النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١ _
٥- (الطَّلاَقُ لِغَيْرِ الْعِدَّةِ، وَمَا يُحْتَسَبُ ... - حديث رقم ٣٤٢٧
٥- (الطَّلَاقُ لِغَيْرِ الْعِدَّةِ، وَمَا
يُحْتَسَبُ مِنْهُ عَلَى الْمُطَلَّقِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: غرض المصنف رحمه اللّه تعالى بهذه الترجمة ترجيح
قول من قال: إن الطلاق في الحيض واقعٌ، ومعتدٌّ به، وهو ما رجّحه الإمام البخاريّ
رحمه الله تعالى أيضًا، حيث قال في ((صحيحه)): ((بابٌ إذا طُلْقَت الحائضُ تَعتدُّ بتلك
التطليقة))، ثم أورد حديث الباب من رواية أنس بن سيرين، عن ابن عمر رضي الله
تعالى عنهما: ((طلّق ابن عمر امرأته، وهي حائض ... )) الحديث. ومن رواية سعيد بن
جبير، عن ابن عمر، قال: ((حُسبت عليّ بتطليقة)). وسيأتي بيان أقوال أهل العلم في
المسألة الآتية قريبًا، إن شاء اللّه تعالى.
وقوله: ((وما يُحتسب منه)) ببناء الفعل للمفعول، ولفظ ((الكبرى)): ((وما يُحسَبُ
منه)). وقوله: ((المطَلِّقِ)) بصيغة اسم الفاعل. والله تعالى أعلم.
٣٤٢٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّاذْ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ
◌ُبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ خَائِضٌ؟، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ؟، فَإِنّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيِّ نَّهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ
يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ عِدَّتَهَا، فَقُلْتُ لَهُ: فَيَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟، فَقَالَ: مَه، أَرَأَيْتَ إِنْ
عَجَزَ، وَاسْتَخْمَقَ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة.
و((حمّاد)): هو ابن زيد. و((أيوب)): هو السختيانيّ. و((محمد)): هو ابن سيرين.
وقوله: ((هل تعرف عبد الله بن عمر؟)) إنما قال له ذلك -مع أنه يعرفه، وهو الذي
يُخاطبه - ليقرّره على اتباع السنّة، وعلى القبول من ناقلها، وأنه يلزم العامّة الاقتداء بمشاهير
العلماء، فقرّره على ما يلزمه من ذلك، لا أنه ظنّ أنه لا يعرفه. قاله في ((الفتح))(١).
وقوله: ((فيعتدّ بتلك التطليقة)) بتقدير الاستفهام، أي أفيعتدّ الخ، والفعل مبنيّ للفاعل،
والفاعل ضمير الرجل، أي أيعتدّ ذلك الرجل الذي طلّق امرأته، وهي حائض بتلك
التطليقة؟. وفي لفظ للبخاريّ: ((فهل عَدَّ ذلك طلاقًا؟))، وعلى هذا فالضمير لابن عمر.
(١) ((فتح)) ١٠/ ٤٥٣.

٢٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
وقوله: ((فقال: مَه)) قال النوويّ: يحتمل أن يكون للكفّ والزجر عن هذا القول، أي
لا تشكّ في وقوع الطلاق، واجزم بوقوعه. وقال القاضي: المراد بـ ((مه)) ((ما)»، فيكون
استفهامًا، أي فما یکون إن لم أحتسب بها. ومعناه لا یکون إلا الاحتساب بها، فأُبدل
من الألف هاء، كما قالوا في ((مهما)): إن أصلها ((ما ما))، أي: أيّ شيءٍ؟. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): أصله: ((فما))، وهو استفهام فيه اكتفاء، أي فما يكون، إن لم
تُحْتَسَب. ويحتمل أن تكون الهاء أصليّة، وهي كلمة تُقال للزجر: أي كُفّ عن هذا
الكلام، فإنه لا بدّ من وقوع الطلاق بذلك. قال ابن عبد البرّ: قول ابن عمر: ((فمه))
معناه: فأيّ شيءٍ يكون إذا لم يعتدّ بها، إنكارًا لقول السائل: ((أيعتدّ بها؟))، فكأنه قال:
وهل من ذلك بُدٍّ.
وقوله: ((أرأيت إن عجز، واستحمق))، قال النوويّ: معناه أفيرتفع عنه الطلاق، وإن
عجز، واستحمق؟ وهو استفهام إنكار، وتقديره: نعم تُحسَب، ولا يمتنع احتسابها
لعجزه وحماقته. قال القاضي: أي إن عجز عن الرجعة، وفعل فعل الأحمق، والقائل
لهذا الكلام هو ابن عمر، صاحب القصّة، وأعاد الضمير بلفظ الغيبة، وقد بينه بعد هذه
في رواية أنس بن سيرين، قال: قلت: يعني لابن عمر: فاعتددت بتلك التطليقة التي
طلَّقتَ، وهي حائض؟، قال: ما لي لا أعتدّ بها؟، وإن كنتُ عجزتُ، واستحمقتُ.
وجاء في غير مسلم أن ابن عمر قال: أرأيت إن كان ابن عمر عجز، واستحمق، فما
يمنعه أن يكون طلاقًا انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)) : أي إن عجز عن فرضٍ، فلم يُقمه، أو استحمق، فلم يأت به،
أيكون ذلك عذرًا له؟ .
وقال الخطّابيّ: في الكلام حذفٌ، أي أرأيت إن عجز، واستحمق أَيُسقِطُ عنه
الطلاقَ حُمقُهُ، أو يُبطلُّهُ عجزه؟، وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. وقال الكرمانيّ :
يحتمل أن تكون ((إن)) نافية بمعنى ((ما))، أي لم يعجز ابن عمر، ولا استحمق؛ لأنه ليس
بطفل، ولا مجنون، قال: وإن كانت الرواية بفتح ألف ((أن)) فمعناه أظهر، والتاء من
(استحمق)) مفتوحةٌ. قاله ابن الخشاب، وقال: المعنى فَعَل فعلًا يُصَيِّرُهُ أحمق عاجزًا،
فيسقط عنه حكم الطلاق عجزه، أو حمقه، والسين والتاء فيه إشارةٌ إلى أنه تكلّف
الحمق بما فعله من تطليق امرأته، وهي حائض. وقد وقع في بعض الأصول بضمّ
التاء، مبنيًّا للمجهول، أي أن الناس استحمقوه بما فعل، وهو موجّةٌ. وقال المهلّب:
(١) (شرح مسلم) ٣٠٩/١٠.
(٢) (شرح مسلم) ٣٠٨/١٠-٣٠٩.

٢٦٣ ==
٥- (الطَّلَاقُ لِغَيْرِ الْعِدَّةِ، وَمَا يُخْتَسَبُ ... - حديث رقم ٣٤٢٧
معنى قوله: ((إن عجز، واستحمق)) يعني عجز في المراجعة التي أمر بها عن إيقاع
الطلاق، أو فقد عقله، فلم تمكن منه الرجعة، أتبقى المرأة معلّقةً، لا ذات بعلٍ، ولا
مطلقة؟، وقد نهى اللَّه عن ذلك، فلا بُدّ أن تَحَتَسِبَ بتلك التطليقة التي أوقعها على غير
وجهها، كما أنه لو عجز عن فرضٍ آخر لله، فلم يُقمه، واستحمق، فلم يأت به ما كان
يُعذر بذلك، ويسقط عنه. انتهى (١).
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في -١/ ٣٣٩٠-، فلم
يبق إلا بيان ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فلنبيّته، ولنقُل:
[مسألة]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض
الحائل بغير رضاها، فلو طلّقها أثم، ووقع طلاقه، ويؤمر بالرجعة؛ لحديث ابن عمر
المذكور في الباب. وشذّ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يقع طلاقه؛ لأنه غير مأذون له
فيه، فأشبه طلاق الأجنبيّة، والصواب الأول، وبه قال العلماء كافّةً، ودليلهم أمره
بمراجعتها، ولو لم يقع لم تكن رجعة.
[فإن قيل]: المراد بالرجعة الرجعة اللغويّة، وهي الرّدّ إلى حالها الأول، لا أنه
تحسب عليه طلقةٌ.
[قلنا]: هذا غلطٌ لوجهين: [أحدهما]: أن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعيّة يُقدّم
على حمله على الحقيقة اللغويّة، كما تقرّر في أصول الفقه. [الثاني]: أن ابن عمر
صرّح في روايات مسلم وغيره بأنه حسبها عليه طلقة. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): قال النوويّ: شذّ بعض أهل الظاهر، فقال: إذا طلّق الحائض لم
يقع الطلاق لأنه غير مأذون فيه، فأشبه طلاق الأجنبيّة. وحكاه الخطابيّ عن الخوارج
والروافض. وقال ابن عبد البرّ: لا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال - يعني
الآن. قال: وروي مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ، وحكاه ابن العربيّ وغيره عن
ابن عُليّة -يعني إبراهيم بن إسماعيل ابن عليّة الذي قال الشافعيّ في حقّه: إبراهيم
ضالٌّ، جلس في باب الضوالّ يُضلّ الناس. وكان بمصر، وله مسائل ينفرد بها، وكان
من فقهاء المعتزلة. وقد غلط من ظنّ أن المنقول عنه المسائل الشاذة أبوه، وحاشاه،
فإنه من كبار أهل السنّة. وكأن النوويّ أراد ببعض الظاهريّة ابنَ حزم، فإنه ممن جرّد
القول بذلك، وانتصر له، وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة بأن ابن عمر كان
اجتنبها، فأمره أن يُعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحمل المراجعة على
(١) ((فتح)) ١٠/ ٤٤٣.
(٢) (شرح مسلم) ٣٠٢/١٠-٣٠٣.

٢٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلاقِ
معناها اللغويّ. وتُعُقّب بأن الحمل على الحقيقة الشرعيّة مقدّمٌ على اللغويّة اتفاقًا.
وأجاب عن قول ابن عمر: ((حسبت عليّ بتطليقة)) بأنه لم يُصرّح بمن حسبها عليه، ولا
حجة في أحد دون رسول اللّه وَله. وتُعُقّب بأن مثل قول الصحابيّ: ((أمرنا في عهد
رسول اللَّه بكذا))، فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينئذ، وهو النبيّ وَّ، كذا قال بعض
الشرّاح. قال الحافظ: وعندي أنه لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول
الصحابيّ: أمرنا بكذا، فإن ذلك محلّه حيث يكون اطلاع النبيّ وَّ على ذلك ليس
صريحًا، وليس كذلك في قصّة ابن عمر هذه، فإن النبيّ وَل هو الآمر بالمراجعة، وهو
المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع
منه حُسبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها غير النبيّ وَل ◌َو بعيدًا جدًّا مع
احتفاف القرائن في هذه القصّة بذلك، وكيف يتخيّل أن ابن عمر يفعل في القصّة شيئًا
برأيه، وهو ينقل أن النبيّ وَلجر تغيّظ من صنيعه، كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصّة
المذكورة. وقد أخرج ابن وهب في ((مسنده) عن ابن أبي ذئب أن نافعًا أخبره: ((أن ابن
عمر طلّق امرأته، وهي حائض، فسأل عمر رسول اللَّه وَلتر عن ذلك، فقال: مره،
فليُراجعها، ثم يُمسكها حتى تطهر))، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبيّ ◌َليّ:
((وهي واحدة)) قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يُحدّث،
عن أبيه، عن النبيّ وَلّر بذلك. وأخرجه الدار قطنيّ من طريق يزيد بن هارون، عن ابن
أبي ذئب، وابن إسحاق جميعًا، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ بَّ، قال: ((هي
واحدة)»، وهذا نصٌّ في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه.
وأورده بعض العلماء على ابن حزم، فأجابه بأن قوله: ((هي واحدة)) لعله ليس من
كلام النبيّ وَّر، فألزمه بأنه نقض أصله لأن الأصل لا يدفع بالاحتمال. وعند الدار قطنيّ
في رواية شعبة، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر في القصّة: ((فقال عمر: يا رسول
اللَّه، أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم)). ورجاله إلى شعبة ثقات. وعنده من طريق
سعيد بن عبد الرحمن الْجُمّحيّ، عن عُبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: ((أن
رجلًا قال: إني طلّقت امرأتي البتّةً، وهي حائضٌ، فقال: عصيت ربّك، وفارقت
امرأتك، قال: فإن رسول اللّه وَ﴾ أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأنت لم تُبق
ما ترتجع به امرأتك)). وفي هذا السياق ردٌّ على من حمل الرجعة في قصّة ابن عمر على
المعنى اللغويّ. وقد وافق ابنَ حزم على ذلك من المتأخّرين ابنُ تيميّةَ، وله كلام طويلٌ
في تقرير ذلك، والانتصار له، وأعظم ما احتجّوا به ما وقع في رواية أبي الزبير، عن ابن
عمر عند مسلم، وأبي داود، والنسائيّ، وفيه: فقال له رسول اللّه وَله: («ليُراجعها،

٢٦٥ ==
٥- (الطَّلَاقُ لِغَيْرِ الْعِدَّةِ، وَمَا يُحْتَسَبُ ... - حديث رقم ٣٤٢٧
فردها، وقال: إذا طهرت فليُطلّق، أو يمسك))، لفظ مسلم، وللنسائيّ، وأبي داود:
((فردها عليّ))، زاد أبو داود: ((ولم يرها شيئًا))، وإسناده على شرط الصحيح، فإن مسلمًا
أخرجه من رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، وساقه على لفظه، ثم أخرجه من
رواية أبي عاصم، عنه، وقال: نحو هذه القصّة، ثم أخرجه من رواية عبد الرزاق، عن
ابن جريج، قال: مثل حديث حجاج، وفيه بعض الزيادة، فأشار إلى هذه الزيادة، ولعلّه
طوى ذكرها عمدًا. وقد أخرج أحمد الحديث عن رَوح بن عُبادة، عن ابن جريج،
فذكرها، فلا يتخيّل انفراد عبد الرزّاق بها. قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن
عمر جماعة، وأحاديثهم كلّها على خلاف ما قال أبو الزبير. وقال ابن عبد البرّ: قوله:
((ولم يرها شيئًا)) منكرٌ، لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف
بمن هو أثبت منه، ولو صحّ فمعناه عندي -والله أعلم -: ولم يرها شيئًا مستقيمًا؛
لكونها لم تقع على السنّة. وقال الخطّابيّ: قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا
منكرًا من هذا، وقد يحتمل أن يكون معناه: ولم يرها شيئًا تحرم معه المراجعة، أو لم
يرها شيئًا جائزًا في السنّة، ماضيًا في الاختيار، وإن كان لازمًا له مع الكراهة.
ونقل البيهقيّ في ((المعرفة)) عن الشافعيّ أنه ذكر رواية أبي الزبير، فقال: نافعٌ أثبتُ
من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعًا غيره
من أهل الثبت، قال: وبسط الشافعيّ القول في ذلك، وحمل قوله: ((لم يرها شيئًا)) على
أنه لم يعدّها شيئًا صوابًا غير خطإ، بل يؤمر صاحبه أن لا يقيم عليه؛ لأنه أمره
بالمراجعة، ولو كان طلّقها طاهرًا لم يؤمر بذلك، فهو كما يقال للرجل إذا أخطأ في
فعله، أو أخطأ في جوابه: لم يصنع شيئًا، أي لم يصنع شيئًا صوابًا .
قال ابن عبد البرّ: واحتجّ بعض من ذهب إلى أن الطلاق لا يقع بما روي عن
الشعبيّ، قال: إذا طلّق الرجل امرأته، وهي حائضٌ لم يعتدّ بها في قول ابن عمر. قال
ابن عبد البرّ: وليس معناه ما ذهب إليه، وإنما معناه: لم تعتدّ المرأة بتلك الحيضة في
العدّة، كما روي ذلك عنه منصوصًا أنه قال: يقع عليها الطلاق، ولا تعتدّ بتلك الحيضة
انتھی.
وقد روی عبد الوهاب الثقفي، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر نحوًا
مما نقله ابن عبد البرّ، عن الشعبيّ، أخرجه ابن حزم بإسناد صحيح، والجواب عنه
مثله. وروى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك، عن عمر أنه طلّق امرأته،
وهي حائض، فقال رسول اللَّه ◌َالقير: ((ليس ذلك بشيء))، وهذه متابعات لأبي الزبير، إلا
أنها قابلة للتأويل، وهو أولى من إلغاء الصريح في قول ابن عمر: إنها تحتسب عليه

٢٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
بتطليقة. وهذا الجمع الذي ذكره ابن عبد البرّ وغيره يتعيّن، وهو أولى من تغليط بعض
الثقات. وأما قول ابن عمر: ((إنها حُسبت عليه بتطليقة))، فإنه وإن لم يُصرّح برفع ذلك
إلى النبيّ وَّر، فإن فيه تسليم أن ابن عمر قال: إنها حُسبت عليه، فكيف يجتمع مع هذا
قوله: إنه لم يعتدّ بها، أو لم يرها شيئًا على المعنى الذي ذهب إليه المخالفون؟ لأنه إن
جُعِل الضمير للنبيّ وَ يه لزم منه أن ابن عمر خالف ما حكم به النبيّ وَّر في هذه القصّة
بخصوصها؛ لأنه قال: إنها حُسبت عليه بتطليقة، فيكون من حسبها عليه خالف كونه لم
يرها شيئًا، وكيف يُظنّ به ذلك، مع اهتمامه، واهتمام أبيه بسؤال النبيّ وَّر عن ذلك
ليفعل ما يأمره به؟. وإن جُعل الضمير في ((لم يعتدّ بها))، أو ((لم يرها)) لابن عمر لزم منه
التناقض في القصّة الواحدة، فيفتقر إلى الترجيح، ولا شكّ أن الأخذ بما رواه الأكثر،
والأحفظ أولى من مقابله عند تعذّر الجمع عند الجمهور. والله أعلم.
واحتجّ ابن القيّم لترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسة، ترجع إلى مسألة أن النهي
يقتضي الفساد، فقال: الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أن حرامه باطلٌ،
كالنكاح، وسائر العقود، وأيضًا فكما أن النهي يقتضي التحريم، فكذلك يقتضي
الفساد، وأيضًا فهو طلاقٌ مَنَعَ منه الشرع، فأفاد منه عدم جواز إيقاعه، فكذلك يفيد عدم
نفوذه، وإلا لم یکن للمنع فائدة؛ لأن الزوج لو وكل رجلًا أن يطلّق امرأته على وجه،
فطلّقها على غير الوجه المأذون فيه لم ينفذ، فكذلك لم يأذن الشارع للمكلّف في
الطلاق إلا إذا كان مباحًا، فإذا طلّق طلاقًا محرّمًا لم يصحّ. وأيضًا فكلّ ما حرّمه الله من
العقود مطلوب الإعدام، فالحكم ببطلان ما حزّمه أقرب إلى تحصيل هذا المطلوب من
تصحيحه، ومعلومٌ أن الحلال المأذون فيه ليس كالحرام الممنوع منه، ثم أطال من هذا
الجنس بمعارضات كثيرة، لا تنهض مع التنصيص على صريح الأمر بالرجعة، فإنها فرع
وقوع الطلاق على تصريح صاحب القصّة بأنها حسبت عليه تطليقةً، والقياس في
معارضة النصّ فاسد الاعتبار. والله أعلم.
وقد عورض بقياس أحسن من قياسه، فقال ابن عبد البرّ: ليس الطلاق من أعمال البرّ
التي يُتقرّب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حقّ آدميّ، فكيفما أوقعه وقع، سواء أُجر في
ذلك، أم أثم، ولو لزم المطيع، ولم يلزم العاصي لكان العاصي أخف حالاً من
المطيع .
ثم قال ابن القيّم: لم يَرِد التصريح بأن ابن عمر احتسب بتلك التطليقة إلا في رواية
سعيد بن جبير عنه، عند البخاريّ، وليس فيها تصريحٌ بالرفع، قال: فانفراد سعيد بن
جبير بذلك كانفراد أبي الزبير بقوله: ((لم يرها شيئًا))، فإما أن يتساقطا، وإما أن ترجّحوا

٢٦٧ =
٥- (الطَّلَاقُ لِغَيْرِ الْعِدَّةِ، وَمَا يُحْتَسَبُ ... - حديث رقم ٣٤٢٧
رواية أبي الزبير؛ لتصريحها بالرفع، وتُحمل رواية سعيد بن جبير على أن أباه هو الذي
حسبها عليه بعد موت النبيّ وَّ في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، بعد أن
كانوا في زمن النبيّ ◌َّ لا يحتسب عليهم به ثلاثًا، إذا كان بلفظ واحد.
قال الحافظ: وغفل رحمه الله عما ثبت في ((صحيح مسلم)) من رواية أنس بن سيرين
على وفاق ما روى سعيد بن جبير، وفي سياقه ما يُشعر بأنه إنما راجعها في زمن النبيّ
وَ له، ولفظه: ((سألت ابن عمر عن امرأته التي طلّق، فقال: طلّقتها، وهي حائض،
فذكر ذلك عمر للنبيّ وَّه، فقال: ((مره فليراجعها، فإذا طهرت، فليُطلّقها لطهرها،
قال: فراجعتها، ثم طلّقتها لطهرها، قلت: فاعتددت بتلك التطليقة، وهي حائض؟
فقال: ما لي لا أعتدّ بها، وإن كنت عجزت، واستحمقت)). وعند مسلم أيضًا من طريق
ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن سالم في حديث الباب: ((وكان عبد الله بن عمر
طلّقها تطليقة، فحسبت من طلاقها، فراجعها كما أمره رسول اللّه ◌َلْت)، وله من رواية
الزبيديّ، عن ابن شهاب ((قال ابن عمر: فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلّقتها))،
وعند الشافعيّ عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج ((أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه، هل
حسبت تطليقة ابن عمر على عهد النبيّ بَّرِ؟ فقال: نعم)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ رحمه اللّه تعالى في هذا التحرير
والتقرير الذي ساقه في هذه المسألة، من الروايات المختلفة فيها، والتوفيق بينها بما
ساقه من أقوال أهل العلم، قتبيّن بذلك أن الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من وقوع الطلاق
في حالة الحيض، مع كونه مخالفًا للسنّة.
ولقد أجاد البحث الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه اللَّه تعالى في كتابه ((إرواء
الغليل)) حيث استوفى معظم الروايات المختلفة لحديث ابن عمر هذا، وتكلّم عليها
بکلام مفصّل نفيس جدًّا، ثم قال في آخر بحثه:
فإذا نظر المتأمل في طرق هذين القسمين، وفي ألفاظهما تبيّن له بوضوح لا غُموض
فيه أرجحية القسم الأول -يعني الاعتداد بتلك التطليقة- على الآخر -يعني عدم
الاعتداد بها- وذلك لوجهین:
(الأول): كثرة الطرق، فإنها ستة: ثلاث منها مرفوعة، وثلاث أخرى موقوفة، واثنان
من الثلاث الأولى صحيحةٌ، والأخرى ضعيفة. وأما القسم الآخر، فكلّ طرقه ثلاث:
اثنان منها صحيحة أيضًا، والأخرى ضعيفة، فتقابلت المرفوعات في القسمين قوّةً
وضعفًا، وبقي في القسم الأول الموقوفات الثلاث فضلة، يترجّح بها على القسم
الآخر، لا سيّما وهي في حكم المرفوع؛ لأن معناها أن عبد الله بن عمر عمل بما في

٢٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
المرفوع، فلا شكّ أن ذلك مما يعطي المرفوع قوّةً على قوّة كما هو ظاهر.
(والوجه الآخر): قوّة دلالة القسم الأول على المراد دلالة صريحةً لا تقبل التأويل،
بخلاف القسم الآخر، فهو ممكن التأويل بمثل قول الإمام الشافعيّ: ((ولم يرها شيئًا))
أي صوابًا، وليس نصًّا في أنه لم يرها طلاقًا، بخلاف القسم الأول، فهو نصّ في أنه
رآها طلاقًا، فوجب تقديمه على القسم الآخر، وقد اعترف ابن القيم رحمه اللّه تعالى
بهذا، ولكنه شكّ في صحّة المرفوع من هذا القسم، فقال: وأما قوله في حديث ابن
وهب، عن ابن أبي ذئب في آخره: ((وهي واحدة)) فلعمر الله، لو كانت هذه اللفظة من
كلام رسول اللَّه ◌َلّل ما قدّمنا عليها شيئًا، ولصرنا إليها بأول وهلة، ولكن لا ندري أقالها
ابن وهب من عنده، أم ابن أبي ذئب، أو نافع، فلا يجوز أن يضاف إلى رسول اللَّه وَله
ما لا يُتيقّن أنه من كلامه، ويشهد به عليه، ونرتّب عليه الأحكام، ويقال: هذا من عند
الله بالوهم والاحتمال.
قال الشيخ الألباني: وفي هذا الكلام صواب وخطأ.
أما الصواب هو اعترافه بكون هذه اللفظة نصًّا في المسألة يجب التسليم بها،
والمصير إليها لو صحّت.
وأما الخطأ فهو تشككه في صحتها، وردّه لها بدعوى أنه لا يدري أقالها ابن وهب
من عنده ... وهذا شيء عجيب من مثله؛ لأن من المتّفق عليه بين العلماء أن الأصل
قبول رواية الثقة كما رواها، وأنه لا يجوز ردّها بالاحتمالات والتشكيك، وأن طريق
المعرفة هو التصديق بخبر الثقة، ألا ترى أنه يمكن للمخالف لابن القيّم أن يردّ حديثه
((فردها عليّ، ولم يرها شيئًا)) بمثل الشكّ الذي أورده هو على حديث ابن وهب بالطعن
في أبي الزبير، ونحو ذلك من الشكوك، وقد فعل ذلك بعض المتقدّمين كما تقدّمت
الإشارة إلى ذلك، وكلّ ذلك مخالفٌ للنهج العلميّ المجرّد عن الانتصار لشيئ سوى
الحقّ.
على أن ابن وهب لم يتفرّد بإخراج الحديث، بل تابعه الطيالسيّ، كما تقدّم، فقال:
حدّثنا ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر: ((أنه طلّق امرأته، وهي حائضٌ، فأتى عمر
النبيّ پلے، فذكر ذلك له، فجعله واحدة)). وتابعه أيضًا یزید بن هارون، نا ابن أبي ذئب
به. أخرجه الدارقطنيّ من طريق محمد بن إشكاب، وهو ثقة من شيوخ البخاريّ، -
و كذا بقية الرجال ثقات- نا یزید بن هارون. وتابع ابن أبي ذئب ابن جريج، عن نافع،
عن ابن عمر: ((أن رسول اللَّه وَ ل﴿ قال: واحدة)). أخرجه الدار قطنيّ أيضًا، عن عياش
ابن محمد، وهو ثقة، نا أبو عاصم، عن ابن جريج، وهو إسناد صحيح، إن كان ابن
م

٢٦٩
٦- (الثَّثُ الْمَجْمُوعَةُ، وَمَا فِيهِ مِنَ التَّغْلِيظِ) - حديث رقم ٣٤٢٩
جريج سمعه من نافع. وتابع نافعًا الشعبيّ بلفط أنه وَلّر قال: ثم يحتسب بالتطليقة التي
طلّق أول مرّة، وهو صحيح السند، كما تقدم.
وكلّ هذه الرويات مما لم يقف عليها ابن القيّم رحمه الله تعالى، وظني أنه لو وقف
عليها لتبدّد الشكّ الذي أبداه في رواية ابن وهب، ولصار إلى القول بما دلّ عليه
الحديث من الاعتداد بطلاق الحائض. انتهى كلام الشيخ الألباني باختصار (١). وهو
تحقیقٌ مهمّ، ونفيس جدًّا.
وخلاصة القول في المسألة أن الصحيح قول الجمهور الذين قالوا: إن طلاق الحائض
يقع، وإن كان حرامًا؛ لوضوح أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٣٤٢٨- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدٍ
ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَّ
خَائِضٌ، فَقَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ؟ فَإِنَةُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَأَتَى عُمَرُ النَِّيَّ
وَّهِ، يَسْأَلُهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ عِدَّثَّهَا، قُلْتُ لَهُ: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ،
وَهِيَ خَائِضٌ، أَيَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ، فَقَالَ: مَهْ، وَإِنْ عَجَزَ، وَاسْتَحْمَقَ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
و((يعقوب بن إبراهيم)): هو الدورقيّ، أبو يوسف البغداديّ الحافظ. و ((يونس)) هو
ابن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ. والحديث متفق عليه، وقد سبق شرحه، وبيان
مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)).
٦- (الثَّلَاثُ الْمَجْمُوعَةُ، وَمَا فِهِ مِنَ
التَّغْلِيظِ)
٣٤٢٩- (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ،
قَالَ: سَمِعْتُ مَحْمُودَ بْنَ لَبِيدٍ، قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثَلَاثَ
(١) (إرواء الغليل)) ٧/ ١٣٣- ١٣٥.

٢٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
تَطْلِيقَاتٍ جَميعًا، فَقَامَ غَضْبَانًا، ثُمَّ قَالَ: (أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ))، حَتَّى
قَامَ رَجُلٌ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَقْتُلُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (سليمان بن داود) أبو الربيع المهريّ، ابن أخي رِشْدِين سعد المصريّ، ثقة
[١١] ٧٩/٦٣ .
٢- (ابن وهب) عبد الله، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] /٩/٩.
٣- (مخرمة) بن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، أبو المِسْور المدنيّ، صدوق، [٧]
٤٣٨/٢٨ .
٤- (أبوه) بكير بن عبد الله بن الأشجّ المدني، نزيل مصر، ثقة [٥] ٢١١/١٣٥.
٥- (محمود بن لَبيد) الأوسيّ الأشهليّ، أبو نعيم المدنيّ، صحابيّ صغير، جلّ
روايته عن الصحابة، مات سنة (٩٦) وقيل: (٧)، وله (٩٩) سنة، وتقدّمت ترجمته في
٥٤٨/٢٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فمصريّان. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن محمود بن لَبيد رضي الله تعالى عنه أنه (قال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ وَي) ببناء الفعل
للمفعول (عَنْ رَجُلِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا) أي مجموعةٌ مرّة واحدةً (فَقَّامَ
غَضْبَانًا) هكذا النسخ منصرفًا، وحقّه أن يمنع من الصرف؛ للوصفيّة وزيادة الألف
والنون، مع أن مؤنّثه لا يختم بالتاء، فلا يقال: غضبانة، بل يقال: غَضْبَى، كما قال ابن
مالك في ((الخلاصة)) :
وَزَائِدَا فَعْلَانَ فِي وَصْفٍ سَلِمْ مِنْ أَنْ يُرَى بِتَاءِ تَأْنِيثٍ خُتِمْ
(ثُمَّ قَالَ) وَ (أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ) يحتمل أن يكون الفعل مبنيًّا للفاعل، والفاعل
ضمير الرجل المطلّق، ويحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول (وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ) جملة في
محلّ نصب على الحال. والمراد من كتاب اللَّه قوله تعالى: ﴿الطَّلَقُّ مَرَّتَانٍ﴾ إلى قوله:
﴿وَلَا نَتَّخِذُوَاْ ءَايَتِ اَللَّهِ هُزُواْ﴾، فإن معناه: التطليق الشرعيّ تطليقةٌ بعد تطليقة، على
التفريق، دون الجمع، والإرسال مرّة واحدةً، ولم يرد بالمرّتين التثنية، ومثله قوله

٢٧١ =
٦- (الثَّاَثُ الْمَجْمُوعَةُ، وَمَا فِيهِ مِنَ التَّغْلِيظِ) - حديث رقم ٣٤٢٩
تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْجِعِ الْبَرَ كَرََِّّ﴾، أي كرّة بعد كرّة، لا كرّتين اثنين. ومعنى قوله:
﴿فَإِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ تخيير لهم بعد أن عَلَّمَهُم كيف يُطَلِّقون بين أن يمسكوا النساء
بحسن العشرة، والقيام بواجبهنّ، وبين أن يُسَرِّحوهنّ السَّرَاح الجميل الذي علّمهم.
والحكمة في التفريق، دون الجمع ما بُيّنت في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ
أَمْرًا﴾ أي قد يقلب اللّه تعالى قلب الزوج بعد الطلاق من بغضها إلى محبّتها، ومن
الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة إمضاء الطلاق إلى الندم عليه، فيراجعها. أفاده
الطيبيّ(١).
وقوله: ﴿وَلَا نَتَّخِذُوَاْ ءَايَتِ اَللَّهِ هُزُوًا﴾ أي بالجمع بين الثلاث، والزيادة عليها،
فكلاهما لعبٌ، واستهزاءً، والجدّ والعزيمة أن يُطلّق واحدةً، وإن أراد الثلاث ينبغي أن
يفرّق. قاله السنديّ(٢).
(حَتَّى قَامَ رَجُلٌ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَقْتُلُهُ) أي لأن اللعب بكتاب اللَّه كفر،
ولم يرد أن المقصود الزجر والتوبيخ. والله تعالى أعلم بالصواب.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث محمود بن لبيد رضي الله تعالى عنه هذا
ضعيف؛ لعلتين :
(أحدهما): كون مخرمة لم يسمع من أبيه، وإنما يحدّث من كتابه، فقد صرّح بذلك
أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وابن حبّان. انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب»(٣)،
وغيره.
وقد تفرّد بهذا الحديث، قال المصنّف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)): لا أعلم أحدًا
روى هذا الحديث غير مخرمة انتهى (٤).
(الثاني): أن محمود بن لَبيد لم يسمع من النبيّ وَّرَ، وإنما وُلد في عهده ◌َِّ. انظر
ترجمته في ((تهذيب التهذيب))(٥) أيضًا.
وقال الحافظ في ((الفتح)): الحديث أخرجه النسائيّ، ورجاله ثقات، لكن محمود
ابن لبيد وُلد في عهد النبيّ وَّرَ، ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في
(١) راجع (شرح الطيبيّ على المشكاة) ٣٣٢/٦-٣٣٣.
(٢) ((شرح السنديّ)) ١٤٢/٦- ١٤٣.
(٣) (تهذيب التهذيب)) ٣٩/٤-٤٠.
(٤) راجع (السنن الكبرى)) للمصنّف ٣٤٩/٣ رقم ٥٥٩٤ .
(٥) (تهذيب التهذيب)) ٣٧/٤.

٢٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
الصحابة؛ فلأجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في ((مسنده))، وأخرج له عدّة أحاديث،
ليس فيها شيء صرّح فيه بالسماع. قال: ورواية مخرمة عن أبيه عند مسلم في عدّة
أحاديث، وقد قيل: لم يسمع من أبيه انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)).
٧- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على جواز إيقاع الطلاق الثلاث مجموعة بلفظ
واحد.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: محلّ استدلال المصنف رحمه الله تعالى من حديث
سهل بن سعد رضي اللَّه تعالى عنهما في قصّة المتلاعنين، قوله: ((فطلّقها ثلاثًا، قبل أن
يأمره رسول اللّه وَ ﴿))، ووجه الاستدلال منه أن النبيّ وَّلو سمع طلاق الرجل ثلاثًا بلفظ
واحد، فلم ينكر ذلك عليه، فدلّ على جواز إيقاع الثلاث.
وتُعُقّب هذا بأن المفارقة في الملاعنة إنما هي بنفس اللعان، فلم يُصادف تطليقه إياها
ثلاثًا موقعًا.
وأجيب بأن الاحتجاج به من كون النبيّ وَّ و لم يُنكر عليه إيقاع الثلاث مجموعة، فلو
كان ممنوعًا لأنكره عليه، وإن وقعت الفرقة بنفس اللعان. أفاده في ((الفتح))(٢).
وأما استدلاله بحديث فاطمة بنت قيس رضي اللَّه تعالى عنها ففيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن
الصحيح أن المراد بثلاث تطليقات آخر الطلقات الثلاث، لا أنه طلّقها ثلاثًا مجموعة،
بدليل الروايات الأخرى التي تبيّن أنه إنما طلّقها طلقة واحدة، بقيت لها من ثلاث
تطليقات، كما سبق تحقيق ذلك في -٣٢٢٣/٨ - ((تزويج المولى العربيّة))، فقد ساقه
المصنّف هناك، وفيه: ((وأرسل إليها بتطليقة، هي بقيّة طلاقها ... )) الحديث. والله
تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه مهم]: اعلم أنَّ غرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا الباب إجازة الطلقات
الثلاث المجموعة، وأنها واقعة، وقد ترجم الإمام البخاريّ لذلك في (صحيحه))،
(١) ((فتح)) ١٠/ ٤٥٥ .
(٢) راجع ((الفتح)) ١٠/ ٤٦١.

=
٢٧٣
٧- (بَأَبُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ) - حديث رقم ٣٤٣٠
بقوله: ((باب من أجاز طلاق الثلاث؛ لقول الله تعالى: ((الطلاق مرّتان، فإمساك
بمعروف، أو تسريح بإحسان)).
فقال في ((الفتح)): وفي الترجمة إشارة إلى أن من السلف من لم يُجز وقوع الطلاق
الثلاث، فيحتمل أن يكون مراده بالمنع من كره البينونة الكبرى، وهي بإيقاع الثلاث أعمّ من
أن تكون مجموعة، أو مفرّقة، ويمكن أن يُتَمَسَّكَ له بحديث: ((أبغض الحلال إلى الله
الطلاق)) (١)، وقد تقدّم في أوائل الطلاق. وأخرج سعيد بن منصور، عن أنس: ((أن عمر
كان إذا أُتي برجل طلّق امرأته ثلاثًا أوجع ظهره))، وسنده صحيح. ويحتمل أن يكون مراده
بعدم الجواز من قال: لا يقع الطلاق إذا أوقعها مجموعة للنهي عنه، وهو قول الشيعة،
وبعض أهل الظاهر، وطرد بعضهم ذلك في كلّ طلاق منهيّ، كطلاق الحائض، وهو
شذوذٌ. وذهب کثیر منهم إلى وقوعه مع منع جوازه، واحتجّ له بعضهم بحديث محمود بن
لبيد ... يعني الحديث المذكور في الباب الماضي، ثم قال بعد أن ذكر أن فيه انقطاعًا:
وعلى تقدير صحة حديث محمود، فليس فيه بيان أنه هل أمضى عليه الثلاث مع إنكاره عليه
إيقاعها مجموعة، أو لا؟، فأقلّ أحواله أن يدلّ على تحريم ذلك، وإن لزم، وقد تقدّم في
الكلام على حديث ابن عمر في طلاق الحائض: أنه قال لمن طلّق ثلاثًا مجموعة: ((عصيت
ربّك، وبانت منك امرأتك))، وله ألفاظ أخرى، نحو هذه عند عبد الرزاق وغيره. وأخرج
أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد، قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجلٌ، فقال:
إنه طلّق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال: ينطلق أحدكم، فيركب
الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عبّاس، إن اللَّه قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
يَخْرَجًا﴾، وإنك لم تتّق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربّك، وبانت منك امرأتك)).
وأخرج أبو داود له متابعات، عن ابن عبّاس بنحوه.
ومن القائلين بالتحريم واللزوم من قال: إذا طلّق ثلاثًا مجموعة وقعت واحدةً، وهو
قول محمد بن إسحاق، صاحب ((المغازي))، واحتجّ بما رواه عن داود الحُصَين، عن
عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلّق ركانة بن عبديزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد،
فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله النبيّ وَله: (كيف طلّقتها؟)) قال: ثلاثًا في مجلس
واحد، فقال النبيّ وَله: ((إنما تلك واحدة، فارتَجِعْهَا إن شئت))، فارتَجَعَها. وأخرجه
أحمد، وأبو يعلى، وصححه من طريق محمد بن إسحاق.
وهذا الحديث نصّ في المسألة، لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات الآتي
ذكرها .
(١) تقدم أنه حديث ضعيف.

٢٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
وقد أجابوا عنه بأربعة أشياء:
(أحدها): أن محمد بن إسحاق، وشيخه مختلفٌ فيهما. وأجيب بأنهم احتجّوا في
عدّة من الأحكام بمثل هذا الإسناد، كحديث: ((أن النبيّ وَليل ردّ على أبي العاص بن
الربيع زينب ابنته بالنكاح الأول))، وليس كلّ مختلف فيه مردودًا.
(الثاني): معارضته بفتوى ابن عبّاس بوقوع الثلاث، كما تقدّم من رواية مجاهد
وغيره، فلا يُظنّ بابن عبّاس أنه كان عنده هذا الحكم عن النبيّ ◌َّر، ثم يفتي بخلافه،
إلا بمرجّح ظهر له، وراوي الخبر أخبر من غيره بما روى.
وأجيب بأن الاعتبار برواية الراوي، لا برأيه؛ لما يطرأ رأيه من احتمال النسيان وغير
ذلك. وأما كونه تمسّك بمرجّح، فلم ينحصر في المرفوع؛ لاحتمال التمسّك
بتخصيص، أو تقييد، أو تأويل، وليس قول مجتهد حجةً على مجتهد آخر.
(الثالث): أن أبا داود رجّح أن ركانة إنما طلّق امرأته البتّة، كما أخرجه هو من طريق
آل بيت ركانة، وهو تعليلٌ قويّ؛ لجواز أن یکون بعض رواته حمل البتّة علی الثلاث،
فقال: طلّقها ثلاثًا، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عبّاس.
(الرابع): أنه مذهب شاذٌ، فلا يُعمل به. وأجيب بأنه نُقل عن عليّ، وابن مسعود،
وعبد الرحمن بن عوف، والزبير مثله، نقل ذلك ابن مغيث في ((كتاب الوثائق)) له،
وعزاه لمحمد بن وضّاح. ونقل الغنويّ ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة، كمحمد بن
بقيّ بن مَخْلَد، ومحمد بن عبد السلام الْخُشَنيّ، وغيرهما، ونقله ابن المنذر عن
أصحاب ابن عباس، كعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار. ويُتعجّب من ابن التين حيث
جزم بأن لزوم الثلاث لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف في التحريم، مع ثبوت
الاختلاف كما ترى.
ويقوّي حديث ابن إسحاق المذكور ما أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق، عن
معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: ((كان الطلاق على عهد
رسول اللَّه وَله وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدةً، فقال عمر بن
الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم))، ومن
طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه ((أن أبا الصهباء قال لابن
عبّاس: أتعلم إنما كانت الثلاث تُجعل واحدةً على عهد رسول اللّه وَلّل، وأبي بكر،
وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم))، ومن طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن
إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس: ((أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم يكن الطلاق
الثلاث على عهد رسول اللَّه وَ له واحدةً؟ قال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر

٢٧٥ ==
٧- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذلِكَ) - حديث رقم ٣٤٣٠
تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم)). وهذه الطريقة الأخيرة أخرجها أبو داود،
ولكن لم يسمّ إبراهيم بن ميسرة، وقال بدله: ((عن غير واحد))، ولفظ المتن: ((أما
علمت أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة ... ))
الحدیث.
فتمسّك بهذا السياق من أعلّ الحديث، وقال: إنما قال ابن عباس ذلك في غير
المدخول بها. وهذا أحد الأجوبة عن هذا الحديث، وهي متعدّدة، وهو الذي رجّحه
النسائيّ، حيث بوّب الباب التالي، فقال: ((باب طلاق الثلاث المتفرّقة قبل الدخول
بالزوجة))، وهو جواب إسحاق بن راهويه، وجماعة، وبه جزم زكريا الساجيّ من
الشافعيّة، ووجّهوه بأن غير المدخول بها تَبِينُ إذا قال لها زوجها: أنت طالق، فإذا قال:
ثلاثًا لغا العدد؛ لوقوعه بعد البينونة.
وتعقّبه القرطبيّ بأن قوله: أنت طالقٌ ثلاثًا كلام متصلٌ غير منفصل، فكيفَ يصح
جعله كلمتين، وتُعطى كلّ كلمة حكمًا؟. وقال النوويّ: أنت طالقٌ معناه أنت ذات
الطلاق، وهذا اللفظ يصحّ تفسيره بالواحدة، وبالثلاث، وغير ذلك.
(الجواب الثاني): دعوى شذوذ رواية طاوس، وهي طريقة البيهقيّ، فإنه ساق
الروايات عن ابن عباس بلزوم الثلاث، ثم نقل عن ابن المنذر أنه لا يظنّ بابن عباس أنه
يحفظ عن النبيّ ◌َ﴿ شيئًا، ويفتي بخلافه، فيتعيّن المصير إلى الترجيح، والأخذ بقول
الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم. وقال ابن العربيّ: هذا حديث مختلف
في صحته، فكيف يقدّم على الإجماع؟ قال: ويعارضه حديث محمود بن لبيد -يعني
الذي أخرجه النسائيّ في الباب الماضي- فإن فيه التصريح بأن الرجل طلّق ثلاثًا
مجموعة، ولم يرده النبيّ وَلير، بل أمضاه، كذا قال، وليس في سياق الخبر تعرّض
لإمضاء ذلك، ولا لردّه.
(الجواب الثالث): دعوى النسخ، فنقل البيهقيّ عن الشافعيّ أنه قال: يشبه أن يكون
ابن عباس علم شيئًا نسخ ذلك، قال البيهقيّ: ویُقوّیه ما أخرجه أبو داود من طریق یزید
النحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: كان الرجل إذا طلّق امرأته فهو أحقّ
برجعتها، وإن طلّقها ثلاثًا، فتُسِخَ ذلك.
وقد أنكر المازريّ ادعاء النسخ، فقال: زعم بعضهم أن هذا الحكم منسوخٌ، وهو
غلطٌ، فإن عمر لا يَنسخ، ولو نّسَخَ - وحاشاه- لبادر الصحابة إلى إنكاره، وإن أراد القائل
أنه نُسخ في زمن النبيّ ◌َّر، فلا يمتنع، لكن يخرج عن ظاهر الحديث؛ لأنه لو كان كذلك
لم يجز للراوي أن يخبر ببقاء الحكم في خلافة أبي بكر، وبعض خلافة عمر.

٢٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
[فإن قيل]: فقد (١) يجُمِعُ الصحابة، ويقبل منهم ذلك. [قلنا]: إنما يقبل ذلك؛ لأنه
يُستَدلّ بإجماعهم على ناسخ، وأما أنهم يَنسخون من تلقاء أنفسهم، فمعاذ اللَّه؛ لأنه
إجماع على الخطإ، وهم معصومون عن ذلك.
[فإن قيل]: فلعلّ النسخ إنما ظهر في زمن عمر رَاث. [قلنا]: هذا أيضًا غلطً؛ لأنه
يكون قد حصل الإجماع على الخطإ في زمن أبي بكر، وليس انقراض العصر شرطًا في
صحّة الإجماع على الراجح.
قال الحافظ: نقل النوويّ هذا الفصل في ((شرح مسلم))، وأقرّه، وهو متَعَقَّبٌ في
مواضع: [أحدها]: أن الذي ادّعى نسخ الحكم لم يقُل: إن عمر هو الذي نَسَخَ حتى
يلزم منه ما ذُكِرَ، وإنما قال: ما تقدّم يشبه أن يكون علم شيئًا من ذلك نسخ، أي اطّلع
على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعًا، ولذلك أفتى بخلافه. وقد سَلَّم المازريّ في أثناء
كلامه أن إجماعهم يدلّ على ناسخ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ.
[الثاني]: إنكاره الخروج عن الظاهر عجيبٌ، فإن الذي يُحاول الجمع بالتأويل
يرتكب خلاف الظاهر حتمًا. [الثالث]: أن تغليطه من قال: المراد ظهور النسخ عجيبٌ
أيضًا؛ لأن المراد بظهوره انتشاره، وكلام ابن عبّاس أنه كان يُفعل في زمن أبي بكر
محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذُكر من إجماعهم على
الخطإ. وما أشار إليه من مسألة انقراض العصر لا يجيء هنا؛ لأن عصر الصحابة لم
ينقرض في زمن أبي بكر، بل ولا عمر؛ فإن المراد بالعصر الطبقة من المجتهدين، وهم
في زمن أبي بكر وعمر، بل وبعدهما طبقة واحدة.
[الجواب الرابع]: دعوى الاضطراب، قال القرطبيّ في ((المفهم)): وقع فيه مع
الاختلاف على ابن عبّاس الاضطراب في لفظه، وظاهر سياقه يقتضي النقل عن جميعهم
وأن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم، وينتشر، فكيف
ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقّف عن العمل بظاهره، إن لم
يقتض القطع ببطلانه.
[الجواب الخامس]: دعوى أنه ورد في صورة خاصّة، فقال ابن سُريج وغيره: يُشبه
أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، أنت طالٌ، وكانوا
أوّلًا على سلامة صدورهم يُقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثُر الناس في زمن عمر،
وكثُر فيهم الخداع، ونحوه، مما يمنع قبول من ادّعى التأكيد حمل عمرُ اللفظ على
(١) هكذا النسخة، ولعل الصواب: ((فكيف» ؟، فليحرّر.

٢٧٧ =
٧- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلَكَ) - حديث رقم ٣٤٣٠
ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم.
وهذا الجواب ارتضاه القرطبيّ، وقوّاه بقول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت
لهم فيه أناة، وكذا قال النوويّ: إن هذا أصحّ الأجوبة.
[الجواب السادس]: تأويل قوله: ((واحدة))، وهو أن معنى قوله: ((كان الثلاث
واحدةً)) أن الناس في زمن النبيّ وَّ﴿ كانوا يُطلقون واحدةً، فلما كان زمن عمر كانوا
يُطلّقون ثلاثًا، ومُحصَّله أن المعنی أن الطلاق الموقع في عهد عمر ثلاثًا، کان یوقع قبل
ذلك واحدةً؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلًا، أو كانوا يستعملونها نادرًا، وأما
في عصر عمر، فكثُر استعمالهم لها، ومعنى قوله: فأمضاه عليهم، وأجازه، وغير ذلك
أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله. ورجح هذا التأويل ابن
العربيّ، ونسبه إلى أبي زرعة الرازيّ، وكذا أورده البيهقيّ بإسناده الصحيح إلى أبي
زرعة أنه قال: معنى هذا الحديث عندي أن ما تطلّقون أنتم ثلاثًا، كانوا يطلّقون واحدةً.
قال النوويّ: وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصّة، لا عن تغيّر
الحكم في الواحدة. فالله أعلم.
[الجواب السابع]: دعوى وقفه، فقال بعضهم: ليس في هذا السياق أن ذلك كان
يبلغ النبيّ وَّهِ، فيُقرّه، والحجّة إنما هو في تقريره. وتُعُقّب بأن قول الصحابيّ: ((كنا
نفعل كذا في عهد رسول اللّه وَّي) في حكم الرفع على الراجح؛ حملاً على أنه اطّلع
على ذلك، فأقرّه؛ لتوفّر دواعيهم على السؤال عن جليل الأحكام وحقيرها.
[الجواب الثامن]: حمل قوله: ((ثلاثًا)) على أن المراد بها لفظ البتّة، كما تقدّم في
حديث ركانة سواءً، وهو من رواية ابن عبّاس أيضًا، قال الحافظ: وهو قويّ، ويؤيّده
إدخال البخاريّ في هذا الباب الآثار التي فيها البتّة، والأحاديث التي فيها التصريح
بالثلاث كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتّة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا إن
أراد المطلق واحدة، فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتّة على الثلاث لاشتهار
التسوية بينهما، فرواها بلفظ الثلاث، وإنما المراد لفظ البتّة، وكانوا في العصر الأول
يقبلون ممن قال: أردت بالبتّة الواحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر
الحکم.
قال القرطبيّ: وحجة الجمهور في اللزوم من حيث النظر ظاهرة جدًّا، وهو أن
المطلقة ثلاثًا، لا تحلّ للمطلّق حتى تنكح زوجًا غيره، ولا فرق بين مجموعها، ومفرّقها
لغة وشرعًا، وما يتخيّل من الفرق صوريّ ألغاه الشرع اتفاقًا في النكاح، والعتق،
والأقارير، فلو قال الوليّ: أنكحتك هؤلاء الثلاث في كلمة واحدة انعقد كما لو قال:

٢٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
أنكحتك هذه، وهذه، وهذه، وكذا في العتق، والإقرار، وغير ذلك من الأحكام،
واحتجّ من قال: إن الثلاث إذا وقعت مجموعة حملت على الواحدة بأن من قال:
أحلف بالله ثلاثًا، لا يعدّ حلفه إلا يمينًا واحدة، فليكن المطلّق مثله. وتُعُقّب باختلاف
الصيغتين، فإن المطلق ينشىء طلاق امرأته، وقد جعل أمد طلاقها ثلاثًا، فإذا قال: أنت
طالق ثلاثًا، فكأنه قال: أنت طالقٌ جميع الطلاق، وأما الحلف فلا أمد لعدد أيمانه،
فافترقا .
قال الحافظ: وفي الجملة، فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة
سواء، أعني قول جابر: إنها كانت تفعل في عهد النبيّ وَّر، وأبي بكر، وصدر من
خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها، فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة،
وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدًا في عهد
عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دلّ إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خفي عن
بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ
له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق. والله أعلم.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وبعد هذا كلّه، فالذي يظهر لي أن من ذهب إلى أن
الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يُحتسب طلقة واحدةً هو الصواب؛ لثلاثة أمور:
[أحدهما]: صحّة حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما المذكور، في الباب
التالي، فإنه صريح في المسألة.
[الثاني]: حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، قال:
حدثنا سعد بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني داود بن
الحصين، عن عكرمة، مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: طلق رُكانة بن عبد
يزيد، أخو المطلب امرأته ثلاثا، في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال:
فسأله رسول اللَّه وَله: ((كيف طلقتها؟))، قال: طلقتها ثلاثا، قال: فقال: ((في مجلس
واحد؟))، قال: نعم، قال: ((فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت))، قال: فرجعها،
فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر.
فهذا الحديث رجاله ثقات، إلا أن في رواية داود بن الحصين، عن عكرمة كلامًا،
لكن يؤيّده حديث ابن عبّاس السابق، فهذا الحديث نصّ في المسألة، لا يقبل التأويل،
كما اعترف به الحافظ في كلامه السابق، وقد أجاب الحافظ عن الاعتراض التي أوردت
عليه فيما تقدّم من كلامه، إلا اعتراضًا واحدًا، وهو ترجيح أبي داود لرواية «طلّق امرأته
البتّة))، فإنه قواه.

٧- (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلَكَ) - حديث رقم ٣٤٣٠
=
٢٧٩
فنقول في الجواب عنه: إن هذه الرواية التي فيها ((البتّة)) ضعيفة، فقد أخرجه أبو
داود، والترمذيّ، من طريق جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد، عن عبد الله بن علي
ابن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده، أنه طلق امرأته البتة، فأتى رسول اللّه وَله
فقال: ((ما أردت؟))، قال: واحدة، قال: ((آللَّه؟))، قال: آللَّه، قال: ((هو على ما
أردت».
قال الترمذيّ بعد أن أخرجه: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدًا -يعني
البخاريّ- عن هذا الحديث، فقال فيه اضطراب انتهى. وفي إسناده الزبير بن سعيد
الهاشميّ، فقد ضعّفه غير واحد. وقال عبد الحقّ الإشبيليّ في سنده: كلهم ضعيف،
والزبير أضعفهم.
[الثالث]: أن أقوى ما استند إليه الجمهور هو دعوى الإجماع، كما ادعاه الحافظ،
فيما سبق من كلامه، وهي دعوى غير صحيحة، فقد تقدّم في كلامه السابق ما يردّ عليه،
حيث كان الخلاف بين الصحابة والتابعين قائمًا مشهورًا، كما ذكر أنه منقول عن
عليّ، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وأصحاب ابن عباس، كعطاء،
وطاوس، وعمرو بن دينار، وجماعة من مشايخ قرطبة، فأين الإجماع المزعوم؟ حتى
يكون حجة ملزمة.
قال العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى في ((إعلام الموقّعين)): وهذا خليفة رسول
اللَّه وَاليه، والصحابة كلهم معه في عصره، وثلاث سنين من عصر عمر رَ على هذا
المذهب، فلو عدّهم العاد بأسمائهم واحدًا بعد واحد لوجد أنهم كانوا يرون الثلاث
واحدة، إما بفتوى، وإما بإقرار عليها، ولو فرض فیھم من لم یکن یری ذلك، فإنه لم
يكن منكرًا للفتوى به، بل كانوا ما بين مُفتٍ، ومُقرّ بفتيا، وساكت غير منكر، وهذا
حال كلّ صحابيّ من عهد الصدّيق ◌َّه إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون
على الألف قطعًا، كما ذكر يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق، وكلّ صحابيّ من لدن
خلافة الصدّيق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر رضي الله تعالى عنهما، كان على أن
الثلاث واحدة، فتوى، أو إقرار، أو سكوت، ولهذا ادّعى بعض أهل العلم أن هذا
الإجماع قديم، ولم تجتمع الأمة -ولله الحمد- على خلافه، بل لم يزل فيهم من يُفتي به
قرنًا بعد قرن، وإلى يومنا هذا، فأفتى به حبر الأمة عبد الله بن عباس، وأفتى أيضًا
بالثلاث، أفتى بهذا وبهذا، وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن عوف،
حكاه عنهما ابن وضّاح، وعن عليّ، وابن مسعود روايتان، كما عن ابن عباس. وأما
التابعون، فأفتى به عكرمة، وأفتى به طاوس. وأما تابعوا التابعين، فأفتى به محمد بن
.

٢٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
إسحاق، حكاه الإمام أحمد، وغيره عنه، وأفتى به خلاس بن عمرو، والحارث
العكليّ. وأما أتباع تابعي التابعين، فأفتى به داود بن عليّ، وأكثر أصحابه، حكاه عنهم
ابن المغلس، وابن حزم، وغيرهما، وأفتى به بعض أصحاب مالك، حكاه التلمسانيّ
في ((شرح التفريع)) لابن حلاب قولًا لبعض المالكيّة، وأفتى به بعض الحنفيّة، حكاه أبو
بكر الرازيّ عن محمد بن مقاتل، وأفتى به بعض أصحاب أحمد، حكاه شيخ الإسلام
ابن تيميّة عنه، قال: وكان الجدّ يفتي به أحيانًا انتهى كلام ابن القيّم في ((إعلام
الموقّعين)) ٤٥/٣-٤٧ .
وقال في ((زاد المعاد)) في معرض الردّ على أدلة الجمهور: وأما تلك المسالك التي
سلكتموها في حديث أبي الصهباء، فلا يصحّ شيء منها.
أما المسلك الأول، وهو انفراد مسلم بروايته، وإعراض البخاريّ عنه، فتلك شَكَاةٌ
ظاهر عنه عارها، وما ضرّ ذلك الحديث انفراد مسلم به شيئًا، ثم هل تقبلون أنتم، أو
أحد كمثل هذا في كلّ حديث ينفرد به مسلم عن البخاريّ، وهل قال البخاريّ قطّ: إن
كلّ حديث لم أدخله في كتابي فهو باطلٌ، أو ليس بحجة، أو ضعيفٌ، وكم قد احتجّ
البخاريّ بأحاديث خارج ((الصحيح))، ليس لها ذكرٌ في (صحيحه))، وكم صحّح من
حديث خارج عن «صحیحه))، فأما مخالفة سائر الروايات له عن ابن عباس، فلا ريب
أن عن ابن عباس روايتين صحيحتين بلا شكّ: إحداهما توافق هذا الحديث، والأخرى
تخالفه، فإن أسقطنا رواية برواية سلم الحديث على أنه بحمد الله سالم، ولو اتفقت
الروايات عنه على مخالفته، فله أسوة أمثاله، ولیس بأول حديث خالفه راويه، فنسألكم
هل الأخذ بما رواه الصحابيّ عندكم، أو بما رآه؟، فإن قلتم: الأخذ بروايته، وهو قول
جمهوركم، بل جمهور الأمة على هذا، كفيتمونا مؤونة الجواب. وإن قلتم: الأخذ برأيه،
أريناكم من تناقضكم ما لا حيلة لكم في دفعه، ولا سيّما عن ابن عبّاس؛ فإنه روى
حديث بَرِيرة، وتخميرها، ولم يكن بيعها طلاقًا، ورأى خلافه، وأن بيع الأمة طلاقها،
فأخذتم، وأصبتم بروايته، وتركتم رأيه، فهلا فعلتم ذلك فيما نحن فيه، وقلتم: الرواية
معصومة، وقول الصحابيّ غير معصوم، ومخالفته لما رواه يحتمل احتمالات عديدة،
من نسيان، أو تأويل، أو اعتقاد مُعارض راجح في ظنّه، أو اعتقاد أنه منسوخ، أو
مخصوص، أو غير ذلك من الاحتمالات، فكيف يسوغ ترك روايته مع قيام هذه
الاحتمالات؟ وهل هذا إلا ترك معلوم لمظنون، بل مجهول؟. قالوا: وقد روى أبو
هريرة ◌َّه حديثَ التسبيع من ولوغ الكلب، وأفتى بخلافه، فأخذتم بروايته، وتركتم
فتواه. ولو تتبّعنا ما أخذتم فيه برواية الصحابيّ، دون فتواه لطال.