا ما جعل الله في فسحة منه، وشَرَعَه متراخيّا بعضه عن بعض رحمةً بهم، ورفقًا، وأناةً لهم؛ لئلا يندم مطلّقٌ، فيذهب حبيبه من يديه من أول وهلة، فيعزّ عليه تداركه، فجعل له أناةً، ومهلةً، يستعتبه فيها، ويرضيه، ويزول ما أحدثه العتب الداعي إلى الفراق، ويُراجع كلّ منهما الذي عليه بالمعروف، فاستعجلوا فيما جعل لهم فيه أناةٌ ومهلةٌ، وأوقعوه بفم واحد، فرأى عمر رَّه أنه يلزمهم ما التزموه عقوبةً لهم، فإذا عَلِم المطلّق أن زوجته، وسكنه تحرم عليه من أول مرّة بجمعه الثلاث كفّ عنها، ورجع إلى الطلاق المشروع المأذون فيه، وكان هذا من تأديب عمر لرعيّته لما أكثروا من الطلاق الثلاث، كما سيأتي مزيد تقريره عند الاعتذار عن عمر تتمثل في إلزامه بالثلاث، هذا وجه الحدیث الذي لا وجه له غيره، فأين هذا من تأويلكم المستكره المستبعد الذي لا توافقه ألفاظ الحديث، بل تنبو عنه، وتنافره. وأما قول من قال: إن معناه كان وقوع الطلاق الثلاث الآن على عهد رسول اللَّه وَله ٢٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ واحدةً، فإن حقيقة هذا التأويل: كان الناس على عهد رسول اللّه وَالهِ يُطلّقون واحدةٌ، وعلى عهد عمر صاروا يطلّقون ثلاثًا، والتأويل إذا وصل إلى هذا الحدّ، كان من باب الإلغاز والتحريف، لا من باب بيان المراد، ولا يصحّ ذلك بوجه ما، فإن الناس ما زالوا يُطلّقون واحدة، وثلاثًا، وقد طلّق رجالٌ نساءهم على عهد رسول اللّه ◌َّر ثلاثًا، فمنهم من ردّها إلى واحدة، كما في حديث عكرمة، عن ابن عباس، ومنهم من أنكر عليه، وغضب، وجعله متلاعبًا بكتاب الله، ولم يُعرف ما حكم به عليهم، وفيهم من أقرّه لتأكيد التحريم الذي أوجبه اللعان، ومنهم من ألزمه بالثلاث؛ لكون ما أتى به من الطلاق آخر الثلاث، فلا يصحّ أن يقال: إن الناس ما زالوا يُطلّقون واحدةً إلى أثناء خلافة عمر، فطلّقوا ثلاثًا، ولا يصح أن يقال: إنهم قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناةٌ، فنمضيه عليهم، ولا يلائم هذا الكلام الفرق بين عهد رسول اللَّه وَلتر، وبين عهده بوجه ما، فإنه ماض منكم على عهده، وبعد عهده. ثم إن في بعض ألفاظ الحديث الصحيحة: ((ألم تعلم أنه من طلّق ثلاثًا جُعلت واحدةً على عهد رسول اللّه وَلفته)). وفي لفظ: ((أما علمت أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول اللَّه ◌ِ لَّه وأبي بكرٍ، وصدرًا من خلافة عمر، فقال ابن عبّاس: بلی کان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول اللَّه بِّه، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناسَ -يعني عمر - قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوهنّ عليهم)). هذا لفظ الحديث، وهو بأصحّ إسناد(١)، وهو لايحتمل ما ذكرتم من التأويل بوجه ما، ولكن هذا كله عمل من جعل الأدلّة تبعًا للمذهب، فاعتقد، ثم استدلّ، وأما من جعل المذهب تبعًا للدليل، واستدلّ، ثم اعتقد، لم يمكنه هذا العمل. وأما قول من قال: ليس في الحديث بيان أن رسول اللَّه ◌َلتر كان هو الذي يجعل ذلك، ولا أنه علم به، وأقرّه عليه، فجوابه أن يقال سبحانك هذا بهتان عظيمٌ أن يستمرّ هذا الجعل الحرام المتضمّن لتغيير شرع الله ودينه، وإباحة الفرج لمن هو علیه حرامٌ، وتحريمه على من هو عليه حلالٌ على عهد رسول اللّه وَلّر، وأصحابه خير الخلق، وهم يفعلونه، ولا يعلمونه، ولا يعلمه هو، والوحي ينزل عليه، وهو يقرّهم عليه، فهبْ أن رسول اللَّه ◌َلر لم يكن يعلمه، وكان الصحابة يعلمونه، ويبدّلون دينه وشرعه، والله يعلم ذلك، ولا يوحيه إلى رسوله وَله، ولا يُعلمه به، ثم يتوفّى اللَّه رسوله وَله والأمر (١) قلت: التقييد بقبل الدخول لا يصحّ، فإنه أخرجه أبو داود، وقال في إسناده: عن أيوب، عن غير واحد، فشيوخ أیوب مجهولون. فتنبه. ٢٨٣ ٧- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ) - حديث رقم ٣٤٣٠ على ذلك، فيستمرّ هذا الضلال العظيم، والخطأ المبين عندكم مدّة خلافة الصدّيق كلّها، يُعمل به، ولا يُغيَّر إلى أن فارق الصّدّيق الدنيا، واستمرّ الخطأ، والضلال المركّب صدرًا من خلافة عمر، حتى رأى بعد ذلك برأيه أن يُلزم الناس بالصواب، فهل في الجهل بالصحابة، وما كانوا عليه في عهد نبيّهم وَلَّ، وخلفائه أقبح من هذا، وتاللَّه لو كان جعل الثلاث واحدةً خطأً محضًا، لكان أسهل من هذا الخطأ الذي ارتكبتموه، والتأويل الذي تأوّلتموه، ولو تركتم المسألة بهيئتها، لكان أقوى لشأنها من هذه الأدلّة والأجوبة. قالوا: وليس التحاكم في هذه المسألة إلى مقّد متعصّب، ولا هيّاب للجمهور، ولا مستوحش من التفرّد إذا كان الصواب في جانبه، وإنما التحاكم فيها إلى راسخ في العلم، قد طال فيه باعه، ورحُب بنيله ذراعه، وفرّق بين الشبهة والدليل، وتلقّى الأحكام من نفس مشكاة الرسول، وعرف المراتب، وقام فيها بالواجب، وباشر قلبه أسرار الشريعة، وحِكَمَها الباهرة، وما تضمّنته من المصالح الباطنة والظاهرة، وخاض في مثل هذه المضايق لُججها، واستوفى من الجانبين حُججها، والله المستعان، وعليه التكلان . قالوا: وأما قولكم: إذا اختلفت علينا الأحاديث، نظرنا فيما عليه الصحابة فنعم والله، وحَيَّهلًا ببرك الإسلام، وعصابة الإيمان. فَلَا تَطَلَّبْ لِيَ الأَعْوَاضَ بَعْدَهُمُ فَإِنَّ قَلْبِيَ لَا يَرْضَى بِغَيْرِهِمْ ولكن لا يليق بكم أن تدعونا إلى شيء، وتكونوا أول نافر عنه، ومخالف له، فقد توفّ النبيّ وَ له عن أكثر من مائة ألف عين كلهم قد رآه، وسمع منه، فهل صحّ لكم عن هؤلاء كلهم، أو عشرهم، أو عشر عشرهم، أو عشر عشر عشرهم القول بلزوم الثلاث بفم واحدة؟ هذا ولو جهدتم كلّ الجهد لم تُطيقوا نقله عن عشرين نفسًا منهم أبدًا، مع اختلاف عنهم في ذلك، فقد صح عن ابن عباس القولان، وصحّ عن ابن مسعود القول باللزوم، وصحّ عنه التوقّف، ولو كاثرناكم بالصحابة الذين كان الثلاث على عهدهم واحدة، لكانوا أضعاف من نُقل عنه خلاف ذلك، ونحن نكاثركم بكلّ صحابيّ مات إلى صدر من خلافة عمر، ويكفينا مقدّمهم، وخيرهم، وأفضلهم، ومن كان معه من الصحابة على عهده، بل لو شئنا لقلنا، ولصدقنا: إن هذا كان إجماعًا قديمًا، لم يختلف فيه على عهد الصّدّيق اثنان، ولكن لم ينقرض عصر المجمعين حتى حدث الاختلاف، فلم يستقرّ الإجماع الأول، حتى صار الصحابة على قولين، واستمرّ الخلاف بين الأمة في ذلك إلى اليوم. ٢٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ثم نقول: لم يخالف عمر إجماع من تقدّمه، بل رأى إلزامهم بالثلاث عقوبة لهم لما علموا أنه حرام، وتتابعوا فيه، ولا ريب أن هذا سائغٌ للأئمة أن يُلزموا الناس بما ضيّقوا به على أنفسهم، ولم يقبلوا فيه رخصة اللَّه عز وجل، وتسهيله، بل اختاروا الشدّة والعسر، فكيف بأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ◌َّه ، وكمال نظره للأمة، وتأديبه لهم، ولكن العقوبة تختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص، والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه، وخفائه، وأمير المؤمنين عمر تَ لم يقل لهم: إن هذا عن رسول اللَّه وَله، وإنما هو رأيّ رآه مصلحة للأمة، يكفّهم بها عن التسارع إلى إيقاع الثلاث، ولهذا قال: ((فلو أمضيناه عليهم))، وفي لفظ آخر: ((فأجيزوهنّ عليهم)). أفلا يُرى أن هذا رأيٌ رآه للمصلحة، لا إخبارٌ عن رسول اللَّه وَ له، ولما علم ◌َميه أن تلك الأناة، والرخصة نعمة من اللَّه على المطلّق، ورحمةٌ به، وإحسان إليه، وأنه قابلها بضدّها، ولم يقبل رخصة اللّه، وما جعله له من الأناة عاقبه بأن حال بينه وبينها، وألزمه ما ألزمه من الشدّة والاستعجال، وهذا موافقٌ لقواعد الشريعة، بل هو موافقٌ لحكمة الله في خلقه قدرًا وشرعًا، فإن الناس إذا تعدّوا حدوده، ولم يقفوا عندها، ضيّق عليهم ما جعله لمن اتقاه من المخرج، وقد أشار إلى هذا المعنى بعينه من قال من الصحابة للمطلّق ثلاثًا: إنك لو اتقيت اللَّه، لجعل لك مخرجًا، كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، فهذا نظير أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة، لا أنه تنظمثيه غيّر أحكام اللّه، وجعل حلالها حرامًا، فهذا غاية التوفيق بين النصوص، وفعل أمير المؤمنين، ومن معه، وأنتم لم يمكنكم ذلك إلا بإلغاء أحد الجانبين، فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذا المقام الضنك، والمعترك الصعب، وبالله تعالى التوفيق(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وبالجملة فينبغي لمن أراد تحقيق هذه المسألة مراجعة ما كتبه العلامة ابن القيّم رحمه اللَّه تعالى في ((زاد المعاد)) ٢٤٧/٥-٢٧١، و((إعلام الموقّعين)) ٣٠/٣-٤٠- و((إغاثة اللَّهفان)) ص١٥٣-١٨٣ . وكذا كلام شيخه شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في ((مجموع الفتاوى)) ٧/٣٣-٩ و٩٨/٣٣. والحاصل أن الحقّ أنَّ من قال لزوجته أنت طالق ثلاثًا بكلمة واحدة ◌ُتسب عليه طلقة واحدة، لا ثلاث تطليقات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٣٤٣٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرَا الْعَجْلَانِيَّ، جَاءَ إِلَى عَاصِمِ (١) راجع ((زاد المعاد)) ٢٦٤/٥-٢٧١. ٢٨٥ ٧- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلَكَ) - حديث رقم ٣٤٣١ بْنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ يَا عَاصِمُ، لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ، رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ عَنْ ذَلِكَ؟ فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الْمَسَائِلَ، وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمِ، مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ، جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتَ (١) عَنْهَا، فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللّهِ لَا أَنْتَهِي،َ حَتَّى أَسَّأَلَ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَأَقْبَلْ عُوَيْمِرٌ، حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللّهِ وَّهِ وَسْطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَنْتَ رَجُلًا، وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفَعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: ((قَدْ نَزَّلَ فِيكَ، وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا))، قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ نَّ، فَلَمَّا فَرَغَ عُوَيْمِرْ، قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلاثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه مستوفّى في أبواب اللعان، إن شاء الله تعالى، وقد بينت أوّل الباب محلّ استدلال المصنّف منه، ووجه استدلاله به. و ((ابن القاسم)): هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ الفقيه المصريّ، صاحب مالك. و(«مالك)): هو ابن أنس إمام دار الهجرة. وقوله: ((فيقتلونه)) أي المسلمون قصاصًا إن لم يأت بالشهود، وإن كان له ذلك عذرًا فيما بينه وبين الله تعالى عند بعضهم، لكن لا يصدّق بمجرّد الدعوى في القضاء. وقوله: ((فكره رسول اللَّه وَله))، كأنه وَله ما اطلع على وقوع الواقعة، فرأى البحث عن مثله قبل الوقوع من فضول العلم، مع أنه يُخلّ في البحث عن الضروريّ. وقوله: ((فتقتلونه)) الخطاب للمسلمين، أو للنبيّ وَّلير، والجمع للتعظيم. وقوله: ((كذبتُ عليها إن أمسكتها)) أي مقتضى ما جرى من اللعان أن لا أمسكها، إن كنت صادقًا فيما قلت، فإن أمسكتها، فكأني كنت كاذبًا فيما قلت، فلا يليق الإمساك. والخلاف في أن اللعان هل يقع به التفريق، أم لا بدّ من حكم الحاكم، سيأتي في موضعه إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٣١- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ (١) وفي نسخة: ((سألته)). = ٢٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ الْأَخْمَسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّعْبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، قَالَتْ: أَتَيْتُ النَِّيَّ(١) وَ﴿ِ، فَقُلْتُ: أَنَا بِنْتُ آلٍ خَالِدٍ، وَإِنَّ زَوْجِي فُلَانًا، أَرْسَلَ إِلَيَّ بِطَلَاقِيٍ، وَإِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَهُ النَّفَقَةَ وَالسُّكْتَى، فَأَبَوْا عَلَيَّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنّةً قَدْ (٢) أَرْسَلَ إِلَيْهَا بِثَلاَثِ تَطْلِيقَاتٍ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ، إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أحمد بن يحيى)): هو أبو جعفر الأوديّ الكوفيّ العابد الثقة [١١] ١٢٧٤/٣٨ من أفراد المصنّف. و((أبو نعيم)): هو الفضل بن دكين. و((سعيد بن يزيد البجليّ، ثم الأحمسيّ)) الكوفيّ، صدوق [٧]. روى عن الشعبيّ. وعنه بكر بن بكار، ووكيعٌ، وأبو نعيم. قال أبو حاتم: شيخٌ يُروى عنه. وقال الدوريّ: سمعت يحيى بن يزيد يروي عنه وكيع كوفي ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف بحديث الباب. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في -٣٢٢٢/٨- فراجعه هناك تستفد. وقولها: ((أنا بنت آل خالد))، أرادت به جدّها، فإنها فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهريّة. وقوله: ((وإن زوجي فلانًا)): هو أبو عمرو بن حفص المخزوميّ، كما سيأتي في الرواية الثالثة. ومحلّ الشاهد هنا قوله: ((أرسل إليها بثلاث تطليقات))، لكن تقدّم أن الصواب أنه أرسل إليها بآخر طلقات ثلاث، لا بالثلاث المجموعة، كما بُيّن في الروايات الأخرى، فلا يتمّ به الاستدلال لغرض المصنّف، وهو جواز جمع الطلقات الثلاث دفعة واحدة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٣٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ الشَّغْيِيّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لَيْسَ لَهَا سُكْتَى، وَلَّا نَفَقَةٌ) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)): هو الثوريّ. و «سلمة» : هو ابن گھیل. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الذي قبله. (١) وفي نسخة)): رسول اللَّه وَيت)). (٢) سقطت لفظة ((قد)) من بعض النسخ. = ٢٨٧ ٨- (بَأَبُ طَلَاَقِ الثَّلَثِ الْمُتْفَرَقَةِ قَبَلَ ... - حديث رقم ٣٤٣٤ ومحل الاستدلال منه قوله: ((المطلّقة ثلاثًا الخ))؛ ووجهه أنه يعمّ تطليقها ثلاثًا مجموعة، ومفرّقة، فيفيد جواز جمع الطلاق الثلاث، لكن الحقّ أن هذه الرواية مختصرة، من رواياتها الأخرى المطوّلة؛ لأنها قصّة واحدة، وقد تقدّم أنه ليس فيها جمع الثلاث، وإنما فيها إيقاعها متفرّقة، فلا يتمّ الاستدلال به لغرض المصنّف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٣٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو -وَهُوَ الْأَوْزَاعِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةٌ بِنْتُ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرٍو ابْنَ حَفْصِ الْمَخْزُومِيَّ، طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فِي نَفَرِ مِنْ بَنِي مَخْزُومِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ، طَلَّقَ فَاطِمَةَ ثَلَاثًا، فَهَلْ لَهَا نَفَقَةٌ؟ فَقَالَ: ((لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ، وَلَا سُكْنَى)) ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: (بقيّة): هو ابن الوليد. و((يحيى)): هو ابن أبي كثير. و((أبو سلمة)): هو ابن عبد الرحمن بن عوف. وقوله: ((فانطلق خالد بن الوليد الخ))، إنما ذهب خالد رَّه في قضيّتها؛ لكونه من عشيرتها. والله تعالى أعلم. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)). ٨- (بَابُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ الْمُتَفَرِّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة تقييد حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما الذي أورده هنا، فإنه بإطلاقه يشمل المدخول بها وغير المدخول بها، فأراد أن يُبَيّن أن المراد به غير المدخول بها، وذلك لأنه وقع تقييده بها في بعض الطرق، فقد رواه أبو داود، في ((سننه))، من طريق أبي النعمان - محمد بن الفضل عارم- عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن غير واحد، عن طاوس، أن ٢٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ رجلا يقال له: أبو الصَّهْباء، كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أن الرجل، كان إذا طلق امرأته ثلاثا، قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة، على عهد رسول الله وَلخير، وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر؟، قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا، قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة، على عهد رسول اللَّه وَله، وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس، قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم. لكن هذه الرواية ضعيفة؛ لجهالة شيوخ أيوب، فلا تصلح لهذا التأويل الذي أراده المصنّف، فليُتأمّل. وقال السنديّ في (شرحه)): لما كان الجمهور من السلف والخلف على وقوع الثلاث دفعة، وقد جاء في حديث رُكانة -بضمّ الراء - أنه طلّق امرأته البتّة، فقال له النبيّ وَالير: ((ما أردت إلا واحدة))، فقال: ما أردت إلا واحدة، فهذا يدلّ على أنه لو أراد الثلاث لوقعت، وإلا لم يكن لتحليفه معنى، وهذا الحديث بظاهره يدلّ على عدم وقوع الثلاث دفعةً، بل تقع واحدةً، أشار المصنّف في الترجمة إلى تأويله بأن يُحمل الثلاث في الحديث على الثلاث المتفرّقة لغير المدخول بها، وإذا طلّق غير المدخول بها ثلاثًا متفرّقة تقع الأولى، وتلغو الثانية والثالثة؛ لعدم مصادفتهما المحلّ، فهذا معنى كون الثلاث تُردّ إلى الواحدة، وعلى هذا المعنى اندفع الإشكال عن الجمهور، وحصل التوفيق بين هذا الحديث، وبين ما يقتضي وقوع الثلاث من الأدلّة، وهذا محمل دقيقٌ لهذا الحديث، إلا أنه لا يوافق ما جاء في هذا الحديث أنّ عمر تنظيفثه بعد ذلك أمضى الثلاث، إذ هو ما أمضى الثلاث المتفرّقة لغير المدخول بها، بل أمضى الثلاث دفعة للمدخول بها، وغير المدخول بها، فليُتأمّل، فالوجه في الجواب أنه منسوخ، وقد قرّرناه في ((حاشية مسلم))، و((حاشية أبي داود)). والله تعالى أعلم انتهى كلام (١) السنديّ(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق أن دعوى النسخ غير صحيحة، إذ لا دليل عليه. والحاصل أن تأويل المصنف رحمه الله تعالى لحديث الباب بما ذكره في هذه الترجمة فيه نظرٌ لا يخفى، فالحقّ أن الحديث على ظاهره، فإذا طلّق الرجل امرأته المدخول بها ثلاثًا مجموعة تُحتسب واحدةً. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٣٤- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، عَنِ ابْنِ (١) ((شرح السنديّ)) ١٤٥/٦-١٤٦. ٨- (بَأَبُ طَلَقِ الثََّثِ الْمُنْفَرَقَةِ قَبْلَ ... - حديث رقم ٣٤٣٤ ٢٨٩ جُرَيْجِ، عَنِ ابْنٍ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ، جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسَ، أَلَمَّ تَعْلَّمْ، أَنَّ الثّلَاثَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَاقَةِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهُمَا، تُرَدُّ إِلَى الْوَاحِدَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا السند: ستة: ١- (أبو داود سليمان بن سيف) بن يحيى بن درهم الطائي مولاهم الحرّاني، ثقة حافظ [١١] ١٣٦/١٠٣ من أفراد المصنف. ٢- (أبو عاصم) الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني النبيل البصريّ، ثقة ثبت [٩] ١٩ / ٤٢٤. ٣- (ابن جريج) عبد المبلك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٣٢/٢٨ . ٤- (ابن طاوس) عبد الله، أبو محمد اليمانيّ ثقة فاضل عابد [٦] ١١٩/ ٥١٤. ٥- (أبوه) طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل [٣] ٣١/٢٧. ٦- (ابن عباس) عبد اللَّه رضي اللّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن) عبد اللَّه (بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان (أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ) هو صُهيب البكريّ البصريّ، أو المدنيّ، مولى ابن عبّاس وثقة أبو زرعة، والعجلي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وضعفه النسائي، وله ذكر في هذا الباب، وليست له رواية (جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسِ، أَلَمْ تَعْلَمْ، أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ عَلَّى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَاقَةِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهِممَا، تُرَدُّ إِلَى الْوَاحِدَةِ؟) أي تُجعل في حكم طلقة واحدة، يحلّ للمطلّق أن يراجع امرأته بعدها (قَالَ) ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما (نَعَمْ) وفي رواية لمسلم عن ابن عباس، قال: ((كان الطلاق على عهد رسول اللَّه ◌َ له، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث ٢٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ واحدة، فقال عمر بن الخطّاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم). وقوله: ((أناة)) -بفتح الهمزة، أي مهلة، وبقيّة استمتاع لانتظار المراجعة. قاله النوويّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٤٣٤ - وفي ((الكبرى)) ٥٥٩٩/٩. وأخرجه (م) في ((الطلاق)) ١٤٧٢ (د) في ((الطلاق)) ٢١٩٩ و٢٢٠٠، وتقدّم ما يتعلّق به من المسائل قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٩- (الطَّلَاقُ لِلَّتِي تَنْكِحُ زَوْجًا، ثُمَّ لَا يَدْخُلُ بِهَا) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف بهذا بيان حكم المرأة المطلّقة ثلاثًا، إذا تزوّجت، ثم طلّقها الزوج الثاني قبل الدخول بها، هل يحلّها هذا الطلاق لزوجها الأول، أم لا؟، والجواب لا يُحلّها؛ لأن الشرط في ذلك أن يقع هذا الطلاق بعد أن يجامعها الزوج الثاني. ودلالة حديث الباب على الترجمة ظاهرة، وقد تقدّم أن استدلّ المصنف رحمه الله تعالى به في ((كتاب النكاح)) -٣٢٨٤/٤٣- على ((النكاح الذي تحلّ به المطلّقة ثلاثًا لمطلّقها)»، ووجه اختلاف الترجمتين أن النظر هناك إلى النكاح، وهنا إلى الطلاق. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٣٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ٩- (الطَّلَاقُ لِلِّي تنَكِحُ زَوْجًا، ثُمَّ ... - حديث رقم ٣٤٣٦ ٢٩١ فَزَوَّجَتْ زَوْجَا غَيْرَهُ، فَدَخَلَ بَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُوَاقِعَهَا، أَجَلُّ لِلْأَوَّلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لَا حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتَهَا، وَتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. وهو مسلسلٌ بالكوفيين، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعيّ. والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم في -٣٢٨٤/٤٣ - ((النكاح الذي تحلّ به المطلّقة ثلاثًا لمطلّقها))، وتقدّم هناك شرحه مستوفّى، وكذا بيان مسائله. وقوله: ((عن رجل طلّق امرأته)) أي ثلاثًا. وقوله: ((فدخل بها)) أي خلا بها، سمّى الخلوة دخولًا، وليس المراد بالدخول الجماع، كما يبيّنه قوله: («ثم طلّقها قبل أن یواقعها)). وقوله: ((حتى يذوق الآخر)) المراد به غير الأول، لا خصوص هذا الذي طلّقها، فلو تزوّجت بعد هذا غيره، فجامعها، ثم طلّقها حلّت للأول. وقوله: ((عُسيلتها)) تصغير عسل، وإنما أنّثه؛ لأن العسل يؤنّث، ويذكّر، وقيل: على إرادة اللذّة، والمراد لذّة الجماع، لا لذّة إنزال الماء، فإن التصغير يقتضي الاكتفاء بالقليل، فلا يشترط الإنزال، كما تقدّم بحثه في الباب المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٣٦- (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَّتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنّي نَكَحْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، وَاللَّهِ مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُذْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟، لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. والثلاثة الأولون مصريّون، والباقون مدنيّون، غير أيوب، فمكيٍّ. و((الليث)): هو ابن سعد إمام أهل مصر. و((أيّوب بن موسى)) : هو أبو موسى الأمويّ المكيّ الثقة. وقوله: ((ابن الزبير)) بفتح الزاي، وكسر الباء الموحّدة. وقولها: ((الهُذبة)) -بضم الهاء، وسكون الدال المهملة، جمعه هُدب -بضم، فسكون، وبضمّتين -: خَمْلُ الثوب. أفاده في ((القاموس)). وفي ((زهر الربى)): بضم ٢٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ الهاء، وإسكان الدال: طرفه الذي يُنسج انتهى. وقوله: ((لا)) أي لا يجوز أن ترجعي إلى رفاعة. وقوله: ((حتى يذوق)) أي الآخر، لا بخصوص کونه عبد الرحمن بن الزَّبِیر، فإنه لا يشترط ذلك، بل لو تزوجت بعده غيره، فجامعها، ثم طلّقها حلّت لرفاعة. والحديث متفق عليه، ومضى القول فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)» . ١٠- (طَلَاقُ الْبَّةِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ظاهر صنيع المصنّف رحمه اللّه تعالى أنه المراد من قولها: ((فطلّقني البتّة)) أنه طلّقها بلفظ ((البتّة))، فيدلّ على أن من طلّق بلفظ البتّة للمدخول بها يُحمّل على الثلاث، كما هو المنقول عن الإمام مالك، رحمه الله تعالى، لكن تقدّم أن هذه الرواية محمولة على الروايات الأخرى المصرّحة، فقد جاء في ((الصحيحين))، وغيرهما بلفظ: ((إنها كانت عند رفاعة، فطلّقها آخر ثلاث تطليقات ... ))، فيكون معنى ((البتّة)) هنا أنه بَتَّ طلاقها، وقطعها عن حكم الرجعة، بتطليقها الطلقة الأخيرة، وهي الثالثة، فلا يدلّ على غرضه، فليُتأمّل. والحاصل أن الأصحّ في معنى قولها: ((فطلّقني البتّة)) أنه أبانها البينونة الكبرى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٣٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بِنُ زُرَيْعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيُ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةٌ الْقُرَظِيْ، إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، وَأَبُو بَكْرِ عِنْدَهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ تَحَتَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيْ، فَطَلَّقَنِي الْبَّةَ، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، وَإِنهُ وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مَعَهُ، إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُذْبَةِ، وَأَخَذَتْ هُذْبَةٌ، مِنْ جِلْبَاتِهَا، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بِالْبَابِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ، تَجَهَرُ بِمَا تَجَهَرُ بِهِ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: ((تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ، لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا ٢٩٣ ٠ ١ - (طلاقُ البتگِّ) - حديث رقم ٣٤٣٧ غير مرّة. والنصف الأول منهم بصريّون، والثاني مدنيون، وشيخه، أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. وقوله: ((من جلبابها)) -بكسر الجيم، وسكون اللام، وموحّدتين، بينهما ألف، كسِرْداب، وبكسرتين، وتشديد الموحّدة، كسِنِمَّار -: القميصُ، وثوبٌ واسعٌ للمرأة، دون الْمِلْحَفة، أو ما تُغطّي به ثيابها، من فوقُ، كالْمِلْحَفَة، أو هو الخمار. قاله في ((القاموس)). وقوله: ((وخالد بن سعيد بالباب، فلم يؤذن له)): أي بالدخول على رسول اللَّه وَلتر) يعني أنه تمّ كان اسأذن، فبينما هو ينتظر الإذن قبل أن يؤذن له سمع كلامها بما يُستحيى من ذكره عند رسول اللّه وَلتر، فلم يملك نفسه، فنادى أبا بكر رضيه، وطلب منه أن ينكر عليها ذلك. وفي رواية للبخاريّ في ((كتاب اللباس)): قال: فسمع خالد بن سعيد قولها، وهو بالباب، فقال: يا أبا بكر ألا تنهى هذه عما تجهر به عند رسول الله وَله، فوالله ما يزيد رسول اللّه وَلّ على التبسْم)). قال في ((الفتح)): وفيه ما كان الصحابة * عليه من سلوك الأدب بحضرة النبيّ وَلّره، وإنكارهم على من خالف ذلك بفعله، أو قوله؛ لقول خالد بن سعيد لأبي بكر رضي الله تعالى عنهما، وهو جالسٌ: ((ألا تنهى هذه؟))، وإنما قال خالد ذلك؛ لأنه كان خارج الهجرة، فاحتمل عنده أن يكون هناك ما يمنعه من مباشرة نهیها بنفسه، فأمر به أبا بكر تنظيم؛ لكونه جالسًا عند النبيّ وَّله، مشاهدًا لصورة الحال، ولذلك لما رأى أبو بكر النبيّ وَله يتبسم عند مقالتها لم يزجرها، وتبسّمه وَلو كان تعجّبًا منها، إما لتصريحها بما يَستحيي النساء من التصريح به غالبًا، وإما لضعف عقل النساء؛ لكون الحامل لها على ذلك شدّة بغضها للزَّوْج الثاني، ومحبّتها الرجوع إلى الزوج الأول، ويُستفاد منه وقوع ذلك انتهى(١). وخالد بن سعيد هذا هو خالد بن سعيد بن العاصي بن أميّة بن عبدشمس الأمويّ، أبو سعيد، أمه أم خالد بنت حُبَاب الثقفيّة، من السابقين الأولين. قيل: كان رابعًا، أو خامسًا، وكان سبب إسلامه رؤيا رآها أنه على شِعب نار، فأراد أبوه أن يرميه فيها، فإذا النبيّ وَ ل قد أخذ بحُجْزته، فأصبح، فأتى أبا بكر، فقال: أتّبع محمدًا بَّرَ، فإنه رسول الله، فجاء، فأسلم، فبلغ أباه، فعاقبه، ومنعه القوت، ومنع إخوته من كلامه، فتعب حتى خرج بعد ذلك إلى الحبشة، فكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة، ووُلد له هناك (١) (فتح)) ١٠/ ٥٨٤ - ٥٨٥. (كتاب الطلاق)). رقم الحديث -٥٣١٧/٣٧ -. = ٢٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ بنته أم خالد. واستعمله النبيّ وَّر على صدقات بني مَذْحِج، وأمّره أبو بكر رضي الله تعالى عنهما على مشارف الشام في الرّدّة، استُشهد يوم مَرْج الصُّفْر (١)، وقيل: يوم أجنادین(٢) . وقوله: (تجهر بما تجهر به الخ)) كره سعيد رَّه الجهر بمثل ذلك في حضرته وَّه؛ تعظيمًا لشأنه وَاله وتحقيرًا لتلك المقالة البعيدة عن أهل الحياء. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)). ١١- (أَمْرُكِ بِيَدِكِ) ٣٤٣٨- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَيُّوبَ: هَلْ عَلِمْتَ أَحَدًا قَالَ فِي أَمْرِكِ بِيَدِكِ: إِنَّا ثَلاثٌ، غَيْرَ الْحَسَنِ؟، فَقَالَ: لَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ غَفْرًا، إِلَّ مَا حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ كَثِيرٍ، مَوْلَى ابْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: ((ثَلَاثٌ))، فَلَّقِيتُ كَثِيرًا، فَسَأَلْتُهُ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ، فَرَجَعْتُ إِلَّى قَتَادَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: نَسِيَ. قَالَ أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ) بن نصر بن عليّ الْجَهْضميّ، أبو الحسن البصري الصغير(٣) الحافظ، ثقة حافظ [١١] رَوَى عن وهب بن جرير بن حازم، وأبي داود الطيالسي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وسهل بن حماد أبي عتاب الدلال، ومحمد بن عباد الهنائي، وأبي بكر الحنفي، وعبد الله بن يزيد المقري، وسليمان بن حرب، وأبي عاصم، وطائفة. ورَوَى (١) بضمّ الصاد المهملة، وفتح الفاء المشدّدة: موضع بالشام. (٢) راجع ((الإصابة)) ج٥٨/٣-٦٠. (٣) إنما قيل له: الصغير للفرق بينه وبين جدّه علي بن نصر بن علي الجهضمي البصريّ، ثقة، من كبار[٩] من رجال الجماعة. ٢٩٥ ١١ - (أَمْرُكِ بيدك) - حديث رقم ٣٤٣٨ عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو عَمْرو المستملي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري في غير ((الجامع))، وعمر بن محمد البجيري، وأحمد بن يحيى بن زهير، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وسألته عنه، فوثقه، وأطنب في ذكره، والثناء عليه. وقال أبو زرعة: أرجو أن يكون خلفا. وقال صالح بن محمد: ثقة صدوق. وقال الترمذي: كان حافظا صاحب حديث. وقال النسائي: نصر بن علي الجهضمي، وابنه علي ثقتان، وذكرهما ابن حبان في ((الثقات))، وقال هو والنسائي وغيرهما: مات سنة خمسين ومائتين، زاد البخاري في ((تاريخه)): في شعبان. أخرج له الجماعة إلا البخاريّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢- (سليمان بن حرب) الأزديّ الواشحيّ، أبو أيوب البصريّ، القاضي بمكة، ثقة إمام حافظ [٩] ٢٨٨/١٨١. ٣- (حماد بن زيد) بن درهم الجهضميّن أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٨] ٣/٣ . ٤- (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٨/٤٢ . ٥ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ، ابو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ٣٤/٣٠. ٦- (كثير) بن أبي كثير البصريّ، مولى عبد الرحمن بن سمرة، ثقة(١) [٣]. روى عن مولاه، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن المسيّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عياض، وأرسل عن عمر. وروى عنه محمد بن سيرين، ومنصور ابن المعتمر، وأيوب السختيانيّ، وعبد الله بن القاسم، وقتادة. قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكره ابن الجوزيّ في الصحابة. وزعم عبد الحقّ تبعًا لابن حزم أنه مجهول، فتعقّبَ ذلك عليه ابن القطّان بتوثيق العجليّ. وذكره العقيليّ في ((الضعفاء))، وما قال فيه شيئًا. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه في ((التفسير))، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط. ٧- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/١ . (١) في ((التقريب)): مقبول، لكن الظاهر أنه ثقة؛ لأنه روى عن جماعة، وروى عنه جماعة، وفيهم من قيل فيه: إنه لا يروي إلا عن ثقة، وهو منصور، ووثّقه العجليّ، وابن حبّان، ولم يذكر من ضعّفه سببا لتضعيفه، فتأمّل. ٢٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ٨- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير كثير، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي سلمة. (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أيوب، عن قتادة، عن كثير، عن أبي سلمة، وفيه أبو هريرة تَّه أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن حماد بن زيد، أنه قال (قُلْتُ لِأَيُّوبَ) السختيانيّ (هَلْ عَلِمْتَ أَحَدًا) أي من أهل العلم (قَالَ فِي أَمْرِكِ بِيَدِكِ) أي في قول الرجل لامرأته، مريدًا تفويض الطلاق إليها: أمرك بيدك، أي جعلت أمر طلاقك بتصرّفك، فإن شئت، نفذّيه، وإن شئت اتركيه (إِنَّا ثَلَاثُ) أي إن التطليقات التي تطلّق المرأة نفسها بناء على ذلك التفويض، تقع ثلاث تطليقات، بحيث لا يملك الزوج مراجعتها (غَيْرَ الْحَسَنِ؟) منصوب على الاستثناء، أي إلا الحسن بن أبي الحسن الأنصاريّ مولاهم البصريّ، الإمام الفقيه الثبت الحجة مات سنة (١١٠هـ) وقد قارب التسعين رحمه الله تعالى (فَقَالَ) أيّوب (لَا) أي لا أعلم أحدًا قال ذلك (ثُمَّ قَالَ) أيوب (اللَّهُمَّ غَفْرًا) -بفتح الغين المعجمة، وسكون الفاء- مصدر غَفَرَ، نُصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي اغفِرْ لي، أو أسألك، ونحو ذلك، وإنما طلب المغفرة، وإن كان ثبت حديث: ((رُفع عن أمتي الخطأ ... ))، نظرًا إلى منشئه، وهو العَجَلَة المذمومة، فقد كان الأولى له أن يتأنّى في الجواب حتى يتذكّر الحديث الذي ذكره له. وفي النسخة ((الهنديّة)): ((عَفْوًا)) بدل (غَفْرًا))، وإعرابه کإعرابه. (إِلَّ مَا حَدَّثَنِي قَتَادَةٌ) بن دعامة (عَنْ كَثِيرٍ) بن أبي كثير (مَوْلَى) عبد الرحمن (بْنِ سَمُرَةَ) بن حبيب بن عبدشمس العبشميّ، أبي سعيد الصحابيّ، من مسلمة الفتح، يقال: كان اسمه عبد كلال، افتتح سجستان، ثم سكن البصرة، ومات تَزي بها سنة (٥٠هـ) أو بعدها، وتقدّم في ٢/ ١٤٦٠ (عَنْ أَبِي سَلَمَةً) بن عبد الرحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ نَّ) أنه (قَالَ: ((ثَلَاثٌ)) ) خبر لمقدّر، أي الواقع ثلاث طلقات، أو فاعل لمقدّر، أي يقع ثلاثٌ. وقد استدلّ بهذا من قال: إن من قال لامرأته: أمرك بيدك كان ذلك ثلاثًا، ٢٩٧ ١١ - (امْرُكِ بیدك) - حديث رقم ٣٤٣٨ وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. قال أيوب رحمه اللَّه تعالى (فَلَقِيتُ كَثِيرًا) أي شيخ قتادة (فَسَأَلْتُهُ) أي عن هذا الحديث (فَلَمْ يَعْرِفُهُ) أي لم يعرف هذا الحديث، ولا تحديثه به لقتادة، ففي رواية أبي داود: ((قال أيوب: فقدم علينا كثيرٌ، فسألته، فقال: ما حدّثت بهذا قطّ)) (فَرَجَعْتُ إِلَى قَتَادَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ) بإنكار شيخه كثيرِ الحديثَ (فَقَّالَ) قتادة (نَسِيَ) وفي رواية أبي داود: ((فذكرته لقتادة، فقال: بلى، ولكنّه نسي)). يعني أن الشيخ نسي تحديثه به لقتادة، بعد أن حدّثه به، ومسألة نسيان الشيخ لحديثه يأتي الكلام عليها في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صححوه موقوفًا على أبي هريرة، وتكلّموا في رفعه، فقال المصنّف رحمه الله تعالى: ((هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ)). وقال الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن رواه عن شيخ المصنّف بسنده: ما نصّه: هذا حديث غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، وسألت محمدًا - يعني البخاريّ- عن هذا الحدیث؟ فقال: أخبرنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوفًا، ولم يَعرِف حديث أبي هريرة مرفوعًا. وكان عليّ بن نصر حافظًا، صاحب حديث انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه صحيح مرفوعًا؛ لأن سليمان بن حرب، ثقة حافظ، فتفرّده برفعه لا يضرّه، فيكون زيادة ثقة، وقد أشار إلى صحّته الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ رحمه اللّه تعالى في ((كتابه الوهم والإيهام))، انظر كلامه ج٥/ ص٣٩٠ رقم الحديث٢٥٥٨ . وأما تضعيف ابن حزم، وعبد الحقّ الإشبيليّ له بجهالة كثير مولى سمرة، فمردود عليهما بأنه معروف، روى عنه جماعة، وفيهم من قیل فيه: إنه لا يروي إلا عن الثقات، وهو منصور بن المعتمر، ووثقه العجليّ، وابن حبّان، ولم يضعّفه أحد بحجة، كما أشار إليه الحافظ في ((تهذيب التهذيب))، وكذا أشار ابن القطان إلى الردّ عليهما، في (١) ((الجامع للترمذيّ)) ٣٤٦/٤ بنسخة ((تحفة الأحوذيّ)). ٢٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلاقِ كتابه المذكور، وكذا تضعيف من ضعفه بنسيان كثير أيضًا، لا يُلتفت إليه، كما أشار إلى ردّه الحافظ ابن القطّان أيضًا في كتابه المذكور. والحاصل أن الظاهر صحة الحديث مرفوعًا، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٤٣٨/١١ - وفي ((الكبرى)) - ٥٦٠٣/١٢. وأخرجه (د) في ((الطلاق)) ٢٢٠٤ (ت) في ((الطلاق)) ١١٧٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن قال لامرأته: أمرك بيدك: قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في ((جامعه)): وقد اختلف أهل العلم في ((أمرك بيدك))، فقال بعض أهل العلم، من أصحاب النبيّ وَلّ، منهم: عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود: هي واحدة، وهو قول غير واحد من أهل العلم، من التابعين، ومن بعدهم. وقال عثمان بن عفّان، وزيد بن ثابت: القضاء ما قضت. وقال ابن عمر: إذا جعل أمرها بيدها، وطلّقت نفسها ثلاثًا، وأنكر الزوج، وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلا واحدة، استُحلف الزوج، وكان القول قوله، مع يمنه. وذهب سفيان، وأهل الكوفة إلى قول عمر، وعبد الله. وأما مالك بن أنس، فقال: القضاء ما قضت، وهو قول أحمد. وأما إسحاق، فذهب إلى قول عمر تَظّه. انتهى كلام الترمذيّ رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول عبد الله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أعدل الأقوال عندي، وحاصله أن القول قول الزوج مع يمينه، فإذا طلّقت ثلاثًا، ونواه الزوج، كان ثلاثًا، وإن أنكر ذلك، وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلا بواحدة، فالقول قوله مع يمينه، ؛ وذلك لأن الزوج هو الذي جعل الشارع له الطلاق، ولا حقّ للمرأة فيه، وإنما غاية ما في قوله: ((أمرك بيدك)) توكيلها في أن تطلّق نفسها، فيكون القول في ذلك قول الموكّل في الكمّ والكيف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نسيان الشیخ الحدیث بعد ما حدّث به: إذا روى ثقة عن ثقة حديثًا، ثم نفاه الشيخ، فالمختار عند المتأخرين أنه إن كان جازمًا بنفيه، بأن قال: ما رويته، أو كذَب عليّ، ونحوه وجب ردّه؛ لتعارض قولهما، (١) ((الجامع)) ٣٤٧/٤. بنسخة ((تحفة الأحوذيّ)). ٢٩٩ == ١١- (أَمْرُكِ بيدك) - حديث رقم ٣٤٣٨ مع أن الجاحد هو الأصل، ولکن لا يقدح ذلك في باقي روايات الراوي عنه، ولا يثبت به جرحه؛ لأنه أيضًا مكذّب لشيخه في نفيه لذلك، وليس قبول جرح كلّ منهما أولى من الآخر، فتساقطا، فإن عاد الأصل، وحدّث به، أو حدّث فرعٌ آخر عنه، ولم يُكذّبه، فهو مقبول، صرّح به القاضي أبو بكر، والخطيب، وغيرهما. ومقابل المختار في الأول عدم ردّ المرويّ، واختاره السمعانيّ، وعزاه الشاشيّ للشافعيّ، وحكى الهنديّ الإجماع عليه، وجزم الماورديّ، والرويانيّ بأن ذلك لا يقدح في صحّة الحديث، إلا أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل، فحصل ثلاثة أقوال. وثمّ قول رابع: أنهما يتعارضان، ويرجّح أحدهما بطريقه، وصار إليه إمام الحرمين. فإن قال الأصل: لا أعرفه، أو لا أذكره، أو نحوه، مما يقتض جواز نسيانه، لم يقدح فيه. ذكره في ((تقريب النواوي))، مع شرحه ((تدريب الراوي))(١). وإلى هذا أشار السيوطيّ في ((ألفية الحدیث))، حيث قال: إِسْقَاطُهُ لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَخْ وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُزْوَى فَالأَصَحُ أَوْ قَالَ لَا أَذْكُرُهُ وَنَحْوَ ذَا كَأَنْ نَسِي فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الراجح عندي في المسألة الأولى عدم رد مرويه، كما اختاره السمعانيّ، وغيره، وهو الذي اختاره السيوطيّ في ((الكوكب الساطع)) في الأصول، حیث قال: وَصَاحِبُ الْحَاوِي مَعَ الرُّيَانِي الْمُرْتَضَى كَمَا رَأَى السَّمْعَانِي إِنْ كَذّبَ الْفَرْعَ وَرَدَّ الثَّقْلَا وَخَالَفَ الأَكْثَرُ أَنَّ الأَضْلَا لَوْ شَهِدَا شَهَادَةٌ لَمْ يُنَا لَا يَسْقُطُ الَّذِي رَوَى وَمِنْ هُنَا جَزْمًا وَلَا جَزْحَ فَأَوْلَى بِالْقَبُولْ أَوْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ وَفَزْعُهُ يَقُولْ إِنْ عَادَ لِلإِقْرَارِ خُذْ قَبُولَا وَوَافَقَ الأَكْثَرُ ثُمَّ الأُولَى راجع ((الكوكب الساطع)) بشرحي عليه ص٢٨٢-٢٨٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)). (١) ((تدريب الراوي على تقريب النواوي)) ٣٣٤/١-٣٣٥. ٣٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ١٢- (بَابُ إِحْلَالِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَالتّكَاحِ الَّذِي يُحِلُهَا بِهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الترجمة بمعنى الترجمة السابقة في -٣٢٨٤/٤٣ - حيث قال هناك: ((النكاح الذي تَحِلُّ به المطلّقة ثلاثًا لمطلّقها))، والحديث الأول هنا هو الحديث الذي أورده هناك سندًا ومتنا، فكان الأولى له عدم تكراره، والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٣٩- (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا(١) سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَ، فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي، فَأَبَتَّ طَلَاقِي، وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، وَمَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ هُذْبَةِ الثَّوْبِ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، وَقَالَ: ((لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ، لَا، حَتَّى يَذُوَقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم آنفًا أن الحديث سبق في - ٣٢٨٤/٤٣ - وَسَبَقَ هناك شرحه مستوفىّ، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد . و((سفيان)): هو ابن عيينة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٤٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنِي(٢) عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلًا طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، أَنَحِلُّ لِلْأَوَّلِ، فَقَالَ: لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا، كَمَا ذَاقَ الْأَوَّلُ» ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يحيى): هو ابن سعيد القطّان. و((عبيدالله)): هو ابن عمر العمريّ. و((القاسم)) : هو ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (١) وفي نسخة: ((أخبرنا))، وفي أخرى: ((حدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((حدثنا)). (٣) وفي نسخة: ((أخبرنا))، وفي أخرى: ((حدثنا)).