النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
١- (بَأَبُ وَقْتِ الطَّلَقِ لِلْعِدَّةِ التِّي ... - حديث رقم ٣٤١٧
حَيْضَةٌ أُخْرَى، فَإِذَا طَهُرَتْ، فَإِنْ شَاءَ، فَلْيُفَارِقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا، وَإِنْ شَاءَ فَلْيُمْسِكْهَا،
فَإِنَّا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تُطَلَّقَ لَّهَا النِّسَاءُ)) ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ السَّرْخَسِيُّ) نزيل نيسابور، أبو قدامة، ثقة ثبت [١٠]١٥/١٥.
٢- (يَخْتَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤/٤.
٣- (عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو
عثمان المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ١٥/١٥.
٤- (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢ .
٥ - (عبد الله) بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فسرخسي، ثم
نيسابوري، ويحيى، فبصري. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه
ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) وأحد العبادلة
الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) وفي رواية: ((أن ابن
عمر طلّق امرأة له))، وفي رواية: ((طلّقتُ امرأتي)). قال في ((الفتح)): قال النوويّ: في
(تهذيبه)): اسمها آمنة بنت غفار. قاله ابن باطيش، ونقله عن النوويّ جماعة ممن بعده
منهم الذهبيّ في ((تجريد الصحابة))، لكن قال في ((مبهماته))، فكأنه أراد ((مبهمات
التهذيب))، وأوردها الذهبيّ في آمنة بالمدّ، وكسر الميم، ثم نون، وأبوها غفار، ضبطه
ابن يقظة(١) -بكسر المعجمة، وتخفيف الفاء- قال الحافظ: ولكنّ رأيت مستند ابن
باطيش في أحاديث قتيبة جمع سعيد العيار بسند فيه ابن ◌َهِيعة أن ابن عمر طلّق امرأته آمنة
بنت عمّار. كذا رأيتها في بعض الأصول بمهملة مفتوحة، ثم ميم ثقيلة، والأول أولى،
وأقوى من ذلك ما رأيته في مسند أحمد قال: ((حدّثنا يونس، حدّثنا الليث، عن نافع أن
عبد الله طلق امرأته، وهي حائض، فقال عمر: يا رسول الله إن عبد اللّه طلّق امرأته
النَّوَارِ، فأمره أن يُراجعها ... )) الحديث، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، ويونس
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولْيُنْظَرْ هل هو ابن نقطة؟ والله تعالى أعلم.

٢٤٢
:
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
شيخ أحمد هو ابن محمد المؤذّب من رجالهما، وقد أخرجه الشيخان عن قتيبة، عن
الليث، ولكن لم تُسَمّ عندهما، ويمكن الجمع بأن يكون اسمها آمنة، ولقبها النوارِ
انتھی(١).
(وَهِيَ حَائِضٌ) وفي رواية: ((أنه طلق امرأته، وهي في دمها حائضٌ))، وعند البيهقيّ:
((أنه طلّق امرأته في حيضها)). زاد في الرواية التالية من طريق مالك، عن نافع: ((في عهد
رسول اللّه ◌ِ لَ))، وفي رواية أبي الزبير الآتية بعد حديثين: ((على عهد رسول اللّه وَلِ)).
قال في ((الفتح)): وأكثر الرواة لم يذكروا ذلك؛ استغناءً بما في الخبر أن عمر سأل
رسول اللَّه ◌َ لغيره، فاستلزم أن ذلك وقع في عهده.
وزاد الليث، عن نافع: ((تطليقةً واحدةً))، أخرجه مسلم، وقال في آخره: ((جوّد
الليث في قوله: ((تطليقة واحدة)) اهـ، وكذا وقع عند مسلم من طريق محمد بن سيرين
قال: ((مكثتُ عشرين سنة يُحدّثني من لا أتّهم أن ابن عمر طلّق امرأته ثلاثًا، وهي
حائضٌ، فأمره أن يراجعها، فكنتُ لا أتّهمهم، ولا أعرف وجه الحديث، حتى لقيت أبا
غلّاب يونس بن جُبير، وكان ذا ثبت، فحدّثني أنه سأل ابن عمر، فحدّثه أنه طلّق امرأته
تطليقة، وهي حائضٌ))، وأخرجه الدار قطنيّ، والبيهقيّ من طريق الشعبيّ، قال: طلّق
ابن عمر امرأته، وهي حائضٌ واحدةً))، ومن طريق عطاء الخراسانيّ، عن الحسن، عن
ابن عمر أنه ((طلّق امرأته تطليقةً، وهي حائضٌ)). قاله في ((الفتح)).
(فَاسْتَفْتَى عُمَرُ) أي طلب بَيَانَ الحكم، يقال: أفتى العالمُ: إذا بيّن الحكمّ، والفَتْوَى
بفتح الفاء، والواو، بينهما تاء مثناةٌ ساكنةٌ، والفُتْيا بضم الفاء، وسكون التاء، وفتح
الياء، مقصورًا: اسم مصدر لـ ((أفتى))، والجمع الفَتَاوِي، بكسر الواو على الأصل،
ويجوز فتحها؛ للتخفيف(٢) (رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾ بنصب ((رسولَ)) مفعول ((استفتى)). وفي
الرواية التالية: ((فسأل عمر بن الخطّاب رسول اللَّه ◌َ ليل عن ذلك)). وفي رواية سالم،
عن ابن عمر)) -٣٣٩٢/١ -: ((قال: طلّقت امرأتي في حياة رسول اللّهُ وَّهِ، فذَكَرَ ذلك
عمر لرسول اللَّه وَ له، فتغيّظ رسول اللَّه وَلّر في ذلك))، وفي رواية يونس بن جبير، عن
ابن عمر ٣٥٥٦/٧٦ -: ((فأتى النبيَّ نَِّ عمرُ، فذكر له ذلك)). قال في ((الفتح)) بعد ذكر
رواية سالم: ما نصّه: ولم أر هذه الزيادة في رواية غير سالم، وهو أجلّ مَن روى
الحديث عن ابن عمر، وفيه إشعارٌ بأن الطلاق في الحيض كان تقدّم النهي عنه، وإلا لم
يقع التغيّظ على أمر لم يسبق النهي عنه. ولا يعكُرُ على ذلك مبادرة عمر بالسؤال عن
(١) (فتح)" ٤٣٦/١٠-٤٣٧. ((كتاب الطلاق)).
(٢) راجع ((المصباح المنير) ٤٦٢/٢. ماة ((فتى)).

=
٢٤٣
١- (بَأَبُ وَقْتِ الطَّلاَقِ لِلْعِدَّةِ التِّي ... - حديث رقم ٣٤١٧
ذلك؛ لاحتمال أن يكون عرَفَ حكم الطلاق في الحيض، وأنه منهيّ عنه، ولم يَعرِف
ما ذا يَصنَع من وقع له ذلك؟. قال ابن العربيّ: سؤال عمر ◌َظُنّيه محتملٌ لأن يكون أنهم
لم يروا قبلها مثلها، فسأل ليعلم، ويحتمل أن يكون لَمّا رأى في القرآن قوله تعالى:
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾، وقوله: ﴿يَّرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ أراد أن يعلم أن هذا قرء،
أم لا؟، ويحتمل أن يكون سمع من النبيّ بَير النهي، فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك.
وقال ابن دقيق العيد: وتغيُّظُ النبيِّ وَلّهِ إِمّا لأن المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهرًا،
فكان مقتضى الحال التثبّتَ في ذلك، أو لأنه كان مقتضى مشاورة النبيّ وَّ في ذلك إذا
عزم عليه انتهى(١).
(فَقَالَ) هذا تفسير وبيان لسؤال عمر رَبّه (إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ) بن عمر (طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ
خَائِضٌ) أي فما ذا عليه؟ (فَقَّالَ) وَ (مُزْ عَبْدَ اللَّهِ) ((مُر)) - بضمّ الميم، وسكون الراء -:
فعل أمر من أَمَر يأمُرُ، من باب نصر ينصُرُ، وأصله اؤمر، فحذفت فاء الكلمة شذوذًا،
لكثرة الاستعمال، وهمزة الوصل؛ استغناء، فصار ((مُر))، بضمّ، فسكون، وإليه أشار
ابن مالك في ((لامیّته) حيث قال:
وَشَذَّ بِالْحَذْفِ (مُرْ)) و(خُذْ)) و((كُلْ) وَفَشَا و((امُزْ)) وَمُسْتَنْدَرْ تَتْمِيمُ ((خُذْ)) و((كُلَا))
(فَلْيُرَاجِعْهَا) فيه أن المراجعة واجبة؛ لأمره بَ له بالمراجعة، وهو القول الراجح،
وسيأتي تحقيق الخلاف فيه قريبًا ... ، إن شاء اللّه تعالى (ثُمَّ يَدَغْهَا) -بفتح حرف
المضارعة، والدال المهملة: أي يتركها، ولا يمسّها. وفي الرواية التالية: (ثم
ليمسكها)): أي يستمرّ بها في عصمته (حَتَّى تَظْهُرَ) بضم الهاء لا غيرُ (مِنْ حَيْضَتِهَا هَذِهِ)
أي التي وقع فيها الطلاق (ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةٌ أُخْرَى، فَإِذَا طَهُرَتْ) بفتح الهاء، من باب
قتل، ويجوز ضمّها في لغة، من باب قَرُب (فَإِنْ شَاءَ، فَلْيُفَارِقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا) وعند
مسلم من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن سالم بلفظ: ((مره، فليراجعها، ثم ليطلّقها
طاهرًا، أو حاملًا))، قال الشافعيّ: غير نافع إنما روى: ((حتى تطهر من الحيضة التي
طلّق فیها، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلّق))، رواه يونس بن جبير، وأنس بن سیرین،
وسالم. قال الحافظ: وهو كما قال، لكن رواية الزهريّ، عن سالم موافقةٌ لرواية نافعٍ،
وقد نبّه على ذلك أبو داود، والزيادة من الثقة مقبولةٌ، ولا سيّما إذا كان حافظًا
انتھی(٢).
(١) ((فتح)) ١٠/ ٤٣٧-٤٣٨ .
(٢) ((فتح)) ٤٣٩/١٠.

٢٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
(وَإِنْ شَاءَ فَلْيُمْسِكْهَا) أي يستمرّ على إمساكها (فَإِنَّا الْعِدَّةُ) الضمير للحالة التي هي
حالة الطهر، أي إن حالة الطهر هي عين العدّة (الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) أي أَذِنَ (أَنْ تُطَلَّقَ
لَهَا النِّسَاءُ) وهذا بيان لمراد الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِنَّ﴾، وصرّح معمر في روايته، عن أيوب، عن نافع بأن الكلام عن النبيّ وَّ، وفي
رواية الزبير عند مسلم، قال ابن عمر: ((وقرأ النبيّ وَّهِ: ﴿يَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾
الآية. واستدلّ به من ذهب إلى أن الأقراء والأطهار للأمر بطلاقها في الطهر، وقوله:
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي وقت ابتداء عدّتهنّ، وقد جعل للمطلّقة تربّص ثلاثة قروء، فلما
نهى عن الطلاق في الحيض، وقال: إن الطلاق في الطهر هو الطلاق المأذون فيه عُلم
أن الأقراء الأطهار. قاله ابن عبد البرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣٩٠ و٣٣٩١ و٣٣٩٢ و٣٣٩٣ و٣٣٩٧/٣ وو٣٣٩٨ و٣٣٩٩
و ٣٣٤٠ و٣٣٤١ و٣٥٥٦/٧٦ و٣٥٥٧ و٣٥٥٨ و٣٥٥٩ و٣٥٦٠- وفي ((الكبرى))
٥٥٨٢/٤٤ و٥٥٨٣ ٥٥٨٤ ٥٥٨٥ ٥٥٨٩/٣ ٤ /٥٥٩٠ و٥٥٩١ و ٥٥٩٢
و٥٥٩٣ . وأخرجه (خ) في ((التفسير)) ٤٩٠٨ و((الطلاق)) ٥٢٥٢ و٥٢٥٣ و٥٢٥٨
و٥٣٣٢ و٥٣٣٣ و(الأحكام)) ٧١٦٠ (م) في ((الطلاق)) ١٤٧١ (د) في ((الطلاق)) ٢١٧٩
و٢١٨٢ (ت) في ((الطلاق)) ١١٧٥ و١١٧٦ (ق) في ((الطلاق)) ٢٠١١٩ و٢٠٢٢
و٢٠٢٣ (أحمد) في ((مسند المكثرين)» ٤٤٨٦ و٤٧٧٤ و٥٠٠٥ و٥١٠٠ و٥١٤٢
و٥٢٠٦ و ٥٢٧٧ و٥٢٩٩ و٥٤١٠ و ٥٤٦٥ و٥٤٨٠ و٥٥٠٠ و٥٧٥٨ و٦٠٢٥ و٦٠٨٤
و٦٢٩٣ (الموطأ) في ((الطلاق)) ١٢٢٠ (الدارمي) في ((الطلاق)) ٢٢٦٢ و٢٢٦٣. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وقت الطلاق للعدّة الله أمر
الله تعالى أن تطلّق لها النساء، حيث قال تعالى: ﴿فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ الآية، وهو أن
يطلّقها في طهر لم يُجامعها فيه. (ومنها): تحريم طلاق الحائض. (ومنها): تحريم طلاق
المرأة في طهر جامعها فيه، وبه قال الجمهور، وقال المالكيّة: لا يحرم، وفي رواية

١- (بَابُ وَقْتِ الطَّلَاقِ لِلْعِدَّةِ التِّي ... - حديث رقم ٣٤١٧
٢٤٥ =
كالجمهور، ورجحها الفاكهانيّ؛ لكونه شرط في الإذن في الطلاق عدم المیسیس،
والمعلّق بشرط معدوم عند عدمه، وهذا هو الحقّ. (ومنها): أن الزوج يستقلّ بالرجعة،
دون الوليّ، ورضا المرأة؛ لأنه جعل ذلك إليه، دون غيره، وهو كقوله تعالى:
﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُ بِيِّهِنَ فِي ذَلِكَ﴾. (ومنها): أن الأب يقوم عن ابنه البالغ الرشيد في الأمور
التي تقع له مما يَحتَشِم الابن من ذِكْره، ويتلقّى عنه ما لعلّه يلحقه من العتاب على فعله
شفقةً منه، وبرًّا. (ومنها): أن طلاق الطاهرة لا يُكره؛ لأنه أنكر إيقاعه في الحيض، لا
في غيره؛ ولقوله في آخر الحديث: ((فإن شاء أمسك، وإن شاء طلّق)). (ومنها): أن
الحامل لا تحيض؛ لقوله في طريق سالم المتقدّمة: ((ثم لْيُطلّقها طاهرًا، أو حاملًا))،
فحرّم الطلاق في زمن الحيض، وأباحه في زمن الحمل، فدلّ على أنهما لا يجتمعان.
وأجاب من قال: تحيض الحامل بأن حيض الحامل لما لم يكن له تأثير في تطويل العدّة،
ولا تخفيفها لأنها بوضع الحمل، أباح الشارع طلاقها حاملاً مطلقًا، وأما غير الحامل
ففرق بين الحائض والطاهر؛ لأن الحيض يؤثر في العدة، فالفرق بين الحامل وغيرها
إنما هو بسبب الحمل، لا بسبب الحيض، ولا الطهر. (ومنها): أن الأقراء في العدّة
هي الأطهار، وسيأتي تحقيق ذلك، في محلّه إن شاء الله تعالى.
(ومنها): أنه تمسّك بالزيادة التي في رواية سالم المتقدّمة: ((ثم ليطلقها طاهرًا، أو
حاملًا)) من استثنى من تحريم الطلاق في طهر جامعها فيه ما إذا ظهر الحمل، فإنه لا
يحرم، والحكمة فيه أنه إذا ظهر الحمل فقد أقدم على ذلك على بصيرة، فلا يندم على
الطلاق، وأيضًا فإن زمن الحمل زمن الرغبة في الوطء، فإقدامه على الطلاق فيه يدلّ
على رغبته عنها. ومحلّ ذلك أن يكون الحمل من المطلّق، فلو كان من غيره بأن نكح
حاملًا من زنا، ووطئها، ثم طلّقها، أو وُطئت منكوحته بشبهة، ثم حملت منه، فطلّقها
زوجها، فإن الطلاق يكون بدعيًّا؛ لأن عدّة الطلاق تقع بعد وضع الحمل، والنقاء من
النفاس، فلا تُشرع عقب الطلاق في العدّة، كما في الحامل منه. قاله في ((الفتح))(١).
(ومنها): أن بعض أهل العلم قال في قوله: ((ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلّق)» دليلٌ
على أن من قال لزوجته، وهي حائضٌ: إذا طهرتٍ، فأنت طالقٌ لا يكون مطلّقًا للسنّة؛
لأن المطلّق للسنّة هو الذي يكون مخيّرًا عند وقوع طلاقه بين إيقاع الطلاق وتركه، ومن
سبق منه هذا القول في وقت الحيض زائلٌ عنه الخيار في وقت الطهر. ذكره الخطابيّ في
((المعالم))(٢).
(١) ١٠ /٤٤٠-٤٤١ .
(٢) ((معالم السنن)» ٣/ ٩٤ .

٢٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
(ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: ((قبل أن يمسّ)) على أن الطلاق في طهر جامعها فيه
حرام، وبه صرّح الجمهور، فلو طلّق هل يُجبر على الرجعة كما يُجبر عليها إذا طلّقها،
وهي حائضٌ؟ طرده بعض المالكيّة فيهما، والمشهور عنهم إجباره في الحائض، دون
الطاهر، وقالوا فيما إذا طلّقها، وهي حائض: يُجبر على الرجعة، فإن امتنع أدبه
الحاكم، فإن أصرّ ارتجع عليه، وهل يجوز له وطؤها بذلك؟ روايتان لهم، أصحّهما
الجواز، وعن داود يجبر على الرجعة إذا طلّقها حائضًا، ولا يُجبر إذا طلّقها نفساء، وهو
جمود. ذكره في ((الفتح)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في قوله: ((مره فليُراجعها)) قال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله
تعالى: يتعلّق به مسألة أصوليّة، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمرٌ بذلك
الشيء، أم لا؟، فإنه رَّ قال لعمر: ((مُره))، فأمره بأن يأمره.
قال في ((الفتح)): هذه المسألة ذكرها ابن الحاجب، قال: الأمر بالأمر بالشيء ليس
أمرًا بذلك الشيء، لنا لو كان لكان مُر عبدك بكذا تعذّيًا، ولكان يُناقض قولك للعبد: لا
تفعل. قالوا: فُهم ذلك من أمر الله تعالى، ورسوله وَّله، ومن قول الملك لوزيره: قل
لفلان: افعل. قلنا: للعلم بأنه مبلّغٌ.
قال الحافظ: والحاصل أن النفي إنما هو حيث تجرّد الأمر، وأما إذا وُجدت قرينة
تدلّ على أن الأمر الأول أمر المأمور الأول أن يبلّغ المأمور الثاني فلا، وينبغي أن ينزل
كلام الفريقين على هذا التفصيل، فيرتفع الخلاف. ومنهم من فرق بين الأمرين، فقال:
إن كان الأمر الأول بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثاني، فهو آمرٌ له، وإلا فلا،
وهذا قويّ، وهو مستفاد من الدليل الذي استدلّ به ابن الحاجب على النفي؛ لأنه لا
يكون متعدّيًا إلا إذا أمر من لا حكم له عليه؛ لئلا يصير متصرّفًا في ملك غيره بغير إذنه،
والشارع حاكمٌ على الآمر والمأمور، فوجد فيه سلطان التكليف على الفريقين، ومنه
قوله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ﴾ الآية، فإن كلّ أحد يفهم منه أمر اللَّه لأهل بيته
بالصلاة، ومثله حديث الباب، فإن عمر رضي إنما استفتى النبيّ وَالقيل عن ذلك ليمتثل ما
يأمره به، ويُلزم ابنه به، فمن مثل بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالطً؛ فإن القرينة
واضحةٌ في أن عمر في هذه الكائنة كان مأمورًا بالتبليغ، ولهذا وقع في رواية أيوب، عن
نافع: «فأمره أن يراجعها»، وفي رواية أنس ابن سیرین، ویونس بن جُبير، وطاوس،
عن ابن عمر، وفي رواية الزهريّ، عن سالم: ((فليُراجعها»، وفي رواية لمسلم:
(١) ١٠ / ٤٤١ .

١- (بَأَبُ وَقْتِ الطَّلَاقِ لِلْعِدَّةِ التِّي ... - حديث رقم ٣٤١٧
٢٤٧
(«فراجعها عبد اللَّه كما أمره رسول اللّه وَّر))، وفي رواية أبي الزبير، عن ابن عمر:
(يراجعها))، وفي رواية الليث، عن نافع، عن ابن عمر: ((فإن النبيّ وَّ أمرني بهذا)).
وقد اقتضى كلام سليم الرازيّ في ((التقريب)) أنه يجب على الثاني الفعل جزمًا، وإنما
الخلاف في تسميته آمرًا، فرجع الخلاف عنده لفظيًّا.
وقال الفخر الرازيّ في «المحصول)»: الحقّ أن اللَّه تعالى إذا قال لزيد: أوجبتُ على
عمرو كذا، وقال لعمرو: كلّ ما أوجب عليك زيدٌ، فهو واجبٌ عليك، كان الأمر
بالأمر أمرًا بالشيء انتهى.
قال الحافظ: وهذا يمكن أن يؤخذ منه التفرقة بين الأمر الصادر من رسول اللَّه وَله
ومن غيره، فمهما أمر الرسول وَل# أحدًا أن يأمر به غيره وجب لأن الله تعالى أوجب
طاعته، وهو أوجب طاعة أميره، كما ثبت في ((الصحيح)): ((من أطاعني، فقد أطاع
اللّه، ومن أطاع أميري فقد أطاعني))، وأما غيره ممن بعده فلا، وفيهم تظهر صورة
التعدي التي أشار إليها ابن الحاجب.
وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يتردّد في اقتضاء ذلك الطلب، وإنما ينبغي أن ينظر
في أن لوازم صيغة الأمر هل هي لوازم صيغة الأمر بالأمر أو لا؟ بمعنى أنهما يستويان
في الدلالة على الطلب من وجه واحد أو لا. قال الحافظ: وهو حسنٌ، فإن أصل
المسألة التي انبنى عليها هذا الخلاف حديث: ((مروا أولادكم بالصلاة لسبع))، فإن
الأولاد ليسوا بمكلّفين، فلا يتّجه عليهم الوجوب، وإنما الطلب متوجّه على أوليائهم أن
يُعَلّموهم ذلك، فهو مطلوب من الأولاد بهذه الطريق، وليس مساويًا للأمر الأول، وهذا
إنما عرض من أمر خارج، وهو امتناع توجه الأمر على غير المكلّف، وهو بخلاف
القصّة التي في حديث الباب.
والحاصل أن الخطاب إذا توجّه لمكلّف أن يأمر مكلّفًا آخر بفعل شيء كان المكلّف
الأول مبلّغًا محضًا، والثاني مأمور من قبل الشارع، وهذا كقوله لمالك بن الحويرث،
وأصحابه: ((ومروهم بصلاة كذا في حين كذا))، وقوله لرسول ابنته بَليقول: ((مرها،
فلتصبر، ولتحتسب))، ونظائره كثيرة، فإذا أمر الأول الثاني بذلك، فلم يمتثله كان
عاصيًا، وإن توجّه الخطاب من الشارع لمكلّف أن يأمر غير مكلّف، أو توجه الخطاب
من غير الشارع بأمر من له عليه الأمر أن يأمر من لا أمر للأول عليه لم يكن الأمر بالأمر
بالشيء أمرًا بالشيء، فالصورة الأولى هي التي نشأ عنها الاختلاف، وهو أمر أولياء
الصبيان أن يأمروا الصبيان، والصورة الثانية هي يتصوّر فيها أن يكون الأمر متعدّيًا بأمر

٢٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
للأول أن يأمر الثاني، فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة، والله المستعان، قاله في
((الفتح)) وهو تحقيق حسن(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأمر في قوله مَلقوله:
((فليُراجعها)»، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟ :
ذهب إلى القول بالاستحباب الأئمة: أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد في المشهور
عنه، وحكاه النوويّ عن سائر الكوفيين، وفقهاء المحدّثين.
وذهب مالك، وأصحابه إلى أنه للوجوب، يجبر على المراجعة ما بقي من العدّة
شيء. وقال أشهب: ما لم تطهر من الثانية، فإن أبى أجبره الحاكم، فإن أبى ارتجع
الحاكم عليه، وله وطؤها بذلك على الأصح. قال الحافظ وليّ الدين: وما تقدّم عن أبي
حنيفة من الاستحباب هو المشهور في كتب الخلاف، وممن حكاه عنه النوويّ، لكن
حكاه صاحب ((الهداية)) عن بعض المشايخ، ثم قال: والأصحّ أنه واجبٌ؛ عملًا بحقيقة
الأمر، ورفعًا للمعصية بالقدر الممكن برفع أثره، وهو العدّة، ودفعًا لضرر تطويل العدّة
انتهى. وقال داود الظاهريّ يُجبر على الرجعة إذا طلّقها حائضًا، ولا يُجبر إذا طلّقها
نفساء. وذكر إمام الحرمين أن المراجعة، وإن كانت مستحبّةً، فلا ينتهي الأمر فيه إلى
أن نقول: ترك المراجعة مكروه. قال النوويّ في ((الروضة)): وينبغي أن يقال بالكراهة؛
للحديث الصحيح الوارد فيها، ولدفع الإيذاء. وحكى ابن عبد البرّخلافًا في سبب الأمر
بالرجعة، قيل: عقوبةٌ له، وقيل: دفع للضرر عنها بتطويل العدّة عليها. فلو ادعت
المرأة أنه طلّقها في الحيض، وقال الزوج: فيّ طهر، فقال سحنون: القول قولها،
ويجبر على الرجعة، والأصحّ أن القول قوله. قاله في ((طرح التثريب)(٢).
وقال في ((الفتح)): والحجة لمن قال بالوجوب ورود الأمر بها، ولأن الطلاق لما كان
محرّمًا في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة. فلو تمادى الذي طلّق في الحیض حتى
طهرت قال مالكٌ، وأكثر أصحابه: يُجبر على الرجعة أيضًا. وقال أشهب منهم: إذا طهرت
انتهى الأمر بالمراجعة. واتفقوا على أنها إذا انقضت عدّتها أن لا رجعة، وأنه لو طلّق في طهر
قد مسّها فیه لا یؤمر بمراجعتها. کذا نقله ابن بطّال وغیره، لکن الخلاف فیه ثابت، قد حكاه
الحناطيّ من الشافعيّة وجهًا. واتفقوا على أنه لو طلّق قبل الدخول، وهي حائضٌ لم يؤمر
بالمراجعة، إلا ما نقل عن زفر، فطرد الباب انتهى (٣).
(١) (فتح)) ٤٣٨/١٠-٤٣٩.
(٢) ٧/ ٨٧ .
(٣) ((فتح)) ٤٣٩/١٠.

١- (بَأَبُ وَقْتِ الطَّلَاَقِ لِلْعِدَّةِ التِّي ... - حديث رقم ٣٤١٧
=
=
٢٤٩
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القولُ بوجوب الرجعة على من طلّق امرأته في
حيضها هو الأرجح؛ لظهور حجته؛ لأن الأمر للوجوب إلا لصارف؛ وليس هنا صارف
يُعتدّ به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): ذكر العلماء في الحكمة في تأخير الطلاق إلى طهر بعد الطهر
الذي يلي ذلك الحيض الذي وقع في الطلاق أمورًا:
[أحدها]: ما قاله الشافعيّ: يحتمل أن يكون أراد بذلك أن يستبرئها بعد الحيضة التي
طلّقها فيها بطهر تامّ، ثم حيض تامّ؛ ليكون تطليقها، وهي تعلم عدّتها، إما بحمل، أو
بحيض، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل، وهو غير جاهل بما صنع، إذ يرغب،
فيُمسك للحمل، أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكفّ عنه.
[الثاني]: أن الطهر الذي يلي الحيض الذي طلّقها كقرء واحد، فلو طلّقها فيه لكان
كمن طلّق في الحيض، وهو ممتنعٌ من الطلاق في الحيض، فلزم أن يتأخّر إلى الطهر
الثاني .
[الثالث]: أن لا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فوجب أن يمسكها زمانًا يحلّ له فيه
طلاقها، وإنما أمسكها؛ لتظهر فائدة الرجعة.
[الرابع]: أنه عقوبةٌ له، وتوبةٌ من معصيته باستدراك ما جناه، وعبّر عنه بعضهم بأنه
معاملة بنقيض مقصوده، فإنه عجل ما حقّه أن يتأخر قبل وقته، فمنع منه في وقته،
وصار كمستعجل الإرث يقتل مورثه.
[الخامس]: أنه نهي عن طلاقها في الطهر، ليطول مقامه معها، فقد يجامعها،
فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها، فيمسكها. قال أبو العبّاس القرطبيّ: وهذا
أشبهها، وأحسنها(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): اختلفوا في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع
فيها الطلاق والرجعة، وفيه للشافعيّة وجهان، أصحّهما المنع، وبه قطع المتولّي، وهو
الذي يقتضيه ظاهر الزيادة التي في الحديث، وعبارة الغزاليّ في («الوسيط»، وتبعه
مجلي: هل يجوز أن يطلّق في هذا الطهر؟ وجهان. وكلام المالكيّة يقتضي أن التأخير
مستحبّ. وقال ابن تيميّة في ((المحرّر)): ولا يُطلّقها في الطهر المتعقّب له، فإنه بدعةٌ،
وعنه -أي عن أحمد- جواز ذلك. وفي كتب الحنفيّة عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي
يوسف ومحمد المنع. ووجه الجواز أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت
(١) راجع ((طرح التثريب)) ٩٠/٧-٩١. و(فتح)) ٤٤٠/١٠.
/

٢٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر، كما يجوز في الطهر الذي بعده،
وكما يجوز طلاقها في الطهر إن لم يتقدّم طلاق في الحيض.
ومن حجج المانعين أنه لو طلّقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلّقها، وهذا
عكس مقصود الرجعة، فإنها شُرعت لإيواء المرأة، ولهذا سماها إمساكًا، فأمره أن
يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلّق فيه حتى تحيض حيضةً أخرى، ثم تطهر؛ لتكون
الرجعة للإمساك، لا للطلاق، ويؤيّد ذلك أن الشارع أكّد هذا المعنى حيث أمر بأن
يمسكها في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلّقها فيه؛ لقوله في رواية عبد الحميد بن
جعفر: ((مره أن يراجعها، فإذا طهرت أمسكها، حتى إذا طهرت أخرى، فإن شاء
طلّقها، وإن شاء أمسكها))، فإذا كان قد أمره بأن يمسكها في ذلك الطهر، فكيف يُبيح له
أن يطلّقها فيه؟، وقد ثبت النهي عن الطلاق في طهر جامعها فيه. ذكره في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأدلّة أن الأرجح قول من قال
بمنع الطلاق في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق؛ لمخالفته الأمر
بإمساكها في ذلك الطهر بنصّ قوله وَ له: ((فإذا طهرت أمسكها حتى إذا طهرت أخرى
الخ)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): اختلف الفقهاء في المراد بقوله وَالر: «طاهرًا» هل المراد به انقطاع الدم،
أو التطهّر بالغسل؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد، والراجح الثاني؛ لما يأتي للمصنّف
من طريق معتمر بن سليمان، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع في هذه القصّة، قال: (( مُرْ
عبد الله، فليراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى، فلا يمسّها حتى يطلّقها، وإن شاء
أن يمسكها، فليمسكها»، وهذا مفسّر لقوله: ((فإذا طهرت)»، فليحمل عليه.
قال في ((الفتح)): ويتفرّع من هذا أن العدّة هل تنقضي بانقطاع الدم، وترتفع
الرجعة، أو لا بُدّ من الاغتسال؟ فيه خلاف أيضًا.
والحاصل أن الأحكام المرتّبة على الحيض نوعان: الأول يزول بانقطاع الدم،
كصحّة الغسل، والصوم، وترتّب الصلاة في الذّمّة. والثاني: لا يزول إلا بالغسل،
كصحّة الصلاة، والطواف، وجواز الليث في المسجد، فهل يكون الطلاق من النوع
الأول، أو من الثاني؟. انتهى(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الطلاق من النوع الثاني؛ لرواية
المصنّف المذكورة في ذلك، فإنها صريحة في اشتراط الاغتسال، فلا يجوز أن يطلّقها
(١) ١٠ / ٤٤٠ .
(٢) (فتح)) ١٠/ ٤٤١.
١

١- (بِأَبُ وَقْتِ الطَّلَقِ لِلْعِدَّةِ التِّي ... - حديث رقم ٣٤١٨
٢٥١
إلا بعد اغتسالها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في قوله: ((فإنها العدّة التي أمر الله عز وجل أن تطلّق لها النساء)»،
هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ الآية. قال الجرجانيّ: اللام بمعنى
((في)»، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَّرِهِمْ لِأَوَّلِ
الْخَشِّرِ﴾ الآية، أي في أول الحشر، فقوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي في الزمان الذي يصلح
لعدّتهنّ، وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع، وفي الطهر مأذون فيه،
ففيه دليل على أن القرء هو الطهر. ذكره القرطبيّ(١).
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: استُدلّ به على أن الأقراء هي الأطهار؛
لأن الله تعالى لم يأمر بطلاقهنّ في الحيض، بل حرّمه، وبهذا قال مالكٌ، والشافعيّ.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: هي الحيض. وأجاب بعضهم عن هذا الحديث بأن الإشارة
في قوله: ((فتلك العدّة)) إلى الحيضة. وهو مردود؛ لأن الطلاق في الحيض غير مأمور
به، بل هو محرّم، وإنما الإشارة إلى الحالة المذكورة، وهي حالة الطهر، أو إلى العدّة.
وقال الذاهبون إلى أنها الحيض: من قال بالأطهار جعلها قرءين وبعض الثالث، وظاهر
القرآن أنها ثلاثة، ونحن نشترط ثلاث حِيّض كوامل، فهي أقرب إلى موافقة القرآن،
ولهذا صار الزهريّ مع قوله: إن الأقراء هي الأطهار إلى أنه لا تنقضي العدّة إلا بثلاثة
أطهار كاملة، ولا تنقضي بطهرين وبعضٍ الثالث، وهذا مذهب انفرد به، وقال غيره: لو
طلّقها، وقد بقي من الطهر لحظة يسيرَةٌ، حُسبت قُرءًا، ويكفيها طهران. وأجابوا عن
هذا الاعتراض بأن الشيئين وبعض الثالث يُطلق عليها اسم الجمع، قال الله تعالى:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، ومدّته شهران وبعض الثالث، وقال تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فيِ
يَوْمَيْنِ﴾ والمراد: وبعض الثاني انتهى كلام وليّ الدين رحمه اللَّه تعالى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بأن الأقراء هي الأطهار هو الأرجح؛ لأن الأرجح
في اللام في قوله: (لعدّتهنّ)) كونها بمعنى: ((في))، فظهر به أن وقت العدّة هو الطهر؛ لأنه
الوقت الذي أمر الله تطليق النساء فيه، وسيأتي تحقيق ذلك في محله، إن شاء الله تعالى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ خَائِضٌ، فِي عَهْدِ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ، فَسَأَلَ عُمِّرُ ابْثَ
الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه، رَسُولَ اللَّهِ لَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: (مُرْهُ
فَلْيُرَاجِغَهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا، حَتَّى تَظْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ،
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٥٢/١٨- ١٥٣.
(٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٩٣/٧.

٢٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تُطَلَّقَ (١) لَهَا النِّسَاءُ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. وأنهم مدنيون،
غیر شيخه، وشيخ شيخه، فمصریّان. والحديث متفق عليه، كما سبق تمام البحث فيه في
الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤١٩ - (أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ:
سُئِلَ الزُّهْرِيُّ، كَيْفَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ؟، فَقَالَ: أَخْبَرَنِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ
ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي، فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، وَهِيَ خَائِضٌَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ
لِرَسُولِ اللّهِ وَلِهِ فَتَغَّظَ رَسُولُ اللَّهِ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ((لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا، حَتَّى
تَحِيضَ حَيْضَةٌ، وَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَذَاكَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ، كَمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَاجَعْتُهَا، وَحُسِبَتْ لَهَا التَّطْلِيقَةَ الَّتِي طَلَّقْتُهَا).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
حمصيّ، ثقة.
و((محمد بن حرب)): الأبرش الخولانيّ الحمصيّ الثقة. و((الزبيديُّ)): هو محمد
ابن الوليد، أبو الْهُذيل الحمصيّ الثقة الثبت.
وقوله: ((فتغيّظ)» يدلّ على حرمة الطلاق. وقوله: ((حتى تحيض حيضةً)) أي ثانيةً غير
هذه التي وقع فيها الطلاق، وتطهر منها، وبه يحصل موافقة هذه الرواية للروايتين
السابقتين. وقوله: ((وحسبت) بالبناء للمفعول، والتاء للتأنيث. ويحتمل بناؤه للفاعل،
والتاء للمتكلّم، والأول أقرب.
والحديث متفق عليه، كما سبق البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٢٠- (أَخْبَرَنِي(٢) مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِیمٍ، عَنْ
حَجَّاجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ، يَسْأَلُ ابْنَ
عُمَرَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ، طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟(٣) فَقَّالَ لَهُ: طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ
بْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ خَائِضٌ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِوَةِ، فَقَالَ:
إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ خَائِضٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لِيُرَاجِعْهَا))، فَرَدَّهَا
عَلَيَّ، قَالَ: ((إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلْقْ، أَوْ لِيُمْسِكْ))، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَقَالَ(٤) النَِّيُّ ◌َّ: ﴿يَّأَيُّهَا
(١) وفي نسخة: ((أن يُطلّق)) بالياء التحتيّة.
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٣) وفي نسخة: ((وهي حائض).
(٤) وفي نسخة: ((فقرأ)).

١- (بِأَبُ وَقْتِ الطَّلاَقِ لِلْعِدَّةِ التِّي ... - حديث رقم ٣٤٢١
٢٥٣=
النَُِّّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ فِي قُبُلٍ عِدَّتِهِنَّ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن إسماعيل بن إبراهيم)) : هو المعروف أبوه
بابن عليّة، وهو قاضي دمشق، ثقة [١١] ٤٨٩/٢٢ من أفراد المصنّف. و((عبد الله بن
محمد بن تميم)): أبو حُميد المصّيصيّ، ثقة [١١] ٣١٩/٢٠٠ من أفراد المصنّف
أيضًا. والباقون كلهم رجال الصحيح. و((حجّاج)): هو ابن محمد الأعور المصيصيّ.
وقوله: ((عبد الرحمن بن أيمن))، ويقال: مولى أيمن المخزوميّ، مولاهم المكيّ،
لا بأس به [٣] له ذكر عند المصنّف، ومسلم، وأبي داود في هذا الإسناد بلا رواية.
وقوله: ((وأبو الزبير يسمع)) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: وأنا أسمع. وقوله:
((طلّق عبد الله بن عمر الخ)) فيه التفات أيضًا، إذ الظاهر أن يقول: طلّقتُ.
وقوله: ((فردّها عليّ)) يعني أن النبيّ ◌َ ليل رد تلك المرأة على ابن عمر رضي اللّه تعالى
عنهما .
وقوله: ((إذا طهرت فليُطلّق)) ظاهر هذه الرواية أنه يطلّق إذا طهرت من الحيضة
الأولى التي وقع فيها الطلاق، فتكون مخالفةً للروايات المتقدّمة، وغيرها، فالأولى أن
تُحمل على موافقة تلك الرويات، فيُحمل الطهر على الطهر من الحيضة الثانية، لا
الأولى.
وقوله: ((فقال النبيّ ◌َيقول: يا أيها النبيّ الخ)) قال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى:
هذا تصريح برفع هذه القراءة إلى رسول اللّه وَلّر، غير أنها شاذة عن المصحف، ومنقولة
آحادًا، فلا تكون قرآنًا، لكنها خبر مرفوعٌ إلى النبيّ ◌َّ صحيحٌ، فهي حجةٌ واضحةٌ لمن
يقول بأن الأقراء هي الأطهار، كما تقدّم، وهي قراءة ابن عمر، وابن عبّاس . وفي
قراءة ابن مسعود رَّ: ((لقبل طهرهنّ))، قال جماعة من العلماء: وهي محمولة على
التفسير، لا التلاوة انتهى كلام القرطبيّ(١).
وقوله: ((في قُبُل عدّتهنّ)): قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: هو- بضم القاف، والباء-
أي في وقتٍ تَستقبل فيه العدّةَ، وتَشرع فيها، وهذا يدلّ على أن الأقراء هي الأطهار،
وأنها إذا طُلْقت في الطهر شرعت في الحال في الأقراء؛ لأن المأمور به إنما هو في
الطهر؛ لأنها إذا طُلّقت في الحيض لا يُحسب ذلك الحيض قرءًا بالإجماع، فلا تَستقبل
فيه العدّة، وإنما تَستقبلها إذا طُلْقت في الطهر. قاله النوويّ(٢).
وقال السيوطيّ: ((في قبل عدّتهنّ)) أي إقبالها، وأولها، وحين يمكن الدخول فيها،
(١) ((المفهم)) ٢٣٣/٤.
(٢) (شرح مسلم) ٣٠٩/١٠-٣١٠.

٢٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
والشروع، وذلك حال الطهر، يقال: كان ذلك في قُبُل الشتاء: أي إقباله. انتهى (١).
وقال السنديّ: ما حاصله: هذا الذي قاله السيوطيّ على وفق مذهبه، وأما على
مذهب من يقول بأن القرء هو الحيض، فمعنى ((في قبل عدّتهنّ)) أي إقبالها، فإنها بالطهر
صارت مقبلة للحيض، وصار الحيض مقبلًا عليها انتهى(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح ما قاله السيوطيّ؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة
فيه. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٢١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يُحَدِّثُهُ(٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قُوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَّأَيُّهَا
الَُّّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسَ رَضِي اللَّه عَنْهما: ((قُبُلِ
عِدَّتِهِنَّ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح،
و((الحكم)): هو ابن عُتيبة.
و((مجاهد)): هو ابن جَبْر. وشرح الحديث تقدّم في الذي قبله، وهو موقوفٌ
صحيح، تفرّد به المصنّف، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-١/
٣٣٩٤- وفي ((الكبرى)) ٥٥٨٦/١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنيب)) .
٢- (بَابُ طَلَاقِ السُّنَّةِ)
٣٤٢٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتِى بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: طَلَاقُ
(١) ((زهر الربى) ١٣٧/٦-١٤١.
(٢) ((شرح السنديّ)) ٦/ ١٣٧ -١٣١٠.
(٣) وفي نسخة: ((يحدّث)).

٢٥٥
٢- (بَأَبُ طَلَاقِ السُّنةِ) - حديث رقم ٣٤٢٢
السُّنَِّ تَطْلِيقَةٌ، وَهِيَ طَاهِرٌ فِي غَيْرِ جَمَاعٍ، فَإِذَا حَاضَتْ، وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى، فَإِذَا
حَاضَتْ وَطَهُرَتْ، طَلَّقَهَا أَخْرَى، ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَيْضَةٍ، قَالَ الْأَعْمَشُ: سَأَلْتُ
إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن يحيى بن أيوب) بن إبراهيم الثقفي، أبو يحيى المروزيّ القصريّ
المعلم، ثقة حافظ [١٠] ١٦٢/ ٢٥٤.
٢- (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة
فقيه، تغير حفظه قليلًا في الآخر [٨] ١٠٥/٨٦.
٣- (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت،
لكنه يدلس [٥] ١٨/١٧.
٤- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، یدلس
واختلط بآخره [٣] ٤٢/٣٨ .
٥- (أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشميّ الكوفيّ ثقة [٣] ٨٤٩/٥٠.
٦- (عبد الله) بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخ المصنّف، فقد تفرّد به هو والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل
بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن
بعض: الأعمش، وأبو إسحاق، وأبو الأحوص. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رَِّ (أَنَّهُ قَالَ: طَلَاقُ السُّنَّةِ) قال السنديّ رحمه الله
تعالى: بمعنى أن السنّة قد وردت بإباحتها لمن احتاج إليها، لا بمعنى أنها من الأفعال
المسنونة التي يكون الفاعل مأجورًا بإتيانها. نعم إذا كفّ المرء نفسه من غيره عند
الحاجة، وآثر هذا النوع من الطلاق؛ لكونه مباحًا، فله أجره على ذلك، لا على نفس
الطلاق، فلا يَرِدُ أنها كيف تكون سنّةً، وهي من أبغض المباحات، كما جاء به
الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث الذي أشار إليه السنديّ: هو ما أخرجه أبو
داود في ((سننه)) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، مرفوعًا: ((أبغض الحلال إلى الله

٢٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
الطلاق)). لكنه ضعيف مرفوعًا؛ والصحيح أنه مرسلٌ(١). والله تعالى أعلم.
(تَطْلِيقَةٌ) أي واحدةٌ، وفي الرواية التالية: ((أن يطلقها الخ)) (وَهِيَ طَاهِرٌ) أي ليس بها
حيض (فِي) وفي نسخة: ((من)) (غَيْرِ جَماع) أي من غير أن يجامعها في ذلك الطهر (فَإِذَا
حَاضَتْ، وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى) أي تطلّيّقة ثانية (فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ، طَلَّقَهَا أُخْرَى)
أي تطليقة ثالثةً (ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَيْضَةٍ) هذا تصريحٌ في أن العدّة تكون بالحيض، لا
بالطهر، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وخالفهم المالكيّة، والشافعية، وهو
الأرجح، وسيأتي تحقيق ذلك في محلّه، إن شاء اللَّه تعالى (قَالَ الْأَعْمَشُ) سليمان بن
مهران الإمام المشهور، الراوي عن أبي إسحاق في هذا السند (سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ) يعني ابن
يزيد النخعيّ الإمام الفقيه المشهور (فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ) أي فذكر مثل ما ذكره أبو إسحاق،
عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه تمثّ. ويحتمل أنه قال مثل ما قال ابن مسعود تظنّه،
أي أفتى بمثل ذلك، فيكون من قوله، لا من روايته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن مسعود رَّه صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣٩٥/٢ و٣٣٩٦ - وفي «الكبرى)) ٥٥٨٧/٢ و ٥٥٨٨. وأخرجه (ق)
في ((الطلاق)) ٢٠٢٠ و٢٠٢١ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): يُستفاد من أثر ابن مسعود تنظّه هذا أن الطلاق ينقسم إلى قسمين:
سنيّ، وبدعيّ، وقد بيّن القسمين ابن قدامة -عند قول الخِرَقيّ: ((وطلاق السنّة أن
يطلّقها طاهرًا من غير جماع واحدةً، ثم يدعها حتى تنقضي عدّتها)) -:
فقال: ما حاصله: معنى طلاق السنّة الطلاقُ الذي وافق أمر الله تعالى، وأمر رسوله
وَ ر في الآية، والخبرين المذكورين -يعني خبر ابن عمر المذكور في الباب الماضي-
وهو الطلاق في طهر لم يُصبها فيه، ثم يتركها حتى تنقضي عدّتها، ولا خلاف في أنه إذا
طلّقها في طهر لم يُصبها فيه، ثم تركها حتى تنقضي عدتها أنه مصيبٌ للسنّة، مطلّق
للعدّة التي أمر اللَّه تعالى بها. قاله ابن عبد البرّ، وابنُ المنذر. وقال ابن مسعود: طلاق
السنّة أن يطلّقها من غير جماع، وقال في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: طاهرًا
(١) (شرح السنديّ)) ١٤٠/٦.

٢٥٧
٢- (بَأَبُ طَلَاقِ السُّنِّ) - حديث رقم ٣٤٢٢
من غير جماع، ونحوه عن ابن عبّاس. وفي حديث ابن عمر الذي رويناه: ((لِيَتْرُكها حتى
تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ، فتلك
العدّة التي أمر أن تُطلّق لها النساء)).
فأما قوله: ((ثم يدعها حتى تنقضي عدّتها)) فمعناه أنه لا يُتبعها طلاقًا آخر قبل انقضاء
عدّتها، ولو طلقها ثلاثًا في ثلاثة أطهار، كان حكم ذلك حكم جمع الثلاث في طهر
واحد. قال أحمد: طلاق السنّة واحدةٌ، ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حِيَض، وكذلك
قال مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو عُبيد. وقال أبو حنيفة، والثوريّ: السنّة أن
يطلّقها ثلاثًا في كلّ قرء تطليقة، وهو قول سائر الکوفیین، واحتجوا بحديث ابن عمر،
حين قال له النبيّ ◌َّر: ((راجعها، ثم أمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر))، قالوا:
وإنما أمره بإمساكها في هذا الطهر؛ لأنه لم يفصل بينه وبين الطلاق طهرٌ كاملٌ، فإذا
مضى، ومضت الحيضة التي بعده أمره بطلاقها. وقوله في حديثه الآخر: ((والسنّة أن
يستقبل الطهر، فيُطلّق لكلّ قرء))(١). ثم ذكر حديث ابن مسعود المذكور في الباب. ثم
قال: ولنا ما روي عن عليّ ◌َّه أنه قال: لا يطلّقُ أحد للسنّة، فيندم. رواه الأثرم.
وهذا إنما يحصل في حقّ من لم يُطلّق ثلاثًا. وقال ابن سيرين: إن عليًّا رَّه قال: لو
أن الناس أخذوا بما أمر اللَّه من الطلاق ما يُتبع رجلٌ نفسَهُ امرأةً أبدًا، يطلّقها تطليقةً، ثم
يدعها ما بينها وبين أن تحیض ثلاثةً، فمتى شاء راجعها. رواه النجاد بإسناده. وروى ابن
عبد البرّ بإسناده عن ابن مسعود رَّه أنه قال: طلاق السنة أن يطلّقها، وهي طاهر، ثم
يدعها حتى تنقضي عدّتها، أو يراجعها إن شاء.
فأما حديث ابن عمر الأول، فلا حجة لهم فيه، لأنه ليس فيه جمع الثلاث، وأما
حديثه الآخر، فيحتمل أن يكون ذلك بعد ارتجاعها، ومتى ارتجع بعد الطلقة، ثم طلّقها،
كان للسنّة على كلّ حال حتى قد قال أبو حنيفة: لو أمسكها لشهوة، ثم والى بين الثلاث
كان مصيبا للسنّة؛ لأنه يكون مرتجعًا لها. والمعنى فيه أنه إذا ارتجعها سقط حكم الطلقة
الأولى، فصارت كأنها لم توجد، ولا غنى به عن الطلقة الأخرى إذا احتاج إلى فراق
امرأته، بخلاف ما إذا لم يرتجعها، فإنه مستغن عنها؛ لإفضائها إلى مقصوده من إبانتها،
فافترقا؛ ولأن ما ذكروه إرداف طلاق من غير ارتجاع، فلم يكن للسنّة، كجمع الثلاث
في طهر واحد، وتحريم المرأة لا يزول إلا بزوج، وإصابة من غير حاجة، فلم يكن
للسنة، کجمع الثلاث.
(١) راجع ما كتبه الشيخ الألبانيّ في ((إرواء الغليل)) ١٠٦/٧-١٠٨.

٢٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
وأما الطلاق البدعيّ، فهو أن يطلق حائضًا، أو في طهر أصابها فيه، فإذا فعل ذلك
أثم، ووقع الطلاق في قول عامّة أهل العلم، قال ابن المنذر، وابن عبد البرّ: لم يخالف
في ذلك إلا أهل البدع والضلال. وحكاه أبو نصر عن ابن عليّة، وهشام بن الحكم،
والشيعة، قالوا: لا يقع طلاقه؛ لأن اللّه تعالى أمر به في قُبُل العدّة، فإذا طلّق في غيره
لم يقع، كالوكيل إذا أوقعه في زمنٍ أمرَهُ موكّلُهُ بإيقاعه في غيره. ولنا حديث ابن عمر
أنه طلّق امرأته، وهي حائض، فأمره النبيّ ◌َلير أن يراجعها. وفي رواية الدارقطنيّ،
قال: فقلت: يا رسول الله، أفرأيت لو أني طلّقتها ثلاثًا، أكان يحلّ لي أن أراجعها؟
قال: لا، كانت تبين منك، وتكون معصية))(١) وقال نافعٌ: وكان عبد اللَّه طلّقها تطليقة،
فحُسبت من طلاقه، وراجعها كما أمره رسول اللَّه ◌َ له. ومن رواية يونس بن جُبير، عن
ابن عمر، قال: قلت لابن عمر: أفتُعتدّ عليه، أو تُحتسب عليه؟ قال: نعم، أرأيت إن
عجز، واستحمق، وكلّها أحاديث صحاح، ولأنه طلاقٌ من مكلّف في محلّ الطلاق،
فوقع، كطلاق الحامل، ولأنه ليس بقربة، فيعتبر لوقوعه موافقة السنّة، بل هو إزالة
عصمة، وقطع ملك، فإيقاعه في زمن البدعة أولى، تغليظًا عليه، وعقوبة له، أما غير
الزوج، فلا يملك الطلاق، والزوج يملكه بملكه محلّه. انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله
تعالى ببعض تصرّف(٢) وهو تحقيق نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٢٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ((طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلْقَهَا طَاهِرًا، فِي غَيْرِ جَاعٍ))).
(١) رواه الدارقطنيّ في ((سننه)) ٣١/٤ وفي إسناده شعيب بن رُزيق ضعيفٌ، ومعلى بن منصور، قال
عبدالحقّ في ((أحكامه)): رماه أحمد بالكذب، وعطاء الخراسانيّ مختلف فيه، وقد تفرّد بزيادات
لا يُتابع عليها. هكذا قال في ((التعليق المغني على الدارقطني)) ٣٢/٣١/٤.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وفيما ذكره نظر، أما شعيب بن رزيق قال عنه في ((ت)): صدوق
يخطىء، فهذا يدل على أن ضعفه ليس متّفقًا عليه، وردّ أيضًا ما نسب إلى أحمد من تكذيبه معلى
ابن منصور، فقال: معلى بن منصور الرازي، أبو يعلى بغدادي ثقة سني فقيه، طُلب للقضاء
فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب. وأما عطاء الخراساني، فقال فيه: صدوق بهم
كثيرًا، ويرسل، ويدلس. فعلى هذا فعلة الحديث هو عطاء، كما اقتصر عليه البيهقيّ، فمخالفته
للحفاظ، مع أنه يدلس يضعّف الحديث، والحاصل أن الحديث ضعيف. فافهم.
قد قدمنا قريبًا أن الحديث ضعيف بسبب عطاء الخراسانيّ؛ لأنه مدلس، وقد خالف فيه الحفاظ
بهذه الزيادة.
(٢) («المغني)) ٣٢٥/١٠-٣٢٨.

ـخ
٣- (بَأَبُ مَا يَفْعَلُ إِذاَ طَلَّقَ تَطْلِيقَةً، ... - حديث رقم ٣٤٢٥
٢٥٩
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا كلهم رجال الصحيح، و((يحيى)): هو القطّان.
و((سفيان)): هو الثوريّ. والحديث صحيح، سبق الكلام عليه قبله. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)).
٣- (بَابُ مَا يَفْعَلُ إِذَا طَلَّقَ تَطْلِيقَةٌ،
وَهِيَ خَائِضٌ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((ما)) يحتمل أن تكون موصولة، بمعنى (الذي))،
و((يفعل)) بالبناء للفاعل، والعائد محذوف، أي يفعله. ويحتمل أن تكون استفهاميّة
مفعولًا مقدّمًا لـ ((يفعل))، أي أيَّ شيء يفعل الرجل إذا طلق امرأته الحائض تطليقة
واحدة، أو تطليقتين، وإنما قيّده بتطليقة موافقةً لما في حديث الباب، وأما إذا طلّق
ثلاثًا، فإنها تبين منه عند الجمهور، وإن كان الأصحّ أنها لا تبين، إن كان بلفظ واحد،
على ما سيأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى.
وجواب السؤال واضح من الحديث في قوله: ((فليُراجعها))، يعني أنه يجب عليه
مراجعتها. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٢٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ
اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةٌ، فَانْطَلَقَ
عُمَرُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيِّنَّهِ بِّذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (مُزْ عَبْدَ اللّهِ، فَلْيْرَاجِعْهَا، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ
فَلْيَتْرُكُهَا، حَتَّى تَّحِيضَ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا الْأُخْرَى، فَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا، فَإِنْ
شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا فَلْيُمْسِكْهَا، فَإِنَّا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ)) ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
والحديث متفقٌ عليه، تقدّم شرحه، وبيان مسائله في -١/ ٣٣٩٠-، ودلالته على
الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٣٤٢٥- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى طَلْحَةَ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ

٢٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَّرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: ((مُزْهُ، فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلَّقْهَا،
وَهِيَ طَاهِرٌ، أَوْ حَامِلٌ)) ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ترجم المصنف رحمه الله تعالى على هذا الحديث
في («الكبرى» -٣٤٣/٣ - ((باب طلاق الحامل))، وكان الأولى أن يضعه في ((المجتبى))
أيضًا. والله تعالى أعلم.
ورجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((سفيان)): هو
الثوريّ. و((محمد بن عبد الرحمن، مولى طلحة)): هو القرشيّ الكوفيّ الثقة.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)).
٤- (بَابُ الطَّلَاقِ لِغَيْرِ الْعِدَّةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن غرض المصنّف بهذه الترجمة بيان حكم
الطلاق الواقع في الحيض، وهو غير وقت العدّة؛ إذ العدّة تكون في الطهر، وحكمه
بيّن في الحديث المذكور في الباب، وهو وجوب رجعتها. واللام في ((لغير)) بمعنى
((في))، وهو على حذف مضاف، أي في غير وقت العدّة. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٢٦- (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ خَائِضٌ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ
وَلِ﴿، حَتَّى طَلَّقَهَا، وَهِيَ طَاهِرٌ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((زياد بن أيوب)): هو المعروف بدلّويه)). و((أبو بشر)): هو جعفر بن أبي
وَخْشِيَةً إياس البصريّ الثبت. والحديث صحيح، تقدّم البحث فيه مستوفّى. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)).