النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
٦٥- (عِتْقُ الرَّجُلِ جَارِیتَهُ، ثُمَّ یتَزَوَّجُهَا) - حديث رقم ٣٣٤٦
الطبرانيّ ذكر الأربعة، فلعلّ الحافظ لم يستحضر ذلك حينما كتب هذا الموضع، أو لعله
لم يصحّح الحديث. والله تعالى أعلم.
قال: وهذا مصيرٌ من شيخنا إلى أن قضيّة مؤمن أهل الكتاب مستمرّة. وقد ادعى
الكرمانيّ اختصاص ذلك بمن آمن في عهد البعثة، وعلل ذلك بأن نبيّهم بعد البعثة إنما
هو محمد ◌ّے باعتبار عموم بعثته انتهى.
وقضيّته أن ذلك أيضًا لا يتمّ لمن كان في عهد النبيّ ◌َّ، فإن خصّه بمن لم تبلغه
الدعوة، فلا فرق في ذلك بين عهده وبعده، فما قاله شيخنا أظهر. والمراد بنسبتهم إلى
غير نبيّنا وَلَو إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك.
وأما ما قوّى به الكرمانيّ دعواه بكون السياق مختلفًا، حيث قيل في مؤمن أهل
الكتاب: ((رجلٌ)) بالتنكير، وفي ((العبد)) بالتعريف، وحيث زيدت فيه ((إذا)) الدّالّة على
معنى الاستقبال، فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب، لا يقع في الاستقبال
بخلاف العبد انتهى. فهو غير مستقيم؛ لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس متّفقًا عليه
بين الرواة، بل هو عند البخاريّ وغيره متخلف، فقد عبّر في ترجمة عيسى بـ ((إذا)) في
الثلاثة، وعبّر في ((النكاح)) بقوله: ((أيما رجل)) في المواضع الثلاثة، وهي صريحة في
التعميم، وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير، فلا أثر له هنا؛ لأن المعرّف بلام الجنس
مؤدّاه مؤدّى النكرة. والله تعالى أعلم(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٤٦- (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي زُبَيْدٍ، عَبْثَرَ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ
عَامِرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((مَّنْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ، ثُمَّ
تَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانٍ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((عبثر بن القاسم أبو زبيد)) هو: الكوفي [٨] ١٩/ ١١٦٤.
و((مطرّف)): هو ابن طريف، أبو عبد الرحمن الكوفيّ الثقة الفاضل [٦]. والباقون
هم المذكورون في السند الماضي.
والحديث متفق عليه، وقد سبق البحث عنه مستوفىّ في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)).
(١) ((فتح)) ٢٥٨/١-٢٥٩ (كتاب العلم)) رقم ٩٧ .

٢٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّكَاحِ
٦٦- (الْقِسْطُ فِي الأَصْدِقَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((القسط)) -بكسر، فسكون -: المراد به هنا العدل،
قال الفيّوميّ .: قَسَطَ قَسْطًا، من باب ضرب، وقُسُوطًا: جار، وعَدَلَ أيضًا، فهو من
الأضداد. قاله ابن القطّاع، وأقسط بالألف: عَدَلَ، والاسم القِسْطُ بالكسر.
و(الأصدقة)): جمع قلّة للصداق بالفتح، والكسر، كقَّذَال وأقذِلَة، وبِنَاءَ، وأَبْنِيَّةٍ،
وهو مهر المرأة. قال في ((اللسان)): الصّدَقَةُ -أي بفتحتين- والصّدُقة -بفتح، فضمّ-
والصُّدُقة - بضمّتين- والصُذْقَة - بضمّ، فسكون- والصَّدْقَة -بفتح، فسكون- والصَّداق
- بالفتح- والصِّدَاق -بالكسر -: مهر المرأة، وجمعها في أدنى العدد -يعني جمع القلّة -:
أَصْدِقَةٌ، والكثير: صُدُقّ، وهذان البناءان إنما هما على الغالب، وقد أصدق المرأة حين
تزوّجها: أي جعل لها صداقًا. وقيل: أصدقها: سَمَّى لها صَدَاقًا. انتهى بتوضيح(١).
وقال في: ((القاموس)): الصَّدُقَّةُ -بضمّ الدال-، وكغُرفة، وصَدْمَة، وبضمّتين،
وبفتحتين، وككِتاب، وسَحَاب: مهر المرأة، جمع الصِّدُقَة، كَنَدُسَة: صَدُقاتٌ، وجمعُ
الصُّدْقَة - بالضمّ -: صُدْقَاتٌ، وصُدَقَاتٌ، وصُدُقَاتٌ - بضمّتين- وهي أقبحها انتهى(٢) .
وقد نظمت لغات الصداق بقولي:
وَغُرْفَةٍ وَصَدْمَةٍ كِتَابٍ
قَذْ ضُبِطَ الصَّدَاقُ كَالسَّحَابٍ
لِمَهْرِ نِسْوَةِ بِغَيْرٍ مَيْنٍ
وَضَمَّتَيْنِ زِدْ وَفَتْحَثَيْنِ
هَذَا هُوَ الْغَالِبُ يَا ذَا الْمَعْرِفَة
وَجْعُهُ كَكُتُبٍ وَأَرْغِفَهْ
والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٣٤٧ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ، عَنْ قُوْلِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اَلْيَىَ فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآِ﴾ [النساء: ٣]،
قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرٍ وَلِيْهَا، فَتُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا
وَبَّالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا
غَيْرُهُ، فَتُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ، إِلَّا أَنْ يَقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ، مِنَ
(١) ((لسان العرب)) ١٩٧/١٠ مادة ((صدق)).
(٢) ((القاموس المحيط)) ١١٦٢.

٢٣
٦٦ - (القِسْطُ فِي الأَصْدِقَةِ) - حديث رقم ٣٣٤٧
الصَّدَاقِ، فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ، مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ، قَالَ عُزْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ:
ثُمَّ إِنّ النَّاسَ، اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ وَه بَعْدُ فِيهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى
اُلِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ:
وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ يُتْلَى فِي الْكِتَابِ الْآَيَّةُ الْأُولَى، الَّتِي فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا
نُقْسِطُواْ فِى الْيَى فَأَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ
الْأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ، الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ، حِینَ
تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، فَتُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا، مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ، إِلَّ
بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (يونس بن عبد الأعلى) الصدفي، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠]
٤٤٩/١ .
٢- (سليمان بن داود) بن حماد الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ، ابن أخي رِشدين بن
سعد، ثقة [١١] ٦٣ /٧٩.
٣- (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ الفقيه، ثقة عابد [٩] ٩/٩.
٤- (يونس) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد، ثقة [٧] ٩/٩.
٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الفقيه الحجة الثبت [٤] ١/١.
٦- (عروة بن الزبير) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة ثبت فقيه [٣]
٤٠ /٤٤ .
٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه سليمان، فإنه تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن نصفه
الأول مسلسل بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة رضي اللّه تعالى عنها من
المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) أم
المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها، وإنما سأل هذا السؤال؛ لأنه ليس نكاح ما طاب سببًا

٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ
للعدل في الظاهر حتى يُؤَمَّنَ به من يَخَاف عدمه، بل قد يكون النكاح سببًا للجور
للحاجة إلى الأموال (عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾) شرطٌ، وجوابه قوله : .
﴿فَأَنْكِحُواْ﴾. أي إن خفتم أن لا تعدِلُوا في مهورهنّ، وفي النفقة عليهنّ، فانكحوا غيرهنّ
من النساء.
قال أبو عبد الله القرطبيّ: ((خفتم)) من الأضداد، فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع،
وقد يكون مظنونًا، فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف، فقال أبو عبيدة: ((خفتم))
بمعنى أيقنتم. وقال آخرون: ((خفتم)) ظننتم، قال ابن عطية: وهذا الذي اختاره الْحُذاق،
وأنه على بابه من الظنّ، لا من اليقين، التقدير: من غلب على ظنه التقصير في القسط
لليتيمة، فليعدل عنها انتهى(١) (أَلَّا تُقْسِطُوا) أي تعدلوا، يقال: أقسط الرجل: إذا عدل،
وقَسَط إذا جار، وظلم صاحبه، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾
[الجن: ١٥] يعني الجائرين (فِي الْيَتَامَى) قال النسفيّ: يقال للإناث: اليتامى، كما يقال:
للذكور، وهو جمع يتيمة، ويتيم، وأما أيتام فجمع يتيم، لا غير انتهى(٢) .
وقال أبو العبّاس القرطبيّ في ((المفهم)): اليتيم في بني آدم من قِبَل فَقْدِ الأب، وفي
غيرهم من قِبَل فقد الأمّ، وأصل اليتيم أن يقال: على من لم يبلُغ، وقد أُطلق في هذه
الآية على المحجور عليها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً؛ استصحابًا لإطلاق اسم اليتيم لبقاء
الحجر عليها. وإنما قلنا: إن اليتيمة الكبيرة قد دخلت في الآية؛ لأنها قد أَبيح العقد
عليها في الآية، ولا تُنكح اليتيمة الصغيرة، إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن
بإذنها، كما قال ◌َّل فيما خرّجه الدارقطنيّ وغيره في بنت عثمان بن مظعون، ((وإنها
يتيمة، ولا تُنكح إلا بإذنها))، وهذا مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، فإنه قال: إذا
بلغت لم تحتج إلى وليّ، بناءً على أصله في عدم اشتراط الوليّ في صحّة النكاح
تھی(٣).
(﴿﴿فَانْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾) قال أبو عبد الله القرطبيّ: إن قيل: كيف جاءت
((ما)) للآدميين، وإنما أصلها لما لا يعقِلُ، فعنه أجوبة خمسة:
[الأول]: أن ((من)) و((ما)) قد يتعاقبان، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا﴾ أي ومن
بناها، وقال: ﴿فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ﴾
فـ((ما)) ههنا لمن يعقل، وهنّ النساء؛ لقوله بعد ذلك، مبيّنًا لمبهم ((ما))، وقرأ ابن أبي
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١١/٥- ١٢ .
-
(٢) ((تفسير النسفي)) ٢٠٥/١.
(٣) ((المفهم)) ٣٢٦/٧.

٢٥
٦٦- (القِسْطُ فِي الأصْدِقةِ) - حديث رقم ٣٣٤٧
عبلة: ((من طاب)) على ذكر من يعقل.
[الثاني]: قال البصريون: ((ما)) تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل، يقال: ما عندك؟
فيقال: ظريفٌ وكريمٌ، فالمعنى فانكحوا الطيّب من النساء، أي الحلال، وما حرّمه الله
فليس بطيّب، وفي التنزيل: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾، فأجابه موسى على وفق ما سأل.
وحكى بعض الناس أن ((ما)) في هذه الآية ظرفيّة، أي ما دمتم تستحسنون النكاح.
قال ابن عطيّة: وفي هذا المنزع ضعفٌ.
[الرابع]: قال الفرّاء ((ما)) ههنا مصدرية. وقال النحاس: وهذا بعيدٌ جدًّا، لا يصحّ،
فانكحوا الطيّبة .
[الخامس]: أن المراد بـ ((ما)) هنا العقد، أي فانكحوا نكاحًا طيبًا، وقراءة ابن أبي
عَبْلَة تردّ الأقوال الثلاثة .
واتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اُلْنَى﴾ ليس له مفهوم؛ إذ قد
أجمع المسلمون على أن من لم يَخَف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة،
اثنين، أو ثلاثًا، أو أربعًا كمن خاف، فدل على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف ذلك،
وأن حكمها أعمّ من ذلك انتهى كلام القرطبيّ باختصار(١).
(قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي) أختها هي أسماء بنت أبي بكر الصدّيق *﴾، والدة عبد الله
ابن الزبير، وعروة (هِيَ الْيَتِيمَةُ) أي التي مات أبوها (تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيُّهَا) أي الذي يَلِي
مالها. قال الفيّوميّ: ((حَجر الإنسان)) بالفتح، وقد يُكسر: حِضْنه، وهو ما دون إبطه
إلى الكشح، وهو في حجره: أي گنفه، وحمايته، والجمع حُجور انتھی.
(فَتُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي
صَدَاقِهَا) بضمّ الياء، من الإقساط، أي يَعدِل في مهرها، وفي رواية البخاريّ، من طريق
عُقيل، عن ابن شهاب: ((ويريد أن ينتقص من صداقها)) (فَيُعْطِيَهَا) عطف على ((يُقْسِط))،
عطف تفسير، وفيه دلالةٌ على النهي عن تزوّج امرأة يخاف في شأنها الجور، منفردةً، أو
مجتمعة مع غيرها (مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ) يعني أنه يريد أن يتزوّجها بغير أن يعطيها مثل ما
يُعطيها غيره، أي ممن يَرغَب في نكاحها سواه، ويدلّ على هذا قوله (فَتُهُوا) بضم
النون، والهاء، مبنيًّا للمفعول (أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ) بفتح الياء بالبناء للمفعول، أي يتزوّجوهنّ
(إِلَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَقَبْلُغُوا بِنَّ أَعْلَىِ سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ) أي أعلى عادة مهر مثلهنّ
(فَأَمِرُوا) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول (أَنْ يَتْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ، مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ) أي
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ١٢/٥-١٣.

٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ
يتزوّجوا غيرهنّ من النساء بأيّ مهر توافقوا عليه. قال في ((الفتح)): وتأويل عائشة هذا
جاء عن ابن عبّاس مثله، أخرجه الطبريّ. وعن مجاهد في مناسبة ترتّب قوله: ﴿فَأَنْكِحُواْ
مَا طَابَ لَّكُمْ مِنَ الْنِسَآءِ﴾ على قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اَلْيَ﴾ شيء آخر، قال في
معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنّ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَ فَأَنكِحُواْ﴾ أي إذا كنتم تخافون أن لا
تعدلوا في مال اليتامى، فتحرّجتم أن لا تَلُوها، فتحرّجوا من الزنا، وانكحوا ما طاب
لكم من النساء، وعلى تأويل عائشة يكون المعنى: وإن خفتم أن لا تُقسطوا في نكاح
(١)
اليتامى انتهى
وقال الخطّابيّ: وتأويل الآية، وبيان معناها: أن اللَّه تعالى خاطب أولياء اليتامى،
فقال: وإن خفتم من أنفسكم المشاخّة في صدقاتهنّ، وأن لا تعدلوا، فتبلغوا بهنّ صدق
أمثالهنّ، فلا تنكحوهنّ، وانكحوا غيرهنّ من الغرائب اللواتي أحلّ لكم خطبتهنّ من
واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة، فانكحوا
منهنّ واحدةً، أو ما ملكتم من الإماء انتهى(٢).
(قَالَ عُزْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي اللَّه تعالى عنها، وهو معطوفٌ على المذكور، وإن
كان بغير أداة عطف (ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ، اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ بَعْدُ) بضمّ الدّال، من الظروفة
المبنيّة على الضمّ، لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد نزول هذه الآية بهذه
القصّة. وفي رواية عُقيل: ((بعد ذلك)) (فِيهِنَّ) أي في شأن النساء (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ) أي يسألونك الإفتاء في النساء، والإفتاء تبيين المبهم(٣) (قُلٍ:
اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ قال النسفيّ: أي اللَّه يفتيكم، والمتلوّ في الكتاب، أي القرآن في
معنى اليامى، يعني قوله: ﴿وَإِنّ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ الْيَ﴾، وهو من قولك: أعجبني
زيد وكرمُهُ، ﴿وما يُتلى﴾ في محلّ الرفع بالعطف على الضمير في ﴿يفتيكم﴾، أو على لفظ
﴿اللَّهِ﴾، و﴿في يتامى النساء﴾ صلة ﴿يُتلى﴾، أي يتلى عليكم في معناهنّ، ويجوز أن
يكون في ﴿يتامى النساء﴾ بدلاً من ﴿فيهن﴾، والإضافة بمعنى ((من)) (إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ يُتْلَى فِي الْكِتَابِ الْآَيَّةُ
الْأُولَى، الَّتِي فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُوا فِ اٌلْيَى فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾، قَالَتْ
عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ)
(١) ((فتح)) ١١١/٩ ((كتاب التفسير)). رقم ٤٥٧٤ .
(٢) («معالم السنن)) ١٥/٣-١٦.
(٣) تفسير النسفيّ)) ٢٥٣/١.

٢٧
٦٦ - (القِسْطُ فِي الأَصْدِقَةِ) - حديث رقم ٣٣٤٧
قال في ((الفتح)): فيه تعيين أحد الاحتمالين في قوله: ﴿وترغبون﴾؛ لأن رغب يتغيّر
معناه بمتعلقه، يقال: رغب فيه إذا أراده، ورغب عنه إذا لم يرده؛ لأنه يحتمل أن تحذف
((في))، وأن تُحذف ((عن)). وقد تأوّله سعيد بن جبير على المعنيين، فقال: نزلت في
الغنية، والمعدمة، والمرويّ هنا عن عائشة أوضح في أن الآية الأولى نزلت في الغنيّة،
وهذه الآية نزلت في الْمُعدمة انتهى (١) (الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ، حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ
وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا، مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ، إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ
رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ) أي نُهُوا عن نكاح المرغوب فيها لجماها، ومالها؛ لأجل زهدهم فيها،
إذا كانت قليلة المال والجمال، فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السواء في العدل.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣٦٧/٦٦ - وفي ((الكبرى)) ٥٥١٤/٦٩ و((التفسير)) ١١٠٩١ .
وأخرجه (خ) في ((الشركة)) ٢٤٩٤ و((الوصايا)) ٢٧٦٣ و((التفسير)) ٤٥٧٣ و٤٦٠٠
و(النكاح)) ٥٠٦٤ و٥٠٩٢ و٥٠٩٨ و٥١٣١ و(الحيل)) ٦٩٦٥ (م) في ((التفسير)) ٣٠١٨
(د) في ((النكاح)) ٢٠٦٨ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو وجوب العدل في مهور النساء.
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن للوليّ أن يزوّج محجورته من نفسه. (ومنها): أن له حقًّا
في التزويج؛ لأن اللَّه تعالى خاطب الأولياء بذلك. (ومنها): اعتبار مهر الْمُثُل في
المحجورات، وأن غيرهنّ يجوز نكاحها بدون ذلك. (ومنها): جواز تزويج اليتامى قبل
البلوغ لأنهنّ بعد البلوغ، لا يقال لهنّ: يتيمات، إلا أن يكون أطلق استصحابًا لحالهنّ.
(ومنها): بيان سبب نزول الآيتين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سبب نزول هذه الآية الكريمة(٢):
(١) ((فتح)) ٩/ ١١٢.
(٢) أعني قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُوا﴾ الآية.

٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
قال أبو العبّاس القرطبيّ(١) رحمه الله تعالى في ((المفهم)): اختلف العلماء في سبب
نزول هذه الآية وفي معناها، فذهبت عائشة رضي اللّه تعالى عنها إلى ما ذُكر في هذه
الرواية، وحاصل الروايات المذكورة عنها: أنها نزلت في وليّ اليتيمة التي لها مالٌ،
فأراد وليّها أن يتزوّجها، فأَمر بأن يوفّيها صداق أمثالها، أو يكون لها مالٌ عنده
بمشاركة، أو غيرها، وهو لا حاجة له لتزويجها لنفسه، ويكره أن يزوّجها غيره مخافة
أخذ مالها من عنده، فأَمَر اللَّه الأولياء بالقسط، وهو العدل، بحيث إن تزوّجها بَذَلَ لها
مهر مثلها، وإن لم تكن له رغبةٌ فيها زوّجها من غيره، وأوصلها إلى مالها على الوجه
المشروع .
وتكميل معنى الآية: أن الله تعالى قال للأولياء: إن خفتم ألا تقوموا بالعدل،
فتزوّجوا غيرهنّ، ممن طاب لكم من النساء، اثنين اثنين، إن شئتم، وثلاثًا ثلاثًا لمن
شاء، وأربعًا أربعًا لمن شاء. هذا قول عائشة رضي اللّه تعالى عنها في الآية.
وقال ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما في معنى الآية: إنه قصر الرجال على أربع؛
لأجل أموال اليتامى، فنزلت جوابًا لتحرّجهم عن القيام بإصلاح أموال اليتامى. وفسّر
عكرمة قول ابن عبّاس هذا بألّا تُكثروا من النساء، فتحتاجوا إلى أخذ أموال اليتامى.
وقال السّدّيّ، وقتادة: معنى الآية: إن خفتم الجورَ في أموال اليتامى، فخافوا مثله
في النساء، فإنهنّ كاليتامى في الضعف، فلا تنكحوا أكثر مما يُمكنم إمساكهنّ
بالمعروف.
قال القرطبيّ: وأقرب هذه الأقوال، وأصحّها قول عائشة - إن شاء الله تعالى -.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا صححه القرطبيّ هو الأرجح عندي. والله تعالى
أعلم.
قال: وقد اتفق كلّ من يُعاني العلوم على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى
اَلْيَ﴾ ليس له مفهوم؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يَخَف القسط في اليتامى له
أن ينكح أكثر من واحدة: اثنين، أو ثلاثًا، أو أربعًا، كمن خاف. فدلّ ذلك على أن
الآية نزلت جوابًا لمن خاف، وأن حكمها أعمّ من ذلك انتهى (٢). والله تعالى أعلم
(١) أبو العباس القرطبيّ هو أحمد بن عمر بن إبراهيم ٥٧٨- ٦٥٦ هـ وهو صاحب كتاب ((المفهم لما
أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) . وأما أبو عبدالله القرطبيّ، فهو محمد بن أحمد الأنصاريّ
المتوفى سنة ٦٧١ هـ وهو صاحب التفسير المشهور المسمى ((الجامع لأحكام القرآن))، وهو تلميذ
لأبي العباس.
(٢) ((المفهم)) ٣٢٩/٧ -٣٣٠.

٢٩
٦٦ - (القِسْطُ فِي الأَصْدِقَةِ) - حديث رقم ٣٣٤٧
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: تعلّق أبو حنيفة بهذه
الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وقال: إنما تكون يتيمة قبل البلوغ، وبعد
البلوغ هي امرأة مطلقة، لا يتيمة، بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطّها عن صداق
مثلها؛ لأنها تختار ذلك، فيجوز إجماعًا.
وذهب مالكٌ، والشافعيّ، والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ،
وتُستأمَرَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ﴾ الآية، والنساء اسم ينطلق على الكبار،
كالرجال في الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير، فكذلك اسم النساء والمرأة لا
يتناول الصغيرة، وقد قال: ﴿فِ يَتَمَى النِّسَاءِ﴾ والمراد به هناك اليتامى هنا؛ كما قالت
عائشة رضي الله تعالى عنها، فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية، فلا تُزوّج إلا بإذنها،
ولا تُنكح الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن لا تُزوّج إلا بإذنها، كما
رواه الدار قطنيّ من حديث محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: زوجني
خالي قُدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها،
فأرغبها في المال، وخطبها إليها، فرُفع شأنها إلى النبيّ وَّر، فقال قُدامة: يا رسول اللَّه
ابنة أخي، وأنا وصيّ أبيها، ولم أقصّر بها، زوّجتها مَنْ قد عَلِمت فضلَهُ، وقَرَابته، فقال
رسول اللّه وَله: ((إنها يتيمة، واليتيمة أولى بأمرها))، فنزعت منّي، وزوّجوها المغيرة بن
شعبة. قال الدار قطنيّ: لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع، وإنما سمعه من عمر بن
حسين، عنه. ورواه ابن أبي ذئب، عن عمر بن حسين، عن نافع، عن عبد الله بن
عمر: أنه تزوّج بنت خاله عثمان بن مظعون، قال: فذهبت أمها إلى رسول اللَّه اَلله
فقالت: إن ابنتي تكره ذلك، فأمره النبيّ وَل ◌ّ أن يفارقها، ففارقها، وقال: ((لا تُنكِحوا
اليتامى حتى تسأمروهنّ، فإذا سكتن، فهو إذنها)) ، فتزوّجها بعد عبد اللَّه المغيرةُ بن
شعبة(١) .
فهذا يردّ ما يقوله أبو حنيفة من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى وليّ؛ بناءً على أصله في
عدم اشتراط الوليّ في صحّة النكاح. والله أعلم انتهى كلام القرطبيّ(٢). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في البحث المتعلّق بقوله تعالى: ﴿مَثْنَ وَثُلَثَ وَرُيٌَ﴾ :
قال القرطبيّ في ((تفسيره)): اعلم أن هذا العدد مثنى، وثُلاث، ورُباع لا يدلّ على
(١) حديث صححه الحاكم في ((المستدرك)) ١٦٧/٢، ووافقه الذهبيّ.
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)» ١٣/٥ -١٤.

٣٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النَّاحِ
إباحة تسع، كما قاله مَن بَعُد فهمه للكتاب والسنّة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه
الأمة، وزعم أن الواو جامعةٌ، وعَضَدَ ذلك بأن النبيّ وَلِّ نكح تسعًا، وجمع بينهنّ في
عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالة الرافضة، وبعض أهل
الظاهر(١)، فجعلوا مثنى مثل اثنين، وكذلك ثُلاث، ورباع. وذهب بعض أهل الظاهر
أيضًا إلى أقبح منها، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة(٢)، تمسّكًا منه بأن العدل في
تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع، فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين، وكذلك
ثُلاث، ورُباع. وهذا كله جهلٌ باللسان والسنّة، ومخالفةً لإجماع الأمة؛ إذ لم يُسمع عن
أحد من الصحابة، ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع.
وأخرج مالك في ((موطّئه))، والنسائيّ، والدار قطنيّ في (سننهما)) أن النبيّ وَّل قال
الغيلان بن سلمة الثقفيّ، وقد أسلم، وتحته عشر نسوة: ((اختر منهنّ أربعًا، وفارق
سائرهنّ)) (٣). وفي ((كتاب أبي داود)) عن الحارث بن قيس، قال: أسلمتُ، وعندي
ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبيّ وَّل، فقال: ((اختر منهنّ أربعًا)).
وقال مقاتل: إن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر، فلما نزلت هذه الآية،
أمره رسول اللّه وَ له أن يُطلّق أربعًا، ويُمسك أربعًا. كذا قال: ((قيس بن الحارث))،
والصواب أن ذلك کان حارث بن قيس الأسديّ، کما ذكره أبو داود. وكذا روی محمد
ابن الحسن في ((كتاب السير الكبير)) أن ذلك كان حارث بن قيس، وهو المعروف عند
الفقهاء. وأما ما أُبيح للنبيّ ◌َلّر، فذلك من خصوصياته.
وأما قولهم: إن الواو جامعةٌ، فقد قيل: ذلك، لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح
اللغات، والعرب لا تَدَعُ أن تقول: تسعة، وتقول: اثنين، وثلاثة، وأربعة، وكذلك
تستقبح ممن يقول: أعط فلانًا أربعة ستة ثمانية، ولا يقول: ثمانية عشر، وإنما الواو في
هذا الموضع بدل، أي انكحوا ثُلاثَ بدلًا من مثنى، ورباع بدلًا من ثُلاث، ولذلك
عطف بالواو، ولم يُعطف بـ (أو))، ولو جاء بـ ((أو)) لجاز أن لا يكون لصاحب مثنى
ثلاث، ولصاحب ثلاث رباع.
وأما قولهم: إن مثنى تقتضي اثنين، وثلاث ثلاثة، ورُباع أربعة، فتحكّم بما لا
يوافقهم أهل اللسان عليه، وجهالةٌ منهم، وكذلك جَهِلَ الآخرون بأن مثنى تقتضي اثنين
اثنين، وثلاث ثلاثة ثلاثة، ورباع أربعة أربعة، ولم يعلموا أن اثنين اثنين، وثلاثًا،
(١) هذا غير صحيح، فإن الظاهرية لا يخالفون الجمهور في ذلك، كما سيأتي قريبًا.
(٢) فيه ما في سابقه.
(٣) سيأتي أن حديث قصّة غيلان صحيح.

٣١
٦٦ - (الْقِسْطُ فِي الأَصْدِقةِ) - حديث رقم ٣٣٤٧
وأربعًا أربعًا حصرٌ للعدد، ومثنى وثلاث، ورباع بخلافها، ففي العدد المعدول عند
العرب زيادة معنى، ليست في الأصل، وذلك أنها إذا قالت: جاءت الخيل مثنى، إنما
تعني بذلك اثنين اثنين، أي جاءت مزدوجةٌ. قال الجوهريّ: وكذلك معدول العدد.
وقال غيره: إذا قلت جاءني قوم مثنى، أو ثُلاث، أو أُحاد، أو عُشار، فإنما تريد أنهم
جاءوك واحدًا واحدًا، أو اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو عشرة عشرة، وليس هذا
المعنى في الأصل؛ لأنك إذا قلت: جاءني قوم ثلاثة ثلاثة، أو قومٌ عشرة عشرة، فقد
حصرت عِدّة القوم بقولك ثلاثة وعشرة، فإذا قلت: جاءوني رُباع، وثُناء، فلم تحصر
عِدّتهم، وإنما تريد أنهم جاءوك أربعة أربعة، أو اثنين اثنين، وسواء كثر عددهم، أو قلّ
في هذا الباب، فقصرهم كلّ صيغة على أقلّ ما تقتضيه بزعمه تحكّم. انتهى كلام
القرطبيّ رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن نكاح أكثر من أربع نسوة للحرّ لا يجوز،
وهذا مجمع عليه بين أهل السنّة، قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: ولا يحلّ لأحد
أن يتزوّج أكثر من أربع نسوة، إماء، أو حرائر، أو بعضهنّ حرائر، وبعضهنّ إماء. قال:
برهان ذلك قول الله عز وجل: ﴿فَأَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَ وَثُلَثَ وَرُّبَعٌ﴾، ثم
أخرج بسنده حديث غيلان الثقفيّ المتقدّم، ثم قال: فإن قيل: فإن معمرًا أخطأ في هذا
الحديث، فأسنده. قلنا: معمر ثقة مأمون، فمن ادّعى عليه أنه أخطأ، فعليه البرهان
بذلك، ولا سبيل له إليه. وأيضًا فلم يَختَلِف في أنه لا يحلّ لأحد زواج أكثر من أربع
نسوة أحد من أهل الإسلام، وخالف في ذلك قوم من الروافض، لا يصح لهم عقد
الإسلام انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تبيّن بما ذكره ابن حزم أن هذه المسألة محلّ إجماع
بين أهل السنة، فلا يحلّ لأحد أن يتزوّج أكثر من أربع نسوة، بإجماع أهل السنّة
والجماعة، وما خالف فيها إلا قوم من الروافض، فما تقدّم من نسبة القرطبي، وغيره
ذلك إلى بعض الظاهرية، غير صحيح؛ لأن أعلم الناس بمذهب الظاهرية، بل
وبمذهب غيرهم أيضًا- وهو ابن حزم الظاهريّ- قد نفى الخلاف بين أهل السنة، ونسبه
إلى قوم من الرافضة، فتبيّن بطلان ما ذُكر، فتبصّر، ولا تتحيّر.
وأما حديث غيلان المذكور فهو حديث تكلموا فيه، لكن الأرجح أنه صحيح، كما
سيأتي.
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٨/١٧/٥.
(٢) ((المحلّى)) ٩/ ٤٤١.

٣٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّکَاحِ
قال الترمذيّ في ((الجامع)) بعد أن أخرجه بلفظ: ((أن غيلان بن سلمة الثقفيّ أسلم،
وله عشر نسوة في الجاهليّة، فأسلمن معه، فأمره النبيّ ◌َ لَّ أن يتخيّر منهنّ أربعًا)).
وقال: هكذا رواه معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، قال: وسمعت محمد
ابن إسماعيل يقول: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة،
وغيره، عن الزهريّ، وقال: حُدّثت عن محمد سُويد الثقفيّ أن غيلان بن سلمة أسلم،
وعنده عشر نسوة. قال: محمد: وإنما حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رجلًا
من ثقيف طلّق نساءه، فقال له عمر: لتُراجعنّ نساءك، أو لأرجمنّ قبرك كما رُجم قبرُ أبي
رِغَال. انتهى(١).
وقال الحافظ في ((التلخيص الحبير)): وحكم مسلم في ((التمييز)) على معمر بالوهم
فيه، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه، وأبي زرعة: المرسل أصح.
وحكى الحاكم عن مسلم أن هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة، قال: فإن
رواه عنه ثقة خارج البصرة حكمنا له بالصحة. وقد أخذ ابن حبّان، والحاكم، والبيهقيّ
بظاهر هذا الحكم، فأخرجوه من طرق، عن معمر من حديث أهل الكوفة، وأهل
الخراسان، وأهل اليمامة عنه.
وقد حقق البحث في هذا الحديث الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ رحمه الله
تعالى في كتابه ((الوهم والإيهام))، فقال بعد ذكر نحو ما حكاه الترمذيّ عن البخاريّ،
وذكر قول أبي عمر: الأحاديث في تحريم نكاح ما زاد على الأربع كلها معلولة: ما
نصّه :
وليس في شيء منه تنصيصٌ على علّة حديث غيلان، فنبيّنها كما يريد مضعّفوه، وإن
كانت عندي ليست بعلة.
[فاعلم]: أنه حديث مختلف فيه على الزهريّ، فقوم رووه عنه مرسلًا من قبله،
كذلك، قال مالك عنه، قال: بلغنا أن رسول اللَّه وَله قال لرجل من ثقيف ...
الحديث. وكذلك رواه معمرٌ عنه، قال: ((أسلم غيلان ... )) مثله من رواية عبد الرزاق،
عن معمر، فهذا قول. وقول ثان، وهو زيادة رجل فوق الزهريّ، وهي إحدى روايتين
عن يونس، رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ، عن عثمان بن محمد بن أبي
سُويد، أن رسول اللَّه ◌َ ل قال لغيلان حين أسلم، وعنده عشر نسوة ... فذكره. وعن
يونس فيه رواية أخرى تَبيّن فيها انقطاع ما بين الزهريّ وعثمان. وهذا رواه الليث، عن
(١) ((الجامع للترمذيّ)) ٢٧٨/٤-٢٧٩. بنسخة ((تحفة الأحوذيّ)).

٣٣
E
٦٦- (الْقِسْطُ فِي الأَصْدِقَةِ) - حديث رقم ٣٣٤٧
يونس، عن ابن شهاب، قال: بلغني عن عثمان بن أبي سُويد، أن رسول اللَّه وَلقول
قال ... فذكر الحديث.
وقول ثالث عن الزهريّ، وهو ما ذكره البخاريّ، قال: روى شُعيب بن أبي حمزة،
وغير واحد عن الزهريّ، قال: حُدّثت عن محمد بن سُويد الثقفيّ، أن غيلان بن سلمة
أسلم ... الحديث.
وقولٌ رابع عنه، رواه معمرٌ عنه، عن سالم، عن أبيه: ((أن غيلان بن سلمة الثقفيّ
أسلم، وله عشر نسوة في الجاهليّة، وأسلمن معه ... )) الحديث. يرويه عن معمر هكذا
مروان بن معاوية، وسعيد بن أبي عروبة، ويزيد بن زُريع، وقد ذكر الترمذيّ في ((عللَّه))
روايات جميعهم موصولة. وقد رواه أيضًا الثوريّ عن معمر، ذكره ذلك الدارقطنيّ من
رواية يحيى بن سعيد عنه في ((كتاب العلل))، وذكر جماعةً رووه أيضًا عن معمر كذلك،
إلا أنه لم يوصل بها الأسانيد. وذكر أن يحيى بن سلام رواه عن مالك، عن الزهريّ
كذلك. وهذا هو الحديث الذي اعتمد هؤلاء في تخطئة معمر فيه، وما ذلك بالبيّن، فإن
معمرًا حافظ. ولا بُعد في أن يكون عند الزهريّ في هذا كلّ ما رُوي عنه. وإنما اتجهت
تخطئتهم رواية معمر هذه، من حيث الاستبعاد أن يكون الزهريّ يرويه بهذا الإسناد
الصحيح، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ وَّر، ثم يحدث به على تلك الوجوه الواهية،
تارة يرسله من قبله، وتارة عن عثمان بن محمد بن أبي سُويد، وهو لا يعرف البتّة،
وتارة يقول: بلغنا عن عثمان هذا، وتارة عن محمد بن سُويد الثقفيّ.
قال ابن القطّان: وهذا عندي غير مستبعد أن يحدث به على هذه الوجوه كلها، فيعلّق
كلّ واحد من الرواة عنه منها بما تيسّر له حفظه، فربّما اجتمع كلّ ذلك عند أحدهم، أو
أكثره، أو أقلّه.
وأما ما قال البخاريّ من أن الزهريّ، إنما روى عن سالم، عن أبيه، أن عمر قال
لرجل من ثقيف طلق نساءه: «لتُراجعنّ نساءك، أو لأرجمتّك كما رُجم قبر أبي رغال)).
فإنه قد روي من غير رواية الزهريّ، أن عمر قال ذلك له في حديث واحد ذكر فيه تخيير
النبيّ وَّ إياه حين أسلم.
قال الدارقطنيّ: حدثنا محمد بن نوح الْجُنْدِيسابوري، حدّثنا عبد القدّوس بن
محمد. وحدّثنا محمد بن مخلد، حدّثنا حفص بن عمر بن یزید أبو بكر، قالا: حدثنا
سيف بن عبيدالله الجرميّ، حدّثنا سَرَّار بن مُجَشِّر(١)، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن
ابن عمر: ((أن غيلان بن سلمة الثقفيّ أسلم، وعنده عشر نسوة، فأمره النبيّ وَالقر أن
(١) سزار -بفتح أوله، وتشديد الراء- ابن مُجَشّر -بضم الميم، وفتح الجيم، وتشديد المعجمة
المكسورة- أبو عبيدة البصريّ، ثقة [٨] ت سنة ١٦٥هـ). انتهى ((ت)).

٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ
يمسك منهنّ أربعًا، فلما كان زمان عمر طلّقهنّ، فقال له عمر: راجعهنّ، وإلا وَرَّثْتُهُنّ
مالَكَ، وأمرتُ بقبرك)). زاد ابن نوح: ((فأسلم، وأسلمن معه)).
فهذا أيوب يرويه عن سالم، كما رواه الزهريّ عنه في رواية معمر، وزاد إلى سالم
نافعًا. وسَرَّار بن مُجَشِّر أحد الثقات، وسيف بن عبيدالله، قال فيه عمرو بن عليّ: من
خيار الخلق. ولم يذكره ابن أبي حاتم، ولا أعرفه عند غيره(١).
ولما ذكر الدارقطنيّ هذا الحديث في ((كتاب العلل)) قال: تفرّد به سيف بن عُبيدالله
الجرميّ، عن سَرَّار. وسرار بن مجشّر أبو عبيدة، ثقة، من أهل البصرة.
قال ابن القطّان: والمتحصّل من هذا، هو أن حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه،
من رواية معمر في قصّة غيلان صحيح، ولم يَعتلّ عليه من ضعفه بأكثر من الاختلاف
على الزهريّ، فاعلم ذلك. انتهى كلام الحافظ أبي الحسن ابن القطّان الفاسيّ(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر صحة رواية معمر عن الزهريّ، وأن
الحديث ثابت عن النبيّ وَّر، وقد صح أيضًا من رواية أيوب السختياني عن نافع وسالم
كلاهما عن ابن عمر.
والحاصل أن الحديث صحيح بكلا الطريقين: طريق الزهري عن سالم، وطريق
أيوب عن نافع وسالم كلاهما عن ابن عمر تطثنا . وبهذا يُقطع دابر الذين خالفوا إجماع
السلف، فقد سمعت أن في بعض البلدان قد وقع فتوى بحلّ ما فوق الأربع من النساء،
وليس لهم متمسّك فيما سمعت إلا قولهم: لم يصحّ دليلٌ في تحريم ما زاد على الأربع
من النساء، وهذا جهلٌ منهم، فقد ثبت لدينا ما يُقطع دابرهم دليلان:
(أحدهما): الإجماع، كما عرفت تحقيقه، وهو كاف وحده، فلا داعي إلى البحث عن
دلیل آخر .
(الثاني) : - حديث قصّة غيلان المذكور، فإنه صحيح، كما عرفت إيضاحه، فإذا
عرفت هذا تبيّن لك الحقّ الأبلج، فما ذا بعد الحقّ إلا الضلال. اللّهمّ أرنا الحقّ حقًّا،
وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم فيمن تزوّج خامسة:
ذهب مالكٌ، والشافعيّ إلى أن عليه الحدّ إن كان عالمًا، وبه قال أبو ثور. وقال
(١) بل هو معروف، قال عمرو بن علي الفلّاس: من خيار الخلق. وقال عمرو بن يزيد الجرميّ: ثقة.
وقال أبو بكر البزار في ((مسنده)): ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: ربما خالف. انظر
ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ١٤٤/٢.
(٢) (كتاب الوهم والإيهام)) ٤٩٥/٥-٥٠٠. رقم الحديث ١٢٧٠ .
٠٫٠

٣٥
٦٦ - (القِسْطُ فِي الأَصْدِقَةِ) - حديث رقم ٣٣٤٧
=
=
الزهريّ: يُرجم إذا كان عالمًا، وإن كان جاهلا أدنى الحدّين الذي هو الجلد، ولها
مهرها، ويُفرّق بينهما، ولا يجتمعان أبدًا.
وقال طائفة: لا حدّ عليه في شيء من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو
يوسف، ومحمد بن الحسن: يُحَدّ في ذات المحرم، ولا يُحدّ في غير ذلك من النكاح.
وذلك مثل أن يتزوّج مجوسيّة، أو خمسة في عُقدة، أو تزوّج متعة، أو تزوّج بغير
شهود، أو أَمَةً تزوّجها بغير إذن مولاها.
وقال أبو ثور: إذا علم أن هذا لا يحلّ له يجب أن يحدّ فيه كله إلا التزويج بغير شهود.
وفيه قولٌ ثالثّ قاله النخعيّ في الرجل ينكح الخامسة متعمّدًا قبل أن تنقضي عدّة
الرابعة من نسائه: جُلد مائة، ولا يُنفَى.
فهذه فُتيا علماء المسلمين في الخامسة على ما ذكره ابن المنذر، فكيف بما فوقها.
قاله القرطبيّ(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): ذكر الزبير بن بكّار حدثني إبراهيم الحزاميّ، عن محمد بن معن
الغفاريّ، قال: أتت امرأة إلى عمر بن الخطّاب وَمثله، فقالت: يا أمير المؤمنين، إن
زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله عز
وجل، فقال لها: نعم الزوج زوجك، فجعلت تكرّر عليه القول، وهو يكرّر عليها
الجواب، فقال له كعب الأسديّ: يا أمير المؤمنين هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته
إياها عن فراشه، فقال عمر: كما فهمت كلامها، فاقض بينهما، فقال كعب: عليّ
بزوجها، فأتي به، فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك، قال: أفي طعام، أم شراب؟ قال:
لا، فقالت المرأة [من الرجز]:
أَلْهَى خَلِيلِي عَنْ فِرَاشِي مَسْجِدُه
يَا أَا الْقَاضِي الْحَكِيمُ رَشَدُه
فَاقْضِ الْقَضَا كَغْبُ وَلَا تُرَدِّدُهُ
زَهَّدَهُ فِي مَضْجَعِي تَعَبُّدُه
فَلَسْتُ فِي أَمْرِ النِّسَاءِ أَحْمَدُهُ
تَّارَهُ وَلَيْلَهُ مَا يَزْقُدُهُ
فقال زوجها:
أَنّي امْرُؤْ أَذْهَلَنِي مَا قَدْ نَزَلْ
زَهْدَنِي فِي فَرْشِهَا وَفِي الْحَجَلْ
وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تُوِيفٌ جَلَلْ
فِي سُورَةِ النَّخْلِ وَفِي السَّبْعِ الطُّوَلْ
فقال کعبٌ :
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٨/٥.

٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
إِنَّ لَهَا عَلَيْكَ حَقًّا يَا رَجُلْ نَصِيبُهَا فِي أَرْبَع لِمَنْ عَقَلْ
فَأَفْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعِلَّلْ
ثم قال: إن الله عز وجل قد أحلّ لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام
ولياليهنّ، تعبد فيهنّ ربّك. فقال عمر: والله ما أدري من أيّ أمريك أعجب؟ أمن
فهمك أمرهما، أم من حكمك بينهما؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة. وروى أبو هدية
إبراهيم بن هُدبة: حدثنا أنس بن مالك، قال: أتت النبيّ وَّ امرأةٌ تستعدي زوجها،
فقالت: ليس لي ما للنساء، زوجي يصوم الدهر، قال: ((لك يومٌ، وله يومٌ، للعبادة
يومٌ، وللمرأة يوم)) (١). ذكره القرطبيّ(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٤٨- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ؟
فَقَالَتْ: ((فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّه عَلَى اثْتَتَيْ عَشْرَةَ أُوْقِيَّةً وَنَشٌ، وَذَلِكَ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَم)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث لا علاقة له بالترجمة، وقد عقد له في
((الكبرى)) ترجمة، بلفظ: ((التزويج على خمسمائة درهم))، فكان الأولى أن يترجم به في
((المجتبى)) أيضًا. والله تعالى أعلم.
ورجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزيّ نزيل نيسابور المعروف بابن راهويه [ثقة
ثبت حجة [١٠] ٢/٢.
٢- (عبد العزيز بن محمد) الدراورديّ، أبو محمد المدني، صدوق، كان يحدث
من كتب غيره، فيخطىء [٨] ١٠١/٨٤ .
٣- (يزيد بن عبد الله بن الهاد) الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة مكثر [٥]
٩٠/٧٣ .
٤- (محمد بن إبراهيم) بن الحارث التيمي، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة له أفراد [٤]
٦٠/ ٧٥ .
٥- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١/١.
٦- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم.
(١) هذا يحتاج إلى النظر في سنده، فليُنظر.
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٩/٥ - ٢٠ .

٣٧
٦٦- (الْقِسْطُ فِي الأَصْدِقَةِ) - حديث رقم ٣٣٤٨
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه إسحاق ابن راهويه، فمروزيّ، ثم
نيسابوريّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض: يزيد، عن محمد
ابن إبراهيم، وعن أبي سلمة. (ومنها): أن فيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين
السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. (ومنها): أن فيه أبا سلمة بن عبد الرحمن أحد الفقهاء
السبعة المشهورين بالمدينة، على بعض الأقوال. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين
رضي اللَّه تعالى عنها (عَنْ ذَلِكَ؟) أي عن مقدار المهر، وفي رواية مسلم: ((سألت
عائشة زوج النبيّ وَلهكم كان صداق رسول اللَّه وَ لَ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي
عشرة أوقيّةً ونشًا)) (فَقَالَتْ: ((فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَليّ) أي تزوّج الأزواج، أو زوّج نساءه
(عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوْقِيَّةً) بضم الهمزة، وسكون الواو، وكسر القاف، وتشديد الياء
التحتانية- قال النوويّ: والمراد أُقيّة الحجاز، وهي أربعون درهمًا(١) انتهى.
وقال الفيّوميّ: والأُوقيّة بضمّ الهمزة، وبالتشديد: وهي عند العرب أربعون درهمًا،
وهي في تقدير أَفْعُولةٍ، كالأُعجوبة، والأُحدوثة، والجمع الأَوَاقِيّ بالتشديد،
وبالتخفيف للتخفيف. وقال ثعلبٌ في باب المضموم أوّله: وهي الأُوقيّة، والْوُقيّةُ لغة،
وهي بضمّ الواو، هكذا هي مضبوطةٌ في كتاب ابن السّكّيت. وقال الأزهريّ: قال
الليثُ: الْوُقيّةُ: سبعةُ مثاقيل، وهي مضبوطةٌ بالضمّ أيضًا. قال الْمُطَرِّزيّ: وهكذا هي
مضبوطة في ((شرح السنّة)) في عِدَّةِ مواضع، وجرّى على ألسنة الناس بالفتح، وهي لغة،
حكاها بعضهم، وجمعها وَقَايا، مثلُ عَطِيّة وعطايا انتهى (٢).
(وَنَشِّر) بفتح النون، وتشديد الشين المعجمة: فسّرته عائشة رضي اللّه تعالى عنها،
وقال كُراع: هو نصف الشيء. وقال الخطابيّ: هو اسم موضوع لهذا القدر. وقال
القرطبيّ: هو مُعَرَّبٌ، منوّنٌ. انتهى (٣). وقال الفيّوميّ: النّشّ بالفتح: نصف الأوقيّة
(١) وقدّر في المعيار المعاصر بـ(١٤٧) غرامًا. انظر ما كتبه الشيخ عبدالله عبدالرحمن البسّام في
(توضيح الأحكام)) ٤/ ٤٧١ .
(٢) راجع ((المصباح المنير)) في مادّة وقى ٦٦٩ - ٦٧٠.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ١٣٣-١٣٤.

٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ
وغيرها، وكانت الأوقيّة عندهم أربعين درهمًا، وكان النشّ عشرين درهمًا، قال ابن
الأعرابيّ: ونشُ الدرهم، والرَّغِيف: نصفه انتهى.
(وَذَلِكَ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَم)))(١) هذا التفسير من عائشة رضي اللّه تعالى عنها، ففي
رواية مسلم: قالت: أتدري ما النّش؟ قال: قلت: لا، قالت: نصف أوقيّة، فتلك
خمسمائة درهم، فهذا صداق رسول اللَّه وَالتِّ لأزواجه)).
[فإن قيل]:" فصداق أمّ حبيبة زوج النبيّ وَلّز، كان أربعة آلاف درهم، وأربعمائة(٢)
دينار. [فالجواب]: أن هذا القدر تبرّع به النجاشيّ من ماله، إكرامًا للنبيّ وَه، لا أنّ
النبيّ وَّهر أدّاه، أو عقد به. قاله النوويّ(٣).
وقال القرطبيّ: ما ملخّصه: هذا القول من عائشة رضي اللّه تعالى عنها إنما هو إخبار
عن غالب أزواج النبيّ وَلّ؛ لأن صفيّة من جملة أزواجه، وأصدقها نفسها، على ما تقدّم
من الخلاف، وزينب بنت جحش، لم يُذكر لها صداق. وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان
أصدقها النجاشيّ أربعة آلاف درهم، فقد خرج هؤلاء من عموم قول عائشة رضي الله
تعالى عنهنّ انتهى(٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣٤٨/٦٦ - وفي ((الكبرى)) ٥٥١٣/٦٨. وأخرجه (م) في ((النكاح))
١٤٢٦ (د) في ((النكاح)) ٢١٠٥ (ق) في ((النكاح)) ١٨٨٦ (أحمد) في ((باقي مسند
الأنصار)) ٢٤١٠٥ (الدارمي) في ((النكاح)) ٢١٩٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): أن الصداق للمرأة عند النكاح لا بدّ منه. (ومنها): كونه الصداق خمسمائة
درهم، وهذا ليس على سبيل الوجوب، وإنما هو لمن يتسّر له ذلك، وإلا فيجوز بأقلّ
منه، فقد ثبت أنه بَ الر قال: ((التمس، ولو خاتمًا من ذهب))، وأنه رَليل تزوّج بأكثر من
(١) هي بالريال السعوديّ مائة وأربعون ريالاً. انتهى ((توضيح الأحكام)) ٤/ ٤٧٢.
(٢) هكذا نسخة شرح النووي بالواو، ولعل الصواب بـ((أو))، فليحرر.
(٣) (شرح مسلم)) ٢١٨/٩.
(٤) ((المفهم)) ١٣٤/٤.

٦٦ - (الْقِسْطُ فِي الأَصْدِقَةِ) - حديث رقم ٣٣٤٩
=
٣٩=
ذلك، كما في قصّة أم حبيبة رضي اللّه تعالى عنها الآتية بعد حديثين، غير أنّ المغالاة
فيه مكروهةٌ؛ لأنها من باب السرف، والتعسير، والمباهاة. قاله القرطبيّ.
وقد تقدّم اختلاف أهل العلم في أقلّ المهر -٣٢٠١/١ - في شرح حديث الواهبة
نفسها، مستوفىّ، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٤٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((كَانَ
الصَّدَاقُ، إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِ عَشْرَةَ أَوَاقٍ)) ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن عبد الله بن المبارك) أبو جعفر الْمُخَرِّميّ البغداديّ الثقة الحافظ [١١]
٥٠/٤٣ ٠
٢ - (عبد الرحمن بن مهديّ) العنبريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤٩/٤٢.
٣- (داود بن قيس) الفرّاء الدّبّاغ المدنيّ، الثقة الفاضل [٥] ١٢٠/٩٦.
٤- (موسى بن يسار) المطلبيّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٤] .
روی عن أبي هريرة څ . وعنه ابن أخیه محمد بن إسحاق بن يسار، وعبد الرحمن بن
الغسيل، وعُبيدالله بن عمر العمريّ، وأبو مَعْشَر، وداود بن قيس الْفَرَّاء، وعثمان بن واقد
المدنيّون. قال عباسٌ، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). علّق عنه
البخاريّ، وأخرج له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب
هذا الحديث رقم ٣٣٤٩ - وحديث آخر رقم ١٤ / ٤٤٨٩ - حديث أبي هريرة في الْمُصَرّاة.
٥- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغدادي، وابن مهدي،
فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه
من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: ((كَانَ الصَّدَاقُ) ولفظ أحمد من
رواية إسماعيل بن عمر، عن داود بن قيس: ((كان صداقنا إذ كان فينا رسول اللَّهِ وَرِ،

٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ
عَشْرَ أواق، وطَبَّقَ بيديه، وذلك أربع مائة)).
والمراد صداق غالب الناس، الذي يتعاملون به فيما بينهم، وإلا فقد تقدّم أنه دَظ ◌ّه
كان يتزوّج باثني عشر أوقيّة، ونَشًا، وأمهر النجاشيّ أم حبيبة رضي اللّه تعالى عنها حين
زوّجها للنبيّ ◌َل﴾ أربعة آلاف درهم. وكذلك ثبت أيضًا أنه وَله زوّج بأقلّ من ذلك،
وقال: ((التمس ولو خاتمًا من حديد)). وزوّج بسور من القرآن.
(إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿) أي في حياته، ومرأىّ، ومَسْمَع منه، ويستفاد منه أنه وَّل
قرّرهم عليه، وفيه أن الصحابيّ إذا قال: كنا نفعل كذا، في عهده ێ له حكم الرفع،
وهو مذهب جماهير أهل العلم، من المحدّثين وغيرهم، وإلى ذلك أشار الحافظ
السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال:
نَحْوُ ((مِنَ السُّنَّةِ)) مِنْ صَحَابِي
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ
فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
((كَذَا أُمِزْنَا)) وَكَذَا (كُنَّا نَرَى))
تَصْرِيجِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي
(عَشْرَةَ أَوَاقٍ)) ) أي أربعمائة درهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه
الله تعالى، أخرجه هنا-٣٣٤٩/٦٦ - وفي ((الكبرى)) ٥٥١١/٦٥. وأخرجه (أحمد)
في ((باقي مسند المكثرين)) ٨٥٨٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٥٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ مُقَاتِلٍ بْنِ مُشَمْرِخ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَسَلَّمَةَ بْنِ عَلْقَمَّةَ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ،
دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ سَلَمَةُ: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ،
نُبِّئْتُ عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي الَّعَجْفَاءِ، قَالَ:
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّبِ: ((أَلَا لَا تُغْلُوا صُدُقَ النِّسَاءِ، فَإِنَةٌ لَّوْ كَانَ مَكْرُمَّةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ
تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ، امْرَأَةٌ مِنْ
نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ، أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوْقِيَّةٌ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُغْلِي بِصَدُقَّةِ
امْرَأَتِهِ، حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَحَتَّى يَقُولَ: كُلِّفْتُ لَكُمْ عَلَقَ الْقِرْبَةِ، وَكُنْتُ
غُلَامًا عَرَبِيًّا مُؤَلَّدًا، فَلَمْ أَدْرِ مَا عَلَّقُ الْقِرْبَةِ؟ قَالَ: وَأُخْرَى يَقُولُونَها لِمَنِ قُتِلَ فِي مَغَازِيُكُمْ،
أَوْ مَاتَ: قُتِلَ فُلَانٌ شَهِيدًا، أَوْ مَاتَ فُلَانٌ شَهِيدًا، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْقَرَ عَجْزَ دَابَّتِهِ، أَوْ
دَفَّ رَاحِلَتِهِ ذَهَبًا، أَوْ وَرِقًا يَطْلُبُ التِّجَارَةَ، فَلَا تَقُولُوا ذَاكُمْ، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ
وَلَّهِ: (مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مَاتَ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ) ).