النص المفهرس
صفحات 1-20
شرح سُّيْ انْسَائِيّ المُسَمَّى ذَخِيرَة الْعُقَى في شرح المجْتَبى لجامِعِه الفَقِيْرُإلى مَوْلَاهِ الفَنِىّ القَدِيُِّ مَّابِ الشّيخ العَامَة ◌َى بْآدَمَ بُوَ الأَبُوِي الْوَلَّوِّ المُرّسُ بَدَارُ الحَديثُ الخيريَّة بمكّة المكرّمة عَفَا اللّه عَنْه وَعَلُ وَالَيُّه آمِينْ الجزءالثّامِ وَالعشرون E ـع مَكتبٍ تنسيق وحريج وتحقيق ـ، وخُصْ عُلا قم: ٢٥٢٤٠ نشرُ وَالـ بروم) جميع الحقوق محفُوطُتّة الطّبعَّة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م وَازال برُويم للنشروَ التّريخ الملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسيّ التّعيم صَبْ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - حوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦) يشرح سُبْ النَّائي بسم الله الرحمن الرحيم ٦٣- (التَّزْوِيجُ عَلَى الإِسْلَام) - حديث رقم ٣٣٤١ ٦٣ - (التَّزْوِيجُ عَلَى الإِسْلَام) ٣٣٤١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمِ، فَكَانَ صِدَاقُ مَا بَيْتَهُمَا الْإِسْلَامَ، أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْم، قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ، فَخَطَبَهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنْ أَسْلَمْتَ نَكَحْتُكَ، فَأَسْلَمَّ، فَكَانَ صِدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا). رجال هذا الإسناد: اربعة : ١- (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (محمد بن موسى) الْفِطْريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٧] ١٦٠٠/١. ٣- (عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، أخو إسحاق، ثقة [٤] . قال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وأخواه: إسماعيل، وعبد الله ثقات. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. ووثقه العجليّ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال الواقديّ: مات سنة (١٣٤ هـ) وكان أصغر من أخيه إسحاق. روى له مسلم، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حدیثان، هذا، وفي ((كتاب الزينة)) حديث رقم ١١٧/ ٥٣٧٢ . ٤- (أنس) بن مالك الأنصاريّ الخادم رضي الله تعالى عنه ٦/٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، كالإسناد الماضي في الباب الذي قبله، وهو (١٦٨) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، نسبة إلى بَغْلان، قرية من قُرى بَلْخ، وفيه أنس وَثّه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل ابن الأسود بن حَرَام الأنصاريّ النّجاريّ، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة ، شهد بدرًا، وما بعدها، ومات تَّه سنة (٣٤) وقال أبو زرعة الدمشقيّ: عاش بعد النبيّ ◌َل شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ أربعين سنة، روى له الجماعة، تقدم ١٢٢ / ١٧٧ (أَمَّ سُلَيْم) بضمّ السين المهملة، وفتح اللام مصغّرًا- بنت مِلْحان بن خالد الأنصاريّة، والدة أنسَ الراوي عنها، يقال: اسمها سَهْلة، أو رُميلة، أو رُميثة، أو مُليكة، أو أنيثة، وهي الغُميصاء، أو الرُّمَيصاء، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيّات الفاضلات، ماتت رضي اللّه تعالى عنها في خلافة عثمان رَّه. روى لها الجماعة، وتقدّمت ٧٣٧/٤٣ (فَكَانَ صِدَاقُ) قال الفيّوميّ: صداق المرأةِ فيه لغاتٌ، أكثرُها فتح الصّاد، والثانيةُ كسرها، والجمعُ صُدُقْ - بضمّتين- ، والثالثةُ لغةُ الحجاز: صَدُقةٌ -أي بفتح، فضمّ - وُجُمَعُ على لفظها صَدُقَات، وفي التنزيل: ﴿وآتوا النساء صَدُقَاتهنّ﴾ الآية. والرابعةُ لغةُ تميم: صُدْقَةٌ - أي بضمّ، فسكون- والجمعُ صُدُقات، مثلُ غرفة وغُرُفَات في وجوهها، وصَدْقَةٌ -أي بفتح، فسكون- لغةٌ خامسةٌ، وجمعُها صُدَقٌ، مثلُ قَرْيَةٍ وقُرَى انتهى(١) [تنبيه]: الصداق هو ما تستحقّه المرأة بدلًا في النكاح، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: وله تسعة أسماء: الصّداقُ، والصّدُقَةُ، والمهر، والنّخلة، والفريضة، والأجر، والعَلائق،، والعُقْرُ، والْحِبَاءُ. رُوي عن النبيّ وَ لِّ أنه قال: ((أَدُّوا العلائق)). قيل: يا رسول الله، وما العلائق؟، قال: ((ما تراضى به الأهلون» (٢). وقال عمر: لها عُقْرُ نسائها. يقال: أصدقت المرأة، ومَهَرتُها، ولا يقال: أمهرتها. انتهى (٣) . وقد نظمت الأسماء التسعة بقولي: الْمَهْرُ وَالنَّخْلَةُ وَالْحِبَاءُ وَلِلصَّدَاقِ تِسْعَةٌ أَسْمَاءُ والْعُقْرُ وَالْعَلَائِقُ الْفَرِيضَةُ وَالأَجْرُ وَالصَّدَاقُ وَالصَّدُقَةُ فقوله: ((صداقُ)) مبتدأ، وهو مضافٌ إلى قوله (مَا بَيْنَهُمَا) ((ما)) اسم موصول، بمعنى ((الذي))، وقوله (الإسلام) خبر المبتدإ، وهو صداق، أي مهر النكاح الذي جرى بينهما هو الإسلام، أي إسلام أبي طلحة (أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْم، قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ) رضي اللّه تعالى عنهما (فَخَطَبَهَا) أي خطب أبو طلحة أم سُليم ليتزوّهاً (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ) أي دخلت في الإسلام (فَإِنْ أَسْلَمْتَ نَكَحْتُكَ) أي تزوّجتك، يقال: نَكَح الرجل، والمرأة أيضًا يَنْكِحُ، من (١) راجع ((المصباح المنير)) في مادة صدق ٣٣٥-٣٣٦. (٢) رواه الدارقطنيّ في (سننه)) ٢٤٤/٣ - من حديث ابن عباس، مرفوعًا بلفظ: ((أنكحوا الأيامى، ثلاثًا، قيل: ما العلائق بينهم يا رسول الله؟ قال: ((ما تراضى عليه الأهلون، ولو قضيب من أراك)). وفي سنده محمد بن عبدالرحمن البيلمانيّ منكر الحديث، وفيه اضطراب، راجع ((التعليق المغني على الدارقطني)) ٢٤٤/٣-٢٤٥. (٣) («المغني) ١٠ / ٩٧-٩٨. ٧ ٦٣ - (التَّزْوِيجُ عَلَى الإِسْلام) - حديث رقم ٣٣٤١ باب ضَرَبَ نِكَاحًا: إذا تزوّجا (فَأَسْلَمَ) أبو طلحة (فَكَانَ صِدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا) اسم ((كان)) ضمير يعود إلى الإسلام، أي كان الإسلام صداقَ النكاح الذي جرى بينهما، ولم يذكرا مالاً. وهذا محلّ الترجمة، فإنه ظاهر في أن الإسلام يجوز أن يكون مهرًا للنكاح، وهذا هو المذهب الراجح. قال السنديّ: وتأويله عند من لا يقول بظاهره أن الإسلام صار سببًا لاستحقاقه لها كالمهر، لا أنه المهر حقيقةً، ومن جوّز أن المنفعة الدينيّة تكون مهرًا لا يحتاج إلى تأويل، ولا يخفى أن الرواية الآتية ترد التأويل المذكور. وقد يؤوّل بأنها اكتفت عن المعجّل بالإسلام، وجعلت الكلّ مؤجّلًا بسببه، فليتأمّل انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تأويله الأخير بعيدٌ أيضًا، يبعده «فإن تُسلم، فذاك مهري، وما أسألك غيره)) ، فقد أكدت نفي المهر الماليّ مطلقًا، معجلًا، أو مؤجّلًا، حيث قالت: ((وما أسألك غيره))، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣٣٤١/٦٣ و٣٣٤٢ - وفي ((الكبرى)) ٥٥٠٣/٦١ و٥٥٠٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز النكاح على أن يكون المهر إسلام الزوج. (ومنها): أن فيه بيان فضيلة أم سليم رضي اللّه تعالى عنها، حيث كانت سببًا لإسلام زوجها. (ومنها): جواز إسلام الرجل ليتزوّج امرأة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): استُشكل هذا الحديث مع حديث الهجرة، حيث قال ◌َالقر: ((ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هجر إليه)). [وأجيب] عنه بأجوبة، تقدّم بيانها في أوائل هذا الشرح، عند شرح حديث النيّة. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هكذا استشكلوه، وعندي أنه لا إشكال في ذلك أصلًا، إذ دخول الشخص في الإسلام لأيّ سبب من الأسباب لا يضرّه، إذا حسن بعد ذلك إسلامه؛ إذ بعض المؤمنين الأولين هكذا كان دخولهم في الإسلام، ثم رزقهم الله (١) (شرح السنديّ» ١١٤/٦. ٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ تعالى الثبات فيه، كما قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾، إلى أن قال: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٩٤]، ولذلك جعل الله تعالى في الصدقات قسم المؤلّفة قلوبهم، فكثيرٌ من الناس يدخل في الإسلام، طمعًا في مال، أو جاه، ثم يدخل الإيمان في قلبه، فيكون من خيار المسلمين، فيكون أبو طلحة رَطيه من هذا القبيل، وإنما يضرّه أن يكون بعد دخوله في الإسلام لا حاجة له إلا غرضه ذلك، بحيث لو قُدّر أن فقده ما ثبت على الإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ اَلْمَنَّ بِّ وَإِنْ أَصَابَنَّهُ فِئْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ الآية [الحج: ١١]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٤٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمَ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مِثْلُكَ، يَا أَبَا طَلْحَةً يُرَّدُ، وَلَكِنَّكَ رَّجُلٌ كَافِرٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي، وَمَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ، فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا، قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا سَمِعْتُ بِامْرَأَةٍ قَطْ، كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمُّ سُلَيْم، الْإِسْلَامَ، فَدَخَلَ بِهَا، فَوَلَّدَتْ لَهُ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن النضر بن مساور)): هو المروزيّ، صدوق [١٠] ٢٣٧/٧٠ . و((جعفر بن سُليمان)): هو أبو سليمان الضُّبَعيّ البصريّ، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيّع [٨] ١٤/ ١٤. و((ثابتٌ)): هو البنانيّ. وهذا الإسناد أيضًا من رباعيّاته، كالماضي، وهو (١٦٩) من رباعيات الكتاب . وقوله: ((ولا يحلّ لي أن أتزوّجك)) استُشكل هذا بأن أبا طلحة مممن أسلم في أوائل الهجرة، وتحريم المسلمات على الكفّار إنما جاء بين الحديبية، والفتح، فكيف تقول: ولا يحلّ لي أن أتزوّجك))؟. قال الحافظ العراقيّ في ((طرح التثريب)): والحديث، وإن كان صحيح الإسناد، فإنه معلّلٌ بكون المعروف أنه لم يكن حينئذ تحريم المسلمات على الكفّار إنما نزل بين الحديبية، وبين الفتح، حين نزل قوله تعالى: ﴿لَ هُنَّ حِلٌّلَّمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَمُنَّ ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠] كما ثبت في ((صحيح البخاريّ))، فقول أم سُليم في الحديث: ((ولا يحلّ لي أن أتزوّجك)) شاذٌ مخالفٌ للحديث الصحيح، وما اجتمع عليه أهل السنن انتهى(١). (١) ((طرح التثريب)) ٢٧/٢. ٩ ٦٤ - (التَّزْوِيجُ عَلَى الْعِتَقِ) - حديث رقم ٣٣٤٣ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: النكارة في هذا الحديث قولها: ((ولا يحلّ لي أن أتزوّجك)) فقط، وإلا فالحديث تقدّم بالإسناد الماضي، وليست فيه هذه الجملة، والظاهر أن هذه من منكرات جعفر بن سليمان، فإنه وإن كان ثقة، إلا أن له مناكير، فقد نقل في ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) عن ابن المدينيّ، أنه قال: أكثرَ عن ثابت، وكتب مراسيل، وفيها أحاديث مناكير عن ثابت، عن النبيّ ◌َّه. وقال أيضًا: أكثرَ عن ثابت، وبقية أحاديثه مناكير. وقال الأزديّ: وأما الحديث، فعامّة حديثه عن ثابت وغيره، فيها نظر ومنكر. انتهى(١). والحاصل أن الحديث صحيح، غير ((ولا يحلّ لي أن أتزوّجك))، فتنبّه. والله تعالى أعلم. وقوله: ((مهرًا)) منصوب على التمييز. وقوله: ((الإسلام)) يحتمل الرفع على أنه خبر المحذوف، أي هو الإسلام. ويحتمل النصب، على أنه مفعول لفعل محذوف أيضًا، أي أعني الإسلامَ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)) . ٦٤ - (التّزْوِيجُ عَلَى الْعِثْقِ) ٣٣٤٣- (أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي ابْنَ صُهَيْبٍ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ح وَأَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَشُعَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ، أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَهُ صَدَاقَهَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١- (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي. ٢- (أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطيّ، ثقة ثبت [٧] ٤٦/٤١. ٣- (حماد) بن زيد بن درهمن أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه [٨] ٣/٣. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت [٤] ٣٤/٣٠ . ٥- (عبد العزيز بن صُهيب) البناني البصري، ثقة [٤] ١٦٤٣/١٧ . (١) راجع ((تهذيب التهذيب)) ٣٠٦/١-٣٠٨. - ١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ ٦- (شُعيب) بن الحبحاب البصريّ، ثقة [٤] ١٩٩٢/٧٨. والباقيان تقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنّ للمصنف رحمه الله تعالى فيه إسنادين، وكلاهما من رباعياته وهو (١٧٠) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ، أَعْتَقَ صَفِيَّةً) بنت حيي ابن أخطبَ بن سَعْنة بن ثعلبة بن عُبيد بن كعب الإسرائليّة، من أولاد هارن بن عمران ◌َالسَّلامُ، أمّ المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها، سباها رسول اللّه وَ ل عام خيبر، ثم أعتقها، ثم تزوّجها، وماتت سنة (٣٦) وقيل: في خلافة معاوية رَظُّه سنة (٥٠) وهو الصحيح (وَجَعَلَهُ صَدَاقَهَا) هذا فيه أن من أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها، صحّ العقد، والعتق، والمهر، وهذا هو ظاهر الحديث، وبه قال بعض أهل العلم، وهو الحقّ، وخالف في ذلك بعضهم، وسيأتي تفصيل ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللّه تعالى. قال ابن الجوزيّ رحمه اللّه تعالى: فإن قيل: ثواب العتق عظيم، فكيف فوّته، حيث جعله مهرًا، وكان يُمكن جعل المهر غيره؟. فالجواب أن صفيّة بنتُ ملك، ومثلها لا يقنع إلا بالمهر الكثير، ولم يكن عنده وَلّ ما يُرضيها به، ولم يَرَ أن يقتصر، فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرف من المال الكثير انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٣٤٣/٦٤ و٣٣٤٤ و٣٣٨١/٧٩ و٣٣٨٢ و٣٣٨٣ و((والصيد والذبائح)) ٤٣٤١/٣١ وو((الطهارة)) ٦٩/٥٥ و((المواقيت) ٥٤٧/٢٦. وأخرجه (خ) (١) ((فتح)) ١٠/ ١٦٣. ١١ ٦٤۔ (التّزویج علی العِتْقِ) - حديث رقم ٣٣٤٣ = في ((الجهاد)) ٢٩٩١ و(المغازي)) ٤١٩٨ و٤١٩٩ و((الذبائح والصيد)) ٥٥٢٨ (م) في (الصيد والذبائح)) ١٩٤٠ (ق) ((الذبائح)) ٣١٩٦ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١١٦٧٦ و١١٧٣٠ و١١٨٠٧ و١٢٢٦٠ (الدارمي) ١٩٩١. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز جعل العتق صداقًا للنكاح، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى، والصحيح جوازه. (ومنها): أنه يجوز للسيّد تزويج أمته إذا أعتقها من نفسه، ولا يحتاج إلى وليّ، ولا حاكم، وقد اختَلَف السلف، هل يزوّج الوليّ موليّته من نفسه، أم يحتاج إلى وليّ آخر؟، فقال الأوزاعيّ، وربيعة، والثوريّ، ومالك، وأبو حنيفة، وأكثر أصحابه، والليث: يُزوّج الوليّ نفسه، ووافقهم أبو ثور. وعن مالك: لو قالت الثيّب لوليّها: زوجني بمن رأيتَ، فزوّجها من نفسه، أو ممن اختار لزمها ذلك، ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعيّ: يزوّجهما السلطان، أو وليّ آخر مثله، أو أقعد منه، ووافقه زفرُ، وداود. وحجّتهم أن الولاية شرطٌ في العقد، فلا يكون الناكح مُنكحًا، كما لا يبيع من نفسه(١). (ومنها): استحباب عتق الأمة، وتزوّجها، وقد عقد له المصنّف رحمه الله تعالى الباب التالي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جعل عتق الأمة صداقها : ذهبت طائفة إلى أن الرجل إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها، صحّ العقد، والعتق، والمهر على ظاهر الحديث، وبه أخذ من المتقدّمين عليّ، وأنسٌ، وابن مسعود، وسعيد بن المسيّب، وإبراهيم النخعيّ، ومن لقيه إبراهيم، من شيوخه، والشعبيّ، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقتادة، والزهريّ، وغيرهم، ، ومن فقهاء الأمصار سفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والحسن بن حيّ، وأبو يوسف القاضي، قال ابن حزم: خالف في ذلك أصحابه، وَوُفْقَ، والشافعيّ(٢) وأحمد، وإسحاق(٣). وقال ابن حزم في ((المحلّى)): ومن أعتق أمته على أن يتزوّجها، وجعل عتقها صداقها، لا صداق لها غيره، فهو صداق صحيح، ونكاح صحيح، وسنّةٌ فاضلة، فإن طلّقها قبل الدخول، فهي حرّةٌ، ولا يرجع عليها بشيء، فلو أبت أن تتزوّجه بطل (١) ((فتح)) ١٠/ ٢٣٧. (٢) هكذا عدّه ابن حزم مع هؤلاء، وسيأتي عن الحافظ الاعتراض فيه. (٣) نقل هذا كله من ((المحلّى)) ٢٠٦/٩. و((الفتح)) ١٦١/١٠- ١٦٢. ١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ عتقها، وهي مملوكة كما كانت. قال: وفي ذلك خلاف متأخّر، قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، ومالك، وابن شبرمة، والليث: لا يجوز أن يكون عتق الأمة صداقها، قال أبو حنيفة، وزفر، ومحمد، ومالك: إن فعل فلها عليه مهر مثلها، وهي حرّة، ثم اختلفوا إن أبت أن تتزوّجه، فقال أبو حنيفة، ومحمد: تسعى له في قيمتها، وقال مالك، وزفر: لا شيء عليها. ثم ذكر ابن حزم أدلّة الفريقين، وأطال في ذلك، فأجاد، وأفاد(١). قال في ((الفتح)) بعد أذكر ما تمسّك به الأولون: ما حاصله: وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث بأجوبة : أقربها إلى لفظ الحديث أنه أعتقها بشرط أن يتزوّجها، فوجبت له عليها قيمتها، و کانت معلومة، فتزوّجها بها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قال الحافظ: إنه أقرب إلى لفظ الحديث، فيه نظر، بل هو بعيد، ولا يخفى بعده على من تأمله. قال: ويؤيّده قوله في رواية عبد العزيز بن صُهيب: ((سمعت أنسًا قال: سبى النبيّ وَ له صفيّةً، فأعتقها، وتزوّجها، فقال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال: نفسها، فأعتقها)). هكذا أخرجه البخاريّ في ((المغازي)). وفي رواية حمّاد، عن ثابت، وعبد العزيز، عن أنس في حديث: ((قال: وصارت صفيّة لرسول اللّه وَله، ثم تزوّجها، وجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز الثابت: يا أبا محمد، أنت سألت أنسًا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسّم)) ، فهو ظاهر جدًّا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق، فالتأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى لو كانت القيمة مجهولة، فإن في صحّة العقد بالشرط المذكور وجهًا عند الشافعيّة. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا ظاهر في تأييد ما قاله المجيزون، لا ما قاله المانعون، فتأمّل. قال: وقال آخرون: قوله: ((أعتقها، وتزوّجها)) معناه أعتقها، ثم تزوّجها، فلما لم يعلم أنه ساق لها صداقًا، قال: أصدقها نفسها، أي لم يُصدقها شيئًا فيما أَعلَمُ، ولم يَنف أصل الصداق، ومن ثمّ قال أبو الطيّب الطبريّ من الشافعيّة، وابن المرابط من المالكيّة، ومن تبعهما: إنه قول أنس، قاله ظنًّا من قبل نفسه، ولم يرفعه. وربّما تأيّد ذلك عندهم بما أخرجه البيهقيّ من حديث أُميمة -ويقال: أمة الله- بنت (١) ((المحلّى)» ٥٠١/٩-٥٠٧ . ١٣ = ٦٤- (التَّزْوِيجُ عَلَى الْعِتْقِ) - حديث رقم ٣٣٤٣ رزينة، عن أمها: ((أن النبيّ وَ له أعتق صفيّة، وخطبها، وتزوّجها، وأمهرها رزينة، وكان أتي بها مَسبيّة من قريظة، والنضير)). وهذا لا يقوم به حجةٌ؛ لضعف إسناده، ويعارضه ما أخرجه الطبرانيّ، وأبو الشيخ من حديث صفيّة نفسها، قالت: ((أعتقني النبيّ وَّر، وجعل عتقي صداقي))، وهذا موافقٌ لحديث أنس. ويعارضه. وفيه ردّ على من قال: إن أنسًا قال ذلك بناءً على ما ظنّه. وقد خالف هذا الحديث أيضًا ما عليه كافّة أهل السير أن صفيّة من سبي خيبر. ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها بغير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاصّ بالنبيّ مَالر، دون غيره. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: فيه أن هذا التأويل يردّه قولها: ((وجعل عتقي صداقي))، فإنه صريحٌ في تسمية المهر لها، وهو عتقها، فكيف يقال: نكحها بغير مهر؟. وقيل: يحتمل أنه أعتقها بغير عوض، وتزوّجها بغير مهر في الحال، ولا في المآل. قال ابن الصلاح: معناه أن العتق يحلّ محلّ الصداق، وإن لم يكن صداقًا، قال: وهذا كقولهم: الجوع زاد من لا زاد له، قال: وهذا الوجه أصحّ الأوجه، وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النوويّ في ((الروضة)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وبُعد هذا التأويل عن لفظ الحديث أظهر من أن يُظهَر، فتبصّر، ولا تتحيّر. وقال في ((الفتح)) أيضًا: ومن المستغربات قول الترمذيّ بعدأن أخرج الحديث: وهو قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال: وكرٍة بعض أهل العلم أن يجعل صداقها حتى يجعل لها مهرًا، سوى العتق، والقول الأول أصحّ. وكذا نقل ابن حزم عن الشافعيّ. والمعروف عند الشافعيّة أن ذلك لا يصح. قال: وممن قال بقول أحمد ابن حبّان صرّح بذلك في ((صحيحه)) -٩/ ٤٠١ رقم ٤٠٩١ -. قال ابن دقيق العيد: الظاهر مع أحمد، ومن وافقه، والقياس مع الآخرين. فيتردد الحال بين ظنّ نشأ عن قياس، وبين ظنّ نشأ عن ظاهر الخبر، مع ما تحتمله الواقعة من الخصوصيّة، وهي وإن كانت على خلاف الأصل، لكن يتقوّى ذلك بكثرة خصائص النبيّ ◌َالتر في النكاح انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القياس في مقابلة ظاهر النصّ، مما لا يُلتفت إليه، وما أحسن ما قال بعضهم: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ ١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ ودعوی الخصوصية لا تصحّ إلا بدليل صحيح صريح. والحاصل أن مذهب القائلين بجواج كون العتق صداقًا هو الأرجح؛ لقوّة دليله، وإن أردت التحقيق في ذلك، فارجع إلى ما كتبه أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه (المحلّى))(١)، فقد أجاد هناك، وأفاد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٣٣٤٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثْنَا أَبُو نُعَيْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسٍ، أَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِثْقَهَا مَهْرَهَا. وَالَلَّفْظُّ لِمُحَمَّدٍ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. غير شيخه عمرو ابن منصور النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة ثبت. و((سفيان)): هو الثوريّ. و((أبو نعيم)): هو الفضل بن دُكين. و((يونس)): هو ابن عُبيد العبديّ البصريّ الثقة الثبت الفاضل. و((ابن الْحَبْحَاب)): هو شعيب المذكور في السند الماضي. وقوله: ((واللفظ لمحمد)) يعني أن لفظ الحديث المذكور لشيخه محمد بن رافع، وأما عمرو بن منصور، فرواه بالمعنى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)). ٦٥ - (عِثْقُ الرَّجُلِ جَارِيَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا) ٣٣٤٥ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِيِ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدْثَنِي صَالِحُ ابْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةً بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ (١) راجع ((المحلّى)) ٩/ ٥٠١-٥٠٧ . ١٥ ٦٥ - (عِتْقُ الرَّجُلِ جَارِیَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا) - حديث رقم ٣٣٤٥ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ، فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَّهَا، وَعَلَّمَهَا، فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَعَبْدٌ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ، وَحَقَّ مَوَالِیهِ، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ)) ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (يعقوب بن إبراهيم) الدورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٢/٢١. ٢- (ابن أبي زائدة) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الهمدني، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة مُتْقِنٌ، من كبار [٩] ١١٥/٩٣. ٣- (صالح بن صالح) بن حيّ، ويقال: صالح بن صالح بن مسلم بن حيّ، ويقال: حيّان، وحيّ لقب حيّان، وقد يُنسب إلى جدّ أبيه، فيقال: صالح ابن حيّ، وصالح ابن حيّان، الثوريّ الْهَمْدَانيّ الكوفيّ، ثقة [٦]. قال ابن عيينة: كان خيرًا من ابنيه. وقال حرب، عن أحمد: ثقة ثقة. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كان ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). مات سنة (١٥٣). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا -٣٣٤٥/٦٥ و٣٤٨٩ و٣٥٦١ . ٤- ()) عامر) بن شَرَاحيل الشعبيّ الهمداني، أبو عمرو الكوفي، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦ /٨٢ . ٥- (أبو بردة بن أبي موسى) الأشعري، اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] ٣/٣. ٦ - (أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابي ◌َزيه ٣/٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغداديّ. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ رَّه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ: (ثَلَاثَةٌ) مبتدأٌ، أي ثلاثة رجال، أو رجالٌ ثلاثة، وخبر المبتدإ قوله (يُؤْتَوْنَ) بالبناء للمفعول (أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) أي في كلّ عمل، أو في الأعمال التي عملوا في هذه الأحوال، قاله السنديّ (رَجُلٌ) بدَل تفصيل، أو بدل كلّ بالنظر إلى المجموع (كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ، فَأَذَّبَها) مِن التأديب، والأدبُ حسنُ الأحوال، والأخلاق، وقيل: التخلّق بالأخلاق الحميدة (فَاخسَنَ أَدَبها) أي أذبها ١٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النِّكَاحِ من غير عنف، ولا ضرب، بل بالرفق واللطف (وَعَلَّمَهَا، فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا) قال العينيّ: فإن قلت: أليس التأديب داخلًا تحت التعليم؟ قلت: لا، إذ التأديب يتعلّق بالمروآت، والتعليم بالشرعيّاتٍ، أعني أن الأول عرفيّ، والثانيّ شرعيّ، أو الأول دنيويّ، والثاني دينيّ انتهى(١) (ثُمَّ أَعْتَقَّهَا وَتَزَوَّجَهَا) أي فتزوّجه زيادة في الإحسان إليها، فيستحقّ به مضاعفة الأجر، وليس هو من باب العود إلى صدقته حتى ينتقص به الأجر (وَعَبْدٌ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ، وَحَقَّ مَوَالِيهِ) قال الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: [إن قلت]: يُفهم من هذا أنه يؤجر على العمل الواحد مرّتين، مع أنه لا يؤجر على كلّ عمل إلا مرّة واحدة؛ لأنه يأتي بعملين مختلفين: عبادة اللَّه، والنصح لسيّده، فيؤجر على كلّ من العملين مرّةً، وكذا كلّ آتٍ بطاعتين يؤجر على كلّ واحدة أجرها، ولا خصوصيّة للعبد بذلك. [قلت]: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لما كان جنس العمل مختلفًا؛ لأن أحدهما طاعة الله، والآخر طاعة مخلوق، خصّه بحصول أجره مرّتين؛ لأنه يحصل له الثواب على عمل لا يأتي في حقّ غيره، بخلاف من لا يأتي في حقّه إلا طاعةٌ خاصّة، فإنه يحصل أجره مرّةً واحدةً، أي على كلّ عمل أجر، وأعماله من جنس واحد، لكن تظهر مشاركة المطيع لأميره، والمرأة لزوجها، والولد لوالده له في ذلك. ثانيهما: يمكن أن يكون في العمل الواحد طاعة الله، وطاعة سيّده، فیحصل له على العمل الواحد الأجر مرّتين؛ لامتثاله بذلك أمر الله، وأمر سيّده المأمور بطاعته. والله (٢) أعلم انتهى(٢). وقال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى: معنى هذا الحديث عندي أن العبد لما اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة ربّه في العبادات، وطاعة سيّده في المعروف، فقام بهما جميعًا كان له ضعف أجر الحرّ المطيع لربّه مثل طاعته؛ لأنه قد ساواه في طاعة الله، وفضل عليه بطاعة من أمره الله بطاعته. قال: ومن هنا أقول: إن من اجتمع عليه فرضان، فأذاهما أفضل ممن ليس عليه إلا فرض واحد، فأدّاه، كمن وجب عليه صلاةٌ، وزكاةٌ، فقام بهما، فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاةٌ فقط. ومقتضاه أن من اجتمعت عليه فروضٌ، فلم يؤدّ منها شيئًا، كان عصيانه أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها انتهى ملخّصًا. قال الحافظ: والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفة لما يدخل عليه من مشقّة الرقّ، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل، لم يختصّ العبد بذلك. وقال ابن التين: المراد أن كلّ عمل يعمله يُضاعف له. قال: وقيل: سبب التضعيف (١) ((عمدة القاري)) ١٢١/٢ ((كتاب العلم)). (٢) ((طرح التثريب)) ٢٢٦/٦. = ١٧ ٦٥- (عِتْقُ الرَّجُلِ جَارِیَهُ، ثُمَّ یَتَزَوَّجُها) - حديث رقم ٣٣٤٥ أنه زاد لسيّده نُصحًا، وفي عبادة ربّه إحسانًا، فكان له أجر الواجبين، وأجر الزيادة عليهما. قال: والظاهر خلاف هذا، وأنه بَيَّنَ ذلك لئلا يُظنّ أنه غير مأجور على العبادة انتھی . قال الحافظ: وما ادّعى أنه الظاهر لا ينافي ما نقله قبل ذلك. [فإن قيل]: يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات. [أجاب الكرمانيّ]: بأن لا محذور في ذلك، أو يكون أجره مضاعفًا من هذه الجهة، وقد يكون للسيّد جهاتٌ أخرى يستحقّ بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدّي للحقّين على العبد المؤدي لأحدهما انتهى. ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر مختصًا بالعمل الذي يتّحد فيه طاعة الله، وطاعة السيّد، فيعمل عملًا واحدًا، ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأما العمل المختلف الجهة، فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار. قاله في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنما سبق في كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى هو المعنى الأشبه بظاهر النصّ، وحاصله أن العبد لما توجه إليه واجبان: طاعة ربه، وطاعة سيده، فقام بهما جميعًا كان له أجره بهما، وهذا لا يوجد في الحرّ، ولا في العبد الذي يخلّ بأحد الواجبين. اللَّه تعالى أعلم. (وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ) لفظ الكتاب عامّ، ومعناه خاصّ، أي المنزل من عند الله، والمراد به التوراة والإنجيل، كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنّة، حيث يطلق أهل الكتاب. وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصّةً، إن قلنا: إنّ النصرانيّة ناسخة لليهوديّة. كذا قرّره جماعة، ولا يحتاج إلى اشتراط النسخ؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام كان قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمن أجابه منهم نُسب إليه، ومن كذّبه منهم، واستمرّ على يهوديّته لم يكن مؤمنًا، فلا يتناوله الخبر؛ لأن شرطه أن يكون مؤمنًا بنبيّه. نعم من دخل في اليهوديّة من غير بني إسرائيل، أو لم يكن بحضرة عيسىَالسَّلامُ، فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهوديّ مؤمنٌ، إذ هو مؤمنٌ بنبيّه موسىَّالَِّلاءِ، ولم يكذّب نبيًّ آخر، فمن أدرك بعثة محمد وَلهو ممن كان بهذه المثابة، وآمن به لا يُشكل أنه يدخل في الخبر المذكور، ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها، ممن دخل منهم في اليهوديّة، ولم تبلغهم دعوة عيسىَّالَّلهُ؛ لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصّةً . (١) ((فتح)) ٤٨٣- ٤٨٤. ((كتاب العتق)) رقم الحديث ٢٥٤٦. ١٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّكَاحِ نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبيّ وَّر، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث، وهي قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ يُؤْتَوَّنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ الآية، نزلت في طائفة آمنوا منهم، كعبد الله بن سلام وغيره، ففي الطبرانيّ من حديث رفاعة الْقُرَظيّ، قال: نزلت هذه الآيات فيّ، وفيمن آمن معي. وروى الطبرانيّ بإسناد صحيح عن عليّ بن رفاعة القرظيّ، قال: خرج عشرةٌ من أهل الكتاب، منهم: أبي رفاعةُ إلى النبيّ وَِّ، فآمنوا به، فأَذوا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾ الآيات، فهؤلاء من بني إسرائيل، ولم يؤمنوا بعيسى، بل استمرّوا على اليهوديّة إلى أن آمنوا بمحمّدٍ وَّه وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرّتين، قال الطيبيّ: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه، إذ يبعُدُ أن يكون طريان الإيمان بمحمّد ◌َّله سببًا لقبول تلك الأديان، وإن كانت منسوخة انتهى. وسيأتي ما يؤيّده بعدُ. ويمكن أن يقال في حقّ هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنه لم تبلغهم دعوة عيسىِالسَّلامُ إلى أن جاء الإسلام، فآمنوا بمحمّد ◌َّ، فبهذا يرتفع الإشكال، إن شاء الله تعالى. قاله (١) في ((الفتح)»(١). [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث: ما نصّه: ((ثم قال عامر: أعطيناكها بغير شيء، قد كان يُركب فيما دونها إلى المدينة)). وفي لفظ: ((قال الشعبيّ: خذها بغير شيء، قد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة)). و((عامر)) هو الشعبيّ، وإنما قال ذلك تحريضًا للسامع ليكون ذلك أدعى لحفظه، وأجلب لحرصه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٤٥/٦٥ و٣٣٤٦ - وفي ((الكبرى)) ٥٥٠١/٦٠ و٥٥٠٢ . وأخرجه (خ) في ((العلم)) ٩٧ ((العتق)) ٢٥٤٤ و٢٥٤٧ و((الجهاد والسير)) ٣٠١١ و((أحاديث الأنبياء)) ٣٤٤٦ و((النكاح)) ٥٠٨٣ (م) في ((الإيمان)) ١٥٤ (ت) في ((النكاح)) ١١١٦ (ق) في ((النكاح)) ١٩٥٦ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٩٠٣٨ و١٩٩١٠ و١٩٣٧ و١٩٢١٣ (١) ((فتح)) ٢٥٧/١-٢٥٨ ((كتاب العلم)). ١٩ ٦٥ - (عِتْقُ الرَّجُلِ جَارِيتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا) - حديث رقم ٣٣٤٥ (الدارمي) في ((النكاح)) ٢٢٤٤ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بیان جواز عتق الرجل جاریته، ثم نكاحها، وفيه ردّ على من كره ذلك، فمن ذلك ما وقع في رواية هشيم، عن صالح ابن صالح الراوي المذكور، وفيه قال: رأيت رجلاً من أهل خراسان، سأل الشعبيّ، فقال: إن مَن قِبَلَنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته، ثم تزوّجها: فهو كالراكب بدنته، فقال الشعبيّ ... فذكر الحديث. وأخرج الطبرانيّ بإسناد رجاله ثقات عن ابن مسعود ◌َّه ، أنه كان يقول ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما مثله. وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أنس تظلّه أنه سئل عنه؟، فقال: ((إذا أعتق أمته للَّه، فلا يعود فيها)). ومن طريق سعيد بن المسيّب، وإبراهيم النخعيّ أنهما كرها ذلك. وأخرج أيضًا من طريق عطاء والحسن أنهما كانا لا يريان بذلك بأسًا. ذكره في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الصواب أنه لا كراهة في ذلك، ويُعتذر عن هؤلاء الذين كرهوا ذلك بأنهم لم يبلغهم الخبر. والله تعالى أعلم. (ومنها): أنه يدلّ على مزيد فضل من أعتق أمته، ثم تزوّجها، سواءٌ أعتقها ابتداءً لله، أو لسبب. (ومنها): فضل تأديب الأمة، وتعليمها، والإحسان في ذلك. (ومنها): فضل العبد الصالح الناصح لربّه، وسيّده. (ومنها): فضل مؤمن أهل الكتاب الذين آمنوا بالنبيّ وَّهِ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال القرطبيّ: الكتابيّ الذي يضاعف أجره مرّتين، هو الذي كان على الحقّ في شرعه عقدًا وفعلًا إلى أن آمن بنبيّنا وََّ، فيؤجر على اتباع الحقّ الأول والثاني انتهى. وتعقّبه الحافظ بأنه يُشكل عليه أن النبيّ وََّ كتب إلى هرقل: ((أسلم تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ الله أجرك مرّتين))، وهرقل كان ممن دخل في النصرانيّة بعد التبديل انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن المراد عموم أهل الكتاب، كما يدلّ عليه قضة هرقل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أنه لا مفهوم للعدد في قوله: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين)) ، فقد ثبت في النصوص الأخرى زيادة على ذلك، فقد أخرج الطبرانيّ من حديث أبي أمامة (١) (فتح)) ١٥٩/١٠ ((كتاب النكاح)). : ٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ رَّثيم، رفعه: ((أربعة يؤتون أجرهم مرّتين))، فذكر الثلاثة المذكورين هنا، وزاد أزواج النبيّ وَلّهِ. وصحّ أيضًا حديث: ((والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو شاقّ عليه، فله أجران)). وحديث زينب امرأة ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنهما في التي تتصدّق على قريبها: ((لها أجران، أجر الصدقة، وأجر الصلة)). وحديث عمرو بن العاص تَظليه في الحاكم إذا أصاب، له أجران. وحديث جرير: ((من سنّ سنّة حسنةً)). وحديث أبي هريرة ◌َّه: ((من دعا إلى هدى)). وحديث أبي مسعود: ((من دلّ على خير))، والثلاثة بمعنى، وهنّ في ((الصحيحين)). وحديث أبي سعيد في الذي تيمّم، ثم وجد الماء، فأعاد الصلاة، فقال له النبيّ وَله: ((لك الأجر مرّتين)). أخرجه أبو داود. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد يحصل بمزيد التتبّع أكثر من ذلك، وكلّ هذا دالّ على أن لا مفهوم للعدد المذكور في حديث أبي موسى ◌َزيه انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال في ((الفتح)): قال أبو عبد الملك البونيّ وغيره: إن الحديث لا يتناول اليهوديّة البتّة، وليس بمستقيم كما قرّرناه. وقال الداوديّ، ومن تبعه: إنه يحتمل أن يتناول جميع الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام: ((أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير). وهو متعقّبٌ؛ لأن الحديث مقيّدٌ بأهل الكتاب، فلا يتناول غيرهم، إلا بقياس الخير على الإيمان، وأيضًا فالنكتة في قوله: ((آمن بنبيّه)) الإشعار بعليّة الأجر، أي أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيِّينِ، والكفّار ليسوا كذلك. ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفّار أن أهل الكتاب يعرفون محمدًا وَلّ، كما قال الله تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَاَلْإنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراب: ١٥٧]. فمن آمن به، واتّبعه منهم كان له فضلٌ على غيره، وكذا من كذّبه منهم كان وزره أشدّ من وزر غيره. وقد ورد مثلُ ذلك في حقّ نساء النبيّ وَّ لكون الوحي كان ينزل في بيوتهنّ. فإن قيل: فلِمَ لم يُذْكَرُوا في هذا الحديث، فيكون العدد أربعةً؟. قال الحافظ: أجاب شيخنا شيخ الإسلام -يعني البلقينيّ- عن ذلك بأن قضيّتهنّ خاصّة بهنّ مقصورةٌ عليهنّ، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرّة إلى يوم القيامة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر الحافظ، لكن تقدّم قريبًا أن في رواية (١) ((فتح)) ١٥٨/١٠-١٥٩. ((كتاب النكاح)) رقم ٥٠٨٣ .